المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك‏ - ج17

- أبو الفرج ابن الجوزي المزيد...
320 /
3

[المجلد السابع عشر]

ثم دخلت سنة ست و ثمانين و اربعمائة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم صلى اللَّه على سيدنا محمد و آله و صحبه فمن الحوادث فيها:

أنه كان قد قدم إلى بغداد في شوال سنة خمس و ثمانين رجل من أهل مرو و اسمه أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي، ثم خرج إلى الحج، فلما قدم جلس في النظامية سنة ست، و حضره أبو حامد الغزالي المدرس بها، و كان الغزالي يحاضره و يسمع كلامه منذ قدم بغداد، فلما جلس كثر الناس عليه حتى امتلأ صحن المدرسة و أروقتها و بيوتها و غرفها و سطوحها، و عجز المكان فكان يجلس في قراح ظفر، و في كل مجلس يتضاعف الجمع و ذرعت الأرض التي عليها الرجال خاصة فكان طولها مائة و سبعين ذراعا و عرضها [ (1)] مائة و عشرين ذراعا، و كان النساء أكثر من ذلك، فكانوا على سبيل الحزر ثلاثين ألفا، و كان صمت هذا الرجل أكثر من نطقه، و كانت آثار الزهادة بيّنة عليه، و كان إذا تكلم كلمة ضجوا و هاموا، و ترك أكثر الناس معايشهم، و حلق أكثر الصبيان شعورهم، و أووا إلى المساجد و الجوامع، و توفروا على الجماعات، و أريقت الأنبذة و الخمور، و كسرت آلات الملاهي.

و حكى إسماعيل بن أبي سعد الصوفي قال [ (2)]: كان العبادي ينزل رباطا و كان في الرباط بركة كبيرة [ (3)] يتوضأ فيها، فكان الناس ينقلون منها الماء بالقوارير و الكيزان تبركا حتى كان يظهر فيها نقصان الماء.

____________

[ (1)] في الأصل: «الرجال خاصة فكانت مائة و سبعين ذراعا طولا و عرضها» ..

[ (2)] في الأصل: «بن أبي سعد الصيرفي.

[ (3)] في ص: «كان العبادي ينزل في رباطنا بركة كبيرة». و ما أوردناه من الأصل، ت.

4

2/ ب و حدثني أبو منصور الأمين أنه قام إليه رجل ليتوب، فقال له: قف/ مكانك ليغسلك ماء المطر. فوقف، فوقع ماء المطر و أظنه قال: و ليس في السماء قزعة. قال:

و قال يوما: يا أبا منصور، أشتهي توثا شاميا و ثلجا فإن حلقي قد تغيّر. قال: فعبرت إلى الجانب المغربي ولي ثمّ بساتين، فطفت و اجتهدت فلم أجد [ (1)]، فرجعت قبيل الظهر، فدخلت إلى الدار و كان أصحابه فيها و هو منفرد في بيت، فقلت لأصحابه: من جاء اليوم؟ فقالوا: جاءت امرأة فقالت: قد غزلت غزلا و أحب أن تقبل مني ثمنه [ (2)]، فأخبرناه فقال: ليس لي بذلك عادة، فجلست تبكي فرحمها فقال: قولوا لها تشتري ما يقع في نفسها، فخرجت فاشترت توثا شاميا و ثلجا و جاءت به.

و قال لي أبو منصور: و دخلت يوما عليه فقال لي: يا أبا منصور، قد اشتهيت أن تعمل لي دعوة فاشتريت الدجاج، و عقدت الحلوى، و غرمت أكثر من أربعين دينارا، فلما تم ذلك جلس يفرقه [و] [ (3)] يقول: احمل هذا إلى الرباط الفلاني و إلى الموضع الفلاني. فلما انتهينا رآني كأني ضيق الصدر، إذ لم يتناول منه شيئا، فغمس إصبعه الصغرى في الحلوى، و قال: يكفي هذا. قال و كنت أراصده في الليل، فربما تقلب طول الليل على الفراش، ثم قام وقت الفجر فصلى بوضوئه. و كان معه طعام قد جاء به من بلده، فلم يأكل من غلة بغداد.

و حكى لي عبد الوهاب بن أبي منصور الأمين عن أبيه قال: دخلت على العبادي و هو يشرب مرقة فقلت في قلبي: ليته أعطاني [ (4)] فضلته لأشربها لعلي أحفظ القرآن.

قال: فناولني ما فضل منه، و قال: اشربه على تلك النية. فشربته و رزقني اللَّه حفظ القرآن.

و حكى لي أن هذا الرجل تكلم في الربا و بيع القراضة بالصحيح، فمنع من الجلوس، و أمر بالخروج من البلد فخرج.

____________

[ (1)] في الأصل: «فلم أجده».

[ (2)] في الأصل: «أن يقبل مني».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «ليتني أعطاني».

5

[خطبة تاج الدولة تتش لنفسه بالسلطنة]

و في هذه السنة: خطب تاج الدولة تتش [لنفسه‏] [ (1)] بالسلطنة، و قصد الرحبة ففتحها عنوة و دخل في/ طاعته آقسنقر صاحب حلب [ (2)]، و بوزان صاحب الرها [ (3)]، و وزر له الكافي ابن فخر الدولة بن جهير و ملك ديار بكر و الموصل و بعث إلى الخليفة يلتمس إقامة الخطبة له ببغداد، فتوقف و انفصل بعد ذلك عن تتش آقسنقر و بوزان، و توجه بركيارق إلى حرب تتش [ (4)]، فاستقبلهم بباب حلب، فكسرهم و أسر بوزان و آقسنقر، و صلبهما.

[بدء الفتن بالجانب الغربي‏]

و في جمادى الآخرة: بدأت الفتن في الجانب الغربي، و قطعت بها طرق السابلة، و قتل أهل النصرية مسلحيا يعرف بابن الداعي، و أنفذ سعد الدولة أصحابه فأحرقوا النصرية، و تتبع المفسدين فهربوا، ثم اتصلت الفتن بين أهل باب البصرة و الكرخ، و وقع القتال على القنطرة الجديدة، و أنفذ سعد الدولة إلى الكرخ فنهبت و أحرقت.

[ولد الولد الخليفة ولد]

و في شعبان: ولد الولد الخليفة ولد، و هو أبو منصور الفضل ابن ولي العهد أبي العباس أحمد المستظهر، و الفضل هو المسترشد.

و في يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة: خرج الوزير أبو منصور بن جهير في الموكب لتلقي السلطان بركيارق، فهنأه عن الخليفة بالقدوم.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3632- جعفر بن المقتدي‏

[ (5)]:

الّذي كان من خاتون بنت ملك شاه، توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة، و جلس الوزير عميد الدولة للعزاء به ثلاثة أيام.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «آق‏سنقر صاحب حلب».

[ (3)] في الأصل: «و توران».

[ (4)] في الأصل: «و توجه إلى بركيارق و توجه بركيارق إلى حرب تتش».

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 145، و الكامل 8/ 491).

6

3633- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو العباس اللباد:

أبهريّ الأصل، أصبهانيّ المولد و المنشأ، أحد عدول أصبهان، رحل البلاد و سمع الكثير، و جمع الشيوخ، و كان ثقة، حسن الخلق سليم، مضت أموره على السداد، قتل في أيام الباطنية مظلوما في شوال هذه السنة.

3634-/ سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان، أبو مسعود الأصبهاني‏

[ (1)]:

ولد في رمضان سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة، و رحل في طلب الحديث، [و طلب‏] [ (2)] و تعب و جمع و نسخ. و سمع أبا بكر بن مردويه، و أبا نعيم، و أبا علي بن شاذان، و أبا بكر البرقاني، و خلقا كثيرا. سمع منه أبو نعيم، و أبو بكر الخطيب، و كان له معرفة بالحديث، و صنّف التصانيف، و خرج على الصحيحين، و توفي في ذي القعدة من هذه السنة بأصبهان.

3635- عبد اللَّه بن عبد الصمد بن علي بن المأمون، أبو القاسم‏

[ (3)]:

حدّث عنه شيخنا ابن ناصر، توفي في ربيع الآخر، و دفن في داره بقصر بني المأمون.

3636- عبد بن علي بن زكري، أبو الفضل الدقاق‏

[ (4)]:

سمع أبا الحسين بن بشران، و سمع منه أشياخنا، و توفي يوم الثلاثاء.

3637- عبد الواحد بن علي بن محمد بن فهد، أبو القاسم العلاف‏

[ (5)]:

سمع أبا الفرج الغوري [ (6)]، و أبا الفتح بن أبي الفوارس، و هو آخر من حدث‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1197: 1200، و فيه: «الأصبهاني الملخي»، و البداية و النهاية 12/ 145، و شذرات الذهب 3/ 377).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ت: «ابن علي بن المأمون بن القاسم».

[ (4)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1199، و فيه: «عبد اللَّه بن علي بن زكري»، و شذرات الذهب 3/ 378، و فيه: «عبد اللَّه بن علي بن أحمد بن محمد بن زكري»).

[ (5)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 378).

[ (6)] في الأصل: «أبو القاسم الغوري».

7

عنهما. سمع منه أشياخنا، و توفي يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة، و دفن بباب حرب.

3638- عبد الواحد بن أحمد بن الحصين الدسكري، أبو سعد الفقيه‏

[ (1)]:

صحب أبا إسحاق الشيرازي، و روى الحديث، ثم خدم في المخزن [ (2)]، و كان مألفا لأهل العلم، و كان يقول: ما غمر بدني [ (3)] هذا في لذة قط، و توفي يوم الثلاثاء العشرين من رجب، و دفن بباب حرب.

3639- علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر.

توفي في هذه السنة.

3640- أبو الحسن الهكّاري‏

[ (4)]:

و الهكارية جبال فوق الوصل، فيها قرى، ابتنى اربطة و قدم [إلى‏] [ (5)] بغداد فنزل في رباط الزوزني، و سمع الحديث من أبي القاسم بن بشران، و أبي بكر الخياط، و غيرهما. و كان صالحا من أهل السّنّة كثير التعبد، و حدّث فسمع منه أبو المظفر ابن التريكي الخطيب [ (6)]، و كان يقول: رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم في المنام في المدرسة في الروضة فقلت: يا رسول اللَّه، أوصني. فقال: «عليك باعتقاد مذهب أحمد بن حنبل، و مذهب الشافعيّ/، و إياك و مجالسة أهل البدع» توفي في محرم هذه السنة، و ورد 4/ أ الخبر بذلك إلى بغداد.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 145، و فيه: «عبد الواحد بن أحمد بن المحسن الدشكري»، و الكامل 8/ 491).

[ (2)] في ص: «ثم خرج في المخزن».

[ (3)] في الأصل: «ما عني بدني». و في البداية و النهاية: «و ما مشي قدمي هاتين في لذة».

[ (4)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 145، و فيه: «علي بن أحمد بن يوسف»، و شذرات الذهب 3/ 378، 379، و الكامل 8/ 491).

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (6)] في الأصل: «المظفر بن البريكي الخطيب».

8

3641- علي بن محمد بن محمد، أبو الحسن الخطيب الأنباري، و يعرف بابن الأخضر

[ (1)]:

سمع أبا أحمد الفرضيّ، و هو آخر من حدّث في الدنيا عنه، و توفي بالأنبار في شوال، روى عنه أشياخنا آخرهم أبو الفتح ابن البطي، و بلغ من العمر خمسا و تسعين سنة.

3642- علي بن هبة اللَّه بن علي بن جعفر بن علي بن محمد بن دلف بن أبي دلف العجليّ، أبو نصر بن ماكولا

[ (2)]:

ولد سنة اثنتين و أربعمائة، و كان حافظا للحديث، و صنّف كتاب «المؤتلف و المختلف» فذكر فيه كتاب عبد الغني، و كتاب الدارقطنيّ، و الخطيب، و زاد عليهم زيادات كثير، و سمّاه: كتاب «الإكمال» و كان نحويا مبرزا [ (3)]، غزل الشعر، فصيح العبارة، و سمع من أبي طالب. قال أبو طالب الطبري [ (4)]: و حدث كثيرا، و سمعت شيخنا عبد الوهاب يطعن فيدينه و يقول: العلم يحتاج إلى دين. و قتل في خوزستان في هذه السنة أو في السنة بعدها [ (5)].

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 145، و تذكرة الحفاظ 1199، و شذرات الذهب 3/ 379).

[ (2)] انظر ترجمته في: (فوات الوفيات 2/ 93، و كشف الظنون 1637، و وفيات الأعيان 1/ 333، و الكامل 8/ 491 و آداب اللغة 3/ 69، و المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء 2/ 194، و تذكرة الحفاظ 1201 و النجوم الزاهرة 5/ 115، و الأعلام 5/ 30).

[ (3)] في الأصل: «كان محدثا مبرزا».

[ (4)] في الأصل: «أبو الطيب الطبري».

[ (5)] في نسخة الأصل (أحمد الثالث): «قال الناسخ:

و رأيت هاهنا بحاشية الأصل مكتوب ما مثاله: قد ورد أن ابن ماكولا قتل هذا في سنة خمس و سبعين و أربع مائة. و ذكره ها هنا.

ثم وجدت بخط القدوة أبو الدرياقوت الحموي بحاشية الأصل مكتوب على سنة خمس و سبعين و أربعمائة موضع قتله ما مثاله: ابن ماكولا هذا مات سنة ست و ثمانين.

و قد ذكره هناك، و ذكره هاهنا وهم. هذا ما وجدت مكتوبا في الموضعين، و المكتوب في سنة ست و ثمانين ليس بخط ياقوت الحموي، فعلى هذا يقع أنه قتل في هذه السنة لقول ياقوت و اللَّه أعلم بالصواب».

9

3643- نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل، أبو الليث، و أبو الفتح التنكتي [ (1)] و كان له كنيتان:

من أهل تنك بلدة عند الشاش ما وراء النهر، ولد سنة ست و أربعمائة، و طاف البلاد، و سار من الشرق/ إلى الغرب، و جال في بلاد الأندلس، و أقام بها مدة، و سمع 4/ ب من جماعة، و حدّث بصحيح مسلم و بالمتفق لأبي بكر الجوزقي، حدثنا عنه شيوخنا، و كان نبيلا صدوقا أمينا ثقة، من أهل الثروة [ (2)]، كثير النعم، حسن الزي، مليح البشر، كريم الأخلاق، قومت تركته بعد موته مائة ألف و ثلاثين ألف دينار.

توفي في ذي القعدة من هذه السنة بنيسابور، و دفن بالحيرة [ (3)].

3644- يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور، أبو علي البرزبيني‏

[ (4)]:

سمع أبا إسحاق البرمكي، و تفقه على القاضي أبي يعلى ابن الفراء، و درس في حياته و صنّف، و حدّث فروى عنه أشياخنا، و شهد عند أبي عبد اللَّه الدامغانيّ في سنة ثلاث و خمسين هو و الشريف أبو جعفر و ردّ إليه قضاء باب الأزج.

و توفي في شوال هذه السنة عن سبع و سبعين سنة، و دفن بمقبرة [دار] [ (5)] الفيل إلى جانب عبد العزيز غلام الخلال.

____________

[ (1)] في الأصل: «و أبو الفتح التقتلي».

و انظر ترجمته في: « (شذرات الذهب 3/ 379، و فيه: «أبو الفتح نصر بن الحسن السكشي»،.

و الكامل 8/ 492).

[ (2)] في الأصل: «من ذوي الثروة».

[ (3)] في الأصل: «و دفن بالحريم».

[ (4)] في الأصول: «أبو علي البرذباني». و ضبطه السمعاني كما أوردناه.

و في بعض أصول الأنساب المخطوطة: «ابن أحمد بن منظور».

و انظر ترجمته في: (ذيل طبقات الحنابلة، و الكامل 8/ 492، لابن رجب 1/ 92، و اللباب 1/ 111، و طبقات الحنابلة 2/ 245، و فيه: «أبو علي البرزيني»، و الأنساب السمعاني 2/ 147، و شذرات 3/ 3/ 384، و الأعلام 8/ 194).

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

10

ثم دخلت سنة سبع و ثمانين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه لما قدم السلطان بركيارق بن ملك شاه بغداد تقرر مع الخليفة المقتدي بأن يحمل السلطان إليه المال الّذي ينسب إلى البيعة، و أن يخطب له بالسلطنة على رسم أبيه، و تقدم الخليفة إلى أبي سعد بن الموصلايا كاتب الإنشاء أن يكتب عهده، فكتب و رتبت الخلع و ذلك يوم الجمعة رابع عشر محرم، و حمل العهد إلى الخليفة يوم الجمعة فوقّع فيه، و تأمل الخلع، ثم قدم إليه الطعام فتناول منه و غسل يده، و أقبل على النظر في العهد و هو أكمل ما كان صحة و سرورا و بين يديه قهرمانته شمس النهار فقال لها: من هذه الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر أحدا، و رأيته قد 5/ أ تغيرت حالته استرخت يداه [ (1)] و رجلاه، و انحلت قواه، و سقط إلى الأرض/ فظننتها غشية لحقته، و مرّة غلبته، فحللت أزرار ثيابه فوجدته لا يجيب داعيا، فحققت موته، ثم أنها تماسكت و تشجعت و قالت لجارية كانت عنده: ليس هذا وقت يظهر فيه الهلع، فإن ظهر منك صياح قتلتك. و أفردتها في حجرة و أغلقت عليها الباب، ثم نفّذت بمن استدعى يمنا الخادم و هو صهر القهرمانة على ابنتها، فلما حضر أمرته باستدعاء الوزير عميد الدولة ابن جهير، فمضى إليه عند اختلاط الظلام، فلما شعر به ارتاع و خرج إليه، فأمره بالحضور فحضر و الأفكار تتلاعب به، فلما رأى القهرمانة أجلها زيادة على ما جرت به عادته معها [ (2)]، فدخلت الحجرة إلى أن قالت: قد عجزت عن الخدمة و قد عولت‏

____________

[ (1)] في الأصل: «و رأيته قد تغيرت حالاه و ارتخت يداه و رجلاه».

[ (2)] في الأصل: «ما جرت به العادة معها».

11

على سؤال أمير المؤمنين أن يأذن لي في الحج، و أنت شفيعي إليه و أسألك أن تحفظني في مغيبي كما تحفظني في مشهدي، و أخذت عليه الأيمان أن يتوفر على مصالحها، فلما استوثقت منه استنهضته، فدخل على الخليفة فرآه مسجى فأجهش بالبكاء، و أحضروا ولي العهد المستظهر فعرّفوه الحال و عزوه عن المصيبة، و هنئوه بالخلافة، و بايعوه.

فقد بان بما ذكرنا أنه من حوادث هذه السنة موت المقتدي و خلافة المستظهر.

قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: كانت ببغداد زلزلة في محرم سنة سبع و ثمانين بين العشائين، فحدث بعدها موت المقتدي، و خروج تتش و قتله، و مجي‏ء بركيارق إلى بغداد [ (1)]، و غير ذلك من الفتن و الحروب و غلاء السعر.

***

____________

[ (1)] في ت، ص: «و مجي‏ء ابن أبق إلى بغداد».

12

باب ذكر خلافة المستظهر باللَّه‏

و لما بويع المستظهر و هو ابن ست عشرة سنة و شهرين، و اسمه، أحمد بن المقتدي، و يكنى: أبا العباس، و أمه أم ولد، كان كريم الأخلاق، لين الجانب، سخي النفس، مؤثرا للإحسان، حافظا للقرآن، محبا للعلم، منكرا للظلم، فصيح اللسان، له شعر مستحسن/ منه قوله:

أذاب [حر] [ (1)] الهوى في القلب ما جمدا * * * يوما مددت على رسم الوداع يدا

فكيف أسلك نهج الاصطبار [ (2)] و قد * * * أرى طرائق في مهوى الهوى قددا

قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به‏ * * * من بعد ما قد و في دهرا بما وعدا

إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي‏ * * * من بعد هذا فلا عاينته أبدا

و لما بويع المستظهر استوزر أبا منصور ابن جهير، و قال له: الأمور مفوضة إليك و التعويل فيها عليك، فدبرها بما تراه. فقال: هذا وقت صعب، و قد اجتمعت العساكر ببغداد مع هذا السلطان الّذي عندنا، و لا بد من بذل الأموال التي تستدعي إخلاصهم و طاعتهم. فقال له: الخزائن بحكمك فتصرّف فيها عن غير استنجاز و لا مراجعة و لا محاسبة. فقال: ينبغي كتمان هذه الحال إلى أن يصلح نشرها، و أنا أستأذن في إطلاع ابني الموصلايا على الحال [ (3)] فهما كاتبا الحضرة. فقال المستظهر: قد أذن في ذلك، و في جميع ما تراه. فخرج إلى الديوان و استدعى ابنيّ الموصلايا و قال لهما: قد حدث حادثة عظيمة. و تفاوضوا فيما يقع عليه العمل. فركب عميد الدولة باكرا إلى السلطان بركيارق يوم السبت و هو متشجع فخلع عليه [ (4)]، و عاد إلى بيت النوبة فأنهى الحال إلى المستظهر، و جرى الأمر في ذلك على أسدّ نظام إلا أن الإرجاف انتشر في هذا اليوم، ثم‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «أسلك لهج الاصطبار».

[ (3)] في الأصل: «اطلاع ابني الموصلي على الحال».

[ (4)] في الأصل: «يوم السبت و معه الموكب مستجمع فخلع عليه».

13

تكاثر في يوم الأحد، ثم زاد يوم الإثنين، فوقّع الوزير إلى أرباب المناصب بالحضور، فحضر طراد بن محمد من باب البصرة في الزمرة العباسية مظهرين شعار المصيبة، و جاء/ نقيب الطالبيين المعمر على مثل ذلك في زمرة العلويّة، فضجّ الناس بالبكاء، 6/ أ ثم أظهر موت المقتدي بعد ثلاثة أيام، و ذلك يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم، فأخرج في تابوت و صلى عليه المستظهر، و لم يحضر السلطان بل حضر أعيان دولته، و أرباب المناصب، و أهل العلم مثل الغزالي، و الشاشي، و ابن عقيل، فبايعوه و كان المتولي لأخذ البيعة على الكل الوزير أبو منصور بن جهير.

و كان المستظهر كريما فحكى أبو الحسن المخزني قال: أخرج إلينا من الدار أربع عشرة جبة طلساء قد تدنست أزياقها تزيد قيمتها على خمسمائة دينار، فسلمها إلى مطري، و ظننت أن كتّاب المخزن قد أثبتوها، و لم تطلب مني و لا ذكرت بها، و اتصلت أشغالي و مضى على هذا حدود من ثلاث سنين، فخرج إلينا من طلب الجباب، فأنكرت الحال، و قلت: متى كان هذا و في أي وقت؟ فذكروني الوقت و من جاء بها، فتذكرت و ما علمت إلى من سلمتها، فاستدعيت كل مطري جرت عادته بخدمة المخزن فحضروا و فيهم الّذي سلمتها إليه، فتأملته و قد استحال لونه، فقلت له: أين الجباب؟ فلم ينطق، فعاودته فسكت، فأمرت بضربه فقال: أصدقك، لما أصلحت الجباب لم تلتمس مني، و بقيت سنة و عملت بعدها أعمالا كثيرة للمخزن، و ما ذكرت لي فعلمت أنها قد نسيت، و كان عليّ دين، فبعت واحدة، ثم مضى زمان فلم تطلب فبعت أخرى، ثم أخرى، إلى أن بقي عندي منها ست جباب فبعتها جملة و جهّزت ابنة لي، و اللَّه ما في يدي منها خيط [ (1)]، و لا من ثمنها حبة، و ما لي سوى ثمن دويرة البنت و الرحل الّذي جهّزتها به، فقلت: ويلك/، خاطرت بدمي، و عرّضتني للتهمة، و دخلت على أبي القاسم بن 6/ ب الحصين صاحب المخزن، فعرّفته فتقدم بتقييده و حمله إلى الحبس، ثم طولع المستظهر بالحال، و ترقب أن يتقدم بقطع يده إظهارا للسياسة، فوقع أن أمر بالجواب:

كانت المقابلة لمن فرضه الحفظ إذ فرّط، فالذنب للراعي إذ نعس لا للذئب إذ اختلس [ (2)]، و الّذي انصرف فيه ثمن الثياب أنفع لأربابها منها، فليخلّ سبيل هذا، و لا

____________

[ (1)] في الأصل: «و اللَّه ما في بيتي منها خيط».

[ (2)] في الأصل: «لا المذنب إذ اختلس».

14

يعرض لدار بنته و رحلها، [و اللَّه المعين‏] [ (1)].

و في ربيع الآخر: رأى بعض اليهود مناما: أنهم سيطيرون فجاء فأخبرهم فوهبوا أموالهم و ذخائرهم و جعلوا ينتظرون الطيران فلم يطيروا، فصاروا ضحكة بين الأمم.

و في ثالث عشر شعبان: ولي أبو الحسن الدامغانيّ قضاء القضاة، ولّاه الوزير عميد الدولة شفاها، و تقدّم بإفاضة الخلع في الديوان، و عبر بنهر القلائين و معه النقيبان و حجّاب الديوان، و أتى محلته و الفتنة قائمة فسكنت، فجلس و حكم، و ولى أخاه أبا جعفر القضاء بالرصافة، و باب الطاق، و من أعلى بغداد إلى الموصل، و غيرها من البلاد، بعد أن قبل شهادته، و كانت الفتنة بين أهل نهر طابق و أهل باب الأرحاء، فاحترقت نهر طابق و صارت تلولا، فلما احترقت نهر طابق عبر يمن و صاحب الشرطة، فقتل رجلا مستورا، فنفر الناس عنه، و عزل في اليوم الثالث من ولايته.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3645- عبد اللَّه المقتدي باللَّه، أمير المؤمنين‏

[ (2)]:

7/ أ توفي فجأة ليلة/ السبت خامس عشر محرم هذه السنة، و كان عمره ثمانيا و ثلاثين سنة [ (3)] و ثمانية أشهر و سبعة أيام، و كانت مدة خلافته تسع عشرة سنة و ثمانية أشهر إلا يومين.

3646- خاتون‏

[ (4)]:

زوجة السلطان ملك شاه، تسمى تركان و هي بنت طراج، و أبوها من نسل أفراسياب ملك الفرس، و كانت حازمة حافظة شهمة، و كان معها من الأتراك إلى حين وفاتها عشرة آلاف، و قد ذكرنا كيف زمت الأمور حين وفاة السلطان و حفظت أموال السلطان فلم يذهب منها شي‏ء، و هي صاحبة أصبهان باشرت الحروب و دبرت الجيوش و قادت العساكر، و توفيت في رمضان هذه السنة، فانحل أمر ابنها محمود بموتها، و عقد الأمر لبركيارق بن ملك شاه.

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] انظر ترجمته في: (الكامل 8/ 493، و البداية و النهاية 12/ 146، و شذرات الذهب. 38، 381).

[ (3)] في ص، و المطبوعة: «ثمانيا و عشرين سنة».

[ (4)] انظر ترجمتها في: (البداية و النهاية 2/ 148).

15

ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[ورود يوسف بن أبق إلى بغداد]

ورود يوسف بن أبق التركماني إلى بغداد في صفر أنفذه تاج الدولة أبو سعيد تتش بن محمد ألب أرسلان لإقامة الدعوة له، فأخرج إليه من الديوان حاجب، فلما لقيه ضربه و أراد خروج الوزير، فعلم أنه طالب مكيدة، و دخل بغداد فاستدعى سيف الدولة صدقة بن منصور و كان نافرا من تاج الدولة، و لم يغير الخطبة في بلاده لبركيارق لما غيرها الديوان فخيم سيف الدولة بباب الشعير، فرحل ابن أبق فنهب باجسرى، و قرر على شهربان ثلاثة آلاف دينار، و نهب طريق خراسان، فقال الوزير لحاجبه: قل للورامية استلأموا بسدفة- يريد ألبسوا السلاح/ في ظلمة الليل- فقال لهم 7/ ب الحاجب: قال لكم مولانا ناموا في الصفة.

فقال ورام بن أبي فراس: فكأنا برحنا من الصفة. فعاد الحاجب فقال له الوزير:

ما الّذي قلت؟ فأخبره، فضحك و قال: شرّ المصائب ما يضحك. ثم إن الخليفة ستدعى ابن أبق فدخل فقبل الأرض خارج الحلبة و نزل بدار المملكة، و استعد أهل بغداد السلاح و تحارسوا، لأنه كان عازما على نهب بغداد، فوصل أخو يوسف [ (1)] فأخبره بقتل تاج الدولة، فانهزم قاصدا إلى حلب. و كانت الوقعة بين تاج الدولة و بركيارق يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان و ثمانين بموضع بقرب الري، و كان تاج الدولة في القلب فقتل في أول من قتل.

____________

[ (1)] في الأصل: «أخوه يوسف».

16

و في يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول: خطب لولي العهد أبي منصور الفضل ابن المستظهر باللَّه، و لقب عمدة الدين.

[خروج الوزير عميد الدولة أبي منصور]

و في ثامن عشر ربيع الآخر: خرج الوزير عميد الدولة أبو منصور فخط السور على الحريم و قدره و معه المساح، و تقدم بجبايات المال الّذي يحتاج إليه عقارات الناس و دورهم، و أذن للعوام في الفرجة و العمل، و حمل أهل المحال السلاح و الأعلام و البوقات و الطبول، و معهم المعاول و السبسلات و أنواع الملاهي من الزمور و الحكايات و الخيالات، فعمل أهل [باب‏] [ (1)] المراتب من البواري المقيّرة [ (2)] على صورة الفيل و تحته قوم يسيرون [ (3)] به، و عملوا زرافة كذلك، و أتى أهل قصر عيسى 8/ أ بسميرة/ كبيرة [ (4)] فيها الملاحون يجدفون و هي تجري على هاذور، و أتى أهل سوق يحيى بناعورة تدور معهم في الأسواق، و عمل أهل سوق المدرسة قلعة خشب تسير على عجل، و فيها غلمان يضربون بقسي البندق و النشاب، و أخرج قوم بئرا على عجل و فيها حائك ينسج، و كذلك السقلاطونيون، و كذلك الخبازون، جاءوا بتنور و تحته ما يسير به و الخباز يخبز و يرمي الخبز إلى الناس.

و كتب أبو الوفاء بن عقيل إلى الوزير ابن جهير إحراق العوام بالشريعة في بناء السور، فكان فيه مما نقلته من خطه: لو لا اعتقادي صحة البعث، و أن لنا دارا أخرى لعلي أكون فيها على حال أحمدها لما بغضت نفسي [ (5)] إلى مالك عصري، و على اللَّه أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب، لكن إذا تقابل دين محمد و دين بني جهير فو اللَّه ما أزن هذه بهذه، و لو كنت كذلك كافرا، فأقول: إن كان هذا الخرق الّذي جرى بالشريعة عن عمد لمناصبة واضعها فما بالنا نعتقد الختمات و رواية الأحاديث، و إذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا مجموع الختمات و الدعاء عقيبها ثم بعد ذلك‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «المراتب من السواري المقيرة».

[ (3)] في الأصل: «و بجنبه قوم يسيرون».

[ (4)] في الأصل: «بسميرية كبيرية».

[ (5)] في الأصل: «فيها على حال أمورها لما نعيت نفسي».

17

طبول و سواني و مخانيث و خيال و كشف عورات الرجال مع حضور النساء إسقاطا لحكم اللَّه، و ما عندي يا شرف الدين [أن فيك‏] [ (1)] أن تقوم لسخطة من سخطات [ (2)] اللَّه، ترى بأي وجه تلقى محمدا صلّى اللَّه عليه و سلم، بل لو رأيته في المنام مقطبا كان ذلك يزعجك/ في 8/ ب يقظتك، و أي حرمة تبقى لوجوهنا و أيدينا و ألسنتنا عند اللَّه إذا وضعنا الجباة ساجدة، ثم كيف نطالب الأجناد تقبيل عتبة و لثم ترابها، و نقيم الحد في دهليز الحريم صباحا و مساء على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المنكر المجمع على تحريمه، هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، و لبس الحرير على جميع المتعلقين و الأصحاب [ (3)]، يا شرف الدين اتّق سخط اللَّه فإن سخطه لا تقاومه سماء و لا أرض، [ (4)] فإن فسدت حالي بما قلت [ (5)]، فلعل اللَّه يلطف بي و يكفيني حوائج الطباع، ثم لا تلمنا على ملازمة [ (6)] البيوت و الاختفاء عن العوام، لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام [ (7)] لهذه القبائح، و الإنكار لها و النياحة على الشريعة، أ ترى لو جاءت معتبة من اللَّه سبحانه في منام، أو على لسان نبي إن لو كان قد بقي للوحي نزول، أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام، هل كانت إلا إليك، فاتق اللَّه تقوى من علم مقدار سخطه، فقد قال:

فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ‏ [ (8)] و قد ملأتكم في عيونكم مدائح الشعراء، و مداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الذين خسروا اللَّه فيكم فحسنوا لكم طرائقكم، و العاقل من عرف نفسه، و لم يغيره مدح من لا يخبرها.

و في شعبان: شهد أبو الخطاب الكلوذاني و أبو سعيد المخرمي.

[جرح السلطان بركيارق‏]

و في رمضان جرح السلطان بركيارق، جرحه رجل سجزي كان ستريا على بابه‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «لسخطة من سخط اللَّه».

[ (3)] في الأصل: «على جميع المتدلقين و الأصحاب».

[ (4)] في الأصل: «فإن سخطه لا يقاومه سماء و لا أرض».

[ (5)] في الأصل: «فإن فسدت حالي بها قلت».

[ (6)] في الأصل: «ثم لا تلومونا على ملازمة».

[ (7)] في الأصل: «إن سألونا لو فعل إلا ما فيقتضي الإعظام».

[ (8)] سورة: الزخرف، الآية: 55.

18

9/ أ بعد الإفطار، فأخذ الجارح و أقرّ على رجلين سجزيين أنهما أعطياه مائة دينار/ ليقتله، فقتل و قررا فاعترفا، فضربا فلم يقرا على من أمرهما بذلك، [و عذّبا بأنواع العذاب فلم يذكرا من [ (1)] وضعهما] فترك أحدهما تحت يد الفيل فقال: خلصوني حتى أقرّ بالحال.

فلما خلي التفت إلى رفيقه فقال له: يا أخي، لا بد من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار، فقتلا و بعث يمن الخادم إلى السلطان مهنئا له بالسلامة.

و في ذي القعدة: خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا للتدريس في النظامية، زاهدا في ذلك، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، و ناب عنه أخوه في التدريس، و عاد في السنة الثالثة من خروجه و قد صنّف كتاب «الإحياء» فكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه منه، ثم حج في سنة تسعين، ثم عاد إلى بلده.

و في يوم عرفة: خلع على القاضي أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة اللَّه السيبي، و لقّب بشرف القضاة، و ردّ إليه ولاية القضاء بالحريم و غيره.

و في هذه السنة: اصطلح أهل الكرخ مع بقية المحال، و تزاوروا و تواكلوا و تشاربوا، و كان هذا من العجائب.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3647- أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون، أبو الفضل الباقلاوي‏

[ (2)]:

ولد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة ست و أربعمائة، و سمع الحديث الكثير و كتبه، و له به معرفة حسنة، روى عنه أبو بكر الخطيب، و حدثنا عنه أشياخنا، و كان من الثقات،/ و شهد عند أبي عبد اللَّه الدامغانيّ، ثم صار أمينا له، ثم ولي إشراف خزانة

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 149، و فيه: «الحسن بن أحمد بن خيرون أبو الفضل، المعروف بالباقلاني»، و تذكرة الحفاظ 1207: 1209، و فيهما: «الباقلاني ...، و شذرات الذهب 3/ 383، و الكامل 8/ 507).

19

الغلات، و توفي ضحوة يوم الخميس رابع عشر رجب هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3648- تتش بن ألب أرسلان‏

[ (1)]:

قتل في وقعة كانت بينه و بين بركيارق ابن ملك شاه، و كان وزير تتش أبو المظفر علي بن نظام الملك، فأسر في الوقعة، و كان وزير بركيارق أبو بكر عبد اللَّه بن نظام [ (2)] الملك، فأطلق له أبا المظفر فعزله بركيارق و استوزر أبا المظفر.

3649- حمد بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن مسهرة، أبو الفضل الحداد الأصبهاني‏

[ (3)]:

سمع خلقا كثيرا، و قدم بغداد في سنة خمس و ثمانين، فروى «الحلية» عن أبي نعيم و غيره، و كان أكبر من أخيه أبي علي المعمر، و كان إماما فاضلا عالما، صحيح السماع، محققا في الأخذ. توفي في هذه السنة.

3650- رزق اللَّه بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن إبراهيم بن عبد اللَّه [بن الهيثم بن عبد اللَّه‏]

[ (4)]:

و كان عبد اللَّه اسمه: عبد اللات،

فسمّاه النبي ( صلّى اللَّه عليه و سلم )عبد اللَّه، و علمه و أرسله إلى اليمامة و البحرين ليعلمهم أمر دينهم، و

قال‏

: «نزع اللَّه من صدرك و صدر ولدك الغل و الغش إلى يوم القيامة».

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 149، و الكامل 8/ 494، شذرات الذهب 3/ 384).

[ (2)] في الأصل: «عبيد اللَّه بن نظام الملك».

[ (3)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1199، و أرخ وفاته في سنة 486، و قال: «و قيل في سنة ثمان».)

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

و انظر ترجمته في: (المنهج الأحمد 2/ 164، و ذيل طبقات الحنابلة 1/ 77، و العبر 3/ 104، 320، و الكامل 8/ 507، و شذرات الذهب 3/ 384، و هدية العارفين 1/ 367، و الأعلام 3/ 19، و البداية و النهاية 12/ 150، و فيه: «رزق اللَّه بن عبد الوهاب بن عبد العزيز، أبو محمد التميمي»).

20

أنبأنا محمد بن ناصر، أنبأنا أبو محمد التميمي قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: [سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول‏] [ (1)]: سمعت علي بن أبي طالب يقول:

هتف العلم بالعمل، فإن أجابه و إلا رحل.

10/ أ ولد أبو محمد رزق اللَّه سنة أربعمائة، و قيل: سنة إحدى و أربعمائة،/ و قرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي، و قرأ بالقراءات السبع و سمع أبا عمر بن مهدي، و ابن البادا و ابني بشران [ (2)]، و أبا علي بن شاذان [ (3)]، و خلقا كثيرا، و أخذ الفقه عن القاضي أبي علي بن أبي موسى الهاشمي، و شهد عند أبي عبد اللَّه الحسين بن علي بن ماكولا قاضي القضاة في يوم السبت النصف من شعبان هذه السنة، و لم يزل شاهدا إلى أن ولي قضاء القضاة أبو عبد اللَّه الدامغانيّ بعد موت ابن ماكولا، [فترك الشهادة] [ (4)] ترفعا عن أن يشهد عنده، فلم يخرج له، فجاء قاضي القضاة إليه مستدعيا لمودته و شهادته عنده، فلم يخرج له عن موضعه، و لم يصحبه مقصوده، و كان قد اجتمع للتميمي القرآن [ (5)]، و الفقه، و الحديث، و الأدب، و الوعظ، و كان جميل الصورة، فوقع له القبول بين الخواص و العوام، و جعله الخليفة رسولا إلى السلطان في مهام الدولة، و له الحلقة في الفقه و الفتوى و الوعظ بجامع المنصور، فلما انتقل إلى باب المراتب كانت له حلقة في جامع القصر، يروي فيها الحديث و يفتي، و كان يجلس فيها شيخنا ابن ناصر، و كان يمضي في السنة أربع دفعات في رجب، و شعبان، و عرفة، و عاشوراء، إلى مقبرة الإمام أحمد و يعقد هناك مجلسا للوعظ، حدثنا عنه أشياخنا، و قال ابن عقيل: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد يمنا و رياسة و حشمة أبو محمد التميمي، و كان أحلى الناس عبارة في النظر و أجرأهم قلما في الفتيا و أحسنهم وعظا.

أنشدنا ابن ناصر قال: أنشدنا أبو محمد التميمي لنفسه:

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «المادا و ابني بشران».

[ (3)] في الأصل: «و أبا علي بن بشران».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في ص: «و كان قد اجتمع للتميمي القراءات».

21

أفق يا فؤادي من غرامك و استمع‏ * * * مقالة محزون عليك شفيق‏

علقت فتاة قلبها متعلق‏ * * * بغيرك فاستوثقت غير وثيق‏

فأصبحت موثوقا و راحت طليقة * * * فكم بين موثوق و بين طليق/

10/ ب و توفي ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى من هذه السنة، و صلى عليه ابنه أبو الفضل عبد الواحد، و دفن في داره بباب المراتب بإذن المستظهر، و لم يدفن بها أحد قبله، ثم توفي ابنه أبو الفضل سنة إحدى و تسعين، فنقل معه والده إلى مقبرة باب حرب [ (1)]، و دفن إلى جانب أبيه و جده و عمه بدكة الإمام أحمد عن يمينه.

3651- عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني‏

[ (2)]:

أحد شيوخ المعتزلة المجاهرين بالمذهب الدعاة، قرأ على عبد الجبار الهمذاني، و رحل إلى مصر و أقام بها أربعين سنة، و حصل أحمالا من الكتب، فحملها إلى بغداد، و كان قاضي القضاة أبو عبد اللَّه الدامغانيّ يكرمه و يقوم له، و روى الحديث ببغداد عن أبي عمر بن مهدي، و فسّر القرآن في سبعمائة مجلد، و جمع فيه العجب، حتى أنه ذكر قوله تعالى: «وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ» [ (3)] في مجلد، قال ابن عقيل:

كان رجلا طويل اللسان، يعلّم تارة و يسفّه أخرى، و لم يكن محققا في علم، و كان يفتخر و يقول: أنا معتزلي، و كان ذلك جهلا منه، لأنه يخاطر بدمه في مذهب لا يساوي، قال:

و بلغني عنه أنه لما و كل به الأتراك مطالبة بما اتهموه به من إيداع بني جهير الوزراء عنده أموالا، قيل له: ادع اللَّه. فقال: ما للَّه في هذا شي‏ء، هذا فعل الظلمة.

قال ابن عقيل: هذا قول خرف، لأنه إن قصد بذلك التعديل و نفي الجور فقد

____________

[ (1)] في الأصل: «فنقل معه ولد إلى مقبرة».

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 150، و تاريخ قزوين 358، و تذكرة الحفاظ 1208، و الجواهر المضيئة 1/ 315، و طبقات السكبي 5/ 121، و طبقات المفسرين للسيوطي 19، و العبر 3/ 321، و شذرات الذهب 3/ 385، و الكامل 8/ 507، و لسان الميزان 4/ 11، و النجوم الزاهرة 5/ 156، و طبقات المفسرين للداوديّ 1/ 308، و الأعلام 4/ 7، و دول الإسلام 2/ 12، و كتاب الروضتين 1/ 28).

[ (3)] سورة: البقرة، الآية: 105.

22

أخرج اللَّه سبحانه و تعالى عن التقدير، ثم هب أنه ليس هو المقدر لذلك أ ليس بقادر على المنع و الدفع.

قال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي: دخل أبو يوسف على نظام الملك و عنده أبو محمد التميمي و رجل آخر أشعري، فقال له: أيها الصدر، قد اجتمع عندك رءوس أهل النار. فقال: كيف؟ فقال: أنا معتزلي و هذا مشبه [ (1)]، و ذاك أشعري، و بعضنا يكفّر بعضا.

11/ أ توفي أبو يوسف/ في ذي القعدة من هذه السنة [و قد بلغ ستا و تسعين سنة] [ (2)]، و ما تزوج إلا في آخر عمره، و دفن بمقبرة الخيزران قريبا من أبي حنيفة.

3652- محمد بن حسين بن [ (3)] عبد اللَّه بن إبراهيم، أبو شجاع الوزير ابن الوزير الروذراوريّ [ (4)] الأصل- بلدة من ناحية همذان- أهوازي [ (5)] المولد:

الوزير ابن الوزير، لأن أبا يعلى الحسين [ (6)] كاتبه القائم و هو بالأهواز بوزارته، و خاطبه بها فوصله الكتاب يستدعي له و هو ميت، و كان أبو شجاع قد قرأ الفقه و العربية، و سمع الحديث من جماعة منهم: أبو إسحاق الشيرازي، و صنّف كتبا منها كتابه الّذي ذيله على «تجارب الأمم» و وزر للمقتدي سليما من طمع، و كان يملك حينئذ عينا ستمائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات و الصدقات.

و قال أبو جعفر بن الخرقي: كنت أنا من أحد عشر يتولون إخراج صدقاته، فحسبت ما خرج على يدي فكان مائة ألف دينار، و وقف الوقوف، و بني المساجد، و أكثر الإنعام على الأرامل و اليتامى، و كان يبيع الخطوط الحسنة، و يتصدق بثمنها و يقول:

____________

[ (1)] في الأصل: «أنا معتزلي و هذا شبهي».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «محمد بن الحسن».

[ (4)] في الأصل: «الروتداوري». و في المطبوعة: «الروذراوريّ». و ما أوردناه من باقي المراجع.

[ (5)] انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان 2/ 69، و الوافي بالوفيات 3/ 3، و طبقات السبكي 3/ 56، و الأعلام 6/ 101، و البداية و النهاية 12/ 150، 151، و الكامل 8/ 505).

[ (6)] في الأصل: «أبا يعلى الحسن».

23

أحب الأشياء إليّ الدينار و الخط الحسن، فأنا أخرج للَّه محبوبي. و وقع مرض في زمانه، فبعث إلى جميع أصقاع البلد أنواع الأشربة و الأدوية، و كان يخرج العشر من جميع أمواله النباتية على اختلاف أنواعه، و عرضت عليه رقعة من بعض الصالحين يذكر فيها: أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام، و هم عراة جياع. فقال للرجل: امض الآن إليهم، و احمل معك ما يصلحهم، ثم خلع أثوابه و قال: و اللَّه لا لبستها و لا دفئت حتى تعود و تخبرني أنك كسوتهم و أشبعتهم، فمضى و عاد فأخبره و هو يرعد من البرد.

حكى حاجبه الخاص به قال: [استدعاني ليلة، و قال:] [ (1)] إني أمرت بعمل قطائف، فلما حضر بين يدي ذكرت نفوسا تشتهيه فلا تقدر عليه، فنغّص ذلك عليّ أكله، و لم أذق منه/ شيئا، فأحمل هذه الصحون إلى أقوام فقراء. فحملها الفرّاشون 11/ ب معه، و جعل يطرق أبواب المساجد بباب المراتب، و يدفع ذلك إلى الأضراء المجاورين بها.

و كان يبالغ في التواضع، حتى ترك الاحتجاب فيكلم المرأة و الطفل، و أوطأ العوام و الصالحين مجلسه، و كان يحضر الفقهاء الديوان في كل مشكل، و كانوا إذا أفتوا في حق شخص بوجوب حق القصاص عليه سأل أولياء الدم أخذ شي‏ء من ماله و أن يعفوا، فإن فعلوا و إلا أمر بالقصاص، و أعطى ذلك المال ورثة المقتول الثاني، و لقد جرت منه عصبية مرة في ليل الغيم فأمر ابن الخرقي المحتسب أن يجلس بباب النوبي و يكرم الناس بالإفطار، و أحضر أطباقا فيها لوز و سكر، و بعث إلى أبي إسحاق الخزاز بباب المراتب ليمنعه من صلاة التراويح تلك الليلة فلم يمتنع ذلك و قرأ «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى‏ عَبْداً إِذا صَلَّى» [ (2)] فعدّد في هذا الشهر أن صام الناس ثمانية و عشرين يوما فأسقط في يده و ذبح البقر، و صدّق بصدقات وافرة، و عاهد اللَّه سبحانه أن لا يتعصب في الفروع أبدا.

و في زمانه أسقطت [ (3)] المكوس، و ألبس أهل الذمة الغيار، و تقدم إلى ابن‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] سورة: العلق، الآية: 9.

[ (3)] في الأصل: «و في زمانه سقطت».

24

الخرقي المحتسب أن يؤدب كل من فتح دكانه يوم الجمعة و يغلقه يوم السبت من البزازين و غيرهم، و قال: هذه مشاركة لليهود في حفظ سبتهم. و كان قد سمع أن النفاطين و الكلابزية يقفون على دكاكين [ (1)] المتعيشين فيأخذون منهم كل أسبوع شيئا، فنفذ من يمنعهم من الاجتياز بهم. و حج في وزارته سنة ثمانين، فبذل في طريقه الزاد و الأدوية، و عمّ أهل الحرمين بصدقات، و ساوى الفقراء في إقامة المناسك و التعبد، و كانت به وسوسة في الطهارة.

قال المصنف رحمه اللَّه: و نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل أنه كتب إليه لأجل وسوسته: أما بعد، فإن أجلّ محصول عند العقلاء بإجماع الفقهاء الوقت، فهو غنيمة 12/ أ ينتهز فيها الفرص [ (2)]، و التكاليف كثيرة، و الأوقات خاطفة، و أقل متعبد به/ الماء، و من اطلع على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف، فمن ذلك قوله: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء» [ (3)] و قوله في المني: «أمطه عنك بأذخرة» و قوله في الخف: «طهوره ان تدلكه بالأرض» و في ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» [ (4)] و قوله (عليه السلام): «يغسل بول الجارية و ينضح بول الغلام» [ (5)] و كان يحمل بنت أبي العاص في الصلاة، و نهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء، و ما يرده و قال: «ائت لنا طهورا» و قال: «يا صاحب البراز لا تخبره» فإن خطر بالبال نوع احتياط في الطهارة كالاحتياط في غيرها من مراعاة الإطالة و غيبوبة الشمس و الزكاة، فإنه يفوت من الأعمار ما لا يفي به الاحتياط في الماء، الّذي أصله الطهارة و قد صافح رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم الأعراب، و ركب الحمار، و ما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء الّذي أصله الطهارة و قد توضأ من سقاية المسجد، و معلوم حال الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول في المسجد، و توضأ من جرة نصرانية، و ما احترز تعليما لنا و تشريعا و إعلاما أن الماء على أصل الطهارة، و توضأ من‏

____________

[ (1)] في الأصل: «الكلابزية يقفوا».

[ (2)] في ص: «ينتهز فيها الغرض».

[ (3)] راجع تلخيص الحبير 1/ 31.

[ (4)] أخرجه أبو داود في السنن 383، و الترمذي 143، و ابن ماجة 531، و أحمد بن حنبل 6/ 290، و البيهقي في السنن 2/ 406، و سنن الدارميّ 1/ 189، و مصنف ابن أبي شيبة 1/ 56.

[ (5)] أخرجه عبد الرزاق في المصنف 1488.

25

غدير كان ماؤه نقاعة الحناء، فأما قوله: «تنزهوا من البول» [ (1)] فإن للتنزه حدا معلوما، فأما الاستشعار فإنه إذا علق نما و انقطع الوقت بما لا يقتضي بمثله الشرع.

قال ابن عقيل: كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق، كثير التلطف بهم، فقدم من الحج و قد اتفق نفور العوام نفورا أريقت فيها الدماء، و انبسط حتى هجموا على الديوان، و بطشوا بالأبواب و الستور، فخرج من الخليفة إنكار عليه، و أمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد، فأدّب و ضرب و بطش، فانبسطت فيه الألسنة بأنواع التهم، حتى قال قوم: ها هو إسماعيلي و هبط عندهم ما تقدم من إحسانه. قال ابن عقيل: فقلت لنفسي: أفلس من الناس كل الإفلاس، و لا تثقي/ بهم، فمن يقدر 12/ ب على إحسان هذا اليهم و هذه أقوالهم عنه. قال ابن عقيل: و قد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم اللَّه من ذاك، إني رأيت في زمن أبي يوسف [ (2)] كثيرا من أهل القرآن و المنكرون لإكرام أصحاب عبد الصمد، و كثر متفقهة الحنابلة، و مات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير، فرأيت من كان يتقرب إلى الشيخ بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين [ (3)]، ثم جاءت الدولة النظام، فعظم الأشعرية، فرأيت من كان يتسخط علي بنفي التشبيه غلوا في مذهب أحمد، و كان يظهر بغضي يعود [عليّ‏] [ (4)] بالغمض علي الحنابلة، و صار كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن و باح، و رأيت كثيرا من أصحاب المذاهب انتقلوا و نافقوا، و توثّق بمذهب الأشعري و الشافعيّ طمعا في العز و الجرايات، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء و الزّهاد، فانقطع البطالون إلى المساجد، و تعمد خلق للزهد، فلما افتقدت ذلك قلت لنفسي: هل حظيت من هذا الافتقاد بشي‏ء ينفعك؟ فقالت البصيرة: نعم، استفدت أن الثقة خيبة، فالغنى بهم إفلاس و ليس ينبغي [ (5)] أن يعول على غير اللَّه.

____________

[ (1)] أخرجه الدار الدّارقطنيّ في سننه 1/ 127، و راجع نصب الراية 1/ 128.

[ (2)] في الأصل: «في زمن ابن يوسف».

[ (3)] في ص: «كان يتقرب إلى ابن جهير يرفع أخبار العاملين».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] في ص: «و لكن ينبغي».

26

قال المصنف: و لما عزل الوزير أبو شجاع خرج إلى الجامع [يوم الجمعة] [ (1)] فانثالت عليه العامة تصافحه و تدعو له، فكان ذلك سببا لالتزامه بيته، و الإنكار على من صحبه، و بنى في دهليز داره مسجدا و كان يؤذن و يصلي فيه، ثم وردت كتب نظام الملك بإخراجه من بغداد، فأخرج إلى بلده، [فأقام مدة] [ (2)]، ثم استأذن في الحج فأذن له فخرج.

قال أبو الحسن [بن‏] [ (3)] عبد السلام: اجتمعت به في المدينة فقبل يدي فأعظمت ذلك، فقال لي: قد كنت تفعل هذا بي فأحببت أن أكافئك. و جاور بالمدينة، فلما مرض مرض الموت حمل إلى مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله فوقف بالحضرة و بكى و قال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه عز و جل‏ «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ 13/ أ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ/ تَوَّاباً رَحِيماً» [ (4)] و قد جئت معترفا بذنوبي و جرائمي أرجو شفاعتك، و بكى.

و توفي من يومه و دفن بالبقيع عند قبر إبراهيم (عليه السلام) بعد أن صلي عليه بمسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، و زوّر به الحضرة و ذلك في منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة و هو ابن احدى و خمسين سنة، و كان له شعر حسن، فمنه قوله:

ما كان بالإحسان أولاكم‏ * * * لو زرتم من [كان‏] [ (5)] يهواكم‏

احباب قلبي ما لكم و الجفا * * * و من بهذا الهجر أغراكم‏

ما ضرّكم لو عدتم مدنفا * * * ممرّضا من بعد قتلاكم‏

أنكرتمونا مذ عهدناكم‏ * * * و خنتمونا مذ حفظناكم‏

لا نظرت عيني سوى شخصكم‏ * * * و لا أطاع القلب إلاكم‏

جرتم و خنتم و تحاملتم‏ * * * على المعنى في قضاياكم‏

يا قوم ما أخونكم في الهوى‏ * * * و ما على الهجران أجراكم‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] سورة: النساء، الآية: 64.

[ (5)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

27

حولوا و جوروا و أنصفوا أو اعدلوا * * * في كل حال لا عدمناكم‏

ما كان أغناني عن المشتكى‏ * * * إلى نجوم الليل لولاكم‏

سلوا حداة العيس هل أوردت‏ * * * ماء سوى دمعي مطاياكم‏

أو فاسألوا طيفكم هل رأى‏ * * * طرفي أغفى بعد مسراكم‏

أحاول النوم عسى أنني‏ * * * في مستلذ النوم ألقاكم‏

ما آن أن تقضوا غريما لكم‏ * * * يخشاكم أن يتقاضاكم‏

يستنشق الريح إذا ما جرت‏ * * * من نحو نجد أين مسراكم‏

و له أيضا:

لو انكم عاينتم بعد مسراكم‏ * * * وقوفي على الأطلال أندب مغناكم‏

أنادي و عيني قد تفيض بذكراكم‏ * * * أيا خلتي لم أبعد البين مرماكم‏

و لم غبتم عن ناظري بعد رؤياكم‏ * * * و لم نعب البين المشتّ و أقصاكم/ 13/ ب‏

3653- محمد بن المظفر بن بكران الحموي [ (1)] الشامي:

ولد سنة أربعمائة، و حج في سنة سبع عشرة و أربعمائة، و تفقه ببلده بعد حجه، ثم قدم إلى بغداد فتفقه على أبي الطيب الطبري، و سمع من أبي القاسم بن بشران، و غيره، و شهد عند قاضي القضاة أبي عبد اللَّه الدامغانيّ في ربيع الأول سنة اثنتين و خمسين [ (2)]، و زكاة القاضي أبو يعلى بن الفراء، و أبو الحسن [ (3)] بن السمناني، و ناب عنه في القضاء بربع المدينة. حدثنا عنه أشياخنا، و كان حسن الطريقة، خشن الأخلاق و فيه حدة، و كان ثقة عفيفا نزها لا يقبل من سلطان عطية و لا من صديق هدية، و لازم مسجدا بقطيعة [أم‏] [ (4)] الربيع، يؤم أهله، و يدرس و يقرأ عليه الحديث زائدا على خمس و خمسين سنة، و لما مات أبو عبد اللَّه الدامغانيّ أشار به الوزير أبو شجاع على المقتدي‏

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 151، و فيه: «أبو بكر الشاشي»، و شذرات الذهب 3/ 391، و الكامل 8/ 507، و فيه: «محمد بن المظفر الشاشي»).

[ (2)] في الأصل: «في ربيع الأول من هذه السنة سنة اثنتين و خمسين».

[ (3)] في الأصل: «أبو الحسين».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

28

فقلده قضاء القضاة في رمضان سنة ثمان و سبعين، و خلع عليه، و قرئ عهده و لم يرتزق على القضاء شيئا، و لم يغير ملبسه و مأكله و أحواله قبل القضاء، و كان يتولى القضاء بنفسه، و لا يستنيب أحدا و لا يحابي مخلوقا، فلما أقام الحق نفرت عنه قلوب المبطلين، و لفقوا له معايب لم يلصق به منها شي‏ء، و كان غاية تأثيرها أنه سخط عليه الخليفة، و منع الشهود من إتيان مجلسه، و أشاع عزله فقال: لم يطر عليّ فسق استحق به العزل. فبقي كذلك سنتين و شهورا، و أذن لأبي عبد اللَّه محمد بن عبيد اللَّه الدامغانيّ في سماع البينة، فنفذ من العسكر بأن الخبر قد وصل إلينا أن الديوان قد استغنى عن ابن بكران، و نحن بنا حاجة إليه، فيسرح إلينا، فوقع الإمساك عنه، ثم صلح رأى الخليفة فيه، و أذن للشهود في العود إلى مجلسه، فاستقامت أموره، و حمل إليه يهودي جحد مسلما ثيابا ادعاها عليه، فأمر ببطحه و ضربه فعوقب فأقر، فعاقبه الوزير أبو شجاع على ذلك، و اغتنم أعداؤه الفرصة في ذلك، فصنّف أبو بكر الشاشي كتابا في الرد عليه 14/ سماه: «الرد على من حكم بالفراسة [ (1)]/ و حققها بالضرب و العقوبة» و قد ذكر أن الّذي فعله له وجه و مستند من كلام الشافعيّ.

قال المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال: أخذ قوم يعيبون على الشامي و يقولون: كان يقضي بالفراسة و يواقعه، قال: فضرب كرديا حتى أقرّ بمال أخذه غصبا و كان ضربه بجريدة من نخلة داره، فقلت: أعرف دينه و أمانته، ما كان ذلك بالفراسة، لكن بأمارات، و إذا تأملتم الشرع وجدتم أنه يجوز التعويل على مثلها، فإنه إذا رأى صاحب كلالجات و رعونة يقال إنه رجم سطحا لأجل طائر، فكسر جرة، و كان عنده خبر أنه يلعب بالطيور، فقال: بل هذا الشيخ رجم. و قد ذهب مالك إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم على ما حكاه بعض الفقهاء، و ذلك يستند إلى قوله: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ» [ (2)] و من حكمنا بعقد الأزج، و كثرة الخشب، و معاقد القمط، و ما يصلح للمرأة و ما يصلح للرجل، و الدباغ و العطار إذا تخاصما في جلد، و هل اللوث في القسامة إلى نحو هذا.

____________

[ (1)] في الأصل: «على من حكم بالسياسة».

[ (2)] سورة: يوسف، الآية: 26.

29

و حمل يوما إلى دار السلطان ليحكم في حادثة، فشهد عنده المشطب بن محمد بن أسامة الفرغاني الإمام، و كان فقيها من فحول المناظرين، فردّ شهادته [فقال:

ما أدري لأي علة ردّ شهادتي [ (1)]؟] فقال الشامي: قولوا له كنت أظن أنك عالم فاسق، و الآن أنت جاهل فاسق، أما تعلم أنك تفسق باستعمال الذهب؟ و كان يلبس خاتم الذهب و الحرير، و ادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئا فقال: أ لك بينة؟ قال:

نعم. قال: من؟ قال: فلان و المشطب. فقال: لا أقبل شهادته لأنه يلبس الحرير. فقال التركي: السلطان ملك شاه و وزيره نظام الملك يلبسان الحرير! فقال الشامي: و لو شهدا عندي في باقة بقل ما قبلت شهادتهما.

توفي الشامي يوم الثلاثاء عاشر شعبان هذه السنة، و دفن بتربة له عند قبر أبي العباس بن سريج على باب قطيعة الفقهاء من الكرخ.

3654- محمد بن أبي نصر، فتوح بن عبد اللَّه [ (2)] بن حميد، أبو عبد اللَّه الحميدي [ (3)] الأندلسي:

من أهل المغرب، من جزيرة يقال لها ميرقة قريبة من الأندلس/ ولد، قبل 14/ ب العشرين و أربعمائة، و سمع ببلده الكثير، و بمصر، و بمكة، و بالشام، و ورد بغداد فسمع من أصحاب الدار الدّارقطنيّ و ابن شاهين، و كان حافظا دينا نزها عفيفا، كتب من مصنفات ابن حزم الكثير، و كتب تصانيف الخطيب، و صنّف فأحسن، و وقف كتبه على طلبة العلم فنفع اللَّه بها، حدثنا عنه أشياخنا.

و توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة، و دفن بمقبرة باب أبرز، ثم نقل في‏

____________

[ (1)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (2)] في الأصل: «فتوح بن أبي عبد اللَّه».

و جاء اسمه في الأعلام: «محمد بن فتوح بن عبد اللَّه بن فتوح بن حميد الأزدي الميورقي الحميدي، أبو عبد اللَّه بن أبي نصر».

[ (3)] انظر ترجمته في: (ابن خلكان 1/ 458، و بغية الملتمس 113، و مفتاح السعادة 1/ 13، و نفح الطيب 1/ 381، و الكامل 8/ 508، و البداية و النهاية 12/ 152، و شذرات الذهب 3/ 392، الأعلام 6/ 327، 328، تذكرة الحفاظ 1218).

30

صفر سنة إحدى و تسعين إلى باب حرب، فدفن في دكة بشر الحافي.

3655- هبة اللَّه بن علي بن عقيل، أبو منصور بن أبي الوفاء

[ (1)]:

ولد في ذي الحجة سنة أربع و سبعين، و توفي و هو ابن أربع عشرة سنة، و كان قد حفظ القرآن و تفقه، و ظهر منه أشياء تدل على عقل غزير و دين عظيم، و كان هذا الصبي قد طال مرضه، و أنفق عليه أبوه مالا في المرض و بالغ، قرأت بخط أبيه أبي الوفاء قال:

قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت و بالغت في الأدوية و الطب و الأدعية، و للَّه سبحانه في اختيار، فدعني مع اختيار اللَّه، قال: فو اللَّه [ما] [ (2)] أنطق اللَّه سبحانه ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم‏ «افْعَلْ ما تُؤْمَرُ» [ (3)] إلا و قد اختار اللَّه له الحظوة.

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 152).

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] سورة: الصافات، الآية: 102.

31

ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أنه في ربيع الأول كثر العبث من بني خفاجة، و أتوا إلى المسجد بالحائر، فتظاهروا فيه بالمنكر، فوجه إليهم سيف الدولة عسكرا فكبسوهم في المشهد، و أخذوا عليهم أبوابه، و قتل منهم خلق عند الضريح، و من أعجب العجائب [ (1)] أن أحدهم ركب فرسه و صعد إلى سور المشهد، و ألقى نفسه و فرسه، فنجوا جميعا.

حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس‏

و في هذه السنة: حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس، يقارب طوفان نوح،/ و كثر الحديث فيه، فتقدم المستظهر باللَّه بإحضار ابن عيشون المنجم [ (2)]، فقال: إن 15/ أ طوفان نوح (عليه السلام) اجتمع في برج الحوت الطوالع السبعة، و الآن فقد اجتمع في برج الحوت من الطوالع ستة و زحل لم يجتمع معهم، فلو اجتمع معهم [ (3)] كان طوفان نوح، و لكن أقول إن مدينة أو بقعة من البقاع يجتمع فيها عالم من بلاد كثيرة فيغرقون و يكون من كل بلد الواحد و الجماعة، فقيل: ما يجتمع في بلد ما يجتمع في بغداد، و ربما غرقت، فتقدم بأحكام المسنيات و المواضع [ (4)] التي يخشى منها الانفجار، و كان الناس ينتظرون الغرق، فوصل الخبر بأن الحاج حصلوا في وادي المناقب بعد نخلة،

____________

[ (1)] في الأصل: «و من العجب».

[ (2)] في الأصل، و الكامل: بإحضار ابن عيسون المنجم»، و في البداية: «عبسون».

[ (3)] في ص: «فلو كان معهم».

[ (4)] في ص: «المسنات و المواضع». و في البداية و النهاية: «المسيلات». و ما أوردناه عن الأصل، ت، و الكامل.

32

فأتاهم سيل عظيم، فنجا منهم من تعلق برءوس الجبال، و أذهب الماء الرحال و الرجال، فخلع على ذلك المنجم و أجرى له جراية.

*** ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3656- أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن خداداد الكرخي الباقلاوي، أبو طاهر بن أبي علي‏

[ (1)]:

سمع من أبي علي بن شاذان، و أبي القاسم بن بشران، و أبي بكر البرقاني، و غيرهم. و كان ثقة ضابطا، و كان جميل الخصال، مقبلا على ما يعنيه، زاهدا في الدنيا، حدّث عنه عبد الوهاب الأنماطي و غيره من أشياخنا. قال شيخنا عبد الوهاب:

كان يتشاغل يوم الجمعة بالتعبد و يقول: لأصحاب الحديث من السبت إلى الخميس و يوم الجمعة أنا بحكم نفسي للتكبير إلى الصلاة و قراءة القرآن، و ما قرئ عليه في الجامع حديث قط. قال: و لما قدم نظام الملك إلى بغداد أراد أن يسمع من شيوخها فكتبوا له أسماء الشيوخ، و كتبوا في جماعتهم اسم أبي طاهر، و سألوه أن يحضر داره، 15/ ب فامتنع فألحوا فلم/ يجب. قال أبو الفضل بن خيرون: قرابتي و ما أنفرد أنا بشي‏ء عنه ما سمعته قد سمعه، و أنا في خزانة الخليفة فما يمتنع عليكم، فأما أنا فلا أحضر.

و توفي ليلة الاثنين الرابع من ربيع الآخر، و دفن بمقبرة باب حرب.

3657- أحمد بن عمر بن الأشعث، أبو بكر السمرقندي والد شيخنا أبي القاسم‏

[ (2)]:

ولد سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة، و قرأ القرآن على أبي علي الأهوازي بالقراءات التي صنفها، و كان مجودا، و كان ينسخ المصاحف، و سمع الحديث الكثير، و روى عنه أشياخنا.

و توفي يوم الأحد سابع عشرين من رمضان [ (3)]، و دفن بمقابر الشهداء بباب حرب إلى جانب أبي بكر الدينَوَريّ الزاهد.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1227، و فيه: «الباقلاني»، و شذرات الذهب 3/ 392).

[ (2)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1227).

[ (3)] في ص: «الأحد سادس عشرين من رمضان».

33

3658- إبراهيم بن الحسين، أبو إسحاق الخزّاز

[ (1)]:

كان من الزهاد،. توفي يوم السبت تاسع ربيع الآخر، و دفن بمقبرة باب حرب.

و نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل [قال [ (2)]: كان الشيخ أبو إسحاق الخزاز شيخا صالحا بباب المراتب، و هو أول من لقنني كتاب اللَّه بدرب الديوان بالرصافة، و كان من عادته الإمساك عن الكلام في رمضان، و كان يخاطب بآي القرآن في أغراضه و سوانحه و حوائجه، فيقول في إذنه: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ‏، و يقول لابنه في عشية الصوم‏ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها آمرا له بشراء البقل، فقلت له: هذا تعتقده عبادة، و هو معصية فصعب عليه فبسطت الكلام، و قلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام الشريعة فلا يستعمل في أغراض دنيوية و ما عندي أن هذا بمثابة صرك السدر و الأشنان في ورق المصحف أو توسدك له فهجرني و هجرته مدة.

3659- حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن عامر [ (3)] بن عبيد اللَّه بن الزبير بن العوام القرشي، أبو القاسم‏

[ (4)]:

ولد سنة ثمان و أربعمائة، و سكن نهر الدجاج، و سمع أبا القاسم الخرقي، و أبا علي بن شاذان. روى عنه مشايخنا، و كان صالحا دينا ثقة.

و توفي يوم الجمعة ثاني شعبان هذه السنة و دفن بمقبرة الشونيزية.

3660- سليمان بن أحمد بن محمد أبو الربيع السرقسطي‏

[ (5)]:

من أهل الأندلس دخل بغداد، و أقام بها و سمع أبا القاسم بن بشران، و أبا العلاء الواسطي و من بعدهما كأبي بكر الخطيب، و غيره. و كانت له معرفة باللغة. و روى عنه أشياخنا لكنهم جرحوه، فقال أبو منصور بن خيرون: نهاني عمي أبو الفضل أن أقرأ عليه‏

____________

[ (1)] الخزاز: بفتح الخاء، و تشديد الزاي الأولى.

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ت: «بن إبراهيم بن أسعد».

[ (4)] في ت: «القرشي ابن القاسم».

[ (5)] السرقسطي: نسبة إلى سرقسطة، و هي بلدة ساحل البحر من بلاد الأندلس.

و انظر ترجمته في: (الأنساب 7/ 72).

34

القرآن، و قال ابن ناصر: كان كذابا يلحق سماعاته.

و توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.

3661- عبد اللَّه بن إبراهيم، بن عبد اللَّه، أبو حكيم الخبري‏

[ (1)]:

و خبر [ (2)] إحدى بلاد فارس، و هو جد شيخنا أبي الفضل بن ناصر لأمه، تفقه على أبي إسحاق، و سمع من الجوهري و غيره، و كانت له معرفة تامة بالفرائض، و له فيها تصنيف و له معرفة بالأدب و اللغة، و كان مرضي الطريقة، و حدثني عنه شيخنا أبو الفضل بن ناصر، قال: كان يكتب المصاحف فبينا هو يوما قاعدا مستندا يكتب وضع القلم من يده و استند، و قال: و اللَّه إن كان هذا موتا فهذا موت طيب ثم مات.

3662- عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد، أبو منصور الشيحي [ (3)] التاجر:

و يعرف بابن شهدانكه، من أهل النصرية، و سمع ببغداد أبا طالب ابن غيلان، و أبا القاسم التنوخي، و أبا الحسن القزويني، و أبا إسحاق البرمكي، و الجوهري، و رحل إلى الشام و ديار مصر فسمع بها من جماعة و أكثر عن أبي بكر الخطيب بصور، و أهدى إليه الخطيب تاريخ بغداد بخطه، و قال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له لأنه حمل الخطيب من الشام إلى العراق، و روى عنه الخطيب في تصانيفه فسماه عبد اللَّه، و كان يسمى عبد اللَّه و كان ثقة خيرا دينا.

توفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، و دفن بمقبرة باب حرب.

3663- عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد] [ (4)] الهمذاني‏

[ (5)]:

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 153، و فيه: «عبد اللَّه بن إبراهيم بن عبد اللَّه، أخو حكيم الخيريّ»).

[ (2)] في ت، ص: «أبو حكيم الخيريّ. و خير».

و التصويب من الأنساب.

[ (3)] في الأصل: «أبو منصور الشيخى».

و انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 153، و فيه: «عبد المحسن بن علي بن أحمد الشبخي التاجر»، و شذرات الذهب 3/ 392).

[ (4)] انتهى السقط من الأصل الّذي بدأ أثناء ترجمة إبراهيم بن الحسين، و قد وضعناه بين معقوفتين.

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 153، و الكامل 9/ 6).

35

سمع أبا علي الحسن بن علي الشاموخي [ (1)] و غيره. روى عنه أشياخنا، و كان يعرف العلوم الشرعية و الأدبية، إلا أن علم الفرائض و الحساب انتهى إليه [ (2)]، و كان قد تفقه على أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي، و كان يحفظ «غريب الحديث» لأبي عبيد، و «المجمل» لابن فارس، و كان عفيفا زاهدا، و كان يسكن درب رياح، و كان الوزير أبو شجاع قد نص عليه لقضاء القضاة فأجابه المقتدي، فاستدعاه فأبى أشد الإباء، و اعتذر بالعجز و علوّ السن، و عاود الوزير أن لا يعاود ذكره في هذا الحال.

أنبأنا شيخنا عبد الوهاب الأنماطي قال: سمعت أبا الحسن بن أبي الفضل الهمذاني يقول: كان والدي إذا أراد أن يؤدبني يأخذ العصا بيده و يقول: نويت أن أضرب ابني تأديبا كما أمر اللَّه، ثم يضربني. قال أبو الحسن: و إلى أن ينوي و يتم النية كنت أهرب.

توفي يوم الأحد تاسع عشر رمضان من هذه السنة، و دفن عند قبر ابن سريج.

3664- محمد بن أحمد بن عبد الباقي/ بن منصور، أبو بكر، و يعرف بابن الخاضبة 16/ أ الدقاق‏

[ (3)]:

كان معروفا بالإفادة، و جودة القراءة، و حسن الخط، و جودة النقل، و جمع علم القراءات و الحديث، و أكثر عن أبي بكر الخطيب، و أصحاب المخلص، و الكتاني.

حدثنا عنه شيوخنا و كانوا يثنون عليه، و عاجلته المنية قبل الرواية. توفي ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول، و دفن في المقبرة المعروفة بالأجمة المتصلة بباب [ (4)] أبرز.

أنبأنا أبو زرعة، عن أبيه محمد بن طاهر قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد الدقاق المعروف بابن الخاضبة يقول [ (5)]: لما كانت سنة الغرق وقعت داري على قماشي‏

____________

[ (1)] في الأصل: الحسن بن علي الشامرخي» و في ت: «الحسن بن علي السامرخي».

[ (2)] في الأصل: «و الحساب انتقل إليه».

[ (3)] في الأصل: «و يعرف بابن الحاضنة». و التصحيح من ت، ص، و تذكرة الحفاظ.

و انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1224: 1227، و البداية و النهاية 12/ 153، و فيه: «المعروف بابن الحاضنة»، و شذرات الذهب 3/ 393).

[ (4)] في ص: «بالأجمة بباب أبرز» بإسقاط: «المتصلة».

[ (5)] في الأصل: «المعروف بابن الحاضنة».

36

و كتبي، و لم يبق لي شي‏ء، و كانت لي عائلة، و كنت أورق للناس، فكتبت صحيح مسلم تلك السنة سبع مرات، فنمت ليلة فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت و مناد ينادي:

اين ابن الخاضبة؟ فأحضرت فقيل لي: ادخل الجنة، فلما دخلت استلقيت على فراشي، و وضعت إحدى رجلي على الأخرى، و قلت: استرحت و اللَّه من النسخ.

3665- محمد بن علي بن عمير، أبو عبد اللَّه القهندزيّ [ (1)] العميري:

خرج من هراة إلى الحجاز سنة عشرين و أربعمائة، و ركب البحر، و خرج إلى عدن، و زبيد، و وصل إلى مكة بعد سنتين، و سمع بها، ثم انصرف إلى بغداد و سمع بها، و بهراة، و نيسابور، و سجستان، و غير ذلك من البلاد، سمع المؤتمن و غيره، و كان متقنا [فهما] [ (2)] فقيها فاضلا دينا خيرا ورعا زاهدا، حدّث بالكثير.

و توفي في محرم هذه السنة.

3666- محمد بن علي بن محمد، أبو ياسر الحمامي‏

[ (3)]:

قرأ على أبي بكر الخياط و غيره، و كتب الكثير من علوم القرآن و الحديث، و سمع من أبي محمد الخلال، و أبي جعفر ابن المسلمة، و الصريفيني، و غيرهم، و كان ثقة إماما في القراءات و الحديث، سمع أشياخنا منه.

و توفي يوم الثلاثاء تاسع المحرم و دفن بمقبرة باب حرب.

16/ ب أنشدني أبو الفتح/ بن أبي السعادات الوكيل قال: أنشدنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن الحسين المدني، قال: أنشدني أبو ياسر الحمامي:

دحرجني الدهر [ (4)] إلى معشر * * * ما فيهم للخير مستمتع‏

إن حدّثوا لم يفهموا لفظة * * * أو حدّثوا ضجوا فلم يسمعوا

____________

[ (1)] في ت: «أبو عبد اللَّه القهدري». و في الأنساب 10/ 274: «نسبة إلى قهندز، بلا دشتى».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في ت: «ابن ياسر الحمامي».

[ (4)] في الأصل: «و حرجني الدهر».

37

3667- محمد بن أحمد بن محمد [ (1)]، أبو نصر الرامشي‏

[ (2)]:

من أهل نيسابور، ولد سنة أربع و أربعمائة، و سافر الكثير، و سمع الكثير، و رحل في طلب القراءات و الحديث، و كان مبرزا في علوم القرآن، و له حظ في علم العربية، و أملى بنيسابور [سنين‏] [ (3)] و توفي في هذه السنة.

3668- منصور بن محمد بن عبد الجبار [بن أحمد] [ (4)] بن محمد، أبو المظفر السّمعاني‏

[ (5)]:

من أهل مرو، تفقه على أبيه أبي منصور على مذهب أبي حنيفة حتى برع في الفقه و برز على أقرانه من الشبان، ثم ورد بغداد في سنة إحدى و ستين، و سمع الحديث الكثير بها، و اجتمع بأبي إسحاق الشيرازي، و أبي نصر بن الصباغ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعيّ، فلما رجع إلى بلده اضطرب أهل بلده، و جلب عليه العوام، و قالوا طريقة ناظر عليها أكثر من ثلاثين سنة ثم تحوّل عنها، فخرج إلى طوس [ (6)]، ثم قصد نيسابور، و وعظ و صنف «التفسير [ (7)]» و «البرهان»، و «الاصطلام [ (8)]»، و كتاب «القواطع»

____________

[ (1)] في ت: «محمد بن محمد بن أحمد».

[ (2)] في الأصل: «أبو نصر المارشي». و التصحيح من الأنساب. «و الرامشي: نسبة إلى رامش، و هو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه».

و انظر ترجمته في: (الأنساب للسمعاني 6/ 50، و فيه: «محمد بن محمد بن محمد بن هميماه الرامشي».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت.

[ (5)] هو جد السمعاني صاحب الأنساب.

و انظر ترجمته في: (النجوم الزاهرة 5/ 160، و مفتاح السعادة 2/ 191، و اللباب 1/ 563، و تذكرة الحفاظ 1227، و شذرات الذهب 3/ 393، و الطبقات الكبرى للسبكي 4/ 21، و فيه: «منصور بن أحمد»، و الأعلام 7/ 303، 304، و البداية و النهاية 12/ 153، 154، و العبر 3/ 326، و مرآة الجنان لليافعي 3/ 151، و الأنساب لحفيده السمعاني 7/ 139، و طبقات المفسرين للداوديّ 651).

[ (6)] في الأصل: «فخرج إلى الطوس».

[ (7)] «التفسير»: ساقطة من ص. و كتابه التفسير هذا مخطوط في ثلاث أجزاء.

[ (8)] و هو في الرد على أبي زيد الدبوسي، و هو مخطوط توجد منه نسخة في معهد المخطوطات.

38

في أصول الفقه، و كتاب «الانتصار» في الحديث، و غير ذلك، و أملى الحديث، و كان يقول: ما حفظت شيئا فنسيته. و سئل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز، و سئل عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ [ (1)] فقال:

جئتماني لتعلما سرّ سعدى‏ * * * تجداني بسرّ سعدى شحيحا

إن سعدى لمنية المتمني‏ * * * جمعت عفة و وجها صبيحا

توفي أبو المظفر في ربيع الأول من هذه السنة، و دفن في مقبرة مرو، رحمه اللَّه و إيانا و جميع المسلمين.

***

____________

[ (1)] سورة: طه، الآية: 5.

39

ثم دخلت 17/ أ سنة تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[كبس على أبي نصر في يوم عاشوراء]

أنه في يوم عاشوراء كبس على أبي نصر بن جلال الدولة أبي طاهر ابن بويه، و كان يلقب: بهاء الدولة، و كان قد أقطعه جلال الدولة ملك شاه المدائن، و دير العاقول، و غيرهما، فلما كبس عليه هرب إلى بلد سيف الدولة صدقة، ثم تنقل في البلاد، و كان قد ثبت عليه عند القاضي أمور أوجبت إراقة دمه [ (1)]، و قضت بارتداده، و بنيت داره بدرب القيار [ (2)] مسجدين أحدهما لأصحاب الشافعيّ، و الآخر لأصحاب أبي حنيفة.

[في ربيع الآخر تظاهر العيارون‏]

و في ربيع الآخر: تظاهر العيارون بالفتك في الجانب الغربي.

[قتل إنسان باطني على باب النوبي‏]

و في شوال: قتل إنسان باطني على باب النوبي أتى من قلاعهم بخوزستان، و شهد عليه بمذهبه شاهدان دعاهما هو إلى مذهبه، فأفتى الفقهاء بقتله منهم ابن عقيل، و كان من أشدهم عليه، فقال له الباطني: كيف تقتلوني و أنا أقول لا إله إلا اللَّه؟ قال ابن عقيل: أنا أقتلك. قال: بأي حجة؟ قال: بقول اللَّه عز و جل: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ (3)].

____________

[ (1)] في الأصل: «أوجبت سفك دمه».

[ (2)] في الأصل: «داره بدار القيار».

[ (3)] سورة: غافر، الآية: 84، 85.

40

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3669- أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن زكريا بن دينار، أبو يعلى البصري العبديّ [ (1)]، يعرف بابن الصواف‏

[ (2)]:

ولد سنة أربعمائة، و كان ينزل القسامل [ (3)] إحدى محال البصرة، دخل بغداد في سنة إحدى و عشرين، و سمع أبا علي بن شاذان، و أبا بكر البرقاني، و سمع بالبصرة من 17/ ب أبي عبد اللَّه بن داسة و غيره، و كان/ فقيها مدرسا زاهدا خشن العيش متصونا ذا سمت و وقار و سكينة، و كان إماما في عشرة علوم. و توفي في رمضان هذه السنة.

3670- إبراهيم بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، [أبو إسحاق‏] [ (4)] بن أبي عمر بن أبى عبد اللَّه بن [ (5)] مندة.

ولد في صفر سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة، و سمع من أبيه و غيره، و كان كثير التعبد و التهجد، و توفي في بادية الكوفة متوجها إلى مكة في هذه السنة.

3671- محمد بن علي بن الحسين، أبو عبد اللَّه القطيعيّ الكاتب‏

[ (6)].

سمع أبا القاسم بن بشران، و حدّث و روى عنه شيوخنا، و توفي في يوم الجمعة ثالث رمضان، و دفن في مقبرة باب حرب.

3672- محمد بن محمد بن عبيد اللَّه، أبو غالب [ (7)] البقال:

سمع أبا علي بن شاذان، و أبا القاسم بن بشران، و أبا القاسم الخرقي و غيرهم، حدثنا عنه أشياخنا، و كان صدوقا، نزل إلى دجلة ليتوضأ فغرق في يوم الاثنين سادس‏

____________

[ (1)] في الأصل: «العبديّ البصري».

[ (2)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 154، و شذرات الذهب 3/ 394).

[ (3)] في الأصل: «كان ينزل السامل».

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، ت.

[ (5)] في ت: «أبو عمر بن أبي عبد اللَّه».

[ (6)] القطيعي: نسبة إلى القطيعة، و هي مواضع و قطائع في مجال متفرقة ببغداد.

[ (7)] هذه الترجمة ساقطة من ت.

41

عشرين رجب [ (1)] فأخرج، و حمل إلى داره، و أخرجت جنازته من الغد فصلي عليه، ثم حمل إلى مقبرة باب حرب.

3673- المعمر بن محمد بن المعمرين أحمد بن محمد، أبو الغنائم [ (2)] الحسيني الطاهر، ذو المناقب، نقيب الطالبيين‏

[ (3)]:

و كان جميل الصورة، كريم الأخلاق، كثير التعبد، لا يحفظ عنه أنه آذى مخلوقا، و لا شتم حاجبا [ (4)]، و سمع الحديث و رواه، و توفي بداره بالكرخ بنهر البزازين ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الأول، و حمل من الغد إلى الجامع المنصور فصلي عليه، ثم حمل إلى مشهد مقابر قريش فدفن به، و مات عن اثنتين و سبعين سنة، ولي النقابة منها اثنتين و ثلاثين سنة و ثلاثة أشهر، و تولى مكانه ابنه أبو الفتوح حيدرة، و لقب بالرضي ذي الفخرين، و رثاه أبو عبد اللَّه بن عطية بأبيات منها:

هل ينفعن من المنون [ (5)] حذار * * * أم للإمام من الرّدى أنصار

هيهات ما دون الحمام إذا دنا * * * وزر و لا يسطاع منه حذار

نفذ القضاء على الورى من عادل‏ * * * في حكمه و جرت به الأقدار

ما لي أرى الآمال تخدع بالمنى‏ * * * عدة تطول و تقصر الأعمار

و الناس في شغل و قد أفناهم‏ * * * ليل يكرّ عليهم و نهار

و يد المنية شثنة مبسوطة * * * في كل أنملة لها أظفار

لو كان يدفع بطشها [ (6)] عن مهجة * * * و يردّ حتفا معقل و جدار

لفدت ربيعة ذا المناقب و اشترت‏ * * * حبّا له طول البقاء نزار

خرجت ذرى المجد المنيف و أصبحت‏ * * * عرصات ربع المجد و هي قفار

____________

[ (1)] في ص: «سادس عشر رجب».

[ (2)] في المطبوعة: «أبو القائم».

[ (3)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 155).

[ (4)] في الأصل: «و لا شتم صاحبا».

[ (5)] في الأصل: «هل يشفعن من المنون».

[ (6)] في الأصل: «لو كان يرفع بطشها».

42

و خلا مقام النسك من تسبيحه‏ * * * و بكت على صلواته الأسحار

[ (1)]

3674- يحيى بن [أحمد بن أحمد بن محمد بن‏] علي السّيبي‏

[ (2)]:

ولد سنة ثمان و ثمانين و ثلاثمائة [ (3)]، فرحل الناس إليه، و كان صالحا ثقة صدوقا دينا، و توفي ليلة السبت خامس عشرين ربيع الآخر، و كان عمره مائة و ثلاثا و خمسين سنة و ثلاثة أشهر و أياما، و كان صحيح الحواس، قرأ عليه القرآن و الحديث.

***

____________

[ (1)] في ص، و الأصل: «و بكت على صلحائه الأشعار».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

و قال السمعاني: «السيبي بكسر السين المهملة، و سكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، و في آخرها الباء المنقوطة بواحدة، هذه النسبة إلى سيب، و ظني أنها قرية بنواحي قصر ابن هبيرة. (الأنساب 7/ 215).

و انظر ترجمته في: (الأنساب 7/ 216، و البداية و النهاية 12/ 155، و فيه: «يحيى بن أحمد بن محمد بن علي البستي»، و شذرات الذهب 3/ 396، و فيه: «السبتي»، و الكامل 9/ 12).

[ (3)] في ص: «ولد سنة ثلاث و ثلاثين، و ثلاثمائة».

43

ثم دخلت سنة إحدى و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[كثرة الاستنفار على الإفرنج‏]

أنه في شهر ربيع الآخر كثر الاستنفار على الإفرنج و تكاثرت الشكايات [ (1)] بكل مكان، و وردت كتب السلطان بركيارق إلى جميع الأمراء يأمرهم بالخروج مع الوزير ابن جهير لحربهم/، و اجتمعوا في بيت النوبة و برز سيف الدولة صدقة [فنزل‏] [ (2)] 18/ ب بقرب الأنبار، و ضرب سعد الدولة مضاربه بالجانب الغربي، ثم انفسخت هذه العزيمة، و وردت الأخبار بأن الأفرنج ملكوا أنطاكية، ثم جاءوا إلى معرة النعمان فحاصروها، و دخلوا و قتلوا و نهبوا. و قيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس، و كانوا قد خرجوا في ألف ألف.

و في شعبان: خرج أبو نصر ابن الموصلايا إلى المعسكر إلى نيسابور مستنفرا على الإفرنج برسالة من الديوان.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3675- طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الامام بن محمد بن علي [ (3)] بن عبد اللَّه بن عباس، أبو الفوارس بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن [ (1)] أبي تمام:

____________

[ (1)] في ص: «على الافرنج و تواترت الشكايات».

[ (2)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (3)] في الأصل: «بن سليمان بن عبد اللَّه بن علي بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن عباس».

44

من ولد زينب بنت سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس [ (2)]، و هي أم ولد عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن عبد اللَّه بن عباس. حدث عنها أحمد بن منصور الرمادي [ (3)]، و كنّاها أم علي.

ولد في سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة [ (4)]، و سمع الحديث [ (5)] الكثير و الكتب الكبار، و سمع من أبي نصر النرسي، و هلال الحفار، و الحسين بن عمرو بن برهان [ (6)]، و هو آخر من حدّث عنهم، و رحل إليه من الأقطار، و أملى بجامع المنصور، و استملى له أبو علي البرداني، و كان يحضر مجلسه جميع المحدثين و الفقهاء، و حضر إملاءه قاضي القضاة أبو عبد اللَّه الدامغانيّ، و حج سنة تسع و ثمانين فأملى بمكة و المدينة، و بيته معروف في 19/ أ الرئاسة/ ولي نقابة العباسيين بالبصرة، ثم انتقل إلى بغداد، و ترسل من الديوان العزيز إلى الملوك، و ساد الناس رتبة و رأيا، و متّع بجوارحه، و قد حدّث عنه جماعة من مشايخنا [ (7)] [و قد] [ (8)] تورع قوم عن الرواية عنه لتصرفه و صحبته للسلاطين، و لما احتضر بكى أهله فقال: صيحوا وا مختلساه إنما يبكى على من سنّه دان، فأما من عمره مترام فما فائدة البكاء عليه.

و توفي في سلخ شوال هذه السنة، و قد جاوز التسعين، و دفن في داره بباب البصرة، ثم نقل في ذي الحجة سنة اثنتين و تسعين إلى مقابر الشهداء فدفن بها.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (شذرات الذهب 3/ 396، و النجوم الزاهرة 5/ 162، و الأعلام 3/ 225، و تذكرة الحفاظ 1228، و الكامل 9/ 17).

[ (2)] في ص: «عبد اللَّه بن العباس».

[ (3)] في الأصل: «منصور الرمادي».

[ (4)] في الأصل: «ولد سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة».

[ (5)] «الحديث»: ساقطة من ص.

[ (6)] في الأصل: «الحسن بن عمر بن برهان».

[ (7)] في الأصل: «و أشياخنا».

[ (8)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

45

3676- عبد اللَّه بن سمعون [ (1)] بن يحيي بن أحمد، أبو محمد السلمي، القيسي [ (2)] القيروانيّ.

سمع من ابن غيلان، و الجوهري، و خلقا كثيرا في البلدان، و قرأ و نقل، و كانت له معرفة بالنقل، روى عنه أشياخنا.

و توفي في رمضان هذه السنة، و دفن في مقبرة باب حرب.

3677- عبد الواحد بن علوان بن عقيل بن قيس، أبو الفتح [ (3)] الشيبانيّ.

حدثنا عنه أبو محمد المقرئ. و توفي في رجب هذه السنة.

3678- محمد بن أحمد بن محمد [ (4)]، أبو عبد اللَّه الميبذي‏

[ (5)]:

و ميبذة بلدة [ (6)] من كورة إصطخر قريبة من يزدورد [ (7)]، قدم بغداد، و سمع الكثير من ابن المسلمة، و ابن النقور، و غيرهما، و كان له معرفة باللغة و الأدب.

و توفي في ذي القعدة من هذه السنة و دفن بمقبرة المارستان في غربي بغداد.

3679- محمد بن الحسين بن محمد، أبو سعد الحرميّ‏

[ (8)].

من أهل مكة، نزل هراة و رحل إلى البلاد في طلب العلم، و سمع الكثير، و كان من الزّهاد الورعين، لا يخالط أحدا، و كانوا يعدونه من الأبدال [ (9)].

توفي في رمضان هذه السنة.

____________

[ (1)] في (ص): «عبد اللَّه بن سمعون».

[ (2)] نسبته هذه إلى القيروان كلمة فارسية. (الأنساب للسمعاني 10/ 286).

[ (3)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1228).

[ (4)] في الأصل: «محمد بن محمد بن أحمد».

[ (5)] في الأصل: «أبو عبد اللَّه المندي».

[ (6)] في الأصل: «و مندة بلدة».

[ (7)] في الأنساب يزدجرد.

[ (8)] في ت، و الشذرات: «أبو سعد الجرمي». و في المطبوعة: «أبو سعد المخرمي». و ما أوردنا، عن الأصل و تذكرة الحفاظ.

و انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1228، و فيه: «محمد بن الحسن»، و شذرات الذهب 3/ 397).

[ (9)] في ص: «و كانوا يعدونه من البدلاء».

46

3680- محمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، أبو الوضاح [ (1)] العلويّ.

تفقه على أبيه، و برع في الفقه و درس. و توفي في شوال هذه السنة و هو ابن أربع و خمسين سنة.

19/ ب‏

3681- المظفر، أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء/ أبي القاسم ابن [ (2)] المسلمة.

كانت داره مجمعا لأهل العلم و الدين و الأدب، و من جملة من أقام بها إلى أن توفي أبو إسحاق الشيرازي.

توفي المظفر خامس ذي القعدة من هذه السنة، و دفن عند أبي إسحاق الشيرازي.

3682- هبة اللَّه بن عبد الرزاق، بن محمد بن عبد اللَّه بن الليث، أبو الحسن الأنصاري [ (3)] الأشهلي:

ولد سنة اثنتين و أربعمائة، و سمع أبا الفتح هلال بن محمد الحفار، و أبا الفضل عبد الواحد التميمي، و هو آخر من حدّث عنه. روى عنه أشياخنا، و كان من ذوي الهيئات و أرباب الديانات، و أحد قراء الموكب، عمّر حتى حمل عنه، و كان صحيح السماع.

توفي في ربيع الآخر من هذه السنة، و دفن في مقبرة الشونيزي.

***

____________

[ (1)] في ت: «ابن الوضاح العلويّ».

[ (2)] انظر ترجمته في: (الكامل 9/ 17).

[ (3)] الأشهلي نسبة إلى بني عبد الأشهل من الأنصار.

و انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1229، و شذرات الذهب 3/ 397).

47

ثم دخلت سنة اثنتين و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[أخذ الافرنج بيت المقدس و قتل سبعين ألف مسلم‏]

أخذ الافرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، و قتلوا فيه زائدا على سبعين ألف مسلم، و أخذوا من عند الصخرة نيفا و أربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف و ستمائة درهم، و أخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي [ (1)]، و أخذوا نيفا و عشرين قنديلا من ذهب، و من الثياب و غيره ما لا يحصى، و ورد المستنفرون من بلاد الشام، و أخبروا بما جرى [ (2)] على المسلمين، و قام القاضي أبو سعد الهروي قاضي دمشق [في الديوان‏] [ (3)]، و أورد كلاما أبكى الحاضرين، و ندب من الديوان من يمضي إلى العسكر و يعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو المظفر الابيوردي قصيدة في هذه الحالة فيها [ (4)]:

و كيف تنام العين مل‏ء جفونها * * * على هنوات أيقظت كل نائم‏

و إخوانكم بالشام يضحي مقيلهم‏ * * * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم/ 20/ أ

تسومهم الرّوم الهوان و أنتم‏ * * * تجرّون ذيل الخفض فعل المسالم‏

إلى أن قال:

و تلك حروب من يغب عن غمارها * * * ليسلم يقرع بعدها سنّ نادم‏

____________

[ (1)] في الأصل: «وزنه أربعين رطلا بالشامي».

[ (2)] في الأصل: «و انصرفوا بما جرى».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في الأصل: «في هذه الحال منها».

48

يكاد لهن المستجنّ بطيبة [ (1)] * * * ينادي بأعلى الصّوت يا آل هاشم‏

أرى أمتي لا يشرعون إلى العدي‏ * * * رماحهم و الدين واهي الدعائم‏

و يجتنبون الثأر خوفا من الردى‏ * * * و لا يحسبون العار ضربة لازم‏

أ ترضى صناديد الأعاريب بالأذى‏ * * * و تغضي على ذلّ كماة الأعاجم‏

وليتهم إن لم يذودوا حمية * * * عن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم‏

و إن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى‏ * * * فهلا أتوه رغبة في المغانم‏

ذكر ابتداء أمر السلطان محمد بن ملك شاه [ (2)]

كان أبو شجاع محمد بن ملك شاه هو و سنجر أخوين لأب و أم، و كان محمد ببغداد لما مات أبوه، و خرج إلى أصبهان مع أخيه محمود [لما خرجت تركان خاتون بابنها محمود] [ (3)] حاصرها بأصبهان بركيارق، فأقام عنده فأقطعه كنجة و أعمالها، و سار محمد مع بركيارق إلى بغداد لما دخلها سنة ست و ثمانين، فقتل محمد أتابكه و استولى على إقليم كنجة، و لحق به مؤيد الملك، و حسن له طلب الملك و صار وزيرا له، و اجتمع إليه النظامية و غيرهم، و خطب لنفسه، و ضرب الطبل، و خرج أكثر عسكر بركيارق إليه، و أنفذ رسولا إلى بغداد [فخطب له‏] [ (4)] في ذي الحجة سنة اثنتين و تسعين، و كانت له مع بركيارق خمس وقائع.

20/ ب و فيها: زادت الأسعار و منع القطر، و بلغ الكر تسعين دينارا/ ببغداد و واسط، و مات الناس على الطرقات، و اشتد أمر العيارين في المحال.

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

3683- أحمد بن عبد القادر، بن محمد بن يوسف، أبو الحسين المحدث الزاهد

[ (5)]:

____________

[ (1)] في ص: «يكاد لهن المستجد بطيبة».

[ (2)] «بن ملك شاه»: ساقطة من ص.

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (5)] انظر ترجمته في: (تذكرة الحفاظ 1230، و شذرات الذهب 3/ 397).

49

ولد سنة اثنتي عشرة و أربعمائة، و سافر الكثير، و وصل إلى بلاد المغرب، و سمع الحديث الكثير من ابن بشران، و ابن شاذان، و خلق كثير، و حدثنا عنه أشياخنا. و توفي في شعبان، و دفن في مقابر الشهداء.

3684- إبراهيم بن مسعود، بن محمود بن سبكتكين‏

[ (1)]:

قد ذكرنا حالة محمود بن سبكتكين في أيام القادر باللَّه، و لما مات ملك مكانه ابنه مسعود، ثم أخذ و اعتقل، و آل الأمر إلى إبراهيم، فملك. فحكى أبو الحسن الطبري الفقيه الملقب بالكيا قال: أرسلني إليه السلطان بركيارق، فرأيت في مملكته ما لا يتأتى وصفه، فدخلت عليه و هو جالس في طارمة عظيمة بقدر رواق المدرسة النظامية، و باب فضة بيضاء بطول قامة الرجل [ (2)] و فوق ذلك إلى السقف صفائح الذهب الأحمر، و على باب الطارمة الستور التنيسي، و للمكان شعاع يأخذ بالبصر عند طلوع الشمس عليه، و كان تحته سرير ملبس بصفائح الذهب، و حواليه التماثيل المرصعة من الجوهر و اليواقيت، فسلمت عليه و تركت بين يديه هدية كانت معي، فقال: نتبرك بما يهديه العلماء. ثم أمر خادمه أن يطوف بي في داره [ (3)]، فدخلنا إلى خركاه عظيمة قد ألبست قوائمها من الذهب، و فيها من الجواهر و اليواقيت شي‏ء كثير، و في وسطها سرير من العود الهندي، و تمثال طيور بحركات، إذا جلس الملك صفقت بأجنحتها، إلى غير ذلك من العجائب، فلما عدت رويت له الخبر/

عن النبي صلى اللَّه عليه و سلم‏

: «لمناديل سعد بن معاذ في 21/ أ الجنة أحسن من هذا [ (4)]».

فبكى. قال: و بلغني أنه كان لا يبني لنفسه منزلا حتى يبني للَّه مسجدا أو مدرسة.

توفي في رجب هذه السنة و قد جاوز السبعين، و ملك فيها اثنتين و أربعين سنة.

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 157).

[ (2)] «النظامية ... قامة الرجل»: ساقطة من ص.

[ (3)] في الأصل: «أن يطروني في داره».

[ (4)] الحديث: أخرجه البخاري في صحيحه في الأيمان النذور، الباب 3، حديث 13، و المناقب، الباب 72، و مسلم في الصحيح في الفضائل، الباب 70، حديث 4، 5، 6.

50

3685- أتز الأمير

[ (1)]:

كان السلطان بركيارق قد ولاه فارس جميعها، ثم ولاه إمارة العراق [ (2)]، و انتدب لقتال الباطنية، ثم عزم على ترك بركيارق و طاعة السلطان محمد، و كان إقطاعه يزيد على عشرة آلاف ألف دينار، فجلس ليلة على طبقة فهجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم، و كانوا قد دخلوا في حيلة، فصدم أحدهم المشعل فرمى به، و صدم الآخر شمعة فأطفأها، و جذب الآخر سكينين فقتله بهما فأفلت اثنان و قتل الثالث، و نهب ماله، و حمل إلى داره بأصبهان فدفن بها.

3686- بركة بن أحمد [بن عبد اللَّه‏] [ (3)]، أبو غالب الواسطي‏

[ (4)]:

ولد سنة عشر و أربعمائة، و سمع أبا القاسم بن بشران، و أبا عبد اللَّه المحاملي، حدّث عنه شيخنا عبد الوهاب و أثنى عليه، و كان ثقة.

و توفي يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة و دفن بمقبرة الشونيزية.

3687- عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح، أبو تراب المراغي‏

[ (5)]:

ولد سنة ثلاث و أربعمائة [ (6)]، سمع ببغداد أبا القاسم بن بشران [ (7)]، و أبا علي بن شاذان، و أبا محمد السكري، و أبا علي ابن المذهب، و أبا بكر بن بشران، و أبا محمد الجوهري و أبا الطيب الطبري، و تفقه عليه، و سمع بالموصل و بأصبهان و نيسابور و نزلها، و تشاغل بالتدريس و المناظرة و الفتوى، و كان يقول: أحفظ أربعة آلاف مسألة في الخلاف، و أحفظ الكلام فيها، و يمكنني أن أناظر في جميعها. و كان يحفظ من/ 21/ ب الحكايات و الأشعار و الملح الكثير، و كان صبورا على الكفاف معرضا عن كسب الدنيا

____________

[ (1)] كذا في الأصل و في باقي النسخ و المطبوعة: «أنر».

[ (2)] في ص: «ولاه ولاية العراق».

[ (3)] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.

[ (4)] في ت: «ابن غالب الواسطي».

[ (5)] انظر ترجمته في: (البداية و النهاية 12/ 157، و فيه: «أبو تراب البراعي»، تذكرة الحفاظ 1230، و تاريخ نيسابور 1197، و شذرات الذهب 3/ 398).

[ (6)] في ص، و البداية: «سنة احدى و أربعمائة».

[ (7)] العبارة من: «و أبا عبد اللَّه المحاملي ...» أثناء ترجمة بركة بن أحمد، إلى هنا ساقطة من ت.

51

على طريق السلف، بعث إليه منشور بقضاء همذان فقال: أنا في انتظار المنشور من اللَّه تعالى على يدي ملك الموت، و قدومي الآخرة أليق من منشور القضاء بهمذان، و قعودي في هذا المسجد ساعة على فراغ القلب أحب إليّ من علم الثقلين.

توفي في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث و تسعين سنة.

3688- علي بن الحسين بن علي بن أيوب، أبو الحسن البزاز

[ (1)]:

ولد سنة عشر و أربعمائة في شوال، و سمع أبا علي بن شاذان، و أبا محمد الخلال، و أبا العلاء الواسطي، حدثنا عنه أشياخنا. توفي يوم عرفة و دفن في مقبرة جامع المنصور.

***

____________

[ (1)] انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ 1230، و شذرات الذهب 3/ 398).

52

ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و اربعمائة

فمن الحوادث فيها:

[وصول بركيارق إلى خوزستان بحال سيئة]

أن بركيارق وصل إلى خوزستان بحال سيئة لميل الناس إلى السلطان محمد، و كان مع بركيارق ينال، و هو أمير عسكره، ثم خاف منه فرحل عنه إلى الأهواز، فصادر أهلها، و أصعد بركيارق إلى واسط، فهرب أعيان البلد، فدخل العسكر فعاثوا و نهبوا و قلعوا الأبواب، و استخرجوا الذخائر و فعلوا ما لا يفعل الروم، و حمل إلى السلطان قوم ذكر أنهم جاءوا للفتك، و أقر رئيسهم بذلك، فأمر به السلطان فبطح و ضربه فقسمه [ (1)] نصفين، ثم رحل السلطان إلى بلاد سيف الدولة صدقة، ففعلت العساكر نحوا مما فعلت بواسط، و التقى سيف الدولة بالسلطان و أصعد معه إلى بغداد، و كان سعد الدولة الكوهرائين [ (2)] مخيما بالشفيعي مقيما على المباينة لبركيارق، و الطاعة للسلطان محمد، 22/ أ فلما علم بوصوله إلى زريران رحل إلى النهروان في ليلة الجمعة النصف من صفر/ و سارت معه زوجة مؤيد الملك و هي ابنة القاسم بن رضوان، فلما كان يوم الجمعة منتصف صفر قطعت خطبة محمد، و أقيمت لبركيارق.

[خروج الوزير عميد الدولة لاستقبال السلطان‏]

و في يوم السبت سادس عشر صفر: خرج الوزير عميد الدولة لاستقبال السلطان بركيارق إلى جسر صرصر في الموكب، و عاد من يومه، و دخل السلطان بغداد يوم‏

____________

[ (1)] في الأصل: «فضرب و بطح فقسمه».

[ (2)] في الأصل: «سعد الدولة الكوهراي».