المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج6

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
687 /
3

[المجلد السادس‏]

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين‏

[تتمة سنة إحدى و ستين‏]

[تتمة ذكر من توفى من الأكابر ...]

410- شيبة بن عثمان بن أبي طلحة [ (1)]:

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: أخبرنا ابن معروف، قال: حدّثنا ابن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: قال الواقدي عن أشياخ له:

كان شيبة بن عثمان يحدث عن إسلامه فيقول [ (2)]:

ما رأيت أعجب مما كان فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، فلما كان يوم الفتح دخل النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الّذي قمت بثأر قريش كلها، و أقول: لو لم يبق من العرب و العجم أحد إلا اتبع محمدا ما اتبعته أبدا، فلما اختلط الناس اقتحم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) عن بغلته، و أصلت السيف [ (3)] فدنوت أريد ما أريد منه، و رفعت سيفي فرفع لي شواظ من نار كالبرق حتى كان يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، فالتفت إلي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) فناداني: «يا شبيب [ (4)]، ادن مني»، فدنوت منه فمسح صدري و قال: «اللَّهمّ أعذه من الشيطان». فو اللَّه لهو كان ساعتئذ أحب إليّ من سمعي و بصري و نفسي، فأذهب اللَّه ما كان بي، ثم قال: «ادن فقاتل» فتقدمت أمامه‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد 5/ 1/ 331، و التاريخ الكبير للبخاريّ 4/ 2661، و تهذيب تاريخ دمشق 6/ 439، و البداية و النهاية 8/ 230.

[ (2)] الخبر غير موجود في ابن سعد.

[ (3)] كذا في الأصل، و في البداية: «و انتضيت سيفي».

[ (4)] في ت، و البداية: «يا شيبة».

4

أضرب بسيفي، اللَّه يعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شي‏ء، و لو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف، فلما [ (1)] تراجع المسلمون و كروا كرة واحدة [ (2)]، قرّبت بغلة رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) فاستوى عليها فخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، و رجع إلى معسكره/ فدخل خباءه، فدخلت عليه، فقال: «يا شيبة [ (3)]، الّذي أراد اللَّه بك خير مما أردت بنفسك»، ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط، فقلت: فإنّي أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، ثم قلت: استغفر لي يا رسول اللَّه، فقال: غفر اللَّه لك.

قال الواقدي: كان عثمان بن أبي طلحة يلي فتح البيت إلى أن توفي، فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، و هو ابن عمه، فبقيت الحجابة في ولد شيبة.

411- عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم [ (4)]:

صحب رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و روى عنه، و لم يزل بالمدينة إلى عهد عمر، ثم تحول إلى دمشق فابتنى بها دارا، و توفي بها في خلافة يزيد [بن معاوية] [ (5)]، و إليه أوصى.

412- ميمونة بنت الحارث، زوج رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) [ (6)]:

تزوجها في عمرة القضية بسرف، بعد أن خرج من مكة، و بنى بها هناك، و اتفق أنها ماتت هناك في هذه السنة.

413- الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب [ (7)]:

قتل عقبة يوم بدر صبرا، و أسلم الوليد يوم فتح مكة، و بعثه رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) على صدقات بني المصطلق و خزاعة، و كانوا قد أسلموا و بنوا المساجد بساحاتهم، فخرجوا

____________

[ (1)] في الأصل: «فلم تراجع».

[ (2)] في الأصل: «و كروا كرة رجل واحد».

[ (3)] في الأصول: «يا شيب».

[ (4)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 39، و الإصابة 5246، و تهذيب التهذيب 6/ 383، و البداية و النهاية 8/ 231.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (6)] طبقات ابن سعد 8/ 94، و البداية و النهاية 8/ 63.

[ (7)] طبقات ابن سعد 6/ 1/ 15، 7/ 2/ 176، الجرح و التعديل 9/ 8.

5

يتلقونه بالسلاح، [فظنهم محاربين، فرجع فأخبر النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) أنهم لما رأوه لقوة بالسلاح‏] [ (1)] و منعوا الصدقة، فهم رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) أن يبعث إليهم بعثا، و بلغهم ذلك، فقدموا على رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) فقالوا: سله هل ناطقنا أو كلمنا حتى رجع و نحن قوم مؤمنون، فنزل على رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) و هو يكلمهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ... [ (2)] الآية.

و ولاه عمر صدقات بني تغلب، و ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص ثم عزله عنها، فلم يزل بالمدينة حتى بويع عليّ، فخرج إلى الرقة فنزلها معتزلا/ لعليّ و معاوية، فمات بها، و قبره على خمسة عشر ميلا من الرقة، كان له هناك ضيعة فمات بها.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] سورة: الحجرات، الآية: 6.

6

ثم دخلت سنة اثنتين و ستين‏

فمن الحوادث فيها مقدم وفد المدينة على يزيد و مبايعتهم محمد بن حنظلة [ (1)]

و كان السبب في ذلك أن يزيد لما عزل عمرو بن سعيد، و ولى الوليد بن عتبة، قدم الوليد [المدينة] [ (2)] فأخذ غلمانا لعمرو، نحوا من ثلاثمائة فحبسهم، فكلمه فيهم عمرو فأبى أن يخليهم، فخرج عمرو من المدينة و كتب إلى غلمانه: إني باعث إلى كل رجل منكم جملا و أداته، تناخ لكم بالسوق [ (3)]، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن، ثم ليقم كل رجل منكم إلى جمله فليركبه، ثم أقبلوا عليّ [ (4)].

ففعل ذلك، فقدم على يزيد، فرحب به و عاتبه على تقصيره في أشياء يأمره بها في ابن الزبير، فقال: يا أمير المؤمنين: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، و إن جلّ أهل الحجاز مالوا إليه، و لم يكن معي جند أقوى عليه لو ناهضته، فكنت أداريه لأتمكن منه [ (5)]، مع أني قد ضيقت عليه، فجعلت على مكة و طرقها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا لي اسمه و اسم أبيه، و ما جاء به، فإن كان ممن أرى أنه يريده رددته صاغرا، و قد بعثت الوليد و سيأتيك من عمله ما تعرف به فضل مبايعتي و مناصحتي.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 478، و البداية و النهاية 8/ 232.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (3)] في الأصل: «تناح لكم بالحوف». و ما أوردناه من ت، و الطبري.

[ (4)] في الأصل: «ثم أقبلوا إليّ»، و ما أوردناه من اللَّه و الطبري.

[ (5)] كذا في الأصل، و في الطبري: «لأستمكر منه» و ساقطة من ت.

7

فعزل يزيد الوليد، و بعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان و هو حدث لم يحنكه السن، و كان لا يكاد ينظر في شي‏ء من عمله. و بعث إلى يزيد وفدا من المدينة فيهم عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل، و المنذر بن الزبير، فأكرمهم و أجازهم، ثم رجعوا إلى المدينة فأظهروا شتم يزيد و قالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، و يعزف بالطنابير و يلعب بالكلاب، و إنا/ نشهدكم أنا قد خلعناه.

و قال المنذر: و اللَّه لقد أجازني بمائة ألف درهم، و إنه لا يمنعني ما صنع إليّ أن أصدقكم عنه، و اللَّه إنه ليشرب الخمر، و إنه ليسكر حتى يدع الصلاة. ثم بايعوا عبد اللَّه بن حنظلة.

و فيها: حج بالناس الوليد بن عتبة، و كان العمال على البلاد في هذه السنة هم العمال في السنة التي قبلها، و قد ذكرناهم.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر.

414- بريدة بن الحصيب بن عبد اللَّه بن الحارث بن الأعرج، أبو عبد اللَّه: [ (1)]

أسلم لما مر به النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) في طريق الهجرة.

و ذلك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) لما خرج من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فدعاه رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) إلى الإسلام هو و من معه، و كانوا زهاء ثمانين بيتا، فصلى رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) العشاء و صلوا خلفه ليلتئذ صدرا من سورة مريم، ثم قدم على رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) [المدينة] [ (2)] بعد أن مضت بدر و أحد فتعلم بقية السورة، و غزا معه مغازيه [ (3)] بعد ذلك، و استعمله على أسارى المريسيع، و أعطاه لواء يوم الفتح، و بعثه على أسلم و غفار يصدقهم، و إلى أسلم لما أراد غزوة تبوك يستنفرهم، و لم يزل مقيما بالمدينة مع رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) إلى أن توفي، فلما فتحت البصرة تحول إليها و اختلط بها، ثم خرج‏

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 4/ 1/ 78، 7/ 1/ 3، 7/ 2/ 99، و التاريخ الكبير للبخاريّ 2/ 1/ 141، و الجرح و التعديل 1/ 1/ 424، و أسد الغابة 1/ 175، و سير أعلام النبلاء 2/ 469، و البداية و النهاية 8/ 234.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «معونة».

8

غازيا إلى خراسان، فمات بمرو في خلافة يزيد.

415- الرّبيع بن خيثم، أبو يزيد الثّوريّ [ (1)]:

روى عن ابن مسعود و غيره.

أخبرنا علي بن عبد الواحد الدينَوَريّ، قال: أخبرنا علي بن عمر القزويني، قال: أخبرنا أبو بكر بن شاذان، قال: أخبرنا البغوي، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، قال: قال عبد اللَّه للربيع بن خيثم [ (2)]:

لو رآك رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )/ لأحبك.

قال أحمد: و حدّثني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الواحد عن عبد اللَّه بن الربيع، عن أبي عبيدة، قال:

كان عبد اللَّه يقول للربيع: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين [ (3)].

و كان الربيع إذا أتى عبد اللَّه لم يكن عليه إذن حتى يفرغ كل واحد منهما من صاحبه، و كان الربيع إذا جاء إلى باب عبد اللَّه يقول للجارية: من بالباب؟ فتقول الجارية ذلك الشيخ الأعمى.

و روى سفيان [ (4)] بن نسير بن ذعلوق، عن إبراهيم التيمي، قال: أخبرنا من صحب [ (5)] الربيع بن خثيم عشرين عاما ما سمع منه كلمة تعاب.

و أخبرنا سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خيثم قالت:

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 6/ 1/ 127، و طبقات خليفة 141، و التاريخ الكبير 3/ 917، و حلية الأولياء 2/ 105، و سير أعلام النبلاء 4/ 258، و الجرح و التعديل 3/ 2068، و البداية و النهاية 8/ 234.

[ (2)] طبقات ابن سعد 6/ 1/ 127.

[ (3)] المخبتون: المطمئنون، و قيل: هم المتواضعون الخاشعون لربهم.

[ (4)] في الأصل: «عن سفيان». و ما أوردناه من ت، و الخبر في طبقات ابن سعد 6/ 1/ 128.

[ (5)] كذا في الأصل، و ابن سعد، و في ت: «من سمع».

9

كان عمل الربيع بن خثيم كله سرا، كان ليجي‏ء الرجل و قد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.

416- الرباب بنت امرئ القيس: [ (1)]

تزوجها الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما، فولدت له سكينة، و كان يحبها حبا شديدا، و يقول:

لعمرك إنني لأحب دارا * * * تحل بها سكينة و الرّباب‏

أحبهما و أبذل جلّ مالي [ (2)] * * * و ليس لعاتب عندي عتاب‏

و كانت الرباب معه يوم الطف، فرجعت إلى المدينة مصابة مع من رجع، فخطبها الأشراف من قريش، فقالت: و اللَّه لا يكون حمو آخر بعد رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ). فعاشت بعد الحسين رضي اللَّه عنه سنة لم يظلها سقف، فبليت و ماتت كمدا.

417- علقمة بن قيس بن عبد اللَّه، أبو شبل النخعي الكوفي: [ (3)]

و هو عم الأسود و عبد اللَّه ابني يزيد. و خال إبراهيم التيمي.

روى عن عمر، و عثمان، و عليّ، و ابن مسعود، و حذيفة، و أبي الدرداء، و أبي موسى، و غيرهم. روى عنه أبو وائل، و الشعبي، و النخعي و ابن سيرين.

و شهد حرب الخوارج بالنهروان، و كان/ من العلماء الربانيين، مقدما في الحديث و الفقه و الزهد و الورع، و كان يشبه بابن مسعود.

418- عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عوف، أبو الضحاك: [ (4)]

استعمله النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) على نجران اليمن و هو ابن سبع عشرة سنة، و توفي رسول‏

____________

[ (1)] المحبر 396، و أعلام النساء 1/ 378.

[ (2)] في الأصل: «و أبذل فوق جهدي». و ما أوردناه من ت. و البيتان في الأغاني في 16/ 147، 148.

[ (3)] طبقات ابن سعد 6/ 1/ 57، و تاريخ بغداد 12/ 296، و حلية الأولياء 2/ 98، و تذكرة الحفاظ 1/ 45، و تهذيب 7/ 276.

[ (4)] البداية و النهاية 8/ 235، و الإصابة 5812.

10

اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) و هو عامله على نجران، و عاش عمرو حتى أدرك معاوية و بيعته لابنه يزيد.

و توفي بالمدينة.

419- عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري: [ (1)]

وجهه معاوية إلى إفريقية غازيا في عشرة آلاف من المسلمين فافتتحها و اختط قيروانها، و قد كان موضعه غيطة لا ترام من السباع و الحيات و غير ذلك من الدواب، فدعا اللَّه تعالى عليها و نادى: إنا نازلون فاظعنوا، فلم يبق شي‏ء مما كان من السباع و غيرها إلا خرج، و جعلن يخرجن من جحرهن هوارب، حتى ان السباع كانت تحمل [ (2)] أولادها.

ثم قدم بعد موت معاوية على يزيد فرده واليا على إفريقية في هذه السنة، فعرض له جمع من الروم و البربر و هو في قل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عقبة شهيدا.

420- مسلمة بن مخلد بن الصامت، أبو معن، و يقال: أبو سعيد: [ (3)]

ولد حين قدم رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) المدينة. و سمع من رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و شهد فتح مصر و اختلط بها، و ولي الجند لمعاوية بن أبي سفيان و لابنه يزيد.

روى عنه علي بن رباح و غيره، و توفي في ذي القعدة من هذه [ (4)] السنة.

421- نوفل بن معاوية بن عمرو بن صخر بن يعمر: [ (5)]

شهد بدرا مع المشركين، و أحدا و الخندق، و كان له ذكر و نكاية، ثم أسلّم بعد

____________

[ (1)] البداية و النهاية 8/ 235، و الإستقصاء 1/ 36، 38، و البيان المغربي 1/ 19، و فتح العرب للمغرب 130، 152.

[ (2)] من هنا سقاط من اللَّه حتى باب ذكر خلافة عبد الملك بن مروان سنة خمس و ستين.

[ (3)] طبقات ابن سعد 7/ 2/ 195، و الإصابة 7991، و السيرة الحلبية 2/ 138، و تهذيب 10/ 148.

[ (4)] في الأصل: «في» و ما أوردناه من ت.

[ (5)] البداية و النهاية 8/ 235، الإستيعاب بهامش الإصابة 3/ 509، و تهذيب التهذيب 10/ 493.

11

ذلك و شهد مع رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) فتح مكة و حنينا و الطائف، و نزل المدينة، و حج مع أبي بكر سنة تسع،/ و حج مع رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) سنة عشر.

و روى عن رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و عاش ستين سنة في الجاهلية، و ستين سنة في الإسلام، و توفي في خلافة يزيد، و كان له ولد اسمه سلمى، و كان أجود العرب، و فيه يقول الشاعر:

يسوّد أقوام و ليسوا بسادة * * * بل السيد المحمود سلمى بن نوفل‏

12

ثم دخلت سنة ثلاث و ستين‏

فمن الحوادث فيها أخرج أهل المدينة عامل يزيد و هو عثمان بن محمد بن أبي سفيان و خلعوا يزيد [ (1)]

فذكر أبو الحسين المدائني عن أشياخه: أن أهل المدينة أتوا المنبر، فخلعوا يزيد، فقال عبد اللَّه بن أبي عمرو بن حفص المخزومي: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي- و نزعها عن رأسه- و إني لا أقول هذا و قد وصلني و أحسن جائزتي، و لكن عدو اللَّه سكير.

و قال آخر: قد خلعته كما خلعت نعلي، حتى كثرت العمائم و النعال، ثم ولوا على قريش عبد اللَّه بن مطيع، و على الأنصار عبد اللَّه بن حنظلة، ثم حاصر القوم من كان بالمدينة من بني أمية و مواليهم و من يرى رأيهم.

فكتب مروان و جماعة من بني أمية إلى يزيد: «إنا قد حصرنا في دار مروان، و منعنا العذب، فيا غوثاه».

فوصل الكتاب إليه و هو جالس على كرسي واضع قدميه في ماء في طست من وجع كان به- و يقال إنه كان به نقرس- ثم قال للرسول: أما يكون بنو أمية و مواليهم بالمدينة ألف رجل؟ فقال: بلى و أكثر، قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار، فقال: أجمع الناس عليهم، فلم/ يكن بهم طاقة، فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 482 و قد ورد العنوان في الأصل: «إخراج أهل».

13

الكتاب و أمره أن يسير إليهم، فقال: قد كنت ضبطت لك البلاد و أحكمت الأمور، فأما الآن فإنما هي دماء قريش تهراق، فلا أحب أن أتولى ذلك.

قال: فبعثني بالكتاب إلى مسلم بن عقبة و هو شيخ كبير، فجاء حتى دخل على يزيد، فقال: اخرج و سر بالناس. فخرج مناديه فنادى: أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا [ (1)] و معونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثني عشر ألفا، و كتب يزيد إلى ابن مرجانة: أن اغز ابن [ (2)] الزبير، فقال: لا و اللَّه لا أجمعهما [ (3)] للفاسق أبدا، أقتل ابن [بنت‏] [ (4)] رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و أغزو البيت.

و فصل ذلك الجيش من عند يزيد و عليهم مسلم بن عقبة، و قال له: إن حدث بك حادث [ (5)] فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكونيّ، و قال له: ادع القوم ثلاثا، فإن هم أجابوك و إلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما فيها من مال أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عنهم، و انظر علي بن الحسين فاستوص به [خيرا] [ (6)]، أدن مجلسه فإنه لم يدخل في شي‏ء مما دخلوا فيه.

و أقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني أمية فحصروهم [ (7)] في دار مروان، فقالوا: لا و اللَّه لا نكف عنكم حتى نستنزلكم، و نضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد اللَّه و ميثاقه أن لا تبغونا غائلة، و لا تدلوا لنا على عورة، و لا تظاهروا علينا عدوا، فأعطوهم العهد على ذلك، فأخرجوهم من المدينة، فخرجوا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى، فدعا بعمرو بن عثمان و قال له: أخبرني ما وراءك، و أشر عليّ، قال: لا أستطيع أن أخبرك/ شيئا،

____________

[ (1)] أي: كاملا، هكذا يتكلم به في الجميع و الوحدان سواء، و لا يثنى و لا يجمع، و ليس بمصدر و لا نعت، إنما كقولك أعطيته كله.

[ (2)] في الأصل: «أن أعزوا ابن الزبير، و ما أوردناه من الطبري.

[ (3)] في الأصل: «أجمعها». و ما أوردناه من الطبري.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (5)] كذا في الأصل، و في الطبري: «إن حدث بك حدث».

[ (6)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (7)] في الأصل: «و هم محصورون». و ما أوردناه من الطبري.

14

أخذت علينا العهود و المواثيق أن لا ندلك على عورة، فانتهره و قال: لو لا أنك ابن عثمان لضربت، و أيم اللَّه لا أقيلها قرشيا بعدك، فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه، فقال مروان لابنه عبد الملك: ادخل [ (1)] قبلي لعله يجتزئ بك عني [ (2)]، فدخل عليه عبد الملك، فقال: هات ما عندك، أخبرني خير الناس، و كيف ترى؟ فقال له: أرى أن تسير بمن معك حتى تأتيهم من قبل الحرة، ففعل و قال: يا أهل المدينة، إن أمير المؤمنين يزيد يزعم أنكم الأصل، و يقول: إني أكره إراقة دمائكم، و إني أؤجلكم ثلاثا، فمن راجع الحق أمنته و رجعت عنكم و سرت إلى هذا الملحد الّذي بمكة، و إن أبيتم فقد أعذرنا إليكم، فلما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة ما تصنعون؟ قالوا:

نحارب، فقال: لا تفعلوا و ادخلوا في الطاعة، فقالوا: لا نفعل. و كانوا قد اتخذوا خندقا و نزله منهم جماعة و كان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف [ (3)]، و كان عبد اللَّه بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة، و كان معقل بن سنان الأشجعي على ربع آخر و كان أمير جماعتهم عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم تلك الأرباع و أكثرها عددا [ (4)].

و قيل: كان ابن مطيع على قريش، و ابن حنظلة على الأنصار، و معقل بن سنان على المهاجرين.

فحمل ابن الغسيل على الخيل حتى كشفها، و قاتلوا قتالا شديدا، و جعل مسلم يحرض أصحابه- و كان مريضا، فنصب له سرير بين الصفين- و قال: قاتلوا عن أميركم، و أباح مسلم المدينة ثلاثا، يقتلون الناس و يأخذون الأموال، فأرسلت سعدى بنت عوف المرية [ (5)] إلى مسلم، تقول بنت عمك مر أصحابك لا/ يعترضوا الإبل لنا بمكان كذا، فقال: لا تبدءوا إلا بها. و جاءت امرأة إلى مسلم و قالت: أنا مولاتك و ابني‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أخرج»، و ما أوردناه من الطبري.

[ (2)] في الأصل: «يجتزي بك مني» و ما أوردناه من الطبري.

[ (3)] في الأصل: «عبد الرحمن بن أزهر» و ما أوردناه من الطبري.

[ (4)] في الأصل: «و أكثرهم عددا». و ما أوردناه من الطبري.

[ (5)] في الطبري: «سعدى بنت عوف المدينة».

15

في الأسرى، فقال: عجلوه لمكانها، فضربت عنقه و قال: أعطوها رأسه، أما ترضين أن لا تقتلي حتى تكلمي في ابنك، و وقعوا على النساء، و قاتل عبد اللَّه بن مطيع حتى قتل هو و بنون له سبعة، و بعث برأسه إلى يزيد.

فأفزع ما جرى من كان بالمدينة من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدريّ حتى دخل الجبل، فدخل عليه رجل بسيف، فقال: من أنت؟ فقال: أبو سعيد، فتركه.

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان، قال:

أخبرنا أحمد بن محمد بن شيبة البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن الحارث الخزاز، قال:

حدّثنا أبو الحسن المدائني، عن أبي عبد الرحمن القرشي، عن خالد الكندي، عن عمته أم الهيثم بنت يزيد، قالت:

رأيت امرأة من قريش تطوف، فعرض لها أسود، فعانقته و قبلته، فقلت: يا أمة اللَّه، أ تفعلين هذا بهذا الأسود، قالت: هو ابني وقع عليّ أبوه يوم الحرة، فولدت هذا.

و عن المدائني، عن أبي قرة، قال: قال هشام بن حسان [ (1)]: ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج، ثم دعي مسلم بالناس إلى البيعة ليزيد، و قال: بايعوا على أنكم خول له، و أموالكم له، فقال يزيد بن عبد اللَّه بن ربيعة: نبايع على كتاب اللَّه، فأمر به فضربت عنقه، و بدأ بعمرو بن عثمان، فقال: هذا الخبيث ابن الطيب، فأمر به فنتفت لحيته.

أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا أبو بكر بن شاذان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شيبة، قال:/ أخبرنا أحمد بن الحارث، قال: حدّثنا المدائني، عن حويرثة و ابن جعدية:

أن مسلما نظر إلى قتلى الحرة، فقال: إن دخلت النار ..... [ (2)] بعدها و لا إني لشقي.

____________

[ (1)] الخبر في البداية و النهاية 8/ 239.

[ (2)] مكان النقط في الأصل بياض.

16

و أسر مسلم أسراء فحبسهم ثلاثة أيام لم يطعموا فجاءوا بسعيد بن المسيب إلى مسلم، فقالوا: بايع، فقال: أبايع على سيرة أبي بكر و عمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد له رجل أنه مجنون فخلى عنه.

و عن المدائني، عن علي بن عبد اللَّه القرشي، و أبي إسحاق التميمي، قال: لما انهزم أهل المدينة و الصبيان، فقال ابن عمر: بعثمان و رب الكعبة.

و عن المدائني، عن محمد بن عمر قال: قال ذكوان مولى مروان: شرب مسلم بن عقبة دواء بعد ما انهب المدينة، و دعا بالغداء، فقال له الطبيب: لا تعجل فإنّي أخاف عليك إن أكلت قبل أن يعمل الدواء، قال: ويحك، إنما أحب البقاء حتى أشفي قلبي- أو قال: نفسي- من قتلة عثمان، فقد أدركت ما أردت فليس شي‏ء أحب إليّ من الموت على طهارتي، فإنّي لا أشك أن اللَّه قد طهرني من ذنوبي بقتلي هؤلاء الأرجاس.

و عن المدائني، عن شيخ من أهل المدينة، قال: سألت الزهري: كم كانت القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من قريش و الأنصار و المهاجرين و وجوه الموالي، و ممن لا يعرف من عبد و حر و امرأة عشرة آلاف، و كانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين، و انتهبوا المدينة ثلاثة أيام.

و عن المدائني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن رجل من قريش، قال: كنت أنزل بذي الحليفة فدخلت المسجد فإذا رجل مريض، قلت: من أنت؟ قال: أنا رجل من خثعم أقبلت نجران فمرضت فتركني أصحابي و مضوا، فحولته إلى المنزل، فكان عندنا حتى صح، و أقام عندنا حينا كرجل منا، و عملت لصاحبتي حليا بمائة دينار و هو يرى ذلك، ثم خرج إلى الشام، فقدم المدينة أيام الحرة و قد/ تحولنا من ذي الحليفة إلى المدينة، فلما انتهب مسلم المدينة أتانا في جماعة فسمعت الجلبة في الدار، فخرجت فإذا أنابه و أصحابه خارجا، فقلت له: قد كنا نتمناك، قال: ما جئت إلا لأدفع عن دمك، و لكني آخذ مالك، فإن الأمير قد أمرنا بالنهب، و سيؤخذ ما عندك و أنا أحق به، فقلت: أنت لعمري أحق به، فاصرف أصحابك و خذه وحدك، فخرج فرد أصحابه و رجع، فقال: ما فعل الحليّ؟ قلت: على حاله، قال: فهاته، قلت: هو مدفون بذي الحليفة عند البئر التي رأيت، فإذا أمسينا خرجنا إليها فأدفعه إليك. فلما أمسيت خرجت‏

17

أنا و هو و تبعني ابنان لي حتى انتهينا إلى البئر و طولها ثلاثون ذراعا، فأخذناه أنا و ابناي، فشددناه وثاقا، و أرميناه في البئر و دفناه فيها و رجعنا، فلما أصبحنا إذا رجل ممن كان معه بالأمس قد أتانا، فقال: أين أبو المحرش؟ قلنا: غدا حين أصبح، قال: أراه و اللَّه خدعنا و أخذ المتاع، قلنا: ما أخذ شيئا، ادخل فانظر، فدخل فأغلقنا عليه الباب و قتلناه.

و عن المدائني، عن سلمان بن أبي سلمان، عن أبي بكر بن إبراهيم بن نعيم بن النحام، قال:

مر ركب من أهل اليمن إلى الشام يريدونه و معهم رجل مريض، فأرادوا دفنه و هو حيّ، فمنعهم أبي فمضوا و خلفوه، فلم يلبث أن بري‏ء و صح، فجهزه أبي و حمله، و كان ممن قدم مع مسلم، فرأته جارية لنا، فعرفته، فقالت: عمرو، فقال: نعم و عرفها، قال:

ما فعل أبو إسحاق؟ قالت: قتل، فقال لأصحابه: هؤلاء أيسر أهل [بيت‏] [ (1)] بالمدينة، فانتهبوا منزلهم، فكان يضرب به المثل بالمدينة: «و أنت أقل شكرا من عمرو».

ثم استخلف مسلم على المدينة روح بن زنباع، و سار إلى ابن الزبير، فاحتضر في الطريق، فقال لحصين بن نمير: إنك تقدم بمكة و لا منعة لهم و لا سلاح،/ و لهم جبال تشرف عليهم، فانصب عليهم المنجنيق فإنّهم بين جبلين، فإن تعوذوا بالبيت فارمه و اتجه على بنيانه.

قال أبو معشر و الواقدي: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين.

و قال بعضهم: لثلاث بقين منه.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

422- ربيعة بن كعب الأسلمي: [ (2)]

أسلم قديما و كان من أهل الصفة، و كان يخدم رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و يبيت على بابه‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: من هامش الأصل.

[ (2)] طبقات ابن سعد 4/ 2/ 44، و حلية الأولياء 2/ 31، و الاستيعاب 4/ 1727، و أسد الغابة 2/ 171.

18

لحوائجه، و يغزو معه، فلما مات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم خرج فنزل [يين، و هي من بلاد أسلم، و هي‏] [ (1)] على بريد من المدينة، و بقي إلى أيام الحرة.

أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا يعقوب، قال:

حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم، عن ربيعة بن كعب، قال: [ (2)]

كنت أخدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و أقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول: لعله أن تحدث لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم حاجة، فما أزال أسمعه يقول: [ (3)] سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، [سبحان اللَّه‏] [ (4)] و بحمده، حتى أمل [ (5)] فأرجع أو تغلبني [ (6)] عيني فأرقد. [قال‏]: فقال لي يوما لما يرى من خفتي [ (7)] [له‏] [ (8)] و خدمتي إياه: يا ربيعة، سلني أعطك [ (9)]. قال: فقلت: انظر في أمري يا رسول اللَّه ثم أعلمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة و زائلة، و أن لي فيها رزقا سيكفيني و يأتيني. قال: فقلت: أسأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم لآخرتي، فإنه من اللَّه عز و جل بالمنزل الّذي هو به، قال:/ فجئته فقال: ما فعلت يا ربيعة؟ قال: فقلت: نعم يا رسول اللَّه، أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار، قال: فقال: «من أمرك بهذا يا ربيعة؟» قال: فقلت: لا و اللَّه الّذي بعثك بالحق، ما أمرني به أحد، و لكنك لما قلت سلني أعطك، و كنت من اللَّه بالمنزل الّذي أنت به نظرت في أمري و عرفت أن الدنيا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ابن سعد.

[ (2)] الخبر في مسند أحمد بن حنبل 4/ 59.

[ (3)] في المسند: «أسمعه يقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من المسند.

[ (5)] في الأصل: «حتى أصلي»، و ما أوردناه من المسند.

[ (6)] في الأصل: «أمر يعلى» هكذا بدون نقط، و ما أوردناه من المسند.

[ (7)] في المسند: «حقي».

[ (8)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من المسند.

[ (9)] في المسند: «سلني يا ربيعة أعطك».

19

منقطعة و زائلة، و أن لي فيها رزقا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم لآخرتي، قال:

فصمت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم طويلا، ثم قال لي: «إني فاعل ذلك فأعني على نفسك [بكثرة] [ (1)] السجود».

423- عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الراهب: [ (2)]

كان حنظلة لما أراد الخروج إلى أحد وقع على امرأته جميلة، فعلقت بعبد اللَّه في شوال على رأس اثنين و ثلاثين شهرا من الهجرة، و قتل حنظلة يومئذ شهيدا فغسلته الملائكة، فقال لولده: بنو غسيل الملائكة، و ولدت جميلة عبد اللَّه، فقبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و لعبد اللَّه سبع سنين.

و لما وثب أهل المدينة ليالي الحرة فأخرجوا بني أمية عن المدينة، و أظهروا عيب يزيد، أجمعوا على عبد اللَّه، فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت و قال: يا قوم، اتقوا اللَّه وحده، فو اللَّه ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء، إن رجلا ينكح الأمهات و البنات و الأخوات، و يشرب الخمر و يدع الصلاة، و اللَّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت للَّه فيه بلاء حسنا. فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي. و ما كان لعبد اللَّه بن حنظلة تلك الليالي [ (3)] مبيت إلا المسجد، فلما دخلوا المدينة قاتل حتى قتل يومئذ.

424- أبو عائشة الهمدانيّ، و اسمه مسروق بن الأجدع بن مالك: [ (4)]

/ سرق و هو صغير ثم وجد فسمي مسروقا. و رأى أبا بكر و عمر و عثمان و عليا و ابن مسعود، و حضر مع علي حرب الخوارج بالنهروان، و قال عمر بن الخطاب: ما اسمك؟ فقال: مسروق بن الأجدع، فقال: مسروق بن عبد الرحمن [ (5)].

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من المسند.

[ (2)] طبقات ابن سعد 5/ 1/ 46، و التاريخ الكبير 5/ 168، و الجرح و التعديل 5/ 131، و الاستيعاب 3/ 892، و سير أعلام النبلاء 3/ 321، و تهذيب تاريخ دمشق 7/ 373.

[ (3)] في الأصل: «تلك الليلة» و ما أوردناه من ابن سعد. 5/ 1/ 48.

[ (4)] طبقات ابن سعد 6/ 1/ 50، تاريخ بغداد 13/ 232.

[ (5)] تاريخ بغداد 13/ 232.

20

و عمرو بن معديكرب خال مسروق [ (1)].

و قال ابن المديني [ (2)]: ما أقدم على مسروق أحدا من أصحاب عبد اللَّه.

أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا دعلج، قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب، قال:

حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا حجاج، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال:

حج مسروق فلم ينم إلا ساجدا على وجهه حتى رجع [ (3)].

أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدّثنا ابن رزق، قال: أخبرنا أحمد بن سلمان [ (4)]، قال: حدّثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدّثني أزهر بن مروان، قال:

حدّثنا حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، أن امرأة مسروق قالت:

كان يصلي حتى ورمت [ (5)] قدماه، فربما جلست خلفه أبكي [ (6)] مما أراه يصنع بنفسه [ (7)].

توفي مسروق رضي اللَّه عنه بالكوفة في هذه السنة، و هي سنة ثلاث و ستين، و له ثلاث و ستون سنة.

____________

[ (1)] تاريخ بغداد 13/ 233.

[ (2)] في الأصل المدائني، و ما أوردناه من تاريخ بغداد 13/ 233.

[ (3)] الخبر في تاريخ بغداد 13/ 234.

[ (4)] في الأصل: «سليمان». و التصحيح من تاريخ بغداد 13/ 234، و هو «أحمد بن سلمان النجاد».

[ (5)] في تاريخ بغداد: «حتى تورم».

[ (6)] في تاريخ بغداد: «جلست أبكي خلفه».

[ (7)] الخبر في تاريخ بغداد 13/ 234.

21

ثم دخلت سنة اربع و ستين‏

فمن الحوادث فيها مسير أهل الشام إلى مكة لحرب عبد اللَّه بن زبير و من كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية [ (1)]

قال علماء السير [ (2)]: لما فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة و إنهاب جنده أموالهم ثلاثا، شخص بمن معه من الجند متوجها نحو مكة، و خلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي.

و قيل: خلف عمرو بن محرز الأشجعي.

فسار ابن عقبة حتى إذا انتهى إلى فقا/ المشلّل [ (3)] نزل به الموت، و ذلك في آخر المحرم سنة أربع و ستين، فدعا حصين بن نمير السكونيّ، فقال له: يا برذعة الحمار [ (4)]، أما لو كان هذا الأمر إليّ ما وليتك هذا الجند، و لكن أمير المؤمنين ولاك بعدي، و ليس لأمره مترك [ (5)]، أسرع المسير، و لا تؤخر ابن الزبير ثلاثا حتى تناجزه، ثم قال: اللَّهمّ إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله‏

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 496، و البداية و النهاية 8/ 243.

[ (2)] ورد في تاريخ الطبري 5/ 496 عن أبي مخنف.

[ (3)] في تاريخ الطبري: «حتى إذا انتهى إلى المشلل، و يقال: إلى قفا المشلل».

[ (4)] في الطبري: «يا ابن برذعة الحمار». و في البداية كما في الأصل.

[ (5)] في تاريخ الطبري 5/ 496: «و ليس لأمره مردّ».

22

أحب إليّ من قتل أهل المدينة، و لا أرجى [عندي‏] [ (1)] في الآخرة. و مات فدفن بالمشلل [ (2)].

ثم خرج الحصين بن نمير بالناس، فقدم على ابن الزبير مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا و ستين يوما حتى جاءهم- يعنى يزيد بن معاوية- لهلال ربيع الآخر، و كان القتال في هذه المدة شديدا، و قذف البيت بالمجانيق [ (3)] في يوم السبت ثالث ربيع الأول، و أحرق بالنار، و كانوا يرتجزون و يقولون: [ (4)]

كيف ترى صنيع أم فروه‏ * * * تأخذهم بين الصّفا و المروة

يريدون بأم فروة: المنجنيق.

و روى الواقدي، عن أشياخه [ (5)]: أنهم كانوا يوقدون حول البيت، فأقبلت شرارة فأحرقت ثياب الكعبة و خشب البيت في يوم السبت ثالث ربيع الأول.

و في رواية: أن رجلا أخذ قبسا في رأس رمح له، فطارت به الريح فاحترق.

و روى المدائني، عن أبي بكر الهذلي، قال [ (6)]: لما سار أهل الشام فحاصروا ابن الزبير سمع أصواتا من الليل فوق الجبل، فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا إليه، و كانت ليلة ظلماء ذات ريح شديدة و رعد و برق، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس، فأطارتها الريح فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها و استطارت فيها، و جهد الناس في اطفائها فلم يقدروا/ فأصبحت الكعبة تتهافت، و ماتت امرأة من قريش، فخرج الناس كلهم مع جنازتها خوفا من أن ينزل العذاب عليهم، و أصبح ابن الزبير

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] في الطبري: «فدفن بقفا المشلل.

[ (3)] في الأصل: «بالمنجنيقات»، و ما أوردناه من الطبري.

[ (4)] كذا في الأصل، و في الطبري: «و أخذوا يرتجزون و يقولون:

خطارة مثل الغنيق المزبد * * * ترمي بها أعواد هذا المسجد

قال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بن حوط السدوسي يقول:

كيف ترى صنيع أم فروه‏ * * * تأخذهم بين الصفا و المروة

[ (5)] تاريخ الطبري 5/ 498.

[ (6)] أوردها ابن كثير في البداية 8/ 244، دون نسبتها، فقال: «و قيل».

23

ساجدا يدعو و يقول: «اللَّهمّ إني لم أعتمد ما جرى، فلا تهلك عبادك بذنبي، و هذه ناصيتي بين يديك». فلما تعالى النهار أمن الناس و تراجعوا، فقال لهم: ينهدم في بيت أحدكم حجر فيبنيه و يصلحه، و أترك الكعبة خرابا. ثم هدمها مبتدئا بيده، و تبعه الفعلة إلى أن بلغوا إلى قواعدها، و دعي بناءين من الفرس و الروم. فبناها.

و في هذه السنة جاء نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر و فيها بويع لمعاوية بن يزيد بالشام بالخلافة، و لعبد اللَّه بن الزبير بالحجاز [ (1)].

و لما هلك يزيد مكث الحصين بن نمير و أهل الشام يقاتلون ابن الزبير و لا يعلمون بموت يزيد أربعين يوما و قد حصروهم حصارا شديدا، و ضيقوا عليهم، فبلغ موته ابن الزبير قبل أن يبلغ حصين، فصاح بهم ابن الزبير: إن طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، و من كره فليلحق بشآمه، فما صدقوا، حتى قدم ثابت بن قيس بن المنقع [ (2)] النخعي، فأخبر الحصين بذلك، فبعث الحصين بن نمير إلى ابن الزبير: موعد ما بيننا و بينك الليلة الأبطح. [فالتقيا] [ (3)]، فقال له الحصين:

إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معي [هم‏] وجوه أهل الشام و فرسانهم، فو اللَّه لا يختلف عليك اثنان [ (4)]، و تؤمّن الناس، و تهدر هذه الدماء التي كانت بيننا و بينك. فقال: لا أفعل، و لأقتلن بكل رجل عشرة [ (5)]. فقال الحصين: قد كنت أظن أن لك رأيا، أنا أدعوك إلى الخلافة و أنت تعدني بالقتل.

ثم خرج و صاح في الناس/ فأقبل بهم نحو المدينة، و ندم ابن الزبير على ما صنع، فأرسل إليه: أمّا أن أسير إلى الشام فلست فاعلا لأني أكره الخروج من مكة،

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 501.

[ (2)] في الأصل: «ابن المقفع» و ما أوردناه من الطبري.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (4)] في الأصل: «لا يختلف عليك الناس» و ما أوردناه من الطبري.

[ (5)] في الطبري: «و لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة».

24

و لكن بايعوا لي هناك فإنّي مؤمّنكم. فقال الحصين: أ رأيت [إن‏] [ (1)] لم تقدم بنفسك، و وجدت هناك أناسا كثيرا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، [فما أنا صانع؟

فأقبل بأصحابه و من معه نحو المدينة، فاستقبله عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب‏] [ (2)] و اجترأ أهل المدينة و أهل الحجاز على أهل الشام فذلّوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته فنكس عنها. فقالت لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا و مضى ذلك الجيش حتى دخلوا الشام و قد أوصى يزيد بالبيعة لابنه معاوية.

و في هذه السنة بايع أهل البصرة عبيد اللَّه بن زياد [ (3)]

على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناس على إمام يرتضونه لأنفسهم، ثم أرسل [ (4)] عبيد اللَّه رسولا إلى أهل الكوفة يدعوهم إلى مثل ذلك فأبوا عليه، و حصبوا الوالي الّذي كان عليهم.

و ذلك [ (5)] أنه لما بلغت عبيد اللَّه وفاة يزيد، قام خطيبا، فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: يا أهل البصرة، لقد وليتكم و ما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل، و لقد أحصى اليوم ثمانين ألف مقاتل، و ما أحصى ديوان عمالكم [ (6)] إلا تسعين ألفا، و لقد أحصى اليوم مائة ألف و أربعين ألفا، و ما تركت لكم ذا ظنّة أخافه عليكم إلا و هو في سجنكم، و إن أمير المؤمنين يزيد قد توفي، و قد اختلف أهل الشام و أنتم اليوم أكثر الناس عددا، و أوسعهم بلادا، و أغنى عن الناس [ (7)]، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 503.

[ (4)] في الأصل: «فأرسل» و ما أوردناه من الطبري.

[ (5)] تاريخ الطبري 5/ 504.

[ (6)] في الأصل: «عيالكم» و ما أوردناه من الطبري.

[ (7)] في الطبري: «أنتم اليوم أكثر الناس عددا و أعرضه فناء، و أغناه عن الناس، و أوسعه بلادا.

و في ابن الأثير: «أنتم اليوم أكثر الناس عددا و أعرضهم فناء، و أغنى عن الناس و أوسعهم بلادا».

25

لدينكم و جماعتكم، فأنا أول راض من رضيتموه، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، و إن كرهتم ذلك [كنتم على جديلتكم حتى تعطوا] [ (1)] حاجتكم، فما لكم إلى [ (2)] أحد من أهل البلدان/ حاجة.

فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا: و اللَّه ما نعلم أحدا أقوى منك عليها، فهلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم، فأبوا غيره و أبى عليهم حتى كرروا ذلك ثلاث مرات. فلما أبوا بسط يده فبايعوه. ثم خرجوا يمسحون أكفهم بباب الدار و حيطانه، و جعلوا يقولون: أظن ابن مرجانة أنّا نوليه أمرنا في الفرقة. فكان يأمر بالأمر فلا ينفذ، و يرى الرأي فيرد عليه رأيه.

فأقام كذلك ثلاثة أشهر، و قدم مسلمة بن ذؤيب فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير، فمالوا إليه و تركوا ابن زياد، فكان في بيت المال يومئذ تسعة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد بعضها في بني أمية و حمل الباقي معه، و خرج في الليل يتخفى، فعرفه رجل فضربه بسهم فوقع في عمامته و أفلت، فطلبوه فمات و انتهبوا ما وجدوا له فطلب الناس من ثار عليهم، فبايعوا عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، فولي أمرهم أربعة أشهر، ثم ولي عبيد اللَّه بن معمر على البصرة.

و في هذه السنة وقع الطاعون الجارف بالبصرة [ (3)].

فماتت أم ابن معمر الأمير، فما وجدوا من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أنفس، و كان وقوع هذا الطاعون أربعة أيام، فمات في اليوم الأول سبعون ألفا، و في اليوم الثاني واحد و سبعون ألفا، و في اليوم الثالث ثلاثة و سبعون ألفا، و أصبح الناس في اليوم الرابع موتى [إلا قليلا من‏] [ (4)] الآحاد.

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أحمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا

____________

[ (1)] في الأصل: «كنتم على حد متى تقضوا» و التصحيح من الطبري.

[ (2)] في الطبري: «فما بكم».

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 612، أحداث سنة 65، و البداية و النهاية 8/ 283.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه لاستقامة المعنى.

26

أبو نعيم الحافظ، قال: حدّثنا عبيد اللَّه، قال: حدّثنا أحمد بن عصام، قال: حدّثني معدي عن رجل يكنى أبا النفيد و كان قد أدرك زمن الطاعون، قال [ (1)]:

كنا نطوف في القبائل و ندفن الموتى، و لما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار قد مات أهلها فنسد بابها، قال: فدخلنا دارا/ ففتشناها فلم نجد فيها أحدا حيا، فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف على القبائل ننزع تلك السدد التي سددناها، فانتزعنا سد ذلك الباب الّذي دخلناه ففتشنا الدار فلم نجد أحدا حيا، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين كأنما أخذ ساعته من حجر أمه. قال: و نحن وقوف على الغلام نتعجب منه فدخلت كلبة من شق في الحائط تلوذ بالغلام، و الغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، فقال معدي: رأيت هذا الغلام في مسجد البصرة قد قبض على لحيته.

و قيل: كان هذا الطاعون في سنة تسع و ستين.

و في هذه السنة طرد أهل الكوفة عمرو بن حريث و أمّروا عامر بن مسعود [ (2)]

و كان ابن زياد قد قتل من الخوارج ثلاثة عشر ألفا و حبس أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيبا فقال: إن الّذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمرتموني جبيت فيئكم [ (3)]، و قاتلت عدوكم. و بعث بذلك إلى أهل الكوفة مقاتل بن مسمع، و سعيد [ (4)] [بن قرحا] [ (5)] المازني، فقام عمرو بن حريث، و قال: إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم يدعو انكم إلى أمر يجمع اللَّه به كلمتكم فاسمعوا لهما، فقام ابن الحارث و هو يزيد، فقال: الحمد للَّه الّذي أراحنا من ابن سمية، فأمر به عمرو إلى السجن فحالت بينه و بينه بكر، و صعد عمرو المنبر فحصبوه، فدخل داره، و اجتمع الناس في‏

____________

[ (1)] الخبر في البداية و النهاية 8/ 283.

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 523.

[ (3)] في الأصل: «جندت فيكم».

[ (4)] في الأصل: «و سعد» و ما أوردناه أصح.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من الطبري.

27

المسجد و قالوا: نؤمر رجلا إلى أن يجتمع الناس على خليفة، فأجمعوا على عمرو بن سعد [ (1)] بن أبي وقاص، ثم أجمعوا على عامر بن مسعود، و كتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقره، و اجتمع لابن الزبير أهل البصرة و أهل الكوفة و من قبله من العرب و أهل الشام و أهل الجزيرة إلا أهل الأردن.

و في هذه السنة بويع لمروان بالخلافة في الشام [ (2)]

و سبب/ ذلك أن ابن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن يخرج بني أمية، فخرجوا و خرج معهم مروان بن الحكم إلى الشام- و عبد الملك يومئذ ابن ثمان و عشرين سنة، فكان من رأي مروان أن يرحل إلى ابن الزبير و يبايعه. فقدم عبيد اللَّه بن زياد، فاجتمعت عنده بنو أمية، فقال لمروان: استحييت لك مما تريده، أنت كبير قريش و سيدها، تصنع ما تصنع، فقال: و اللَّه ما فات شي‏ء بعد، فقام معه بنو أمية و مواليهم، فبايعوه بالجابية لثلاث خلون من ذي القعدة، و تجمع إليه أهل اليمن، فسار و هو يقول: ما فات شي‏ء بعد، فقدم دمشق و قد بايع أهلها الضحاك بن قيس الفهري على أن يصلي بهم و يقيم لهم أمرهم حتى يجتمع [أمر] [ (3)] أمة محمد صلى اللَّه عليه و سلم.

و كان ابن الضحاك يهوى هوى ابن الزبير، فيعمل في ذلك سرا خوفا من بني أمية، و ثار زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لابن الزبير، و اختلف أهل دمشق فخرج مروان فقتله و قتل أصحابه و قتل النعمان بن بشير الأنصاري- و كان على حمص- و أطبق أهل الشام على مروان، فخرج مروان حتى أتى مصر و عليها عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إليه فيمن معه من بني فهر، و بعث مروان عمرو بن سعيد الأشدق من ورائه حتى دخل مصر، و قام على منبرها للناس، و أمر مروان الناس فبايعوه، ثم رجع إلى دمشق حتى إذا دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزبير نحو فلسطين، فسرح إليه مروان عمرو بن سعيد الأسدي في جيش، فاستقبله قبل‏

____________

[ (1)] في الأصل: «عمرو بن سعيد» خطأ.

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 530، و البداية و النهاية 8/ 258.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري 5/ 530.

28

أن يدخل الشام، فقاتله فهزم أصحاب مصعب. و قيل لمروان: إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام- يعنون خالد بن يزيد بن معاوية- فتزوج أمّه فيكون في حجرك، فتزوجها، ثم جمع بني أمية فبايعوه.

و في هذه السنة بايع أهل خراسان سالم بن زياد

بعد موت يزيد بن معاوية، و بعد موت ابنه معاوية، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة.

و فيها كانت فتنة عبد اللَّه بن خازم بخراسان‏

و ذلك أن سالم بن زياد بعث بما أصاب من هدايا سمرقند و خوارزم إلى يزيد بن معاوية مع عبد اللَّه بن خازم، و أقام سلم [ (1)] واليا على خراسان حتى مات يزيد و ابنه معاوية، فلما بلغه ذلك دعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى يستقيم الناس على خليفة، فبايعوه، و كانوا يحبونه حتى أنهم سمّوا في سني ولايته أكثر من عشرين ألف مولود بسلم [ (2)].

و أقاموا على بيعته شهرين ثم نكثوا. فخرج عن خراسان و خلف عليها المهلب بن أبي صفرة، فلقيه عبد اللَّه بن خازم، فقال له: اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له فقال: أعني الآن بمائة ألف درهم، ففعل، و أقبل فغلب على مرو، و جرت له حروب كثيرة.

و في هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة [ (3)]

و اتعدوا للاجتماع بالنخيلة بالمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين ((عليه السلام)) و تكاتبوا في ذلك.

____________

[ (1)] في الأصل: «سالم». خطأ.

[ (2)] في الأصل: «مولود سالما».

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 551.

29

و منذ قتل الحسين ((عليه السلام)) كانوا يتلاومون بينهم و يندمون على ترك نصرته، فرأوا أنهم قد جنوا جناية لا يكفرها إلا الطلب [بدمه‏].

فاجتمع من ملأهم جماعة في بيت سليمان بن صرد، و تعاهدوا و جاءوا بأموال يجهزون بها من يعينهم، و كاتبوا شيعتهم و ضربوا أجلا و مكانا، فجعلوا الأجل غرة شهر ربيع الآخر من سنة خمس و ستين، و الموطن النخيلة، و ابتدءوا في أمورهم في سنة إحدى و ستين و هي السنة التي قتل فيها الحسين ((عليه السلام))، و ما زالوا في الاستعداد و دعاء الناس في السر حتى مات يزيد، فخرجت حينئذ منهم دعاة يدعون الناس، فاستجاب لهم خلق كثير. و كان عبيد اللَّه بن زياد قد حبس المختار بن أبي عبيد لعلمه بميله إلى شيعة عليّ، فكتب ابن عمر إلى يزيد: أن ابن/ زياد قد حبس المختار و هو صهري، فإن رأيت أن تكتب إلى ابن زياد يخليه، فكتب إليه يأمره بتخليته فدعاه و قال:

قد أجلتك ثلاثا فإن أدركتك بالكوفة بعدها [ (1)] برئت منك الذمة، فخرج إلى الحجاز، و كان يقول: و اللَّه لأقتلن بالحسين عدة من قتل على دم يحيى بن زكريا، فقدم على بن الزبير فرحب به، فقال له: ما تنتظر، ابسط يدك نبايعك، ثم مضى إلى الطائف، ثم عاد بعد سنة فبايع ابن الزبير و قاتل معه و أقام عنده حتى هلك يزيد، ثم وثب فركب راحلته نحو الكوفة، فقدمها في النصف من رمضان يوم الجمعة بعد ستة أشهر من هلاك يزيد.

و رأى المختار اجتماع رءوس الشيعة على سلمان بن صرد، فقال لهم: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن الحنفية [ (2)]، فانشعبت إليه طائفة من الشيعة.

و كان المختار يقول لهم: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه و يقتلكم، فإنه ليس [له‏] [ (3)] بصر بالحروب.

و كان سليمان بن صرد و أصحابه يريدون الوثوب بالكوفة و أميرها يومئذ عبد اللَّه بن يزيد الأنصاري من قبل ابن الزبير، فبلغه ذلك فقال: و ما الّذي يريدون؟ قيل: إنهم يطلبون بدم الحسين، قال: و أنا قتلت الحسين، لعن اللَّه قاتل الحسين. ثم خطب‏

____________

[ (1)] العبارة مضطربة في الأصل، و ما أوردناه من الطبري 5/ 570، 571.

[ (2)] كذا في الأصل، و ابن الأثير، و في الطبري: «محمد بن علي بن الحنفية».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

30

فقال: قد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر يريدون الخروج علينا يطلبون فيما زعموا بدم الحسين، فرحم اللَّه هؤلاء القوم، و اللَّه ما قتلته، و لقد أصبت بمقتله. فإن هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا و لينتشروا ظاهرين، ثم نسير إلى قاتل الحسين و أنالهم على قاتله ظهير، هذا ابن زياد قاتل الحسين و قاتل خياركم قد توجه إليكم، و الاستعداد له أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم.

فخرج سليمان بن صرد [و أصحابه‏] [ (1)] ينشرون السلاح ظاهرين، و يشترون و يتجهزون لجهادهم بما يصلحهم، و جعل المختار ينتظر ما يصير إليه أمر سليمان بن صرد.

فخرج سليمان نحو الجزيرة، فجاء قوم إلى عبد اللَّه بن يزيد أمير البلدة فحذروه المختار، و أخذوا المختار فحبسوه و قيدوه فجعل يقول: أما و رب البحار، و النخل و الأشجار، و المهامة و القفار، و الملائكة الأبرار، و المصطفين/ الأخيار، لأقتلنّ كلّ جبّار، بكلّ لدن خطّار، و مهنّد بتّار في جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار [ (2)]، و لا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، و رأيت شعب صدع المؤمنين، و شفيت غليل صدور المسلمين، و أدركت بثأر النبيين.

و في هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة [ (3)]

و كانت حيطانها قد مالت مما رميت به من حجارة المنجنيق فهدمها حتى سواها بالأرض، و حفر أساسها و أدخل الحجر فيها، و جعل الركن الأسود عنده في سرقة [ (4)] من حرير في تابوت، و جعل ما كان من حليّ البيت و ما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبة في خزانة البيت حتى [أعادها لما] [ (5)] أعاد بناءه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (2)] ميل: جمع أميل، و هو الّذي لا رمح له.

و الأغمار: جمع غمر، بضم فسكون، و هو الّذي لا تجربة له بالأمور.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 582.

[ (4)] السرق: شقائق الحرير، واحده سرقة.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

31

و في هذه السنة حج بالناس عبد اللَّه بن الزبير، و كان عامله على المدينة أخوه عبيد اللَّه بن الزبير، و على الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، و على قضائها سعيد بن نمران.

و أبى شريح أن يقضي فيها، و قال: لا أقضي في الفتنة. و كان على البصرة عمر بن عبيد اللَّه بن معمر التيمي، و على قضائها هشام بن هبيرة، و على خراسان عبد اللَّه بن خازم.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

425- عبد اللَّه بن سوار بن همام العبديّ:

و كان شريفا جوادا، و ولاه معاوية السند.

أنبأنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحميدي، قال: حدّثنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدّثنا ابن دريد، قال: أخبرنا العكلي، عن عبد اللَّه بن أبي خالد، عن الهيثم بن عدي، عن رجاله، قالوا:

وفد على عبد اللَّه بن سوار بن همام العبديّ رجل من أهل البصرة و هو عامل معاوية على السند، فانتظر إذنه ثلاثا ثم دخل عليه فأنكره، فقال: من الرجل؟ قال: من أهل البصرة من بني تميم من بني سعد، قال: و ما وراءك؟ قال: حرمة أمت بها، قال:

و ما هي؟ قال: كنت تمر بمجلس بني سور فتسلم فأرد عليك أتم من سلامك بأجهر من كلامك، و أتبعك بدعائي من بين رجال قومي/ قال: حرمة و اللَّه.

و كان عبد اللَّه بن سوار شريفا جوادا، فقال: ما حاجتك؟ قال: أملي، قال: و ما أملك؟ قال: ما أستغني به عن غيرك إن عشت، و تنمو به عقبي إن مت. فأمر له بثلاثين ألفا، و كساه و قال: هي لك عندي في كل سنة إن أبقاني لك الدهر.

32

426- معاوية بن يزيد بن معاوية، أبو ليلى، و يقال: أبو عبد الرحمن [عبد اللَّه‏] [ (1)]:

ولي بعد أبيه يزيد و هو ابن تسع عشرة سنة. و قيل: ثلاثة عشر و ثمانية عشر يوما.

و بويع له بالشام فأقام نحو ثلاثة أشهر. و قيل: أربعين ليلة. و توفي في هذه السنة.

و كان خيرا ذا دين، سألته، أمه أم هانئ بنت أبي هشام بن عتبة بن ربيعة في مرضه أن يستخلف أخاه خالدا بن يزيد فأبى و قال: و اللَّه لا أحملها حيا و ميتا، فقالت له:

وددت أنك كنت نسيا منسيا و لم تضعف هذا الضعف، قال: وددت أني كنت نسيا منسيا و لم أسمع بذكر جهنم، ثم قال: يا حسان بن مالك، اضبط ما قبلك وصل بالناس إلى أن يرضى المسلمون بإمام يحققون عليه.

و روى أبو جعفر الطبري: أنه خطب الناس فقال: إني نظرت في أمركم فصعقت عنه فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن الخطاب حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم سنة الشورى مثل سنة عثمان و لم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله و لم يخرج إلى الناس. فقال بعض الناس: إنه دس إليه فسقي سما. و قيل: بل طاعن.

427- المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، أبو عبد الرحمن [ (2)]

أمه عاتكة بنت عوف، أخت عبد الرحمن بن عوف من المهاجرات المبايعات، قبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و المسور/ ابن ثمان سنين، و روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، و كان يلازم عمر بن الخطاب و يحفظ عنه، و كان من أهل الفضل و الدين، و لم يزل مع خاله عبد الرحمن مقبلا و مدبرا في أمر الشورى، ثم انحاز إلى مكة حين توفي معاوية، و كره بيعة يزيد، فلم يزل هنالك حتى قدم الحصين بن نمير و حضر حصار ابن الزبير.

أنبأنا الحسين البارع، قال: أخبرنا ابن المسلمة، قال: أخبرنا المخلص، قال:

____________

[ (1)] البداية و النهاية 8/ 256، و تاريخ الطبري 5/ 501، و البدء و التاريخ 6/ 16، و تاريخ الخميس 2/ 301، و نسب قريش 128.

[ (2)] الإصابة 7995، و البداية و النهاية 8/ 265.

33

أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني إبراهيم بن حمزة، قال:

أتى عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ببرود من اليمن فقسمها بين المهاجرين و الأنصار، و كان فيها برد فائق، فقال: إن أعطيته أحدا منهم غضب أصحابه و رأوا أنه فضلته عليهم، فدلوني على فتى من قريش نشا نشأة حسنة أعطيه إياه، فأسمو المسور بن مخرمة، فدفعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص على المسور، فقال: ما هذا؟ قال: كسانيه أمير المؤمنين، فجاء سعد إلى عمر فقال: تكسوني هذا البرد و تكسو ابن أخي أفضل منه؟ فقال: يا أبا إسحاق، إني كرهت أن أعطيه أحدا منكم فيغضب أصحابه فأعطيته فتى نشا نشأة حسنة حتى لا يتوهم فيه أني أفضله عليكم، فقال سعد:

فإنّي قد حلفت لأضربن بالبرد الّذي أعطيتني رأسك، فخضع له عمر رأسه و قال: عندك يا أبا إسحاق فارفق الشيخ بالشيخ، فضرب رأسه بالبرد.

أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور:

أن المسور كان لا يشرب من الماء الّذي يوضع في المسجد و يكرهه و يرى أنه صدقة، و أنه احتكر طعاما/ فرأى سحابا من سحاب الخريف فكرهه، فلما أصبح أتى السوق فقال: من جاءني وليته، فبلغ ذلك عمر الخطاب، فأتاه بالسوق فقال: أجننت يا مسور؟ قال: لا و اللَّه يا أمير المؤمنين، و لكني رأيت سحابا من سحاب الخريف فكرهته، فكرهت ما ينفع المسلمين [ (1)]، فكرهت أن أربح فيه و أردت ألا أربح فيه، فقال عمر:

جزاك اللَّه خيرا.

قال ابن سعد: و أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد اللَّه بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها:

أنه كان يصوم الدهر و أنه أصابه حجر من المنجنيق، ضرب البيت فانفلق منه فلقة

____________

[ (1)] في البداية: «فكرهت ما فيه الناس».

34

فأصابت جدار المسور و هو قائم يصلي، فمرض منها أياما ثم هلك في اليوم الّذي جاء فيه نعي يزيد بن معاوية بمكة، و ابن الزبير يومئذ لا يتسمى بالخلافة و الأمر شورى، و هو ابن اثنتين و ستين سنة.

428- يزيد بن الأسود الجرشي [ (1)]:

كان عبدا صالحا، و كان القطر قد احتبس في زمن معاوية، فصعد المنبر و دعاه فصعد إليه، فقال معاوية: اللَّهمّ إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا و أفضلنا، اللَّهمّ إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود، فسقى الناس، ثم جرى له مثل هذا مع الضحاك بن قيس.

أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن هبة اللَّه الطبري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه [ (2)]، قال:

حدّثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدّثنا سعيد بن أسد، قال: حدّثنا ضمرة، عن ابن أبي جميلة، قال:

أصاب الناس قحط بدمشق، و على الناس الضحاك بن قيس الفهري، فخرج بالناس يستسقي، فقال: أين يزيد بن الأسود الجرشي، فلم يجبه أحد مرارا، فقال:

عزمت عليه أن يسمع كلامي إلا قام، فقام فرفع يديه فقال: اللَّهمّ يا رب إن عبادك تقربوا إليك فاسقهم، فانصرف الناس و هم يخوضون/ الماء، فقال: اللَّهمّ إنه قد شهرني فأرحني منه، فما أتت عليه جمعة حتى قتل الضحاك.

429- يزيد بن معاوية بن أبي سفيان [ (3)]:

توفي لأربع عشر خلت من ربيع الأول من هذه السنة بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين، و هو ابن خمس و ثلاثين سنة. و قيل: تسع و ثلاثين.

و كانت خلافته ثلاث سنين و تسعة أشهر و قال الواقدي: و ثمانية أشهر إلا ثمان ليال.

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 7/ 2/ 155، و تاريخ الخميس 2/ 300، و البدء و التاريخ 6/ 6.

[ (2)] في الأصل: «درشنونة» و هو خطأ.

[ (3)] البداية و النهاية 8/ 245.

35

ثم دخلت سنة خمس و ستين‏

فمن الحوادث فيها شخوص التوابين إلى ابن زياد للطلب بدم الحسين ((عليه السلام)) [ (1)]

و ذلك أن سليمان بن صرد بعث إلى رءوس أصحابه من الشيعة، فأتوه، فلما استهلوا هلال ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه إلى النّخيلة فلم يعجبه عدد الناس [ (2)]، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل، و بعث الوليد بن غصين الكناني في خيل، فقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة، فناديا: يا لثارات الحسين، فخرج منها خلق كثير، فنظر لما أصبح في ديوانه، فوجد الذين بايعوه على الخروج ستة عشر ألفا لم يجتمع منهم [إلا] [ (3)] أربعة آلاف [ (4)]، فقال: أما يذكرون ما أعطونا من العهود، فقيل له: إن المختار يثبط الناس [ (5)] عنك، فأقام بالنّخيلة ثلاثا يبعث إلى المتخلفين فيذكرهم اللَّه عز و جل، فخرج نحو من ألف رجل، فقال له المسيب ابن نجية الفزاري: إنك لا ينفعك إلا من أخرجته النية فاكمش في أمرك [ (6)]. فقام فقال: و اللَّه ما نأتي غنيمة نغنمها، و لا فيئا نستفيئه، و ما معنا من ذهب و لا فضة، و ما هي إلا سيوفنا في عواتقنا، و رماحنا في أكفنا و زاد بمقدار البلغة إلى لقاء عدونا، فمن يرى غير هذا فلا يصحبنا.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 5/ 583، و البداية و النهاية 8/ 271.

[ (2)] في الطبري: «عدة الناس».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.

[ (4)] في الأصل: «أربعة أربعة آلاف». حذفناها لتكرارها.

[ (5)] في الأصل: «القوم». و كتب فوقها: «الناس».

[ (6)] كمش الرجل في أمره: مضى و أسرع.

36

فلما عزم على المسير، قال بعض أصحابه: إن قتلة الحسين بالكوفة عمر بن سعد و رءوس القبائل، فأنّى نذهب.

و قال آخرون: بل نقصد ابن زياد فهو الّذي عبى الجنود إليه فإن ظهرنا عليه كان من بعده أهون شوكة، و كان عمر بن سعد في تلك الأيام لا يبيت إلا في قصر الإمارة مخافة على نفسه، و جاء عبيد اللَّه بن يزيد و الي الكوفة إلى سليمان فقال: قم حتى نبعث معك جيشا كثيفا، فلم يقم و أدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس و ستين، و لم يزل يسير إلى أن أتى قبر الحسين ((عليه السلام))، فأقام عنده يوما و ليلة، فجعل أصحابه يبكون و يتمنون لو أصيبوا معه، و جعلوا يستغيثون: يا رب إنّا خذلنا ابن بنت نبيك فاغفر لنا ما مضى منا و تب علينا.

و وصل كتاب عبد اللَّه بن يزيد إلى سليمان بن صرد، و فيه: هذا كتاب ناصح محب، بلغني أنكم تسيرون بالعدد القليل إلى الجمع الكثير، و أنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله، و ينزع [و هو] مذموم العقل و الفعل، و متى أصابكم عدوكم طمع في من وراءكم: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [ (1)]. يا قوم، إن أيدينا و أيديكم واحدة، و متى اجتمعت كلمتنا [نظهر] [ (2)] على عدونا.

فلما قرأ الكتاب على أصحابه، قال: ما ترون؟ قالوا: إنّا قد أبينا هذا عليهم و نحن في مصرنا، فالآن حين دنونا من أرض العدو، ما هذا برأي. فساروا مجدين إلى أن وصلوا عين وردة، فأقاموا بها خمسا، فأقبل أهل الشام في عساكرهم، فقدم المسيب بن نجية فلقي أوائل القوم فأصابهم بالجراح فانهزموا فأخذوا منهم ما خفّ، فبلغ الخبر ابن زياد،/ فبعث الحصين بن نمير مسرعا في اثني عشر ألفا، فاقتتلوا فكان الظفر لسليمان إلى أن حجز بينهم الليل فأمدهم ابن زياد بذي الكلاع في ثمانية آلاف فكثروهم، فنزل سليمان و نادى: عباد اللَّه، من أراد البكور إلى ربه، و التوبة من ذنبه، و الوفاء بعهده، فإليّ، ثم كسر جفن سيفه، و نزل ناس كثير، فقاتلوا فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة.

____________

[ (1)] سورة: الكهف، الآية: 20.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: من هامش الأصل.

37

فاكتنفهم القوم و رموهم بالنبل، فقتل سليمان ثم المسيب و قتل الخلق.

فلما جن الليل ذهب فلّ القوم [ (1)] تحت الليل، فأصبح الحصين فوجدهم قد ذهبوا، فلم يبعث في آثارهم أحدا، و كان قد خرج جماعة من أهل البصرة و جماعة من أهل المدائن و أهل الكوفة، فبلغهم الخبر فرجعوا إلى بلادهم، فقال المختار لأصحابه:

عدّوا لغازيكم هذا أكثر من عشر، و دون الشهر، ثم يجيئكم بضرب هبر، و طعن نتر، و أن سليمان قد قضى ما عليه، و ليس بصاحبكم الّذي به تنصرون، أنا قاتل الجبارين و المنتقم من الأعداء.

و في هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشام بعقد البيعة لابنيه عبد الملك و عبد العزيز [ (2)]

و جعلهما وليي عهده، و كان مروان قد بعث عمرو بن سعيد بن العاص إلى مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد اللَّه بن الزبير إلى فلسطين، فهزم ابن الزبير و رجع إلى مروان بدمشق، و بلغ مروان أن عمرا يقول: هذا الأمر لي من بعد مروان، فبايع مروان لابنيه.

و في هذه السنة بعث مروان بعثين [ (3)]

أحدهما إلى المدينة عليهم حبيش بن دلجة، و الآخر إلى العراق و عليهم عبيد اللَّه بن زياد، فأما ابن زياد فإنه سار حتى نزل الجزيرة، فأتاه بها موت مروان. و خرج إليه التوابون من أهل الكوفة طالبين بدم الحسين، فجرى لهم ما سبق ذكره، و سنذكر باقي خبره/ إن شاء اللَّه.

و أما حبيش فانتهى إلى المدينة و عليها جابر بن الأسود بن عوف بن‏

____________

[ (1)] فلّ القوم: المنهزمون.

[ (2)] تاريخ الطبري 5/ 610.

[ (3)] تاريخ الطبري 5/ 611، 612.

38

عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب جابر، فبعث الحارث بن أبي ربيعة جيشا من البصرة، و كان ابن الزبير قد ولاه عليها، فأنفذهم لمحاربة حبيش، فسار إليهم حبيش، و بعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد على المدينة، و أمره أن يطلب حبيشا، فلحقهم بالربذة، فجاء سهم غرب فقتل حبيشا، و تحرز منهم نحو خمسمائة في المدينة، فقال [لهم‏] عباس: انزلوا على حكمي، فنزلوا، فضرب أعناقهم، و رجع فلّ حبيش إلى الشام.

و في هذه السنة مات مروان، و قام مكانه ابنه عبد الملك [ (1)].

____________

[ (1)] إلى هنا انتهى السقط من ت، و الّذي بدأ أثناء ترجمة عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري في وفيات سنة 62.

39

باب ذكر خلافة عبد الملك بن مروان [ (1)]

هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، و يكنى أبا الوليد، و أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.

ولد في سنة ست و عشرين هو و يزيد بن معاوية.

و قيل: ولد في سنة أربع و عشرين، و حمل به ستة أشهر فقط، و كان أبيض.

و قيل: كان آدم طوالا كثير الشعر كبير اللحية و العينين، مشرق الأنف، دقيق الوجه مضبب الأسنان بالذهب، كان فقيها راويا ناسكا، يدعى حمامة المسجد، شاعرا.

و قيل لابن عمر [ (2)]: من نسأل بعدكم، فقال: إن لمروان ابنا فقيها فسلوه.

و قال نافع: [ (3)] أدركت المدينة و ما بها شاب أنسك، و لا أشد تشميرا، و لا أكثر صلاة، و لا أطلب للعلم من عبد الملك بن مروان.

قال مؤلف الكتاب: [ (4)] استعمله معاوية على المدينة و هو ابن ست عشرة سنة، و أول من سمي بعبد الملك بن عبد الملك بن مروان، و أول من سمي في الإسلام أحمد أبو الخليل بن أحمد العروضي. و عبد الملك أول/ من أمر أن يقال على المنابر: اللَّهمّ أصلح عبدك و خليفتك، فلما بويع له تغيرت أموره في باب الدين.

____________

[ (1)] البداية و النهاية 8/ 281.

[ (2)] الخبر في تاريخ بغداد 10/ 389.

[ (3)] الخبر في تاريخ بغداد 10/ 389.

[ (4)] في ت: «قال المصنف».

40

أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا العتيقي، قال: أخبرنا عثمان بن محمد بن القاسم الأدمي، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الأول بن مريد، عن ابن عائشة، قال:

أفضى الأمر إلى عبد الملك و المصحف في حجره يقرأ فأطبقه، و قال: هذا آخر العهد بك [ (1)].

قال مؤلف الكتاب [ (2)]: و قد رواها ثعلب، عن ابن الزعفرانيّ، قال: لما سلّم على عبد الملك بالخلافة [ (3)] كان في حجره مصحف، فأطبقه، و قال: هذا فراق بيني و بينك.

أخبرنا القزاز بإسناد له عن الوليد بن مسلم، عن عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه، قال: حدّثني عبد الملك بن مروان، قال:

كنت أجالس بريرة فقالت: إن فيك خصالا خليق أن تلي الأمر فإن وليته فاتق الدماء فإنّي سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم يقول:

«إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بمل‏ء محجمة من دم امرئ مسلم [ (4)] يريقه».

و في هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة و فيها قتل نافع بن الأزرق‏

و ذلك أن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن معمر بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق في جيش فلقيهم بموضع في الأهواز يقال له: دولاب، فاقتتلوا قتالا شديدا، و قتل نافع بن الأزرق، ثم أمرت الخوارج غيره، و جاءهم المدد و قوي القتال و قتل خلق من المؤمنين، و قدم المهلب بن أبي صفرة على تلك الحال معه عهده على خراسان من قبل ابن الزبير، فسأله المسلمون أن يلي الحرب، فأبى، فكتبوا على لسان ابن الزبير إلى المهلب أن يلي قتال الخوارج، فقال: إني لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه و تعطوني‏

____________

[ (1)] الخبر في تاريخ بغداد 10/ 390.

[ (2)] في ت: «قال المصنف».

[ (3)] في ت: «سلم عليه بالخلافة».

[ (4)] «امرئ مسلم»: ساقطة من ت.

41

من بيت المال ما أقوى به، و انتخب من فرسان الناس/ و وجوههم من أحببت، فقال أهل البصرة: لك ذلك.

و جاءت الخوارج، فخرج إليهم فدفعهم عن البصرة، و ما زال يدفعهم و يتبعهم، ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى انهزم الناس إلى البصرة، فنادى المهلب: إليّ عباد اللَّه، ثم هجم على القوم، فأخذ عسكرهم و ما فيه، و قتل الأزارقة قتلا عنيفا، و خرج فلهم إلى كرمان و أصبهان، و أقام المهلب بالأهواز، و كتب إلى ابن الزبير بما ضمن له، فأجاز ذلك.

و قيل: إن وقعة الأزارقة كانت سنة ست و ستين.

و في هذه السنة عزل عبد اللَّه بن الزبير عبد اللَّه بن يزيد عن الكوفة

و ولاها عبد اللَّه بن مطيع، و نزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير و ولاها أخاه مصعب بن الزبير.

و كان له سبب عزله أخاه عبيدة بن الزبير أنه خطب فقال: قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمي مقوّم الناقة [ (1)]، و بلغ ذلك ابن الزبير، فقال: هذا لهو التكلف.

و في هذه السنة بنى ابن الزبير الكعبة

و أدخل الحجر فيها، و قد ذكرنا أنه نقضها في السنة التي قبل هذه السنة، فيمكن أن تكون الرواية مختلفة، و يمكن أن يكون النقض في سنة و البناء في السنة الأخرى.

و في هذه السنة [ (2)] حج بالناس عبد اللَّه بن الزبير، و كان على المدينة مصعب بن الزبير، و على‏

____________

[ (1)] في ت: «مقدم الناقة».

[ (2)] في الأصل: «و فيها». و ما أوردناه من ت.

42

الكوفة في آخر السنة عبد اللَّه بن مطيع، و على البصرة عبد اللَّه بن الحارث بن أبي ربيعة، و على قضائها هشام بن هبيرة، و على خراسان عبد اللَّه بن خازم.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

430- جميل بن معمر- و قيل ابن عبد اللَّه- بن معمر بن الحارث بن ظبيان: [ (1)]

رأى بثينة و هو صبي صغير فهويها، و هما من بني عذرة و تكنى/ بثينة: أم عبد الملك- فلما كبر خطبها فرد عنها فقال فيها الشعر، و كان يزورها و تزوره، و منزلهما وادي القرى، فجمع أهلها له جمعا ليأخذوه، فأخبرته [ (2)] بثينة [فاختفى‏] [ (3)] و هجا قومها فاستعدوا عليه مروان بن الحكم [و هو] [ (3)] يومئذ على المدينة من قبل معاوية، فنذر ليقطعن لسانه، فلحق بخذام فأقام هناك إلى أن عزل مروان.

أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد بن السراج، قال:

كنت مارا بين تيماء و وادي القرى مبادرا من مكة فرأيت صخرة عظيمة ملساء فيها تربيع بقدر ما يجلس عليها النفر [ (4)] كالدكة، فقال بعض من كان معنا من العرب، و أظنه جهنيا: هذا مجلس جميل و بثينة فأعرفه.

و من أشعاره المستحسنة فيها قوله:

حلت بثينة من قلبي بمنزلة * * * بين الجوانح لم ينزل به أحد

صادت [ (5)] فؤادي بعينيها و مبسمها * * * كأنه حين تبديه لنا برد

و عاذلين لحوني في محبتها * * * يا ليتهم وجدوا مثل الّذي أجد

____________

[ (1)] الأغاني 8/ 95، و تهذيب تاريخ ابن عساكر 3/ 395، و الشعر و الشعراء 166، و تزيين الأسواق 1/ 38، و خزانة البغدادي 1/ 191، و فيه: «قال ابن الكلبي: و في اسم أبيه فمن فوقه خلاف».

[ (2)] في ت: «فحذرته».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (4)] في ت: «التفت».

[ (5)] في ت: «صارت».

43

لما أطالوا عتابي فيك قلت لهم‏ * * * لا تفرطوا بعض هذا اللوم و اقتصدوا

قد مات قبلي أخو نهد و صاحبه‏ * * * من قيس ثم اشتفى من عروة الكمد

و كلهم كان في عشق منيته‏ * * * و قد وجدت بها فوق [ (1)] الّذي وجدوا

إني لأحسبه أو كدت أعلمه‏ * * * أن سوف يوردني الحوض الّذي وردوا

إن لم ينلني بمعروف يجود به‏ * * * أو يدفع اللَّه عني الواحد الصمد

و قال أيضا [ (2)]:

لحي اللَّه من لا ينفع الود عنده‏ * * * و من حبله إن مد غير متين‏

و من هو إن تحدث له العين نظرة * * * يقطّع لها أسباب كل قرين‏

و من هو ذو لونين ليس بدائم‏ * * * على خلق خوان كل يمين‏

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي‏ * * * و هموا بقتلي يا بثين لقوني‏

إذا ما رأوني طالعا من ثنية * * * يقولون من هذا و قد عرفوني‏

يقولون لي أهلا و سهلا و مرحبا * * * و لو ظفروا بي ساعة قتلوني‏

و كيف و لا توفي دماؤهم دمي‏ * * * و لا مالهم مالي إذا [ (3)] فقدوني‏

و قال أيضا:

فيا ويح نفسي حسب نفسي الّذي بها * * * و يا ويح أهلي ما أصيب به أهلي‏

فلو تركت عقلي معي ما طلبتها * * * و لكن طلابيها لما فات من عقلي‏

خليلي فيما عشتما هل رأيتما * * * قتيلا بكى من حب قاتله قبلي‏

أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، قال: أخبرنا محمد بن علي العلاف، قال:

حدّثنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: حدّثنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدّثنا الحسن بن علي، قال: حدّثنا المثنى بن سعد الجعفي، قال:

____________

[ (1)] في الأصل: «بعض الّذي». و ما أوردناه من ت.

[ (2)] في ت: «و له».

[ (3)] في الأصل: «ما لهم ذو بدهة».

44

بلغني أن كثير عزة لقي جميلا [ (1)]، فقال له: متى عهدك ببثينة؟ قال: ما لي بها عهد منذ عام أول و هي تغسل ثوبا بوادي الدوم، فقال كثير: أ تحب أن أعدها لك الليلة؟

قال: نعم، فأقبل راجعا إلى بثينة، فقال له أبوها: يا فلان ما ردك؟ أما كنت عندنا قبيل؟

قال: بلى، و لكن حضرت أبيات قلتها في عزة، قال: و ما هي؟ فقال:

فقلت لها يا عز أرسل صاحبي‏ * * * على باب داري و الرسول موكل‏

أما تذكرين العهد يوم لقيتكم‏ * * * بأسفل وادي الدوم و الثوب يغسل‏

فقالت بثينة: اخسأ، فقال أبوها: ما هاجك، قالت: كلب لا يزال يأتينا من وراء هذا الجبل بالليل و أنصاف النهار.

قال: فرجع إليه فقال: قد وعدتك وراء هذا الجبل بالليل و أنصاف النهار، فالقها إذا شئت.

و حكى أبو محمد بن قتيبة عن بعض الناس أنه قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممن أنت؟ فقالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة و جميل شيئا؟ فقالت: و اللَّه/ إني لعلى ماء من الجناب [ (2)] و قد اعتزلنا الطريق و قد خرج رجالنا في سفر و خلفوا عندنا غلمانا أحداثا، و قد انحدرا لغلمان عشية إلى صرم [ (3)] قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم، و قد بقيت أنا و بثينة نستبرم غزلا لنا إذ انحدر علينا منحدر من هضبة حذاءنا، فسلم و نحن مستوحشون، فرددت السلام و نظرت فإذا رجل واقف شبهته بجميل، و دنا فأتيته فقلت: جميل، قال: أي و اللَّه، قلت: عرضتنا و نفسك للشر، فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التي من ورائك، و أشار إلى بثينة، فإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون و تمر، و إلى عكة فيها سمن فعصرته على الأقط و أدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل و قمت إلى سقاء فيه لبن، فصببت له في قدح، و شننت [ (4)] عليه من الماء فشرب و تراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أن كثير لقي عزة جميلا».

[ (2)] الجناب: موضع بعراض خيبر و سلاح و وادي القرى.

[ (3)] الصرم: الجماعة المنعزلة.

[ (4)] في الأصل: «و سيبت». و ما أوردناه من ت.

45

مصر فجئت لأودعكم و أحدث بكم عهدا، و أنا و اللَّه في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث أنتظر أن أجد فرصة حتى رأيت منحدر فتيانكم [ (1)] العشية، فجئت لأجدد بكم العهد [ (2)] فحدثنا ساعة ثم ودعناه و انطلق. فما لبثنا إلا يسيرا حتى أتانا نعيه من مصر.

أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي بإسناد له عن أبي بكر بن الأنباري، قال:

حدّثنا محمد بن المرزبان، قال: حدّثنا أبو بكر العامري، قال: حدّثنا علي بن محمد و هو المدائني، قال: حدّثني أبو عبد الرحمن العجلاني، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، قال:

كنت بالشام فقال لي قائل: هل لك في جميل فإنه لما به، فدخلت عليه و هو يجود بنفسه و ما يخيل لي أن الموت يكتربه، فقال لي: يا ابن سعد، ما تقول في رجل لم يسفك دما حراما قط، و لم يشرب خمرا قط، و لم يزن قط يشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه منذ خمسين سنة، قلت: من هذا؟ ما أحسبه إلا ناجيا، قال اللَّه تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [ (3)] فلعلك تعني نفسك، قال: نعم، قلت: كيف و أنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة، قال: هذا آخر وقت من أوقات الدنيا، و أول وقت من أوقات الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، و إن كان أكثر ما نلت منها إلا أني كنت آخذ يدها فأضعها على قلبي فأستريح إليها [ (4)]. ثم أغمي عليه و أفاق فأنشأ يقول:

صرح النعيّ و ما كنى بجميل‏ * * * و ثوى بمصر ثواء غير قفول‏

و لقد أجر الذيل في وادي القرى‏ * * * نشوان بين مزارع و نخيل‏

قومي بثينة فاندبي بعويل‏ * * * و أبكي خليلك قبل كل خليل‏

ثم أغمي عليه فمات.

____________

[ (1)] في ت: «صبيانكم».

[ (2)] في ت: «لأجدد بكم عهدا».

[ (3)] سورة: النساء، الآية: 31.

[ (4)] في الأصل: «فأسترح إليها»، و ما أوردناه من ت.

46

أخبرنا ابن الحصين بإسناد له عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال:

لما حضرت الوفاة جميلا بمصر قال: من يعلم بثينة؟ فقال رجل: أنا، فلما مات صار إلى حيّ بثينة فقال:

بكر النعي و ما كنى بجميل‏ * * * و ثوى بمصر ثواء غير قفول‏

بكر النعي بفارس ذي همة * * * بطل إذا حمل اللواء نديل‏] [ (1)

فخرجت بثينة مكشوفة الرأس، فقالت:

و إن سؤالي عن جميل لساعة * * * من الدهر ما حانت و لا حان حينها

سواء علينا يا جميل بن معمر * * * إذا مت بأساء الحياة و لينها

431- سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون الخزاعي، يكنى أبا المطرف: [ (2)]

و كانت له صحبة و سن عالية و شرف في قومه، و حضر صفين مع عليّ ((عليه السلام)).

أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا عبيد اللَّه بن عمر الواعظ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن جرير، عن رجاله، قال:

سليمان بن صرد أسلم و صحب النبي صلى اللَّه عليه و سلم، و كان اسمه يسارا، فلما أسلم سماه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم سليمان، و نزل الكوفة حين نزلها المسلمون، و شهد مع علي رضي اللَّه عنه صفين، و كان فيمن كتب إلى الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما قدوم الكوفة، فلما قدمها/ ترك القتال معه، فلما قتل الحسين ندم هو و المسيب بن نجية الفزاري و جميع من خذله فلم يقاتل معه، فلما قتل الحسين ندم هو و المسيب بن نجية الفزاري و جميع من خذله فلم يقاتل معه، ثم قالوا: ما لنا توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنخيلة و ولوا أمرهم سليمان بن صرد، و خرجوا إلى الشام في الطلب بدم الحسين رضي اللَّه عنه، فسموا التوابين، و كانوا أربعة آلاف، فقتل سليمان بن صرد

____________

[ (1)] البيت بين المعقوفتين: ساقطة من ت.

[ (2)] طبقات ابن سعد 4/ 2/ 30، و تاريخ بغداد 1/ 200، و طبقات خليفة 107، 136، و التاريخ الكبير 4/ 1752، و الجرح و التعديل 4/ 539، و الاستيعاب 2/ 649، و أسد الغابة 2/ 351، و تاريخ الإسلام 3/ 17، و الإصابة 2/ 3457، و الوافي بالوفيات 15/ 392.

47

في هذه الوقعة، رماه يزيد بن حصين بن نمير بسهم فقتله و حمل رأسه و رأس ابن نجية إلى مروان بن الحكم، و كان سليمان يوم قتل ابن ثلاث و تسعين سنة.

432- عبد اللَّه [ (1)] بن عمرو بن العاص [ (2)]:

أسلم قبل أبيه، و كان متعبدا، و

قال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم:

«أ لم أخبر أنك تصوم النهار و تقوم الليل؟» قال: بلى، فقال له: «صم و أفطر و صلّ و نم، فإن لجسدك عليك حقا، و إن لربك عليك حقا، و إن لزوجك عليك حقا.

أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: حدّثنا ابن الفهم، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا أبو بكر بن محمد بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صفوان بن سليم، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال:

استأذنت النبي صلى اللَّه عليه و سلم في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته. فكان عبد اللَّه يسمي صحيفته [تلك‏] [ (3)] الصادقة.

و عن هارون بن رئاب، قال: لما حضرت عبد اللَّه بن عمرو الوفاة، قال: إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش و قد كان مني إليه شبيه بالوعد، فو اللَّه لا ألقى اللَّه بثلث النفاق، اشهدوا أني قد زوجتها إياه.

توفي عبد اللَّه بالشام في هذه السنة و هو ابن اثنتين و سبعين سنة.

433- مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس [ (4)].

قبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و هو ابن ثماني سنين، فلم يزل مع أبيه بالمدينة حتى مات في‏

____________

[ (1)] في الأصلين: «عبد الملك». خطأ.

[ (2)] طبقات ابن سعد 2/ 2/ 125، 4/ 2/ 8، 7/ 2/ 189، و التاريخ الكبير 5/ 6، و المصارف 286، 287، و حلية الأولياء 1/ 283، و الاستيعاب 3/ 956، و أسد الغابة 3/ 233، و تذكرة الحفاظ 1/ 41، و سير أعلام النبلاء 3/ 79.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ابن سعد.

[ (4)] طبقات ابن سعد 5/ 1/ 24، و البداية و النهاية 8/ 277، و الإصابة 8320، و أسد الغابة 4/ 348، و تهذيب التهذيب 10/ 91، و البدء و التاريخ 6/ 19، و تاريخ الخميس 2/ 306.

48

خلافة عثمان بن عفان، و لم يزل/ مع ابن عمه عثمان، و كان كاتبا له فأعطاه أموالا كثيرة يتأول صلة قرابته، فنقم الناس ذلك على عثمان، و كانوا يرون أن كثيرا مما ينسب إلى عثمان لم يأمر به، و إنما هو رأي مروان، فلما حصر عثمان قاتل قتالا شديدا، فلما سار طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان سار معهم فقاتل قتالا شديدا، فلما نظر إلى طلحة، قال: و اللَّه إن كان دم عثمان إلا عند هذا. فرماه بسهم فقتله و توارى إلى أن أخذ له الأمان من عليّ، فأتاه فبايعه ثم انصرف إلى المدينة، فلم يزل بها حتى ولي معاوية فولاه المدينة سنة اثنتين و أربعين، فلما وثب أهل المدينة أيام الحرة أخرجوا بني أمية من المدينة و أخرجوه، فجعل يحرض مسلم بن عقبة عليهم، و رجع معه حتى ظفر بأهل المدينة، فانتهبها ثلاثا، و قدم على يزيد فشكر له ذلك، فلما مات يزيد ولي ابنه معاوية أياما ثم مات، و دعي لابن الزبير فخرج مروان يريد ابن الزبير [ليبايعه‏] [ (1)]، فلقيه عبد اللَّه بن زياد فرده و قال: ادع إلى نفسك و أنا أكفيك قريشا، فبايع لنفسه بالجابية في نصف ذي القعدة سنة أربع و ستين، و بعث عماله.

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو القاسم بن البرني، عن أبي عبد اللَّه بن بطة، قال: سمعت محمد بن علي بن شقيق، يقول: حدّثنا أبو صالح النحويّ سلمويه، قال: أخبرني عبد اللَّه يعني ابن المبارك قال: أخبرني يونس، عن الزهري قال:

اجتمع مروان و ابن الزبير عند عائشة، فذكر مروان بيت لبيد:

و ما المرء إلا كالشهاب [ (2)] و ضوؤه‏ * * * يجوز رمادا بعد إذ هو ساطع‏

فقال ابن الزبير: لو شئت لقلت ما هو أفضل من هذا:

ففوض إلى اللَّه الأمور إذا اعترت‏ * * * و باللَّه لا بالأقربين لدافع [ (3‏

فقال مروان:

و داو ضمير القلب بالبر و التقى‏ * * * و لا يستوي قلبان قاس و خاشع [ (4)]

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «كالنهار» و ما أوردناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «فدافع» و ما أوردناه من ت.

[ (4)] في الأصل: «و جائع» و ما أوردناه من ت.

49

فقال ابن الزبير [ (1)]:

و لا يستوي عبدان عبد مكلم‏ * * * عتلّ لأرحام الأقارب قاطع‏

فقال مروان: [ (2)]

و عبد تجافى جنبه عن فراشه‏ * * * يبيت يناجي ربه و هو راكع‏

فقال ابن الزبير:

و للخير أهل يعرفون بهداهم‏ * * * إذا حجبتهم في الخطوب الجوامع‏

فقال مروان:

و للشر أهل يعرفون بشكلهم‏ * * * تشير إليهم بالفجور الأصابع‏

فسكت ابن الزبير، فقالت عائشة: ما لك فما سمعت بمحاورة قط أحسن من هذه، و لكن لمروان إرث في الشعر ليس لك، فقال ابن الزبير لمروان: عرّضت، قال:

بل أنت أشد تعريضا، طلبت يدك فاعطيتني رجلك.

و كان قد تزوج [ (3)] أم خالد بن يزيد بن معاوية، و كان مروان يطمعه في بعض الأمر، ثم بدا له فعقد لابنيه عبد الملك و عبد العزيز، فأراد أن يضع من خالد و يزهد الناس فيه، و كان إذا دخل عليه أجلسه معه على سريره، فدخل عليه يوما، فذهب ليجلس مجلسه، فزبره و قال: تنح يا ابن رطبة الاست، و اللَّه ما وجدت لك عقلا.

فانصرف خالد وقتئذ مغضبا حتى دخل على أمه، فقال: قد فضحتني و قصرت بي، و نكست برأسي. قالت: و ما ذاك؟ قال: تزوجت هذا الرجل فصنع كذا و كذا و أخبرها بما قال له، فقالت: لا يسمع هذا منك أحد، و لا يعلم مروان أنك أعلمتني بشي‏ء من ذلك، و ادخل عليّ كما كنت تدخل، و اطو هذا الأمر فإنّي سأكفيك و أنتصر لك منه، فسكت خالد و دخل مروان على أم خالد فقال: ما قال لك خالد ما قلت له اليوم؟ فقالت: ما حدثني/ بشي‏ء و لا قال لي فقال: أ لم يشكني إليك، و يذكر تقصيري به.

____________

[ (1)] «فقال ابن الزبير» ساقطة من ت.

[ (2)] «فقال مروان: ساقطة من ت.

[ (3)] طبقات ابن سعد 5/ 1/ 29، 30.

50

فقالت: يا أمير المؤمنين، أنت أجل في عين خالد و هو أشد لك تعظيما من أن يحكي عنك شيئا أو يجد من شي‏ء تقوله، و إنما أنت له بمنزلة الوالد. فانكسر مروان و ظن أن الأمر على ما حكت، فسكت حتى إذا كان بعد ذلك، و حانت القائلة فنام عندها، فوثبت هي و جواريها فغلّقن الأبواب على مروان، ثم عمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه، فلم تزل هي و جواريها يغممنه حتى مات.

ثم قامت فشقت جيبها و أمرت جواريها و خدمها فشققن و صحن و قلن: مات أمير المؤمنين فجأة. و ذلك لهلال رمضان سنة خمس و ستين، و مروان ابن أربع و ستين، و كانت ولايته على الشام و مصر لم يعد ذلك ثمانية أشهر. و قيل: ستة أشهر.

و قد

قال له علي بن أبي طالب‏

: ليحملن راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه و له إمرة كلحسة الكلب أنفه [ (1)].

____________

[ (1)] في الأصل: «كلسحة الكلب أنفه».

51

ثم دخلت سنة ست و ستين‏

فمن الحوادث فيها و ثوب المختار بن أبي عبيد طالبا بدم الحسين رضي اللَّه عنه [ (1)]

و ذلك أن أصحاب سليمان بن صرد لما قتلوا بعد قتل من قتل منهم كتب إليهم المختار و هو في السجن: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن اللَّه عز و جل أعظم لكم الأجر، و حط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين، و جهاد المحلين، و إنكم لم تنفقوا نفقة، و لم تقطعوا عقبة، و لم تخطوا خطوة إلا رفع اللَّه عز و جل لكم بها درجة، و كتب لكم بها حسنة، فابشروا، فإنّي لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق و المغرب من عدوكم السيف بإذن اللَّه عز و جل.

فبعثوا إليه في الجواب: إنا قد قرأنا كتابك [ (2)] و نحن بحيث يسرك، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا، فقال لهم: إني أخرج في أيامي هذه. و شفع فيه عبد اللَّه بن عمر إلى عبد اللَّه بن يزيد/ و إبراهيم بن محمد الأميرين على الكوفة، فضمنوه جماعة من الأكابر و أخرجوه ثم أحلفاه باللَّه الّذي لا إله إلا هو، لا يبغيهما [غائلة]، و لا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها [لدى‏] [ (3)] رتاج الكعبة [ (4)]، و مماليكه كلهم أحرار، فحلف لهما.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري، و البداية و النهاية 8/ 284.

[ (2)] في ت: «إنا قد آتانا كتاب».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من ت.

[ (4)] في ت: «ألف بدنة يذبحها لرتاج الكعبة».

52

ثم جاء إلى داره فنزلها، فقال: قاتلهم اللَّه، ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم، أما حلفي باللَّه عز و جل فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها أن أكفره، و خروجي عليهم خير من كفي عنهم. و أما ألف بدنة فما قدر ثمنها، و أما عتق مماليكي فوددت إن استتب لي أمري، ثم لم أملك مملوكا أبدا.

و لما استقر في داره اختلفت الشيعة إليه و رضيت به، فلم يزل أمره يقوى إلى أن عزل عبد اللَّه بن الزبير عبد اللَّه بن يزيد و إبراهيم بن محمد، و بعث عبد اللَّه بن مطيع على عملهما بالكوفة، و بعث الحارث بن أبي ربيعة على البصرة، فقدم ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من رمضان سنة خمس و ستين، فقيل له: خذ المختار و احبسه، فبعث إليه فتهيأ للذهاب، فقرأ زائدة بن قدامة: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ... [ (1)] ففهمها المختار، فجلس و ألقى ثيابه، و قال: ألقوا عليّ القطيفة، ما أراني إلا قد وعكت، ثم قال: أعلموا ابن مطيع حالتي و اعتذروا عنده، فأخبر بعلته، فصدقه و لهى عنه، و بعث المختار إلى أصحابه، و أخذ يجمعهم في الدور حوله، و أراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فقال: بعض أصحابه لبعض: إن المختار يريد أن يخرج بنا و قد بايعناه و لا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية، فإن رخص لنا في اتباعه تبعناه، فذهبوا إليه فأخبروه فقال: و اللَّه لوددت أن اللَّه انتصر لنا بمن أشاء، فلما قدموا قالوا: أذن لنا، ففرح المختار، و كان قد انزعج/ من خروجهم و خاف أن لا يأذن لهم، و قد كان إبراهيم بن الأشتر بعيد الصوت كثير العشيرة، فأرادوه أن يخرج مع المختار، فقال: بل أكون أنا الأمير، قالوا: إن محمد بن الحنفية قد أمر المختار بالخروج، فسكت، فصنع المختار كتابا عن ابن الحنفية إليه يأمره بالموافقة للمختار، و أقام من يشهد أنه كتاب ابن الحنفية، فبايعه و تردد إليه، فاجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست و ستين.

فأتى إياس بن مضارب عبد اللَّه بن مطيع، فقال: إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين، فأخرج الشرط، و أقامهم على الطريق في الجبابين، خارج البلد، فخرج إبراهيم بن الأشتر، و قال: و اللَّه لأمرّنّ على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط

____________

[ (1)] سورة: الأنفال، الآية: 30.