المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج16

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
295 /
3

[المجلد السادس عشر]

ثم دخلت سنة ثمان و أربعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه في مستهل المحرم عقد عميد الملك [أبو نصر] [ (1)] الكندري وزير طغرلبك على هزارسب بن بكير بن عياض الكردي ضمان البصرة و الأهواز و أعمال ذلك لهذه السنة بثلاثمائة ألف دينار سلطانية، و أطلقت يده، و أذن في ذكر اسمه في الخطبة بالأهواز.

[عقد الجسر من مشرعة الحطابين إلى مشرعة الرواية]

و في المحرم: ابتدئ بعقد الجسر من مشرعة الحطابين إلى مشرعة الرواية زيد في زوارقه [ (2)] لعلو الماء، فعصفت [ (3)] ريح شديدة، فقطعت الجسر فانحدرت زوارقه [ (4)] إلى الدباغين، و انحل الطيار المربوط بباب الغربة، و تكسر سكانه، و تشعثت آلاته.

و في هذه السنة: عم ضرر العسكر بنزولهم في دور الناس و ارتكابهم المحظورات، فأمر الخليفة رئيس الرؤساء باستدعاء الكندري، و أن يخاطبه في ذلك، و يحذره العقوبة فإن اعتمد السلطان ما أوجبه اللَّه تعالى و إلا فليسا عدنا في النزوع عن هذه المنكرات، فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري، فحضر فشرح له ما جرى، [فمضى إلى السلطان فشرح له الحال‏] [ (5)] فقال إنني غير قادر على تهذيب العساكر لكثرتهم، ثم استدعاه‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «زواريقه».

[ (3)] في الأصل: «و عفت».

[ (4)] في الأصل: «زواريقه».

[ (5)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

4

في بعض الليل فقال: إني نمت في بعض الليل [ (1)] و قد تداخلتني الخشية للَّه تعالى مما 2/ ب ذكرت لي فنمت [ (2)] فرأيت شخصا وقع/ في نفسي أنه رسول اللَّه ( ( صلّى اللَّه عليه و سلم ))و كأنه واقف عند باب [ (3)] الكعبة، فسلّمت عليه فلم يلتفت نحوي، و قال: يحكمك اللَّه في بلاده و عباده فلا تراقبه فيهم، و لا تستحي من جلاله، فامض إلى الديوان و انظر ما يرسمه أمير المؤمنين لأطيع. فأنهى رئيس الرؤساء الحال فخرج التوقيع [متضمنا] [ (4)] للبشارة [ (5)] برؤية سيدنا [ (6)] رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فلما وصل إلى السلطان بكى و أمر بإزالة الترك، و إطلاق من و كل به.

[ابتداء السلطان طغرلبك ببناء سور عريض‏]

و في هذه السنة: ابتدأ السلطان طغرلبك ببناء سور عريض، دخل فيه قطعة كثيرة من المخرم، و عزم على بناء دار فيها، و جمع الصنّاع لتجديد دار المملكة العضدية، و خربت الدور و الدروب و المحال و الأسواق بالجانب الشرقي، و جميع ما يقارب الدار، و أخذت آلاتها للاستعمال، و نقضت دور الأتراك، و سلت أخشابها بالجانب الغربي، و قلع الفقراء أخشاب السدور و باعوه على الخبازين و الفراشين.

[عقد الخليفة القائم بأمر اللَّه على خديجة بنت أخي طغرلبك‏]

و في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم: عقد للخليفة القائم بأمر اللَّه على خديجة بنت أخي السلطان طغرلبك، على صداق مبلغه مائة ألف دينار، و حضر قاضي القضاة أبو عبد اللَّه الدامغانيّ، و أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، و رئيس الرؤساء أبو القاسم ابن المسلمة، و هو الّذي خطب، ثم قال: إن رأى سيدنا و مولانا أمير المؤمنين أن ينعم بالقبول فعل. فقال: قد قبلنا هذا النكاح بهذا الصداق. فلما دخل شهر شعبان 3/ أ مضى ابن المسلمة إلى/ السلطان، و قال له أمير المؤمنين: يقول لك إن اللَّه [تعالى‏] [ (7)] يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها [ (8)] و قد أذن في نقل الوديعة الكريمة إلى‏

____________

[ (1)] «في بعض الليل»: سقطت من ص.

[ (2)] «فنمت»: سقطت من ص.

[ (3)] «باب»: سقطت من ص.

[ (4)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (5)] في الأصل: «بالبشارة».

[ (6)] «سيدنا» سقطت من ص، ت.

[ (7)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (8)] سورة: النساء، الآية: 58.

5

العزيزة، فقال: السمع و الطاعة. و مضت والدة الخليفة إلى دار المملكة، و أرسلت خاتون بورودها، فانحدرت بها و دخلا باب الغربة وقت العتمة، و دخل معها عميد الملك فقبّل الأرض، و قال: الخادم ركن الدين قد امتثل المراسم العالية في حمل الوديعة، و سأل فيها كرم الملاحظة و اجتناب الضيعة. ثم انصرفوا فقبّلت الجهة الأرض دفعات عدة، فأدناها إليه، و قرّبها منه، و أجلسها معه [ (1)] إلى جنبه، و طرح عليها فرجية منظومة [ (2)] بالذهب، و تاجا مرصعا بالجوهر، و أعطاها من الغد [ (3)] مائة ثوب ديباجا و قصبا مذهبا، و طاسة من ذهب قد نبت فيها الياقوت و الفيروزج، و أفرد لها من إقطاع دجلة اثني عشر ألف دينار.

و في هذا الوقت غلت الأسعار، فبلغ الكر الحنطة- و قد كان يساوي نيفا و عشرين دينارا- تسعين دينارا، و تعذر التبن حتى كان يباع الكساء من التبن بعشرة قراريط، و انقطعت الطريق من القوافل للنهب المتدارك، و كان أهل النواحي يجيئون بأموالهم مع الخفر فيبيعونها ببغداد مخافة النهب، و لحق الفقراء و المتجملين من معاناة الغلاء ما كان سببا للوباء و الموت حتى دفنوا بغير غسل و لا تكفين، و كان الناس يأكلون الميتة، و بيع اللحم رطلا بقيراط، و أربع دجاجات بدينار، و نصف قفيز أرز بدينار، و مائة كراثة بدينار، و مائة أصل خس بدينار، و عدمت الأشربة [ (4)] فبلغ المن من الشراب/ دينارا، 3/ ب و المكوك من بزر البقلة سبعة دنانير، و السفرجلة، و الرمانة دينارا، و الخيارة و النيلوفرة دينارا، و اغبر الجو، و فسد الهواء، و كثر الذباب، و وقع الغلاء و الموت بمصر أيضا، و كان يموت في اليوم ألف نفس، و عظم ذلك في رجب و شعبان، حتى كفن السلطان من ماله ثمانية عشر ألف إنسان، و حمل كل أربعة و خمسة في تابوت، و باع عطار في يوم ألف قارورة فيها شراب، و عمّ الوباء و الغلاء مكة، و الحجاز، و ديار بكر، و الموصل، و خراسان، و الجبال، و الدنيا كلها.

____________

[ (1)] «معه» سقطت من ص، ت.

[ (2)] في الأصل: «مطمومة».

[ (3)] في ص: «من غد».

[ (4)] في الأصل: «الأدوية».

6

و ورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور، فوجدوا عند الصباح موتى: أحدهم على باب النقب، و الثاني على رأس الدرجة، و الثالث على الثياب المكورة.

و في هذه السنة: تقدم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن ابن المسلمة بأن تنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج لذلك أهلها، و كان يجتهد في أذاهم و إنما كان يدفع منهم عميد الملك الكندري.

[هبوب ريح شديدة]

و فيها: هبت ريح شديدة، و ارتفعت معها سحابة ترابية فأظلمت الدنيا، فاحتاج الناس في الأسواق إلى السرج.

و فيها: احتسب أبو منصور بن ناصر السياري [ (1)] على أهل الذمة، و ألزمهم لبس الغيارات و العمائم المصبوغات، و ذلك عن أمر السلطان، فصرفت ذلك عنهم خاتون و منعت المحتسب.

و في العشر الثاني من جمادى الآخرة: ظهر [ (2)] في وقت السحر ذؤابة بيضاء طولها في رأي العين نحو عشرة أذرع، في عرض نحو الذراع، و مكثت على هذه الحال إلى 4/ أ النصف من رجب، ثم اضمحلت، و كانوا يقولون/ انه طلع مثل هذا بمصر فملكت، و كذلك بغداد لما طلع هذا ملكت و خطب فيها للمصريين.

و في عشية يوم الثلاثاء سلخ رمضان: خرج الناس لترائي هلال شوال فلم يروه، و صلى الناس التراويح على عادتهم و نووا صوم غدهم، فلما كان بكرة يوم الأربعاء جاء الشريف أبو الحسين بن المهتدي المعروف: بالغريق الخطيب، و قد لبس سواده و سيفه و منطقته، و وراءه المكبرون لابسين السواد على هيئته إلى جامع دار الخلافة فرآه مغلقا، ففتحه و دخل و قال: اليوم يوم العيد، و قد رئي الهلال البارحة بباب البصرة، و رام الصلاة فيه، و جمع الناس به، و عرف رئيس الرؤساء الخبر فغاظه ذلك، و أحفظه أن لم يحضر الديوان العزيز و يطالعه بما كان و ما تجدد في رؤية الهلال، فراسله و استحضره‏

____________

[ (1)] في الأصل: «البساسيري».

[ (2)] في الأصل: «جمادى الآخرة: هبت ظهر ...».

7

فامتنع و قال: حتى أصلي و أعيد ثم نكفي إلى الديوان، فروجع و أحضر و أنكر عليه إقدامه على فتح الجامع و هو مغلق، و قد علم أنه لا خبر للناس من هذا الأمر محقق، و قال له: قد كان يحبب أن تحضر الديوان العزيز، و تنهى الحال ليحيط به العلم الشريف، و يتقدم فيما يوجبه و يقتضيه. و أغلظ له فيما خاطبه فاعتذر، و قال: ما فعلت مما فعلته إلا ثقة بنفسي، و بعد أن وضحت [ (1)] الصورة عندي، و كان قد حضرني البارحة ثمانية أنفس من جيراني أثق بقولهم فشهدوا عندي جميعا بمشاهدة الهلال، فقطعت بذلك و حكمت [ (2)] و أفطرت و أفطر الناس في باب البصرة، و خرجوا اليوم [ (3)] قاصدين/ جامع المدينة، و لم أعلم أن هذا لم يشع، فحضرت و أنكرت كون الجامع مغلقا، ثم 4/ ب جاء قوم فشهدوا برؤية الهلال.

فقال رئيس الرؤساء لقاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغانيّ: ما عندك في هذا؟

فقال: أما مذهب أبي حنيفة الّذي هو مذهبي فلا تقبل مع صحو السماء، و جواز ما يمنع من مشاهدة الهلال إلا قول العدد الكثير الّذي يبلغ مائتين، و أما مذهب الشافعيّ رضي اللَّه عنه [ (4)] [الّذي‏] هو مذهب [هذا] [ (5)] الشريف فإنه يقطع بشهادة اثنين في مثل هذا.

و طولع الخليفة بالحال، فأمر بالنداء أن لا يفطر أحد، فأمسك من كان أكل، و كان والد القاضي أبي الحسين قد مضى إلى جامع القطيعة فصلى بالناس و عيّد، و كذلك في جامع الحربية و لم يعلموا [ (6)] بما جرى.

و في هذه السنة: أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، و مشهد العتيقة، و مساجد الكرخ: «بالصلاة خير من النوم»، و أزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان «حي على خير العمل» و قلع جميع ما كان على أبواب الدور و الدروب من «محمد و علي خير البشر» و دخل إلى الكرخ منشدو أهل السنة من باب البصرة، فأنشدوا الأشعار في مدح‏

____________

[ (1)] في المطبوعة: «وضعت».

[ (2)] في الأصل: «و حرمت».

[ (3)] في الأصل: «و خرجوا الناس».

[ (4)] «رضي اللَّه عنه» سقطت من ص.

[ (5)] ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.

[ (6)] في الأصل: «و لم يعلم».

8

الصحابة، و تقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد اللَّه بن الجلاب شيخ البزازين بباب الطاق، لما كان [ (1)] يتظاهر به من الغلو في الرفض، فقتل و صلب على باب دكانه، و هرب أبو جعفر الطوسي، و نهبت داره.

و تزايد الغلاء، فبيع الكر الحنطة بمائة و ثمانين دينارا، و الكارة الخشكار [ (2)] الرديئة بسبعة دنانير، و أتى البساسيري الموصل، فخطب بها للمصري، فاستدعى عميد 5/ أ الملك [ (3)] محمد بن النسوي، و تقدّم إليه بإخراج أبي الحسن [ (4)]/ بن عبيد كاتب البساسيري و قتله، و كان قد أسلم في الحبس ظنا أن ذلك ينجيه، فقتل.

[سير طغرلبك من بغداد يطلب الموصل‏]

و في هذه السنة: سار طغرلبك من بغداد يطلب الموصل، و قد استصحب النجارين و عمل العرادات و المجانيق، و كانت مدة مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهرا و ثلاثة عشر يوما، و اجتهد به الخليفة أن يقيم فلم يقم، و خرج بعسكره فنهبوا أوانا، و عكبرا، و جميع البلاد، و سبوا نساءها، و نهبت تكريت، و حوصرت القلعة، و عمّ الغلاء جميع الآفاق حتى بلغ الكر الحنطة مائة و تسعين دينارا، و زاد ذلك في المعسكر فبيع الخبز رطل بنصف دانق، و عاد ابن فسانجس إلى واسط و معه الديلم، و خطب للمصري، و ورد محمود بن الأخرم الخفاجي من مصر و معه مال، فخطب بشفاتا، و عين التمر، و بالكوفة [ (5)] للمصري، و كذلك فعل شداد بن أسد [ (6)] في النيل، و سورا.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3330- الحسن [ (7)] بن عبد الواحد بن سهل بن خلف، أبو محمد

[ (8)].

____________

[ (1)] في الأصل: «بما كان».

[ (2)] في الأصل: «الكشكار».

[ (3)] في الأصل: «أمين الملك».

[ (4)] في الأصل: «أبي الحسين».

[ (5)] في الأصل: و الكوفة».

[ (6)] في الأصل: «شداد بن الحسين».

[ (7)] في الأصل: «الحسين».

[ (8)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 7/ 344).

9

ولد في سنة ثمان [ (1)] و سبعين و ثلاثمائة، سمع من ابن حبابة، و الدارقطنيّ، و المخلص، و غيرهم، و كان صدوقا. توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.

3331- الحسين بن جريش بن أحمد بن علي بن يعقوب، أبو عبد اللَّه الكاتب‏

[ (2)]:

ولد سنة تسع و ستين و ثلاثمائة، و كان يذكر أن أصله من الكرخ، و أنه من ولد أبي دلف العجليّ، سمع المخلص، و يوسف بن عمر القواس، و غيرهما، و كان سماعه صحيحا/، و توفي في هذه السنة.

5/ ب‏

3332- بدر بن جعفر بن الحسين بن علي، أبو الحسن العلويّ [ (3)] من ساكني الكوفة.

كتب عنه أبو بكر الخطيب و قال: كان صدوقا.

توفي في ذي الحجة من هذه السنة.

3333- عبد الملك بن محمد بن محمد بن سلمان [ (4)]، أبو محمد العطار

[ (5)].

سمع أبا الحسن بن لؤلؤ، و ابن المظفر، و كان صدوقا.

و توفى في ذي الحجة من هذه السنة.

3334- علي بن أحمد بن علي [ (6)] بن سلك، أبو الحسن [ (7)] المؤدب، المعروف: بالفالي‏

[ (8)].

____________

[ (1)] في الأصل: «ثلاث».

[ (2)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 8/ 40، و فيه: الحسين بن حريش- بالحاء).

[ (3)] العلويّ: بفتح العين المهملة و اللام المخففة، و في آخرها الواو. هذه النسبة إلى أربعة ممن اسمهم علي أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. و الثاني المنسوب إلى بطن من الأزد يقال لهم بنو علي بن ثوبان. و الثالث من ولد علي بن سود، و الرابع من بني مدلج (الأنساب 9/ 41).

[ (4)] في ت: «بن سليمان».

[ (5)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 10/ 434).

[ (6)] في الأصل: «علي بن أحمد بن أحمد بن علي ...»

و في ت: «علي بن محمد بن علي ...»

[ (7)] «أبو الحسن» سقطت من ت.

[ (8)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 69. و شذرات الذهب 3/ 278. و تاريخ بغداد 11/ 334.

و الأنساب للسمعاني 9/ 233. و الكامل 8/ 335).

10

من أصل بلدة فالة قريبة من إيذج، أقام بالبصرة مدة، و سمع بها من أبي عمر بن عبد الواحد الهاشمي و غيره [ (1)]، و قدم بغداد فاستوطنها، و كان ثقة.

أنشدنا محمد بن ناصر الحافظ قال: أنشدنا أبو زكريا التبريزي قال: أنشدني أبو الحسن [ (2)] الفالي من لفظه لنفسه:

لما تبدلت المجالس أوجها * * * غير الذين عهدت من علمائها

و رأيتها محفوفة بسوى الألى‏ * * * كانوا ولاة صدورها و فنائها

أنشدت بيتا سائرا متقدما * * * و العين قد شرقت بجاري مائها

أما الخيام فأنها كخيامهم‏ * * * و أرى نساء الحي غير نسائها

و أنشد لنفسه:

تصدر للتدريس كل مهوس‏ * * * بليد يسمى بالفقيه المدرس‏

فحق لأهل العلم ان يتمثلوا * * * ببيت قديم شاع في كل مجلس‏

لقد هزلت حتى بدا من هزالها * * * كلاها و حتى سامها كل مفلس‏

قال أبو زكريا: وجدت بخط الفالي لنفسه و كان قد باع «الجمهرة لابن دريد» فندم بعد ذلك.

6/ أ/

أنست بها عشرين حولا و بعتها * * * لقد طال وجدي بعدها و حنيني‏

و ما كان ظني أنني سأبيعها * * * و لو خلدتني في السجون ديوني‏

و لكن لضعف و افتقار و صبية * * * صغار عليهم تستهل جفوني‏

فقلت و لم أملك سوابق عبرتي‏ * * * مقالة مكويّ الفؤاد حزين‏

لقد تخرج الحاجات يا أم مالك‏ * * * ذخائر من رزء بهن ضنين‏

[ (3)] توفى الفالي في ذي القعدة من هذه السنة، و دفن بمقبرة جامع المنصور.

____________

[ (1)] «و غيره» سقطت من ص، ت.

[ (2)] في الأصل: «أبو الحسين».

[ (3)] في الأصل: «من دبّ بهن طنين».

11

3335- فاطمة بنت القادر باللَّه‏

[ (1)].

أخت القائم [ (2)] [بأمر اللَّه‏] [ (3)] توفيت في هذه السنة، فأخرج تابوتها و تابوت الذخيرة أبي العباس بن القائم، و صلى الخليفة عليهما في صحن السلام، و جلس رئيس الرؤساء في الطيار مع التابوتين، و حملا إلى الرصافة، و حضر في العزاء عدد لا يتجاوزون الأربعين [ (4)] لخلو البلد، و انقراض الناس بالموت و الفقر.

3336- محمد بن أيوب، أبو طالب، الملقب: عميد الرؤساء

[ (5)].

و مولده سنة سبعين و ثلاثمائة كتب للخليفة ست عشرة سنة.

و توفي عن ثمان و سبعين سنة.

3337- محمد بن أحمد بن علي، أبو طاهر الدقاق، يعرف: بابن الأشناني‏

[ (6)].

سمع من أبي عمر بن مهدي، و ابن الصلت، و أبي عبد اللَّه بن دوست، و كان ثقة، و مات يوم السبت للنصف من صفر هذه السنة.

3338- محمد بن الحسن [ (7)] بن عثمان بن عمر، أبو طاهر الأنباري‏

[ (8)].

قدم بغداد في سنة ثلاث و تسعين [ (9)] و ثلاثمائة، و سمع من الحسين بن/ هارون 6/ ب الضبي، و أبي عبد اللَّه بن دوست [ (10)]، و كان صدوقا.

و توفي في النصف من ربيع الأول من هذه السنة.

____________

[ (1)] «باللَّه» سقطت من ص.

[ (2)] في الأصل: «أخت القائم».

[ (3)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، ت.

[ (4)] في المطبوعة: «أربعين».

[ (5)] انظر ترجمته في: (الأعلام 6/ 46. و سير أعلام النبلاء- الطبقة الرابعة و العشرون. و ديوان مهيار 1/ 256، 276، 309، 2/ 200، 204).

[ (6)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 1/ 324).

[ (7)] في ت: «محمد بن الحسين».

[ (8)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 2/ 22).

[ (9)] في تاريخ بغداد: «ثلاث و سبعين».

[ (10)] في الأصل: «دوشت».

12

3339- محمد بن الحسين [ (1)] بن عثمان بن الحسن، أبو بكر الهمذاني الصيرفي‏

[ (2)].

سمع الدارقطنيّ، و ابن حبابة، و لم يكن به بأس. و توفي في هذه السنة.

3340- محمد بن الحسين بن محمد بن سعدون، أبو طاهر البزاز الموصلي‏

[ (3)].

ولد بالموصل [ (4)] نشأ ببغداد و سمع من ابن حيويه، و أبي بكر بن شاذان، و الدارقطنيّ، و ابن بطة، و غيرهم، و كان صدوقا.

و توفي في جمادى الأولى [ (5)] من هذه السنة.

3341- محمد بن عبد الملك بن محمد بن بشران‏

[ (6)].

سمع محمد بن المظفر، و أبا عمر ابن حيويه، [و الدارقطنيّ، و غيرهم و كان صدوقا.

و توفي في جمادى الأولى من هذه السنة، و دفن في مقبرة باب حرب.

3342- محمد بن عبد الواحد بن الصباغ‏

[ (7)]:

سمع من ابن شاهين و غيره‏] [ (8)] و كان ثقة فاضلا، درس فقه الشافعيّ على أبي حامد الأسفراييني، و كانت له حلقة للفتوى في جامع المدينة. و شهد عند قاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغانيّ.

و توفي في ذي القعدة من هذه السنة، و دفن بمقبرة باب الدير.

____________

[ (1)] في الأصل: «الحسن».

[ (2)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 2/ 255).

[ (3)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 2/ 255 و شذرات الذهب 3/ 278. و الكامل 8/ 336).

[ (4)] «ولد بالموصل» سقطت من ص، و المطبوعة.

[ (5)] في تاريخ بغداد: «ربيع الأول بمصر».

[ (6)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 278).

[ (7)] هذه الترجمة سقطت من ص، الأصل، و ذلك بتداخلها مع الترجمة السابقة، كما هو واضح من وضع المعقوفتين، فقد سقط ما بين المعقوفتين من الأصل، ص، و أثبتناه من ت.

انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 2/ 362. و البداية و النهاية 12/ 70. و الكامل 8/ 336).

[ (8)] ما بين المعقوفتين سقط من ص، الأصل كما سبق الإشارة إلى ذلك.

13

هلال بن المحسن‏

بن إبراهيم بن هلال، أبو الحسين [ (1)] الكاتب الصابي صاحب «التاريخ» [ (2)].

ولد سنة تسع و خمسين، و سمع أبا علي الفارسيّ، و علي بن عيسى الرماني، و غيرهما، و كان صدوقا و جدّه أبو إسحاق الصابي صاحب «الرسائل» و كان أبوه المحسن صابئا، فأما هو فأسلم متأخرا، و كان قد سمع من العلماء في حال كفره، لأنه كان يطلب الأدب.

و توفي في رمضان هذه السنة.

ذكر سبب إسلامه‏

/ أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ [ (3)]، حدثنا الرئيس أبو علي محمد بن سعيد بن 7/ أ نبهان [ (4)] الكاتب قال: قال هلال بن المحسن: رأيت في المنام سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلم )قد وافى إلى موضع منامي [ (5)]، و الزمان شتاء، و البرد شديد، و الماء جامد، فأقامني [ (6)] فارتعدت حين رأيته، فقال: لا ترع، فإنّي رسول اللَّه، و حملني إلى بالوعة في الدار عليها دورق خزف و قال: توضأ وضوء الصلاة. فأدخلت يدي في الدورق فإذا الماء جامد، فكسرته و تناولت من الماء ما أمررته على وجهي و ذراعي و قدميّ، و وقف في صفة و صلى و جذبني إلى جانبه و قرأ الحمد، و إذا جاء نصر اللَّه و الفتح، و ركع و سجد، و أنا أفعل مثل فعله، و قام ثانيا و قرأ الحمد و سورة لم أعرفها، ثم سلّم، و أقبل عليّ و قال: أنت رجل عاقل محصل، و اللَّه يريد بك خيرا فلم تدع الإسلام الّذي قامت عليه الدلائل و البراهين، و تقيم على ما أنت عليه؟ هات يدك و صافحني، فأعطيته يدي فقال: قل أسلمت وجهي للَّه، و أشهد أن اللَّه الواحد الصمد الّذي لم يكن له‏

____________

[ (1)] في ت: «أبو الحسن».

[ (2)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 14/ 76. و تاريخ آداب اللغة لجرجي زيدان 2/ 323. و وفيات الأعيان 6/ 101: 105. و معجم المطبوعات 1179. و نزهة الألباء 423.

و الأعلام 8/ 92، و البداية و النهاية 12/ 70. و شذرات الذهب 3/ 278).

[ (3)] «الحافظ» سقطت من ص، ت.

[ (4)] في الأصل: «بن شهاب».

[ (5)] في ص: «مقامي».

[ (6)] في ص: «فأقعدني».

14

صاحبة و لا ولد، و أنك يا محمد رسوله إلى عباده بالبيّنات و الهدى. فقلت ذاك، و نهض و نهضت، فرأيت نفسي قائما في الصفة، فصحت صياح الانزعاج و الارتياع، فانتبه أهلي و جاءوا، و سمع أبي فقال: ما لكم [ (1)]؟ فصحت به فجاءوا، و أوقدنا المصباح و قصصت عليهم قصتي، فوجموا إلا أبي فإنه تبسم، و قال: ارجع إلى فراشك، 7/ ب فالحديث يكون عند الصباح و تأملنا [ (2)]/ الدورق، فإذا الجمد الّذي فيه متشعث بالكسر، و تقدم والدي إلى الجماعة بكتمان ما جرى، و قال: يا بني، هذا منام صحيح، و بشرى محمودة، إلا أن إظهار هذا الأمر فجأة، و الانتقال من شريعة إلى شريعة يحتاج إلى مقدمة و أهبّة، و لكن اعتقد ما وصيت به، فإنني معتقد مثله، و تصرف في صلاتك و دعائك على أحكامه، ثم شاع الحديث، و مضت مدة فرأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم ثانيا على دجلة في مشرعة باب البستان، و قد تقدمت إليه و قبّلت يده فقال: ما فعلت شيئا مما وافقتني عليه و قررته معي؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه، أ لم أعتقد ما أمرتني به، و تصرفت في صلاتي و دعائي على موجبة؟ فقال: لا، و أظن أن قد بقيت في نفسك شبهة، تعال.

و حملني إلى باب المسجد الّذي في المشرعة، و عليه رجل خراساني نائم على قفاه و جوفه كالغرارة المحشوة من الاستسقاء، و يداه و قدماه منتفختان، فأمرّ يده على بطنه و قرأ عليه فقام الرجل صحيحا معافى. فقلت: صلى اللَّه عليك يا رسول اللَّه فما أحسن تصديق أمرك و أعجز فعلك [ (3)]. و انتبهت.

فلما كان في سنة ثلاث و أربعمائة رأيت في بعض الليالي كأن رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلم )راكبا على باب خيمة كنت فيها، فانحنى على سرجه حتى أراني وجهه، فقمت إليه [ (4)] و قبّلت ركابه و نزل [ (5)] فطرحت له مخدة و جلس، و قال: يا هذا، كم آمرك بما أريد فيه الخير لك 8/ أ و أنت تتوقف عنه. قلت [ (6)]: يا مولاي، أما أنا متصرف عليه؟ قال: بلى/، و لكن لا

____________

[ (1)] في الأصل: «مالك».

[ (2)] في الأصل: «و تأملت».

[ (3)] في الأصل: «فما أصدق أمرك و أعجب فعلك».

[ (4)] «إليه» سقطت من ص، ت.

[ (5)] في الأصل: «و نعله».

[ (6)] في الأصل: «فقلت».

15

يغني الباطن الجميل مع الظاهر القبيح، و أن تراعي أمرا فمراعاتك اللَّه أولى، قم الآن و افعل ما يجب و لا تخالف. قلت: السمع و الطاعة.

فانتبهت و دخلت إلى الحمام و مضيت [ (1)] إلى المشهد و صليت فيه، و زال عني الشك، فبعث إلي فخر الملك فقال: ما الّذي بلغني؟ فقلت: هذا أمر كنت أعتقده و أكتمه، حتى رأيت البارحة في النوم كذا و كذا. فقال: قد كان أصحابنا يحدثوني أنك كنت تصلي بصلاتنا، و تدعو بدعائنا و حمل إليّ دست ثياب و مائتي دينار فرددتهما و قلت: ما أحب أن أخلط بفعلي شيئا من الدنيا، فاستحسن ما كان مني و عزمت أن أكتب مصحفا فرأى بعض الشهود رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلم )في المنام و هو يقول له: تقول لهذا المسلم القادم نويت أن تكتب مصحفا، فاكتبه، فيه يتم إسلامك.

قال و حدثتني امرأة تزوجتها بعد إسلامي قالت: لما اتصلت بك قيل لي انك على دينك الأول فعزمت على فراقك، فرأيت في المنام رجلا قيل انه رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلم )و معه جماعة قيل هم الصحابة، و رجل معه سيفان قيل [ (2)] انه علي بن أبي طالب، و كأنك قد دخلت فنزع علي أحد السيفين فقلدك إياه و قال: ها هنا ها هنا. و صافحك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلم، فرفع أمير المؤمنين رأسه إليّ و أنا انظر [ (3)] من الغرفة فقال: ما ترين إلى هذا؟ هو أكرم عند اللَّه و عند رسوله منك و من كثير من الناس،/ و ما جئناك إلا لنعرفك موضعه، 8/ ب و نعلمك أننا زوجناك به تزويجا صحيحا فقري عينا و طيبي نفسا فما ترين إلا خيرا.

فانتبهت و قد زال عني كل شك و شبهة.

قال أبو علي بن نبهان في أثر هذا الحديث عن جده لأمه أبي الحسن الكاتب: ان النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلم )قال له في المرة الثالثة: و تحقيق رؤياك إياي أن زوجتك حامل بغلام، فإذا وضعته فسمه محمدا. فكان ذلك كما قال، و أنه ولد له ولد فسماه محمدا و كناه أبا الحسن.

____________

[ (1)] في ص: «و جئت».

[ (2)] «قيل» سقطت من ص.

[ (3)] في ص: «و أنا مطلعة».

16

ثم دخلت سنة تسع و أربعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه في المحرم فتح الذعار عدة دكاكين من نهر الدجاج، و نهر طابق، و العطارين، و كسروا دراباتها [ (1)] و أخذوا ما فيها، و استعفى ابن النسوي من الشرطة فأعفي.

و في العشر الأخير من المحرم: بلغت الكارة الدقيق تسعة دنانير، و كدي المتجملون و كثير من التجار، و أكلت الكلاب و الميتات، و مات من الجوع في [ (2)] كل يوم خلق كثير، و شوهدت امرأة معها فخذ كلب ميت قد أخضر و جاف و هي تنهشه، و رمي من سطح طائر ميت فاجتمع عليه خمسة أنفس فاقتسموه و أكلوه، و رئي رجل قد شوى صبية في أتون فأكلها فقتل، و سددت أبواب دور مات أهلها، و كان الإنسان يمشي في الطريق فلا يرى إلا الواحد بعد الواحد.

[كبس دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ‏]

و في صفر هذه السنة: كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ، 9/ أ و أخذ ما وجد من دفاتره، و كرسي كان يجلس عليه للكلام، و أخرج/ ذلك [ (3)] إلى الكرخ و أضيف إليه [ (4)] ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع.

____________

[ (1)] في الأصل: «ما فيها».

[ (2)] «في» سقطت من ص، ت.

[ (3)] «ذلك» سقطت من ص، ت.

[ (4)] في ص: «و ضيف إليه».

17

[وقوع وباء بأهواز و أعمالها]

و في جمادى الآخرة: ورد كتاب من تجار ما وراء النهر [ (1)] قد وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرف زائد عن الحد، حتى انه خرج من هذا الإقليم في يوم واحد ثمانية عشر ألف جنازة، و أحصي من مات إلى أن كتب هذا الكتاب فكانوا ألف ألف و ستمائة ألف و خمسين ألفا، و الناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة، و طرقات خالية، و أبوابا مغلقة، حتى إن البقر نفقت.

و جاء الخبر من آذربيجان و تلك الأعمال بالوباء العظيم، و أنه لم يسلم إلا العدد القليل.

و وقع وباء بالأهواز و أعمالها و بواسط، و بالنيل، و مطيرآباذ، و الكوفة، و طبق الأرض حتى كان يخد للعشرين و الثلاثين [ (2)] زبية فيلقون فيها، و كان أكثر سبب ذلك الجوع، و كان الفقراء يشوون الكلاب، و ينبشون القبور فيشوون الموتى و يأكلونهم [ (3)]، و كان لرجل جريبان أرضا دفع إليه في ثمنها عشرة دنانير فلم يبعها، فباعها حينئذ بخمسة أرطال خبز، و أكلها و مات من وقته. و طويت التجارات، و أمور الدنيا، و ليس للناس شغل في الليل و النهار إلا غسل الأموات و التجهيز [ (4)] و الدفن، و كان الإنسان قاعدا فينشق قلبه عن دم المهجة فيخرج إلى الفم منه قطرة فيموت الإنسان.

و تاب الناس كلهم، و تصدقوا بمعظم أموالهم، و أراقوا الخمور، و كسروا المعازف، و لزموا المساجد لقراءة القرآن [خصوصا العمال و الظلمة] [ (5)]،/ و كل دار 9/ ب فيها خمر يموت أهلها في ليلة واحدة. و وجدوا دارا فيها ثمانية عشر نفسا موتى، ففتشوا متاعهم فوجدوا خابية خمر، فأراقوها. و دخلوا على مريض طال نزعه سبعة أيام [ (6)]، فأشار بإصبعه إلى خابية خمر فقلبوها و خلصه اللَّه [تعالى‏] [ (7)] من السكرة، فقضى، و قبل‏

____________

[ (1)] في المطبوعة: «ما وراء نهر».

[ (2)] «و الثلاثين» سقطت من ص.

[ (3)] في ص، و المطبوعة: «يأكلونها».

[ (4)] «و التجهيز» سقطت من ص، ت.

[ (5)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (6)] في الأصل: «بأيامها».

[ (7)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

18

ذلك كان من يدخل هذه الدار يموت، و من كان مع امرأة حراما ماتا من ساعتهما، و كل مسلمين بينهما هجران و أذى فلم يصطلحا ماتا معا، و من دخل الدار ليأخذ شيئا مما قد تخلف فيها وجدوا المتاع معه و هو ميت.

و مات رجل كان مقيما بمسجد فخلف خمسين ألف درهم، فلم يقبلها أحد، و وضعت في المسجد تسعة أيام بحالها، فدخل أربعة أنفس ليلا إلى المسجد و أخذوها فماتوا عليها. و يوصي الرجل الرجل فيموت الّذي أوصى إليه قبل الموصي، و خلت أكثر المساجد من الجماعات.

و كان أبو محمد عبد الجبار بن محمد الفقيه معه سبعمائة متفقه فمات و ماتوا سوى اثني عشر من الكل.

و دخل رجل على ميت و عليه لحاف فأخذه، فمات و يده في [طرف‏] [ (1)] اللحاف و باقيه على الميت.

و دخل دبيس بن علي بلاده فوجدها خرابا لا أكار بها و لا عالمة [ (2)]، حتى إنه أنفذ رسولا إلى بعض النواحي، فلقيه جماعة فقتلوه و أكلوه. و جمع العميد أبو نصر الناس من الطرقات للعمل في دار المملكة، و فيهم الهاشميون، و القضاة، و الشهود، و التجار، فكانوا يحملون اللبن على أكتافهم و أيديهم عدة أسابيع.

و في يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة: احترقت قطيعة عيسى، و سوق الطعام، و الكبش، و أصحاب السقط، و باب الشعير، و سوق العطارين، و سوق 10/ أ العروس،/ و باب العروس [ (3)]، و الأنماط، و الخشابين، و الجزارين، و النجارين، و الصف، و القطيعة، و باب محول، و نهر الدجاج، و سويقة غالب، و الصفارين، و الصباغين، و غير ذلك من المواضع [و الرواضع‏] [ (4)].

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] هكذا في جميع النسخ، و لعلها: «عاملة».

[ (3)] «و باب العروس» سقطت من ص، ت.

[ (4)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

19

و عاد طغرلبك من الموصل إلى بغداد و سلم الموصل و أعمالها إلى إبراهيم ينال ابن أخيه فأحسن إبراهيم السيرة.

و في هذه السنة: لقي السلطان طغرلبك الخليفة القائم باللَّه، و كان السلطان يسأل في ذلك إلى أن تقرر كون هذا في ذي القعدة، فجلس رئيس الرؤساء في صدر رواق صحن السلام [ (1)]، و بين يديه الحجّاب، ثم استدعى نقيبي العباسيين، و العلويين، و قاضي القضاة، و الشهود، فلما تضاحى النهار كتب إلى السلطان طغرلبك بما مضمونه الاذن عن أمير المؤمنين في الحضور، فأنفذ ذلك مع ابني المأمون الهاشميين، و من خدم الخواص خادمين، و من الحجّاب حاجبين، و لما وقف السلطان على ذلك نزل في الطيار، و كان قد زيّن و أنفذ إليه [ (2)] فانحدر و معه [عدة] [ (3)] زبازب سميريات، و على الظهر فيلان يسيران بإزاء الطيار، فدخل الدار و الأولاد و الأمراء و الملوك يمشون بين يديه، و نحو خمسمائة [ (4)] غلام ترك، فلما وصل إلى باب دهليز صحن السلام وقف طويلا على فرسه حتى فتح له، و نزل فدخل إلى الصحن، و مشى و خرج رئيس الرؤساء إلى وسطه فتلقاه، فدخل على أمير المؤمنين و هو على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع، عليه قميص و عمامة مصمتان، و على منكبه بردة النبي صلّى اللَّه عليه و سلم، و بيده القضيب، فحين شاهد السلطان/ أمير المؤمنين قبّل الأرض دفعات، فلما [ (5)] دنا من مجلس 10/ ب الخليفة صعد رئيس الرؤساء إلى سرير لطيف دون ذلك السرير بنحو قامة، و قال له أمير المؤمنين: أصعد ركن الدين إليك، و ليكن معه محمد بن منصور الكندري. فأصعدهما إليه و تقدم و طرح كرسي جلس عليه السلطان، و قال [أمير المؤمنين‏] [ (6)] لرئيس الرؤساء:

قل له يا علي: أمير المؤمنين حامد لسعيك، شاكر لفضلك، آنس بقربك، زائد الشغف بك، و قد ولّاك جميع ما ولاه اللَّه تعالى من بلاده، ورد إليك فيه مراعاة عباده، فاتق اللَّه‏

____________

[ (1)] في الأصل: «في صحن دار السلام في صدرها».

[ (2)] في الأصل: «و كان قد سيروا نفرا إليه».

[ (3)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «خمسون».

[ (5)] في الأصل: «فحين».

[ (6)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

20

فيما ولّاك، و اعرف نعمته عليك، و عبدك في ذلك، و اجتهد في عمارة البلاد، و مصالح [ (1)] العباد، و نشر العدل، و كفّ الظلم.

ففسر له عميد الملك القول، فقام و قبّل الأرض و قال: أنا خادم أمير المؤمنين و عبده، و متصرف على أمره و نهيه، و متشرف بما أهلني له و استخدمني فيه، و من اللَّه تعالى استهداء [ (2)] المعونة و التوفيق.

و استأذن [ (3)] أمير المؤمنين في أن ينهض و يحمل إلى حيث تفاض الخلع عليه، فنزل إلى بيت في جانب البهو، و دخل معه عميد الملك، فألبس الخلع و هي سبع خلع في زي واحد، و ترك التاج على رأسه، و عاد فجلس بين يدي أمير المؤمنين، و رام تقبيل الأرض فلم يتمكن لأجل التاج، و أخرج أمير المؤمنين سيفا من بين يديه فقلّده إياه، و خاطبه بملك المشرق و المغرب، و استدعى ألوية [ (4)] و كانت ثلاثة: اثنان خمرية بكتائب صفر، و آخر بكتائب مذهبة سمي [ (5)] لواء الحمد فعقد منهم أمير المؤمنين لواء الحمد 11/ أ بيده، و أحضر العهد فقال. يسلم إليه/ و يقال له: يقرأ عليك عهدنا إليك [ (6)]، و يفسر [ (7)] لك لتعمل بموجبة، و بمقتضى ما أمرنا به، خار اللَّه لنا و لك و للمسلمين فيما فعلنا و أبرمناه، آمرك بما أمرك اللَّه به، و أنهاك عما نهاك اللَّه عنه، و هذا منصور بن أحمد [ (8)] نائبنا لديك، و صاحبنا و خليفتنا عندك، و وديعتنا، فاحتفظ به و راعه، فإنه الثقة السديد و الأمين الرشيد، و انهض على اسم اللَّه تعالى مصاحبا محروسا.

و كان من السلطان طغرلبك في كل فصل يفصل [ (9)] له من الشكر و تقبيل الأرض‏

____________

[ (1)] في ص: «و صلاح العباد».

[ (2)] في ص: «أستمد».

[ (3)] في الأصل: «و أذن».

[ (4)] في الأصل: «الونية».

[ (5)] في الأصل: «يسمى».

[ (6)] «إليك» سقطت من ص، ت.

[ (7)] في ص: «و ينشر».

[ (8)] في ص: «منصور بن محمد».

[ (9)] في الأصل: «يفسر».

21

ما أبان عن حسن طاعته [ (1)]، و صادق محبته [ (2)]، و سأل مصافحته باليد الشريفة فأعطاه أمير المؤمنين يده دفعتين قبل لبسه الخلع و عند انصرافه من حضرته [ (3)]، و هو يقبلها و يضعها على عينيه، و دخل جميع من في الدار من الأكابر و الأصاغر إلى المكان فشاهدوا تلك الحال، و خرج إلى صحن دار السلام، فسار و الخيل [ (4)] و الألوية أمامه، و لما خرجت الألوية رفعت من سطح صحن السلام و حطت على روشن بيت النوبة، و منه إلى الطيار لئلا تخرج في الأبواب فتنكس، و مضى إليه رئيس الرؤساء في يوم الاثنين و هنأه عن الخليفة و قال له: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تجلس للهناء بما أفاضه عليك من نعمة، و ولاك [ (5)] من خدمته، و حمل إليه خلعة، فقام و قبّل الأرض و قال: قد أهلني أمير المؤمنين لرتبة يستنفد شكري و يستعبدني بما بقي من عمري، و أتاه بسدة مذهبه و قال له:

أمير المؤمنين يأمرك [ (6)] أن تلبس هذا التشريف، و تجلس في هذا الدست، و تأذن للناس ليشهدوا/ ما تواتر من إنعامه، فيبتهج الولي، و ينقمع العدو. 11/ ب و حمل السلطان في مقابلة ذلك خمسين غلاما أتراكا على خيول بسيوف و مناطق و عشرين رأسا من الخيل، و خمسين ألف دينار، و خمسين قطعة ثياب.

[قبض على أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بمصر]

و في ذي الحجة من هذه السنة: قبض على أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري بمصر، و على ثمانين من أصحابه، و قررت عليه أموال عظيمة. و كتب خطه بثلاثة آلاف ألف دينار، و أخذ من المختصين به ألوف، و كان في ابتداء أمره قد حج و أتى المدينة، و زار رسول اللَّه ( صلّى اللَّه عليه و سلم )فسقط على منكبه قطعة من الخلوق فقال أحد القوام: أيها الشيخ، أبشرك بأمر ولي الحباء و الكرامة إذا بلغت إليه، أعلمك أنك تلي ولاية عظيمة، و هذا الخلوق الّذي وقع عليك شاهدها، و هو دليل على علو منزلة من يسقط عليه.

فضمن له ما طلبه، فلم يحل الحول حتى ولي الوزارة، و أحسن إلى الرجل، و تفقد

____________

[ (1)] في الأصل: «حسن الطاعة».

[ (2)] في الأصل: «و صادق المحبة».

[ (3)] في الأصل: «من حضرتها».

[ (4)] في الأصل: «إلى صحن الدار فسار و انحرت ...».

[ (5)] في الأصل: «مولاك».

[ (6)] في ص: «يرسم لك».

22

الحرمين أحسن تفقد، و كان من أصحاب أبي حنيفة، و كان أبو يوسف القزويني يحكي سيرته و نفاق أهل العلم عليه، و قال انه التقاني يوما و قد توجه إلى ديوانه، فلما رآني وقف و وقف الناس لأجله، و قال لي: إلى أين؟ فقلت: قصدتك لحوائج كلفني أقوام قضاءها. فقال: لا أبرح من مكاني حتى تذكرها. فجعلت أذكر له حاجة حاجة و هو يقول: نعم و كرامة، حتى قال في الحاجة الأخيرة: السمع و الطاعة، ثم انفرد أمير كان 12/ أ معه بعد انصرافه/ فقال له: أي شي‏ء أنت؟ فقلت: أنا لا شي‏ء. فقال: لا شي‏ء؟ يقول له الوزير السمع و الطاعة. فقال: أنا من أهل العلم. فقال: استكثر مما معك، فإنه إذا كان في شخص أطاعته الملوك.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3344- أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان، أبو العلاء التنوخي المعري‏

[ (1)].

ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، و أصابه الجدري في سنة سبع أو أواخر سنة ست، فغشى حدقتيه ببياض فعمي، فقال الشعر و هو ابن إحدى عشرة سنة، و له أشعار كثيرة، و سمع اللغة، و أملى فيها كتبا، و له بها معرفة تامة، و دخل بغداد سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة، و أقام بها سنة و سبعة أشهر، ثم عاد إلى وطنه، فلزم منزله، و سمى نفسه: رهين المحبسين لذلك و لذهاب بصره [ (2)]، و بقي خمسا و أربعين سنة لا يأكل اللحم و لا البيض و لا اللبن، و يحرم إيلام الحيوان، و يقتصر على ما تنبت الأرض، و يلبس خشن الثياب، و يظهر دوام الصوم، و لقيه رجل فقال له [ (3)]: لم لا تأكل اللحم؟ فقال: [أرحم الحيوان. قال:

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 4/ 240. و البداية و النهاية 12/ 72. و شذرات الذهب 3/ 280.

و وفيات الأعيان 1/ 113- 116. و معجم الأدباء 1/ 181 و تاريخ ابن الوردي 1/ 357. و إعلام النبلاء 4/ 77، 180، 378. و لسان الميزان 1/ 203. و إنباه الرواة 1/ 46. و تتمة اليتيمة 9. و الأعلام 1/ 157. و الكامل 8/ 339).

[ (2)] في الأصل: «عينيه».

[ (3)] «له» سقطت من ص.

23

فما] [ (1)] تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان، فإن كان الخالق الّذي دبر ذلك فما أنت بأرأف منه، و ان كانت الطبائع المحدثة لذلك، فما أنت بأحذق منها و لا أنقص عملا منك.

قال المصنف رحمه اللَّه: و قد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة، فأما ما قد ذبحه غيره فأي رحمة قد بقيت في ترك أكله، و كانت أحواله تدل على اختلاف عقيدته.

و قد حكي/ لنا عن أبي زكريا أنه قال: قال لي المعري: ما الّذي تعتقد؟ فقلت 12/ ب في نفسي: اليوم أعرف اعتقاده. فقلت: ما أنا إلا شاك. فقال: هكذا [ (2)] شيخك. و كان ظاهر أمره يدل أنه يميل إلى مذهب البراهمة، فإنّهم لا يرون ذبح الحيوان، و يجحدون الرسل و قد رماه جماعة من أهل العلم [ (3)] بالزندقة و الإلحاد، و ذلك أمره ظاهر في كلامه و أشعاره، و أنه يرد على الرسل و يعيب الشرائع، و يجحد البعث.

و نقلت من خط أبي الوفاء ابن عقيل أنه قال: من العجائب أن المعري أظهر ما أظهر من الكفر البارد الّذي لا يبلغ منه مبلغ شبهات الملحدين، بل قصر فيه كل التقصير، و سقط من عيون الكل، ثم اعتذر بأن لقوله باطنا، و أنه مسلم في الباطن، فلا عقل له و لا دين، لأنه تظاهر بالكفر و زعم أنه مسلم في الباطن، و هذا عكس قضايا المنافقين و الزنادقة، حيث تظاهروا بالإسلام و أبطنوا الكفر، فهل كان في بلاد الكفار حتى يحتاج إلى أن يبطن الإسلام، فلا أسخف عقلا ممن سلك هذه الطريقة التي هي أخس من طريقة الزنادقة و المنافقين، إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة، و الزنديق يطلب النجاة في الدنيا، و هو جعل نفسه عرضة لإهلاكها [ (4)] في الدنيا حين طعن في الإسلام في بلاد الإسلام، و أبطن الكفر، و أهلك نفسه في المعاد، فلا عقل له و لا دين.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] في ص: «هذا».

[ (3)] في ص: «من العلماء».

[ (4)] في ص: «إذا كان المتدين يطلب نجاة الآخرة لا هلاكها في الدنيا».

و في ت: «إذا كان المتدين يطلب النجاة في الدنيا و قد جعل نفسه عرضة لإهلاكها ...».

24

و هذا ابن الريوندي، و أبو حيان ما فيهم إلا من قد انكشف من كلامه سقم في دينه، يكثر التحميد و التقديس، و يدس في أثناء ذلك المحن [ (1)].

13/ أ قال ابن عقيل: و ما سلم هؤلاء من/ القتل إلا لأن إيمان الأكثرين ما صفا. بل في قلوبهم شكوك تختلج، و ظنون [ (2)] تعتلج [مكتومة] [ (3)] إما لترجح الإيمان في القلوب، أو مخافة الإنكار من الجمهور، فلما نطق ناطق شبهاتهم أصغوا إليه، ألا ترى من صدق إيمانه كيف قتل أباه؟ و إذا أردت أن تعلم صحة ما قلت فانظر إلى نفورهم عند الظفر في عشائرهم، و في بعض أهوائهم، و أو في صور يهوونها، و فانظر إلى إراقة الدماء [ (4)] فإذا ندرت نادرة في الدين- و إن كثر وقعها- لم يتحرك منهم نابضة.

قال المصنف [ (5)] رحمه اللَّه: و قد رأيت للمعري كتابا سماه «الفصول و الغايات» يعارض به السور و الآيات، و هو كلام في نهاية الركة و البرودة، فسبحان من أعمى بصره و بصيرته و قد ذكره على حروف المعجم في آخر كلماته، فما هو على حرف الألف:

«طوبى لركبان النعال المعتمدين على عصى الطلح، يعارضون الركائب في الهواجر و الظلماء، يستغفر لهم قحة القمر و ضياء الشمس، و هنيئا لتاركي النوق في غيطان الفلا، يحوم عليها ابن داية، يطيف بها السرحان و شتان، أوارك قوة الألبان و جرى لبنها أفقد من لبن العطاء».

و كله على هذا البارد، و قد نظرت في كتابه المسمى «لزوم ما لا يلزم» و هو عشرة مجلدات.

و حدثني ابن ناصر، عن أبي زكريا عنه بأشعار كثيرة، فمن أشعاره:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل‏ * * * و ترزق مجنونا و ترزق أحمقا

فلا ذنب يا رب العباد [ (6)] على امرئ‏ * * * رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا

____________

[ (1)] في الأصل: «المحسن».

[ (2)] في ص: «و شكوك».

[ (3)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (4)] «الدماء» سقطت من ص.

[ (5)] في الأصل: «قال الشيخ».

[ (6)] في ص: «رب السماء».

25

و له:

/

و هيهات البرية في ضلال‏ * * * و قد نظر اللبيب لما اعتراها 13/ ب‏

تقدم صاحب التوراة موسى‏ * * * و أوقع في الخسار من افتراها

فقال رجاله وحي أتاه‏ * * * و قال الناظرون بل افتراها

و ما حجي إلى أحجار بيت‏ * * * كؤوس الخمر تشرب في ذراها

إذا رجع الحليم إلى حجاه‏ * * * تهاون بالمذاهب و ازدراها

و له:

هفت الحنيفة و النصارى ما اهتدت‏ * * * و يهود حارت و المجوس مضلله‏

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا * * * دين و آخر دين لا عقل له‏

* * *

و له:

فلا تحسب مقال الرسل حقا * * * و لكن قول زور سطروه‏

و كان الناس في عيش رغيد * * * فجاءوا بالمحال و كدروه‏

و له:

إن الشرائع ألقت بيننا إحنا * * * و أورثتنا أفانين العداوات‏

و هل أبيح نساء الروم عن عرض‏ * * * للعرب إلا بأحكام النبوات‏

و له:

أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما * * * دياناتكم مكر من القدماء

و له:

تناقض ما له إلا السكوت له‏ * * * و أن نعوذ بمولانا من النار

يد لخمس مئين عسجد فديت‏ * * * ما بالها قطعت في ربع دينار

و له:

لا يكذب الناس على ربهم‏ * * * ما حرك العرش و لا زلزلا

و له:

ضحكنا و كان الضحك منا [ (1)] سفاهة * * * و حق لسكان البسيطة أن يبكوا

14/ أ

____________

[ (1)] في ص: «و كان الضحك بنا سفاهة».

26

تحطمنا الأيام حتى كأننا * * * رجيع [ (1)] زجاج لا يعادلنا سبك‏

[ (2)] و له:

كون يرى و فساد جاء يتبعه‏ * * * تبارك اللَّه ما في خلقه عبث‏

و إن يؤذن بلال لابن آمنة * * * فبعده لسجاح ما دعي شبث‏

أراد بالبيت الأول المجون و معناه: هل هذا إلا عبث، و عني بالبيت الثاني: شبث ابن ربعي فإنه أذّن لسجاح التي ادعت النبوة و ذكر نبينا (عليه السلام) باسم أمه، و أراد إن كان [قد] جرى [ (3)] له هذا فقد جرى مثله لامرأة. و له في هذا المعنى فساد و كون حادثان كلاهما.

و له في مثل ذلك:

شهيد بأن الخلق صنع حكيم‏

و له [ (4)] مثل الّذي قبله:

فربما حل موصوف يراقبه [ (5)] * * * فكيف يمحن أطفال بإيلام‏

و له:

أمور تستخف بها حلوم‏ * * * و ما يدري الفتى لمن الثبور

كتاب محمد و كتاب موسى‏ * * * و إنجيل ابن مريم و الزبور

و له:

قلتم لنا خالق قديم‏ * * * صدقتم هكذا فقولوا [ (6)

زعمتموه بلا زمان‏ * * * و لا مكان ألا فقولوا

____________

[ (1)] «رجيع» سقطت من ص، ت.

[ (2)] في ص: «السبك».

[ (3)] «جرى» سقطت من ص.

و ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «و هذا».

[ (5)] في الأصل: «نراقبه».

[ (6)] في ص: «نقول».

27

هذا كلام له خبي‏ء * * * معناه ليست لنا عقول‏

انظر إلى حماقة هذا الجاهل، أنكر أن يكون الخالق موجودا/ لا في زمان، و لا 14/ ب في مكان، و نسي أنه أوجدهما.

و إنما ذكرت هذا من أشعاره ليستدل بها على كفره، فلعنه اللَّه.

و ذكر أبو الحسن محمد بن هلال ابن المحسن الصابي في تاريخه قال: و من أشعار المعري:

صرف الزمان مفرق الإلفين‏ * * * فاحكم إلهي [ (1)] بين ذاك و بيني‏

أنهيت عن قتل النفوس تعمدا * * * و بعثت أنت لأهلها [ (2)] ملكين‏

و زعمت أن لها معادا ثانيا * * * ما كان أغناها عن الحالين‏

مات أبو العلاء [ (3)] المعري في ربيع الأول من هذه السنة بمعرة النعمان عن ست و ثمانين سنة إلا أربعة و عشرين يوما.

و قد روي لنا أنه قد أنشد على قبره ثمانون مرثية رثاه بها أصحابه و من قرأ عليه و مال إليه، فقال بعضهم:

إن كنت لم ترق الدماء زهادة * * * فلقد أرقت اليوم من جفني دما

و هؤلاء بين أمرين: إما جهّال بما كان عليه، و إما قليلو الدين، لا يبالون به، و من سبر خفيات الأمور بانت له، فكيف بهذا الكفر الصريح في هذه الأشعار.

قال ابن الصابئ: و لما مات المعري رأى بعض الناس في منامه كأن أفعيين على عاتقي رجل ضرير تدليا إلى صدره، ثم رفعا رأسيهما فهما ينهشان من لحمه و هو يستغيث، فقال: من هذا. فقيل: المعري الملحد.

3345- الحسين بن أحمد

[ (4)] بن القاسم بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن‏

____________

[ (1)] في المطبوعة: «إلا هي».

[ (2)] في الأصل: «لقضيها».

[ (3)] «أبو العلاء» سقطت من ص.

[ (4)] في تاريخ بغداد 8/ 108: «الحسين بن محمد».

28

طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم [ (1)] بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب النسابة [ (2)].

ولد في ذي القعدة سنة ثمانين و ثلاثمائة. و توفي في صفر هذه السنة.

15/ أ أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب/ قال: كان متميزا من بين أهله بعلم النسب و معرفة أيام الناس و له حظ في الأدب، و علّقت عنه حكايات و مقطعات من الشعر.

3346- الحسين بن محمد بن عثمان أبو عبد اللَّه [ابن‏] [ (3)] النصيبي‏

[ (4)].

سمع علي بن عمر السكري، و الدارقطنيّ، و المخلص. قال الخطيب: كتبت عنه و كان صحيح السماع، و كان يذهب إلى الاعتزال، و توفي في هذه السنة.

3347- سعد بن أبي الفرج محمد بن جعفر ابن أبي الفرج ابن فسانجس، يكنى: أبا الغنائم، و يلقب: علاء الدين.

وزر مدة للملك أبي نصر بن أبي كاليجار، و نظر في أول أيام الغز بواسط، و خطب للمصريين، فحمل إلى بغداد و شهّر بها، و صلب بإزاء التاج في هذه السنة و كان عمره سبعا و ثلاثين سنة.

3348- عبيد اللَّه بن الحسين بن نصر، أبو محمد العطار

[ (5)].

سمع ابن المظفر، و الدارقطنيّ.

[أخبرنا القزاز] [ (6)]، أخبرنا الخطيب قال: كتبت عنه و كان ثقة. و سألته عن مولده فقال: سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة، و توفي في هذه السنة.

3349- عدنان بن الرضي الموسوي‏

[ (7)].

ولي نقابة الطالبيين و توفي في هذه السنة.

____________

[ (1)] في الأصل: «إبراهيم بن إسماعيل».

[ (2)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 8/ 108).

[ (3)] ما بين المعقوفتين سقط من ت.

[ (4)] انظر ترجمته: (تاريخ بغداد 8/ 109).

[ (5)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 10/ 387).

[ (6)] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

[ (7)] انظر ترجمته في: (الكامل 8/ 340. و الأعلام 4/ 219).

29

ثم دخلت سنة خمسين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

/ أنه وقع في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم برد كبار، و هلك كثير من الغلات، 15/ ب وزنت منه واحدة [بصريفين‏] [ (1)] فكانت نيفا و ثلاثين درهما، و زادت دجلة هذا اليوم خمسة عشر ذراعا.

ثم [ (2)] في يوم السبت رابع عشر صفر، وقع برد بالنهروان و ما يقاربها من السواد كبيض الدجاج، فأهلك الغلات، و قتل جماعة من الأكراد، و وقعت واحدة منه على رأس [ (3)] رجل ففتحت رأسه، و ضربت أخرى رأس فرس فرمى راكبه و شرد.

و زاد العبث من أصحاب السلطان، فكانوا يأخذون عمائم الناس، حتى إنه عبر في جمادى الآخرة أبو منصور ابن يعقوب [ (4)] إلى نقيب العلويين و معه أبو الحسين [ (5)] بن المهتدي، [فلما بلغوا إلى باب الكرخ أخذت عمامة ابن المهتدي‏] [ (6)] فأسرعت [ (7)] العامة إلى أخذها، فاستردوها، و أخذت بعد ذلك بيوم عمامة أبي نصر ابن الصباغ و طيلسانه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.

[ (2)] في ص: «و في».

[ (3)] «رأس» سقطت من ص.

[ (4)] في الأصل: «أبو منجور ابن يوسف».

[ (5)] في الأصل: «أبو الحسن».

[ (6)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (7)] في الأصل: «فأنزعت».

30

و في شهر رمضان: تجدد للعوام المتدينين المتسمين بأصحاب عبد الصمد إلزام أهل الذمة بلبس الغيار، و حضر الديوان رجل هاشمي منهم يعرف بابن سكرة، فخاطب رئيس الرؤساء ابن المسلمة في ذلك و ذكر ما عليه أهل الذمة من الانبساط، و كلّمه بكلام فيه غلظة فأغاظه [ (1)]، فكتب إلى الخليفة بذلك فخرج ما قوى أمر ابن سكرة، و كان أبو علي ابن فضلان اليهودي كاتب خاتون فأمره ابن المسلمة بالتأخر في داره، و أن يتقدم/ 16/ أ إلى اليهود و أهل المعايش بمثل ذلك، و أمر ابن الموصلايا النصراني كاتب الديوان بمثل ذلك، فانقطعوا عن المعاملات و تأخر الكتاب و الجهابذة عن الديوان، فبان للخليفة باطن الأمر فتشدد فيه، و لم يجد ابن المسلمة مساغا لما يريد فصار أهل الذمة ينسلون و يخرجون إلى أشغالهم.

و في ثامن شوال: نقب جامع المدينة [ (2)]، و أخذت منه الأعلام السود و التستر و ما وجد.

و في ثامن عشر شوال: بين المغرب و العشاء كانت زلزلة عظيمة [لبثت ساعة] [ (3)] عظيمة، و لحق [ (4)] الناس منها خوف شديد، و تهدمت دور كثيرة، ثم وردت الأخبار أنها اتصلت من بغداد إلى همذان، و واسط، و عانة، و تكريت، و ذكر أن أرحاء كانت تدور فوقفت، و بعد هذه الزلزلة بشهر أخرج [ (5)] القائم من داره، و جرت محن عظيمة.

و كان السلطان طغرلبك قد خرج إلى الموصل ثم توجه إلى نصيبين و معه أخوه إبراهيم [ينال، فخالف عليه أخوه إبراهيم‏] [ (6)]، و انصرف بجيش عظيم معه يقصد الري و كان البساسيري راسل [ (7)] إبراهيم [يشير عليه‏] [ (8)] بالعصيان لأخيه، و يطمعه بالتفرد

____________

[ (1)] في الأصل: «فالظه».

[ (2)] في الأصل: «جامع المنصور».

[ (3)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «وجد» مكان «عظمية و لحق».

[ (5)] في الأصل: «خرج».

[ (6)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (7)] في الأصل: «يراسل».

[ (8)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

31

بالملك و يعده معاضدته، فسار طغرلبك في أثر أخيه إبراهيم [ (1)] و ترك العساكر وراءه فتفرقت عنه [ (2)] غير أن وزيره المعروف بالكندري، و ربيبه أنوشروان، و زوجته خاتون وردوا بغداد بمن بقي معهم من العسكر في شوال هذه السنة، و انتشر الخبر باجتماع طغرلبك مع أخيه/ إبراهيم بهمذان [و أن إبراهيم استظهر على طغرلبك و حصر في 16/ ب همذان‏] [ (3)] فعزمت خاتون و ابنها أنوشروان، و الكندري على المسير إلى همذان لإنجاد طغرلبك، فاضطرب أمر بغداد اضطرابا شديدا، و أرجف المرجفون باقتراب البساسيري، فبطل عزم الكندري عن المسير، فهمت خاتون بالقبض عليه و على ابنها لتركهما مساعدتها على إنجاد زوجها، فنفرا إلى الجانب الغربي من بغداد و قطعا الجسر وراءهما، و انتهبت دارهما، و استولى من كان مع خاتون من الغز على ما تضمنتها من العين و الثياب و السلاح و غير ذلك من صنوف الأموال، و نفذت خاتون بمن انضوى إليها، و هم: جمهور العسكر متوجهة نحو همذان، و خرج الكندري و أنوشروان يؤمان طريق الأهواز، فلما خلا البلد من العساكر انزعج الناس، و قيل للناس: من أراد أن يخرج فليخرج. فبكى الناس و الأطفال، و عبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي، فبلغت المعبرة دينارا و دينارين و ثلاثة.

و طار في تلك الليلة على دار الخليفة [نحو] [ (4)] عشر بومات مجتمعات يصحن صياحا مزعجا فقال أبو الأغر بن مزيد رئيس [ (5)] الرؤساء: ليس عندنا من يرد، و الرأي خروج الخليفة عن البلد إلى البلاد السافلة، فأجاب الخليفة، ثم صعب عليه مفارقة داره، و امتنع و أظهر رئيس الرؤساء قوة النفس لأجل موافقة الخليفة، و جمعوا من العوام من يصلح للقتال، و ركب رئيس الرؤساء و عميد العراق إلى دار المملكة، و أخذا ما يصلح من السلاح و ضربا في الباقي النار، فلما كان يوم الجمعة السادس من ذي القعدة تحقق الناس كون/ البساسيري بالأنبار، و نهض الناس إلى صلاة الجمعة بجامع 17/ أ

____________

[ (1)] «إبراهيم» سقطت من ص، ت.

[ (2)] «عنه» سقطت من ص.

[ (3)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (5)] في الأصل: «الرئيس».

32

المنصور، فلم يحضر الإمام فأذّن المؤذنون و نزلوا، فأخبروا أنهم رأوا عسكر البساسيري حذاء شارع دار الرقيق، و جاء العسكر، و صلى الناس الظهر بغير خطبة.

ثم ورد في السبت نحو مائتي فارس، ثم دخل البساسيري بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة و معه الرايات المصرية، فضرب مضاربه على شاطئ دجلة، فتلقاه أهل الكرخ، فوقفوا في وجه فرسه و تضرعوا إليه أن يجتاز عندهم، فدخل الكرخ و خرج إلى مشرعة الروايا، فخيم بها، و كان على رأسه أعلام عليها مكتوب الامام المستنصر باللَّه أبو تميم معد أمير المؤمنين، و كان قد جمع العيارين و أهل الرساتيق و أطمعهم في نهب دار الخلافة، و الناس إذ ذاك في ضرّ و مجاعة، و نزل قريش ابن بدران في نحو مائتي فارس على مشرعة باب البصرة، فلما استقر بالقوم المنزل ركب عميد العراق من الجانب الشرقي في العسكر و حواشي الدولة و الهاشميين و العوام و العجم إلى آخر النهار، فلم يجابهوا عسكر البساسيري بشي‏ء، و نهبت دار قاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، و هلك أكثر السجلات و الكتب الحكمية، فبيعت على العطارين، و نهبت دور المتعلقين بالخليفة، و نهب أكثر باب البصرة بأيدي أهل الكرخ تشفيا لأجل المذهب، و انصرف الباقون عراة، فجاءوا إلى سوق المارستان، و قعدوا على الطريق و معهم النساء و الأطفال، و كان البرد حينئذ شديدا، و عاود أهل الكرخ الأذان «بحي على خير العمل» و ظهر فيهم السرور الكثير، و عملوا راية بيضاء و نصبوها وسط الكرخ و كتبوا عليها اسم المستنصر باللَّه، و أقام بمكانه و القتال يجري في السفن بدجلة.

[الدعاء لصاحب مصر في جامع المنصور]

17/ ب فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر/ من ذي القعدة: دعي لصاحب مصر في جامع المنصور، و زيد في الأذان «حي على خير العمل» و شرع البساسيري في إصلاح الجسر، فعقده بباب الطاق، و عبر عسكره عليه فنزلوا الزاهر، و حضرت الجمعة يوم العشرين من ذي القعدة فدعي لصاحب مصر بجامع الرصافة، و خندق الخليفة حول داره و نهر معلى خنادق، و حفرت آبار في الحلبة، و غطيت حتى يقع فيها من يقاتل، و بنيت أبراج على سور دار الخليفة، و خرج رئيس الرؤساء، فوقف دون باب الحلبة يفرق النشاب، ثم فتح الباب فاستجرهم البساسيري، ثم كر عليهم فانهزموا، و امتلأ باب الخليفة بالقتلى، و أجفل رئيس الرؤساء إلى دار الخليفة، فهرب أهل الحريم، و عبروا

33

إلى الجانب الغربي، و نهب العوام من نهر معلى، و ديوان الخاص ما لا يحصى، و أحرقوا الأسواق، فركب الخليفة لابسا للسواد، على كتفه البردة، و على رأسه اللواء، و بيده سيف مجرد، و حوله زمرة من الهاشميين و الجواري حاسرات منشرات، معهن المصاحف على رءوس القصب، و بين يديه الخدم بالسيوف المسلولة، فوجد عميد العراق قد استأمن إلى قريش بن بدران، و كان قريش قد ظافر البساسيري، و أقبل معه، فصعد الخليفة إلى منظرة له، و اطلع أبو القاسم ابن المسلمة و صاح بقريش: يا علم الدين، أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا فقال له: قد أتاك اللَّه رتبة لم ينلها أمثالك، فإن أمير المؤمنين يستذم منك على نفسه و أهله و أصحابه بذمام اللَّه تعالى و ذمام رسوله صلى اللَّه عليه و سلم، و ذمام العرب، فقال له قريش: قد أذم اللَّه تعالى له. فقال: و لمن [ (1)] معه؟ قال: نعم. و خلع قلنسوته من تحت عمامته فأعطاها الخليفة ذماما فتسرح ابن المسلمة إليهم من الحائط، و نزل الخليفة ففتح الباب المقابل/ لباب الحلبة و خرج، فقبّل قريش الأرض بين يديه 18/ أ دفعات، فبلغ البساسيري ذلك فراسل، و قال: أ تذم لهما و قد استقر بيني و بينك ما استحلفتك عليه؟ و كانا قد تحالفا أن لا ينفرد أحدهما بأمر دون الآخر، و أن يكون جميع ما يتحصل من البلاد و الأموال بينهما. فقال له قريش: ما عدلت عما استقر بيننا، و عدوك هو ابن المسلمة فخذه و أنا آخذ الخليفة بإزائه. فقنع بذلك و حمل ابن المسلمة إلى البساسيري، فلما رآه قال: مرحبا بمدفع الدول، و مهلك الأمم، و مخرب البلاد، و مبيد العباد. فقال له: أيها الأمير [ (2)] العفو عند المقدرة [ (3)]. فقال: قد قدرت فما عفوت و أنت تاجر و صاحب طيلسان، و لم تستبق من الحرم و الأطفال و الأجناد، فكيف أعفو عنك و أنا صاحب سيف، و قد أخذت أموالي، و عاقبت حرمي، و نفيتهم في البلاد، و شتتني و درست دوري، و لكن هذا أيضا من قصورك [ (4)] الفاسد، و عقلك الناقص.

و اجتمع العامة فسبوه و همّوا به، فأخذه البساسيري يسير [ (5)] إلى جنبه خوفا عليه‏

____________

[ (1)] في ص: «و كن».

[ (2)] في ص: «أيها الأجل».

[ (3)] في ص: «القدرة».

[ (4)] في الأصل: «تصورك».

[ (5)] «يسير» سقطت من ص.

34

من العامة، و لم يزل يوبخه و هو يعتذر، و حل الركابية حزام البرذون الّذي [كان‏] [ (1)] تحته ليسقط فيتمكن العامة من قتله، فسقط فوقف البساسيري يذب عنه إلى أن أركبه، و مضى به إلى الخيمة، فقيده و وكل به و ضرب ضربا كثيرا، و قيد.

ثم ظفر بالسيدة خاتون زوجة الخليفة فأكرمها و سلمها إلى أبي عبد اللَّه ابن جردة و مضى الخليفة إلى المعسكر، و قد ضرب له قريش خيمة إزاء بيته بالجانب الشرقي، فدخلها و لحقه قيام الدم، و أذم قريش لابن جردة ابن يوسف، و كان ابن جردة قد ضمن 18/ ب لقريش لأجل داره و من التجأ إليها من التجار عشرة آلاف دينار، و نهبت العوام/ دار الخليفة، و أخذوا منها ما يعتذر حصره من الديباج و الجواهر و اليواقيت، و أحرقوا رباط أبي سعد الصوفي، و دار ابن يوسف، ثم نودي برفع النهب، و حمل البساسيري الطيار إلى عسكره، ثم نقله إلى الحريم الظاهري و عليه المطارد البيض.

فلما جاء يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة، و خطب في سائر الجوامع لصاحب مصر.

و في هذا اليوم انقطعت دعوة الخليفة من بغداد و جرى بين البساسيري و قريش بن بدران في أمر الخليفة من التجاذب ما أدى إلى نقله عن بغداد، و أن لا يكون في يد أحدهما، و تسليمه إلى بدوي يعرف بمهارش صاحب حديثة عانة، و اعتقاله فيها إلى أن يتقرر لهما عزم، فعرف الخليفة ذلك فراسل قريش بالمجي‏ء إليه فلم يفعل، فقام و مشى إلى خيمته فدخل فعلق بذيله و قال له: ما عرفت ما استقر العزم عليه من إبعادي عنك و إخراجي عن يديك، و ما سلمت نفسي إليك إلا لما أعطيتني الذمام الّذي يلزمك الوفاء به، و قد دخلت الآن إليك و وجب لي عليك [ (2)] ذمام فإنّي عليك [ (3)] فاللَّه اللَّه في نفسي، فمتى أسلمتني أهلكتني و ضيعتني، و ما ذاك معروف في العرب.

فقال: ما ينالك سوء، و لا يلحقك ضيم غير أن هذه الخيمة ليست دار مقام مثلك،

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] «عليك» سقطت من ص.

[ (3)] في الأصل: «ثان فاللَّه».

35

و أبو الحارث لا يؤثر مقامك في هذا البلد، و أنا أنقلك إلى الحديثة، و أسلمك إلى مهارش ابن عمي، و فيه دين، فلا تخف، و اسكن إلى مراعاتي لك و عد إلى مكانك.

فلما يئس منه قام عنه و هو يقول: للَّه أمر هو بالغه، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.

و عبر قريش ليلة الأربعاء/ التاسع من ذي الحجة إلى الجانب الغربي، و ضرب 19/ أ خيمة بقرب جامع المنصور، و حمل الخليفة إلى المشهد بمقابر قريش، و قال له: تبيت الليلة فيها. فامتنع و قال: هؤلاء العلويون الذين بها يعادوني. فألزم الدخول و بات ليلته في بعض الترب، و حضر من الغد جماعة من أصحاب البساسيري و أصحاب قريش، فتسلموه من موضعه، و أقعدوه في هودج على جمل، و سيروه إلى الأنبار، ثم إلى حديثة عانة على الفرات، و كان صاحب الحديثة مهارش البدوي حسن الطريقة، فكان يتولى خدمة الخليفة، و لما بلغ الخليفة الأنبار شكا وصول البرد إلى جسمه، فأخرج شيخ من مشايخ الأنبار يعرف: بابن مهدويه جبة برد، فيها قطن و مقيارا و لحافا، و كتب الخليفة من هناك رقعة إلى بغداد يلطف فيها بالبساسيري و قريش، يدعوهما إلى إعادته إلى بغداد، و إحسان العشرة، و يحلف بالأيمان المؤكدة على براءة ساحته من جميع ما نسب إليه، فلم يقع الالتفات إليها و لا أجيب عنها، فأقام الخليفة بالحديثة.

و ذكر عبد الملك بن محمد الهمذاني عن بعض خواص القائم أنه قال: لما كنت بحديثة عانة قمت في بعض الليالي للصلاة، و وجدت في قلبي حلاوة المناجاة، فدعوت اللَّه تعالى فيما سنح، ثم قلت: اللَّهمّ أعدني إلى وطني، و اجمع بيني و بين أهلي و ولدي، و يسر اجتماعنا، و أعد روض الأنس زاهرا، و ربع القرب عامرا، فقد قل العزاء، و برح الخفاء، فسمعت قائلا على شاطئ الفرات يقول [بأعلى صوته‏] [ (1)] نعم نعم/ فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال و الابتهال، فسمعت 19/ ب ذلك الصائح يقول: إلى الحول إلى الحول. فعلمت أنه هاتف أنطقه اللَّه تعالى بما جرى الأمر عليه، فكان خروجه من داره حولا كاملا خرج في ذي القعدة و رجع في ذي القعدة.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

36

و روى [ (1)] محمود بن الفضل الأصبهاني أن القائم كتب في السجن دعاء و سلمه إلى بدوي، و أمره أن يعلقه على الكعبة: «إلى اللَّه العظيم من عبده المسكين، اللَّهمّ إنك العالم بالسرائر، و المحيط بمكنونات السرائر، [ (2)] اللَّهمّ إنك غني بعلمك و اطلاعك على أمور خلقك عن إعلامي بما أنا فيه، عبد من عبادك قد كفر بنعمتك و ما شكرك و أبقى العواقب، و ما ذكرها أطغاه حلمك، و تجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغيا، و أساء إلينا عتوا و عدوانا، اللَّهمّ قل الناصرون لنا، و اغتر الظالم و أنت المطلع العالم، و المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، و إليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين و نحن نعتز بك يا رب العالمين، اللَّهمّ إنا حاكمناه إليك، و توكلنا في إنصافنا منه عليك، و قد رفعت ظلامتي إلى حرمك، و وثقت في كشفها بكرمك، فاحكم بيني و بينه و أنت خير الحاكمين، و أرنا به ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالإثم، فاسلبه عزه و مكنا بقدرتك من ناصيته، يا أرحم الراحمين، فحملها البدوي و علقها على الكعبة، فحسب ذلك اليوم 20/ أ فوجد أن البساسيري قتل و جي‏ء برأسه بعد سبعة أيام من/ التاريخ.

و من شعر القائم الّذي قاله في الحديثة:

خابت ظنوني فيمن كنت آمله‏ * * * و لم يخب ذكر من واليت في خلدي‏

تعلموا من صروف الدهر كلهم‏ * * * فما أرى أحدا يحنو على أحد

و قال أيضا:

ما لي من الأيام إلا موعد * * * فمتى أرى ظفرا بذاك الموعد

يومي يمر و كلما قضيته‏ * * * عللت نفسي بالحديث إلى غد

أحيا بنفس تستريح إلى المنا * * * و على مطامعها تروح و تغتدي‏

و أما حديث البساسيري: فأنه ركب يوم الخميس عاشر ذي الحجة من سنة خمسين إلى المصلى في الجانب الشرقي و على رأسه الألوية و المطارد المصرية، و عيد و نحر و بين يديه أبو منصور بن بكران حاجب الخليفة على عادته في ذاك، و كان قد أمنه‏

____________

[ (1)] في ص: «و أورد».

[ (2)] في الأصل: «الضمائر».

37

و ردّ أبا الحسين بن المهتدي إلى منبره بجامع المنصور، و لبس الخطباء و المؤذنون الثياب [ (1)] البياض، و نقل العسكر إلى مشرعة المارستان في الجانب الغربي، و ضرب دنانير سماها المستنصرية، و كان عليها من فرد جانب: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له محمد رسول اللَّه علي ولي اللَّه، و من الجانب الآخر: «عبد اللَّه و وليه الإمام أبو تميم معد المستنصر باللَّه أمير المؤمنين، و كان يقبض على أقوام يغرقهم بالليل، و غرق جماعة عزموا على الفتك به، و خرج الناس من الحريم و دار الخلافة، حتى لم يبق لها إلا الضعيف، و خلت الدور.

و في الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة: أخرج أبو القاسم ابن المسلمة من محبسه/ بالحريم الظاهري مقيدا [ (2)] و عليه جبة صوف و طرطور [ (3)] من لبد أحمر، و في 20/ ب رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، و أركب جملا، و طيف به في محال الجانب الغربي، و وراءه من يصفعه بقطعة من جلد و ابن المسلمة يقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ] [ (4)] الآية، و شهر في البلد، و نثر عليه أهل الكرخ لما اجتاز بهم خلقان المداسات، و بصقوا في وجهه، و لعن و سبّ في جميع المحال، و وقف بإزاء دار الخليفة، ثم أعيد إلى المعسكر و قد نصبت له خشبة بباب خراسان، فحط من الجمل، و خيط عليه جلد ثور قد سلخ في الحال، و جعلت قرونه على رأسه، و علق بكلابين [من‏] [ (5)] حديد [في كتفيه‏] [ (6)] و استقي [ (7)] في الخشبة حيا، فقال لهم: قولوا للأجل قد بلغك اللَّه أغراضك مني‏

____________

[ (1)] «الثياب» سقطت من ص، ت.

[ (2)] «مقيدا» سقطت من ص، ت.

[ (3)] في ص: «طنطور».

و هي قلنسوة للأعراب طويلة الرأس.

[ (4)] سورة: آل عمران، الآية 26.

و ما بين المعقوفتين سقط من ص.

[ (5)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (6)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (7)] في الأصل: «و استقر».

38

فاصطنعني لتنظر خدمتي، و إن قتلتني فربما جرى من سلطان خراسان ما يهلك به البلاد و العباد. فسبوه و استقوه [و لبث‏] [ (1)] إلى آخر النهار يضطرب ثم مات.

و كان البساسيري قد أمر بترك الكلابين في ترقوته ليبقى حيا أياما يشاهد حاله، و أمر أن يطعم كل يوم رغيفين ليحفظ نفسه، فخاف من تولى أمره أن يعفو عنه البساسيري، فضرب الكلابين في مقتله. فقال [عند موته‏] [ (2)] الحمد للَّه الّذي أحياني سعيدا و أماتني شهيدا.

ثم أفرج عن قاضي القضاة الدامغانيّ بعد أن قرر عليه ثلاثة آلاف دينار، فصحح منها سبعمائة، و أمسك البساسيري عن مطالبة الباقي.

ثم إن السلطان طغرلبك خرج من همذان و هزم عسكر أخيه.

و في هذه السنة: ولي أبو عبد اللَّه بن أبي/ طالب نقابة الطالبيين.

و فيها: عصى علي بن أبي الخير بالبطائح، و كان متقدم بعض نواحيها، فكسر جيش طغرلبك و معهم عميد العراق أبو نصر.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3350- الحسن بن محمد، أبو عبد اللَّه الولي الفرضيّ‏

[ (3)].

كان إماما ثقة، و قتل في الفتنة، و دفن يوم الجمعة تاسع ذي الحجة من هذه السنة.

3351- الحسين بن محمد بن طاهر بن يونس، أبو عبد اللَّه مولى المهدي.

سمع الدارقطنيّ، و ابن شاهين، و غيرهما، و كان صدوقا حسن الاعتقاد، كثير الدرس للقرآن، و ينزل شارع [ (4)] دار الرقيق.

و توفي في ربيع الآخر من هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 79، و فيه: «الوني» بدلا من «الولي». و الكامل 8/ 348).

[ (4)] في ت: «بشارع».

39

3352- داود جغري‏بك‏

[ (1)]، أخو السلطان [ (2)] طغرلبك الأكبر [ (3)].

كان ببلخ بإزاء أولاد محمود بن سبكتكين.

3353- طاهر بن عبد اللَّه بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري الفقيه [الشافعيّ‏]

[ (4)].

ولد بآمل سنة ثمان و أربعين و ثلاثمائة، و سمع بجرجان من أبي احمد الغطريفي، و بنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي [ (5)]، و عليه درس الفقه، و سمع ببغداد [ (6)] من الدارقطنيّ، و المعافى، و غيرهما. و ولي القضاء بربع الكرخ بعد موت الصيمري، و كان ثقة ديّنا ورعا عارفا بأصول الفقه و فروعه، حسن الخلق، سليم الصدر.

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال: سمعت [أبا الحسن محمد بن‏] [ (7)] محمد بن عبد اللَّه القاضي يقول: ابتدأ القاضي أبو الطيب الطبري بدرس الفقه، و تعلم العلم و له أربع عشرة سنة، فلم يخلّ به يوما واحدا إلى أن مات.

أخبرنا محمد بن ناصر، عن المولى بن أحمد قال: سمعت أبا إسحاق الشيرازي يقول: دفع القاضي أبو الطيب الطبري خفا له إلى خفاف ليصلحه، فكان يمر عليه ليتقاضاه، و كان الخفاف/ كلما رأى القاضي أخذ الخف فغمسه في الماء، و قال: 21/ ب الساعة الساعة، فلما طال عليه قال: إنما دفعته إليك لتصلحه و لم أدفعه إليك [ (8)] لتعلمه السباحة.

____________

[ (1)] في الأصل: «جقري». و في ت: «جفرتي».

[ (2)] «السلطان» سقطت من ص، ت.

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 79).

[ (4)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 9/ 355. و الكامل لابن الأثير 8/ 348 (أحداث سنة 450). و البداية و النهاية 12/ 79. و شذرات الذهب 3/ 284. و وفيات الأعيان 2/ 512. و طبقات الشافعية 3/ 176:

197. و الأعلام 3/ 222).

[ (5)] في الأصل: «الماسرخس».

[ (6)] في ص: «في بغداد».

[ (7)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (8)] في المطبوعة: «إليه».

40

توفي الطبري يوم السبت لعشر بقين من ربيع الأول سنة خمسين و أربعمائة، و صلى عليه أبو الحسين ابن المهتدي بجامع المنصور، و دفن بمقبرة باب حرب، و قد بلغ من السن مائة و ستين سنة، و كان صحيح العقل، ثابت الفهم، سليم الأعضاء، يفتي و يقضي إلى حين وفاته.

3354- عبيد اللَّه [بن أحمد] بن عبد اللَّه، أبو القاسم [ (1)] الرقي العلويّ.

أخبرنا القزاز، أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: سكن الرقي بغداد في درب أبي خلف من قطيعة الربيع، و كان أحد العلماء بالنحو و الأدب و اللغة، عارفا بالفرائض، و قسمة المواريث، و حدّث شيئا يسيرا، و كتبت عنه، و كان صدوقا. و سألته عن مولده فقال: سنة إحدى و ستين و ثلاثمائة.

و توفي في ربيع الآخر من هذه السنة، و دفن في مقبرة باب حرب.

3355- عبد الواحد بن الحسين [بن شيطا]

[ (2)].

سمع أبا محمد بن معروف، و عيسى بن علي [بن عيسى‏] الوزير و غيرهما، و كان ثقة [و كان‏] [ (3)] بصيرا بالعربية عالما بوجوه القراءات، حافظا لمذاهب القرّاء.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: سألت ابن شيطا عن مولده فقال: ولدت يوم الاثنين السادس عشر من رجب سنة سبعين و ثلاثمائة.

و مات يوم الأربعاء [ (4)] الخامس و العشرين من صفر سنة خمسين و أربعمائة، و دفن [من يومه‏] [ (5)] في مقبرة الخيزران.

____________

[ (1)] في ص، المطبوعة: «عبيد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه أبو القاسم الرقي العلويّ».

و في ت: «عبيد اللَّه بن علي بن عبيد اللَّه، أبو القاسم الرقي العلويّ».

و في تاريخ بغداد: عبيد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه، أبو القاسم الرقي».

انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 10/ 387، 388. و شذرات الذهب 3/ 285).

[ (2)] في ص، الأصل: «عبد الواحد بن الحسين بن أحمد بن معروف، سمع عيسى بن علي الوزير».

هكذا حدث تداخل و سقط من العبارة، و قد أثبتناها من نسخة ت، و تاريخ بغداد 11/ 16.

انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 11/ 16. و الكامل 8/ 348).

[ (3)] ما بين المعقوفتين من أول الترجمة سقط من الأصل.

[ (4)] في المطبوعة: «يوم الأبعار».

[ (5)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

41

3356- عبد العزيز بن علي بن محمد بن عبد اللَّه [ (1)] بن بشران، أبو الطيب‏

[ (2)].

سمع ابن المظفر، و ابن حيويه، و غيرهما و كان ثقة [ (3)]. قال الخطيب: كتبت عنه و كان سماعه صحيحا، سألته عن مولده فقال: سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة.

و توفي في صفر هذه السنة، و دفن في مقبرة باب الدير.

3357- علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري‏

[ (4)].

كان من وجوه فقهاء الشافعية، و له تصانيف كثيرة في أصول الفقه و فروعه، و له «المقترن» و «النكت»/ في التفسير و «الأحكام السلطانية» و «قوانين الوزراء» 22/ أ و «الحكم و الأمثال» و ولي القضاء ببلدان كثيرة، و كان يقول: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، و قد اختصرته في أربعين. يريد بالمبسوط «الحاوي»، و بالمختصر «الإقناع» و كان وقورا متأدبا لا يرى أصحابه ذراعه، و كان ثقة صالحا.

و توفي في ربيع الأول من هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب، و بلغ ستا و ثمانين سنة.

3358- علي بن عمر، أبو الحسن البرمكي، أخو أبي إسحاق‏

[ (5)].

سمع من ابن حبابة، و المعافى. توفي في هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3359- علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر، أبو القاسم ابن المسلمة

[ (6)].

سمع أبا أحمد الفرضيّ و غيره، و كان أحد الشهود المعدلين، ثم استكتبه الخليفة

____________

[ (1)] في ت: «عبيد اللَّه».

[ (2)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 10/ 469).

[ (3)] «و كان ثقة» سقطت من ص.

[ (4)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 12/ 102. و البداية و النهاية 12/ 80. و شذرات الذهب 3/ 285، 286. و طبقات الشافعية 3/ 303. و وفيات الأعيان 3/ 282. و تاريخ آداب اللغة 2/ 333. و مفتاح السعادة 2/ 190. و الأعلام 4/ 327).

[ (5)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 12/ 43).

[ (6)] انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد 11/ 391. و البداية و النهاية 12/ 80. و الكامل/. و النجوم الزاهرة 5/ 6، 64. و تاريخ ابن خلدون 3/ 457، 458، 464. و دائرة المعارف الإسلامية 1/ 278. و الأعلام 4/ 272).

42

القائم بأمر اللَّه و استوزره، و لقّبه: رئيس الرؤساء شرف الوزراء جمال الورى، و كان مضطلعا بعلوم كثيرة مع سداد رأي و وفور عقل.

قال المصنف [رحمه اللَّه‏] [ (1)]: و نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل أنه قال: ذكر لي [ (2)] بعض أهل العلم المحققين أن رئيس الرؤساء قال للشيخ أبي إسحاق في مسألة القائل لزوجته: إن دخلت أو خرجت إلا بإذني فأنت طالق هل يكفي فيه إذن مرة أ ليس قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق [ (3)] لا يقتضي التكرار و لا فيه لفظ من ألفاظ التكرار، و إنما هو حرف من حروف الشرط، فإذا كان كذلك فلا وجه لاعتبار تكرر الإذن و لا [ (4)] لتكرار الوقوع بعدم الإذن. فكان الشيخ أبو إسحاق يقول، عولوا على هذا دليلا في المسألة.

أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: سمعت علي بن الحسن 22/ ب الوزير يقول: ولدت في شعبان سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة/ فرأيت في المنام و أنا حدث كأني أعطيت [ (5)] شبه النبقة الكبيرة، و قد ملأت كفي، و ألقي في روعي أنها من الجنة فعضضت منها عضة، و نويت بذلك حفظ القرآن، و عضضت أخرى و نويت درس الفقه، و عضضت أخرى و نويت درس الفرائض، و عضضت أخرى و نويت درس النحو، و عضضت أخرى و نويت درس العروض، فما من هذه العلوم إلا و قد رزقني اللَّه منه.

قتل الوزير أبو القاسم يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من هذه السنة، قتله البساسيري ثم قتل البساسيري [ (6)] و طيف برأسه في بغداد خامس عشر ذي الحجة سنة إحدى [ (7)] و خمسين و أربعمائة.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] «لي» سقطت من ص، ت.

[ (3)] «هل يكفي إذن مرة أ ليس قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق» سقط من ص، ت.

[ (4)] «لا» سقطت من ص.

[ (5)] في الأصل: «وطيت».

[ (6)] «ثم قتل البساسيري».

[ (7)] «إحدى و» سقطت من ص.

43

و ذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني المؤرخ قال: من عجيب الاتفاق: لما ولي ابن المسلمة وزارته ركب إلى جامع المنصور بعد أن خلع عليه، فأتى إلى تل فنزل في موكبه و صلى عليه ركعتين، و قال: هذا موضع مبارك، و كان قديما بيت عبادة، و عنده صلب الحسين بن منصور الحلاج. ثم أصابت رئيس الرؤساء عند ذلك رعدة شديدة، و كان الناس يقولون إنه حلّاجي [ (1)] المذهب. فبقي في الوزارة اثنتي عشرة سنة، و أشهرا، و صلب في ذلك المكان بعينه. فعلم الناس أن رعدته كانت لذلك، و بلغ من العمر اثنتين و خمسين سنة و خمسة أشهر.

3360- منصور بن الحسين، أبو الفوارس الأسدي صاحب الجزيرة

[ (2)].

توفي و اجتمعت العشيرة على ولده صدقة.

____________

[ (1)] في ص: «جلاجلي» و كذا في المطبوعة.

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 80. و الكامل 8/ 348).

44

ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

23/ أ/ أن أبا منصور بن يوسف انتقل عن معسكر قريش إلى داره بدرب خلف بعد أن حمله البساسيري، و جمع بينهما حتى رضي عنه، و أصلح بينه و بينه، و التزم أبو منصور له شيئا قرره عليه، و ركب البساسيري إليه في هذا اليوم نظرية لجاهه، و خاطبه بالجميل و طيب نفسه بما بذله له، و وعده به، و ركب قريش بن بدران من غد إليه أيضا، و عاد جاهه طريا إلا أنه خائف من البساسيري.

و في هذا الشهر: كتبت والدة الخليفة إلى البساسيري من مكان كانت فيه مستترة [رقعة] [ (1)] تشرح فيها ما لحقها من الأذى و الضرر و الفقر، حتى إن القوت يعتذر عليها، فأحضرها، و هي جارية أرمينية قد ناهزت التسعين و احدودبت، و أفرد لها دارا في الحريم الطاهري، و أعطاها جاريتين تخدمانها، و أجرى عليها في كل يوم اثني عشر رطلا خبزا و أربعة أرطال لحما.

و في يوم الاثنين ثاني عشر صفر: أحضر البساسيري قاضي القضاة أبا عبد اللَّه الدامغانيّ، و أبا منصور بن يوسف، و أبا الحسين بن الغريق الخطيب، و جماعة من وجوه العلويين و العباسيين و أخذ عليهم البيعة للمستنصر باللَّه، و استحلفهم له، و دخل إلى دار الخلافة بعد أيام و هؤلاء الجماعة معه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

45

و في ليلة الأحد ثاني ربيع الأول: نقلت جثة أبي القاسم ابن المسلمة إلى ما يقارب الحريم الطاهري، و نصبت على دجلة.

و في بكرة الثلاثاء رابع هذا الشهر،/ خرج البساسيري إلى زيارة المشهد بالكوفة 23/ ب على أن ينحدر من هناك إلى واسط و استصحب معه غلة في زورق [ (1)] ليرتب العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي، و يجريه إلى المشهد بالحائر، وفاء بنذر كان عليه، و أنفذ من ابتدأ بنقض تاج الخليفة فنقضت شرافاته فقيل له: هذا لا معنى فيه، و القباحة فيه أكثر من الفائدة، فأمسك عن ذلك.

ثم إن السلطان طغرلبك ظفر بأخيه إبراهيم فقتله، و قتل ألوفا من التركمان، و أنفذ إلى قريش يلتمس خاتون و يخلط بذلك ذكر الخليفة، و رده إلى مكانه، فرد خاتون و أجاب عما يتعلق بالخليفة بأن ما جرى [ (2)] كان من فعل ابن المسلمة، و متى وقع تسرع في المسير إلى العراق، فلست آمن أن يتم على الخليفة أمر يفوت و سبب يسوء، و لسنا بحيث نقف لك و لا نحاربك، و إنما نبعد و ندعك، فربما ماست العساكر من بلادها ففتحت البثوق و خربت [ (3)] السواد، و أنا أتوصل في جميع ما يراد من البساسيري.

و راسل قريش البساسيري يشير عليه بما التمسه السلطان طغرلبك، و يحذره المخالفة له و يقول: قد دعوت إلى السلطان على ستمائة فرسخ فخدمناه، و فعلنا ما لم يكن يظنه [ (4)]، و مضى لنا ستة أشهر مذ فتحنا العراق ما عرفنا منه خبرا، و لا كتب إلينا حرفا، و لا فكر فينا، و قد عادت رسلنا بعد سنة و كسر صفرا من شكر و كتاب، فضلا عن مال و رجال، و متى تجدد خطب فما يشقى به غيري و غيرك، و الصواب المهادنة/ 24/ أ و المسالمة، و ردّ الخليفة إلى أمره، و الدخول تحت طاعته، و أن يستكتب أمنه.

و في هذه السنة: كان بمكة رخص لم يشاهد مثله، و بلغ البر و التمر مائتي رطل بدينار و هذا غريب هناك.

____________

[ (1)] في الأصل: «زواريقه».

[ (2)] في الأصل: «و أجاب عن الخليفة بأن الّذي جرى».

[ (3)] في ص: «و خرب».

[ (4)] في الأصل: «فعله».

46

و ورد كتاب المسافرين من دمشق بسلامتهم من طريق السماوة، و أنهم مطروا في نصف تموز حتى كانت الجمال تخوض في الماء، و امتلأت المصانع و الزّبى [ (1)].

و فيها: زادت الغارات، حتى إن قوما من التجار أعطوا على وجه الخفارة من النهروان أربعة عشر ألف دينار و مائة كر و مائتي رأسا من الغنم.

و في شوال: عاد لقريش بن بدران رسول يقال له: نجدة من حضرة السلطان، و كان قريش قد أنفذ هذا الصاحب في صحبة السيدة أرسلان خاتون امرأة القائم بأمر اللَّه، و أصحبه رسالة إلى السلطان يعده بردّ الخليفة إلى داره، و يشير عنه بالقرب ليفعل ذلك، و يتمكن منه، و كان قد ورد كتاب من السلطان إلى قريش عنوانه للأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران مولى أمير المؤمنين من شاهنشاه المعظم ملك المشرق و المغرب طغرلبك أبي طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق و على رأس الكتاب العلامة السلطانية [ (2)] بخط السلطان: «حسبي اللَّه» و كان في الكتاب و الآن قد سرت بنا المقادير إلى كل عدو للدين، و الملك و لم يبق لنا و علينا من المهمات إلا خدمة سيدنا 24/ ب و مولانا الإمام القائم بأمر اللَّه/ أمير المؤمنين و اطلاع أبهة إمامته على سرير عزه، فإن الّذي يلزمنا ذلك و لا فسحة في التضجيع فيه ساعة واحدة [ (3)] من الزمان، و قد أقبلنا بخيول المشرق إلى هذا المهم العظيم، و نريد من الأمير الجليل علم الدين إتمام السعي النجيح، الّذي وفق له، و تفرد به، و هو أن يتم وفاءه من أمانته و خدمته في باب سيدنا و مولانا القائم بأمر اللَّه، أمير المؤمنين من أحد الوجهين إما أن يقبل به إلى ذكر عزه، و مثوى إمامته، و موقف خلافته من مدينة السلام، و ينتدب بين يديه موليا [ (4)] أمره و منفذا حكمه، و شاهرا سيفه و قلمه، و ذلك المراد، و هو خليفتنا في تلك الخدمة المفروضة، و توليه العراق بأسرها، و تصفي له مشارع برها و بحرها لا يطأ حافر خيل [ (5)] من خيول‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و الرّبا». و الزّبى، و الرّبا بمعنى واحد، فالزّبية: هي الرابية التي لا يعلوها الماء. (لسان الميزان ص 1810 ط دار المعارف).

[ (2)] في الأصل: «علامة السلطان».

[ (3)] «واحدة» سقطت من ص.

[ (4)] في الأصل: «متوليا».

[ (5)] في الأصل: «لا يطأ خيل».

47

العجم شبرا من أراضي تلك الممالك إلا بالتماسه لمعاونته و مظاهرته، و اما أن يحافظ على شخصه [الكريم‏] [ (1)] العالي بتحويله من القلعة إلى حلته، أو في القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته، فنتكفل بإعادته، و ليكون الأمر الجليل مخيرا بين أن يلتقي بنا أو يقيم حيث شاء، فنوليه العراق و نستخلفه في الخدمة الإمامية، و نصرف أعنتنا إلى الممالك الشرقية، فهممنا لا تقتضي إلا هذا الغرض من العرض، و لا نسف إلى مملكة من تلك الممالك بل الهمة دينية، و هو أدام اللَّه تمكينه يتقن ما ذكرنا، و يعلم أن توجهنا أثر هذا الكتاب لهذا الغرض المعلوم و لا غرض سواه، فلا يشعرن قلوب عشائره رهبة [ (2)]، فإنهم كلهم إخواننا، و في ذمتنا و عهدنا، و علينا به عهد اللَّه و ميثاقه ما داموا موافقين للأمير الجليل في/ موالينا، و من اتصل به من سائر العرب و العجم و الأكراد، فإنّهم مقرون في 25/ أ جملته، و داخلون في عهدنا و ذمتنا، و لكل مخترم في العراق عفونا و أماننا مما بدر منه، إلا البساسيري، فإنه لا عهد له و لا أمان، و هو موكول إلى الشيطان و تساويله، و قد ارتكب في دين اللَّه عظيما، و هو إن شاء اللَّه مأخوذ حيث وجد، معذّب على ما عمل، فقد سعى في دماء خلق كثير بسوء دخيلته، و دلّت أفعاله على فساد عقيدته، فإن سرب في الأرض فإلى أن يلحقه المكتوب على جبهته، و إن وقف فالقضاء سابق إلى مهجته، و اللَّه تعالى يجازي الأمير الجليل على كل سعي تجشم في مصالح الدين، و في خدمة إمام المسلمين. و قد حملنا الأستاذ العالم أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب بن فورك، و معتمد الدولة [ (3)] أبا الوفاء زيرك ما يؤديانه من الرسائل و هو يصغي إليهما، و يعتمد عليهما و يسرحهما إلى القلعة ليخدما مجلس سيدنا و مولانا أمير المؤمنين عنا، و كتب في رمضان سنة إحدى و خمسين.

و حمل مع هذين الرسولين خدمة إلى الخليفة أربعون ثوبا أنواعا، و عشرة دسوت ثياب مخيطة، و خمسة آلاف دينار، و خمسة دسوت مخيطة من جهة خاتون زوجة القائم.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «رهبته».

[ (3)] في الأصل: «و معتمدنا أبا الوفاء».

48

فحكى «نجدة» لقريش أن السلطان طغرلبك بهمذان في عساكر كثيرة، و هو بنية المسير إلى العراق متى لم يرد الخليفة إلى بغداد، فخاف قريش و ارتاع، فابتاع جمالا عدة، و أصلح بيوتا كثيرة، و أنفذ إلى البرية من يحفر فيها و يعمرها ليدخلها، ثم أنفذ الكتاب الوارد إليه [ (1)] مع «نجدة» إلى البساسيري ليدبر الأمر على مقتضاه، فأنفذ 25/ ب البساسيري إلى بغداد، فأخذ دوابه/ و جماله و رحله إلى مقره بواسط، و كاتب أهله يطيب نفوسهم و يقول: متى صح عزم هذا الرجل على قصد العراق سرت إليكم و أخذتكم، فلا تشغلوا قلوبكم.

و تقدم بأن يسلخ ثور أسود و يؤخذ [ (2)] جلده فيكسى به رمة أبي القاسم ابن المسلمة، و يجعل قرناه على رأسه و فوقهما طرطور أحمر، ففعل ذلك.

ثم أجاب البساسيري إلى عود الخليفة، و شرط في ذلك شروطا منها: أن يكون هو النائب على باب الخليفة، و الخادم دون غيره، و ردّ خوزستان، و البصرة إليه على قديم عادته، و أن يخطب للخليفة فقط دون أن يشاركه في الخطبة ركن الدين، و بعث مع رسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة من يتولى إحلاف الخليفة له على ما اشترط، و عرف البساسيري قرب السلطان، فكاتب أصحابه بالبصرة ليصعدوا إليه ليقصد بغداد، فأعجل الأمر عن ذلك و انحدر حرم البساسيري و أولاده و أصحابهم و أهل الكرخ و المتشبهون في دجلة، و على الظهر و بلغت أجرة السمارية إلى النعمانية عشرة دنانير، و نهب الأعراب و الأكراد أكثر المشاة، و لما وصل السائرون على الظهر إلى صرصر غرق في عبورهم قوم منهم، و بقي أكثر العامة [ (3)] لم يعبروا، فعطف عليهم بنو شيبان فنهبوهم، و قتلوا أكثرهم، و عروا نساءهم، و تقطعت قطعة منهم في السواد، و كان خروج أصحاب البساسيري في اليوم السادس من ذي القعدة، و كذلك كان دخولهم إلى بغداد في سادس ذي القعدة، و كان تملكهم سنة كاملة، و ثار الهاشميون و أهل باب البصرة إلى الكرخ فنهبوها و طرحوا النار في أسواقها و دروبها، و احترقت دار الكتب التي وقفها

____________

[ (1)] «إليه» سقطت من ص، ت.

[ (2)] في الأصل: «و يسلخ».

[ (3)] في ص: «و بقي أكثرهم لم يعبروا».

49

سابور بن أردشير الوزير في سنة ثلاث/ و ثمانين و ثلاثمائة، و كان فيها كتب كثيرة، 26/ أ و احترق درب الزعفرانيّ و كان فيه ألف و مائتا دينار لكل دار منها قيمة، و نهبت الكوفة نيفا و ثلاثين يوما.

و أما الخليفة فإن مهارشا العقيلي صاحب الحديثة الّذي كان مودعا عنده حلف له و وثق من نفسه في حراسة مهجته، و أن لا يسلمه إلى عدو، و كان قد تغير على البساسيري لوعود وعده بها و لم يف له، و أجفل قريش في البرية مصعدا إلى الموصل بعد أن بعث إلى مهارش يقول له: قد علمت أننا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك، و قد طلبوه الآن، و ربما قصدوك و حاصروك و أخذوه منك، فخذه و أرحل به و أهلك و ولدك إليّ فإنّهم إذا علموا حصوله بأيدينا لم يقدموا على طرق العراق، ثم نقرر الأمر في عوده على قاعدة نكون معها سالمين، و نقترح ما نريد من البلاء عوضا عن رده، و ما أروم تسليمه منك، بل يكون في يدك على جملته بحيث لا يمكن أن يؤخذ قهرا من أيدينا.

فقال مهارش للرسول: قل له ان البساسيري غدرني، و لم يف بما ضمنه لي، و بعثت بصاحبي إلى بغداد، و قلت له قد برئت من اليمين التي لكم في عنقي، فأنفذوا و تسلموا صاحبكم الّذي عندي فلم يفعل، و عرف الخليفة خلاص رقبتي من اليمين التي كانت عليّ فاستحلفني لنفسه، و توثق مني بما لا يمكن فسخه.

و قال مهارش للخليفة: الرأي الخروج و المضي إلى بلد بدران بن مهلهل لننظر ما قد [ (1)] يجد من أمر هذا السلطان الوارد، و نكون في موضع نأمن به و ندبر أمورنا بمقتضى الأمر، فما آمن أن يجيئنا البساسيري فيحضرنا فلا نملك [ (2)] اختيارنا. فقال له: افعل ما ترى.

فسارا من الحديثة في يوم الاثنين/ الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا 26/ ب بقلعة تل عكبرا، فلقيه ابن فورك هناك و سلّم إليه ما أنفذه السلطان، و كتب إلى السلطان يخبره الحال و يسأله إنفاذ سرادق كبير، و خيم، و فروش، و كان السلطان حينئذ قد وصل إلى بغداد ففرح السلطان بذلك، و نهب عسكر السلطان ما بقي من نهر طابق، و باب‏

____________

[ (1)] «قد» سقطت من ص.

[ (2)] في الأصل: «فلا يملكنا».

50

البصرة، و جميع البلد، و لم يسلم من ذلك إلا حريم الخليفة، و كان أكثره خاليا، و أخذ الناس فعوقبوا، و استخرجت منهم الأموال بأنواع العذاب، و تشاغل [ (1)] بعمارة دار المملكة، فوقع النقض في أكثر ما سلم، و بعث السلطان عميد الملك و من استعقله من الأمراء و الحجّاب في نحو ثلاثمائة غلام، و أصحبهم أربع عشرة بختية عليها السرادق الكبير، و العدد من الخيم، و الخركاهات، و الآلات، و الفروش، ستة أبغل عليها الثياب و الأواني، و بغلا عليه مهد مسجف، و ثلاثة أفراس بالمراكب الذهب.

قال ابن فورك: فاستقبلتهم، فاستشرحني عميد الملك ما جرى فشرحته. فقال:

تقدم و اضرب السرادق و الخيام [ (2)] و انقل أمير المؤمنين من حيث هو إليها ليلقاه فيها [ (3)]، و إذا حضرنا فليؤخر الإذن لنا ساعة كبيرة، فسبقت و فعلت ذلك، و دخل عميد الملك فأورد ما أوجب إيراده من سرور السلطان و ابتهاجه بما يسره اللَّه تعالى له من خلاصه، و شكر مهارشا على جميل فعله، و سأل الخليفة السير فقال: بل نستريح يومين و نرحل/، 27/ أ فقد لحقنا من النصب ما يجب أن يحلل بالراحة قال: كما ترى [ (4)].

و كتب عميد الملك إلى السلطان كتابا فشرح له ما جرى فيه [و أجب‏] [ (5)] أخذ خط الخليفة على رأسه تصديقا لما يتضمنه فلم يكن عنده دواة حاضرة، فأحضر عميد الملك من خيمته دواة فتركها بين يديه، و أضاف إليها سيفا منتخبا و قال: هذه خدمة محمد بن منصور- يعني نفسه- جمع في هذه الدولة بين خدمة السيف و القلم.

فشكره الخليفة و أقاموا يومين، ثم وقع الرحيل فوصلوا إلى النهروان يوم الأحد الرابع و العشرين من ذي القعدة. فأشعر السلطان بذلك فقال: قولوا لأبي نصر- يعني عميد الملك- يقيم إلى أن ينزل الخليفة و يستريح، و يصلي و يتناول الطعام، ثم يعرفني حتى أجي‏ء و أخدمه.

____________

[ (1)] في الأصل: «و تشوغل».

[ (2)] في ص: «و الخيم».

[ (3)] في ص: «ليلقاه فيها».

[ (4)] في ص: «كما قال براء».

[ (5)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

51

فلما جاء وقت العصر جاء عميد الملك فأخبر السلطان بعد أن استأذن له الخليفة، فركب فلما وقعت عينه على السرادق نزل عن فرسه و مشى إلى أن وصله، فدخل فقبّل الأرض سبع مرات، فأخذ الخليفة مخدة من دسته فطرحها له بين يديه، و قال: اجلس.

فأخذ المخدة فقبّلها، ثم تركها و جلس عليها، و أخرج من قبائه الجبل الياقوت الأحمر الّذي كان لبني بويه، فطرحه بين يديه، و أخرج اثنتي عشرة حبة لؤلؤا كبارا مثمنة، فقال:

أرسلان خاتون- يعني زوجة- الخليفة تخدم و تسأل أن تسبح بهذه السبحة، فقد أنفذتها معي، و كان يكلم عميد الملك و هو يفسره، و اعتذر عن تأخره عن الورود إلى الحضرة الشريفة و استخلاص المهجة الكريمة بما كان من [عصيان‏] [ (1)] أخيه/ إبراهيم، و قال: 27/ ب كان من الإخوة الحسدة، و قد جرت له بالعصيان عوائد عفوت عنه فيها، فأطمعه ذلك، فلما عاد فعله بالضرر على أمير المؤمنين و الدين و الدولة العباسية خنقته بوتر قوسه، و شفع ذلك وفاة الأخ الأكبر داود، فأحوجني الأمر إلى [ترتيب حتى‏] [ (2)] رتبت أولاده مكانه، فلم يمكن أن أصمد لهذه الخدمة، ثم أعددت لأصل إلى الحديثة، و أخدم المهجة الشريفة، فوصل إليّ الخبر بما كان من تفضل اللَّه تعالى في خلاصها و خدمة هذا الرجل- يعني مهارشا- بما أبان عن صحيح ديانته، و صادق عقيدته، و أنا إن شاء اللَّه أمضي وراء هذا الكلب- يعني البساسيري- و أقتنصه و أيمم إلى الشام، و أفعل بصاحب مصر فيها ما يكون جزاء لفعل البساسيري هاهنا.

فدعا له الخليفة و شكره و قلّده بيده سيفا كان إلى جنبه، و قال: إنه لم يسلم مع أمير المؤمنين وقت خروجه غير هذا السيف، و قد تبرك به، و شرّفك بتقليده. فتقلده و قبّل الأرض، و نهض و استأذن للعسكر فأذن، فدخل الأتراك من جوانب السرادق، و كشفت أغطية الخركاه المضروبة على الخليفة حتى شاهدوه و خدموه و انصرفوا، و وقع المسير من غد و الدخول إلى بغداد.

و تقدم الخليفة بضرب خيمة في معسكر السلطان و قال: أريد أن أكون معه إلى أن يكفي اللَّه من أمر هذا اللعين، فما تأمن الخدمة الشريفة المقام في مكان لا يكون فيه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

52

فقال السلطان: اللَّه اللَّه، ما هذا مما يجوز أن يكون مثله و نحن الّذي يصلح للحرب 28/ أ و السفر و التهجم و الخطر دون/ أمير المؤمنين، و إذا خرج بنفسه فأي حكم لنا و أي خدمة تقع منا. و امتنع أن يجيبه إلى ذلك، فدخل الخليفة البلد، و تقدم السلطان إلى باب النوبي، و قعد مكان الحاجب على دكته إلى أن ورد الخليفة و العسكر محتفون به، و لم يكن في بغداد من يستقبله سوى قاضي القضاة و ثلاثة أنفس من الشهود، و ذلك لهرب الناس عن البلد و من بقي منهم، فهو في العقوبات و آثار النهب، فلما وصل إلى الدار أخذ بلجام [ (1)] بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة، و ذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، فلما نزل الخليفة خدمه السلطان و استأذنه في المسير وراء البساسيري، فأذن له، فانصرف و عبر إلى معسكره، فجاءه سرايا ابن منيع متقدم [ (2)] بني خفاجة، فقال له: الرأي أيها السلطان أن تنفذ معي ألفي غلام من العسكر حتى أمضي إلى طريق الكوفة، فاشغل البساسيري عن الإصعاد إلى الشام، و يأخذه من عرقوبه [ (3)] لما تنحدر أنت وراءه [ (4)]، فلم يعجب السلطان ذلك، إلا أنه خلع عليه و أعطاه سبعمائة دينار و أنزل في العسكر.

فلما انتصف الليل انتبه السلطان، فاستدعى خمارتكين فقال له: اعلم أني قد رأيت الساعة في منامي كأني [ (5)] قد ظفرت بالبساسيري و قتلته، و ينبغي أن يسير عسكر إليه من طريق الكوفة كما قال سرايا، فإن نشطت أنت فكن مع القوم. فقال: السمع و الطاعة.

فسار و سار معه أنوشروان و جماعة من الأمراء، و تبعهم السلطان في يوم الجمعة 28/ ب تاسع و عشرين [من الشهر] [ (6)]/ فأما مهارش فإنه اقترح اقتراحات كثيرة، فأطلق له السلطان [طغرلبك‏] [ (7)] عشرة آلاف دينار و لم يرض، و أما البساسيري فإنه أقام بواسط

____________

[ (1)] في ص: «لجام».

[ (2)] في الأصل: «مقدم».

[ (3)] في ص: «من عرقوب».

[ (4)] «لما تنحدر أنت وراءه» سقطت من ص.

[ (5)] في الأصل: «أني».

[ (6)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[ (7)] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.