المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج4

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
711 /
3

الجزء الرابع‏

[تتمة سنة عشر من الهجرة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين‏

و في سنة عشر من الهجرة أيضا قدم العاقب و السيد من نجران [ (1)]

و كتب لهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كتاب صلح‏

. و فيها قدم وفد خولان‏

[ (2)] و هم عشرة

و فيها قدم وفد الرهاويين و وفد تغلب [ (3)]

قال ابن حبيب الهاشمي: و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه، و أمر أصحابه بذلك‏

. و فيها قدم وفد [بني‏] عامر بن صعصعة [ (4)]

روي عن محمد بن إسحاق [ (5)]، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم وفد بني عامر، فيهم: عامر بن الطفيل، و أربد بن قيس، و حيان بن سليم، و هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم، و قد كان قال لعامر قومه: أسلم فإن الناس قد أسلموا، قال:

و اللَّه لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أ فأنا أتبع عقب هذا الفتى، ثم‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 3/ 139.

[ (2)] طبقات ابن سعد 1/ 2/ 61، و تاريخ الطبري 3/ 140.

[ (3)] طبقات ابن سعد 1/ 2/ 76.

[ (4)] تاريخ الطبري 3/ 144.

[ (5)] في الأصل: روى ابن إسحاق.

4

قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فأنا أشغل وجهه عنك، فأعله بالسيف. فلما قدموا [على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏]، جعل عامر يكلم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و ينتظر من أربد ما أمره به، فلم يحر شيئا، فقال له: و اللَّه لأملأنها عليك خيلا جردا و رجالا مردا، فلما ولى،

قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«اللَّهمّ اكفني عامر بن الطفيل»،

فقال عامر لأربد: ويلك، أين ما أوصيتك به؟

قال: و اللَّه ما هممت بالذي أمرتني إلا دخلت بيني و بين الرجل [حتى ما أرى غيرك‏] [ (1)] أ فأضربك بالسيف.

و خرجوا راجعين إلى بلادهم، فبعث اللَّه الطاعون على عامر في بعض طريقهم فقتله اللَّه في بيت امرأة من [بني‏] سلول، فجعل يقول: أ غدّة كغدة البعير، و أرسل على أربد صاعقة فأحرقته، و كان أربد أخا لبيد بن ربيعة من أمه.

و روى الزبير بن بكار بإسناده [ (2)]، أن عامر بن الطفيل أتى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فوسده وسادة، و

قال له:

«أسلم يا عامر»

قال: على أن لي الوبر و لك المدر، فأبي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقام عامر مغضبا و قال: و اللَّه لأملأنها عليك خيلا جردا و رجالا مردا، و لأربطن بكل نخلة فرسا، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«لو أسلم و أسلمت بنو عامر لراحمت قريشا في منابرها».

ثم عاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و قال:

«يا قوم آمنوا»،

ثم قال:

«اللَّهمّ اهد بني عامر.

و اشغل عني عامر بن الطفيل كيف و أنى شئت»،

فخرج فأخذته غدة مثل غدة البعير في بيت سلولية، فقال: يا موت ابرز لي، و أقبل يشتد و ينزو إلى السماء، و يقول: غده كغدة البعير و موت في بيت سلولية.

قال الحسن بن علي الحوماري: كان الطفيل بن مالك بن جعفر يكنى أبا علي، و كان من أشهر فرسان العرب بأسا و نجدة و أبعدها اسما حتى بلغ به ذلك أن قيصر كان قدم عليه قادم من العرب، قال له: ما بينك و بين عامر بن الطفيل، فإن ذكر نسبا عظم به عنده.

و لما مات عامر منصرفه عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم نصب عليه بنو عامر نصابا ميلا في ميل حمي على قبره و لا تسير فيه راعية و لا ترعى و لا يسلكه راكب و لا ماش.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ.

[ (2)] البداية و النهاية 5/ 57.

5

و فيها: كان قد خرج ابن أبي مارية مولى العاص بن وائل في تجارة إلى الشام، و صحبه تميم الداريّ، و عدي بن بدا، و هما على النصرانية، فمرض ابن أبي مارية و قد كتب وصيته و جعلها في ماله، فقدموا بالمال و الوصية، ففقدوا جاما أخذه تميم و عدي، فأحلفهما رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بعد العصر ثم ظهر عليه فحلف عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و المطلب بن وداعة و استحقا

. و فيها سرية علي ابن أبي طالب رضي اللَّه عنه إلى اليمن في رمضان‏

[ (1)] بعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و عقد له لواء و عممه بيده، و

قال:

«امض و لا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك».

فخرج في ثلاثمائة فارس، ففرق أصحابه فأتوا بنهب [و غنائم‏] [ (2)] و نساء و أطفال، و دعاهم إلى الإسلام فأبوا و رموا بالنبل و الحجارة، فصف أصحابه و دفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي، ثم حمل عليهم بأصحابه فقتلوا عشرين ثم أسلموا

. و فيها كانت حجة الوداع‏

[ (3)] قال المؤلف [ (4)]: لما عزم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم على الحج أذن بالناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير ليأتموا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في حجته، فخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم من المدينة مغتسلا مدهنا مترجلا متجردا في ثوبين إزار و رداء، و ذلك في يوم السبت لخمس [ليال‏] [ (5)] بقين من ذي القعدة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين، و أخرج معه نساءه كلهن في هوادج، و أشعر هديه و قلده، ثم ركب ناقته، فلما استوى بالبيداء أحرم من يومه ذلك.

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 2/ 1/ 132، و البداية و النهاية 5/ 104.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و ابن سعد.

[ (3)] و تسمى حجة البلاغ و حجة الإسلام.

[ (4)] «المؤلف»: ساقط من أ.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من أ.

6

و كان يوم الاثنين بمر الظهران فغربت له الشمس بسرف، ثم أصبح و اغتسل و دخل مكة نهارا و هو على راحلته، فدخل من أعلى مكة من كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه، و

قال:

«اللَّهمّ يزد هذا البيت تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة، و زد من عظّمه ممن حجه و اعتمره تشريفا و تكريما و مهابة و تعظيما و برا».

ثم بدأ فطاف بالبيت، و رمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر و هو مضطبع بردائه، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا و المروة على راحلته من فوره ذلك.

و خطب بمكة خطبا في أيام حجه.

قال المؤلف:

و مما جرى بعد حجه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم.

أن باذام والي اليمن مات، ففرق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عمالها بين شهر بن باذام/ و عامر بن شهر الهمدانيّ، و أبي موسى الأشعري، و خالد بن سعيد بن العاص، و يعلى بن أمية، و عمرو بن حزم، و زياد بن لبيد البياضي على حضرموت، و عكاشة بن ثور على السكاسك و السكون.

و بعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين: اليمن و حضرموت، و

قال له:

«يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب و إنهم سائلوك عن مفاتح الجنة، فأخبرهم أن مفاتح الجنة لا إله إلا اللَّه، و أنها تخرق كل شي‏ء حتى تنتهي إلى اللَّه عز و جل، لا تحجب دونه، من جاء بها يوم القيامة مخلصا رجحت بكل ذنب»

فقال: أ رأيت ما سئلت عنه و اختصم إلي فيه مما ليس في كتاب اللَّه و لم أسمع منك سنة [ (1)]؟ فقال:

«تواضع للَّه يرفعك، و لا تقضين إلا بعلم، فإن أشكل عليك أمر فسل و لا تستحي، و استشر ثم اجتهد، فإن اللَّه ان يعلم منك الصدق يوفقك، فإن التبس عليك فقف حتى تتبينه أو تكتب إليّ فيه، و احذر

____________

[ (1)] في الأصل: العبارة مضطربة هكذا: «مما ليس في كتاب و لا أسمع منه».

7

الهوى فإنه قائد الأشقياء إلى النار و عليك بالرفق».

و روى الإمام أحمد [في المسند] [ (1)]، قال: ان معاذ بن جبل لما بعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى اليمن خرج معه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يوصيه و معاذ راكب و رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ،:

قال:

«يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا و لعلك تمر بمسجدي هذا و قبري،

فبكى معاذ خشعا لفراق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ثم التفت و أقبل بوجهه نحو المدينة، فقال:

«إن أولى الناس بي المتقون من كانوا و حيث كانوا».

و روي عن عبيد بن صخر، قال: أمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عمال اليمن جميعا، فقال:

تعاهدوا الناس بالتذكرة و اتبعوا الموعظة فإنّها أقوى للعاملين على العمل بما يحب اللَّه‏

. و فيها كتب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم/ إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام‏

فأسلم و كتب بإسلامه إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و أهدى له هدية ثم لم يزل مسلما حتى كان في زمن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه فارتد. قال المؤلف: سنذكر قصته عند ذكر موته في سنة ثلاث و خمسين من الهجرة

. و فيها بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم جرير بن عبد اللَّه البجلي إلى ذي كلاع بن باكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع فأسلم‏

و أسلمت امرأته ضريبة بنت ابرهة [ (2)] بن الصباح، و اسم ذي الكلاع سميفع بن حوشب.

[أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا علي بن أحمد بن السري، عن أبي عبد اللَّه بن بطة، حدّثنا أبو بكر الأنباري، أخبرنا أبو الحسن بن البراء، قال: حدّثني أبو

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «فأسر، و أسلمت أمه ضريبة بنت إبراهيم»، و ما أوردناه من أ، و الطبري.

8

عبد اللَّه الوصافي، حدّثنا سليمان بن معبد أبو داود المروزي، حدّثنا سعيد بن عفير، حدّثنا] [ (1)] علوان بن داود، عن رجل من قومه، قال:

بعثني قومي بهدية إلى ذي الكلاع في الجاهلية، قال: فمكثت سنة لا أصل إليه، ثم إنه أشرف بعد ذلك من القصر فلم يره أحد إلا خر له ساجدا، ثم رأيته بعد ذلك في الإسلام قد اشترى لحما بدرهم، فسمطه على فرسه، و أنشأ يقول:

أفّ للدنيا إذا كانت كذا * * * أنا منها كل يوم في أذى‏

و لقد كنت إذا ما قيل من‏ * * * أنعم الناس معاشا قيل ذا

ثم أبدلت بعيشي شقوة * * * حبذا هذا شقاء حبذا

و روى الرياشي عن الأصمعي، قال: كاتب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد اللَّه يدعوه إلى الإسلام، و كان قد استعلى أمره حتى دعي إلى الربوبية فأطيع، و مات النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قبل عود جرير، و أقام ذو الكلاع على ما هو عليه إلى أيام عمر بن الخطاب، ثم رغب في الإسلام، فوفد على عمر [رضي اللَّه عنه و معه ثمانية آلاف عبد، فأسلم على يديه و أعتق من عبيده أربعة آلاف، فقال عمر/ [رضي اللَّه عنه‏]: يا ذا الكلاع بعني ما بقي من عبيدك حتى أعطيك ثلث أثمانهم ها هنا، و ثلثا باليمن، و ثلثا بالشام، قال: أجلني يومي هذا حتى أفكر فيما قلت. و مضى إلى منزله فأعتقهم جميعا، فلما غدا على عمر قال [له‏]: ما رأيك فيما قلت لك في عبيدك؟ قال: قد اختار اللَّه لي و لهم خيرا مما رأيت، قال: و ما هو؟ قال: هم أحرار لوجه اللَّه، قال: أصبت يا ذا الكلاع، قال: يا أمير المؤمنين لي ذنب ما أظن اللَّه يغفره لي، قال: ما هو؟ قال: تواريت مرة عن من يتعبد لي ثم أشرفت عليهم من مكان عال، فسجد لي زهاء عن مائة ألف إنسان، فقال عمر: التوبة بإخلاص، و الإنابة بإقلاع يرجى معها رأفة اللَّه عز و جل و الغفران.

و قال يزيد بن هارون: أعتق ذو الكلاع اثني عشر ألف بيت‏

.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين و أوردناه من أ، و في الأصل: «و فيها روى علوان بن داود».

9

و فيها أسلم فروة الجذامي‏

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قال:

حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا علي بن محمد بن عثمان بن عبد الرحمن الزهري، عن واصل بن عمرو الجذامي‏] [ (1)]، قال [ (2)]:

كان فروة بن عمرو الجذامي عاملا للروم فأسلم، فكتب إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بإسلامه، و بعث به رجلا من قومه يقال له مسعود بن سعيد، و بعث إليه ببغلة [ (3)] بيضاء و فرس و حمار و أثواب و قباء سندس مخوص بالذهب،

فكتب إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«من محمد رسول اللَّه إلى فروة بن عمرو، أما بعد فقد قدم علينا رسولك و بلغ ما أرسلت به و خبر عما قبلكم و أتانا بإسلامك و إن اللَّه هداك بهداه»،

و أمر بلالا فأعطى رسوله اثني عشر أوقية و نشا. و بلغ ملك الروم إسلام فروة فدعاه فقال [له‏]: ارجع عن دينك نملكك، فقال: لا أفارق دين محمد و إنك تعلم أن عيسى [قد] [ (4)] بشر به، و لكنك تضن بملكك، فحبسه ثم أخرجه فقتله و صلبه‏

. و في هذه السنة أن رسول اللَّه/ صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بعث عمرو بن العاص بعد رجوعه من الحج لأيام بقين من ذي الحجة إلى جيفر و عبد ابني الجلندي بعمان يدعوهما إلى الإسلام [ (5)].

و كتب معه كتابا إليهما و ختم الكتاب، قال عمرو: فلما قدمت عمان عمدت إلى عبد، و كان أحلم الرجلين و أسهلهما خلقا، فقلت: إني رسول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إليك و إلى أخيك، فقال [أخي‏] المقدم بالسرّ و الملك: و أنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك، فمكثت أياما ببابه، ثم إنه دعاني فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه و قرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه، إلا أني رأيت أخاه أرق منه فقال: دعني يومي هذا و ارجع‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن واصل الجذامي».

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 1/ 2/ 82 برواية أخرى.

[ (3)] في الأصل: و بعث به مع رجل من ... ببغلة و ما أوردناه من ابن سعد.

[ (4)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.

[ (5)] الخبر في طبقات ابن سعد 1/ 2/ 68.

10

إليّ غدا، فلما كان الغد رجعت إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي، قلت: فإنّي خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إليّ فدخلت عليه، فأجاب إلى الإسلام هو و أخوه جميعا، و صدقا بالنبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و خليا بيني و بين الصدقة و بين الحكم فيما بينهم و كانا لي عونا على من خالفني، فأخذت الصدقة من أغنيائهم، فرددتها في فقرائهم [ (1)]، و لم أزل مقيما بينهم حتى بلغنا وفاة النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم. و ذكر الواقدي ان هذا كان في سنة ثمان.

قال المؤلف [ (2)]: و ما ذكرناه أصح. و قال ابن مسعود: هذا آخر بعث النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى الملوك‏

. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

131- إبراهيم ابن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

ولد في ذي الحجة من سنة ثمان، و توفي في ربيع الأول غرة سنة عشر، و دفن بالبقيع.

روى جابر بن عبد اللَّه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بيدي، فانطلق بي إلى النخل الّذي فيه إبراهيم، فوضعه في حجره/ و هو يجود بنفسه، فذرفت عيناه، فقلت له: أ تبكي يا رسول اللَّه، أ و لم تنه عن البكاء؟

فقال:

«إنما نهيت عن النوح، و عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو و لعب، و مزامير الشيطان، و صوت عند مصيبة و خمش وجوه و شق جيوب و رنة شيطان»

[ (3)].

و

قال ابن نمير في حديثه: [ (4)]

«إنما هذه رحمة و من لا يرحم لا يرحم، يا إبراهيم لو لا أنه أمر حق و وعد صدق و إنها سبيل مأتية، و إن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك‏

____________

[ (1)] في الأصل: «فرددتها على فقرائهم». و كتب على الهامش «الأصل: في».

[ (2)] في أ: «قال المصنف».

[ (3)] الخبر في طبقات ابن سعد 1/ 1/ 88.

[ (4)] الخبر في طبقات ابن سعد الموضع السابق.

11

حزنا هو أشد من هذا، و إنا بك لمحزونون، تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول ما يسخط الرب».

قال محمد بن سعد: [ (1)] [حدثني إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن أيوب‏] [ (2)]، عن عمرو بن سعيد، قال:

لما توفي إبراهيم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: «إن إبراهيم ابني، و إنه مات في الثدي، و إن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة».

و

روى محمد بن سعد، [عن وكيع بن الجراح، و هشام بن عبد الملك أبو أيوب الطيالسي، و يحيى بن عباد، عن شعبة، قال: سمعت عدي بن ثابت،] [ (3)] عن البراء بن عازب، قال:

«لما مات إبراهيم ابن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: «أما إن له مرضعا في الجنة».

روى ابن سعد، عن البراء أيضا، قال: صلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

على ابنه إبراهيم، و مات و هو ابن ستة عشر شهرا، و قال: «إن له لظئرا تتم رضاعه في الجنة و هو صديق»

] [ (4)].

و روى ابن سعد، عن جابر، عن عامر، قال: توفي إبراهيم و هو ابن ثمانية عشر شهرا.

قال مؤلف الكتاب [ (5)]: و في يوم [موت‏] [ (6)] إبراهيم كسفت الشمس.

[أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 1/ 1/ 89.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الطبقات، و في الأصل: «روى محمد بن سعد باسناده عن عمرو».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الطبقات، و في الأصل: «روى ابن سعد باسناده عن البراء»، و الخبر في الطبقات 1/ 1/ 89.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الخبر في طبقات ابن سعد 1/ 1/ 90.

[ (5)] في الأصل: «قال المؤلف».

[ (6)] ما بين المعقوفتين: من أ.

12

أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا عبد اللَّه بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن زياد بن علاقة، عن‏] [ (1)] المغيرة بن شعبة، قال [ (2)]:

انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: «إن الشمس و القمر آيتان من آيات اللَّه، و لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فعليكم بالدعاء حتى يكشفا».

و روى محمد بن سعد، [عن محمد بن عمر قال: حدّثني أسامة بن زيد الليثي، عن المنذر بن عبيد] [ (3)]، عن عبد الرحمن بن حسان [بن ثابت، عن أمه‏] [ (4)] سيرين، قالت:

حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كلما صحت أنا و أختي ما ينهانا، فلما مات نهانا عن الصياح، و غسله الفضل بن العباس و رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و العباس جالسان، ثم حمل فرأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم على شفير القبر و العباس جالس إلى جنبه، و نزل في حفرته الفضل بن عباس/ و أسامة بن زيد، و أنا أبكي عند قبره ما ينهاني أحد، و خسفت الشمس ذلك اليوم، فقال الناس [ذلك‏] [ (5)] لموت إبراهيم،

فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«إنها لا تخسف لموت [ (6)] أحد و لا لحياته».

و رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فرجة في اللّبن، فأمر بها أن تسد، فقيل يا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقال:

«أما إنها لا تضر و لا تنفع، و لكن تقر عين الحي، و إن العبد إذا عمل عملا أحب اللَّه عز و جل أن يتقنه».

و مات يوم الثلاثاء لعشر [ليال‏] خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر

.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن المغيرة».

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 1/ 1/ 91.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى ابن سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن حسان».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: مكانه بياض في الأصل.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و ابن سعد.

[ (6)] في الأصل: «لا تكسف لموت أحد» و أوردناه من أ، و ابن سعد.

13

132- باذام ملك اليمن:

كان أسلم و أسلم أهل اليمن، فجمع له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم اليمن كلها فتوفي في هذه السنة

. 133- [عبد اللَّه بن‏] [ (1)] عمرو بن صيفي، أبو عامر الراهب:

كان قد ترهب و انتظر خروج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فلما خرج حسده و جحد نبوته، و قاتل يوم أحد، فلما فتحت مكة هرب إلى قيصر، فمات هناك في هذه السنة.

قال مؤلف الكتاب [ (2)]: و قد ذكرنا طرفا من أخباره في قصة ولده حنظلة في سنة ثلاث من الهجرة

.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.

[ (2)] في الأصل: «قال المؤلف».

14

ثم دخلت سنة احدى عشرة

فمن الحوادث فيها أنه قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم وفد النخع من اليمن للنصف من المحرم‏

[ (1)] و هم مائتا رجل مقرين بالإسلام، و قد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن.

قال الواقدي [ (2)]: و هم آخر من قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم من الوفود

. و من الحوادث استغفار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لأهل البقيع‏

[أنبأنا الحسين بن أحمد بن عبد الوهاب، و إسماعيل بن أبي بكر المصرف، و علي بن عبد اللَّه الزاغوني، و عبد الرحمن بن محمد القزاز، و محمد بن الحسن الماوردي، و أحمد بن محمد الطوسي، حدّثنا أبو الحسن بن النقور، أخبرنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه بن يوسف السختياني، حدّثنا السري بن يحيى، حدّثنا شعيب بن إبراهيم التيمي، حدّثنا سيف بن عمر، عن مبشر بن الفضل، عن عبيد بن حنين،] [ (3)] عن أبي مويهبة مولى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، قال:

أهبني [ (4)] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في المحرم مرجعه من حجته و ما أدري ما مضى من الليل‏

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 1/ 1/ 77.

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 1/ 1/ 77.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن أبي مويهبة». و الخبر في البداية و النهاية 5/ 223، و تاريخ الطبري 3/ 188.

[ (4)] في الطبري و البداية: «بعثني».

15

أكثر أو ما بقي/

فقال:

«انطلق، فإنّي قد أمرت أن استغفر لأهل البقيع»،

فخرجت معه فاستغفر لهم طويلا، ثم. قال:

«ليهنكم ما أصبحتم فيه، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، يا أبا مويهبة إني قد أعطيت خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك و الجنة و بين لقاء ربي و الجنة»،

فقلت:

بأبي أنت و أمي خذ خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة، قال:

«لا و اللَّه يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي و الجنة».

و رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و اشتكى بعد ذلك بأيام.

[أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:

أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدّثنا الأهيم، حدّثنا العباس بن محمد الدوري، حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا أكثم بن فضيل، حدّثنا يعلى بن عطاء، عن عبيد بن جبير] [ (1)]، عن أبي مويهبة مولى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، قال:

أمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم في ليلة ثلاث مرات، فلما كانت الليلة الثالثة،

قال:

«يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي»،

حتى انتهى إليهم، فلما انتهى إليهم نزل عن دابته و أمسكت الدابة و وقفت و وقف عليهم ثم قال:

ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس، أتت الفتن كقطع الليل [المظلم‏] [ (2)] يركب بعضها بعضا، الآخرة شر من الأولى، فليهنكم ما أنتم فيه»

ثم رجع و قال:

«يا أبا مويهبة إني أعطيت- أو خيرت [بين مفاتيح‏] [ (2)] ما يفتح على أمتي من بعدي و الجنة أو لقاء ربي»

قال: قلت: بأبي و أمي يا رسول اللَّه فاخترنا، قال:

« [لأن ترد على عقبها ما شاء اللَّه‏] فاخترت لقاء ربي».

فلما لبث بعد ذلك الاستغفار إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ. و في الأصل: «روى المؤلف باسناده عن أبي مويهبة».

[ (2)] ما بين المعقوفتين من البداية.

16

و من الحوادث سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أبنى، و هي أرض السراة ناحية البلقاء

[ (1)].

و ذلك أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم في يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد،

فقال:

«سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى و حرّق عليهم، فإن أظفرك اللَّه/ فأقلل اللبث فيهم و خذ معك الأدلاء و قدم العيون و الطلائع أمامك.

فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فحم و صدّع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال:

«اغز بسم اللَّه في سبيل اللَّه، فقاتل من كفر باللَّه».

فخرج و عسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين و الأنصار إلا انتدب في تلك الغزاة، فيهم أبو بكر الصديق، و عمر، و سعد بن أبي وقاص، و سعيد بن زيد، و أبو عبيدة، و قتادة بن النعمان، فتكلم قوم و قالوا [ (2)]: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فغضب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم غضبا شديدا، فخرج و قد عصب رأسه عصابة و عليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال:

«أما بعد، أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، فلئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في تأميري من قبله، و أيم اللَّه إن كان للإمارة لخليقا، و إن ابنه من بعده لخليق للإمارة، و إن كان لمن أحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم».

ثم نزل فدخل بيته، و ذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول، و جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و يمضون إلى العسكر بالجرف، و ثقل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فلما كان يوم الأحد اشتد برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم وجعه فدخل أسامة من معسكره و النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم مغمور- و هو اليوم الّذي لدوه فيه- فطأطأ أسامة فقبله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعها على أسامة. قال: فعرفت أنه يدعو لي، و رجع إلى معسكره، ثم دخل إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم؟ يوم الاثنين، فقال له: أغد

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 2/ 1/ 36.

[ (2)] في الأصل: «و قال».

17

على بركة اللَّه، فودعه أسامة و خرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل.

فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يموت، فأقبل و أقبل معه عمر و أبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و هو يموت، فتوفي عليه السلام حين زالت الشمس يوم الإثنين، فدخل المسلمون الذين عسكروا إلى المدينة، و كان لواء أسامة مع بريدة بن الخصيب، فدخل بريدة بلواء أسامة حتى غرزه عند باب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى أسامة ليمضي لوجهه، فمضى بريدة، إلى معسكرهم الأول، فلما ارتدت العرب كلّم أبو بكر في حبس أسامة فأبى، و كلم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلف ففعل، فلما كان هلال ربيع الآخر سنة احدى عشر خرج أسامة فسار إلى أهل أبني عشرين ليلة، فشن عليهم الغارة فقتل من أشرف له و سبى من قدر عليه و قتل قاتل أبيه و رجع إلى المدينة، فخرج أبو بكر في المهاجرين و أهل المدينة، يتلقونهم سرورا بسلامتهم‏

[ (1)].

و من الحوادث في مرض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم مجي‏ء الخبر بظهور مسيلمة و العنسيّ‏

[ (2)] قد ذكرنا أن مسيلمة قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فيمن أسلم ثم ارتد لما رجع إلى بلده، و كتب إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه. و كان يستغوي أهل بلدته، و كذلك العنسيّ إلا أنه لم يظهر أمرهما [ (3)] إلا في حالة مرض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قد لحقه مرض بعد عوده من الحج ثم عوفي ثم عاد فمرض مرض الموت.

قال أبو مويهبة مولى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: لما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم من حجه طارت الأخبار بأنه قد اشتكى/، فوثب الأسود باليمن، و مسيلمة باليمامة، فجاء الخبر عنهما إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعد ما أفاق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم.

____________

[ (1)] في الأصل: «أهل المدينة تلقوهم بالسرور و بالسلام». و ما أوردناه من أ.

[ (2)] تاريخ الطبري 3/ 227.

[ (3)] في الأصل: «أمرهم».

18

روى سيف بن عمر بإسناده عن عليّ و ابن عباس رضي اللَّه عنهما [ (1)]: أول ردة كانت على عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و أول من ارتد الأسود [العنسيّ‏] في مذحج، و مسيلمة في بني حنيفة و طليحة في بني أسد.

و قال الشعبي [ (2)]: قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم خبر مسيلمة و العنسيّ الكذابين بعد ما ضرب على الناس بعث أسامة بن زيد

. و من الحوادث في مرضه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم [ (3)]

أنه رأى في منامه سوارين من ذهب، فخرج فحدث. فروى عكرمة عن ابن عباس، قال: خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عاصبا رأسه من الصداع،

فقال:

«إني رأيت البارحة فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة و صاحب اليمن»

. ذكر أخبار الأسود العنسيّ و مسيلمة و سجاح و طليحة

أما الأسود فاسمه عبهلة بن كعب، يقال له: «ذو الخمار»، لقب بذلك لأنه كان يقول:

يأتيني ذو خمار. و كان الأسود [كاهنا] [ (4)] مشعبذا [ (5)] و يريهم الأعاجيب، و يسبي بمنطقه قلب من يسمعه، و كان أول خروجه بعد حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فكاتبته مذحج و واعدته [ (6)] بحران، فوثبوا بها و أخرجوا عمرو بن حزم، و خالد بن سعيد بن العاص، و أنزلوه منزلهما، و وثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك و هو على مراد، فأجلاه و نزل‏

____________

[ (1)] الخبر في تاريخ الطبري 3/ 185.

[ (2)] الخبر في تاريخ الطبري الموضع السابق.

[ (3)] تاريخ الطبري 3/ 186.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: من أ.

[ (5)] شعباذا: شعبذا، و الشعبذة و الشعوذة: أخذ كالسحر يرى الشي‏ء بغير ما عليه أصله في رأي العين.

في الأصل: «يتعبد»، و في أ: «مشعبذ».

[ (6)] في الأصل: «و واعدوه».

19

منزله، فلم يلبث عبهلة بحران أن سار إلى صنعاء فأخذها، و كتب فروة بن مسيك إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يخبره، و لحق بفروة من بقي على إسلامه من مذحج/ و لم يكاتب الأسود رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و لم يرسل إليه لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له ملك اليمن و قوي أمره [ (1)].

و اعترض على الأسود و كاثره عامر بن شهر [ (2)] الهمدانيّ في ناحيته و فيروز و داذويه في ناحيتهما، ثم تتابع الذين كتب إليهم على ما أمروا به.

ثم خرج الأسود في سبعمائة فارس إلى شعوب [ (3)] فخرج إليه شهر بن باذام و ذلك لعشرين ليلة من خروجه، فقتل شهرا، و هزم الأبناء، و غلب على صنعاء لخمس و عشرين ليلة من خروجه. و خرج معاذ بن جبل هاربا حتى مر بأبي موسى و هو بمأرب [ (4)]، فاقتحما حضرموت، فنزل معاذ السكون، و نزل أبو موسى السكاسك، و رجع عمرو و خالد إلى المدينة، و غلب الأسود و طابقت [ (5)] عليه اليمن و جعل أمره يستطير استطارة الحريق. و دانت له سواحل البحر، و عامله المسلمون بالتقية.

و كان خليفته في مذحج عمرو بن معديكرب، و كان قد أسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، و أمر الأنباء إلى فيروز و داذويه.

ثم استخف بهم و تزوج امرأة شهر، و هي ابنة عم فيروز، فأرسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى نفر من الأبناء رسولا و كتب إليهم أن يجاولوا الأسود إما غيلة و إما مصادمة، و أمرهم أن يستنجدوا رجالا سماهم لهم ممن خرجوا حولهم من حمير و همدان، و أرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم، فدعوا قيس بن عبد يغوث حين رأوا الأسود قد تغير عليه، فحدثوه الحديث و أبلغوه عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فأجاب و دخلوا على زوجته، فقالوا: هذا قتل أباك، فما عندك؟ قالت: هو أبغض خلق اللَّه إليّ و هو متحرز و الحرس يحيطون بقصره‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 3/ 229.

[ (2)] في الأصل: «عمرو بن شهر، و ما أوردناه من أ و الطبري».

[ (3)] شعوب: قصر باليمن معروف بالارتفاع، أو بساتين بظاهر صنعاء.

[ (4)] في الأصل: «و هو هارب»، و ما أوردناه من أ و الطبري.

[ (5)] في الأصل: «و طائفته»، و ما أوردناه من أ.

20

الا هذا البيت، فانقبوا عليه فنقبوا و دخل فيروز فخالطه فأخذ برأسه فقتله، فخار كأشد خوار ثور، فابتدر الحرس الباب، فقالوا: ما هذا؟ قالت المرأة: النبي يوحى إليه فإليكم ثم خمد.

و قد كان يجي‏ء إليه/ شيطان فيوسوس له فيغط و يعمل بما قال له، فلما طلع الفجر نادوا بشعارهم الّذي بينهم، ثم بالأذان، و قالوا فيه: نشهد أن محمدا رسول اللَّه و أن عبهلة كذاب، و شنوها غارة. و تراجع أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى أعمالهم، و كتبوا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بالخبر فسبق خبر السماء إليه، فخرج قبل موته بيوم أو بليلة، فأخبر الناس بذلك، ثم ورد الكتاب، و رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قد مات، إلى أبي بكر، و كان من أول خروج الأسود إلى أن قتل أربعة أشهر.

[أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الحاجي، و إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن النقور، أخبرنا المخلص، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد اللَّه بن سيف بن سعد، أخبرنا السري بن يحيى، حدّثنا شعيب بن إبراهيم التيمي، حدّثنا سيف بن عمر، عن أبي القاسم الشّنويّ، عن العلاء بن زياد] [ (1)]، عن ابن عمر، قال:

أتي النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم الخبر من السماء الليلة التي قتل فيها العنسيّ فخرج ليبشرنا، فقال: «قتل العنسيّ الأسود البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين»، قيل: و من [هو] [ (2)]؟

قال: «فيروز، فاز فيروز».

ذكر أخبار مسيلمة [ (3)] قد ذكرنا أنه قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في وفد بني حنيفة، فلما عاد الوفد ارتد،

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن ابن عمر قال:» و الخبر في تاريخ الطبري 3/ 236.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ.

[ (3)] تاريخ الطبري 3/ 381، و الكامل 2/ 218.

21

و كان فيه دهاء فكذب لهم و ادعى النبوة، و تسمى برحمان اليمامة، لأنه كان يقول: الّذي يأتيني اسمه رحمان، و خاف أن لا يتم له مراده لأن قومه شاغبوه، فقال: هو كما يقولون إلا أنني قد أشركت معه، فشهد لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بأنه نبي، و ادعى أنه قد أشرك معه في النبوة، و جعل يسجع لهم و يضاهي القرآن، فمن قوله: سبح اسم ربك الأعلى الّذي يستر على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى من بين أضلاع وحشي. و يا ضفدعة بنت الضفدعين نقي ما تنقين و سبحي فحسن ما تسبحين للطين تغني سنين و الماء تلبسين، ثم لا تكدرين و لا تفسدين فسبحي لنا فيما تسبحين. و كانوا قد سمعوا منه.

و من قوله لعنه اللَّه: و الليل الأطحم [ (1)]، و الذئب الأدلم [ (2)] و الجذع الأزلم [ (3)] ما انتهكت أسيد من محرم. و كان يقصد بذلك نصرة أسيد على خصوم لهم.

و قال:/ و الليل الدامس و الذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب و لا يابس.

و قال: و الشاة و ألوانها، و أعجبها السود و ألبانها، و الشاة السوداء و اللبن الأبيض، إنه لعجب محض، و قد حرم المذق، ما لكم لا تمجعون.

و كان يقول: و المبذرات زرعا، و الحاصدات حصدا، و الذاريات قمحا، و الطاحنات طحنا، و الخابزات خبزا، و الثاردات ثردا [ (4)]، و اللاقمات لقما، إهالة و سمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، و ما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه.

و أتته امرأة، فقالت: ادع اللَّه لنخلنا و لمائنا فإن محمدا دعا لقوم فجاشت آبارهم، فقال: و كيف فعل محمد؟ قالت: دعي بسجل، فدعا لهم فيه ثم تمضمض و مجه فيه، فأفرغوه في تلك الآبار، ففعل هو كذلك فغارت تلك المياه.

و قال له رجل: برك على ولدي، فإن محمدا يبرك على أولاد أصحابه، فلم يؤت‏

____________

[ (1)] الأطحم، الطحمة: سواد الليل.

[ (2)] الأدلم: الأسود الطويل.

[ (3)] الجذع الأزلم: الدهر.

[ (4)] ثرد الخبز ثردا: فتّه ثم بله بمرق.

22

بصبي مسح على رأسه أو حنكه إلا لثغ [ (1)] و قرع [ (2)].

و توضأ في حائط فصب وضوءه فيه فلم ينبت.

و كانوا إذا سمعوا سجعه، قالوا: نشهد أنك نبي، ثم وضع عنهم الصلاة و أحل لهم الخمر و الزنا و نحو ذلك، فأصفقت معه بنو حنيفة إلا القليل و غلب على حجر اليمامة و أخرج ثمامة بن أثال، فكتب ثمامة إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يخبره- و كان عامل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم على اليمامة و انحاز ثمامة بمن معه من المسلمين، و كتب مسيلمة إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه، أما بعد، فإن لنا نصف الأرض و لقريش نصف الأرض و لكن قريشا قوم لا يعدلون و يعتدون.

و بعث الكتاب مع رجلين: عبد اللَّه بن النواحة، و حجير بن عمير،

فقال لهما رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«أ تشهدان أني رسول اللَّه؟»

قالا: نعم، قال:

«أ تشهد أن مسيلمة/ رسول اللَّه؟»

قالا: نعم قد أشرك معك، فقال:

«لو لا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما».

ثم كتب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد: فإن الأرض للَّه يورثها من يشاء، و العاقبة للمتقين، و قد أهلكت أهل حجر، أقادك اللَّه و من صوب معك».

ذكر أخبار سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية كانت [ (3)] قد تنبّأت في الردة بعد موت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بالجزيرة في بني تغلب فاستجاب لها الهذيّل و ترك التنصر و أقبل معها جماعة فقصدت قتال أبي بكر فراسلت مالك بن نويرة فأجابها و منعها من قصد أبي بكر و حملها على أحياء من بني تميم، فأجابت فقالت: أعدوا الركاب و استعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، فذهبوا فكانت بينهم‏

____________

[ (1)] اللثغ: تحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين.

[ (2)] القرع: ذهاب الشعر عن الرأس، و هو أشد من الصلع.

[ (3)] تاريخ الطبري 3/ 269، و الكامل 2/ 213.

23

مقتلة، ثم قصدت اليمامة فهابها مسيلمة، و خاف أن يتشاغل بحربها فيغلبه ثمامة بن [أثال و شرحبيل بن حسنة] [ (1)]، فأهدى لها و استأمنها فجاء إليها.

و في رواية أخرى أنه قال لأصحابه [ (2)]: اضربوا لها قبة و جمروها لعلها تذكر الباه، ففعلوا فلما أتته قالت له: اعرض ما عندك، فقال لها: إني أريد أن أخلو معك حتى نتدارس، فلما خلت معه قالت: اقرأ عليّ ما يأتيك به جبريل، فقال لها: انكن معشر النساء خلقتن أفواجا، و جعلتن لنا أزواجا نولجه فيكن إيلاجا، ثم نخرجه منكن إخراجا، فتلدن لنا أولادا ثجاجا فقالت: صدقت، أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك فيقال نبي تزوج نبية؟ فقالت: نعم، فقال:

ألا قومي إلى المخدع‏ * * * فقد هيّي لك المضجع‏

فإن شئت على اثنين‏ * * * و إن شئت على أربع‏

/ و إن شئت ففي البيت‏ * * * و إن شئت ففي المخدع‏

و إن شئت بثلثيه‏ * * * و إن شئت به أجمع [ (3)] ‏

فقالت: بل به أجمع فهو أجمع للشمل، فضربت العرب بها المثل، فقالت:

«أغلم من سجاح». فأقامت معه ثلاثا و خرجت إلى قومها، فقالت: إني قد سألته فوجدت نبوته حقا، و إني قد تزوجته [فقالوا: مثلك لا يتزوج بغير مهر، فقال مسيلمة:

مهرها أني قد رفعت عنكم صلاة الفجر و العتمة] [ (4)].

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

[ (2)] تاريخ الطبري 3/ 273.

[ (3)] الأبيات في أ هكذا:

ألا قومي إلى المخدع‏ * * * فقد بني لك المضجع‏

و إن شئت سلقناك‏ * * * و إن شئت على أربع‏

و إن شئت ففي البيت‏ * * * و إن شئت ففي المخدع‏

و إن شئت بثلثيه‏ * * * و إن شئت به أجمع‏

و هذه الأبيات في تاريخ الطبري باختلاف أيضا، راجعه في تاريخ الطبري 3/ 273.

[ (4)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

24

ثم صالحته على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة و خلفت من يقبض ذلك، فلم يفجأهم إلا دنو خالد منهم، فارفضوا.

و بعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى ثمامة بن أثال و من يجتمع معه أن يجادلوا مسيلمة و أمره أن يستنجد رجالا قد سماهم ممن حولهم من تميم و قيس، و أرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوه، و كانت بنو حنيفة فريقين: فرقة مع مسيلمة و هم أهل حجر، و فرقة مع ثمامة.

و انهم التقوا فهزمهم مسيلمة، و لم تزل سجاح في بني تغلب حتى نقلهم معاوية عام الجماعة في زمانة، فأسلمت و حسن إسلامها

. ذكر أخبار طليحة بن خويلد

خرج طليحة بعد الأسود فادعى النبوة و تبعه عوام و نزل بسميراء، و قوي أمره، فكتب بخبره إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم سنان بن أبي سنان، و بعث طلحة خبالا ابن أخيه إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يخبره خبره، و يدعوه إلى الموادعة و تسمى بذي النون، يقول إن الّذي يأتيه يقال له ذو النون،

فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لرسوله:

«قتلك اللَّه»

و رده كما جاء، فقتل خبال في الردة، و أرسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلى عوف أحد بني نوفل بن ورقاء، و إلى سنان بن أبي سنان و قضاعا أن يجادلوا طليحة، و أمرهم أن يستنجدوا رجالا قد سماهم لهم من تميم و قيس، و أرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم، ففعلوا ذلك و لم يشغل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عن مسيلمة و طليحة غير مرضه، و أن جماعة من المسلمين حاربوا طليحة و ضربه مخنف ابن السليل يوما بسيف فلم يهلك، لكنه غشي عليه، فقال قوم: إن السلاح لا يحيك في طليحة، فصار ذلك فتنة، و ما زال في نقصان و المسلمون في زيادة إلى أن جاءت وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فتناقص أمر المسلمين و انفض جماعة إلى طليحة مع عيينة بن حصن، و تراجع المسلمون إلى أبي بكر فأخبروه الخبر و هو يسمع و لا يكترث.

و كان من كلام طليحة: إن اللَّه لا يصنع بتعفير وجوهكم و لا بتقبيح أدباركم شيئا، فاذكروا اللَّه قياما.

و من كلامه: و الحمام و اليمام. و الصرد الصوام، قد ضمن من قبلكم أعوام ليبلغن‏

25

ملكنا العراق و الشام، و اللَّه لا نسحب و لا نزال نضرب حتى نفتح أهل يثرب.

و خرج إلى بزاخة و جاء خالد بن الوليد فنازله، فجاء عيينة إلى طليحة فقال:

ويلك، جاءك الملك؟ قال: لا فارجع فقاتل فرجع، فقاتل، ثم عاد فقال: جاءك الملك؟

قال: لا فعاد فقال: جاءك الملك؟ قال: نعم قال ما قال، قال: إن لك حديثا لا تنساه، فصاح عيينة: الرجل و اللَّه كذاب، فانصرف الناس منهزمين، و هرب طليحة إلى الشام فنزل على كلب فبلغه ان أسدا و غطفان و عامر قد أسلموا فأسلم.

و خرج نحو مكة معتمرا في إمارة أبي بكر، فمر بجنبات المدينة، فقيل لأبي بكر:

هذا طليحة، قال: ما أصنع به خلوا عنه فقد أسلم و قد صح إسلامه و قاتل حتى قتل في نهاوند

. و كان مما جرى في مرض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أواخر صفر

قال الواقدي: لليلتين بقينا منه، و قال غيره: لليلة، و قيل: بل في مفتتح ربيع.

قالت عائشة بدأ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يتأوه و هو في [ (1)] بيت ميمونة فاشتد وجعه، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة فأذن له فخرج إلى بيتها تخط رجلاه.

[أخبرنا أبو القوت، أخبرنا الداوديّ، أخبرنا ابن أعين، حدّثنا الفربري، حدّثنا البخاري (، حدّثنا إسماعيل) حدّثنا سليمان بن بلال، قال: قال هشام بن عروة، قال:

أخبرني أبي‏] [ (2)]، عن عائشة:

أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كان يسأل/ في مرضه الّذي مات فيه: «أين أنا غدا؟»

يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها.

أخرجه البخاري [ (3)]

.

____________

[ (1)] في أ: «مرضه و هو في».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة». و «حدثنا إسماعيل» ساقطة من أ.

[ (3)] صحيح البخاري 3/ 255، حديث 1389، 8/ 144، حديث 455، 9/ 317، حديث 5217، و له بقية.

26

و من الحوادث أن أبا بكر طلب أن يمرضه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم.

[أخبرنا إسماعيل بن أحمد، أخبرنا ابن النقور، أخبرنا المخلص، أخبرنا أبو بكر بن يوسف، حدّثنا السري، عن يحيى، حدّثنا شعيب بن إبراهيم التيمي، حدّثنا سيف بن عمر، عن مبشر بن الفضل‏] [ (1)] عن سالم، عن أبيه، قال:

جاء أبو بكر رضي اللَّه عنه إلى النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقال: يا رسول اللَّه ائذن لي فأمرضك و أكون الّذي أقوم عليك، فقال: «يا أبا بكر إني إن لم أحتمل أزواجي و بناتي و أهل بيتي علاجي ازدادت مصيبتي عليهم عظما، و قد وقع أجرك على اللَّه تعالى».

و قد اختلف في مدة مرضه، فذكرنا ثلاث عشرة ليلة، و قيل اثنتي عشرة ليلة

. و من الحوادث في مرضه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أن الوجع اشتد عليه‏

قالت عائشة:

جعل يشتكي و يتقلب على فراشه، فقلت له: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه، فقال: «إن المؤمنين يشدد عليهم، إنه لا يصيب المؤمن نكبة من شوكة فما فوقها إلا رفع اللَّه بها درجة و حط عنه بها خطيئة».

[أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا قبيصة، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت:

ما رأيت أحدا اشتد عليه الوجع من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏] [ (2)].

[قال ابن سعد: و أخبرنا عبيد اللَّه بن موسى بن عبيدة الرَّبَذيّ، عن زيد بن أسلم‏] [ (3)]، عن أبي سعيد الخدريّ، قال:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن سالم، عن أبيه».

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 12.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى ابن سعد بإسناده عن أبي سعيد الخدريّ»، و الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 12.

27

جئنا إلى النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فإذا عليه صالب من الحمى ما تكاد تقر يد أحدنا عليه من شدة الحمى، فجعلنا نسبح، فقال لنا: «ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء، كما يشدد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر»

. و من الحوادث أنهم لدوه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم [ (1)]

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا محمد بن الصباح، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي زناد، عن هشام، عن أبيه،] [ (2)] عن عائشة (رضي اللَّه عنها) قالت:

كانت تأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم الخاصرة [فاشتد به جدا] [ (3)] فأخذته يوما فأغمي عليه حتى ظننا أنه قد هلك، فلددناه فلما أفاق عرف أنا قد لددناه،

فقال‏

: كنتم ترون أن اللَّه كان مسلطا علي ذات الجنب؟/ ما كان اللَّه ليجعل لها عليّ سلطانا، و اللَّه لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمي العباس»،

قالت: فما بقي في البيت أحد إلا لدّ، فإذا امرأة من بعض نسائه تقول: أنا صائمة، قالوا: ترين أنا ندعك [ (4)]، و قد قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لا يبقى أحد في البيت إلا لدّ؟ فلددناها و هي صائمة

. و من الحوادث أنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قال: أهريقوا [ (5)] علي الماء

[أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا

____________

[ (1)] اللد: أن يجعل الدواء في شق الفم.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة». و الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 31.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من ابن سعد.

[ (4)] في الأصل: «ترين أن تدخل».

[ (5)] في الأصل: أ هو يقوى.

28

أحمد بن الحجاج، قال: حدّثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال:

أخبرني عبد اللَّه بن عبد اللَّه‏] [ (1)]، أن عائشة قالت:

لما ثقل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم اشتد [عليه‏] وجعه فقال: أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة ثم طفقنا نصب عليه حتى جعل يشير علينا أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم و خطبهم‏

. و من الحوادث أنه خرج عاصبا رأسه فقام على المنبر و قال: إن عبدا خيره اللَّه فبكى أبو بكر رضي اللَّه عنه [ (2)]

[أخبرنا ابن الحصين، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا ابو بكر بن مالك، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا فليح، عن سالم بن أبي النضر، عن بسر بن سعيد] [ (3)]، عن أبي سعيد [الخدريّ‏] [ (4)] قال‏

:

خطب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم الناس، فقال: «إن اللَّه عز و جل خير عبدا بين الدنيا و بين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللَّه عز و جل»

[قال‏]: فبكى أبو بكر فعجبنا من بكائه ان خبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عن عبد خير، و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم المخير و كان أبو بكر أعلمنا به [ (5)]

. و من الحوادث أنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم خرج فاقتص من نفسه [ (6)].

[أخبرنا ابن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن غيلان، أخبرنا أبو بكر بن عبد اللَّه بن إبراهيم الشافعيّ، حدّثنا معاذ بن المثنى، حدّثنا علي بن المديني، حدّثنا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة».

[ (2)] طبقات ابن سعد 2/ 2/ 28.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن أبي سعيد».

[ (4)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول.

[ (5)] الخبر في مسند أحمد بن حنبل 3/ 18، و بقيته في المسند:

«فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: إن أمن الناس علي في صحبته و ماله أبو بكر، و لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، و لكن أخوة الإسلام أو مودته، لا يبقى باب في المسجد إلّا سد إلا باب أبي بكر».

[ (6)] تاريخ الطبري 3/ 189.

29

معن بن عيسى، حدّثنا الحارث بن عبد الملك الليثي، عن القاسم بن يزيد، عن عبد اللَّه بن قسيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أخيه‏] [ (1)] الفضل بن العباس قال:

جاءني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فخرجت إليه فوجدته موعوكا قد عصب رأسه، فقال: «خذ بيدي [فضل‏] [ (2)]، فأخذت بيده فانطلق [ (3)] حتى جلس على المنبر، ثم قال: «ناد في الناس» فلما اجتمعوا [ (4)] إليه حمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فإنه قد دنا مني حقوق [ (5)] من بين أظهركم، من كنت جلدت له ظهرا فهذا/ ظهري فليستفد منه، و من كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذه [ (6)]، و من كنت شتمت له عرضا [فهذا عرضي‏] [ (7)] فليستقد منه، و لا يقولن أحد إني أخشى الشحناء من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم [ (8)]، ألا و إن الشحناء ليست من طبيعتي [ (9)] و لا من شأني، ألا و إن أحبكم إليّ من أخذ شيئا كان له [ (10)] أو حلّلني فلقيت اللَّه و أنا طيّب النفس، و إني أرى [ (11)] أن هذا غير مغن [عني‏] [ (12)] حتى أقوم فيكم مرارا».

ثم نزل فصلى الظهر، ثم جلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى في الشحناء و غيرها، فقام رجل فقال: إذن و اللَّه لي عندك ثلاثة [ (13)] دراهم، فقال: «أما أنا لا نكذب‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المصنف بإسناده عن الفضل». و الخبر في تاريخ الطبري 3/ 189.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول.

[ (3)] «فانطلق»: ساقط من الطبري.

[ (4)] في الطبري: «فاجتمعوا».

[ (5)] في الأصل: خفوف، و التصحيح من الطبري.

[ (6)] «و من كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذه»: العبارة ساقطة من الطبري.

[ (7)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من الطبري.

[ (8)] «و لا يقولن أحد ... من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم»: العبارة ساقطة من الطبري.

[ (9)] في الطبري: «ليست من طبعي».

[ (10)] في الطبري: «من أخذ مني حقا كان له».

[ (11)] في الطبري: «و قد أرى».

[ (12)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من الطبري.

[ (13)] في الطبري: «يا رسول اللَّه إن لي عندك ثلاثة».

30

قائلا و لا نستحلف، فبم كانت لك عندي؟» فقال: يا رسول اللَّه، تذكر يوم مر بك المسكين فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم [ (1)]، قال: أعطه يا فضل، فأمر به فجلس ثم قال:

«أيها الناس من كان عليه شي‏ء فليؤده فلا يقولن رجل فضوح الدنيا، فإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة» فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل اللَّه، قال: «و لم غللتها؟» قال: كنت محتاجا، قال: «خذها منه يا فضل»، ثم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: «أيها الناس، من خشي من نفسه شيئا فليقم فلندع له» [ (2)] فقام رجل فقال: و اللَّه يا رسول اللَّه إني لكذاب [إني لفاحش‏] [ (3)] و إني لنوام [ (4)]، فقال: «اللَّهمّ ارزقه صدقا و أذهب عنه النوم إذا أراد».

ثم قام آخر، فقال: و اللَّه يا رسول اللَّه إني لكذاب و إني لمنافق، و ما من شي‏ء [من الأشياء] [ (5)] إلا و قد جنيته، قال عمر: فضحت نفسك أيها الرجل، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:

«يا بن الخطاب فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة»، ثم قال: «اللَّهمّ ارزقه صدقا و إيمانا، و صيّر أمره إلى خير» قال: فتكلم عمر رضي اللَّه عنه بكلام فضحك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و قال: «عمر معي و أنا مع عمر، و الحقّ مع عمر حيث كان».

قال مؤلف الكتاب: في هذا الحديث/ إشكال، و المحدثون يروونه و لا يعرف أكثرهم معناه، و هو

قوله عليه السلام:

«من كنت جلدت له ظهرا فليستقد».

و قد أجمع الفقهاء أن الضرب لا يجري فيه قصاص، و إنما أراد أن يعرف الناس أن من فعل ذلك ظلما فينبغي تأديته، و إلا فهو منزه عن الظلم.

و من الحوادث أنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كان يصلي بالناس في مدة مرضه و إنما انقطع ثلاثة أيام، و قيل: سبع عشرة

____________

[ (1)] «فقال: أما أنا لا نكذب ... ثلاثة دراهم»: ساقط من الطبري.

[ (2)] في الأصل: «ادع له».

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من الطبري.

[ (4)] في الطبري: «إني لنؤوم».

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.

31

صلاة، فلما أذن بالصلاة في أول ما امتنع‏

قال:

«مروا أبا بكر أن يصلي بالناس».

[أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا أبو معاوية، قال: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود] [ (1)]، عن عائشة، قالت [ (2)]:

لما ثقل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم جاءه بلال ليؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل أسيف، و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت:

فقلت لحفصة: قولي له [ (3)]، فقالت له حفصة: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل أسيف، و إنه [متى‏] [ (4)] يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «إنكن صويحبات يوسف [ (5)]، مروا أبا بكر فليصل بالناس».

قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم من نفسه خفة فقام يتهادى بين رجلين [ (6)] و رجلاه [ (7)] تخطان في الأرض حتى دخل في المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أن قم كما أنت، فجاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يصلي بالناس قاعدا و أبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و الناس يقتدون بصلاة أبي بكر.

أخرجاه في الصحيحين [ (8)]

.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة».

[ (2)] الخبر في المسند 6/ 34، 96، 159، 202، 210، 224، 229، 270.

[ (3)] في الأصل: «قولوا له».

[ (4)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول.

[ (5)] في المسند: «إنكن لأنتن صواحب».

[ (6)] في الأصل: اثنين.

[ (7)] في الأصل: «بين اثنين رجلاه». و ما أوردناه من أ، و المسند.

[ (8)] البخاري في الصلاة، الباب 190، حديث 1 عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، و الباب 219. عن‏

32

[و منها أن وجعه اشتد به يوم الخميس فأراد أن يكتب كتابا]

أخبرنا ابن الحصين، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مليكة] [ (1)]، عن عائشة، قالت:

لما ثقل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: «ائتني بكتف أو لوح/ حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه»، فذهب عبد الرحمن ليقوم، قال: أبي اللَّه و المؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر.

رواه الإمام أحمد في المسند، و أخرجاه في الصحيحين [ (2)]

. و منها أنه أخرج شيئا من المال كان عنده‏

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم‏] [ (3)]، عن سهل بن سعد، قال:

كانت عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم سبعة دنانير وضعها عند عائشة، فلما كان في مرضه‏

____________

[ ()] قتيبة عن أبي معاوية، و الباب 218 عن مسدد، عن عبد اللَّه بن داود.

و مسلم في الصلاة، الباب 21، حديث 9 عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية و وكيع، و عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية و الحديث رقم 7 عن منجاب بن الحارث، عن علي بن سهر، و عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، كلهم عن الأعمش به.

و أخرجه النسائي أيضا في الصلاة، الباب 232، حديث 2، عن أبي كريب، عن أبي معاوية.

و ابن ماجة في الصلاة، الباب 181، حديث 1، عن أبي بكر بن أبي شيبة، و عن علي بن محمد، عن وكيع.

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة.».

[ (2)] مسند أحمد بن حنبل 6/ 47.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن سهل بن سعد».

33

قال: «يا عائشة ابعثي بالذهب إلى عليّ، ثم أغمي عليه، و شغل عائشة ما به، فبعثت به إلى عليّ فتصدق به،

ثم أمسى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ليلة الإثنين في جديد الموت، فأرسلت عائشة إلى امرأة من النساء بمصباحها، فقالت: اقطري لنا في مصباحنا من عكتك السمن، فإن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أمسى في جديد الموت [ (1)].

[قال ابن سعد: و حدّثنا عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو] [ (2)]، عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب‏

:

أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قال لعائشة و هي مسندته إلى صدرها: «يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟» قالت: هي عندي، قال: «فأنفقيها» ثم غشي على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و هو على صدرها، فلما أفاق قال: «أنفقتيه يا عائشة؟» قالت: لا. قالت: فدعى بها فوضعها في كفه فعدها فإذا هي ستة، فقال: «ما ظن محمد بربه ان لو لقي اللَّه و هذه عنده»،

فأنفقها كلها و مات من ذلك اليوم صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

. و من الحوادث أنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أعتق في مرضه جماعة من العبيد

[أخبرنا علي بن عبد اللَّه، قال: أخبرنا ابن النقور، أخبرنا ابن المخلص، حدّثنا أحمد بن عبد السجستاني، حدّثنا السري بن يحيى، حدّثنا شعيب بن إبراهيم التيمي حدّثنا سيف بن عمر، عن سهل بن حنيف‏] [ (3)]، عن أبيه، عن جده، قال:

أعتق النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في مرضه أربعين نفسا

. و من الحوادث في مرضه أنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم جمع أصحابه فأوصاهم‏

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو

____________

[ (1)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 34.

[ (2)] طبقات ابن سعد 2/ 2/ 32. و قد ورد في الأصل: «روى ابن سعد باسناده».

[ (3)] في الأصل «روى المؤلف باسناده عن سهل بن يوسف».

34

عمر بن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرني محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد اللَّه بن جعفر، عن ابن أبي عون‏] [ (1)]، عن ابن مسعود، قال:

نعى لنا نبينا و حبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبي هو و أمي/ و نفسي له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة و تشدد لنا، فقال: «مرحبا بكم حياكم اللَّه بالسلام [ (2)]، رحمكم اللَّه، حفظكم اللَّه، جبركم اللَّه، رزقكم اللَّه، رفعكم اللَّه، نفعكم اللَّه، أحلكم اللَّه، وقاكم اللَّه، أوصيكم بتقوى اللَّه و أوصي اللَّه بكم و أستخلفه عليكم و أحذركم اللَّه، إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على اللَّه في عباده و بلاده، فإنه قال لي: و لكم‏

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏

[ (3)] و قال:

أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ‏

[ (4)] قلنا: يا رسول اللَّه متى أجلك؟ قال: «دنا الفراق و المنقلب إلى اللَّه و إلى جنة المأوى و إلى سدرة المنتهى و إلى الرفيق الأعلى و الكأس الأوفى و الحظ و العيش الهني» قلنا: يا رسول اللَّه، من يغسلك؟ فقال: «رجال من أهلي الأدنى فالأدنى» قلنا: يا رسول اللَّه، ففيم نكفنك؟ قال: «في ثيابي هذه إن شئتم أو ثياب مصر أو في حلة يمانية»، قلنا: يا رسول اللَّه من يصلي عليك؟ و بكينا و بكى، فقال: «مهلا رحمكم اللَّه و جزاكم عن نبيكم خيرا، إذا أنتم غسلتموني و كفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري في بيتي [هذا]، ثم أخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي عليّ حبيبي و خليلي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت معه جنود من الملائكة بأجمعهم، ثم ادخلوا فوجا فوجا. فصلوا عليّ و سلموا تسليما و لا تؤذوني بتزكية و لا برنّة، و ليبتدئ بالصلاة عليّ رجال أهلي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد، و أقرءوا السلام على من غاب من أصحابي، و أقرءوا السلام على من تبعني على [ (5)]

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن ابن مسعود». و الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 46، 47.

[ (2)] في الأصل: «و حماكم اللَّه بالإسلام». و ما أوردناه من أ، و ابن سعد.

[ (3)] سورة: القصص الآية: 83.

[ (4)] سورة: الزمر الآية: 60.

[ (5)] في الأصل: «من».

35

ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة» قلنا: يا رسول اللَّه، فمن يدخلك قبرك؟/ قال:

أهلي مع ملائكة كثير يرونكم و لا ترونهم‏

. و من الحوادث أنه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم خير عند موته‏

[أخبرنا هبة اللَّه بن محمد، أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة [ (1)]، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا وكيع، و روح بن عبادة، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة] [ (2)]، عن عائشة، قالت:

كنت أسمع [ (3)] أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا و الآخرة، قالت: فأصاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بحة شديدة في مرضه،

فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً

[ (4)]. فظننت أنه خير [ (5)]

. و من الحوادث في مرضه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ما جرى له مع ابنته فاطمة رضي اللَّه عنها.

[أخبرنا هبة اللَّه بن الحصين، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا زكريا بن أبي زائدة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق‏] [ (6)]، عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت:

أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقال: «مرحبا بابنتي»، ثم أجلسها عن يمينه- أو عن شماله- ثم أنه أسر إليها حديثا

____________

[ (1)] في أ: «الحسن بن علي، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد اللَّه بن أحمد، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة». و ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى ابن سعد بإسناده عن عائشة».

[ (3)] في المسند، و ابن سعد و الأصل: «كنت سمعت».

[ (4)] سورة: النساء، الآية: 69.

[ (5)] الخبر في المسند 6/ 176، و طبقات ابن سعد 2/ 2/ 26، 27.

[ (6)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن الإمام أحمد بإسناده عن عائشة».

36

[فبكت، فقلت لها: استخصك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم حديثه ثم تبكين. ثم انه أسر إليها حديثا] [ (1)] فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، حتى إذا قبض [النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏] [ (2)] سألتها، فقالت: إنه أسر إلى فقال: «إن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة، و إنه عارضني به العام مرتين، و لا أراه إلا قد حضر أجلي، و إنك أول أهل بيتي لحوقا بي، و نعم السلف أنا لك» فبكيت لذلك، ثم قال: «ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة- أو نساء المؤمنين»، قالت: فضحكت لذلك.

أخرجاه في الصحيحين [ (3)]

. و من الحوادث في مرضه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم تردد جبريل عليه السلام إليه ثلاثة أيام قبل أن يموت برسالة من اللَّه عز و جل‏

يقول له: كيف تجدك، و كان ذلك في يوم السبت و الأحد [و الإثنين‏]، و استئذان ملك الموت عليه في يوم الإثنين.

[أخبرنا محمد بن عمر الأرموي، حدّثنا أبو الحسين بن المهتدي، أخبرنا أبو أحمد الفرضيّ، أخبرنا علي بن محمد الرياحي، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو أحمد بن الجون، حدّثنا رشدين، حدّثنا يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري‏] [ (4)]، عن أبي هريرة:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و المسند.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من المسند.

[ (3)] مسند أحمد بن حنبل 6/ 282، و البخاري في المناقب الباب 25، حديث 51، عن أبي نعيم، عن زكريا بن أبي زائدة، و في الاستئذان، الباب 43، عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، كلاهما عن فراس، عن الشعبي.

و مسلم في الفضائل، الباب 61، حديث 7، عن أبي كامل الجحدري، عن أبي عوانة، و الحديث 8، عن أبي بكر بن أبي شيبة، و محمد بن عبد اللَّه بن نمير، كلاهما عن عبد اللَّه بن نمير، عن زكريا.

و أخرجه أيضا النسائي في الكبرى على ما في تحفة الأشراف (12/ 312).

و أخرجه ابن ماجة في الجنائز، الباب 64، حديث 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن أبي هريرة».

37

أن جبريل أتي النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في مرضه الّذي قبض فيه، فقال: إن اللَّه عز و جل يقرئك السلام/ و يقول كيف تجدك؟ قال: «أجدني وجعا يا أمين اللَّه». ثم جاء من الغد، فقال: يا محمد، إن اللَّه يقرئك السلام، و يقول: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا أمين اللَّه وجعا» ثم جاءه اليوم الثالث و معه ملك الموت، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام و يقول لك: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا أمين اللَّه وجعا، من هذا معك؟» قال: هذا ملك الموت، و هذا آخر عهدي بالدنيا بعدك، و آخر عهدك بها، و لن آسى على هالك من ولد آدم بعدك، و لن أهبط إلى الأرض إلى أحد بعدك أبدا، فوجد النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم سكرة الموت و عنده قدح فيه ماء، فكلما وجد سكرة الموت أخذ من ذلك الماء فمسح به وجهه و يقول: «اللَّهمّ أعني على سكرة الموت».

[أخبرنا ابن عبد الباقي، بإسناده [ (1)] عن محمد بن سعد، قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي، قال: حدثونا] [ (2)] عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:

لما بقي من أجل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ثلاث نزل جبريل مغموما [ (3)]، فقال: يا أحمد، إن اللَّه أرسلني إليك إكراما [لك‏] [ (4)] و تفضيلا لك، و خاصة بك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول [لك‏] [ (5)]: كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما، و أجدني يا جبريل مكروبا». فلما كان في اليوم الثاني هبط إليه جبريل، فقال: يا أحمد، إن اللَّه أرسلني إليك إكراما لك و تفضيلا لك و خاصة بك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول:

كيف تجدك؟ قال: «أجدني يا جبريل مغموما و أجدني يا جبريل مكروبا». فلما كان اليوم الثالث نزل عليه جبريل، و هبط [معه ملك الموت، و نزل‏] [ (6)] معه ملك يقال له إسماعيل يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط و لم يهبط إلى الأرض منذ يوم كانت الأرض على‏

____________

[ (1)] إسناده كما سبق: «محمد بن عبد الباقي، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، عن محمد بن سعد».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن جعفر بن محمد». و الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 48.

[ (3)] «مغموما»: ساقط من ابن سعد، و في أ: «نزل عليه جبريل فقال».

[ (4)]، (5) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (6)] ما بين المعقوفتين: من ابن سعد.

38

سبعين ألف ملك ليس منهم ملك إلا على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبريل، فقال: يا أحمد، إن اللَّه ارسلني إليك إكراما لك و تفضيلا لك، و خاصة بك، يسألك عما هو أعلم به منك، و يقول لك: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل مغموما و أجدني يا جبريل مكروبا، ثم استأذن ملك الموت، فقال جبريل:/ يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك و لم [يستأذن على آدمي كان قبلك و لا] [ (1)] يستأذن على آدمي بعدك، قال: «ائذن له»، فدخل ملك الموت فوقف بين يدي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقال: يا رسول اللَّه يا أحمد، إن اللَّه أرسلني إليك و أمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، و إن أمرتني أن أتركها تركتها، قال: «و تفعل يا ملك الموت؟» قال: أمرت بذلك أن أطيعك في كل ما تأمرني به، فقال جبريل: [يا أحمد، إن اللَّه قد اشتاق إليك، قال:

«فامض يا ملك الموت لما أمرت به»، قال جبريل‏] [ (2)]: السلام عليك يا رسول اللَّه، هذا آخر مواطئي الأرض [ (3)]، إنما كنت حاجتي من الدنيا.

فتوفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و جاءت التعزية يسمعون الصوت و الحس و لا يرون الشخص: السلام عليكم يا أهل البيت و رحمة اللَّه و بركاته،

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ

[ (4)]، في اللَّه عزاء عن كل مصيبة، و خلفا من كل هالك، و دركا من كل ما فات، فباللَّه فثقوا، و إياه فارجوا، إنما المصاب من حرم الثواب، و السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته‏

. و من الحوادث استعماله للسواك قبل موته صلّى اللَّه عليه و آله و سلم.

[أخبرنا عبد الأول، أخبرنا ابن المظفر، أخبرنا ابن أعين، حدّثنا الفربري، حدّثنا البخاري، قال: حدّثني محمد بن عبيد، قال: حدّثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكر، أن مولى عائشة أخبره، أن‏] [ (5)] عائشة كانت تقول:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (3)] في الأصل: موطني من الأرض.

[ (4)] سورة: آل عمران، الآية 185.

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و أوردناه من ابن سعد.

39

إن من نعم اللَّه عليّ أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم توفي [في بيتي‏] و في يومي و بين سحري و نحري، و ان اللَّه جمع بين ريقي و ريقه عند موته، و دخل عليّ عبد الرحمن و بيده سواك و أنا مسندة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فرأيته ينظر إليه، فعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ و أشار برأسه أن نعم، فناولته فاشتد عليه، فقلت: أليّنه لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينته و أخذه فأمره و بين يديه ركوة- أو علبة يشك عمرو- فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، و يقول: «لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات» [ (1)]، ثم يصبّ يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى»، حتى قبض/ و مالت يده.

و من ذلك أنه عاتب نفسه على كراهة الموت.

أخبرنا ابن عبد الباقي، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني الحكم بن القاسم، عن أبي الحويرث:

أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لم يشتك شكوى إلا سأل اللَّه العافية حتى كان في مرضه الّذي توفي فيه، فإنه لم يكن يدعو بالشفاء، و جعل يقول: «يا نفس مالك تلوذين كل ملاذ»

. و من الحوادث عند موته صلّى اللَّه عليه و آله و سلم وصيته بالصلاة

أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد، حدّثنا القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين، أخبرنا أبو الحسين بن أخي سمي، حدّثنا البغوي، حدّثنا أبو روح البلدي، حدّثنا أبو شهاب الخياط، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، قال:

كانت وصية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم حين حضره الموت: «الصلاة و ما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يغرغر بها في صدره، و ما يفيض بها لسانه‏

.

____________

[ (1)] في الأصل: «للموت حسرات».

40

و من الحوادث في مرضه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أنه كشف الستر يوم الاثنين وقت صلاة الفجر فنظر إلى الناس و هم يصلون‏

أخبرنا عبد الأول باسناده عن البخاري [ (1)]، قال: أخبرنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك [ (2)]:

ان أبا بكر رضي اللَّه عنه كان يصلي بهم في وجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم الّذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين و هم [صفوف‏] [ (3)] في الصلاة، فكشف النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ستر الحجرة فنظر إلينا و هو قائم، كان وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم فضحك [ (4)] فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، و ظن أن النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أن أتموا صلاتكم، فأرخى الستر [ (5)] فتوفي من يومه‏

. ذكر وقت موته صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يوم الإثنين نصف النهار، و ربما قيل عند اشتداد الضحى لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة احدى عشرة.

أخبرنا ابن الحصين، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال:

____________

[ (1)] كذا في الأصول المخطوطة، و إسناده عن عبد الأول إلى البخاري كما في الروايات السابقة: «عن عبد الأول، عن ابن المظفر، عن العزيزي، عن البخاري».

[ (2)] أخرجه البخاري في صحيحه في الصلاة، الباب 197، حديث 3، عن أبي اليمان 2/ 164، حديث رقم 680.

[ (3)] ما بين المعقوفتين من البخاري.

[ (4)] من البخاري: «يضحك».

[ (5)] في البخاري: «و أرخى».

41

ولد النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يوم الإثنين، [و استنبئ يوم الإثنين‏] [ (1)]، و توفي يوم الاثنين، و خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، و قدم المدينة يوم الاثنين، و رفع الحجر الأسود يوم الاثنين» [ (2)].

و قال غيره: بعث يوم الاثنين، و خرج من مكة يوم الاثنين‏

. ذكر الثياب التي توفي فيها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

أخبرنا هبة اللَّه بن محمد، أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا أبو بكر بن مالك، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيل، حدّثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي برده، قال:

أخرجت إلينا عائشة كساء ملبدا، و إزارا غليظا، فقالت: قبض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في هذين.

أخرجاه في الصحيحين [ (3)]

.

____________

[ (1)] في الأصول: و قدم يوم الإثنين و توفي يوم الإثنين و رفع الحجر الأسود يوم الإثنين.

[ (2)] الخبر في المسند 1/ 277، و أورده الهيثمي في المجمع 1/ 196، و عزاه للطبراني في الكبير، و زاد فيه «و فتح بدرا يوم الإثنين و نزلت سورة المائدة يوم الإثنين، قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة، و هو ضعيف، و بقية رجاله من أهل الصحاح.

[ (3)] أخرجه البخاري في اللباس، الباب 19، حديث 3، عن محمد عن إسماعيل بن علية، و في الخمس، الباب 5، حديث 3، عن ابن بشار، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن حميد بن هلال عن أبي بردة، و قال عقب حديث الثقفي: و زاد سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة: أخرجت إلينا عائشة إزارا غليظا مما يصنع باليمن و كساء من هذه التي تدعونها الملبدة.

و أخرجه مسلم في اللباس، الباب 5، حديث 1، عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، و حديث 2 عن علي بن حجر و محمد بن حاتم و يعقوب بن إبراهيم، ثلاثتهم عن إسماعيل بن علية، و حديث رقم 3 عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب.

و أخرجه أبو داود في اللباس، الباب 7، حديث 1 عن موسى عن حماد و سليمان بن المغيرة، كلاهما عن حميد بن هلال.

42

و من الحوادث اختلاف أصحابه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم هل مات أو لا فأعلمهم بموته أبو بكر و العباس رضي اللَّه عنهما

أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا يعقوب [بن إبراهيم‏] [ (1)] بن سعد، [عن أبيه‏] [ (2)]، عن صالح [بن كيسان‏] [ (3)]، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس، قال:

لما توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بكى الناس بكاء شديدا [ (4)]، فقام عمر بن الخطاب في المسجد [خطيبا] [ (5)] فقال: لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا قد مات، و لكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن عمران. فلبث عن قومه أربعين ليلة، و اللَّه إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنه مات [ (6)].

و قال عكرمة: ما زال عمر رضي اللَّه عنه يتكلم و يوعد المنافقين حتى أزبد شدقاه، فقال له العباس: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يأسن كما يأسن البشر، و إنه قد مات، فادفنوا صاحبكم، أ يميت أحدكم إماتة و يميته إماتتين؟ هو أكرم على اللَّه من ذلك، فإن كان كما يقولون فليس على اللَّه بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء اللَّه [ (7)].

أخبرنا أبو الوقت، قال: أخبرنا ابن المظفر، أخبرنا ابن أعين، قال: أخبرنا الفربري، قال: حدّثنا البخاري، قال: حدّثنا يحيى بن بكير، قال: حدّثنا الليث، عن‏

____________

[ ()] الترمذي في اللباس الباب 10، حديث 1، عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل، و قال: حسن صحيح.

و ابن ماجة في اللباس، الباب 1، حديث 2 عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن سليمان.

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (4)] «بكاء شديدا»: ساقط من ابن سعد.

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (6)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 53.

[ (7)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 53.

43

عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة، أن و عائشة أخبرته [ (1)]:

أن أبا بكر رضي اللَّه عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس أحدا [ (2)] حتى دخل على عائشة فتيمم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و هو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله و بكى. ثم قال: بأبي أنت و أمي و اللَّه لا يجمع اللَّه عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.

و حدثني أبو سلمة، عن عبد اللَّه بن عباس [ (3)]: أن أبا بكر رضي اللَّه عنه خرج و عمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبي عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه و تركوا عمر رضي اللَّه عنه، فقال أبو بكر: «أما بعد، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيّ لا يموت، قال اللَّه: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً] وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ [ (4)] قال: و اللَّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللَّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر: فتلقاها منه الناس كلهم [ (5)]، فما أسمع بشرا الا يتلوها.

و أخبر سعيد بن المسيب [ (6)]: أن عمر بن الخطاب، قال: و اللَّه ما هو إلا أن‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاري 8/ 145، حديث 4452، 4453 في كتاب المغازي الباب 84، و أخرجه أيضا في الجنائز، الباب 3، حديث 1، عن بشر بن محمد، عن ابن المبارك، عن معمر و يونس، و في المناقب الباب 34، حديث 9 عن إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه.

عن عائشة نحوه.

و أخرجه النسائي في الجنائز، الباب 11، حديث 3، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك.

و أخرجه ابن ماجة في الجنائز، الباب 65، حديث 1 عن علي بن محمد، عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة، عن عائشة.

و أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/ 2/ 253، 256.

[ (2)] «أحدا» ساقطة من البخاري.

[ (3)] طبقات ابن سعد 2/ 2/ 56.

[ (4)] سورة: آل عمران، الآية: 144.

[ (5)] في الأصل: «فتلقاها الناس منه كلهم» و التصحيح من ابن سعد.

[ (6)] طبقات ابن سعد 2/ 2/ 56.

44

سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، و حتى أهويت إلى الأرض، [و عرفت‏] [ (1)] حين سمعته تلاها [أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قد مات‏] [ (2)]

. ذكر سنّه يوم مات صلّى اللَّه عليه و آله و سلم.

[أخبرنا الكروخي، أخبرنا أبو عامر الأزدي، و أبو بكر التبوذجي، قال: أخبرنا الجراحي، حدّثنا المحبوبي، حدّثنا الترمذي، حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، عن عكرمة] [ (3)]، عن ابن عباس، قال:

توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و هو ابن ثلاث و ستين.

أخرجاه في الصحيحين [ (4)].

و قد روي خمس و ستين، و روي ستين، [و الأول أصح‏] [ (5)]

. ذكر غسله و تكفينه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

[أخبرنا ابن الحصين، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني حسين بن‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من طبقات ابن سعد.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، و أوردناه من ابن سعد.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن ابن عباس».

[ (4)] أخرجه البخاري بهذا الإسناد في المبعث، المناقب، الباب 88، عن أحمد بن أبي رجاء، عن النضر، و الباب 105، حديث 6 عن مطر بن الفضل، عن روح، كلاهما عن هشام، و به زيادة.

و أخرجه الترمذي في المناقب، الباب 6، حديث 1، عن محمد بن إسماعيل به و قال: حسن صحيح.

و أخرجه أيضا في نفس الموضع حديث 2، عن محمد بن إسماعيل بهذا الإسناد، بلفظ: «قبض النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و هو ابن خمس و ستين سنة، و قال: هكذا هو، و روي عنه محمد بن إسماعيل ذلك، و فيه: «توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة».

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.

45

عبد اللَّه، عن عكرمة] [ (1)]، عن ابن عباس، قال:

لما اجتمع القوم لغسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و ليس في البيت إلا أهله: عمه العباس [بن عبد المطلب‏] [ (2)]، و علي بن أبي طالب، و الفضل بن العباس، و قثم بن العباس، و أسامة بن زيد [بن حارثة]، و صالح مولاه، فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الباب أوس بن خولي الأنصاري- [ثم أحد بني عوف بن الخزرج‏] [ (3)]، و كان بدريا- علي بن أبي طالب، فقال له: يا علي، نشدتك اللَّه، و حظنا من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم.

قال:

فقال له علي:

ادخل، فدخل فحضر غسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و لم يل من غسله شيئا. قال: فأسنده عليّ إلى صدره و عليه قميصه،

و كان العباس و الفضل و قثم يقلبونه مع علي، و كان أسامة و صالح يصبان الماء، و

جعل علي يغسله، و لم ير من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم شيئا/ مما يرى من الميت [ (4)]، و هو يقول: بأبي و أمي ما أطيبك حيا و ميتا.

حتى إذا فرغوا من غسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و كان يغسل بالماء و السدر، جففوه، ثم صنع به ما يصنع بالميت، ثم أدرج في ثلاثة أثواب، ثوبين أبيضين، و برد حبرة، ثم دعا العباس رجلين، فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح- و كان أبو عبيدة يصرخ لأهل مكة- و ليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري- و كان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة.

قال: ثم قال العباس لهما حين سرّحهما: اللَّهمّ خر لرسولك [ (5)] قال: فذهبا، فلم يجد صاحب أبي عبيدة أبا عبيدة، و وجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم [ (6)].

[أخبرنا إسماعيل بن أحمد، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد العكبريّ، أخبرنا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن ابن عباس».

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، أوردناه من المسند.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصول، أوردناه من المسند.

[ (4)] في الأصل: «مما يراه من الميت».

[ (5)] في الأصل: «اللَّهمّ خر لرسول اللَّه»، و ما أوردناه من أ، و المسند.

[ (6)] الخبر في مسند أحمد بن حنبل 1/ 260.

46

أبو الحسين بن بشران، أخبرنا عمر بن الحسن الشيبانيّ، حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا سفيان بن عيينة] [ (1)]، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:

غسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم علي، و الفضل، و العباس، و أسامة بن زيد، و غسل ثلاث غسلات بماء و سدر من بئر لسعد بن خيثمة كان يشرب منها.

قال أبو بكر: [و حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن إدريس، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه‏] [ (2)]، عن عائشة، قالت:

كفن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص و لا عمامة.

[أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه‏] [ (3)]، عن عائشة، قالت:

لما أرادوا غسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم اختلفوا فيه، فقالوا: و اللَّه ما ندري ما نصنع؟

أ نجرّد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كما نجرد موتانا، أن نغسله و عليه ثيابه؟

[قالت‏]: فلما اختلفوا أرسل اللَّه عليهم السنة، حتى و اللَّه ما من القوم من رجل إلا ذقنه في صدره نائما.

قالت: ثم كلمهم من ناحية البيت لا يدرون من هو، فقال: اغسلوا النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و عليه ثيابه. قالت: فثاروا إليه فغسلوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم [ (4)] و هو في قميصه يفاض عليه الماء و السدر، و تدلكه الرجال بالقميص. و كانت تقول: لو استقبلت/ من الأمر [ (5)] ما استدبرت ما غسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم إلا نساؤه [ (6)].

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين من أ، و الأصل: «روى المؤلف باسناده عن جعفر بن محمد».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى أبو بكر بإسناده عن عائشة».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن الإمام أحمد بإسناده عن عائشة».

[ (4)] في الأصل: «فغسلوه».

[ (5)] في الأصل: «من أمري».

[ (6)] الخبر في المسند 6/ 267.

47

[قال أحمد: و حدّثنا يحيى بن يمان، عن حسن بن صالح‏] [ (1)]، عن جعفر بن محمد، قال:

كان الماء يستبقع في جفون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و كان عليّ يحسوه‏

. ذكر الصلاة عليه عليه السلام‏

[أخبرنا إسماعيل بن أحمد، أخبرنا أبو منصور العكبريّ، أخبرنا ابن بشران، أخبرنا عمر بن الحسن، حدّثنا أبو بكر القرشي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا سفيان بن عيينة] [ (2)]، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:

صلى على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بغير إمام، يدخل عليه [ (3)] المسلمون زمرا فيصلون عليه و يخرجون، فلما صلي عليه نادى عمر رضي اللَّه عنه: خلوا الجنازة و أهلها [ (4)].

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبيّ بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده‏] [ (5)]، قال:

لما توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم وضع في أكفانه، ثم وضع على سريره، فكان الناس يصلون عليه رفقا رفقا و لا يؤمهم عليه أحد، دخل الرجال فصلوا عليه ثم النساء

[ (6)].

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من أ، و الأصل: «روى الإمام أحمد بإسناده عن جعفر بن محمد».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن محمد بن جعفر».

[ (3)] في الأصل: «يدخلون المسلمون» و التصحيح من الطبقات.

[ (4)] في الأصل: «خلوا الجنازة لأهلها».

و الخبر في طبقات ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن سفيان به 2/ 2/ 70.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل، «روى المؤلف بإسناده عن سهل بن سعد الساعدي قال:».

[ (6)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 69.

48

ذكر قبره صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

[أخبرنا هبة اللَّه بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج‏] [ (1)]، قال: أخبرني أبي.

أن أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لم يدروا أين يقبرون النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم حتى‏

قال أبو بكر رضي اللَّه عنه: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم يقول:

«لم يقبر نبي إلا حيث يموت»

فأخروا فراشه و حفروا له تحت فراشه.

[أخبرنا إسماعيل بن أحمد، حدّثنا أبو منصور محمد بن محمد العكبريّ، أخبرنا أبو الحسين بن شران، أخبرنا عمر بن الحسن الشيبانيّ، حدّثنا أبو بكر القرشي، قال:

حدّثني محمد بن سهل التميمي، حدّثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه‏] [ (2)]، عن عائشة، قالت:

لما مات النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قالوا: أين ندفنه؟ فقال أبو بكر: في الموضع الّذي مات فيه [ (3)].

[قال أبو بكر: و حدّثنا شجاع بن مخلد، حدّثنا هشيم عن منصور] [ (4)]، عن الحسن، قال:

جعل في قبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم قطيفة حمراء كان أصابها يوم خيبر، قال: جعلوها لأن المدينة أرض سبخة.

[أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، حدّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن أبي جريح، قال».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة».

[ (3)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 71.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى أبو بكر بإسناده عن الحسن، و أبو بكر هو ابن أبي الدنيا».

49

أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه‏

:

أنه نزل في حفرة النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم هو و عباس و عقيل بن أبي طالب‏] [ (1)]، و أسامة بن زيد، و أوس بن خولي، و هم الذين ولوا كفنه [ (2)].

[قال محمد بن عمر: و حدّثني عمر بن صالح، عن صالح مولى التوأمة] [ (3)]، عن ابن عباس، قال:

نزل في حفرة رسول اللَّه/ صلّى اللَّه عليه و آله و سلم علي بن أبي طالب، و الفضل، و شقران [ (4)].

[و قال محمد بن عمر: و حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة] [ (5)]، عن عائشة، قالت:

ما علمنا بدفن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم حتى سمعنا صوت المساحي ليلة الثلاثاء في السحر [ (6)].

[قال محمد بن عمر: و حدثني عبد اللَّه بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن أبي عتيق‏] [ (7)]، عن جابر بن عبد اللَّه قال:

رش على قبر النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم الماء [ (8)]

. ندب فاطمة رضي اللَّه عنها

[ (9)]

[أخبرنا عبد الأول، أخبرنا ابن المظفر، أخبرنا ابن أعين، حدّثنا الفربري، حدّثنا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عبد اللَّه بن عمرو أن علي بن أبي طالب و أسامة بن زيد و أوس بن خولي و هم الذين ولوا كفنه».

[ (2)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 76.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى محمد بن عمر بإسناده عن ابن عباس».

[ (4)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 77.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى محمد بن عمر بإسناده عن عائشة».

[ (6)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 79.

[ (7)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى محمد بن عمر بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه».

[ (8)] الخبر في طبقات ابن سعد.

[ (9)] في الأصل: «ندب فاطمة عليها السلام».

50

البخاري، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد، عن ثابت‏] [ (1)]، عن أنس، قال‏

:

لما ثقل النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم جعل يتغشاه الكرب [ (2)]، فقالت فاطمة عليها السلام: وا كرب أبتاه [ (3)]، فقال [لها]: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، فلما دفن قالت فاطمة عليها السلام: يا أنس، أ طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و سلم التراب.

أخرجاه في الصحيحين [ (4)]

. ندب أبي بكر رضي اللَّه عنه‏

[أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أخبرنا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: حدّثنا حماد بن أبي سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس‏] [ (5)]، عن عائشة، قالت:

لما توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم جاء أبو بكر فدخل عليه، و رفع الحجاب فكشف الثوب عن وجهه فاسترجع، فقال: مات و اللَّه رسول اللَّه، ثم تحول من قبل رأسه، فقال:

وا نبياه، [ثم حدر فمه فقبل وجهه، ثم رفع رأسه فقال: وا خليلاه‏] [ (6)]، ثم حدر فمه فقبل جبهته ثم رفع رأسه، فقال: وا صفياه، ثم حدر فمه فقبل جبهته ثم سجاه بالثوب ثم خرج [ (7)]

.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن ابن عباس».

[ (2)] «الكرب» ساقطة من البخاري طبعة الحلبي.

[ (3)] في البخاري: «وا كرب أباه».

[ (4)] صحيح البخاري 3/ 68، 69 (الحلبي)، حديث رقم 4462، فتح الباري 8/ 149، و ابن ماجة في الجنائز، الباب 65، حديث 4، و طبقات ابن سعد 2/ 2/ 83.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عائشة، قالت».

[ (6)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. أوردناه من ابن سعد.

[ (7)] الخبر في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 52.

51

ندب حسان بن ثابت‏

روى السكري، عن ابن حبيب، ان حسان قال يرثي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بهذه الأبيات [ (1)]:

ما بال عيني [ (2)] لا تنام كأنّها * * * كحلت مآقيها بكحل الأرمد؟

جزعا على المهديّ أصبح ثاويا * * * يا خير من وطئ الحصى لا تبعد

جنبي يقيك الترب لهفي ليتني‏ * * * غيبت قبلك في بقيع الغرقد [ (3)]

أ أقيم بعدك بالمدينة بينهم؟ * * * يا لهف نفسي ليتني لم أولد

بأبي و أمّي من شهدت وفاته‏ * * * في يوم الاثنين النبيّ المهتدي‏

/ فظللت بعد وفاته متلدّدا * * * يا ليتني أسقيت سمّ الأسود [ (4)]

يا بكر آمنة المبارك ذكره‏ * * * ولدتك محصنة بسعد الأسعد [ (5)]

نورا أضاء على البريّة كلّها * * * من يهد للنّور المبارك يهتد

و اللَّه أسمع ما حييت بهالك‏ * * * إلّا بكيت على النبي محمّد [ (6)]

صلّى الإله و من يحفّ بعرشه‏ * * * و الطّيّبون على النبيّ محمّد [ (7)]

و قال أيضا:

أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما * * * يضربن فوق قفا ستر [ (8)] بأوتاد

مثل الرواهب يلبسن المسوح و قد * * * أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادي‏

____________

[ (1)] الأبيات في طبقات ابن سعد 2/ 2/ 91، 92.

[ (2)] في أ، و الأصل: «ما بال عينك». و ما أوردناه من ابن سعد.

[ (3)] في ابن سعد: «ليتني كنت المغيب في الضريح الملحد».

[ (4)] في ابن سعد: «يا ليتني صبحت سم».

[ (5)] هذا البيت و الّذي يليه جاءا في ابن سعد بعد البيت الثاني هنا.

[ (6)] في الأصل: «و اللَّه ما أسمع» و كلما «ما» زائدة تخل بالوزن.

[ (7)] في طبقات ابن سعد: «على المبارك أحمد».

[ (8)] في ابن سعد: «خلف قفا ستر».

52

ذكر ما جرى من الخلاف في المبايعة يوم موته صلّى اللَّه عليه و آله و سلم‏

[أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الحاجي، و أبو القاسم بن أحمد السمرقندي، قالا: أخبرنا أبو الحسن بن النقور، حدّثنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد اللَّه بن سيف السجستاني، حدّثنا السري بن يحيى، قال: حدّثنا شعيب بن إبراهيم التيمي، قال: حدّثنا سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن عمرو بن يحيى بن خليفة المازني‏] [ (1)]، عن الضحاك بن خليفة، قال:

لما توفى اللَّه عز و جل رسوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و صلى أبو بكر الظهر بلغ المهاجرين أن لأنصار قد أقعدوا سعد بن عبادة و بايعوه بالخلافة، فدخل المهاجرين من ذلك وحشة، و أطاف كل بني أب برجل منهم و أبو بكر رضي اللَّه عنه جالس لا يشعر حتى خرج العباس رضي اللَّه عنه على الناس، فقال: إنه بلغني أن سعد بن عبادة بنيت له وسادة، و دعي إلى نفسه و أجابه من أجابه نقضا لعهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، انهض يا أبا بكر إلى هؤلاء القوم، و كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم حين دعا القبائل و وعدهم الظهور، قالوا: لمن الخلافة بعدك، فإذا قال لقريش تركوه، و كان أول من أجابه إلى ذلك الأنصار.

[حدّثنا سيف، عن المثنى بن عبد الرحمن، عن ميمون بن مهران‏] [ (2)]، عن ابن عباس، قال:

[صلى‏] [ (3)] أبو بكر رضي اللَّه عنه الظهر للناس يوم توفي اللَّه نبيه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و قد جاء عويم بن ساعدة إلى العباس، فأخبره أن الأنصار قد أمرت سعد بن عبادة، و لما انصرف الناس من الظهر تخلفوا و أقبل العباس حتى قام عليهم [ (4)]، فقال: [يا] [ (5)] أيها الناس/ ما لي أراكم عزين، إن مخبرا أخبرني و أخبرهم الخبر، فانهض إليهم يا أبا بكر، فقالوا: إنه ليدلنا على صدق الّذي أتاك يا أبا الفضل أنه لم يصلّ معنا منهم أحد.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن الضحاك بن خليفة».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن ابن عباس».

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

[ (4)] في أ: «حتى أوقف عليهم».

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.