المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج8

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
505 /
3

[المجلد الثامن‏]

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم و هو حسبي‏

ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين و مائة

فمن الحوادث فيها:

قدوم المنصور من مكة، و نزوله الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار، و استخلف على الكوفة طلحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكوفة، فصلى الجمعة بأهلها، و خطبهم و أعلمهم أنه راحل عنهم، ثم وافاه أبو مسلم بالحيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار، فأقام بها، و جمع إليه أطرافه، و قد كان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال و الخزائن و الدواوين حتى قدم عليه أبو جعفر، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده، و سلم الأمر إلى أبي جعفر، و بعث يزيد بن زياد و هو حاجب أبي العباس إلى عبد اللَّه بن علي ببيعة أبي جعفر، و ذلك بأمر أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة، فلما قدم عليه دعا الناس إلى نفسه و قال: إن أبا العباس حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا بني أمية [ (1)] فأرادهم على المسير إلى مروان و قال: من انتدب منكم فسار إليه فهو ولي عهدي، فلم ينتدب له غيري، فعلى هذا خرجت من عنده، و قبلت من قبلت، فقام أبو غانم الطائي، و خفاف المروزي في عدة من قواد أهل خراسان، فشهدوا له بذلك، فبايعه أبو غانم، و خفاف، و أبو الإصبع، و جميع من كان معه من أولئك القواد منهم حميد بن قحطبة و غيره، فلما فرغ من البيعة ارتحل فنزل حران و بها مقاتل العكي، و كان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس، فأراد مقاتلا على البيعة فلم يجبه و تحصن‏

____________

[ (1)] في ت: «بني أبيه» و ما أثبتناه من الأصل.

4

منه، فأقام عليه و حصره، و سرح أبو جعفر لقتال عبد اللَّه بن علي أبا مسلم، فسار إليه 2/ ب و قد جمع الجنود/ و السلاح و خندق، و جمع الطعام و الأعلاف، فسار أبو مسلم و معه القواد كلهم، و بعث مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي، و كان معه الحسن و حميد ابنا قحطبة، و كان حميد قد فارق عبد اللَّه بن علي، و كان عبد اللَّه أراد قتله، فإنه كتب إلى زفر بن عاصم إلى حلب: إذا قدم عليك فأقتله. ففتح حميد الكتاب و علم ما فيه، فلم يذهب.

و لما بلغ عبد اللَّه مسير أبي مسلم إليه أعطى العكي أمانا، فخرج إليه فيمن كان معه، ثم وجهه إلى عثمان بن عبد الأعلى إلى الرقة و معه ابناه، و كتب إليه كتابا، فلما قدموا على عثمان قتل العكي و حبس ابنيه، فلما بلغته هزيمة عبد اللَّه بن علي أخرجهما فقتلهما و كان عبد اللَّه بن علي قد خشي أن لا تناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحوا من سبعة عشر ألفا، ثم اقتتلوا خمسة أشهر أو ستة، و عمل لأبي مسلم عريشا، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللا في أصحابه أصلحه، ثم إن أصحاب عبد اللَّه بن علي انهزموا و تركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، و كتب بذلك إلى أبي جعفر، و مضى عبد اللَّه و عبد الصمد بن علي، و كانا مع عبد اللَّه.

فأما عبد الصمد فقدم الكوفة، فاستأمن له عيسى بن موسى، فأمنه أبو جعفر.

و أما عبد اللَّه بن علي فأتى سليمان بن علي بالبصرة، فأقام عنده، و أمّن أبو مسلم الناس، فلم يقتل أحدا.

و في هذه السنة: قتل أبو مسلم.

و كان سبب ذلك أن أبا مسلم كان قد كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحج في سنة ست و ثلاثين، و إنما أراد أن يصلي بالناس فأذن له، و كتب أبو العباس إلى أبي جعفر و هو على الجزيرة: أن أبا مسلم سألني الحج فاكتب إليّ تستأذنني في ذلك، فإنك إذا كنت بمكة لم يطمع أن يتقدمك، فكتب إليه، فأذن له. فقال أبو مسلم: أما وجد أبو 3/ أ جعفر عاما يحج فيه/ غير هذا!! و اضطغنها عليه، فخرجا فكان أبو مسلم يصلح العقاب، و يكسو الأعراب في كل منزل، و يصل كل من سأله، و حفر الآبار، و سهّل الطريق، و كان الصيت له.

5

فلما صدر الناس عن الموسم نفر أبو مسلم قبل [ (1)] أبي جعفر فتقدمه، فأتاه كتاب بوفاة أبي العباس و استخلاف أبي جعفر، فكتب إلى أبي جعفر يعزّيه و لم يهنئه بالخلافة، و لم يقم له حتى يلحقه، فغضب أبو جعفر فقال لأبي أيوب: اكتب إليه كتابا غليظا. فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة. فقال يزيد بن أبي أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق و الناس له أطوع، و ليس معك أحد فأخذ برأيه، فكان يتأخر و يتقدم أبو مسلم، و ما كان في عسكر أبي جعفر غير ستة أدرع، فمضى أبو مسلم إلى الأنبار، و دعا عيسى بن موسى أن يبايع له، فأبي عيسى، فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة، فأتاه خروج عبد اللَّه بن علي إلى الأنبار، و عقده لأبي مسلم و قال:

سر إليه. فقال أبو مسلم: إن عبد الجبار بن عبد الرحمن، و صالح بن الهيثم يعيبانني فاحبسهما. فقال أبو جعفر: إن عبد الجبار على شرطي. و كان على شرط [ (2)] أبي العباس و صالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما. فقال: أراهما آثر عندك مني. فغضب أبو جعفر. فقال أبو مسلم: لم أرد كل هذا.

و قال رجل لأبي أيوب: إني قد ارتبت بأبي مسلم، يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرأه، ثم يلوي شدقه، و يرمي بالكتاب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيقرأه و يضحك [ (3)] استهزاء!؟ فقال أبو أيوب: نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد اللَّه بن علي، إلا أنا نعلم أن أهل خراسان لا يحبون عبد اللَّه بن علي، و قد قتل منهم من قتل.

و كان أبو مسلم قد أصاب من عسكر عبد اللَّه بن علي متاعا كثيرا و جوهرا كثيرا، فبعث أبو جعفر مولاه أبا الخصيب/ ليحصي ذلك، فغضب و افترى عليه، و همّ بقتله، 3/ ب فقيل له: إنما هو رسول. فلما قدم به أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره [ (4)].

و قيل: إنما بعث إليه يقطين بن موسى بذلك، فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء جائر في الأموال. و شتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين، فكتب إلى أبي مسلم مع يقطين: إني قد وليتك مصر و الشام، و هي خير من خراسان، فوجّه إلى مصر من أحببت،

____________

[ (1)] في الأصل: «قتل أبي جعفر».

[ (2)] في ت: «و كان على شرطة أبي العباس» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (3)] في ت: «و يضحكان»

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 482.

6

و أقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحبّ لقاءك أتيته من قرب. فلما أتاه الكتاب غضب و قال: هو يوليني الشام و مصر، و خراسان لي! و عزم على المضي إلى خراسان مجمعا على ذلك، فكتب بذلك يقطين إلى أبي جعفر.

و خرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن، و كتب إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب أبو مسلم، و قد نزل الزّاب و هو على الرّواح إلى طريق حلوان: قد كنا نروي عن ملك آل ساسان أنّ أخوف ما يكون من الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك، حريّون بالسمع و الطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبد لك، و إن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك، ضنا بنفسي.

فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب [إلى أبي مسلم: قد فهمت كتابك و ليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم‏] [ (1)] الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، و إنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة، فلم سوّيت نفسك بهم، و أنت [في‏] [ (2)] طاعتك و منا صحتك و اضطلاعك بما حملت من أعباء [ (3)] هذا الأمر على ما أنت به! و قد حمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها، و أسأل اللَّه أن يحول بين السلطان و نزغاته و بينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده و أقرب من طبّه [ (4)] من الباب الّذي فتحه عليك.

ثم إن أبا جعفر وجّه إلى أبي مسلم جرير بن يزيد بن جرير بن عبد اللَّه البجلي، 4/ أ و كان واحد أهل زمانه/، فخدعه و ردّه.

قال جرير: نزلت معه جسر النهروان فتغدينا، فقال: أين أمير المؤمنين؟ قلت:

بالمدائن. قال: في أي المواضع؟ قلت: في صحراء. قال: فما اسم الموضع؟ قلت:

رومية. فأطرق طويلا ثم قال: سر و لا حول [ (5)] و لا قوة إلا باللَّه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أثبتناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أثبتناه من ت.

[ (3)] في الأصل: «و اصطناعك بما حملت من أعداء» و ما أثبتناه من ت.

[ (4)] في ت، الأصل: «من ظنه» و التصحيح من الطبري و الطب: هو السحر.

[ (5)] في الأصل: «سيروا لا حول و لا قوة إلا باللَّه».

7

قال جرير: و قد كان قيل له إنك تقتل أو تموت برومية. فظنها بلاد الروم. ثم قال:

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ [ (1)] ذهبت و اللَّه نفسي بيدي. ثم جعل يخاطب نفسه و يقول:

يا أبا مسلم، فتح لك من باب المكايد في عدوك و صديقك ما لم يفتح لأحد حتى إذا دان لك من بالمشرق و المغرب، خدعك عن نفسك من كان يهاب بالأمس من ينظر إليك‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ [ (2)].

ثم تمثل:

فهل من خالد إما هلكنا * * * و هل بالموت عند الناس عار [ (3

فأقبل و تلقاه الناس و أنزله و أكرمه، و كان فيمن بعث إليه عيسى بن موسى، فحلف له بعتق كل مملوك له، و صدقة كل ما يملك، و طلاق نسائه، و قال: لو خيّر المنصور بين موت أبيه و موتك لاختار موت أبيه، فإنه لا يجد منك خلفا.

فأقبل معه، فلما دخل أبو مسلم المدائن قال لعيسى بن موسى: تدري ما مثلي و مثلك و مثل عمك؟ مثل ثلاثة نفر كانوا في سفر فأتوا على عظام نخرة، فقال أحدهم:

عندي طب إذا رأيت عظاما متفرقة ألفتها. فقال الثاني: و أنا إذا رأيت عظاما موصولة كسوتها لحما. فقال الثالث: و أنا إذا رأيت عظاما مكسوة لحما أجريت فيها الروح.

ففعلوا ذلك، فإذا الّذي أحيوه أسد، فقال الأسد في نفسه: ما أحياني هؤلاء إلا و هم على أن يميتوني أقدر. فوثب عليهم فأكلهم، و اللَّه ليقتلنّي و ليقتلن عمك، و ليخلعنك أو ليقتلنك.

و في رواية: أن أبا مسلم كتب إلى أبي جعفر: أما بعد، فإنّي اتخذت رجلا إماما، فحرّف القرآن عن مواضعه طمعا في قليل قد بغاة اللَّه عز و جل/ إلى خلقه، فكان كالذي 4/ ب ولي بغرور، فأمرني أن أجرد السيف، و أن أرفع الرحمة و لا أقيل العثرة، ففعلت توطئة لسلطانك حتى عرفكم من كان يجهلكم، ثم استنقذني اللَّه بالتوبة، فإن يعف عني فقديما عرف به و نسب إليه، و إن يعاقبني فبما قدمت يداي، و ما اللَّه بظلام للعبيد.

____________

[ (1)] سورة: البقرة، الآية: 156.

[ (2)] سورة: البقرة، الآية: 156.

[ (3)] في ت: «و هل بالموت يا للناس من عار».

8

أخبرنا أبو منصور القزاز قال [ (1)]: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الطيب الطبري قال: حدّثنا المعافى بن زكريا قال: حدّثنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدّثنا المغيرة بن محمد قال: حدّثنا محمد بن عبد الوهاب قال: حدّثنا علي بن المعافى [ (2)] قال: كتب أبو مسلم إلى المنصور حين استوحش منه:

أما بعد، فقد كنت اتخذت أخاك إماما و جعلته على الدين دليلا و للوصية التي زعم أنها صارت إليه، فأوطأني عشوة الضلالة، و أوثقني موثقة الفتنة [ (3)]، و أمرني أن آخذ بالظنة، و أقتل على التهمة، و لا أقبل المعذرة، فهتكت بأمره حرمات حتم اللَّه صونها، و سفكت دماء فرض اللَّه حقنها، و زويت الأمر عن أهله، و وضعته منه في غير محله، فإن يعف اللَّه عني فبفضل منه، و إن يعاقب فبما كسبت يداي، و ما اللَّه بظلام للعبيد. ثم أنساه اللَّه هذا- يعني أبا مسلم- حتى جاءه فقتله.

و في رواية: أن أبا مسلم خرج يريد خراسان، مراغما مشاقا [ (4)]، فلما دخل أرض العراق و ارتحل المنصور من الأنبار، فأقبل حتى نزل المدائن، و أخذ أبو مسلم طريق حلوان، فقيل لأبي جعفر أخذ طريق حلوان، فقال: رب أمر للَّه دون حلوان [ (5)].

و قال أبو جعفر لعيسى بن علي و عيسى بن موسى و من حضره من بني هاشم [ (6)]:

اكتبوا إلى أبي مسلم. فكتبوا إليه يعظمون أمره و يشكرونه على ما كان منه من الطاعة، و يحذرونه عاقبة الأمر، و يأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين، و أن يلتمس رضاه،/ 5/ أ و بعث أبو جعفر بذلك مع أبي حميد المروزي و قال له: كلّم أبا مسلم بألين ما يكلم به أحد، و منّه، و أعلمه إني رافعه و صانع به ما لم يصنعه به أحد إن هو صلح [ (7)] و راجع ما

____________

[ (1)] اعتاد ناسخ نسخة الأصل أن يسقط كلمة «قال» قبل «أخبرنا» فيقول: «أخبرنا أبو منصور أخبرنا أحمد بن علي ...» و هكذا، على العكس من ناسخ النسخة ت. و لهذا أثبتنا «قال» دون الإشارة في كل مرة لذلك، لعدم إثقال الهامش بما لا داعي له.

[ (2)] الخبر في تاريخ بغداد 10/ 208.

[ (3)] في بغداد: «و أوهقني في ربقة الفتنة».

[ (4)] في الأصل: «مشاكا» و ما أثبتناه من ت.

[ (5)] تاريخ الطبري 7/ 484.

[ (6)] تاريخ الطبري الموضع السابق.

[ (7)] في ت: «إن هو صالح».

9

أحب، فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين لست للعباس، و أنا بري‏ء من محمد، إن مضيت مشاقا و لم تأتني، إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، و إن لم أل طلبك و قتالك بنفسي، و لو خضت البحر لخضته، و لو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، و لا تقولن له هذا الكلام حتى تيأس من رجوعه، و لا تطمع منه في خير.

فسار أبو حميد في مأمن من أصحابه ممن يثق بهم، حتى قدموا على أبي مسلم بحلوان، فدخل عليه أبو حميد، فدفع إليه الكتاب و قال له: إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، و خلاف ما عليه رأيه فيك، حسدا و بغيا، يريدون إزالة هذه النعمة و تغييرها، فلا تفسد ما كان منك، و إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس، و ما ذخر اللَّه لك من الأجر عنده أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، و لا يستهوينك الشيطان.

فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلمني بهذا؟ فقال: لأنك دعوتنا إلى هذا و إلى طاعة أهل بيت النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و أمرتنا بقتال من خالف ذلك، و قلت: إن خالفتكم فاقتلوني.

فعند ذلك أقبل [ (1)] أبو مسلم على أبي نصر فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا، ما هذا بكلامه. فقال: لا تسمع قوله، فما هذا بكلامه، و ما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك و لا ترجع، فو اللَّه لئن أتيته ليقتلنك، و لقد وقع في نفسه منك شي‏ء لا يأمنك [ (2)] أبدا. فقال أبو مسلم: قوموا. و أرسل إلى نيزك فقال: ما ترى؟ فقال: ما أرى أن تأتيه، و أرى أن تأتي الري، فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان و الري لك، و هم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت له، و إن/ أبي كنت في جندك، و كانت 5/ ب خراسان من ورائك، فرأيت رأيك.

فدعا أبا حميد فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأي أن آتيه. فقال: قد اعتزمت على خلافه. قال: لا تفعل. قال: ما أريد أن ألقاه. فلما آيسة من الرجوع قال له: ما أمره أبو جعفر أن يقوله. فوجم طويلا ثم قال: قم. فكسره ذلك القول و أرعبه.

و كان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود و هو خليفة أبي مسلم بخراسان حين اتهم أبا مسلم: إن لك إمرة خراسان ما بقيت. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج‏

____________

[ (1)] في ت: «فاقتلوني، فأقبل أبو مسلم» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «لأمتك أبدا» و ما أثبتناه من ت.

10

بمعصية خلفاء اللَّه و أهل بيت نبينا ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، فلا تخالفن إمامك و لا ترجعن إلا بإذنه. فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعبا و همّا، فأرسل إلى أبي حميد و إلى مالك فقال لهما:

إني قد كنت عازما على المضي إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين، فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به، و كان صاحب حرس أبي مسلم، فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، و قال له أبو جعفر: اصرفه عن وجهه، و لك ولاية خراسان، و أجازه.

فرجع أبو إسحاق إلى أبي مسلم فقال له: ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، و أشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد أجمعت على الرجوع؟ قال: نعم.

و تمثل:

ما للرجال مع القضاء محالة * * * ذهب القضاء بحيلة الأقوام‏

فقال: أما إذا اعتزمت على هذا فخار اللَّه لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلت عليه فأقتله ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك.

فكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه، فبينا كتاب أبي مسلم بين 6/ أ يدي أبي جعفر إذ دخل عليه أبو أيوب، فرمى أبو جعفر إليه بالكتاب، فقرأه فقال/ و اللَّه لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. فاغتم أبو أيوب و قال في نفسه: لئن قتله لا يترك أصحابه أحدا ممن يتعلق بأبي جعفر حيا.

و قال إسحاق الموصلي: لما عزم المنصور على الفتك بأبي مسلم هاب ذلك عمه عيسى بن علي، فكتب إليه يقول:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر * * * فإن فساد الرأي أن تتعجلا

فوقع المنصور في كتابه:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * * * فإن فساد الرأي أن تتردّدا

و لا تهمل الأعداء يوما بقدرة * * * و بادرهم أن يملكوا مثلها غدا

قال أبو إسحاق: و الشعر للمنصور.

ثم سار أبو مسلم، فلما دنا من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه، فدخل أبو

11

أيوب على أبي جعفر فقال: هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقتله حين انظر إليه. فقال: إن دخل عليك و لم تخرج [ (1)] لم آمن البلاء، و لكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت رأيك.

فلما دخل عليه سلّم و قام قائما على قدميه بين يديه. فقال: انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك، و ادخل الحمام، فإن للسفر قشفا، ثم أغد عليّ. فانصرف، ثم ندم أبو جعفر، و افترى على أبي أيوب و قال: متى أقدر على هذه الحال و لا أدري ما يحدث في ليلتي!.

فلما أصبحوا جاء أبو أيوب فقال له أبو جعفر: يا ابن اللخناء، لا مرحبا بك، أنت منعتني منه أمس، و اللَّه ما غمضت عيني الليلة. ثم شتمه حتى خاف أن يأمر بقتله. ثم قال: ادع لي عثمان بن نهيك. فدعاه فقال: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟

فقال: يا أمير المؤمنين، إنما أنا عبدك، و اللَّه لو أمرتني أن أتّكى‏ء على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت. قال: كيف أنت إن أمرتك بقتل/ أبي مسلم- فوجم ساعة لا 6/ ب يتكلم. فقال له أبو أيوب: مالك لا تتكلم؟ فقال بصوت ضعيف: أقتله. قال: انطلق فجي‏ء بأربعة من وجوه الحرس أقوياء، فمضى، فلما كان عند الرواق ناداه: يا عثمان يا عثمان، ارجع و اجلس و أرسل من تثق به من الحرس فليحضر منهم أربعة. فلما حضروا قال لهم أبو جعفر نحوا مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله. قال: كونوا خلف الرواق. فإذا صفّقت فاخرجوا فاقتلوه [ (2)].

فأرسل إلى أبي مسلم رسلا بعضهم على أثر بعض، فقالوا: قد ركب إلى عيسى بن موسى. فدعا له عيسى بالغداء، ثم خرج إلى أبي جعفر و أبو نصر حاجبه بين يديه و حربته معه، فلما قربا من الباب خرج سلام الحاجب فقال: انزل. فنزل فدخل الدهليز و أغلق الباب دونه، فقال أبو مسلم: يدخل خاصة أصحابي، فقال له الربيع: لم نؤمر بذلك. فنزع سيفه من وسطه و قال: الآن عرف الرامي موضع سهمه- و هو مثل يضرب لمن أمكن عدوه من نفسه- فلما بصر بالمنصور انحرف إلى القبلة، فخر ساجدا، ثم دنا ليقبل أطرافه، فقال له: وراءك يا ابن اللخناء. فنصب له كرسي فقعد فقال له أبو

____________

[ (1)] في الأصل: «و لم أخرج» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 488.

12

جعفر: أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد اللَّه بن علي. فقال: هذا أحدهما الّذي عليّ. قال: أرنيه. فانتضاه و ناوله إياه، فهزّه أبو جعفر ثم وضعه تحت فراشه و أقبل عليه يعاتبه. فقال له: اخترناك و أنت لا تدري أية بيضة انفقأت عن رأسك، و لا من أي وكر نهضت، خامل ابن خامل، فل ابن فل، ذل ابن ذل، عشت أيام حداثتك، و خير يوميك، يوم تشتري فيه لعاصم بن يونس إزار قدره. و مكشحة داره، فرقأنا بك المنابر، و وطئنا أعناق العرب و العجم عقبيك، أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن 7/ أ الموات، أردت أن تعلمنا الدين. قال: ظننت أخذه/ لا يحل، فكتب إليّ، فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين و أهل بيته معدن العلم. قال: فأخبرني عن تقدمك إياي في الطريق؟ قال: كرهت اجتماعنا على الماء، فيضر ذلك بالناس، فتقدمت التماس الرّفق. قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس لمن أشار عليك أن تنصرف إليّ: نقدم فنرى رأينا، و مضيت، فلا أنت أقمت حتى ألحقك و لا أنت رجعت إليّ؟

قال: منعني ما أخبرتك من طلب الرّفق بالناس، و قلت: نقدم الكوفة. قال: فجارية عبد اللَّه بن علي، أردت أن تتخذها؟ قال: لا، و لكن خفت أن تضيع فحملتها في قبة و وكلت بها من يحفظها. قال: فمراغمتك و خروجك إلى خراسان؟ قال: خفت أن يكون قد دخلك مني [شي‏ء] [ (1)]، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري، و لو رأينا ذهب ما في نفسك عليّ؟ قال: تاللَّه ما رأيت كاليوم قط، و اللَّه ما زدتني إلا غضبا. قال: ليس يقال لي هذا بعد بلائي، و ما كان مني؟ قال: يا ابن الخبيثة، و اللَّه لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت ما عملت في دولتنا و بريحنا، و لو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا، أ لست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك!؟ أ لست تخطب أمينة بنت علي، و تزعم أنك ابن سليط بن عبد اللَّه بن عباس، لقد ارتقيت- لا أم لك- مرتقى صعبا.

و أخذ يعتذر و أبو جعفر يعاتبه، إلى أن قال أبو مسلم: دع هذا، فما أصبحت أخاف أحدا إلا اللَّه. فغضب و شتمه و ضربه بعمود، و صفّق بيديه، فخرجوا عليه، فضربه عثمان فلم يصنع شيئا، لم يزد على قطع حمائل سيفه، و ضربه آخر فقطع رجله، فصاح المنصور: اضربوا قطع اللَّه أيديكم. فقال أبو مسلم في أول ضربة: استبقني لعدوك.

7/ ب فقال: و أي عدو أعدى إليّ منك!؟ فصاح: العفو./ فقال المنصور: يا ابن اللخناء،

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أثبتناه من ت.

13

العفو و السيوف قد اعتورتك [ (1)]؟! ثم قال: اذبحوه، فذبحوه، و جاء عيسى بن موسى فقال: أين أبو مسلم؟ فقال: مدرج في الكساء. فقال: إنا للَّه، و جعل يلطم و يقول:

أحنثتني في أيماني، و أهلكتني. فقال له: عليّ لكل شي‏ء تخرجه ضعفاه، و يحك اسكت، فما تم سلطانك و لا أمرك إلا اليوم. ثم رمى به في دجلة. و ذلك لخمس بقين من شعبان سنة سبع و ثلاثين و مائة [ (2)].

و قال المنصور:

زعمت أن الّذي لا يقتضي‏ * * * فاستوف بالكيل أبا مجرم‏

سقيت كأسا كنت تسقي بها * * * أمرّ في الحلق من العلقم‏

و كان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبرا.

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الطيب الطبري قال: حدّثنا المعافى قال: حدّثنا الصولي قال: حدّثنا الغلابي قال:

حدّثنا يعقوب، عن أبيه قال [ (3)]: خطب المنصور بالناس بعد قتل أبي مسلم فقال: أيها الناس، لا تنفروا أطراف النعم بقلة الشكر فتحل بكم النقم، و لا تسرّوا غش الأئمة، فإن أحدا لا يسر منكرا إلا ظهر في فلتات لسانه و صفحات وجهه، [و طوالع نظره‏] [ (4)] و إنا لن نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، و لا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، و من نازعنا هذا القميص [ (5)] أوطأنا أمّ رأسه خبئ هذا الغمد، و إن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بيعتنا، أو أضمر غشا لنا فقد أبحنا دمه [ (6)]، و مكث و غدر و فجر، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا.

قال علماء السير: ثم إن أبا جعفر همّ بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم، و بقتل نصر بن مالك- و كان على شرط أبي مسلم [ (7)]- فكلّمه أبو الجهم و قال: يا أمير

____________

[ (1)] في ت: «اعتررتك» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (2)] تاريخ الطبري 7/ 491.

[ (3)] الخبر في تاريخ بغداد 10/ 210.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: من تاريخ بغداد.

[ (5)] في ت: «القصير» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (6)] «فعدا بأجنادمه» هكذا بالأصل، و هي ساقطة من ت.

[ (7)] «و كان على شرط أبي مسلم» ساقطة من ت و أثبتناه من ت.

14

8/ أ المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته/ فأطاعوه. فدعا أبا إسحاق و قال: أنت المبايع لعدو اللَّه أبي مسلم على ما كان يفعل. فجعل يلتفت يمينا و شمالا تخوفا من أبي مسلم.

فقال له المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل اللَّه الفاسق. و أمر بإخراجه إليه مقطعا، فخرّ أبو إسحاق ساجدا، فأطال السجود و قال: الحمد للَّه، و اللَّه [ (1)] ما أمنته يوما واحدا، و ما جئته يوما إلا و قد أوصيت و تكفّنت و تحنّطت. فقال: استقبل طاعة خليفتك، و احمد اللَّه الّذي أراحك من الفاسق، ثم دعا مالك بن الهيثم فكلّمه بمثل ذلك، فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته، ثم أمرهم بتفريق جند أبي مسلم.

و بعث إلى عدة من قواد أبي مسلم بجوائز سنيّة، و أعطى جميع جنوده حتى رضوا [ (2)].

و كان أبو مسلم قد خلف أصحابه بحلوان و قدم المدائن في ثلاثة آلاف، و خلف أبا نصر على ثقله و قال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني و بينك آية أعرف بها كتابك. قال: إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، و إن أتاك بخاتم كله فلم أكتبه.

فلما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله و ما خلّف عنده، و أن يقدم. و ختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تامّا علم أن أبا مسلم لم يكتبه، فقال: أ فعلتموها، و انحدر إلى همدان و هو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر إلى أبي نصر بعهده على شهرزور، فلما مضى العهد جاءه الخبر أنه قد توجّه إلى خراسان، فكتب أبو جعفر إلى عامله بهمدان: إن مرّ بك أبو نصر فاحبسه. فأخذه فحبسه، فقدم صاحب [الكتاب‏] [ (3)] بالعهد لأبي نصر فخلّى سبيله، ثم قدم كتاب آخر بعده بيومين يقول فيه: إن كنت أخذت أبا نصر فأقتله.

فقال: جاءني كتاب عهده فخلّيت سبيله [ (4)].

و قدم أبو نصر على أبي جعفر فقال له: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و الّذي ما أمنته» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] انظر تاريخ الطبري 7/ 492- 493.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 494.

15

خراسان فقال: نعم يا أمير المؤمنين، كانت له عندي أياد و صنائع، فاستشارني/ 8/ ب فنصحته، و أنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك [ (1)] و شكرت. فعفا عنه [ (2)].

و في رواية: أن المنصور كتب إلى عامل أصبهان: للَّه دمك إن فاتك- يعني أبا نصر فأخذه و أوثقه و بعثه إليه فصفح عنه [ (3)].

و قد كان أبو الجهم بن عطية أحد النقباء، و كان عينا لأبي مسلم على المنصور، فلما اتهمه المنصور طاوله يوما بالحديث حتى عطش، فاستسقى ماء فدعي له بسويق لوز ممزوج بالسكر، و فيه سمّ، فشربه، فلما استقر في جوفه أحسّ بالموت، فوثب مسرعا فقال له: إلى أين؟ قال: إلى حيث أرسلتني. فرجع إلى رحله فمات. فقال الشاعر:

تجنب سويق اللوز لا تقربنه‏ * * * فشرب سويق اللوز أودى أبا الجهم‏

و ذهبت «شربة أبي الجهم» مثلا للشي‏ء الطيب الطعم الخبيث العاقبة.

قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ: إن المنصور كان يقول: ثلاث كن في صدري شفى اللَّه منها: كتاب أبي مسلم إليّ و أنا خليفة: عافانا اللَّه و إياك من السوء، و دخول رسوله علينا و قوله: أيكم ابن الحارثية؟ و ضرب سليمان بن حبيب ظهري بالسياط.

قال أبو محمد: كان سليمان قد استعمل المنصور على بعض كور فارس قبل أن تصير الخلافة إلى بني العباس، فاحتجز المال لنفسه، فضربه سليمان بالسياط ضربا شديدا و أغرمه المال، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه.

و في هذه السنة: خرج ملبّد بن حرملة الشيبانيّ بناحية الجزيرة:

فسارت إليه روابط الجزيرة و هم ألف، فقاتلهم ملبّد فهزمهم، و قتل من قتل منهم، ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي، فهزمه أيضا بعد قتال شديد، ثم وجّه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل في ألفين من نخبة الجند، فهزمهم ملبّد

____________

[ (1)] في الأصل: «نصحتك» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 494.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 494.

16

و استباح عسكرهم، ثم وجّه إليه بعد ذلك مرارا [ (1)]، فهزم الكل إلى أن [ (2)] قدم حميد بن 9/ أ قحطبة فهزمه/ أيضا، و تحصن منه حميد، و أعطاه مائة ألف درهم حتى كفّ عنه [ (3)].

و زعم الواقدي أن ظهور ملبد كان في سنة ثمان و ثلاثين.

و في هذه السنة: حج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، و كان على مكة العباس بن عبد اللَّه بن معبد، و على المدينة زياد بن عبيد اللَّه، و مات العباس عند انقضاء الموسم، فضم إسماعيل عمله إلى زياد، فأقره أبو جعفر [ (4)].

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: أخبرنا علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو علي الطوماري قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني عمي مصعب بن عثمان قال: دخل أبو حمزة الربعي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب على زياد بن عبيد اللَّه الحارثي و هو وال على المدينة فقال: أصلح اللَّه الأمير، بلغني أن أمير المؤمنين المنصور وجّه إليك بمال يقسمه على القواعد و العميان و الأيتام. قال: [نعم‏] [ (5)] قد كان ذلك، فتقول ما ذا؟ قال: اكتبني في القواعد. قال: أي رحمك اللَّه، إنما القواعد النساء التي قعدن عن الأزواج! و أنت رجل! قال: فاكتبني في العميان. قال: أما هذه فنعم، اكتبه يا غلام، فقد قال اللَّه تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ (6)] و أنا أشهد أن أبا حمزة أعمى. قال: و اكتب بنيّ في الأيتام. قال: و ذاك، اكتبهم يا غلام، فمن كان أبو حمزة أباه فهو يتيم. قال: فأخذ و اللَّه في العميان، و أخذ بنوه في الأيتام.

و كان على الكوفة عيسى بن موسى. و على البصرة و أعمالها سليمان بن علي.

و على قضائها عمرو بن عامر السلمي، و على خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم. و على الجزيرة حميد بن قحطبة. و على مصر صالح بن علي [ (7)].

____________

[ (1)] في الطبري: «ذلك مرارا».

[ (2)] في الأصل: «و هو يهزم الكل» و ما أثبتناه من ت.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 495- 496.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 496.

[ (5)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و أثبتناه من ت.

[ (6)] سورة: الحج، الآية: 46.

[ (7)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 496.

17

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

737- خير بن نعيم بن مرة بن كريب، أبو نعيم الحضرميّ [ (1)].

ولي القضاء و القصص في آخر خلافة بني أمية و أول خلافة بني العباس، و كان فقيها.

روى عن/ عطاء بن أبي رباح. و روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، و حيوة بن 9/ ب شريح، و الليث، و ابن لهيعة.

قال سهيل بن علي: كنت أجالس خير بن نعيم، فرأيته يتجر في الزيت، فقلت له: و أنت أيضا تتجر [ (2)]؟ فضرب بيده على كتفي، ثم قال: انتظر حتى تجوع ببطن غيرك. فقلت في نفسي: كيف يجوع الإنسان ببطن غيره. فلما بليت بالعيال إذا أنا أجوع ببطونهم.

توفي خير بن نعيم في هذه السنة.

738- عبد الرحمن، أبو مسلم المروزي. صاحب الدولة العباسية [ (3)].

روى عن أبي الزبير، و ثابت البناني، و غيرهما.

ولد بأصبهان، و كان أبوه أوصى به إلى عيسى بن موسى السراج، فحمل إلى الكوفة و هو ابن سبع سنين، فقال له إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس لما عزم على توجيهه إلى خراسان أن غيّر اسمك. فقال: قد سميت نفسي عبد الرحمن. و مضى و له ذؤابة، فركب حمارا بإكاف و هو ابن سبع عشرة سنة فقال له:

خذ نفقة من مالي، لا أريد أن تمضي بنفقة من مالك و لا من مال عيسى.

و كان شجاعا ذا رأي و عقل و حزم، إلا أنه كان فاتكا.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني عبيد اللَّه بن أبي الفتح قال: حدّثنا الحسن بن أحمد بن محمد بن عبيد اللَّه النيسابورىّ قال: أخبرنا علي بن محمد الحبيبي قال: أخبرنا محمد بن عبدك قال: أخبرنا

____________

[ (1)] تقريب التهذيب 1/ 230.

[ (2)] في الأصل، ت: «تتحد».

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 10/ 207- 211.

18

مصعب بن بشر قال: سمعت أبي يقول: قام رجل إلى أبي مسلم و هو يخطب فقال له:

ما هذا السواد الّذي أرى عليك؟ فقال: حدّثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه: أن رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) دخل مكة يوم الفتح و عليه عمامة سوداء، و هذه ثياب الهيبة و ثياب الدولة، يا غلام، اضرب عنقه [ (1)].

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني الأزهري قال: حدّثنا محمد بن جعفر النجار قال: أخبرنا أبو أحمد الجلوذي قال: حدّثنا 10/ أ محمد بن زكويه قال: روي لنا أن أبا مسلم قال: ارتديت الصبر/، و آثرت الكتمان، و حالفت الأحزان و الأشجان، و سامحت المقادير و الأحكام حتى بلغت غاية همتي، و أدركت نهاية بغيتي، ثم أنشأ يقول:

قد نلت بالحزم و الكتمان ما عجزت‏ * * * عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا

ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا * * * من رقدة لم ينمها [ (2)] قبلهم أحد

طفقت أسعى عليهم في ديارهم‏ * * * و القوم في ملكهم بالشام قد رقدوا

و من رعى غنما في أرض مسبعة * * * و نام عنها تولى رعيها الأسد

[قال علماء السير] [ (3)]: ظهر أبو مسلم لخمس بقين من رمضان سنة تسع و عشرين و مائة، ثم سار إلى أبي العباس أمير المؤمنين سنة ست و ثلاثين و قيل [ (4)] في سنة سبع و ثلاثين بالمدائن. فبقي أبو مسلم فيما كان فيه ثمانية و سبعين شهرا غير ثلاثة عشر يوما.

و قد ذكرنا كيفية قتله في حوادث هذه السنة.

قال مؤلف الكتاب: نقلت من خط أبي ألوفا بن عقيل قال: وجدت في تعاليق محقق من أهل العلم: أن سبعة مات كل واحد منهم و له ست و ثلاثون سنة، فعجبت من قصر أعمارهم مع بلوغ كل منهم الغاية فيما كان فيه، و انتهى إليه، فمنهم: الإسكندر ذو القرنين، و أبو مسلم صاحب الدولة العباسية، و ابن المقفع صاحب الخطابة و الفصاحة، و سيبويه صاحب التصانيف و المتقدم في علم العربية، و أبو تمام الطائي و ما بلغ من الشعر

____________

[ (1)] انظر الخبر في: تاريخ بغداد 10/ 208.

[ (2)] في الأصل: «لم ينلها» و ما أثبتناه من ت.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و أثبتناه من ت.

[ (4)] في ت: «و قيل في سنة .....»

19

و علومه، و إبراهيم النظام المعمق في علم الكلام، و ابن الريوندي و ما انتهى إليه من التوغيل في المخازي. فهؤلاء السبعة لم يجاوز أحد منهم ستا و ثلاثين سنة، بل اتفقوا على هذا القدر من العمر.

739- عثمان بن عروة بن الزبير بن العوام [ (1)].

سمع أباه، و روى عنه أخوه هشام، و ابن عيينة.

و كان قليل الحديث، و كان من وجوه قريش و ساداتهم، و كان/ جميل الوجه، 10/ ب حسن الثوب و المركب، عطرا، حتى كان أبوه يقول له و هو يغلف لحيته بالغالية: إني لأراها ستقطر.

أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال:

أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود و الطوسي قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: وفد عثمان بن عروة على مروان بن محمد فأخبر به، فقال: أنا راكب غدا، فلا ترونيه حتى أتوسمه في الناس، فركب، فتصفح وجوه الناس، ثم أقبل على بعض من معه فقال: ينبغي أن يكون ها ذاك عثمان بن عروة، و أشار إليه. فقالوا: هو هو يا أمير المؤمنين. و كان وسيما جسيما فأعطاه مروان مائة ألف درهم، ثم قدم من عند مروان فأغلي كراء الحمر من كثرة من تلقاه.

فقلت له: و لم ذاك؟ فقال: يرجون و اللَّه جوائزه.

740- واهب بن عبد اللَّه، أبو عبد اللَّه المعافري الكعبي [ (2)].

يروي عن: ابن عمر، و ابن عمرو، و عقبة بن عامر.

روى عنه: ابن لهيعة و غيره.

توفي في هذه السنة ببرقة، و كان قد عمّر.

____________

[ (1)] انظر: تقريب التهذيب 2/ 12.

[ (2)] تقريب التهذيب 2/ 329.

20

ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين و مائة

فمن الحوادث فيها:

دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة، و قهره لأهلها، و هدمه سورها، إلا أنه عفا عمّن فيها من المقاتلة و الذّرّية [ (1)].

و فيها: غزا العباس بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس الصائفة مع صالح بن علي، فوصله صالح بأربعين ألف دينار، و خرج معهم عيسى بن علي، فوصله أيضا بأربعين ألف دينار، و بنى صالح ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية.

و قد قيل: إن خروج صالح و العباس إلى ملطية للغزو كان في سنة تسع و ثلاثين و مائة [ (2)].

و فيها: بايع عبد اللَّه بن علي لأبي جعفر و هو/ مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن علي.

و فيها: خلع جمهور بن مرار العجليّ المنصور:

و كان السبب أن جهور هزم سنباذ، و حوى ما في عسكره، و كان فيه خزائن أبي مسلم التي خلفها بالري، فلم يوجهها إلى أبي جعفر، فخاف فخلعه، فوجّه إليه أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعي في جيش عظيم، فلقيه محمد فاقتتلوا قتالا شديدا، و هرب جهور، فلحق بأذربيجان، ثم أخذ بعد ذلك و قتل [ (3)].

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 497.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 497.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 497.

21

و فيها: قتل الملبّد الخارجي:

و قد ذكرنا شأنه في السنة التي قبلها، و ما جرى له إلى أن تحصن منه حميد. ثم وجّه أبو جعفر إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار، و ضم إليه زياد بن مشكان، فأكمن له الملبد مائة فارس، فلما لقيه عبد العزيز خرج عليه الكمين فهزموه و قتلوا عامة أصحابه، فوجّه إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف، فالتقوا فتسايروا من منزل إلى منزل، فقتل الملبد في أكثر من ألف من أصحابه، و هرب الباقون فتبعوهم فقتلوا منهم مائة و خمسين [ (1)].

و في هذه السنة: حج بالناس الفضل بن صالح بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.

و ذكر أنه خرج من الشام حاجا، فأدركته ولايته على الموسم و الحج بالناس في الطريق، فمرّ بالمدينة، فأحرم منها [ (2)].

و كان زياد بن عبيد اللَّه على مكة و المدينة و الطائف.

و على الكوفة و سوادها عيسى بن موسى.

و على البصرة و أعمالها سليمان بن علي. و على قضائها سوار بن عبد اللَّه.

و على خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم.

و على مصر صالح بن علي [ (3)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

741- سليمان بن أبي سليمان- و هو ابن فيروز- أبو إسحاق الشيبانيّ [ (4)].

سمع ابن أبي أوفى، و الشعبي [ (5)]، و عكرمة.

روى عنه: سليمان التيمي، و الدوري، و شعبة/.

[توفي في هذه السنة] [ (6)].

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 498.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 499.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 499.

[ (4)] انظر ترجمته في: التاريخ الكبير 4/ 16، و الجرح و التعديل 4/ 135. و تهذيب التهذيب 4/ 197.

[ (5)] في الأصل: «الشمي» و ما أثبتناه من ت.

[ (6)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

22

ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين و مائة

فمن الحوادث فيها:

إقامة صالح بن علي و العباس بن محمد بملطية حتى استتما بناء ملطية، ثم غزوا الصائفة، فوغلا في أرض الروم [ (1)].

و في هذه السنة: كان الفداء الّذي جرى بين المنصور و صاحب الروم، و استنقذ المنصور منهم أسرى المسلمين [ (2)].

و فيها: سار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى الأندلس، فملّكه أهلها أمرهم، فولده ولاتها [ (3)].

و فيها: وسّع أبو جعفر المسجد الحرام [ (4)].

و فيها: عزل سليمان بن علي عن ولاية البصرة و أعمالها، و ولي ما كان إليه سفيان بن معاوية و ذلك في رمضان.

و قيل: إنما كان عزل ذلك و تولية هذا في سنة أربعين، و لما عزل سليمان توارى عبد اللَّه بن علي و أصحابه خوفا على أنفسهم.

فإنا قد ذكرنا أن عبد اللَّه لما انهزم مضى إلى سليمان، فكان عنده، و كتب أبو

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 500.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 500.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 500.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 500.

23

جعفر إلى سليمان و عيسى بن علي في إشخاص عبد اللَّه و أعطاهما الأمان ما رضيا به، فلما خرجا به أتى به و بأصحابه إلى أبا جعفر يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.

و لما دخل سليمان و عيسى على أبي جعفر أعلماه حضور عبد اللَّه، و سألاه الإذن له، فأنعم لهما بذلك، و شغلهما بالحديث، و قد كان هيأ لعبد اللَّه محبسا في قصره، و أمر به أن يصرف إليه بعد دخول سليمان و عيسى عليه، ففعل ذلك به، ثم قال لسليمان و عيسى: سارعا بعبد اللَّه. فخرجا، فلم يرياه في المكان الّذي خلفاه فيه، فعلما أنه قد حبس، فرجعا إلى أبي جعفر، فحيل بينهما و بينه. و قتل جماعة من أصحاب عبد اللَّه و حبسوا [ (1)].

و في هذه السنة: حج بالناس العباس بن محمد بن علي بن/ عبد اللَّه بن 12/ أ عباس [ (2)].

و كان على مكة و المدينة و الطائف زياد بن عبيد اللَّه الطائي.

و على الكوفة و أرضها عيسى بن موسى.

و على البصرة و أعمالها سفيان بن معاوية المهلبي، و على قضائها سوار بن عبد اللَّه.

و على خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم [ (3)].

و سميت هذه السنة بسنة الخصب، لاتصال الخصب فيها.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

742- جميل بن كريب المعافري.

من أهل إفريقية. حدّث عن أبي عبد الرحمن الجيلي، و كان من أهل العلم‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 500- 502.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 502.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 502.

24

و الدين. و سأله الأمير عبد الرحمن بن حبيب الفهري تولية القضاء فامتنع، و تمارض و شرب ماء التبن حتى اصفر لونه، فبعث [إليه‏] [ (1)] عبد الرحمن فقال له: إنما أردت أن تكون عونا على الأمر، و أقلدك أمر المسلمين فتحكم عليّ و على من دوني بما تراه من الحق، فاتق اللَّه في الناس. فقال له جميل: آللَّه إنك لتفعل؟ فقال: آللَّه، فقبل، فما مرّ إلا أيام حتى أتاه رجل يدّعي على عبد الرحمن بن حبيب دعوى، فمضى معه إلى باب دار الإمارة، فقال للحاجب: أعلم الأمير بمكاني، و أن هذا يدعي عليه بدعوى. فدخل فأعلمه. و كان عبد الرحمن من أغنى من ولي إفريقية، فلبس رداء و نعلين و خرج إليه، فأقعده جميل مقعد الخصم مع صاحبه، ثم نظر بينهما، فأنصفه عبد الرحمن.

و كان جميل يركب حمارا و رسنه ليف، فمرّ يوما فعرض له خصمان [ (2)] في موضع، فنزل عن حماره، و قعد فأراد أحدهما أن يمسك رأس الحمار، فمنعه و أمسكه هو، ثم ركب.

و كان البربر قد رحلوا إلى القيروان، فخرج إليهم الناس و معهم ابن كريب، فاقتتلوا فقتل ابن كريب في هذه السنة.

743- خالد بن يزيد، مولى عمير [ (3)] بن وهب الجهنيّ، يكنى أبا عبد الرحيم [ (4)].

كان فقيها مفتيا، و آخر من حدّث عنه بمصر المفضل بن فضالة.

توفي في هذه السنة.

12/ ب‏

744- داود/ بن أبي هند، أبو بكر- و اسم أبي هند: دينار- مولى لآل الأعلم القشريين [ (5)].

ولد بسرخس، و روى عن أنس، و سعيد بن المسيب، و أبي عثمان النهدي، و أبي العالية، و الحسن. و كان يفتي في زمن الحسن.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أثبتناه من ت.

[ (2)] في ت: «له خصما» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (3)] «خالد» ساقطة من ت، و في الأصول: «مولى عمرو بن وهب» و التصحيح من كتب الرجال، و ترجمته في: تقريب التهذيب 1/ 220، و الجرح و التعديل 3/ 1919.

[ (4)] انظر ترجمته في: الجرح و التعديل 3/ 358، و التاريخ الكبير 3/ 180. و التهذيب 2/ 129.

[ (5)] «القشريين» ساقطة من ت. انظر ترجمته في: الجرح و التعديل 3/ 411 و التاريخ الكبير 3/ 231، و طبقات ابن سعد 7/ 255.

25

أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال: أنبأنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيويه قال:

أخبرنا ابن معروف قال: أخبرنا ابن الفهم قال: حدّثنا محمد بن سعد قال: حدّثنا علي بن عبد اللَّه قال: حدّثنا سفيان قال: سمعت داود بن أبي هند يقول: أصابني- يعني الطاعون- فأغمي عليّ، و كأن اثنان أتياني، فغمز أحدهما عكوة لساني، و غمز الآخر اخمص قدمي، فقال: أي شي‏ء تجد؟ فقال: تسبيحا و تكبيرا، و شيئا من خطو إلى المساجد و شيئا من قراءة القرآن. قال: و لم أكن أخذت القرآن حينئذ، فعوفيت و أقبلت على القرآن فتعلمته.

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد قال: أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال:

أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه الحافظ قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد قال: حدّثني الفضل بن جعفر عن عمرو بن علي قال: سمعت ابن أبي عدي يقول: صام داود أربعين سنة لا يعلم به أهله. كان خزازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق و يرجع عشيا فيفطر معهم.

توفي داود في هذه السنة.

745- يونس بن عبيد، أبو عبد اللَّه، مولى لعبد القيس [ (1)].

أسند عن أنس، و الحسن، و ابن سيرين، و عطاء، و عكرمة.

و كان عالما ثقة زاهدا.

أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن عمرو قال: حدّثنا رستة قال: سمعت زهيرا يقول: كان يونس بن عبيد خزازا، فجاء رجل يطلب ثوبا، فقال لغلامه: انشر الرزمة. و ضرب بيده على الرزمة و قال: صلى اللَّه على محمد. فقال: ارفعه. و أبى أن يبيعه مخافة أن يكون [قد] [ (2)] مدحه.

قال أبو نعيم: و حدّثنا عبد اللَّه بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن المثنى قال: حدّثنا

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: الجرح و التعديل 9/ 242، و طبقات ابن سعد 7/ 260، و التاريخ الكبير 8/ 402. و التهذيب 11/ 442.

[ (2)] ما بين المعقوفتين. ساقط من الأصل.

26

هدبة بن خالد [قال‏]: حدّثنا أمية بن بسطام قال: كان يونس بن عبيد يشتري الأبريسم/ 13/ أ من البصرة فيبعث به إلى وكيله بالسوس، و كان وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد.

قال أبو نعيم: و حدّثنا أبو محمد بن حباب [قال‏]: حدّثنا محمد بن أحمد بن معدان [قال‏]: حدّثنا ابن وارة [قال‏]: حدّثنا الأصمعي [قال‏]: حدّثنا مؤمل بن إسماعيل قال:

جاء رجل من أهل الشام إلى سوق الخزازين، فقال: أريد مطرفا بأربعمائة [ (1)]. قال يونس بن عبيد عندنا بمائتي [درهم‏]، فنادى مناد بالصلاة [ (2)]. فانطلق يونس إلى بني بشير ليصلي بهم، فجاء و قد باع ابن أخيه المطرف من الشامي بأربعمائة، و قال يونس: ما هذه الدراهم؟ قال: ذاك المطرف بعناه من هذا الرجل. قال يونس: يا عبد اللَّه، هذا الّذي عرضت عليك بمائتي درهم، فإن شئت فخذه و خذ مائتين، و إن شئت فدعه.

قال: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. قال: بل أسألك باللَّه من أنت؟ و ما اسمك؟

قال: يونس بن عبيد. قال: فو اللَّه إنا لنكون في نحر العدو، فإذا اشتد الأمر علينا قلنا اللَّهمّ ربّ يونس بن عبيد فرّج عنا. أو شبيه هذا. فقال يونس: سبحان اللَّه سبحان اللَّه.

توفي يونس في هذه السنة. و قيل: في سنة أربع و ثلاثين و مائة.

____________

[ (1)] في ت: «فقال مطرف: خز بأربعمائة» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «منادي الصلاة» و ما أثبتناه من ت.

27

ثم دخلت سنة أربعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

أن ناسا من الجند وثبوا على أبي داود بن إبراهيم عامل خراسان، فأشرف عليهم من حائط المنزل الّذي هو فيه، فوقع فانكسر ظهره فمات، فولّى أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان، فقدمها فأخذ بها ناسا من القواعد ذكر أنه [ (1)] اتهمهم بالدعاء إلى ولد علي بن أبي طالب فقتلهم [ (2)].

و في هذه السنة: خرج أبو جعفر المنصور حاجا، فأحرم من الحيرة، ثم رجع بعد ما قضى الحج [ (3)] إلى المدينة، فتوجه منها إلى بيت المقدس، فصلى في مسجدها، ثم سلك إلى الشام منصرفا حتى انتهى إلى/ الرقة فنزلها، و كتب إلى صالح بن علي 13/ ب يأمره ببناء المصيصة، ثم خرج منها إلى ناحية الكوفة، فنزل المدينة الهاشمية بالكوفة، ثم انتقل عنها، فاختط مدينة السلام [ (4)].

أنبأنا الحسين بن محمد البارع قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني يحيى بن محمد قال: حدّثني أبو منصور عبد الرحمن بن صالح بن دينار قال: حج أبو جعفر المنصور فأعطى أشراف القرشيين ألف دينار لكل واحد منهم، فلم يترك أحدا من‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أنهم» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 503.

[ (3)] في ت: «قضى الحجة» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 503- 504.

28

أهل المدينة إلا أعطاه، إلا أنه لم يبلغ واحد ما بلغ بالأشراف، فكان ممن أعطاه الألف دينار سليم بن عروة، و يعطي قواعد قريش صحاف الذهب و الفضة و كساهن، و أعطى بالمدينة عطايا لم يعطها أحد.

و كان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان، فإن عاملها كان عبد الجبار.

و حج المنصور بالناس [ (1)].

و ما عرفنا أحدا من الأكابر توفي في هذه السنة

____________

[ (1)] في ت: «و حج بالناس المنصور».

انظر تاريخ بغداد 7/ 504.

29

ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

قدوم المنصور من الحج إلى المدينة، ثم إلى بيت المقدس، فصلى فيه، ثم انحدر إلى الرقة، و قتل بها منصور بن جعونة، لأن المنصور قال: احمدوا اللَّه يا أهل الشام، فقد رفع عنكم بولايتنا الطاعون. فقال منصور: اللَّه أكرم من أن يجمعك علينا و الطاعون.

ثم انحدر من الشام إلى شط الفرات حتى نزل الهاشمية بالكوفة.

و فيها: كان خروج الراوندية [ (1)]:

و هم قوم من أهل خراسان كانوا على رأي أبي مسلم، إلا أنهم يقولون بتناسخ الأرواح، و يدّعون أن روح آدم (عليه السلام) في عثمان بن نهيك، و أن ربهم الّذي يطعمهم و يسقيهم هو أبو جعفر المنصور، و أنّ الهيثم بن معاوية جبرائيل.

14/ أ و هؤلاء طائفة من/ الباطنية يسمّون السبعيّة [ (2)] يقولون: الأرضون [ (3)] سبع، و السموات سبع، و الأسبوع سبعة، يدل [ (4)] على أن دور الأئمة يتم بسبعة. فعدّوا:

العباس، ثم ابنه عبد اللَّه، ثم ابنه علي، ثم محمد بن علي، ثم إبراهيم، ثم السفاح،

____________

[ (1)] في ت: «الروندية».

[ (2)] في الأصل: «الشيعية» و في ت: «السبعة».

[ (3)] في ت: «الأرض».

[ (4)] في الأصل: «قدل».

30

ثم المنصور، فقالوا: هو السابع. و كانوا يطوفون حول قصر المنصور و يقولون: هذا قصر ربنا.

فأرسل المنصور فحبس منهم مائتين- و كانوا ستمائة- فغضب أصحابهم الباقون و دخلوا السجن، فأخرجوهم و قصدوا نحو المنصور، فتنادى الناس، و غلقت أبواب المدينة، و خرج المنصور ماشيا و لم يكن عنده دابة، فمن ذلك الوقت ارتبط فرسا، فسمّي: فرس النوبة، يكون معه في قصره- فأتي بدابة فركبها، و جاء معن بن زائدة فرمى بنفسه و قال: أنشدك اللَّه يا أمير المؤمنين إلا رجعت، فإنّي أخاف عليك. فلم يقبل و خرج، فاجتمع إليه الناس، و جاء عثمان بن نهيك فكلّمهم، فرموه بنشابة و كانت سبب هلاكه، ثم حمل الناس عليهم فقتلوهم، و كان ذلك في المدينة الهاشمية بالكوفة في سنة إحدى و أربعين [ (1)].

و قد زعم بعضهم أن ذلك كان في سنة ست و أربعين أو سبع و أربعين و مائة.

و في هذه السنة: وجّه أبو جعفر المنصور ابنه محمدا- و هو ولي عهده يومئذ- إلى خراسان في الجنود، و أمره بنزول الري، ففعل [ (2)].

و فيها: خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خراسان:

و سبب ذلك: أن المنصور بلغه عن عبد الجبار أنه يقتل رؤساء أهل خراسان، و أتاه من بعضهم كتاب فيه: قد نغل الأديم، فقال لأبي أيوب: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، و ما فعل هذا إلا و هو يريد أن يخلع. فقال: اكتب إليه: إنك تريد غزو الروم، 14/ ب فيوجّه إليك الجنود من خراسان، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت، فليس به/ امتناع. فكتب بذلك [إليه‏] [ (3)]، فأجابه: أن الترك قد جاشت، و إن فرّقت الجنود ذهبت خراسان. فقال لأبي أيوب: ما ترى؟ فقال: اكتب إليه: أن خراسان أهم إليّ من غيرها، و أنا موجّه إليك من قبلي. ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن همّ بخلع أخذوا بعنقه.

فلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه: إن خراسان لم تكن قط أسوأ حالا

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 505- 508.

[ (2)] انظر تاريخ الطبري 7/ 508.

[ (3)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و أثبتناه من ت.

31

منها في هذا العام، و إن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب فقال له: [قد] [ (1)] أبدى صفحته و قد خلع فلا تناظره.

فشخص المهدي، فلما بلغ ذلك أهل مروالرّوذ ساروا إلى عبد الجبار فناصبوه الحرب فهزم، فتبعه أحدهم فأخذه أسيرا و حمل إلى المنصور في مدرعة صوف على بعير، و وجهه من قبل عجزه، و معه ولده و أصحابه، فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منهم الأموال، و أمر المسيب بقطع يدي عبد الجبار و رجليه، و ضرب عنقه ففعل [ (2)].

و قال الواقدي: كان هذا سنة اثنتين و أربعين.

و فيها: فتحت طبرستان:

و ذلك أنه لما وجّه المنصور المهدي إلى الري لقتال عبد الجبار، فكفى أمره، كره المنصور أن يضيع النفقات التي أنفقت على المهدي، فكتب إليه أن يغزو طبرستان، فذهب فطالت الحروب، فوجّه أبو جعفر عمر بن العلاء الّذي يقول فيه بشار:

فقل للخليفة إن جئته‏ * * * نصيحا و لا خير في المتّهم‏

إذا أيقظتك حروب العدا * * * فنبّه لها عمرا ثمّ نم‏

فتى ينام على دمنة * * * و لا يشرب الماء إلّا بدم [ (3

و في هذه السنة: فرغ من بناء المصيصة على يدي جبرئيل بن يحيى الخراساني، و رابط محمد بن إبراهيم الإمام بملطية [ (4)].

و فيها:/ عزل زياد بن عبيد عن المدينة و مكة و الطائف، و استعمل على المدينة 15/ أ محمد بن خالد فقدمها في رجب، و على مكة و الطائف الهيثم بن معاوية العتكيّ [ (5)].

و في هذه السنة: حج بالناس صالح بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، و هو على قنسرين و حمص و دمشق، و على المدينة: محمد بن خالد بن عبد اللَّه القسري، و على‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 508- 509.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 510.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 509.

[ (5)] في الأصل، ت: «العكي» و كذلك في إحدى نسخ الطبري و ما أثبتناه من تاريخ الطبري.

32

مكة و الطائف: الهيثم بن معاوية. و على الكوفة و أرضها عيسى بن موسى، و على خراسان المهدي، و خليفته بها أسد بن عبد اللَّه، و على مصر نوفل بن الفرات.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

746- خالد بن مهران، أبو المنازل الحذاء، مولى لقريش لآل عبد اللَّه بن عامر بن كرز [ (1)].

سمع الحسن، و ابن سيرين، و أبا قلابة. و كان ثقة، و لم يكن حذاء و في تلقيبه بالحذاء ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه كان يجلس إلى حذّاء، فلقّب بذلك، قاله يزيد بن هارون.

و الثاني: أنه تزوّج امرأة فنزل عليها في الحذائين. ذكره الخطابي.

و الثالث: أنه كان إذا تكلم يقول: احذوا على هذا النحو، فلقّب بالحذاء. قاله فهد بن [ (2)] حبان القيسي.

توفي في هذه السنة. و قيل: في سنة اثنتين و أربعين.

747- سلمة بن دينار، أبو حازم، مولى بني أشجع [ (3)].

كان أعرج زاهدا عابدا، يقصّ بعد الفجر و بعد العصر في مسجد المدينة.

و كان ثقة كثير الحديث. أسند عن ابن عمر، و سهل بن سعد، و أنس بن مالك.

قالت له امرأته: هذا الشتاء قد هجم علينا و لا بد لنا مما يصلحنا فيه، فذكرت الثياب، و الطعام، و الحطب، فقال: من أين هذا كله؟ و لكن خذي فيما لا بد منه:

الموت، و البعث، ثم الوقوف بين يدي اللَّه، ثم الجنة و النار.

كان يقول: ما مضى من الدنيا فحلم، و ما بقي فأمانيّ.

____________

[ (1)] تقريب التهذيب 1/ 219، و طبقات ابن سعد 7/ 2/ 23، و الجرح و التعديل 3/ 1593، و تذكرة الحفاظ 1/ 149، و تاريخ الإسلام 6/ 60.

[ (2)] في ت: «فهر».

[ (3)] تقريب التهذيب 1/ 316، و طبقات ابن سعد الورقة 220 خط، و الجرح و التعديل 4/ 701، و حلية الأولياء 3/ 229، و تاريخ الإسلام 5/ 257، و تذكرة الحفاظ 1/ 133.

33

أخبرنا عبد الملك الكروخي قال: أنبأنا أبو عبد/ اللَّه بن محمد بن علي بن عمير 15/ ب قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن محمد القاضي قال: حدّثنا أبو سعيد محمد بن حميد المرواني قال: حدّثني محمد بن المنذر قال: حدّثني محمد بن يوسف قال: حدّثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدّثنا محمد بن إسحاق الموصلي قال: قال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها لم نصل منها إلى قليل و لا كثير.

أخبرنا عبد الخالق بن أحمد قال: أخبرنا علي بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد الراويّ قال: أخبرنا جعفر بن عبيد اللَّه بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن هارون الروياني قال: حدّثنا يحيى بن المغيرة قال: حدّثنا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدّثني أبي قال: بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم فجاءه فقال: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم أخراكم، و عمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال: صدقت، فكيف القدوم على اللَّه عز و جل؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، و أما المسي‏ء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان و قال: ليت شعري ما لنا عند اللَّه يا أبا حازم؟ فقال:

اعرض نفسك على كتاب اللَّه، فإنك تعلم ما لك عند اللَّه. قال: يا أبا حازم، و أين أصيب ذلك؟ قال: عند قوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏ [ (1)]. فقال سليمان: فأين رحمة اللَّه؟ قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ‏ [ (2)] قال: ما تقول فيما نحن فيه؟

قال: اعفني من هذا. قال سليمان: نصيحة تلقيها. قال أبو حازم: إن ناسا أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين و لا اجتماع من رأيهم، فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنها، فليت شعري ما قالوا و ما قيل لهم. فقال بعض جلسائه:

بئس ما قلت يا شيخ. فقال أبو حازم: كذبت، إن اللَّه تعالى أخذ على العلماء ليبيّننّه للناس و لا يكتمونه. فقال سليمان: اصحبنا يا أبا حازم تصب منا و نصب منك. قال:

أعوذ باللَّه من ذلك. قال: و لم؟ قال: أخاف/ أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني اللَّه 16/ أ ضعف الحياة و ضعف الممات. قال: فأشر عليّ. قال: اتّق اللَّه أن يراك حيث نهاك، و أن يفقدك حيث أمرك. فقال: يا أبا حازم، ادع لنا بخير. فقال: اللَّهمّ إن كان سليمان وليك فيسره للخير، و إن كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: يا غلام، هات مائة

____________

[ (1)] سورة: الانفطار، الآية: 14.

[ (2)] سورة الأعراف، الآية: 56.

34

دينار. ثم قال: خذها يا أبا حازم. قال: لا حاجة لي فيها، إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي.

و كان سليمان أعجب بأبي حازم فقال الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط. فقال أبو حازم: إنك نسيت اللَّه فنسيتني، و لو أحببت اللَّه لأحببتني. قال الزهري: أ تشتمني؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على جاره حقا؟ فقال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، و كانت العلماء تفرّ بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم و أتوا به إلى الأمراء، فاستغنت به عن الزّهّاد، و اجتمع القوم على المعصية [ (1)]، فسقطوا و انتكسوا، و لو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم.

قال الزهري: كأنك إياي تريد، و بي تعرّض. قال: هو ما تسمع.

أخبرنا ظفر بن علي بن العباس المهراني قال: أخبرنا أبو الحسن فيد بن عبد الرحمن بن شادي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن سعيد قال: أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازيّ قال: أخبرنا العباس بن عبد اللَّه المزني قال: حدّثنا المبرد، عن الرياشي، عن الأصمعي قال: دخل أبو حازم الطواف، فإذا هو بامرأة سافرة عن وجهها تطوف، و قد فتنت الناس بحسن وجهها فقال: يا هذه، ألا تخمرين وجهك؟

فقالت: يا أبا حازم، إنا من اللواتي يقول فيهن الشاعر:

16/ ب/

أماطت قناع الخز عن حر وجهها * * * و أبدت من الخدين بردا مهلهلا

من اللائي لم يحججن تبغين ريبة [ (2)] * * * و لكن ليقتلن البري‏ء المغفلا

و ترمي بعينيها القلوب إذا بدت‏ * * * لها نظر لم يخط للحيّ مقتلا

فأقبل أبو حازم على أهل الطواف فقال: يا أهل بيت اللَّه، تعالوا ندع اللَّه أن لا يعذب هذا الوجه بالنار، فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: لو كان من بعض أهل العراق لقال: يا عدوة اللَّه، و لكن ظرف أهل الحجاز.

____________

[ (1)] في الأصل: «على العصبية» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] في ت: «تبغين حسبه» و ما أثبتناه من الأصل.

35

أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن هبة اللَّه الطبري قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا ابن صفوان قال: أخبرنا أبو بكر القرشي قال: أخبرنا الحسن بن عبد العزيز قال: حدّثنا الحارث بن مسكين قال: أخبرنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن سليمان العمري قال: رأيت أبا جعفر القارئ في المنام فقلت له: أبا جعفر. فقال: نعم، أقرئ إخواني مني السلام و أخبرهم أن اللَّه تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، و أقرئ أبا حازم السلام و قل له: يقول لك: الكيس الكيس، فإن اللَّه و ملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.

748- موسى بن كعب.

كان على بسط المنصور و على مصر و الهند، و كان خليفته على الهند ابنه عيينة.

توفي موسى في هذه السنة.

36

ثم دخلت سنة اثنتين و أربعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

خروج المنصور حتى نزل بعسكره عند جسر البصرة الأكبر، و بنى لهم قبلتهم التي 17/ أ يصلّون [ (1)] إليها في عيدهم بالحمّان [ (2)]، و استعمل عيسى/ بن عمرو الكندي على البصرة، و معن بن زائدة على اليمن.

و وجّه عمر بن حفص بن أبي صفرة عاملا على السند و الهند، و محاربا لعيينة بن موسى، فسار حتى ورد السند، و غلب عليها.

و في هذه السنة:

نقض أصبهبذ طبرستان العهد بينه و بين المسلمين و قتل من كان ببلاده من المسلمين.

و كان من حديثه أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الأصبهبذ و ما فعل بالمسلمين وجّه إليه جماعة منهم أبو الخصيب، فأقاموا على حصنه محاصرين له و لمن معه في حصنه، فطال عليهم المقام، فاحتال أبو الخصيب فقال لأصحابه: اضربوني و احلقوا رأسي و لحيتي. ففعلوا ذلك به، و لحق بالأصبهبذ صاحب الحصن، فقال له: إنه ركب مني أمر عظيم، و إنما فعلوا بي هذا تهمة لي أن يكون هواي معك، فأخبره أنه معه، و أنه دليل على عورة عسكرهم. فقبل ذلك الأصبهبذ و جعله في خاصته، و ألطفه، و كان على باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء، تدفعه الرجال و تضعه عند فتحه و إغلاقه. و كان قد وكّل به الأصبهبذ ثقات أصحابه، و جعل ذلك نوبا بينهم، و جعل أبو الخصيب فيمن ينوب عن‏

____________

[ (1)] في الأصل: «الّذي يصلون» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «بالجبان» و في ت: «بالحنان» و ما أثبتناه من الطبري.

37

ذلك، فكتب إلى أصحابه، و جعل الكتاب في نشابة و رماها إليهم، و أعلمهم أنه قد ظفر بالحيلة، و وعدهم ليلة سمّاها في فتح الباب، فلما كانت الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة، و سبوا الذراري، فظفروا بأم منصور بن المهدي، و أم إبراهيم بن المهدي. فمصّ الأصبهبذ خاتما له كان فيه سمّ فقتل نفسه.

و قيل: إن هذا كان سنة ثلاث و أربعين [ (1)].

و في هذه السنة: عزل نوفل بن الفرات عن مصر و وليها محمد بن الأشعث، ثم عزل محمد و وليها نوفل، ثم عزل نوفل و وليها حميد بن قحطبة [ (2)].

و فيها: ولى أبو جعفر أخاه العباس بن محمد الجزيرة و الثغور، و ضم إليه عدة من القوّاد [ (3)].

و فيها: اختط/ المنصور بغداد، و لم يشرع في البناء [ (4)].

و فيها: حج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.

و كان العامل على المدينة محمد بن خالد بن عبد اللَّه، و على مكة و الطائف الهيثم بن معاوية، و على الكوفة و أرضها عيسى بن موسى، و على البصرة و أعمالها سفيان بن معاوية، و على قضائها سوار بن عبد اللَّه، و على مصر حميد بن قحطبة بن شبيب [ (5)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

749- حميد بن هانئ، أبو هانئ الخولانيّ [ (6)].

روى عن أبي قتيل، و شقي بن ماتع و غيرهما.

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 512- 513.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 514.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 514.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 514.

[ (5)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 515.

[ (6)] هذه الترجمة ساقطة من ت. و انظر ترجمته في: الجرح و التعديل 3/ 1012، و التاريخ الكبير 2/ 2720، و تاريخ الإسلام 6/ 58، و تقريب التهذيب 1/ 204.

38

حدّث عنه الليث، و ابن لهيعة، و آخر من حدث عنه بمصر إسحاق بن الفرات.

و توفي في هذه السنة.

750- سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس [ (1)].

أمه أم ولد، ولي الإمارة بالبصرة و غيرها، ولّاه المنصور.

أخبرنا محمد بن عمر الدموي قال: أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن المأمون قال: حدّثنا أبو الفضل محمد بن الحسن المأمون قال: حدّثنا أبو بكر بن الأنباري قال:

حدّثنا محمد بن مجيب المازني قال: حدّثني أبي قال: لما قدم سليمان بن علي البصرة واليا عليها قيل له: إن بالمربد رجلا من بني سعد [مجنونا] [ (2)] سريع الجواب، لا يتكلم إلا بالشعر. فأرسل إليه سليمان بن علي قهرمانا له، فقال له: أجب الأمير. فامتنع عليه، فجره و زبره و خرق ثوبه، و كان المجنون يعمل على ناقة له، فاستاق القهرمان الناقة، و أتى بهما سليمان بن علي، فلما وقف بين يديه قال له سليمان: حيّاك اللَّه يا أخا بني سعد. فقال:

حيّاك رب الناس من أمير * * * يا فاضل الأصل عظيم الخير

أني أتاني الفاسق الجلواز * * * و القلب قد طار به اهتزاز

فقال سليمان: إنما بعثته إليك ليشتري ناقتك. فقال:

ما قال شيئا في شراء الناقة * * * و قد أتى بالجهل و الحماقة

18/ أ/ فقال: ما أتى؟ فقال:

خرق سربالي و شق بردتي‏ * * * و كان وجهي في الملا و زينتي‏

فقال: نخلف عليك، أ فتعزم على بيع الناقة. فقال:

أبيعها من بعد مال أوكس‏ * * * و البيع في بعض الأوان أكيس‏

قال: كم شراؤها عليك؟ فقال:

شراؤها عشر ببطن مكة * * * من الدنانير القيام السكة

و لا أبيع الدهر أو أزاد * * * إني لربح في الشرا معتاد

____________

[ (1)] طبقات ابن سعد 9/ 194 خط، و تهذيب ابن عساكر 6/ 283، و تهذيب التهذيب 4/ 411.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و أثبتناه من ت.

39

قال: فبكم تبيعها؟ فقال:

خذها بعشر و بخمس وازنه‏ * * * فإنّها ناقة صدق مازنة

فقال: تحطنا و تحسن. فقال:

تبارك اللَّه العلي العالي‏ * * * تسألني الحط و أنت الوالي‏

قال: فنأخذها و لا نعطيك شيئا. فقال:

فأين ربي ذو الجلال الأفضل‏ * * * إن أنت لم تخش الإله فافعل‏

فقال: كم نزن لك فيها؟ فقال:

و اللّه ما ينعشني ما تعطي‏ * * * و لا يداني الفقر مني خطي‏

خذها بما أحببت يا ابن عباس‏ * * * يا ابن الكرام من قريش و الرأس‏

فأمر له سليمان بألف درهم و عشرة أثواب، فقال:

إني رمتني نحوك العجاج‏ * * * ولي عيال معدم محتاج‏

طاوي المطي ضيق المعيش‏ * * * فأنبت اللَّه لديك ريشي‏

شرفتني [ (1)] منك بألف فاخره‏ * * * شرفك اللَّه بها في الآخرة

و كسوة طاهرة حسان‏ * * * كساك ربي حلل الجنان‏

فقال سليمان/ بن علي: من يقول هذا مجنون!؟ ما كلّمت أعرابيا قط أعقل منه. 18/ ب توفي سليمان بالبصرة في هذه السنة، و هو ابن تسع و خمسين، و صلى عليه أخوه عبد الصمد بن علي.

751- عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن الأحول البصري [ (2)].

سمع أنسا، و عبد اللَّه بن سرخس، و الحسن. و ولي القضاء بالمدائن في خلافة المنصور، و كان يحتسب على المكاييل و الموازين، و هو معدود في كتاب الحفاظ الثقات.

عن محمد بن عبادة قال: حدّثني أبي قال: ربما رئي عاصم الأحول و هو صائم فيفطر، فإذا صلى العشاء تنحى فصلى، فلا يزال يصلي حتى يطلع الفجر، لا يضع جنبه. توفي في هذه السنة.

____________

[ (1)] في ت: «منحتني» و ما أثبتاه من الأصل.

[ (2)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 12/ 243.

40

ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

أن الخبر جاء إلى المنصور بأن الديلم أوقعوا بالمسلمين، و قتلوا مقتلة عظيمة، فبعث أهل البصرة و أهل الكوفة لجهادهم [ (1)].

و فيها: عزل الهيثم بن معاوية عن مكة و الطائف، و ولي ما كان إليه من ذلك السري بن عبد اللَّه بن الحارث بن عباس بن عبد المطلب، فأتى السري عهده على ذلك و هو باليمامة، فسار إلى مكة.

و وجّه المنصور إلى اليمامة محمد بن العباس بن عبد اللَّه بن عباس [ (2)].

و في هذه السنة: عزل حميد بن قحطبة عن مصر، و وليها نوفل، ثم عزل و وليها يزيد بن حاتم [ (3)].

و في هذه السنة: حج بالناس عيسى بن موسى، و كان إليه ولاية الكوفة و سوادها، و كان عامل مكة و المدينة السري بن عبد اللَّه، و عامل البصرة سفيان بن معاوية، و كان على قضائها سوار، و على مصر يزيد بن حاتم [ (4)]

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 515.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 515.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 515.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 516.

41

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

752-/ حميد بن مهران، أبو عبيدة الطويل.

مولى لخزاعة، ولد سنة ثمان و ستين.

753- حيي بن شريح، أبو عبد اللَّه المعافري، ثم الحبلي [ (1)].

روى عنه: ابن لهيعة و غيره، و آخر من حدّث عنه بمصر ابن وهب.

توفي في هذه السنة.

754- سليمان بن طرخان، أبو المعتمر التيمي [ (2)].

نزل في التيم فنسب إليهم و ليس بتيمي. و كان ثقة من العباد يصلي الغداة بوضوء صلاة العشاء، و كان هو و ابنه المعتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان في هذا المسجد و في هذا المسجد حتى يصبحا.

أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن حبيب قال: أخبرنا علي بن عبد اللَّه بن أبي صادق قال: أخبرنا ابن باكويه قال: حدّثنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدّثنا عبد اللَّه بن أبي القاسم قال: حدّثنا أحمد بن الحسين الحذاء قال: حدّثنا أحمد بن الزورقي قال: حدّثنا الوليد بن صالح قال: سمعت حماد بن سلمة يقول: ما أبقى سليمان التيمي من ساعة يطاع اللَّه فيها إلا وجدناه مطيعا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، و إن لم يكن في ساعة صلاة وجدناه إما يتوضأ للصلاة أو عائدا لمريض أو مشيعا لجنازة أو قاعدا في المسجد يسبح، و كنا نرى أنه لا يحسن أن يعصى اللَّه عز و جل.

أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن علي بن يحيى قال: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى قال: سمعت معتمر بن سليمان يقول: لو لا أنك بين أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم يوما و يفطر يوما، و يصلي الصبح بوضوء العشاء، و ربما أحدث الوضوء من غير نوم.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 3/ 72، و التقريب 1/ 209. و التاريخ الكبير 3/ 76.

[ (2)] انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب 4/ 401، و التاريخ الكبير 4/ 20. و طبقات ابن سعد 7/ 252.

42

قال أبو نعيم: و حدّثنا أبو حامد بن جميل قال: حدّثنا محمد بن إسحاق قال:

حدّثنا يوسف بن موسى قال: سمعت جريرا، عن رقبة قال: رأيت ربّ العزة في المنام، 19/ ب فقال: و عزتي لأكرمنّ مثوى سليمان- يعني/ التيمي.

و بلغنا من طريق آخر عن رقبة قال: رأيت ربّ العزة في النوم فقال لي: يا رقبة، و عزتي و جلالي لأكرمنّ مثوى سليمان التيمي، فإنه صلى لي أربعين سنة الغداة على ظهر العتمة. قال: فجئت إلى سليمان فحدثته فقال: أنت رأيت هذا؟ قلت: نعم. قال:

لأحدثنك بمائة حديث عن رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) بما جئتني من هذه البشارة. قال: فلما كان بعد مديدة مات فرأيته في المنام. فقلت: ما فعل اللَّه بك. قال: غفر لي و أدناني و قرّبني و غلفني [ (1)] [بيده‏] [ (2)]. و قال: هكذا أفعل بأبناء ثلاث و ثمانين.

أسند سليمان التيمي عن أنس بن مالك و عن جماعة من أكابر التابعين.

و توفي بالبصرة في هذه السنة.

755- فاطمة بنت محمد بن المنكدر

أخبرنا محمد بن ناصر بإسناد له عن إبراهيم بن مسلم القرشي قال: كانت فاطمة بنت محمد بن المنكدر تكون نهارها، فإذا جنها الليل تنادي بصوت حزين: هدأ الليل، و اختلط الظلام، و أوى كل حبيب إلى حبيبه، و خلوتي بك أيها المحبوب أن تعتقني من النار.

756- يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهيل بن ثعلبة، أبو سعيد الأنصاري المديني [ (3)].

سمع من أنس بن مالك، و السائب بن يزيد، و عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، و سعيد بن المسيب، و القاسم، و غيرهم.

ثم روى عنه هشام بن عروة، و مالك، و ابن جريح، و شعبة، و غيرهم.

و كان فقيها ثقة يتولى القضاء بمدينة الرسول ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) في أيام الوليد بن عبد الملك،

____________

[ (1)] في الأصل: «و علمني» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 14/ 101. و تهذيب التهذيب 11/ 221. و التاريخ الكبير 8/ 275.

و الجرح و التعديل 9/ 147.

43

أقدمه المنصور العراق و ولاه القضاء بالهاشمية، و ذلك قبل أن تبنى بغداد.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا التنوخي قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال: حدّثني/ علي بن محمد بن عبيد 20/ أ قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا يحيى بن محمد بن طلحة قال: حدّثني سليمان بن بلال قال: كان يحيى بن سعيد قد ساءت [ (1)] حاله، و أصابه ضيق شديد، و ركبه الدين، فبينا هو على ذلك إذ أتاه [ (2)] كتاب أبي العباس يستقضيه. قال سليمان: فوكلني يحيى بأهله و قال لي: و اللَّه ما خرجت و أنا أجهل شيئا، فلما قدم العراق كتب إليّ: إني كنت [ (3)] قلت لك حين خرجت: قد خرجت و ما أجهل شيئا، و إنه و اللَّه لأول خصمين جلسا بين يدي، فاقتضيا بشي‏ء و اللّه ما سمعته قط، فإذا جاءك كتابي هذا فسل ربيعة و اكتب إليّ بما يقول، و لا يعلم أنني كتبت إليك بذلك [ (4)].

حدّثنا [ (5)] القزاز قال: حدّثنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي قال:

أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب قال: حدّثني جدي قال: حدّثني أبو بكر بن أبي الأسود قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن وهيب قال: قدمت المدينة فما رأيت أحدا إلا يعرّف و ينكّر إلا يحيى بن سعيد، و مالك بن أنس [ (6)].

توفي يحيى بالهاشمية من الأنبار في هذه السنة. و قيل: سنة أربع. و قيل: سنة ست.

____________

[ (1)] في ت: «قد ساق» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (2)] في ت: «إذ جاءه» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (3)] «كنت» ساقطة من ت.

[ (4)] انظر الخبر في: تاريخ بغداد 14/ 103، 104.

[ (5)] في ت: «أخبرنا»

[ (6)] انظر الخبر في: تاريخ بغداد 14/ 105.

44

ثم دخلت سنة أربع و أربعين و مائة

فمن الحوادث فيها: غزو الدّيلم [ (1)].

و فيها: انصرف المهدي عن خراسان إلى العراق، و شخص أبو جعفر إلى قنسرين، فلقيه بها ابنه محمد، فانصرفا جميعا إلى الحيرة [ (2)].

و فيها: بنى المهدي عند مقدمه من خراسان بابنة عمه ريطة بنت أبي العباس [ (3)].

و فيها: ولى أبو جعفر رياح بن عثمان المرّيّ المدينة، و عزل محمد بن خالد القسري عنها.

و كان السبب في ذلك أن أبا جعفر أهمه أمر محمد و إبراهيم ابني عبد اللَّه بن حسن بن حسن و تخلفهما عن حضوره، مع من شهده من بني هاشم عام حجّ في حياة 20/ ب أخيه أبي العباس/، و معه أبو مسلم. و قد ذكر أن محمدا كان يذكر أنّ أبا جعفر ممّن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب مروان. فسأل [ (4)] أبو جعفر عن محمد و إبراهيم حين حج و لم يرهما، فقال له زياد بن عبد اللَّه: ما يهمّك من أمرهما! أنا آتيك بهما. فضمنه إياهما، و أقرّه على المدينة [ (5)].

و لما ولي أبو جعفر لم يكن له همّ إلا طلب محمد، و السؤال عنه، فدعا بني هاشم‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 517.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 517.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 517.

[ (4)] في الأصل: «قال أبو جعفر».

[ (5)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 517- 518.

45

رجلا رجلا يخلو به، فيسألهم عنه فيقولون: هو يخافك على نفسه، و ما يريد بذلك [ (1)] خلافا إلا حسن بن يزيد، فإنه أخبره خبره، و قال: و اللّه ما آمن وثوبه عليك، و إنه ما ينام عنك.

فنظر المنصور إلى رجل له فطنة يقال له: عقبة بن سالم، فقال له: أخف شخصك، و استر أمرك، و آتني لأمر إن كفيتنيه رفعتك. فأتاه فقال له: إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلّا كيدا لملكنا، و لهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم و يرسلون إليهم بصدقات أموالهم و ألطاف من بلادهم، فأخرج بكسا و ألطاف و عين حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه أهل [ (2)] هذه القرية، ثم تسبر ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب و اللّه بهم و أقرب، و إن كانوا على رأيهم علمت ذلك، فأشخص حتى تلقى عبد اللَّه بن حسن، فإن جبهك- و هو فاعل- فاصبر و عاوده حتى يأنس بك، فإذا أظهر لك ما قبله فأعجل عليّ.

فشخص حتى قدم على عبد اللَّه، فلقيه بالكتاب فأنكره و نهره و قال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل ينصرف و يعود إليه حتى قبل كتابه و ألطافه و آنس به، فسأله الجواب، فقال: إني لا أكتب إلى أحد، و لكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام و أخبرهم أن ابنيّ خارجان لوقت كذا و كذا.

فقدم على أبي جعفر فأخبره الخبر، فأنشأ/ حينئذ الحج و قال لعقبة: إني إذا 21/ أ صرت بمكان كذا و كذا لقيني بنو حسن، فيهم عبد اللَّه، فأنا مبجّله و رافع مجلسه وداع [ (3)] بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف بصره، فعد حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك، ثم حسبك، و إياك أن يراك ما دام يأكل.

فخرج حتى إذا تدفّع في البلاد لقيه بنو حسن، فأجلس عبد اللَّه إلى جانبه، ثم دعا

____________

[ (1)] في الأصل: «يريد لك» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] في الأصل: «يكتب عن أهل».

و ما أثبتناه من الطبري.

[ (3)] في الأصل: «و أدع» و ما أثبتناه من ت.

46

بالغداء، فأصابوا منه، ثم أمر به فرفع، فأقبل على عبد اللَّه فقال: يا محمد، قد علمت ما أعطيتني من المواثيق و العهود ألا تبغيني سوءا، و لا تكيد لي سلطانا. قال: فأنا على ذاك يا أمير المؤمنين. فلحظ أبو جعفر عقبة، فاستدار حتى قام بين يدي عبد اللَّه، فأعرض عنه، فاستدار حتى قام من وراء ظهره، فغمزه بإصبعه، فرفع رأسه، فملأ عينه منه، فوثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك اللَّه. قال:

لا أقالني اللَّه إن أقلتك. ثم أمر بحبسه [ (1)].

و في رواية: أن المنصور أتاه عبد اللَّه بن حسن، فجلس عنده، إذ تكلم المهدي فلحن، فقال عبد اللَّه: يا أمير المؤمنين، ألا تأمر لهذا من يعدّل لسانه، فأحفظ المنصور من هذا و قال: أين ابنك؟ قال: لا أدري. قال: لتأتيني به. قال: لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. قال: يا ربيع، قم به إلى الحبس [ (2)].

و قيل: إن حبسه كان في سنة أربعين، فأقام في الحبس ثلاث سنين.

و لما حبسه جدّ في طلب ابنيه و بعث عينا له، و كتب معه كتبا على ألسن الشيعة إلى محمد يذكرون طاعتهم، و بعث معه بمال و ألطاف، فقدم الرجل المدينة، فسأل عن محمد، فذكر له أنه في جبل جهينة، فمضى إليه، فعلم حاله، ثم عاد إلى أبي جعفر، فكتب أبو جعفر إلى زياد بن عبيد اللَّه يتنجزه ما ضمن له من أمر محمد، فأعان زياد 21/ ب محمدا و قال له: اذهب/ حيث شئت، فما ينالك مني مكروه.

فبعث أبو جعفر من شدّ زيادا في الحديد، و أخذ جميع ماله، و وجد في بيت المال خمسة و ثمانين ألف دينار، و أخذ عماله، و شخص بالكل إلى أبي جعفر، فقال له زياد:

إن دماء بني فاطمة عليّ عزيزة [ (3)].

و استعمل أبو جعفر محمد بن خالد بعد زياد، أمره بالجد في طلب محمد، ثم استبطأه فعزله، و ولى رياح بن عثمان بن حيّان المدينة، و أمره بالجد في طلبهما، فخرج مسرعا، فقدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من رمضان سنة أربع و أربعين و مائة [ (4)].

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 517- 523.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 524.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 529- 530.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 531- 532.

47

و كان عند أبي جعفر مرآة يرى بها ما في الأرض جميعا، يقال إنها نزلت على آدم، و صارت إلى سليمان بن داود، ثم ذهبت بها الشياطين و بقيت منها بقية صارت إلى بني إسرائيل، فأخذها رأس الجالوت، فأتى بها مروان بن محمد، فكان يحكّها ثم يجعلها على مرآة أخرى فيرى [فيها [ (1)] ما يكره، فرمى بها و ضرب عنق رأس الجالوت، فلما استخلف أبو جعفر طلبها، فأتي بها، فكان يرى‏] [ (2)] فيها محمد بن عبد اللَّه بن حسن، فيكتب إلى رياح: إنّ محمدا ببلاد فيها الأترج و الأعناب، فاطلبه بها، فيطلبه فلا يجده، فيكتب إليه أنه ببلاد فيها الجبال فلا يجده. و كان السبب: أن محمدا كان لا يقيم بمكان إلا يسيرا، فأخبر رياح أنه في شعب من شعاب رضوى، فاستعمل عمرو بن عثمان بن مالك، و أمره بطلبه، فخرج إليه بالخيل و الرجال، ففزع منهم محمد، فأحضر شدّا، فأفلت، و كان معه جارية و له منها ولد [ (3)]، فهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطع، فقال محمد:

منخرق السّربال يشكو الوجى‏ * * * تبكيه أطراف مرو حداد

شرّده الخوف فأزرى به‏ * * * كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة * * * و الموت حتم في رقاب العباد [ (4)]

و خرج رياح في طلبه، فرآه محمد قد جاء في الخيل، فعدل إلى بئر فوقف بين/ 22/ أ قرنيها ليستقي الماء، فنظر إليه رياح فقال: قاتله اللَّه أعرابيا ما أحسن ذراعه! و لقيه مرة أخرى، فجلس محمد و جعل ظهره مما يلي الطريق، و سدل هدب ردائه على وجهه، فقال: رياح: امرأة رأتنا فاستحيت. و كان محمد جسيما عظيما آدم شديد الأدمة.

و طال على المنصور أمره و لم يقدر عليه، و قيل له: أ تطمع أن تخرج محمد و إبراهيم، و بنو حسن مخلّون!؟ و كانوا ثلاثة عشر رجلا.

و حبس معهم محمد بن عبد اللَّه العثماني و ولدين له، فلم يزالوا محبوسين حتى حجّ أبو جعفر سنة أربع و أربعين و مائة، فتلقاه رياح بالربذة فرده إلى المدينة، و أمر

____________

[ (1)] في ت: «فيرى منها».

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من الأصل.

[ (3)] في ت: «بني» و ما أثبتناه من الأصل.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 534- 535.

48

بأشخاص بني حسن إليه، و بإشخاص محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان- و هو أخو بني حسن لأمهم فاطمة بنت حسين بن علي- فحملهم إليه، و كان محمد و إبراهيم يأتيان معتمين كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما و يسألانه و يستأذنانه في الخروج فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك، و يقول: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين [ (1)].

و أمر أبو جعفر لمحمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان فضرب خمسين و مائة، و قال للجلاد: اضرب رأسه، فضربه نحوا من ثلاثين سوطا، و كان يخاف منه لميل أهل الشام إلى عثمان، ثم قتله.

و أمر أبو جعفر محمد بن عبد اللَّه ففرقت أسطوانة مبنية ثم أدخل فيها، فبني عليه و هو حي. و كان أول من مات من المحبوسين من بني حسن: إبراهيم بن حسن ثم عبد اللَّه بن حسن.

[و قد ذكرنا أن الّذي حج بالناس في هذه السنة المنصور، و كان الوالي على مكة السري بن عبد اللَّه‏] [ (2)]، و الوالي على المدينة رياح بن عثمان، و على الكوفة عيسى بن موسى، و على البصرة سفيان بن معاوية، و على قضائها سوّار، و على مصر يزيد بن حاتم.

و جرت للمنصور في حجه قصة مع بعض الصالحين:

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا محمد بن 22/ ب علي بن الفتح قال: حدّثنا/ أبو نصر محمد بن محمد النيسابورىّ عن إبراهيم بن أحمد الخشاب المقرئ قال: حدّثنا أبو علي الحسن بن عبد اللَّه الرّازي قال: حدّثنا المثنى قال: حدّثنا سلمة بن سلمة القرشي قاضي اليمن قال: سمعت أبا المهاجر المكيّ يقول: قدم المنصور مكة، فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل و يطوف و يصلي، و لا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة، و جاء المؤذنون فسلّموا عليه، أقيمت الصلاة، فيصلي بالناس، فخرج ذات ليلة حين أسحر، فبينا هو يطوف إذ

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 7/ 540- 541.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

49

سمع رجلا عند الملتزم و هو يقول: اللَّهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي و الفساد في الأرض، و ما يحول بين الحق و أهله من الظلم و الطمع. فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد، ثم أرسل إليه فدعاه، فصلى ركعتين، و استلم الركن، و أقبل مع الرسول، فسلّم عليه، فقال له المنصور: ما هذا الّذي سمعتك تقوله من ظهور البغي و الفساد في الأرض و ما يحول بين الحق و أهله من الظلم و الطمع؟ فو اللَّه لقد حشوت مسامعي ما أمرضني فأقلقني، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصلها، و إلا احتجبت منك و أقتصر على نفسي، ففيها لي شغل شاغل. فقال: أنت آمن على نفسك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الّذي دخله الطمع حتى حال بينه و بين الحق و إصلاح ما ظهر من البغي و الفساد في الأرض لأنت. قال: ويحك، كيف يدخلني الطمع و الصفراء و البيضاء بيدي، و الحلو و الحامض في قبضتي. قال: و هل دخل أحد من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين؟ إن اللَّه عز و جل استرعاك أمور المسلمين بأموالهم، فأغفلت أمورهم، و اهتممت بجمع أموالهم، و جعلت بينك و بينهم حجابا من الآجر و الجص، و أبوابا من الحديد، و حجبة معهم السلاح، و اتخذت وزراء و أعوانا فجرة، إن نسيت لم يذكروك، و إن أحسنت لم يعينوك، و قويتهم على ظلم الناس بالرجال و الأموال و السلاح/، و أمرت 23/ أ أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان و فلان، و لم تأمر بإيصال المظلوم و الملهوف و الجائع و العاري، و ما أحد إلا و له في المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك، و أمرت أن لا يحجبوا عنك، تجبي المال و لا تقسمه، قالوا: هذا قد خان اللَّه، فما لنا لا نخونه، و قد سخّر لنا، و ائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا ما أرادوا، و لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه [ (1)] عنك حتى تسقط منزلته عندك، فلما انتشر ذلك عنك و عنهم أعظمهم الناس و هابوهم، و كان أوّل من صانعهم عمالك بالهدايا و الأموال ليتقوّوا بها على ظلم رعيتك، [ثم فعل ذلك الثروة و القوة من رعيتك‏] [ (2)] لينالوا ظلم من دونهم من الرعيّة، و امتلأت بلاد اللَّه بالطمع بغيا و فسادا، و صار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، و أنت غافل، و إن جاء متظلم حيل بينه و بين الدخول إلى مدينتك، و إن أراد رفع قصة إليك عند ظهورك،

____________

[ (1)] في الأصل: «إلا قضوه» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

50

وجدك قد نهيت عن ذلك، و وقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل يبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فإن صرخ بين يديك ضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره، و أنت تنظر فلا تنكر و لا تغيّر، فما بقاء الإسلام و أهله على هذا، و قد كانت بنو أميّة و كانت العرب لا ينتهي إليهم مظلوم إلا رفعت مظلمته، و لقد كان الرجل يأتي من أقصى الأرض حتى يبلغ سلطانهم فينادي: يا أهل الإسلام. فيبتدرونه: مالك مالك. فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم فينتصف له. و قد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين و بها ملك، فقدمتها مرة و قد ذهب سمع ملكهم، فجعل يبكى، فقال له وزراؤه: مالك تبكي لا بكت عيناك؟ فقال: أما إني لست 23/ ب أبكي على المصيبة إذ نزلت بي، و لكن المظلوم بالباب/ يصرخ فلا أسمع صوته، و قال: أما إن كان ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلّا مظلوم. فكان يركب الفيل في طرفي النهار، هل يرى مظلوما فينصفه. هذا يا أمير المؤمنين مشرك باللَّه قد غلبت رأفته بالمشركين و رقته على شح نفسه في ملكه، و أنت مؤمن باللَّه عز و جل، و ابن عم نبيه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك!؟ فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاث: إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك اللَّه عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه و ماله على الأرض مال، و ما من مال إلا و من دونه يد شحيحة تحويه، فلا يزال اللَّه يلطف بذلك الطفل الصغير حتى تعظم رغبة الناس إليه، و لست بالذي تعطي، بل اللَّه يعطي من يشاء ما يشاء. و إن قلت أجمع المال ليشتد سلطاني فقد أراك اللَّه عز و جل عبرا فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب و الفضة، و ما أعدوا من السلاح و الكراع ما ضرك، و ولد أبيك ما كنت فيه من الضعف حين أراد اللَّه عز و جل بكم ما أراد، و إن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو اللَّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح. يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال: لا. قال: فكيف تصنع بالملك الّذي خوّلك ما أنت فيه من ملك الدنيا، و هو لا يعاقب من عصاه بالقتل، و لكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم، و هو الّذي يرى منك ما عقد عليه قلبك [ (1)]، و أضمرته جوارحك، فما تقول إذا انتزع ملك الدنيا من يدك، و دعاك إلى الحساب؟ هل يفي عنك ما كنت فيه شيئا؟

____________

[ (1)] في ت: «عليه قلبه» و ما أثبتناه من الأصل.

51

فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته/، ثم قال: يا ليتني لم أخلق و لم 24/ أ أك شيئا. ثم قال: كيف احتيالي فيما خوّلت و لم أر من الناس إلا خائنا. قال: يا أمير المؤمنين، عليك بالأئمة الأعلام المرشدين. قال: و من هم؟ قال: العلماء. قال: قد فرّوا مني. قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر ما من طريقتك، و لكن افتح الأبواب، و سهّل الحجاب، و انتصر للمظلوم، و امنع الظالم، و خذ الشي‏ء مما حلّ و طاب و اقسمه بالعدل، و أنا ضامن لك عن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك و رعيتك.

فقال المنصور: اللَّهمّ وفقني أن أعمل بما قال [ (1)] هذا الرجل. و جاء المؤذنون فسلموا عليه، و أقيمت الصلاة، فخرج فصلى بهم ثم قال للحارس: عليك [ (2)] بالرجل، فلئن لم تأتني به لأضربنّ عنقك. و اغتاظ عليه غيظا عظيما، فخرج الحرسي يطلب الرجل، فبينا هو يطوف إذا هو بالرجل قائم يصلي، فقعد حتى صلى، ثم قال: يا ذا الرجل، أما تتقي اللَّه؟ قال: بلى. قال: ما تعرفه؟ قال: بلى. قال: فانطلق معي فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك. قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: يقتلني. قال: و لا يقتلك. قال: كيف؟ قال: تحسن تقرأ؟ قال: لا. قال: فأخرج من مزود كان معه رقاع فيه شي‏ء مكتوب، فقال: خذه فاجعله في جيبك، فإن فيه دعاء الفرج. قال: و ما دعاء الفرج؟ قال: لا يرزقه إلّا السعداء. قال: رحمك اللَّه فقد أحسنت إليّ، فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء و ما فضله؟ قال: من دعا به صباحا و مساء هدمت ذنوبه، و دام سروره، و محيت خطاياه، و استجيب دعاؤه، و بسط له في رزقه، و أعطي أمله، و أعين على عدوّه، و كتب عند اللَّه صدّيقا، و لا يموت إلا شهيدا، تقول: اللَّهمّ كما لطفت فيّ بعظمتك دون اللطفاء، و علوت بعظمتك على العظماء، و علمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك، و كانت/ وساوس الصدور كالعلانية عندك، و علانية القول 24/ ب كالسّر في علمك، فانقاد كل شي‏ء لعظمتك، و خضع كل ذي سلطان لسلطانك، و صار أمر الدنيا و الآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل همّ أمسيت فيه فرجا و مخرجا. اللَّهمّ إن عفوك عن ذنوبي، و تجاوزك عن خطيئتي، و سترك على قبيح عملي، أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك، فصرت أدعوك آمنا، و أسألك مستأنسا، و إنك المحسن إليّ و إني‏

____________

[ (1)] في الأصل: «أن أعمل بها قال» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] في ت: «عليكم» و ما أثبتناه من الأصل.

52

المسي‏ء إلى نفسي فيما بيني و بينك توددا لي و أ تبغض إليك، و لكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك، فعد بفضلك عليّ، إنك أنت التواب الرحيم.

قال: فأخذته فصيرته في جيبي، ثم لم يكن لي همّ غير أمير المؤمنين، فدخلت فسلّمت عليه، فرفع رأسه ينظر إليّ و يبتسم، ثم قال لي: ويلك، تحسن السحر.

فقلت: لا و اللّه يا أمير المؤمنين. ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ، فقال: هات الرق.

ثم جعل يبكي، ثم قال: به نجوت، و أمر بنسخه [ (1)]، و أعطاني عشرة آلاف درهم، ثم قال: أ تعرفه؟ قلت: لا. قال: ذاك الخضر.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

757- خالد بن أبي يزيد- و قيل: [ابن‏] [ (2)] يزيد- أبو عبد الرحمن الحراني [ (3)].

قدم بغداد، فسمع بها من حجاج بن محمد الأعور. قال يحيى بن معين: هو ثقة. توفي في هذه السنة.

758- سعيد بن أبي إياس، أبو مسعود الجريريّ [ (4)].

منسوب إلى جرير- بضم الجيم- و هو جرير بن عباد، قبيلة معروفة، يروي عن أبي العلاء، و أبي نضرة. سمع منه الثوري، و شعبة. و كان ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره.

توفي في هذه السنة.

759- عبد اللَّه بن المقفع [ (5)].

كان فصيح العبارة، جيد الكلام، و له: «اليتيمة» كتاب فيه آداب حسان.

____________

[ (1)] في الأصل: «بنسخته» و ما أثبتناه من ت.

[ (2)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و ما أثبتناه من ت.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 8/ 304- 316.

[ (4)] انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد 7/ 261. و التهذيب 4/ 5، و الجرح 4/ 1.

[ (5)] انظر ترجمته في: خزانة الأدب 3/ 459- 460، و أمالي المرتضى 1/ 94، و البداية و النهاية 10/ 96.