المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج10

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
75 /
3

[المجلد العاشر]

بِسم اللَّهِ الرَحمنِ الرَحيم و صلى اللَّه على سيدنا محمد و آله‏

ثم دخلت سنة أربع و تسعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

مخالفة أهل حمص عاملهم إسحاق بن سليمان، و كان محمد ولّاه إياها، فلما خالفوه انتقل إلى سلمية، فصرفه محمد عنهم، و ولى عليهم مكانه عبد اللَّه بن سعيد الحرشيّ، فقتل عدة من وجوههم، و ضرب مدينتهم من نواحيها بالنار، فسألوه الأمان فأجابهم و سكنوا ثم هاجوا، فضرب أيضا أعناق عدة منهم [ (1)].

و فيها: عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولّاه من عمل الشام و قنسرين و العواصم، و ولى مكانه خزيمة بن خازم، و أمره بالمقام بمدينة السلام [ (2)].

و فيها: بدأ الفساد بين الأمين و المأمون، و كان السبب في ذلك: أن الفضل بن الربيع، فكّر بعد مقدمه العراق على محمد، منصرفا عن طوس، و ناكثا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد اللَّه، فعلم أن الخلافة إن أفضت يوما إلى المأمون و هو حيّ [ (3)] لم يبق عليه، فسعى في إغراء محمد به، و حثّه على خلعه، و صرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، و لم يكن ذلك من رأي محمد و لا عزمه، بل كان عزمه الوفاء بما ضمن [ (4)]، فلم يزل الفضل يصغّر عنده شأن المأمون، و يزيّن له خلعه،/ و أدخل معه‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 374.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 374.

[ (3)] في الأصل: «و هي».

[ (4)] في الطبري: «بل كان عزمه الوفاء لأخويه».

4

في ذلك علي بن عيسى بن ماهان و السندي و غيرهما، فأزاله عن رأيه.

فأوّل ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدعاء له و للمأمون [و القاسم بن الرشيد] [ (1)]، فلما بلغ ذلك إلى المأمون و عرف عزل القاسم و إقدامه على التدبير على خلعه قطع البريد عن محمد، و أسقط اسمه من الطّرز و الضّرب.

و كان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون و حسن سيرته في أهل عمله و إحسانه إليهم، بعث في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك هرثمة، و خرج رافع فلحق بالمأمون، و هرثمة بعد مقيم بسمرقند، فأكرم المأمون رافعا، و لما دخل رافع في الأمان استأذن هرثمة المأمون في القدوم عليه، فعبر نهر بلخ بعسكره و النهر جامد، فتلقاه الناس، و ولّاه المأمون الحرس، فأنكر ذلك كله محمد، فبدأ بالتدبير على المأمون، فكان أول ما دبر عليه أنه كتب للعباس بن عبد اللَّه بن مالك- و هو عامل المأمون على الري- يأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الري- مريدا بذلك امتحانه- فبعث إليه ما أمره به، و كتم ذلك عن المأمون و ذي الرئاستين، فبلغ المأمون، فعزل العباس، ثم وجّه محمد إلى المأمون رسلا ثلاثة: العباس بن موسى/ بن عيسى، و صالح صاحب المصلى، و محمد بن عيسى بن نهيك، و كتب إليه كتبا معهم يسأله تقديم موسى على نفسه، و يذكر أنه قد سمّاه: الناطق بالحق، و كان ذلك بمشورة علي بن عيسى بن ماهان، فرد المأمون ذلك، و سمي المأمون في ذلك اليوم: الإمام.

و كان سبب هذه التسمية: ما جاءه من خلع محمد له، ثم ضمن ذو الرئاستين للعباس ولاية الموسم و ما شاء من أموال مصر، فما برح حتى أخذ منه البيعة للمأمون، و كان يكتب إليهم الأخبار، و يشير عليهم بالرأي، و رجعت الرسل إلى الأمين و أخبروه بامتناعه، و ألحّ الفضل بن الربيع و علي بن موسى على محمد في البيعة لابنه، و خلع المأمون، و كان الأمين يشاور في خلع المأمون فينهاه القواد، و قال له خزيمة بن خازم: لا تجرّئ القواد على الخلع فيخلعوك، و لا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك- فبايع لابنه موسى، و أحضنه علي بن عيسى، و ولاه العراق.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

5

و كان أول ما أخذ له البيعة بشر بن السميدع، و كان واليا على بلد، ثم أخذها صاحب مكة و صاحب المدينة على خواصّ من الناس قليل، دون العامة و نهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد اللَّه و القاسم، و الدعاء لهما على شي‏ء من المنابر، و دس لذكر عبد اللَّه و الوقيعة فيه. و وجّه إلى مكة كتابا مع رسول من حجبة البيت في أخذ الكتابين اللذين كان هارون اكتتبهما، و جعلهما في الكعبة، فقدم بهما عليه، و تكلم في ذلك بقية الحجبة، فلم يحفل بهم، فلما أتاه بهما أجازه بجائزة عظيمة و مزّقهما [ (1)].

/ و كان محمد قد كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سمّاها له، و أن يوجّه العمال إليها من قبله، و أن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد ليكتب إليه بخبره، فاشتد ذلك على المأمون، و شاور في ذلك الفضل بن سهل و أخاه الحسن، ثم كتب إليه:

قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسألني التجافي عن مواضع سمّاها مما أثبته الرشيد في العقد، و جعل أمره إليّ، و لو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود و المواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدوّ مخوف الشوكة، و جنود لا تستتبع طاعتها إلا بالأموال، لكان في ذلك نظر أمير المؤمنين لعامته، و ما يحبّ من لم أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرا من عنايته، و أن يستصلحه ببذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحق، و وكد به مأخوذ العهد [ (2)].

و كان المأمون قد وجّه حارسه إلى الحدّ، فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء، و لا يستعلم خبرا و لا يؤثر أثرا فحصن أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة و رهبة، أو يحملوا على مخالفة. ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظّنّة في أمره [ (3)]، فيسلم ممن يدخل موغلا في هيئة السابلة و الطارئة. و فتّشت [ (4)] الكتب.

____________

[ (1)] تاريخ الطبري 8/ 374- 377.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 379.

[ (3)] في الأصل: «الظنة من أمره». و ما أثبتناه من الطبري.

[ (4)] في الأصل: «و فتش».

6

فوجه محمد جماعة ليناظروا في منعه ما قد سأل، و إنما وجّهوا ليعلم أنهم قد عاينوا و سمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبدلوا أو يحرفوا [ (1)]، فيكون عليهم حجة و ذريعة/ لما التمس.

فلما صاروا إلى حدّ الريّ [ (2)] وجدوا تدبيرا مؤيدا، و عقدا مستحكما [ (3)]، و أخذتهم الأحراس من جوانبهم. و كتب بخبرهم من مكانهم، فجاء الإذن في حملهم فحملوا محروسين لا خبر يصل إليهم، و لا خبر يخرج منهم، و قد كانوا على نيّة بذل الأموال و الولايات للمفارقين، فوجدوا ذلك ممنوعا، فوصلوا و معهم كتاب الأمين و فيه [ (4)]:

أما بعد، فإن الرشيد و إن كان أفردك بالطرف، و ضمّ إليك من الكور ما ضمّ، تأييدا لأمرك، فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك، و الحق في الفضول أن تكون مردودة في أهلها، فكتبت تلطّ [ (5)] دون ذلك بما إن تمّ أمرك عليه صيّرنا الحقّ إلى مطالبتك.

فكتب المأمون: بلغني كتاب أمير المؤمنين، و لم يكتب فيما جهل فأسأل [ (6)] عن وجهه، و لم يسأل ما يوجبه حق فتلزمني الحجة بترك إجابته، فلا تبعثني يا ابن أبي على مخالفتك، و أنا مذعن بطاعتك.

فلما وصل الكتاب تغيظ الأمين، و كتب:

أما بعد، فقد بلغني كتابك غامطا لنعمة اللَّه عليك، متعرضا لحرّاق نار لا قبل لك بها، فأعلمني رأيك.

فقال المأمون لذي الرئاستين: إن ولدي و أهلي و مالي الّذي أفرده الرشيد لي بحضرة محمد- و هو مائة ألف ألف- و أنا إليها محتاج، فما ترى؟

____________

[ (1)] في الطبري «يبذلوا أو يحرموا».

[ (2)] في الأصل: «إلى حد الرأي».

[ (3)] في تاريخ الطبري: «مستحصدا».

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 380.

[ (5)] تلطّ: تجحد.

[ (6)] في الطبري: «فأكشف عن وجهه».

7

فقال ذو الرئاستين: بك حاجة إلى مالك و أهلك، فإن منعك صار إلى خلع عهده، و حملك على محاربته، و أنا أكره أن تكون أنت المستفتح باب الفرقة [ (1)].

قال: فاكتب إليه: أما بعد، فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر على إعطاء النّصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببرّه وصلته،/ فإذا كان للعامة، فأحر بأن يكون ذلك بصنوه، و قد علم أمير المؤمنين حالا أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها، و أخبار لا تزال تنكث رأيها، و قلة الخراج قبلي، و الأهل و المال و الولد قبل أمير المؤمنين، و ما للأهل- و إن كانوا في كفاية أمير المؤمنين فكان لهم والدا- بدّ من النزوع إلى كنفي، و قد وجهت لحمل العيال و حمل المال، فرأى أمير المؤمنين في إجازة فلان إلى لرقة في حمل ذلك. و السلام [ (2)].

فكتب الأمين: أما المال فمن مال اللَّه، و أمير المؤمنين يستظهر لدينه، و به إلى ذلك حاجة في تحصين أمور المسلمين، فكان أولى به، و أما الأهل فلم أر من حملهم ما رأيت من تعريضهم للتشتيت، فإن رأيت ذلك وجهتهم مع الثقة.

فلما وصل الكتاب قال ذو الرئاستين: الرأي حسم ما يوجب الفرقة، فإن تطلع إليها فقد تعرض للَّه بالمخالفة و تعرضت بالتأييد و المعونة [ (3)].

و دسّ الفضل بن سهل أقواما يكاتبونه بالأخبار اختارهم لذلك، و كان أوّل ما دبر الفضل أن أقام الأجناد، و أشخص طاهر بن الحسين، فورد الري، فنزلها و وجّه الأمين عصمة بن أحمد بن سالم إلى من بهمدان أن يكون في ألف رجل، و ولّاه حرب كور الجبل، و أمره أن يقيم بهمدان، و أن يوجه مقدمته إلى ساوة، و جعل الفضل بن الربيع و علي بن عيسى يحثان محمدا على/ خلع المأمون [ (4)].

و في هذه السنة في ربيع الأول: عقد الأمين لابنه موسى على جميع ما استخلف‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 381.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 382.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 383.

[ (4)] انظر تاريخ الطبري 8/ 386- 387.

8

عليه، و جعل [صاحب‏] [ (1)] أمره كله علي بن عيسى بن ماهان، و على شرطته محمد بن عيسى بن نهيك، و على حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، و على خراجه عبد اللَّه بن عبيدة [ (2)]، و على ديوان رسائله علي بن صالح [ (3)].

و فيها: وثب الروم على ميخائيل، فهرب و ترهب، و كان ملكه سنتين، و ملك الروم عليهم ليون.

و حج بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، و هو كان الوالي على مكة و المدينة. و قيل: حج بهم علي بن الرشيد.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1063- سلم بن سالم، أبو محمد- و قيل: أبو عبد الرحمن- البلخي‏

[ (4)].

قدم بغداد، و حدّث عن إبراهيم بن طهمان، [و] الثوري. روى عنه [ (5)]:

الحسن بن عرفة.

و كان مذكورا بالعبادة و الزهد، مكث أربعين سنة لم ير له فراش، و لم ير مفطرا إلا يوم فطر أو أضحى، و ما رفع رأسه إلى السماء أكثر من أربعين سنة. [ (6)]

و كان داعيا في الإرجاء، و كان صارما في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فدخل بغداد، فشنع على الرشيد، فأخذه و حبسه و قيده باثني عشر قيدا، فشنع عليه أبو معاوية الضرير حتى بقيت أربعة، و كان يدعو في حبسه و يقول: اللَّهمّ لا تجعل موتي في‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقطة من الأصل، و أضفناه من الطبري.

[ (2)] في الأصل: «بن عبدة».

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 387.

[ (4)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 9/ 140- 145.

[ (5)] في الأصل: «روى عن».

[ (6)] انظر: تاريخ بغداد 9/ 141.

9

حبسه،/ و لا تمتني حتى ألقى أهلي. فمات الرشيد فخلت عنه زبيدة، فخرج إلى الحج فوافى أهله بمكة قدموا حجاجا، فمرض فاشتهى البرد، فجمعوا [له‏] [ (1)] فأكل و مات. و ذلك في [ذي‏] [ (2)] الحجة من هذه السنة.

و قد اتفق المحدثون على تضعيف رواياته.

1064- عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن محمد الثقفي البصري‏

[ (3)].

ولد سنة ثمان و مائة- و قيل: سنة عشر- و سمع أيوب السجستاني، و يحيى بن سعيد الأنصاري، و خالدا الحداد و غيرهم.

روى عنه: الشافعيّ، و أحمد، و ابن راهويه، و يحيى، و غيرهم. و كان ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا يحيى بن علي بن الطيب الدسكري قال: سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن سعيد بن عصمة يقول: سمعت الفضيل بن العباس الهروي يقول: سمعت عاصما المروزي يقول:

سمعت عمرو بن علي يقول: كانت غلة عبد الوهاب بن عبد المجيد في كل سنة ما بين أربعين ألفا إلى خمسين ألفا، فكان إذا أتت عليه السنة ينفقها على أصحاب الحديث، فلم يبق منها شي‏ء [ (4)].

توفي عبد الوهاب في هذه السنة، و هو ابن أربع و ثمانين سنة.

1065- أبو نصر الجهيني المصاب.

أنبأنا ابن ناصر الحافظ، أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، أنبأنا أبو الحسن بن رزقويه، أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق، أنبأنا العباس بن مسروق، أنبأنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قال: سمعت محمد بن‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أضفناه من تاريخ بغداد.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أضفناه من تاريخ بغداد.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 11/ 18- 21.

[ (4)] انظر: تاريخ بغداد 11/ 19- 20.

10

إسماعيل بن أبي فديك قال: كان عندنا رجل يكنى أبا نصر من جهينة، ذاهب العقل/، في غير ما الناس فيه، لا يتكلم حتى يكلّم، و كان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و كان إذا سئل عن شي‏ء أجاب فيه جوابا حسنا مغربا، فأتيته يوما و هو في مؤخر المسجد مع أهل الصفة، منكسا رأسه، واضعا جبهته بين ركبتيه، فجلست إلى جنبه، فحركته فانتبه فزعا، فأعطيته شيئا كان معي، فأخذه فقال: قد صادف منا حاجة، فقلت له: يا أبا نصر، ما الشرف؟ قال: حمل ما ناب العشيرة، أدناها و أقصاها، و القبول من محسنها، و التجاوز عن مسيئها. قلت له: فما السخاء؟ قال:

جهد مقل. قلت: فما البخل؟ قال: أف، و حوّل وجهه عني. قلت: تجيبني؟ قال:

أجبتك.

و قدم علينا هارون الرشيد فأخلي له المسجد، فوقف على قبر رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) و على منبره، و في موقف جبريل (عليه السلام)، و اعتنق أسطوانة النبوة، ثم قال: قفوا بي على أهل الصفة. فلما أتاهم حرّك أبو نصر و قيل: هو أمير المؤمنين. فرفع رأسه و قال:

أيها الرجل، إنه ليس بين عباد اللَّه و أمة نبيّه و رعيتك و بين اللَّه خلق غيرك، و إن اللَّه سائلك عنهم، فأعدّ للمسألة جوابا، و قد قال عمر بن الخطاب: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله اللَّه عنها. فبكى هارون و قال: يا أبا نصر، إن رعيتي غير رعية عمر، و دهري غير دهر عمر. فقال له: هذا و اللَّه غير مغن عنك، فانظر لنفسك، فإنك و عمر تسألان عما خولكما اللَّه. فدعى هارون بصرّة فيها ثلاثمائة/ دينار، فقال: ادفعوها إلى أبي نصر، فقال أبو نصر: ما أنا إلا رجل من أهل الصفة، فادفعوها إلى فلان يفرقها عليهم و يجعلني كرجل منهم.

و كان أبو نصر يخرج كل يوم جمعة صلاة الغداة، فيدخل السوق مما يلي الثنية، فلا يزال يقف على مربعة مربعة و يقول: أيها الناس، اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا و لا يقبل منها عدل و لا تنفعها شفاعة، إن العبد إذا مات صحبه أهله و ماله و عمله، فإذا وضع في قبره رجع أهله و ماله و بقي عمله، فاختاروا لأنفسكم ما يؤنسكم في قبوركم رحمكم اللَّه. فلا يزال يعمل ذلك في مربعة مربعة حتى يأتي مصلى رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، ثم يصلي الجمعة، فلا يخرج من المسجد حتى يصلي العشاء الآخرة.

11

ثم دخلت سنة خمس و تسعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

ان الأمين أمر بإسقاط الدراهم و الدنانير التي ضربت لأخيه بخراسان في سنة أربع و تسعين، و سبب ذلك: أن المأمون أمر أن لا يثبت فيها اسم محمد، فكانت لا تجوز حينا. [ (1)]

و فيها: نهى عن الدعاء على المنابر في عمله كلّه للمأمون و القاسم، و أمر بالدعاء لنفسه، ثم لابنه موسى، و ذلك في صفر من هذه السنة، و كان موسى طفلا صغيرا، و ذلك عن رأي الفضل بن الربيع، فبلغ ذلك المأمون، فسمّي بإمام المؤمنين، و كوتب بذلك [ (2)].

و لما عزم محمد على خلع المأمون/ قال له الفضل: ألا تعذر إليه [يا أمير المؤمنين‏] [ (3)] لعله يسلم الأمر في عافية، فتكتب إليه كتابا فتسأله الصفح عما في يديه.

فقال له إسماعيل بن صبيح: هذا تقوية إليهم، و لكن اكتب إليه فأعلمه حبك لقربه [ (4)].

فكتب إليه: إني أحب قربك لتعاونني. فكتب إليه: إن مكاني أعود على أمير المؤمنين. ثم دعي الفضل فقال: ما ترى؟ قال: أن تمسك موضعك قال: كيف؟ مع‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 389.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 389.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: زيادة من الطبري.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 400 و ما بعدها.

12

مخالفة محمد و المال و الجند معه، و الملوك حولي كلهم عدو لي. قال: تصلح ما بيني و بينهم، فلما عرف الأمين أنه لا يأتيه وجّه إليه عصمة بن حماد، و أمره بقطع الميرة عن خراسان.

و فيها: عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان، و ذلك يوم الأربعاء لليلة خلت من ربيع الآخر على كور الجبل كلها: نهاوند، و همدان، و قمّ، و أصفهان، حربها و خراجها، و ضم إليه جماعة من القواد، و أمر له بمائتي ألف دينار، و لولده بخمسين ألف دينار، و أعطى الجند مالا عظيما، و أمر له من السيوف المحلاة بألفي سيف، و ستة آلاف ثوب للخلع، و أحضر الأمين أهل بيته و مواليه و قواده المقصورة بالشماسية يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة، فصلى الجمعة، و دخل و جلس لهم ابنه موسى في المحراب و معه الفضل بن الربيع و جميع من حضر، فقرأ على جماعتهم كتابا من الأمين يعلمهم رأيه فيهم، و حقه عليهم، و ما سبق له من البيعة منفردا بها، و لزوم ذلك لهم، و ما أحدث المأمون من/ التسمّي بالإمام [ (1)]، و الدعاء إلى نفسه، و قطع البريد، و قطع ذكره من دار الطرز، و أن ما أحدث من ذلك ليس له.

ثم تكلم الفضل و قال: لا حق لأحد في الخلافة، إلا لأمير المؤمنين محمد، و لم يجعل اللَّه لعبد اللَّه و لا لغيره في ذلك حظا، و أن الأمير موسى قد أمر لكم من صلب ماله ثلاثة آلاف ألف درهم تقسم بينكم يا أهل خراسان [ (2)].

و فيها: شخص علي بن عيسى إلى الري لحرب المأمون، فكان خروجه عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من جمادى الآخرة، و خرج فيما بين صلاة الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره في زهاء من أربعين ألفا [ (3)].

و لما أراد الخروج ودع أم جعفر فقالت له: يا علي، إن أمير المؤمنين و إن كان ولدي فإنّي على عبد اللَّه مشفقة، فاعرف لعبد اللَّه حق إخوته، و لا تبجّه بالكلام و لا

____________

[ (1)] من الطبري: «التسمي بالإمامة».

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 389- 390.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 390.

13

تفتشره افتشار العبيد، و إن شتمك فاحتمله، ثم دفعت إليه قيدا من فضة فقالت: إن صار في يدك فقيده به.

فشخص و معه الأمين إلى النهروان يوم الأحد لست بقين من جمادى الآخرة، فعرض الجند، و عاد إلى مدينة السلام، و أقام علي بن عيسى بالنهروان ثلاثة أيام، ثم شخص إلى ما وجّه له مسرعا، حتى نزل همدان، فولى عليها عبد اللَّه بن حميد بن قحطبة، و كان الأمين قد كتب إلى عصمة بن حماد يأمره بالانصراف في خاصة أصحابه، و ضم بقية العسكر و ما فيه من الأموال إلى علي بن عيسى، و كتب إلى أبي دلف القاسم بن علي بالانضمام إليه فيمن معه من أصحابه، و شخص علي بن عيسى من همدان يريد الري، فكان يسأل عن خراسان فيقال له إن طاهرا مقيم بالري، فيضحك فيقول/ و ما طاهر!؟ هل هو إلا شوكة بين أعضائي. فلقيه طاهر في نحو أربعة آلاف، فلما رأى طاهر جمع علي بن عيسى قال: هذا ما لا طاقة لنا به، و لكن نجعلها خارجية نقصد القلب. فحملوا فجرى القتال، فقتل علي بن عيسى و ألقي في بئر، و هزم عسكره و أخذ منهم سبعمائة ألف درهم.

و كتب طاهر إلى ذي الرئاستين: أطال اللَّه بقاءك، و كبت أعداءك، و جعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك و رأس علي بن عيسى بين يدي، و خاتمه في إصبعي، و الحمد للَّه رب العالمين.

فدخل على المأمون فبشره، فأيّد طاهرا بالرجال، و سمّاه ذا اليمينين، و أمر بإحضار أهل بيته، و القواد، و وجوه الناس، فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة، و أعلن يومئذ بخلع الأمين.

ثم ورد برأس علي بن عيسى يوم الثلاثاء، فطيف به خراسان، و بلغ الخبر إلى الأمين، فندم على نكثه و غدره، و مشى القواد بعضهم إلى بعض، و ذلك يوم الخميس للنصف من شوال، فقالوا: إن عليا قد قتل، و لا شك أن محمدا يحتاج إلى الرجال، فاطلبوا الجوائز و الأرزاق، فلعلنا نصيب في هذه الحالة ما يصلحنا، فأصبحوا يكبرون و يطلبون الأرزاق.

و بلغ الخبر عبد اللَّه بن خازم، فركب إليهم في أصحابه، فتراموا بالنشاب‏

14

و الحجارة، و سمع محمد التكبير و الضجيج، فقال: ما الخبر؟ فأعلموه، فقال: مروا ابن خازم فلينصرف عنهم.

ثم أمر لهم بأرزاق أربعة شهور، و رفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين، و أمر للقواد بالصلات، و بعث إلى نوفل خادم المأمون، فأخذ/ منه ستة آلاف ألف درهم التي كان الرشيد وصل المأمون بها، و قبض ضياعه و غلاته و أمواله، و ولى عليها عمالا من قبله، و وجه عبد الرحمن بن جبلة من الأنبار بالقوة و العدة في عشرين ألفا، فنزل همدان لحرب طاهر، و ولاه ما بين حلوان إلى ما غلب عليه من أرض خراسان، فمرّ حتى نزل همدان، و ضبط طرقها، و حصر سورها، و سدّ ثلمها و استعد للقاء طاهر. ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزمهم طاهر فحصرهم في مدينة همدان، و قطع عنهم الميرة، فطلبوا الأمان، فأمّنهم، ثم قتل عبد الرحمن بن جبلة.

و كان السبب أنه لما أمّنه طاهر أقام يريه أنه مسالم له، راض بعهده، ثم اغتره و أصحابه، فهجم بأصحابه عليهم، فوضعوا فيهم السيف، فثاروا إليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عبد الرحمن، و ترجل هو و جماعة من أصحابه فقاتل حتى قتل [ (1)].

و في هذه السنة: طرد طاهر عمال محمد عن قزوين و سائر كور الجبل [ (2)].

و فيها: ظهر السفياني بالشام، و اسمه علي بن عبد اللَّه بن خالد بن يزيد بن معاوية، فدعا لنفسه، و ذلك في ذي الحجة. و طرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد أن حصره بدمشق- و كان عامل محمد عليها- ثم أفلت منه بعد اليأس، فوجّه إليه محمد بن الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فلم يصل إليه، و أقام بالرقة [ (3)].

و حج بالناس في هذه السنة داود بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، و هو كان العامل على مكة و المدينة من قبل محمد، و كان على‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 390- 417.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 415- 416.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 415.

15

الكوفة العباس بن موسى الهادي، و على البصرة منصور/ بن المهدي، و بخراسان المأمون [ (1)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1066- إسحاق بن يوسف بن محمد بن محمد الأزرق الواسطي‏

[ (2)].

سمع الأعمش، و الجريريّ، و الثوري، و غيرهم.

روى عنه: أحمد و يحيى. و كان من الثقات المأمونين، و من عباد اللَّه الصالحين.

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن علي بن ثابت، أخبرنا أبو نصر محمد بن عبد اللَّه بن الحسن المقرئ، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الزيات، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد اللَّه بن أيوب المخرمي قال:

سمعت الحسن بن حماد سجادة يقول: بلغني أن أم إسحاق الأزرق قالت له: يا بني، إن بالكوفة رجلا يستخف بأصحاب الحديث، و أنت على الحج فأسألك بحقي عليك أن لا تسمع منه شيئا. قال إسحاق: فدخلت الكوفة فإذا الأعمش قاعد وحده، فوقفت على باب المسجد، فقلت: أمي و الأعمش!! و

قال النبي للَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ):

«طلب العلم فريضة على كل مسلم».

فدخلت المسجد، فسلمت، فقلت: يا أبا محمد، حدّثني فإنّي رجل غريب. قال: من أين أنت؟ قلت: من واسط. قال: ما اسمك؟ قلت: إسحاق بن يوسف الأزرق. قال: فلا حييت و لا حييت أمك، أ ليس حرّجت أن لا تسمع مني شيئا؟

قلت: يا أبا محمد، ليس كل ما بلغك يكون حقا. قال: لأحدثنك بحديث ما حدثته أحدا قبلك.

فحدّثني عن ابن أبي أوفى قال: سمعت رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) يقول:

«الخوارج كلاب أهل النار»

[ (3)].

توفي إسحاق بواسط في هذه السنة./

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 417.

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 6/ 319- 321.

[ (3)] انظر: تاريخ بغداد 6/ 319.

16

1067- بكّار بن عبد اللَّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير.

يقال: بكّار، و إنما هو: أبو بكر. كان مدرة قريش شرفا و بيانا و لسانا و جاها و حسن أثر، و كان الرشيد معجبا به، فاستعمله على المدينة، و أقام عامله عليها اثنتي عشرة سنة و ثلاثة أشهر و أحد عشر يوما، و أخرج على يده لأهل المدينة ثلاث أعطيات مقدارها ألف ألف دينار و مائتي ألف دينار، كل عطاء أربعمائة ألف دينار.

و كان الرشيد إذا كتب إليه كتب: من عبد اللَّه هارون أمير المؤمنين إلى أبي بكر بن عبد اللَّه.

و كان عماله وجوه أهل المدينة فقها و علما و مروءة و شرفا. و كان جوادا، فقلّ بيت بالمدينة لم يدخله صنيعه.

توفي في ربيع الأول من هذه السنة.

1068- أبو نواس الحسن بن هانئ بن جناح بن عبد اللَّه بن الجرّاح، أبو علي. الشاعر المعروف بأبي نواس‏

[ (1)].

و يقال له: الحكمي، و في ذلك قولان: أحدهما: أنه نسبة إلى جده الأعلى الحكم بن سعد العشيرة و الثاني: أنه مولى الجراح.

ولد بالأهواز، و نشأ بالبصرة، و قرأ القرآن على يعقوب الحضرميّ، و اختلف إلى أبي زيد النحويّ، و كتب عنه الغريب و الألفاظ، و حفظ عن أبي عبيدة أيام الناس، و نظر في نحو سيبويه.

قال الجاحظ: ما رأيت أحدا كان أعلم باللغة من أبي نواس، و لا أفصح لهجة مع حلاوة و مجانبة الاستكراه.

و سمع الحديث من: حماد بن زيد، و عبد الواحد بن زيد، و معمر بن سليمان، و غيرهم. و أسند الحديث.

أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 7/ 436- 449.

17

قال: أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر الحفار، أخبرنا إسماعيل بن علي الخزاعي، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي، أخبرنا أبو نواس الحسن بن هانئ، حدّثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشيّ، عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال: لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه باللَّه من الخير.

قال ابن كثير: و دخلنا على أبي نواس نعوده في مرضه الّذي مات فيه، فقال له عيسى بن موسى الهاشمي: يا أبا علي، أنت في آخر يوم من أيام الدنيا و أول يوم من أيام الآخرة، و بينك و بين اللَّه هنات، فتب إلى اللَّه. قال أبو نواس: أسندوني. فلما استوى جالسا قال: إيّاي يخوّف باللَّه و

قد حدّثني حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال: قال رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ):

«لكل نبي شفاعة، و إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة»

أ فترى لا أكون منهم؟!.

قال أبو عبيدة: كان أبو نواس للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين.

و قال أبو نواس: ما قلت من الشعر شيئا حتى رويت لستين امرأة من العرب منهن الخنساء و ليلى، فما ظنك بالرجال [ (1)]! و له مدائح في الخلفاء:

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال:

أخبرني أبو الحسن علي بن عبد اللَّه بن عبد الغفار قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، حدّثنا أبو بكر بن القاسم الأنباري، حدّثنا عبد اللَّه بن خلف، حدّثني عبد اللَّه بن سفيان، حدّثني عبد اللَّه الخزاعي، عن ابن مبادر الشاعر قال: دخل سليمان بن المنصور على محمد الأمين/ فرفع إليه أن أبا نواس هجاه، و أنه زنديق حلال الدم، و أنشده من أشعاره المنكرة أبياتا، فقال له: يا عم اقتله بعد قوله:

أهدي الثناء إلى الأمين محمد * * * ما بعده بتجارة متربّص‏

صدق الثناء على الأمين محمد * * * و من الثناء تكذّب و تخرص‏

قد ينفص القمر المنير إذا استوى‏ * * * هذا و نور محمد لا ينقص‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ بغداد 7/ 437.

18

و إذا بنو المنصور عدّ حصاؤهم‏ * * * فمحمد ياقوتها المتخلّص‏

فغضب سليمان و قال: لو شكوت من عبد اللَّه ما شكوت من هذا الكافر لوجب أن تعاقبه، فكيف منه. فقال: يا عمّ كيف أعمل بقوله:

قد أصبح الملك بالمنى ظفرا * * * كأنما كان عاشقا قدرا

حسبك وجه الأمين من قمر * * * إذا طوى الليل دونك القمرا

خليفة يعتني بأمته‏ * * * و إن أتته ذنوبها غمرا

حتى لو استطاع من تحنّنه‏ * * * دافع عنها القضاء و القدرا

فازداد سليمان غضبا فقال: يا عم، كيف أعمل بقوله:

يا كثير النّوح في الدّمن‏ * * * لا عليها بل على السّكن‏

سنة العشاق واحدة * * * فإذا أحببت فاستبن‏

ظنّ بي من قد كلفت به‏ * * * فهو يجفوني على الظنن‏

بات لا يعنيه ما لقيت‏ * * * عين ممنوع من الوسن‏

رشأ لو لا ملاحته‏ * * * خلت الدنيا من الفتن‏

تضحك الدنيا إلى ملك‏ * * * قام بالآثار و السّنن‏

/ يا أمين اللَّه عش أبدا * * * دم على الأيام و الزمن‏

أنت تبقى و الفناء لنا * * * فإذا أفنيتنا فكن‏

قال: فانقطع سليمان عن الركوب، فأمر الأمين بحبس أبي نواس، فلما طال حبسه كتب إليه:

تذكر أمين اللَّه و العهد يذكر * * * مقامي و إنشاديك و الناس حضّر

و نثري عليك الدرّ يا درّ هاشم‏ * * * فيا من رأى درّا على الدرّ ينثر

أبوك الّذي لم يملك الأرض مثله‏ * * * و عمك موسى عدله المتخيّر

و جدّاك مهديّ الهدى و شقيقه‏ * * * أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر

و ما مثل منصور يك منصور هاشم‏ * * * و منصور قحطان إذا عدّ مفخر

فمن ذا الّذي يرمي بسهميك في العلى‏ * * * و عبد مناف والداك و حمير

19

تحسنت الدنيا بحسن خليفة * * * هو الصبح إلّا أنّه الدهر مسفر

يشير إليه الجود من وجناته‏ * * * و ينظر من أعطافه حين ينظر

مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة * * * كأني قد أذنبت ما ليس يغفر

فإن لم أكن أذنبت فيم عقوبتي‏ * * * و إن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر

فلما قرأ محمد الأبيات قال: أخرجوه و أجيزوه، و لو غضب/ ولد المنصور كلهم.

قال المصنف: كان أبو نواس قد غلب عليه حب اللعب و اللهو و فعل المعاصي، و لا أؤثر أن أذكر أفعاله المذمومة، لأني قد ذكرت عنه التوبة في آخر عمره، و إنما كان لعبة في أول العمر.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا هبة اللَّه بن الحسن الطبري، أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران، حدّثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدّثنا علي بن الأعرابي قال: قال أبو العتاهية: لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته. فقلت له: أما آن لك أن ترعوي، أما آن لك أن تنزجر!؟ فرفع رأسه إليّ و هو يقول:

أ تراني يا عتاهي‏ * * * تاركا تلك الملاهي؟

أ تراني مفسدا بالنسك‏ * * * عند القوم جاهي؟

قال: فلما ألححت عليه بالعذل أنشأ يقول:

لن ترجع الأنفس عن غيها * * * ما لم يكن منها لها زاجر

قال: فوددت أني قلت هذا البيت بكل شي‏ء قلته [ (1)].

أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا عثمان بن محمد الدقاق، حدّثنا محمد بن أحمد بن البراء، أخبرنا علي بن محمد بن زكريا قال: دخلت على أبي نواس و هو يكيد بنفسه، فقال لي: أ تكتب؟ قلت: نعم.

فأنشأ يقول:

____________

[ (1)] انظر: تاريخ بغداد 7/ 446.

20

دبّ فيّ الفناء سفلا و علوا * * * و أراني أموت عضوا فعضوا

ذهبت شرّتي بحدة نفسي‏ * * * فتذكرت طاعة اللَّه نضوا

ليس من ساعة مضت بي إلا * * * نقّصتني بمرّها بي حذوا [ (1

لهف نفسي على ليال و أيام‏ * * * تملّيتهنَّ لعبا و لهوا

قد أسأنا كلّ الإساءة يا * * * ربّ فصفحا عنّا إلهي و عفوا [ (2

أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، حدّثني [ (3)] عبيد اللَّه بن أبي الفتح، حدّثنا أحمد بن إبراهيم، حدّثنا عبيد اللَّه بن عبد الرحمن السكري، حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد، حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل ابن أخي أبي نواس، حدّثني [ (4)] جعفر الصائغ قال:

لما احتضر أبو نواس قال: اكتبوا هذه الأبيات على قبري:

وعظتك أجداث صمت‏ * * * و نعتك أزمنة خفت‏

و تكلمت عن أوجه‏ * * * تبلى و عن صور سبت‏

و أرتك قبرك في القبور * * * و أنت حيّ لم تمت [ (5

توفي أبو نواس سنة خمس و تسعين و مائة. و قيل: سنة ست. و قيل: سنة ثمان.

و كان عمره تسعا و خمسين سنة. و دفن بمقابر الشونيزي في تل اليهود.

أخبرنا القزاز، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا علي بن محمد المعدل، أخبرنا عثمان بن أحمد، أخبرنا أحمد بن البراء، أخبرنا عمر بن مدرك، حدّثني محمد [ (6)] بن يحيى، عن محمد بن نافع قال: كان أبو نواس لي صديقا، فوقعت بيني و بينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغني وفاته فتضاعف عليّ الحزن، فبينا أنا بين النائم و اليقظان إذا أنا به، فقلت: أبو نواس؟ قال: لات حين كنيته. قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم. قلت:

____________

[ (1)] في الأصل: «جزوا».

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 7/ 447- 448.

[ (3)] في الأصل: «و حدثني».

[ (4)] في الأصل: «و حدثني».

[ (5)] انظر: تاريخ بغداد 7/ 448.

[ (6)] في الأصل: «و حدثني».

21

ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها هي [تحت‏] [ (1)] ثني وسادتي. فأتيت أهله، فلما أحسّوا بي أجهشوا بالبكاء. فقلت لهم: هل قال أخي شعرا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة و قرطاس و كتب/ شيئا لا ندري ما هو. قلت: ائذنوا لي أدخل.

قال: فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد، فرفعت وسادة فلم أر شيئا، ثم رفعت أخرى فإذا برقعة فيها مكتوب:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * * * فلقد علمت بأن عفوك أعظم‏

إن كان لا يرجوك إلا محسن‏ * * * فمن الّذي يدعو و يرجو المجرم؟

أدعوك ربّ كما أمرت تضرعا * * * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم‏

ما لي إليك وسيلة إلا الرّجا * * * و جميل عفوك، ثم إني مسلم [ (2

1069- محمد بن خازم، أبو معاوية التميمي. مولى سعد بن زيد مناة

[ (3)].

ولد سنة ثلاث عشرة و مائة، و عمي بعد أربع سنين، و لازم الأعمش عشرين سنة، و كان أثبت أصحابه، و كان يقدّم على الثوري و شعبة، و كان حافظا للقرآن ثقة، لكنه كان يرى رأي المرجئة.

و روى عنه: أحمد و يحيى، و خلق كثير.

و روى عن خلق كثير، إلا أنه كان يضبط حديث الأعمش ضبطا جيدا، و يضطرب في غيره.

حدّثنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن ثابت، أخبرنا أبو رزق، أخبرنا جعفر بن محمد الخالديّ، حدّثنا الحسين بن محمد بن الحسين الكوفي، حدّثني [ (4)] جعفر بن محمد بن الهذيل، حدّثني [ (5)] إبراهيم الصيني قال: سمعت أبا معاوية يقول:

حججت مع جدي أبي و أمي و أنا غلام، فرآني أعرابي فقال لجدي: ما يكون هذا الغلام‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أضفناه من تاريخ بغداد.

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 7/ 449.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 5/ 242- 249.

[ (4)] في الأصل: «و حدثني».

[ (5)] في الأصل: «و حدثني».

22

منك؟ قال: ابني. قال: ليس بابنك. قال: ابن ابنتي. قال: ليكونن له شأن، و ليطأن برجليه هاتين بسط الملوك، قال: فلما قدم الرشيد بعث إليّ، فلما دخلت عليه ذكرت حديث الأعرابي، فأقبلت التمس برجلي البسط فقال: يا أبا معاوية، لم تلتمس البساط برجليك؟ فحدثته الحديث، فأعجب به. قال: و حركني شي‏ء فقلت: يا أمير المؤمنين/ أحتاج إلى الخلاء. فقال للأمين و المأمون: خذا بيد عمكما فأرياه الموضع. فأخذا بيدي فأدخلاني إلى الموضع، فشممت منه رائحة طيبة، فقالا لي: يا أبا معاوية، هذا الموضع، فشأنك، فقضيت حاجتي [ (1)].

قال الخطيب: عن محمد بن فضيل: مات أبو معاوية سنة خمس و تسعين و مائة في آخر صفر أو في أول ربيع الأول [ (2)].

قال المصنف: و كذلك ذكر أبو موسى المدائني و غيره أنه مات في هذه السنة.

و قد روينا عن ابن نمير أنه مات في سنة أربع و الأول أكثر.

1070- الوليد بن مسلم الدمشقيّ، أبو العباس‏

[ (3)].

روى عن الليث بن سعد، و الفضل بن فضالة، و ابن لهيعة، و غيرهم.

و روى عنه: ابن وهب.

و توفي عند انصرافه من الحج في هذه السنة.

____________

[ (1)] انظر: تاريخ بغداد 5/ 242- 243.

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 5/ 249.

[ (3)] انظر ترجمته في: تقريب التهذيب 2/ 336.

23

ثم دخلت سنة ست و تسعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

أن محمدا وجّه إلى المأمون أحمد بن مزيد في عشرين ألفا، و عبد اللَّه بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا، و أمرهما أن يدافعا طاهرا عن حلوان، و كان قد نزلها، فنزل بخانقين، فكان طاهر يبعث العيون إلى عسكريهما، فيأتونهم بالأراجيف، و يحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا، و انتقض أمرهم، و قاتل بعضهم بعضا، فرجعوا من خانقين من غير أن يلقوا طاهرا، و أقام طاهر بحلوان، فأتاه هرثمة بن أعين/ بكتاب المأمون و الفضل بن سهل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن و الكور إليه، و التوجه إلى الأهواز. فسلّم ذلك إليه و مضى إلى الأهواز و أقام هرثمة بحلوان [ (1)].

و في هذه السنة: رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل و قدره، و ذلك أنه لما قتل علي بن عيسى و عبد الرحمن بن جبلة و بشره الفضل بذلك عقد له في رجب من هذه السنة على المشرق طولا و عرضا، و جعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، و سمّاه ذا الرئاستين، و كان على سيفه مكتوب من جانب: رئاسة الحرب، و من جانب: رئاسة التدبير [ (2)].

و فيها: ولّى محمد بن هارون بن عبد الملك بن صالح بن علي الشام، و أمره بالخروج إليها، و فرض له من رجالها جنودا يقال بهم طاهرا و هرثمة، فسار حتى بلغ‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 418- 423.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 424.

24

الرقة، فأقام بها، و أنفذ كتبه و رسله إلى رؤساء أجناد الشام و وجوه الجزيرة، فقدموا عليه، فأجازهم، و خلع عليهم، و حملهم، ثم جرى بين الجند خصومات، فاقتتلوا و تفرقوا [ (1)].

و في هذه السنة: خلع محمد بن هارون، و أخذت عليه البيعة للمأمون ببغداد، و حبس في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن المنصور.

و سبب ذلك: أن عبد الملك بن صالح لما جمع الناس، ثم تفرقوا مات بالرقة، فرد الجند الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان إلى بغداد، و كان ذلك في رجب، فبعث إليه في الليل محمد بن هارون/، فقال للرسول: و اللَّه ما أنا بمعبّر و لا مسامر و لا مضحك و لا وليت له عملا، فأي شي‏ء يريد مني في هذه الساعة؟ إذا أصبحت غدوت إليه إن شاء اللَّه.

فأصبح الحسين، فوافى باب الجسر، و اجتمع إليه الناس، فأمر بإغلاق الباب الّذي يخرج منه إلى قصر عبيد اللَّه بن علي، و باب سوق يحيى، و قال: إن خلافة اللَّه لا تجوز [ (2)] بالبطر، و إن محمدا يريد أن يوتغ [ (3)] أديانكم، و ينكث بيعتكم، و باللَّه إن طالت به مدة ليرجعن وبال ذلك عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، فو اللَّه ما ينصره منكم ناصر إلّا خذل.

ثم أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكة باب خراسان، و اجتمع أهل الأرباض مما يلي باب الشام، و تسرّعت خيول من خيول محمد إلى الحسين، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم كشفهم الحسين، فخلع الحسين بن علي محمدا يوم الأحد لإحدى عشرة من رجب سنة ست و تسعين. و أخذ البيعة لعبد اللَّه المأمون من غد يوم الإثنين إلى الليل، و غدا العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي إلى محمد، فوثب به، و دخل عليه و أخرجه من قصر الخلد إلى قصر أبي جعفر، فحبسه هناك، ثم وثب على أم جعفر، فأمرها بالخروج من قصرها إلى قصر أبي جعفر فأبت، فقنعها بالسوط و سبّها، ثم‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 425- 427.

[ (2)] في الطبري: «لا تجاور».

[ (3)] يوتغ أديانكم: الوتغ- بالتحريك- الهلاك. و يوتغ أديانكم، أي: يهلك أديانكم (لسان العرب: وتغ).

25

أدخلت المدينة مع ابنها، فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق، و هاج الناس بعضهم في بعض، و قام محمد بن أبي خالد بباب الشام و قال:

و اللَّه ما أدري بأي سبب يتأمّر [ (1)] الحسين بن علي علينا، و يتولى [ (2)] هذا الأمر دوننا، و ما هو بأكبرنا سنا، و لا أكرمنا/ حسبا، و إني أوّلكم أنقض عهده، و أظهر التغيّر عليه، فمن كان رأيه معي فليعتزل معي [ (3)].

و قام أسد الحربي فقال: هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم [و طال نومكم‏] [ (4)] فقدم عليكم غيركم، و قد ذهب أقوام بذكر خلع محمد و أسره، و أذهب بذكر فكّه و إطلاقه.

و جاء شيخ كبير فقال: أقطع محمد أرزاقكم؟ قالوا: لا. قال: فهل قصّر بأحد من رؤسائكم؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم خذلتموه! انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عنه [ (5)].

فنهضوا فقاتلوا الحسين بن علي و أصحابه قتالا شديدا، و أسر الحسين و دخل أسد الحربي على محمد، فكسر قيوده، و أقعده [ (6)] في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الجند و لا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من السلاح الّذي في الخزائن حاجتهم، و وعدهم و منّاهم، و انتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحا كثيرا و متاعا، و أتى الحسين بن علي فلامه محمد على خلافه، و قال: أ لم أقدّم أباك على الناس، و أوليه أعنّة الخيل، و أملأ يده بالأموال! قال: بلى: قال: فبم استحققت منك أن تخلع طاعتي، و تندب الناس إلى قتالي. قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين و حسن الظن به. قال: فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، و ولّاك الطلب بثأر أبيك، و من قتل من أهل بيتك.

ثم دعا له بخلعة فخلعها عليه، و ولاه ما وراء بابه، و حمله على مراكب، و أمره‏

____________

[ (1)] في الأصل: «يأمر».

[ (2)] في الأصل: «و يولى هذا».

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 428- 429.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أضفناه من الطبري.

[ (5)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 430.

[ (6)] في الأصل: «و أقعد».

26

بالمسير إلى حلوان، فخرج فوقف على باب الجسر حتى إذا خف الناس قطع الجسر و هرب في نفر من مواليه، فنادى محمد في الناس فركبوا/ في طلبه، فأدركوه.

فلما بصر بالخيل نزل فصلى ركعتين و تحرّم، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم و يقتل فيهم. ثم إن فرسه عثر به فسقط، و ابتدره الناس فقتلوه و أخذوا رأسه. و ذلك في نصف رجب في طريق النهرين [ (1)]، و في الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع، و جددت البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من رجب.

و فيها: توجّه طاهر بن الحسين إلى الأهواز، فخرج عاملها محمد بن يزيد المهلبي يحميها فقتل، و أقام طاهر بالأهواز، و أنفذ عماله إلى كورها. و ولي اليمامة و البحرين و عمان، ثم أخذ على طريق البر متوجها إلى واسط، فدخلها و هرب عاملها، و وجّه قائدا من قواده إلى الكوفة و عليها العباس بن موسى الهادي، فلما بلغ العباس الخبر خلع محمدا، و كتب بطاعته إلى طاهر و بيعته، و كتب منصور بن المهدي و هو عامل البصرة إلى طاهر بطاعته، فنزل حتى طرنايا [ (2)]، و أمر بجسر فعقد، و أنفذت كتبه بالتولية إلى العمال، و بايع المطلب بن عبد اللَّه بن مالك بالموصل للمأمون، فكان خلعهم في رجب، فلما كتبوا بخلعهم محمدا أقرهم المأمون على أعمالهم، و ولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد على مكة و المدينة، و يزيد بن جرير البجلي اليمن، و وجّه الحارث بن هشام إلى قصر ابن هبيرة [ (3)].

و فيها: أخذ طاهر المدائن من أصحاب محمد، ثم صار إلى صرصر، فعقد جسرا، و لما بلغ محمدا أن الحارث و هشاما خلفاه وجّه محمد بن سليمان العابد/ و محمد بن حماد البربري، و أمرهما أن يبيتاهما، فبلغ الخبر إليهما، فوجّه طاهر إليهما

____________

[ (1)] في الأصل: «نهرين».

[ (2)] في الأصل: «حين حرانا».

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 435- 436.

27

مددا، فاقتتلوا، فهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهي [ (1)]، و عبر الفرات، و أخذ علي البريّة إلى الأنبار، و رجع محمد بن حماد إلى بغداد [ (2)].

و فيها: خلع داود بن عيسى عامل مكة و المدينة محمدا، و بايع للمأمون، و أخذ البيعة على الناس، و كتب بذلك إلى طاهر بن الحسين و المأمون، و كان السبب في ذلك: أنه لما أخذ الكتابان من الكعبة جمع داود بن عيسى حجبة الكعبة و القرشيين و الفقهاء و من كان شهد ما في الكتابين، فقال لهم: قد علمتم ما أخذ علينا الرشيد من العهد و الميثاق عند بيت اللَّه الحرام، لنكونن مع المظلوم على الظالم، و قد رأيتم أن محمدا بدأ بالظلم و الغدر و النكث و الخلع و خلع أخويه، و بايع لطفل رضيع لم يفطم، و استخرج الشرطين من الكعبة عاصيا ظالما فحرقهما بالنار، و قد رأيت خلعه و أن أبايع للمأمون إذ كان مظلوما.

فقال له أهل مكة: رأينا تبع لرأيك. فوعدهم صلاة الظهر، و أرسل في فجاج مكة صائحا يصيح: الصلاة جامعة، و ذلك يوم الخميس لسبع و عشرين ليلة خلت من رجب، فخرج فصلى بالناس الظهر، و قد وضع له المنبر بين الركن و المقام، فجلس عليه، و حمد اللَّه تعالى و صلى على رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) و قال: يا أهل مكة، أنتم الأصل، و إلى قبلكم يأتم المسلمون، و قد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد، و قد علمنا أن محمدا بدأ بالظلم و البغي، و قد/ حل لنا و لكم خلعه و أشهدكم أني خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي. ثم خلعها فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، و أتي بقلنسوة فلبسها، ثم قال: قد بايعت لعبد اللَّه المأمون، ألا فقوموا فبايعوه.

فبقوا أياما يبايعونه.

و كتب إلى ابنه سليمان بن داود بن عيسى و هو خليفته على المدينة يأمره [أن‏] [ (3)] يفعل كذلك، فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود رحل إلى المأمون فأعلمه بذلك، فسرّ المأمون و تيمّن ببركة مكة و المدينة، و كتب لداود عهدا على مكة و المدينة

____________

[ (1)] في الأصل: «قرية ساهي».

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 436- 437.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و زدناه من الطبري.

28

و أعمالها، و زيد ولاية عكّ، و كتب له إلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم، و خلع أهل اليمن محمدا و بايعوا للمأمون، ثم عقد محمد في رجب و شعبان نحوا من أربعمائة لواء لقوّاد شتى، و أمّر على جميعهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، و أمرهم بالسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا فالتقوا في رمضان، فهزمهم هرثمة، و أسر علي بن محمد، فبعث به إلى المأمون، و نزل هرثمة النهروان [ (1)].

و فيها: استأمن إلى محمد جماعة من جند طاهر، ففرق فيهم مالا كثيرا، و شغب الجند على طاهر، و كان السبب في ذلك: أن طاهرا أقام بصرصر، و شمّر لمحاربة محمد و أهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتد على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال، و دس محمد إلى رؤساء الجند الكتب بالأطماع، فخرج من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف رجل من أهل/ خراسان و من التف إليهم من الجند، فسرّ بهم محمد، و وعدهم و منّاهم، فمكثوا شهرا، و قوي أصحابه بالمال، فخرجوا إلى طاهر، ثم ولوا منهزمين، و بلغ الخبر محمدا، فأخرج المال، و فرق الصلات، فراسلهم طاهر، و وعدهم و استمالهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة.

ثم قدم طاهر فنزل البستان الّذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة من ذي الحجة، و أكثر لأصحابه العطاء، و أضعف للقواد، و نقب أصحاب السجون و خرجوا، و فتن الناس، و غلب أهل الفساد، و قاتل الأخ أخاه [ (2)].

و حج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى من قبل طاهر، و دعا للمأمون بالخلافة، فهو أول موسم دعي له بالخلافة بمكة و المدينة [ (3)].

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 438- 441.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 438- 444.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 444.

29

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1071- بقية بن الوليد بن صائد بن كعب، أبو محمد الكلاعي البصري [ (1)].

ولد سنة عشر و مائة، و سمع من خلق كثير. و روى عنه: شعبة، و حماد بن زيد، و ابن المبارك، و يزيد بن هارون.

و في أحاديثه مناكير، إلا أن أكثرها عن المجاهيل.

قال ابن المبارك: كان ثقة صدوقا، لكنه كان يكتب عن من أقبل و أدبر.

و قال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق/ [و يتقى [ (2)] حديثه عن مشيخته الذين لا يعرفون، و له أحاديث مناكير جدا.

توفي بقية في هذه السنة. و قيل: في سنة سبع و تسعين و مائة.

1072- حفص بن غياث بن طلق، أبو عمر الكوفي‏

[ (3)].

سمع عبيد اللَّه بن عمر العمري، و هشام بن عروة، و إسماعيل بن أبي خالد، و أبا إسحاق الشيبانيّ، و سليمان الأعمش، و جعفر بن محمد بن علي، و ليث بن أبي سليم، و داود بن أبي هند، و الحسن بن عبد اللَّه، و أشعث بن عبد الملك، و أشعث بن سوار، و ابن جريج، و مسعر بن كدام، و الثوري.

روى عنه: ابنه عمر، و أبو نعيم الفضل بن دكين، و عفان بن مسلم، و أحمد بن حنبل، و ابن معين، و ابن المدني، و أبو خيثمة، و الحسن بن عرفة، و ابن راهويه، و عامة الكوفيين.

و ولي حفص القضاء ببغداد و حدّث بها، ثم عزل و ولي قضاء الكوفة.

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أنبأنا القاضي‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 7/ 123- 127.

[ (2)] الورقة رقم 17/ أ- ب مفقودة من المخطوط، و قد أكملنا هذا النقص من تاريخ بغداد بقدر المستطاع لعدم توافر أي نسخة مخطوطة لهذا الجزء سوى الأصل.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 8/ 188- 200.

30

أبو الطيب طاهر بن عبد اللَّه الطبري، و أبو الحسن أحمد بن عمر بن روح النهرواني- قال طاهر حدّثنا، و قال أحمد أنبأنا- المعافى بن زكريا الجريريّ، حدّثنا محمد بن مخلد بن جعفر العطار، حدّثني أبو علي بن علان، حدّثني يحيى بن الليث قال: باع رجل من أهل خراسان جمالا بثلاثين ألف درهم من مرزبان المجوسي وكيل أم جعفر فمطله بثمنها و حبسه، فطال ذلك على الرجل، فأتى بعض أصحاب حفص بن غياث فشاوره، فقال: اذهب إليه فقل له أعطني ألف درهم و أحيل عليك بالمال الباقي، و أخرج إلى خراسان، فإن فعل هكذا فالقني حتى أشير عليك. ففعل الرجل و أتى مرزبان فأعطاه ألف درهم، فرجع إلى الرجل فأخبره فقال: عد إليه فقل له: إذا ركبت غدا فطريقك على القاضي تحضر و أوكل رجلا يقبض المال و اخرج، فإذا جلس إلى القاضي فادّع عليه ما بقي لك من المال، فإذا أقر حبسه حفص و أخذت مالك. فرجع إلى مرزبان فسأله فقال: انتظرني بباب القاضي. فلما ركب من الغد وثب إليه الرجل فقال:

إن رأيت أن تنزل إلى القاضي حتى أوكل بقبض المال و أخرج، فنزل مرزبان فتقدما إلى حفص‏] [ (1)]./ بن غياث، فقال الرجل: أيّد اللَّه القاضي لي على هذا الرجل تسعة و عشرون ألف درهم، فقال حفص: ما تقول يا مجوسي؟ قال: صدق أصلح اللَّه القاضي. قال: ما تقول يا رجل، قد أقر لك؟ قال يعطيني مالي. قال حفص للمجوسي:

ما تقول؟ فقال: هذا المال على السيدة. قال: أنت أحمق، تقر ثم تقول على السيدة، ما تقول يا رجل!؟ فقال: إن أعطاني مالي و إلا حبسته. قال: ما تقول يا مجوسي؟ قال:

المال على السيدة، قال حفص: خذوا بيده إلى الحبس. فلما حبس بلغ الخبر أم جعفر، فغضبت و بعثت إلى السندي وجّه إليّ مرزبان فأخرجه، و بلغ حفص الخبر فقال: أحبس أنا و يخرج السندي؟ لا جلست مجلسي هذا أو يرد مرزبان إلى الحبس.

فجاء السندي إلى أم جعفر فقال: اللَّه اللَّه فيّ، إنه حفص بن غياث، و أخاف من أمير المؤمنين أن يقول لي: بأمر من أخرجته؟ ردّيه إلى الحبس و أنا أكلم حفصا في أمره، فأجابته فرجع مرزبان إلى الحبس، فقالت أم جعفر لهارون: قاضيك هذا أحمق، حبس وكيلي، فمره لا ينظر في هذا الحكم، و تولي أمره إلى أبي يوسف. فأمر له بالكتاب، و بلغ حفصا الخبر فقال للرجل: أحضر لي شهودا حتى أسجل لك على المجوسي‏

____________

[ (1)] إلى هنا ينتهي الساقط من الأصل و الّذي يتمثل في فقد الورقة رقم 17.

31

بالمال فجلس حفص، فسجل على المجوسي، و ورد كتاب هارون مع خادم له، فقال:

هذا كتاب أمير المؤمنين. فقال: انظر ما يقال لك، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه/ فقال: اقرأ على أمير المؤمنين السلام و أخبره أن كتابه ورد، و قد أنفذ الحكم، فقال الخادم: قد و اللَّه عرفت ما صنعت، ما أردت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد، و اللَّه لأخبرن أمير المؤمنين بما فعلت. فقال حفص: قل له ما أحببت. فجاء الخادم، فأخبر هارون، فضحك و قال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم. فركب يحيى بن خالد و استقبل حفصا منصرفا من مجلس القضاء، فقال: أيها القاضي، قد سررت أمير المؤمنين اليوم، و أمر لك بثلاثين ألف درهم، فما كان السبب في هذا؟ قال: تمم اللَّه نعم أمير المؤمنين، و أحسن حفظه و كلاءته، ما زدت على ما أفعل كل يوم. قال: ما أعلم إلا أني سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه، فقال: فمن هذا سرّ أمير المؤمنين. قال حفص: الحمد للَّه كثيرا. فقالت أم جعفر لهارون: لا أنا و لا أنت، إلا أن تعزل حفصا. فأبي عليها، ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية، و ولاه قضاء الكوفة، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة، و كان أبو يوسف لما ولي حفص قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه و قضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه: أين النوادر [ (1)] التي تكتبها؟ قال:

ويحكم إن حفصا أراد اللَّه فوفقه اللَّه [ (2)].

أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي قال: قرأت على الحسن بن أبي بكر، عن أحمد بن كامل القاضي قال: سمعت محمد بن عثمان يقول: حدّثني أبي قال:

سمعت عمر بن حفص يقول: لما حضرت أبي الوفاة/ أغمي عليه، فبكيت عند رأسه، فأفاق فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لفراقك، و لما دخلت فيه من هذا الأمر- يعني القضاء- قال: لا تبك، فإنّي ما حللت سراويلي على حرام قط، و لا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم منها [ (3)].

____________

[ (1)] في الأصل: «أي النوادر».

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 8/ 191- 193.

[ (3)] انظر: تاريخ بغداد 8/ 190.

32

أنبأنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا أبو سعد ظفر بن الفرح الخفاف، حدّثنا أحمد بن محمد بن يوسف العلاف، أخبرنا الحسين بن يحيى بن عباس قال: وجدت في كتاب أخي علي بن يحيى، أخبرنا العباس بن أبي طالب، أخبرنا الحسن بن علي، حدّثني يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث قال: ولدت أم محمد بن أبي إسماعيل أربع بنين في بطن، قال: فرأيتهم كلهم قد نيفوا على الثمانين.

اخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي البيع، أخبرنا العباس بن أحمد بن موسى أخبرنا أبو علي الطوماري قال: حدّثني عبيد بن غنام قال: حدّثني أبي قال: مرض حفص خمسة عشر يوما فدفع إليّ مائة درهم فقال: امض بها إلى العامل و قل له: هذه رزق خمسة عشر يوما لم أحكم فيها بين المسلمين لا حظ لي فيها [ (1)].

توفي حفص بن غياث سنة ست و تسعين و مائة. كذا قال الفلاس، و محمد بن المثنى.

و قال خليفة بن خياط، و محمد بن سعد: سنة أربع و تسعين.

و قال عبيد اللَّه بن الصباح: سنة تسع و تسعين.

و قال سلم بن جنادة: سنة خمس و تسعين [ (2)].

1073- عبد اللَّه بن مرزوق،/ أبو محمد الزاهد.

زعم أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي أنه كان وزير الرشيد، فخرج من ذلك و تخلى من ماله و تزهد، و كان كثير البكاء، شديد الحزن.

أخبرنا إسماعيل بن أحمد، حدّثنا أبو بكر بن محمد بن هبة اللَّه الطبري، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ابن صفوان، أخبرنا عبد اللَّه بن محمد القرشي قال:

حدّثني [ (3)] محمد بن إدريس قال: حدّثنا [ (4)] عبد اللَّه بن السري قال: حدّثني سلامة

____________

[ (1)] انظر: تاريخ بغداد 8/ 190- 191.

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 8/ 200.

[ (3)] في الأصل: «و حدثني».

[ (4)] في الأصل: «و حدثني».

33

قاضي عبد اللَّه بن مرزوق في مرضه، حدّثنا سلامة قال: قال عبد اللَّه بن مرزوق: يا سلامة، إن لي إليك حاجة. قلت: و ما هي؟ قال: تحملني فتطرحني على تلك المزبلة لعلي أموت عليها، فيرى مكاني فيرحمني.

1074- محمد بن زين بن سليم، أبو الشيص الشاعر

[ (1)].

انقطع إلى عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي، و كان أميرا على الرقة، فمدحه [في‏] [ (2)] أكثر شعره، و كان أبو الشيص سريع الخاطر، الشعر عليه أهون من شرب الماء.

روى أبو بكر الأنباري، عن أبيه، عن أحمد بن عبيد قال: اجتمع مسلم بن الوليد، و أبو نواس، و أبو الشيص، و دعبل في مجلس، فقالوا: لينشد كل منكم أجود ما قال من الشعر، فقال رجل كان معهم: اسمعوا مني أخبركم بما ينشد كل منكم قبل أن ينشد. قالوا: هات. فقال لمسلم: أما أنت فكأني بك قد أنشدت:

إذا ما علت منّا ذؤابة واحد * * * و إن كان ذا حلم دعته إلى الجهل‏

هل العيش إلا أن تروح مع الصّبى‏ * * * و تغدو صريع الكأس و الأعين النجل‏

قال: و بهذا البيت لقب «صريع الغواني» لقبه به الرشيد./ فقال له مسلم:

صدقت.

ثم أقبل على أبي نواس فقال له: و كأني بك قد أنشدت:

لا تبك ليلى و لا تطرب إلى هند * * * و اشرب على الورد من حمراء كالورد

تسقيك من عينها خمرا و من يدها * * * خمرا فما لك من سكرين من بدّ

فقال له: صدقت.

ثم أقبل على دعبل فقال له: كأني بك و قد أنشدت:

أين الشباب و أيّة سلكا * * * لا أين يطلب ضلّ بل هلكا

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: الأغاني 16/ 432- 441.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: زدناه ليستقيم المعنى.

34

لا تعجبي يا سلم من رجل‏ * * * ضحك المشيب برأسه فبكى‏

فقال له: صدقت، ثم أقبل على أبي الشيص فقال له: كأني بك قد أنشدت:

لا تنكري صدّي و لا إعراضي‏ * * * ليس المقلّ عن الزمان براضي‏

فقال له: لا، ما أردت [أن‏] [ (1)] أنشد هذا، و ليس هذا بأجود شي‏ء قلته. قالوا:

فأنشدنا ما بدا لك. فأنشدهم:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي‏ * * * متأخر عنه و لا متقدم‏

أجد الملامة في هواك لذيذة * * * حبا لذكرك فليلمني اللوم‏

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم‏ * * * إذ كان حظي منك حظّي منهم‏

و أهنتني فأهنت نفسي صاغرا * * * يا من أهون عليك ممن أكرم‏

[ (2)] فقال أبو نواس: أحسنت و اللَّه و جوّدت.

و عمي أبو الشيص في آخر عمره.

1075- معاذ بن معاذ، أبو المثنى البصري العنبري‏

[ (3)].

ولد سنة تسع عشرة و مائة، و سمع سليمان التيمي، و شعبة، [و] [ (4)] الثوري، و غيرهم.

روى عنه: أحمد بن حنبل، و يحيى بن معين،/ و أبو خيثمة، و غيرهم. و ولي قضاء البصرة، و كان من الأثبات في الحديث.

و قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا إلا و قد تعلق عليه شي‏ء من الحديث إلا معاذ العنبري، فإنّهم ما قدروا أن يتعلقوا عليه في شي‏ء من الحديث مع شغله بالقضاء [ (5)].

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: زدناه ليستقم المعنى.

[ (2)] الأغاني 16/ 435.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 13/ 131- 134.

[ (4)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (5)] انظر: تاريخ بغداد 13/ 132.

35

توفي معاذ بالبصرة في ربيع الآخر من هذه السنة، و هو ابن سبع و سبعين سنة.

1076- هاشم بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، يكنى: أبا بكر.

مدبغي، كان من ساكني الكوفة، فقدم قاضيا على مصر من قبل الأمين في جمادى الآخرة سنة أربع و تسعين، و كان يذهب مذهب أبي حنيفة.

توفي في محرم هذه السنة.

36

ثم دخلت سنة سبع و تسعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

أن القاسم بن الرشيد، و منصور بن المهدي خرجا من العراق، فلحقا بالمأمون، فوجّه المأمون القاسم إلى جرجان [ (1)].

و فيها: حاصر طاهر و هرثمة و زهير [ (2)] بن المسيب محمد بن هارون ببغداد.

و صفة ما جرى: أن زهير [ (3)] بن المسيب نزل قصرا بكلواذى، و نصب المجانيق و العرادات، و حفر الخنادق، و جعل يخرج في الأيام [ (4)] عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي بالعرادات من أقبل و أدبر، و يعشر أموال التجار، و بلغ من الناس كل مبلغ، فشكوا ذلك إلى طاهر/، و بلغ هرثمة ذلك فأمده بالجنود، و سكت الناس، و نزل هرثمة نهر بين، و جعل عليه حائطا و خندقا و أعد المجانيق و العرادات، و أنزل عبد اللَّه بن الوضاح الشماسية، و نزل طاهر البستان بباب الأنبار، فانزعج لذلك الأمين، و نفد ما كان عنده، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، و ضرب آنية الذهب و الفضة دنانير و دراهم، و كان فيمن استأمن إلى طاهر: سعيد بن مالك بن قادم مولى ناجية، فولاه ناحية البغيّين و الأسواق هنالك، و شاطئ دجلة، و وكل بطريق دار الرقيق و باب الشام واحدا بعد واحد، و كثر الخراب و الهدم حتى درست محاسن بغداد، و أرسل طاهر إلى الأرباض من‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 445.

[ (2)] في الأصل: «زهر بن المسيب».

[ (3)] في الأصل: «زهر بن المسيب».

[ (4)] في الأصل: «من الأيام».

37

طريق الأنبار و باب الكوفة و ما يليها، فكل ناحية أجابه أهلها خندق عليهم، و وضع مسالحه، و من أبى قاتله و أحرق منزله، فذلت الأجناد و تواكلت عن القتال، و بقي أهل السجون و الأوباش و الرعاع و الطرّارين [ (1)]، و كان حاتم بن الصقر قد أباحهم النهب [ (2)].

و خرج من أصحاب طاهر رجل من أصحاب النجدة و البأس، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقابلنا إلا من أرى استهانة بهم. فقالوا: نعم، هؤلاء هم الآفة. فقال: أفّ لكم حين تنكصون عن هؤلاء، و لا عدّة لهم. فأوتر قوسه و تقدم، فقصده أحدهم و في يده باريّة مقيّرة، و تحت/ إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيّار، فيأخذه من باريته فيجعله في موضع من البارية قد هيأه لذلك كالجعبة و يصيح: دانق، أي هذا ثمن النشابة. فأنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بالسيف، فأخرج العيار حجرا من مخلاته فجعله في مقلاع و رماه، فما أخطأ عينه، ثم ثناه بآخر فكاد يصرعه عن فرسه، فكرّ راجعا و هو يقول: ليس هؤلاء بإنس، فحدّث طاهرا بهذا فضحك و أعفاه من القتال و قال في هذا بعض شعراء بغداد:

خرّجت هذه الحروب رجالا * * * لا لقحطانها و لا لنزار

معشرا في جواشن الصّوف يغدون‏ * * * إلى الحرب كالأسود الضّواري‏

و عليهم مغافر الخوص تجزيهم‏ * * * عن البيض و التّراس البواري‏

ليس يدرون ما الفرار إذا الأبطال‏ * * * عاذوا من القنا بالفرار

واحد منهم يشدّ على‏ * * * ألفين عريان ما له من إزار

و يقول الفتى إذ طعن الطعنة * * * : خذها من الفتى العيّار

كم شريف قد أخملته و كم قد * * * رفعت من مقامر طرّار [ (3

و لم يزل طاهر [ (4)] يصاير محمدا و جنده حتى ملّ أهل بغداد، فاستأمر إلى طاهر خلق‏

____________

[ (1)] الطرّ: الخلس (القاموس).

[ (2)] تاريخ الطبري 8/ 445- 448.

[ (3)] في الأصل: «رفعت من مقامر عيار» و ما أثبتناه من تاريخ الطبري.

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 457- 458.

38

من أصحاب محمد و قواده، فلما استأمن محمد بن عيسى صاحب شرطة محمد استأمن محمد/.

و في هذه السنة: منع طاهر الملاحين و غيرهم من إدخال شي‏ء إلى بغداد إلا من كان في عسكره منهم و وضع الرصد عليهم بسبب ذلك.

و كان السبب في فعله هذا: أن أصحابه نيل منهم بالجراح، فأمر بالهدم و الإحراق، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة و دار الرقيق و باب الشام و باب الكوفة، إلى الصراة و أرجاء أبي جعفر و ربض حميد و نهر كرخايا و الكناسة، و جعل يحوي كل ناحية و يخندق عليها، فلما رأى أنهم لا يحفلون بالقتل و الهدم و الحرق أمر بمنع التجار أن يجوزوا بشي‏ء من الدقيق و غيره من المنافع، فغلت الأسعار، و اشتد الحصار و فرح من خرج، و تأسف من أقام [ (1)].

ثم كانت بعد وقعات منها: وقعة بالكناسة، باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها خلق كثير من أصحاب محمد [ (2)].

و منها وقعة بدرب الحجارة، كانت على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير [ (3)].

و منها: وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة، و كان هرثمة ينزل نهر بين، و عليه حائط و خندق، و قد أعدّ المجانيق و العرادات، و قد أنزل عبيد اللَّه بن الوضاح الشماسية، و كان يخرج أحيانا فيقف بباب خراسان ساعة، ثم ينصرف، و كان حاتم بن الصقر من أصحاب محمد، و كان قد واعد أصحابه/ العراة العيّارين أن يوافوا عبد اللَّه بن الوضاح ليلا، فمضوا إليه مفاجأة، و أوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، فانهزم، و بلغ هرثمة [الخبر] [ (4)]، فأقبل لنصرته، فأسر هرثمة، فضرب بعض أصحابه يد من أسره فقطعها، فتخلص، فانهزم. و بلغ خبره أهل عسكره، فخرجوا هاربين نحو حلوان، ثم قام بنصرة طاهر، فرجع إلى مكانه، و هرب عبد اللَّه بن خازم بن خزيمة من بغداد إلى‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 459- 461.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 461- 463.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 463- 464.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

39

المدائن في السفن بعياله و ولده، فأقام بها، و لم يحضر القتال. و قيل: بل كاتبه طاهر و حذّره قبض ضياعه و استئصاله، فحذره من الفتنة و سلم.

و تضايق على محمد أمره، و نفد ما كان عنده، و طلب الناس الأرزاق، فقال:

وددت أن اللَّه قتل الفريقين جميعا، هؤلاء يريدون مالي و أولئك يريدون نفسي. و ضعف أمره، و أيقن بالهلاك [ (1)].

و حج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك [ (2)].

و كان عامل مكة في هذه السنة: داود بن عيسى [ (3)].

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1077- شعيب بن حرب، أبو صالح المديني‏

[ (4)].

سمع شعبة، و الثوري، و زهير بن معاوية.

و روى عنه: أحمد بن حنبل و غيره. و كان من الثقات العلماء العبّاد الآمرين بالمعروف،/ المدققين في طلب الحلال.

أخبرنا [أبو] [ (5)] منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت، أخبرنا البرقاني قال:

قرأت على أبي حفص الزيات، حدثكم أحمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت أبا حمدون المقرئ، و اسمه: طيب بن إسماعيل يقول: ذهبنا إلى المدائن إلى شعيب بن حرب، كان قاعدا على شط دجلة، و كان قد بنى كوخا، و خبز له معلق، و إنما كان جلدا

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 464- 471.

[ (2)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 471.

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 471.

[ (4)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 9/ 238- 242.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

40

و عظما، قال: فقال: أرى ها هنا بعد لحما، و اللَّه لا علم في دورنا به حتى أدخل إلى القبر [ (1)] و أنا عظام تقعقع، أريد السمن للدود و الحيات؟

قال: فبلغ أحمد بن حنبل قوله فقال: شعيب بن حرب حمل على نفسه في الورع [ (2)].

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، أخبرنا رزق اللَّه، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، أخبرنا ابن صوفان، أخبرنا ابن أبي الدنيا، أخبرنا إبراهيم بن عبد الملك قال:

جاء رجل إلى شعيب بن حرب و هو بمكة فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أؤنسك. قال:

جئت تؤنسني و أنا أعالج الوحدة منذ أربعين سنة.

قال ابن أبي الدنيا: و حدّثني الحسن بن الصباح قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: لا تجلس إلا مع أحد رجلين: رجل يعلمك خيرا فتقبل منه، أو رجل تعلمه خيرا فيقبل منك. و الثالث اهرب منه.

أخبرنا ابن ناصر، أخبرنا عبد القادر بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن علي الخياط، أخبرنا ابن أبي الفوارس، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم، أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، أخبرنا المروزي قال: سمعت عبد الوهاب يقول: كان ها هنا قوم خرجوا إلى المدائن إلى شعيب بن حرب، فما رجعوا إلى دورهم، و لقد أقام/ بعضهم لم يستق الماء، و كان شعيب يقول لبعضهم الّذي يستقي الماء: لو رآك سفيان لقرت عينه.

قال المصنف رحمه اللَّه: كان شعيب قد اعتزل الناس و أقام بالمدائن يتعبد، ثم خرج إلى مكة، فتوفي بها بعلة البطن في هذه السنة. و قيل في سنة تسع و تسعين.

1078- عبيد بن وهب بن مسلم، أبو محمد، مولى لقريش.

ولد في ذي القعدة سنة خمس و عشرين و مائة، و طلب العلم و هو ابن سبع عشرة سنة.

أخبرنا أبو القاسم، أخبرنا حمد بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني، أخبرنا

____________

[ (1)] في تاريخ بغداد: «و اللَّه لأعلمن في ذوبانه حتى أدخل القبر».

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 9/ 240- 241.

41

أبي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدّثنا أحمد بن سعيد الهمدانيّ قال: دخل ابن وهب الحمام فسمع قارئا يقرا: وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ [ (1)] فسقط مغشيا عليه، فغسلت عنه النورة و هو لا يعقل.

أخبرنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحاكم قال: سمعت أبا إسحاق المزكي يقول: سمعت محمد بن المسيب يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: كتب الخليفة إلى عبد اللَّه بن وهب في قضاء مصر، فجنن نفسه و لزم البيت، فاطلع عليه رشدين بن سعد من السطح فقال:

يا أبا محمد، ألا تخرج للناس فتحكم بينهم كما أمر اللَّه و رسوله، قد جننت نفسك، و لزمت البيت. فال: إني ها هنا انتهى عقلك، أ لم تعلم أن القضاء يحشرون يوم القيامة مع السلاطين و يحشر العلماء مع الأنبياء!؟

توفي عبد اللَّه بمصر في شعبان هذه السنة.

1079- عبد الرحمن بن مسهر بن عمر- و قيل: عمير- أبو الهيثم الكوفي‏

[ (2)].

حدّث عن هشام بن عروة و غيره. و هو/ قاضي جبّل.

أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني الأزهري قال:

أخبرني ابن عروة و غيره، أخبرنا عبيد اللَّه بن عثمان بن يحيى، أخبرنا الحسين الأصفهاني قال: أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني [ (3)] محمد بن يزيد الضرير قال:

حدّثني [ (4)] عبد الرحمن بن مسهر قال: ولّاني أبو يوسف القاضي القضاء بجبّل، و بلغني أن الرشيد ينحدر إلى البصرة، فسألت أهل جبّل أن يثنوا عليّ، فوعدوني أن يفعلوا ذلك إذا انحدر، فلما قرب منا سألتهم الحضور، فلم يفعلوا و تفرقوا، فلما آيسوني من أنفسهم سرحت لحيتي و خرجت له، فوقفت فوافى و أبو يوسف معه في الحراقة، فقلت:

يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضي جبل، قد عدل فينا و فعل و صنع، و جعلت أثنى‏

____________

[ (1)] سورة: غافر، الآية: 47.

[ (2)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 10/ 238- 239.

[ (3)] في الأصل: «و حدثني».

[ (4)] في الأصل: «و حدثني».

42

على نفسي، و رآني أبو يوسف فطأطأ رأسه و ضحك، فقال له الرشيد: مم ضحكت؟

فقال: المثنى على القاضي هو القاضي. فضحك هارون حتى فحص برجليه و قال: هذا شيخ سخيف سفلة فاعزله، فعزلني. فلما رجع جعلت أختلف إليه و أسأله أن يوليني قضاء ناحية أخرى، فلم يفعل. فحدثت الناس عن مجالد، عن الشعبي أن كنية الدجال: أبو يوسف، و بلغه ذلك، فقال: هذه بتلك، فحسبك و صر إليّ حتى أوليك ناحية أخرى. ففعل، و أمسكت عنه.

قال يحيى: عبد الرحمن بن مسهر ليس بشي‏ء.

و قال النسائي: هو متروك الحديث/.

1080- عثمان بن سعيد، أبو سعيد، الملقب: ورش‏

[ (1)].

روى عن نافع القراءة، و هو من أعلام أصحابه، توفي في هذه السنة.

1081- وكيع بن الجراح [ (2)] بن عدي بن فرس بن جمحة، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي‏

[ (3)].

ولد سنة تسع و عشرين و مائة، و قيل سنة ثمان.

و سمع إسماعيل بن أبي خالد، و هشام بن عروة، و الأعمش، و ابن عون، و ابن جريج و الأوزاعي، و سفيان و خلقا كثيرا.

و حدّث و هو ابن ثلاث و ثلاثين، فروى عنه ابن المبارك، و قتيبة، و أحمد، و يحيى. و أحضره الرشيد ليوليه القضاء فامتنع.

أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا الجوهري، أخبرنا علي بن محمد بن لؤلؤ، حدّثنا محمد بن سويد الزيات، أخبرنا أبو يحيى الناقد، أخبرنا محمد بن خلف التيمي قال: سمعت وكيعا يقول: أتيت الأعمش فقلت: حدّثني: فقال لي: ما اسمك؟ قلت: وكيع. فقال: اسم نبيل، و ما أحسب إلا سيكون لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رؤاس. قال: أين من منزل‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: إرشاد الأريب 5/ 33. و غاية النهاية 1/ 502.

[ (2)] في الأصل: «وكيع بن الحسين بن الجراح». و ما أثبتناه من جميع المصادر التي ترجمت له.

[ (3)] انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 13/ 496- 512.

43

الجراح بن مليح؟ قلت: ذاك أبي، و كان أبي على بيت المال. قال: اذهب فجئني بعطائي و تعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث. قال: فجئت أبي فأخبرته، فقال: خذ نصف العطاء و اذهب به، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر فاذهب به حتى تكون عشرة. قال: فأتيته بنصف عطائه، فأخذه فوضعه في كفه، ثم سكت/، فقلت:

حدّثني. فقالت: اكتب. فأملى علي حديثين. قال: قلت: وعدتني خمسة. قال: فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا، و لم يعلم أن الأعمش قد شهد الوقائع، اذهب و جئ بتمامها كلها و تعال أحدثك خمسة أحاديث. قال: فجئته فحدثني بخمسة.

قال: فكان إذا كان كل شهر جئته بعطائه فحدثني بخمسة أحاديث [ (1)].

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا الأزهري، حدّثنا عبيد اللَّه بن عثمان الزيات، حدّثنا علي بن محمد المصري قال: حدّثني [ (2)] عبد الرحمن بن حاتم المرادي قال: حدّثني [ (3)] أسد بن عفير قال: حدّثني رجل من أهل هذا الشأن من أهل المروة و الأدب قال: جاء رجل إلى وكيع فقال له: إني أمتّ إليك بحرمة. قال: و ما حرمتك؟ قال: كنت تكتب من محبرتي في مجلس الأعمش. قال:

فوثب وكيع فأخرج له من منزله صرة فيها دنانير و قال: أعذرني، فإنّي ما أملك غيرها [ (4)].

حدّثنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي، حدّثنا عبيد اللَّه بن محمد بن محمد بن حمدان، أخبرنا محمد بن أيوب بن المعافى قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ذكر يوما وكيعا فقال: ما رأت عيني مثله قط، يحفظ الحديث جيدا، و يذاكر بالفقه فيحسن، مع ورع و اجتهاد، و لا يتكلم في أحد [ (5)].

أخبرنا أبو منصور بن خيرون، أخبرنا إسماعيل بن مسعدة، أخبرنا حمزة بن‏

____________

[ (1)] انظر، تاريخ بغداد 13/ 498- 499.

[ (2)] في الأصل: «و حدثني».

[ (3)] في الأصل: «و حدثني».

[ (4)] انظر: تاريخ بغداد 13/ 500.

[ (5)] انظر: تاريخ بغداد 13/ 504- 505.

44

يوسف، أخبرنا أبو أحمد بن عدي/ قال: قال يحيى بن معين، حدّثنا قتيبة، حدّثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللَّه، إن رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) لما مات لم يدفن حتى ربا بطنه و انتشرت خنصراه. قال قتيبة: حدث بهذا الحديث وكيع و هو بمكة، و كانت سنة حج فيها الرشيد فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة، و عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فأما عبد المجيد فقال: يجب أن يقتل هذا، فإنه لم يرو هذا إلا و في قلبه غش للنّبيّ ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ).

فسأل الرشيد سفيان بن عيينة فقال: لا يجب عليه القتل رجل سمع حديثا فرواه، لا يجب عليه القتل، إن المدينة شديدة الحر، توفي النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلّم ) يوم الاثنين، فنزل إلى قبره ليلة الأربعاء لأن القوم كانوا في صلاح أمة محمد ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و اختلفت قريش و الأنصار، فمن ذلك تغيّر.

قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر له فعل عبد المجيد قال: ذلك رجل جاهل، سمع حديثا لم يعرف وجهه، فتكلم بما تكلم.

توفي وكيع بفيد في هذه السنة و هو ابن ست و ستين سنة.

45

ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و مائة

فمن الحوادث فيها:

استئمان خزيمة بن خازم إلى طاهر بن الحسين، و مفارقته محمدا [ (1)].

و سبب ذلك: أن طاهرا كتب إلى خزيمة، فشاور/ من يثق به، فقالوا: نرى و اللَّه أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا عن قليل، فاحتل لنفسك و لنا. فكتب إلى طاهر بطاعته، و كتب طاهر بن محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك، فلما كان ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم وثب خزيمة و محمد بن علي بن عيسى بن ماهان على جسر دجلة فقطعاه، و ركبا أعلامهما عليه، و خلعا محمدا و دعوا للمأمون، و غدا طاهر يوم الخميس على المدينة الشرقية و أرباضها و الكرخ و أسواقها، و هدم قنطرتي الصراة العتيقة و الحديثة، و اشتد عندهما القتال، و باشر طاهر القتال بنفسه، فهزم أصحاب محمد و دخل قسرا، و أمر مناديه فنادى: الأمان لمن لزم منزله. و وضع بقصر الوضاح و سوق الكرخ و الأطراف قوادا و جندا، و قصدوا مدينة أبي جعفر فأحاط بها و بقصر زبيدة و قصر الخلد و رمى، فخرج محمد بأمه و ولده مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق إلى مدينة أبي جعفر، و تفرق عنه عامة أصحابه و خصيانه [ (2)] و جواريه إلى السكك و الطرق لا يلوي أحد منهم على أحد، و تفرق الغوغاء و السفلة، و أمر ببسطه و مجالسه أن تحرق فأحرقت [ (3)].

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 472.

[ (2)] في الأصل: «و خطيانه» و التصحيح من تاريخ الطبري 8/ 474.

[ (3)] تاريخ الطبري 8/ 472- 474.

46

و في هذه السنة: قتل محمد بن هارون، و ذلك أنه لما تيقن محمد أنه لا عدة له للحصار، و خاف أن يظفر به و بأصحابه صار إليه حاتم بن الصقر، و محمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي و قواده، فقالوا: قد آلت حالك/ و حالنا إلى ما ترى، و قد رأينا رأيا نعرضه عليك فانظر فيه، فإنا نرجو أن يكون صوابا. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، و أحاط بك عدوك من كل جانب، و قد بقي من خيلك معك ألف فرس، فنرى أن تختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء مع ألف رجل، و نخرج ليلا من هذه الأبواب حتى نلحق بالجزيرة و الشام، فتفرض [الفروض‏] [ (1)] و تجبي الخراج، و تصير في مملكة واسعة، و يسارع إليك الناس. فقال: نعم ما رأيتم. و اعتزم على ذلك.

فخرج الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، و إلى محمد بن عيسى بن نهيك، و إلى السندي بن شاهك: و اللَّه لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، و لا يكون لي همّة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد فقالوا: قد بلغنا الّذي عزمت عليه، و لسنا نأمن الذين تخرج معهم أن يأخذوك أسيرا و يأخذوا رأسك، فيتقربوا بك.

فأضرب عما كان عزم عليه، و مال إلى طلب الأمان، فلما اشتد الحصار عليه فارقه سليمان بن أبي جعفر، و إبراهيم بن المهدي، و محمد بن عيسى بن نهيك، و لحقوا جميعا بعسكر المأمون، و قال له السندي: بادر بنا إلى هرثمة، و اخرج ليلا، فغضب طاهر، و أراد أن يخرج إليه. فقيل له يخرج إلى هرثمة لأنه يأنس به، و يدفع إليك الخاتم و القضيب و البردة. فقيل لطاهر: هذا مكر منه، و إن الخاتم و القضيب و البردة تحمل معه إلى هرثمة/.

فاغتاظ و كمن حول القصر كمينا بالسلاح، و ذلك ليلة الأحد لخمس مضين من المحرم سنة ثمان و أربعين و مائة، و ذلك لخمس و عشرين من أيلول.

فلما أراد الخروج استسقى ماء، فلم يوجد له، فدعا بولديه فضمهما إليه و قبلهما

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أضفناه من الطبري 8/ 478.

47

و قال: أستودعكما اللَّه. و جعل يمسح دموعه، و لبس ثياب الخلافة، و ركب يريد هرثمة، و بين يديه شمعة. فلما انتهى إلى دار الحرس قال لخادمه: اسقني من جباب الحرس.

فناوله كوزا، فعافه لزهوكته [ (1)]، فلم يشرب منه، فلما أن سار في الحراقة [ (2)] خرج طاهر و أصحابه فرموا الحراقة بالسهام و الحجارة فانكبت الحراقة، فغرق محمد و من كان فيها، فشق محمد ثيابه و سبح حتى عبر، فصار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بن حميد الطاهري، فصاح بأصحابه، فنزلوا فأخذوه، فبادر محمد الماء، فأخذوا بساقيه، ثم حمل على برذون و ألقي عليه إزار من أزر [ (3)] الجند غير مفتول، و حمل إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، و كان بباب الكوفة، و أردف رجل خلفه ليلا يسفط كما يفعل بالأسير [ (4)].

و قيل إنه عرض على الذين أخذوه مائة حبة، كل حبة قيمتها مائة ألف، فأبوا أن يتركوه، و جاء الخبر بذلك إلى طاهر بن الحسين، فدعا مولى له يقال له: قريش الدّندانيّ، فأمره بقتل محمد، فلما انتصف الليل فتح الدار قوم من العجم، بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائما/ و قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ [ (5)] ذهبت و اللَّه نفسي في سبيل اللَّه، أما من حيلة، أما من مغيث!؟ [ (6)] فلما وصلوا إليه أحجموا عن الإقدام، و جعل بعضهم يقول لبعض: تقدم. فأخذ محمد بيده وسادة و جعل يقول: ويحكم، إني ابن عم رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلّم )، و ابن هارون، و أخو المأمون، اللَّه اللَّه في دمي. فدخل عليه رجل يقال له: حميرويه [ (7)]- غلام لقريش الدنداني- فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه، و ضرب وجهه بالوسادة التي كانت في يده، و دخل جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، و ركبوه فذبحوه ذبحا من قفاه، و أخذوا رأسه، فمضوا به إلى طاهر، و تركوا جثته، فنصب طاهر الرأس‏

____________

[ (1)] في الأصل: «لشهوكته». و الزهوكة: الرائحة الكريهة.

[ (2)] الحراقة: نوع من السفن بها مرامي للنيران.

[ (3)] في الأصل: «إزار».

[ (4)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 478- 483.

[ (5)] سورة: البقرة، الآية: 156.

[ (6)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 486- 487.

[ (7)] في الطبري: «خمارويه».

48

على رمح على برج حائط البستان الّذي يلي باب الأنبار، و فتح باب الأنبار، و تلى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ‏ [ (1)].

و خرج من أهل بغداد من لا يحصى عدده ينظر إليه، ثم بعث برأسه إلى المأمون مع الرداء و القضيب و البردة، فأمر له بألف ألف دينار، فأدخل ذو الرئاستين الرأس [ (2)] بيده على ترس إلى المأمون، فلما رآه سجد، و أعطى طاهر بعد قتل محمد الناس كلهم الأمان، و هدأ الناس، و دخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس و خطبهم، و حض على الطاعة و لزوم الجماعة، و انصرف إلى معسكره. [ (3)]

و في هذه السنة: وثب الجند بعد مقتل محمد بخمسة أيام بطاهر، و شهروا السلاح، و نادوا: يا منصور./ فهرب منهم طاهر، و تغيّب أياما حتى أصلح أمرهم.

و كان السبب أنه لم يكن عنده مال، فضاق به الأمر فهرب، و انتهب بعض متاعه، و مضى إلى عقرقوف [ (4)]، و تهيأ لقتالهم بمن معه من القواد، فأتوه و اعتذروا، و أحالوا على السفهاء و الأحداث، و سألوه الصفح عنهم، فأمر لهم برزق أربعة أشهر، و كان قد أمر بحفظ أبواب المدينة، و باب القصر على أم جعفر، و موسى، و عبد اللَّه ابني محمد، ثم أمر بتحويل زبيدة و موسى و عبد اللَّه معها من قصر أبي جعفر إلى الخلد، فحوّلوا ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، ثم أمر بحمل موسى و عبد اللَّه إلى عمهما. [ (5)]

و في هذه السنة: ورد كتاب المأمون بعد قتل محمد على طاهر و هرثمة بخلع القاسم بن هارون، فأظهرا ذلك، و وجها كتبهما به، و قرئ الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأوّل.

و في هذه السنة بويع للمأمون البيعة العامة.

____________

[ (1)] سورة: آل عمران، الآية: 26.

[ (2)] في الأصل: «فأدخل الرأس ذو الرئاستين».

[ (3)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 486- 488.

[ (4)] في الأصل: «عاقرقوف»

[ (5)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 495- 496.

49

باب ذكر خلافة المأمون [ (1)]

و اسمه: عبد اللَّه بن هارون الرشيد، و كان يكنى أبا العباس في أيام الرشيد، و كان في خلافته تكنّى بأبي جعفر تفاؤلا بكنية المنصور و الرشيد في طول العمر.

ولد ليلة استخلف الرشيد في ربيع الأول سنة سبعين، و كان أبيض، أقنى، أعين، جميلا، طويل اللحية، قد وخطه/ الشيب، ضيّق الجبهة، بخده خال أسود يعلوه صفرة، ساقاه دون سائر جسده صفراوين كأنهما طليا بالزعفران، و أمّه أمة اسمها مراجل، ماتت بعد ولادته بقليل، فسلمه الرشيد إلى سعيد الجوهري، و كان من زمن صغره فطنا ذكيا.

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي [بن ثابت‏] [ (2)] الخطيب قال: أخبرني الأزهري قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: قال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون و هو في حجر سعيد الجوهري. قال: فأتيته يوما و هو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه [ (3)] يعلمه بمكاني، فأبطأ عليّ، ثم وجهت آخر فأبطأ عليّ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة و تأخر. فقال: أجل، و مع هذا إذا فارقك عزم على خدمه، و لقوا منه أذى شديدا، فقومه بالأدب، فلما خرج أمرت‏

____________

[ (1)] انظر: تاريخ الطبري 8/ 527. و تاريخ بغداد 10/ 183- 192.

و من هنا تبدأ النسخة ت في هذا الجزء.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ت: «فوجهت إليه بعد خدمه».

50

بحمله فضربته سبع درر. قال: فإنه ليدلك عينه من البكاء [ (1)] إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلا، فمسح عينيه، و جمع ثيابه، و قام إلى فراشه، فقعد عليه متربعا و قال: ليدخل. فدخل، فقمت إلى المجلس، و خفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجهه و حدثه حتى أضحكه، و ضحك إليه، فلما همّ بالحركة دعي بدابته، و أمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت فقال: خذ عليّ ما بقي من جزئي، فقلت: أيها الأمير، أطال اللَّه بقاءك، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، و لو فعلت/ ذلك لتنكر لي. فقال: أ تراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه أني أحتاج إلى أدب [ (2)]، أدّب يغفر اللَّه لك بعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا، و لو عدت كل يوم مائة مرة [ (3)].

و روى الطالقانيّ قال: قال الرشيد لأبي معاوية الضرير و هشيم: إني أسمع من ابني هذا- يعني المأمون- كلاما لست أدري أمن تلقين القيم عليه هو أم من قريحة؟

فادخلا إليه، فناظراه و أسمعا منه، و أخبراني بما تقفان عليه. فدخلا عليه و هو في أثواب صباه، فقالا له: إن أمير المؤمنين أمرنا بالدخول عليك و مناظرتك، فأي العلوم أحب إليك؟ قال: أمتعها لي. قالا: و ما أمتعها لك. قال: أثبتها عن ثقة، و أقربها من أفهام مستمعيها. فقال له هشيم: جئناك لنعلمك فتعلمنا. ثم أخبرا الرشيد فقالا: إن هذا شي‏ء أوله لحقيق أن يرجى آخره، ثم أعتق عنه مائة عبد و أمة، و ألزمها خدمته.

و بلغنا أن أم جعفر عاتبت الرشيد على تقريبه المأمون دون ابنها محمد، فدعا خادما بحضرتها، و قال له: وجّه إلى عبد اللَّه و محمد خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة: ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؟. فأما محمد فقال للخادم الّذي مضى إليه: أقطعك و أوليك و أبلغ لك. و أما المأمون فرمى الخادم بالدواة و قال: يا ابن اللخناء تسلني ما أفعل بك بموت أمير المؤمنين؟ بل نكون جميعا فداء له. فرجع بالخبر/ كل منهما. فقال لأم جعفر: كيف ترين ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك و تركا

____________

[ (1)] في الأصل: «بالبكاء».

[ (2)] في الأصل: «أحتاج إلى أدب أدّب».

[ (3)] انظر: تاريخ بغداد 10/ 184- 185.

51

للجزع، و قد كان المأمون يعنى بالعلم قبل ولايته كثيرا حتى جعل لنفسه مجلس نظر.

أخبرنا ابن ناصر قال أخبرنا أبو الحسين بن أيوب قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو علي الطوماري قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفهم قال: حدّثنا يحيى بن أكثم قال: كان المأمون قبل تقلده الخلافة يجلس للنظر، فدخل يهودي حسن الوجه، طيب الرائحة، حسن الثوب، فتكلم فأحسن الكلام، فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم. قال: أسلم حتى أفعل لك و أصنع. فقال:

ديني و دين آبائي فلا تكشفني. فتركه، فلما كان بعد سنة جاءنا و هو مسلم، فتكلم في الفقه [ (1)]، فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال: أ لست صاحبنا؟

قال: نعم. قال: أي شي‏ء دعاك إلى الإسلام، و قد كنت عرضته عليك فأبيت؟ قال:

إني أحسن الخط، فمضيت فكتبت ثلاث نسخ من التوراة، فزدت فيها و نقصت و أدخلتها الكنيسة، فبعتها، فاشتريت. قال: و كتبت ثلاث نسخ من الإنجيل، فزدت فيها و نقصت فأدخلتها إلى البيعة فاشتريت مني. قال: و عمدت إلى القرآن فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها و نقصت، و أدخلتها إلى الوراقين، فكلما تصفحوها قرءوا الزيادة و النقصان و رموا بها، فعلمت أن هذا الكتاب محفوظ، فكان سبب إسلامي.

قال يحيى بن أكثم: فحججت فرأيت سفيان/ بن عيينة فحدثته بهذا الحديث فقال لي: مصداق هذا في كتاب اللَّه عز و جل. قلت: في أي موضع؟ قال: في قوله عز و جل في التوراة و الإنجيل: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [ (2)] فجعل حفظه إليهم فضاع. و قال اللَّه عز و جل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ [ (3)].

فحفظه اللَّه تعالى علينا فلم يضع.

أخبرنا القزاز [ (4)] قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا الحصين بن أبي بكر قال: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الشافعيّ قال: حدّثنا عمر بن حفص السدوسي قال:

____________

[ (1)] في الأصل: «فتكلم علي للفقه».

[ (2)] سورة: المائدة، الآية: 44.

[ (3)] سورة: الحجر، الآية: 9.

[ (4)] في ت: «أخبرنا القرآن».

52

حدّثنا محمد بن يزيد قال: استخلف المأمون في المحرم سنة ثمان و تسعين [و مائة] [ (1)]، و قد سلّم عليه بالخلافة قبل ذلك ببلاد خراسان نحو سنتين، و خلع أهل خراسان و غيرها محمد بن هارون [ (2)].

فصل‏

و لما استوثق الأمر للمأمون ولى الحسن بن سهل كل ما افتتحه طاهر بن الحسين من كور الجبال و فارس و الأهواز و الكوفة و البصرة و الحجاز و اليمن، و كتب المأمون إلى طاهر بتسليم جميع ما في يده من الأعمال في البلدان إلى خلفاء الحسن بن سهل، و ولّاه الموصل و الجزيرة و الشام و المغرب، فقدم علي بن سعيد الوراق خليفة الحسن بن سهل على خراجها، فدافع طاهر عليا بتسليم الخراج إليه حتى وفّى الجند أرزاقهم، ثم سلم إليه العمل.

ذكر طرف من أخبار المأمون و سيرته‏

كان المأمون يحفظ القرآن، و قد سمع الحديث/ من مالك بن أنس، و حماد بن زيد، و هشيم، و غيرهم، و كان له حظ من علوم كثيرة، و أسند الحديث.

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرني الخلال قال:

حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد بن يعقوب قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللَّه الوكيل قال: حدّثنا القاسم بن محمد بن عباد قال: سمعت أبي يقول: لم يحفظ القرآن من الخلفاء إلا عثمان و المأمون، و كان المأمون يقرأ القرآن كثيرا، فروى عنه ذو الرئاستين أنه ختم في رمضان ثلاثة و ثلاثين ختمة، و كان يحفظ الحديث و يرويه.

أنبأنا محمد بن ناصر [ (3)] قال: أنبأنا عبد اللَّه بن أحمد السمرقندي قال: أنبأنا

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] انظر: تاريخ بغداد 10/ 183- 184.

[ (3)] في الأصل: «أنبأنا أبو منصور القزاز قال: أنبأنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرني الخلال قال: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن يعقوب قال: أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه قال: أنبأنا محمد بن ناصر.