الفتوح - ج3

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
193 /
5

المجلد الثالث‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

تتمة خلافة على بن ابى طالب‏

تتمة وقعة صفين‏

ذكر وقعة الماء و هي أول وقعة صفين‏

قال: فدعا عليّ رضي اللّه عنه بشبث‏[ (1) ]بن ربعي الرياحي و صعصعة بن صوحان العبدي فقال لهما: انطلقا إلى معاوية فقولا له: إن خيلك قد حالت بيننا و بين الماء، و لو كنا سبقناك لم نحل بينك و بينه، فإن شئت فخلّ عن الماء حتى نستوي فيه نحن و أنت، و إن شئت قاتلناك عليه حتى يكون لمن غلب و تركنا ما جئنا له من الحرب.

قال: فأقبل شبث‏[ (1) ]فقال: يا معاوية!إنك لست بأحق من هذا الماء منا فخل عن الماء، فإننا لا نموت عطشا و سيوفنا على عواتقنا.

ثم تكلم صعصعة بن صوحان فقال: [ (2) ]يا معاوية!إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول لك: إننا قد سرنا مسيرنا هذا و إني أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فإنك قدّمت خيلك فقاتلتنا من قبل أن نقاتلك و بدأتنا بالقتال و نحن من رأينا الكف حتى نعذر إليك و نحتج عليك، و هذه مرة أخرى قد فعلتموها، حلتم بين الناس [ (1) ]عن الطبري 5/240 و بالأصل «شبيب» خطأ.

و لم يرد ذكره فيمن أرسله علي إلى معاوية بل ذكر فقط صعصعة بن صوحان (الطبري 5/239 ابن الأثير 2/364 وقعة صفين ص 161) و في الإمامة و السياسة 1/125 أن علي أرسل الأشعث بن قيس لمناقشة معاوية في أمر منع الماء.

[ (2) ]الطبري 5/239 ابن الأثير 2/364 الأخبار الطوال ص 168.

6

و الماء، و أيم اللّه لنشربن منه شئت أم أبيت!فامنن‏[ (1) ]إن قدرت عليه من قبل أن نغلب فيكون الغالب هو الشارب.

فقال لعمرو بن العاص: ما ترى أبا عبد اللّه؟فقال: أرى أن عليا لا يظمأ و في يده أعنة الخيل و هو ينظر إلى الفرات دون أن يشرب منه، و إنما جاء لغير الماء فخل عن الماء حتى يشرب و نشرب.

قال: فقال الوليد بن عقبة: يا معاوية!إن هؤلاء قد منعوا عثمان بن عفان الماء أربعين يوما و حصروه، فامنعهم إياه حتى يموتوا عطشا و اقتلهم قاتلهم اللّه أنى يؤفكون.

قال: ثم تكلم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فقال: لقد صدق الوليد في قوله: فامنعهم الماء، منعهم اللّه إياه يوم القيامة[ (2) ]!فقال صعصعة: إنما يمنعه اللّه يوم القيامة الكفرة الفسقة الفجرة مثلك و مثل نظرائك هذا الذي سماه اللّه في الكتاب فاسقا[ (3) ]الوليد بن عقبة الذي صلى بالناس الغداة أربعا و هو سكران ثم قال:

أزيدكم؟، فجلد الحد في الإسلام. قال: فثاروا إليه بالسيوف، فقال معاوية:

كفوا عنه فإنه رسول.

قال: ثم وثب السليل بن محرم‏[ (4) ]السكوني إلى معاوية و جعل يقول:

اسمع اليوم ما يقول السليل # إن قولي قول له تأويل

امنع الماء من صحاب عليّ # أن يذوقوه و الذليل ذليل

و اقتل القوم مثل ما قتلوا الشى # خ ظمأ و القصاص أمر جميل

إنه و الذي تساق له البد # ن هدايا لنحرهنّ نحول‏[ (5) ]

[ (1) ]العبارة في الطبري: فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس و بين الماء، و ليكفوا لننظر فيما بيننا و بينكم و فيما قدمنا له. و إن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له و نترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا؟

[ (2) ]و ثمة قول أن الوليد بن عقبة و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح لم يشهدا صفين (انظر ابن الأثير 2/364) .

[ (3) ]إشارة إلى قوله تعالى: أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً لاََ يَسْتَوُونَ نزلت في علي بن أبي طالب و الوليد بن عقبة (انظر تفسير القرطبي 14/105) .

[ (4) ]وقعة صفين ص 162 «عمرو» و ذكرت فيه الأبيات.

[ (5) ]في وقعة صفين:

فو حق... # هدايا لنحرها تأجيل.

7

لو علي و صحبه وردوا الما # ء لما ذقتموه حتى تقولوا:

قد رضينا بما حكمتم علينا # بعد ذاك الرضا خراج ثقيل‏[ (1) ]

فامنع القوم ماءكم ليس للقو # م بقاء و إن يكن فقليل‏

قال: فقال معاوية: الرأي و اللّه ما تقول!و لكن عمرو لا يدعني و رأيي.

قال: ثم أخذ معاوية عمامته عن رأسه مغضبا و قال: لا سقى اللّه معاوية و لا أباه من حوض محمد إن شرب عليّ أو أصحابه من ماء الفرات أبدا إلا أن يغلبوا عليه.

قال: فوثب رجل من أهل الشام يقال له المعراء بن الأقبل‏[ (2) ]بن الأهول فقال: ويحك يا معاوية!و اللّه لو سبقك علي إلى الماء فنزل عليه من قبلك إذا لما منعك منه أبدا!و لكن أخبرني عنك أنك إذ أنت منعته الماء من هذا الموضع ألا تعلم أنه يرحل من موضعه هذا و ينزل على مشرعة[ (3) ]أخرى فيشرب منه ثم يحاربك على ما صنعت؟ألا تعلم‏[ (4) ]أن فيهم العبيد و الإماء و الضعيف و من لا ذنب له، هذا و اللّه أول البغي و الفجور!و اللّه لقد حملت من لا يريد قتالك على قتالك و يمنعك هذا الماء، فإن شئت فاغضب و إن شئت فارض، فإني لا أدع القول بالحق، ساءك أم سرك، ثم أنشأ يقول:

لعمر أبي معاوية بن صخر # و ليس لرأيه عندي دواء[ (5) ]

سوى طعن يحار العقل فيه # و ضرب حين يختلط الرجاء[ (6) ]

فلست بتابع دين ابن هند # طوال الدهر ما أوفى حراء

و قد ذهب العتاب فلا عتاب # و قد ذهب الوفاء فلا وفاء[ (7) ]

و قولي في حوادث كل أمر # على عمرو و صاحبه العفاء

[ (1) ]وقعة صفين: جلاد ثقيل.

[ (2) ]عن وقعة صفين ص 163، و بالأصل «الفيل» دون نقط. قال: و كان ناسكا، و كان له لسان، و كان صديقا لعمرو بن العاص و مؤاخيا له.

[ (3) ]وقعة صفين: فرضة.

[ (4) ]هذا الكلام-من هنا-نسب في الإمامة و السياسة 1/125 إلى عمرو بن العاص.

[ (5) ]وقعة صفين ص 164:

و عمرو ما لدائهما دواء.

[ (6) ]وقعة صفين: الدماء.

[ (7) ]وقعة صفين: الولاء فلا ولاء.

8

ألا للّه درك يا بن هند # لقد ذهب الحياء فلا حياء

أ تحمون الفرات على رجال # و في أيديهم الأسل الظماء

و في الأعناق أسياف حداد # كأن القوم عندكم نساء

أ تطمع أن تفر أبو حسين‏[ (1) ] # بلا ماء و للأحزاب ماء

دعاهم دعوة فأجاب قوم # كجرب الإبل خالطها الهناء

قال: فأمر معاوية بقتل هذا الرجل، فوثب قوم من بني عمه فاستوهبوه منه، فوهبه لهم، فلما كان الليل هرب إلى علي بن أبي طالب فصار معه.

قال: و انصرف أصحاب علي من عند معاوية بالخيبة، فاغتم علي لما أصاب أصحابه من العطش‏[ (2) ]، ثم إنه خرج ليلا نحو رايات مذحج، فإذا هو برجل يقول أبياتا من الشعر من جوف خيمته‏[ (3) ].

أ يمنعنا القوم ماء الفرات # و فينا الرماح و فينا الحجف‏[ (4) ]

و فينا الشوارب مثل الوشيج # و فينا السيوف و فينا الزغف‏[ (5) ]

و فينا علي له سورة # إذا خوفوه الردى لم يخف

و نحن الذين غداة الزبير # و طلحة خضنا غمار التلف

فما بالنا أمس أسد العرين # و ما بالنا اليوم شاء النجف‏[ (6) ]

فما للحجاز و ما للعراق # سوى اليوم يوم فشلوا الهدف‏[ (7) ]

و دبوا إليهم كبرك الجمال # دوين الذميل و دون القطف‏[ (8) ]

[ (1) ]وقعة صفين:

فترجو أن يجاوركم علي.

[ (2) ]و قد بقوا يوما و ليلة بغير ماء (وقعة صفين) .

[ (3) ]الأبيات في وقعة صفين ص 164-165. و بعضها في مروج الذهب 2/416.

[ (4) ]الحجف: جمع حجفة: و هي الترس من جلود الإبل يطارق بعضها بعضا.

[ (5) ]كذا بالأصل «الشوارب» و الصواب «الشوازب» و هي الخيل الضامرة.

و الوشيج: أراد به هنا الرماح. و قد شبه الخيل بالرماح لدقتها و ضمرها. و الزغف جمع زغفة و هي.

الدرع الواسعة الطويلة.

[ (6) ]النجف: هو الحلب الجيد حتى ينفض الضرع (اللسان-و انظر خزانة البغدادي 1/529) .

[ (7) ]وقعة صفين: فصكوا الهدف.

[ (8) ]وقعة صفين: كبزل الجمال... و فوق القطف.

و الذميل و القطف. ضربان من السير.

9

فإما تحلوا بشاطي الفرات # و منا و منهم عليه الجيف

و إما تموتوا على طاعة # تحلّ الجنان و تحبو الشرف

و إلا فأنتم عبيد العصا # تسامون ضيما بطول العنف‏

[ (1) ] قال: فحركت هذه الأبيات عليا رضي اللّه عنه، ثم مضى نحو رايات كندة، فإذا هو برجل قد وقف إلى جانب خيمة الأشعث بن قيس و هو يقول‏[ (2) ]:

لئن‏[لم‏][ (3) ]يجلّ الأشعث اليوم كربة # من الموت فيها للنفوس تفلت‏[ (4) ]

فنشرب من ماء الفرات بسيفه # فهبنا أناسا قبل ذلك موّتوا[ (5) ]

فإن أنت لم تجمع لنا اليوم أمرنا # و تلقى التي فيها عليك التشتّت

فمن ذا الذي تنبي‏[ (6) ]الخناصر باسمه # سواك و من هذا إليه التلفت

و هل من بقاء بعد يوم و ليلة # نظل عطاشا و العدو يصوّت

هلّموا إلى ماء الفرات و دونه # صدور العوالي و الصفيح المشتّت

و أنت امرؤ من عصبة يمنيّة # و كل امرئ من غصنه حين ينبت‏

قال: فرجع علي رضي اللّه عنه إلى رحله. و سمع الأشعث بن قيس هذه الأبيات فخرج من خيمته حتى أتى عليا. فقال: يا أمير المؤمنين!أ يمنعنا القوم ماء الفرات و أنت فينا و سيوفنا في رقابنا؟خل عني و عن الناس، فو اللّه لا رجعت عن الماء دون أن أرده أو أموت دونه!قال: و تابعه الأشتر بمثل هذا الكلام،

فقال علي رضي اللّه عنه: ذلك إليكم فافعلوا ما أحببتم.

قال: فخرج الأشعث من عند علي رضي اللّه عنه و ذلك في وقت السحر، ثم نادى في الناس: ألا!من كان يريد الموت فإن ميعادنا الصبح، فإني ناهض إلى الماء إن شاء اللّه.

[ (1) ]وقعة صفين:

و عبد العصا مستذل نطف.

[ (2) ]في مروج الذهب 2/416 و ألقي في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها.

(و ذكر بيتين) . و الأبيات في وقعة صفين ص 165-166.

[ (3) ]زيادة عن مروج الذهب و وقعة صفين.

[ (4) ]في وقعة صفين: تعنت.

[ (5) ]في مروج الذهب و وقعة صفين: قبل كانوا فموتوا.

[ (6) ]وقعة صفين: تثنى.

10

قال: فأجابه نيف عن عشرة آلاف‏[ (1) ]، و أجاب الأشتر خلق كثير من بني عمه و بني مذحج. قال: و جعل الأشتر يصب عليه سلاحه و قد أضاء عمود الصبح و هو يرتجز و يقول‏[ (2) ]:

ميعادنا الآن بياض الصبح # لن يصلح الزاد بغير ملح

لا لا و لا أمر بغير نصح # دبوا إلى القوم بطعن سمح

بين العوالي و ضراب نفح‏[ (3) ] # لا صلح للقوم و أين صلحي

حسبي من الإقدام قاب رمحي‏

قال: و جعل الأشتر يرتجز و يقول:

قل لابن هند أحسن الثباتا # لا تذكرن ما مضى و فاتا

إني و ربي خالق الأقواتا # إلهنا و باعث الأمواتا

مليكنا و جامع الشتاتا # من بعد ما كانوا بها رفاتا

لأوردنّ خيلي الفراتا # شعث النواصي أو يقال ماتا

[ (4) ] قال: و أصبح الناس واضعي سيوفهم على عواتقهم، و تقدم الحارث بن هشام‏[ (5) ]و هو يرتجز و يقول:

يا أشتر الخيرات يا خير النخع # و صاحب الأمر[ (6) ]إذا عمّ الفزع

و كاشف الكرب إذ الأمر وقع # إن تسقنا الماء فما ذا بالبدع‏[ (7) ]

أو نعطش اليوم فخير منقطع # فذاك إن شئت و إن شئت فدع‏

[ (1) ]في مروج الذهب 2/417 أربعة آلاف و في وقعة صفين ص 166: اثنا عشر ألفا.

[ (2) ]الأرجاز في وقعة صفين و نسبها إلى الأشعث ص 166.

[ (3) ]وقعة صفين:

مثل الغزالي بطعان نفح.

[ (4) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 179 و الشطران الأخيران في مروج الذهب 2/417 و نسبهما للأشعث بن قيس.

[ (5) ]في وقعة صفين ص 172 الحارث بن همام النخعي ثم الصهباني.

و في مروج الذهب رجل من النخع و ذكر الأرجاز.

[ (6) ]في مروج الذهب و وقعة صفين: و صاحب النصر.

[ (7) ]في مروج الذهب:

قد جزع القوم و عموا بالفزع # إن تسقنا القوم فما هو بالبدع‏

و في وقعة صفين:

11

قال: فدنا منه الأشتر فقبّل بين عينيه.

قال: و أقبل الأشعث بن قيس على صاحب رايته و اسمه الحارث بن حجر الكندي فقال له: ابن حجر!، اللّه ما النخع بخير من كندة و لا الأشتر بخير مني! فتقدّم فداك أبي و أمي بالراية!قال: فتقدم صاحب راية الأشعث و هو يقول:

يا أشعث الخيرات يا بن قيس # يا لابس التاج و ليث الخيس

ما إن لنا مثلك ليس ليس # و الطعن باللّه كأكل الحيس‏

فقال الأشعث: للّه درك و در أبيك!إن أعش فلك عندي رضاك و إن أمت ذلك عقار من عقاري بحضرموت.

قال: و تقدم فتى من أصحاب علي رضي اللّه عنه و في يده رمح له و هو يقول‏[ (1) ]:

أنعطش اليوم و فينا الأشعث # و الأشتر[ (2) ]الخير كليث يبعث

فصابروا فإنكم لم تلبثوا # أو تشربوا الماء فثبوا و ارفثوا

من لم يرده و الرجال تلهث # ففي ضلال و بوار يمكث‏

قال: و تقدّم رجل من همدان في كفّه سيف له مشهور و هو يرتجز و يقول‏[ (3) ]:

خلّوا لنا عن الفرات الجاري # لكلّ قوم مستميت شاري

مطاعن برمحه كرار # ضارب هامات العدى مغوار

بكل عضب ذكر نباري‏

و تقدم ظبيان‏[ (4) ]بن عمارة التميمي و هو يرتجز و يقول:

[ () ]

و كاشف الأمر إذا الأمر وقع # ما أنت في الحرب العوان بالجذع

قد جزع القوم و عموا بالجزع # و جرعوا الغيظ و غصوا بالجرع

إن تسقنا الماء فما هي بالبدع‏

[ (1) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 180 و نسبها لمعاوية بن الحارث.

[ (2) ]وقعة صفين: و الأشعث.

[ (3) ]الأرجاز في الطبري 5/240 و نسبها إلى عبد اللّه بن عوف بن الأحمر الأزدي، و انظر وقعة صفين ص 172. و هي في المصدرين باختلاف ألفاظ، و تقديم و تأخير شطر.

[ (4) ]عن الطبري 5/240 و بالأصل «طينان» و قد صححت أيضا في الأرجاز.

12

هل لك يا ظبيان من بقاء # في فسحة الدنيا[ (1) ]بغير ماء

ألا و رب‏[ (2) ]الأرض و السماء # فاضرب وجوه الرجس الأعداء

بالسيف عند حمس اللقاء[ (3) ] # حتى يجيبوك إلى السواء

قال: و خشي أهل العراق أن يغلب أهل الشام على الماء فأمر الأشعث الرجالة، فتقدم أكثر من أربعة آلاف رجل حتى بركوا خلف الأترسة و الحجف، و جعل الأشعث يقدم رمحه و يقول: بأبي أنتم و أمي يا أهل العراق، تقدّموا!فلم يزل يفعل ذلك هو و الأشتر جميعا و صاحوا بأصحاب معاوية: خلّوا عن الماء!فقال أبو الأعور السلمي: هيهات و اللّه حتى تأخذنا و إياكم السيوف!فقال الأشعث: بلى و اللّه!أظن أنها قد دنت منا و منكم.

قال: و نظر الأشتر إلى عمرو بن العاص واقفا في أول القوم فصاح به: ويلك يا عمرو!لقد كنت أظن أن لك رأيا، أ تظن أننا نخليك و الماء؟أي تربت يداك و ثكلتك أمك!أما علمت أننا أفاعي أهل العراق؟لقد رمت أمرا عظيما، فقال له عمرو: ستعلم يا أشتر أينا يوفي بالعهد و يتم على العقد. قال: فتبسم الأشتر و هو يقول:

ويلك يا بن العاصي # تنحّ في القواصي

و اهرب إلى الصياصي‏[ (4) ] # من شدة المناص

فاليوم في العراص # يؤخذ[ (5) ]بالنواصي

من حذر القصاص # في الأدرع الدلاص‏

قال: و جعل عمرو يقول:

ويلك يا بن الحارث # أنت العدو[ (6) ]الناكث

أنت الكذوب الحانث # احمل‏[ (7) ]مال الوارث‏

[ (1) ]الطبري و وقعة صفين: في ساكن الأرض.

[ (2) ]الطبري و وقعة صفين: لا، و إله الأرض.

[ (3) ]الطبري: الوغاء.

[ (4) ]الصياصي: الحصون، أو كل شي‏ء يمتنع به.

[ (5) ]وقعة صفين ص 170: نأخذ.

[ (6) ]وقعة صفين ص 171 أنت الغرير.

[ (7) ]وقعة صفين: أعد.

13

و في الضلال لابث # و في القبور ماكث‏

قال: فحمل عليه الأشتر ليضربه بسيفه، فمر عمرو من بين يديه هاربا حتى اختلط بأهل الشام، و صاح الأشعث بالرجالة و الأشتر بالخيل، و اختلط القوم على شاطئ الفرات فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أهل الشام جماعة كثيرة و غرق منهم في الفرات مثل ذلك، و ولوا الأدبار منهزمين، و صار الماء في يد عليّ و أصحابه، فأنشأ النجاشي يقول‏[ (1) ]:

كشف الأشتر عنا # سكرة[ (2) ]الموت عيانا

بعد ما طارت حصانا[ (3) ] # طيرة مست لهانا

إذ حمى القوم حماهم # ثم لم يحم حمانا

فدعا الأشعث قوما # مكن معد و دعانا

فمنحنا القوم في النقـ # ـع ضرابا و طعانا

فله المنّ علينا # و به دارت رحانا

لبس التاج غلاما # ثم لم يثن عنانا

نذرع الأرض بريح # قابه كان حطانا

فنهضنا نهضة البا # زي لم نبغ سوانا

ساعة ثم تولوا # و حمى الأشعث مانا

و بمثل الأشعث اليو # م لك الخير كفانا

عن هوى الملك ابن قيس # قد حمانا و رعانا

ثم أقبل عمرو بن العاص على معاوية فقال: ما تقول الآن إن منعك علي الماء كما منعته إياه؟فقال معاوية: دع عنك هذا، و لكن ما ظنك بهذا عليّ؟فقال عمرو: ظني و الله بعلي أنه لا يستحل منك مثل الذي استحللت منه، لأنه إنما جاء لغير الماء، و قد كنت أشرت عليك في بدء الأمر أن لا تمنعه الماء، فخالفتني و قبلت من‏[ابن‏]أبي سرح فقلدت نفسك عارا يحدث به إلى آخر الأبد، ثم قال:

[ (1) ]في مروج الذهب 2/417 و في ذلك يقول رجل من أهل العراق.

[ (2) ]مروج الذهب: كربة.

[ (3) ]مروج الذهب: طلاقا.

14

أمرتك أمرا ففسخته # لرأي ابن أبي سرحة[ (1) ]

و أغمضت في الرأي إغماضة # و لم تر في الحرب كالفسحة

فكيف رأيت كباش العراق # ألم ينطحوا جمعنا نطحة

أظن لها اليوم ما بعدها # و ميعاد ما بيننا صبحة

فإن ينطحونا غدا مثلها # فقد قدّموا الخبط و النّطحة[ (2) ]

و قد شرب القوم ماء الفرات # و قلّدك الأشعث‏[ (3) ]الفضحة

قال: و أرسل عليّ إلى أصحابه أن خلوا بينهم و بين الماء و لا تمنعوهم إياه.

قال: فكان أصحاب علي رضي اللّه عنه و أصحاب معاوية يردون الماء بالقرب و الأسقية يستقون و يسقون الخيل و الإبل، ما يؤذي أحد منهم أحدا.

قال: و أقاموا على ذلك ثلاثة أيام، و دخل معاوية إلى منزله فأخذ سهما فكتب عليه: «من عبد الله الناصح، أما بعد!يا أهل العراق فإن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم، فخذوا حذركم-و السلام» ثم رمى بالسهم إلى عسكر علي رضي اللّه عنه في جوف الليل، فوقع في يد رجل من أهل الكوفة، فقرأه ثم أقرأه الناس و جعل بعضهم يقول لبعض: هذا أخ لنا ناصح!إذ كتب إلينا بما يريد أن يفعل معاوية.

قال: و وقع السهم إلى علي رضي اللّه عنه فقرأه، ثم أقبل إلى أصحابه فقال:

خط معاوية، و ليس هذا إلا مكر و مكيدة، فلا يهولنكم ذلك.

ذكر الوقعة الثانية بصفين‏

قال: و بعث معاوية بمائتي رجل أو يزيدون إلى عاقول‏[ (4) ]من الفرات و معهم‏[ (5) ] [ (1) ]كذا بالأصل غير مستقيم الوزن، و في وقعة صفين ص 186:

و خالفني ابن أبي سرحه.

[ (2) ]في وقعة صفين:

فإن ينطحونا غدا مثلها # نكن كالزبيري أو طلحه

و إن أخروها لما بعدها # فقد قدموا الخبط و النفحة

[ (3) ]وقعة صفين: الأشتر.

[ (4) ]عاقول النهر و الوادي: ما اعوج منه.

[ (5) ]في وقعة صفين ص 191: بأيديهم المرور و الزّبل. ـ

15

المعاول و المساحي و آلة الفعلة، فجعلوا يحفرون بحيال عسكر علي خديعة و مكرا.

قال: و وقعت الضجة في عسكر علي رضي اللّه عنه، فقال: ويحكم لا عليكم، فإن هذا الذي ترون هو شي‏ء لا يستقيم، و لا يقوى عليه معاوية أبدا و لو أنفق جميع أموال الشام، و إنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم، فلا تكونوا ضعفاء القلوب و العقول، و لا تغلبوني على رأي. قال: فضج أهل العراق و قالوا: و اللّه لنرحلن!فإن شئت فارحل و إن شئت فأقم.

قال: ثم ارتحل الناس عن آخرهم و صاروا ناحية في الفرات، و ارتحل علي رضي اللّه عنه في آخر الناس حتى نزل معهم و جعل يقول:

و لو أني أطعت عصبت قومي # إلى ركن اليمامة أو شآم

و لكني إذا أبرمت أمرا # تخالفني أقاويل الطغام‏

[ (1) ] قال: فلما كان الليل دخل معاوية بعسكره حتى نزل في الموضع الذي كان علي و أصحابه فيه. قال: و أصبح أهل العراق فنظروا إلى عساكر معاوية في مكانهم، فندموا على ما فعلوا، قال: ثم دعا علي بالأشتر و الأشعث بن قيس فقال:

إنكما قد غلبتماني على رأيي فدونكما الآن هذا معاوية و أصحابه قد نزلوا على الماء كما كانوا، و يوشك أن سيمنعوكم إياه كما منعوكم أول مرة.

قال الأشعث: صدقت يا أمير المؤمنين!و إني سأصلح‏[ (2) ]ما أفسدت. فقال الأشتر: و أنا و اللّه معك و يدي في القوم قبل يدك.

قال: ثم صاح الأشعث في قومه و قال: يا معشر كندة!انظروا أن لا تفضحوني اليوم و لا تخزوني فإني أقارع بكم أهل الشام. قال: فأجابوا سراعا و خرجوا يمشون في الدروع و المغافر و في أيديهم الرماح و السيوف و الحجف.

قال: و نادى الأشتر في أصحابه، فأجابوه كذلك بالسلاح لم يبن منهم إلا الحدق، و جعل الأشتر يرتجز و يقول:

آليت لا أرجع حتى أضربا # بسيفي المصقول ضربا معجبا

[ (1) ]في وقعة صفين:

منيت بخلف آراء الطغام.

[ (2) ]وقعة صفين ص 191 سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك.

16

أنا ابن خير مذحج مركبا # و خيرهم نفسا و أمّا و أبا

[ (1) ] قال: فشد عليه رجل من أهل الشام يقال له فيروز بن صالح العكي و هو يرتجز و يقول:

يا صاحب الطرف الحصان الأدهم # أقدم إذا شئت إلينا[ (2) ]أقدم

أنا ابن ذي العز و ذي التكرّم # سيد عكّ كل إليهم فاعلم‏[ (3) ]

قال: فحمل عليه الأشتر فطعنه طعنة في خاصرته فأنفذها، ثم صاح: يا أهل الشام!هل من مبارز؟فخرج إليه مالك بن الأدهم‏[السلماني‏]و كان من فرسان الشام، فجعل يرتجز و يقول:

هل لك يا أشتر في برازي # براز ذي غشم و ذي اعتزاز

كأنه حية ذي ابتزاز # مقارع لقرنه لزاز[ (4) ]

قال: فقصده الأشتر و هو يقول‏[ (5) ]:

نعم نعم اطلبه شهيدا # معي حسام يقصم الحديدا

يترك هامات العدى حصيدا # به أريع في الوغا الجنودا

ثم حمل عليه الأشتر فقتله، ثم صاح: يا أهل الشام من يبارز؟فخرج إليه زياد بن عبيد الكناني و هو يرتجز و يقول:

رويد لا تجزع من جلاد # جلاد قوم‏[ (6) ]جامع الفؤاد

يجيب في الروع دعا المنادي # يشدّ بالسيف على الأعادي‏[ (7) ]

قال: فبرز إليه الأشتر و هو يقول:

[ (1) ]وقعة صفين ص 174.

[ (2) ]وقعة صفين ص 174: علينا.

[ (3) ]كذا غير مستقيم، و في وقعة صفين:

سيد عكّ كل عكّ فاعلم.

[ (4) ]اللزاز الشديد الخصومة، و يقال أيضا لزه لزا: طعنه.

و الأرجاز في وقعة صفين ص 176 و نسبها إلى إبراهيم بن الوضاح و قد ذكر لمالك بن أدهم السلماني أرجازا أخرى انظر فيه ص 175.

[ (5) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 176 ارتجزها الأشتر لما خرج لمبارزة إبراهيم بن الوضاح.

[ (6) ]في وقعة صفين ص 175 جلاد شخص.

[ (7) ]نسبت الأرجاز إلى الأشتر في وقعة صفين.

17

بليت بالأشتر ذاك المذحجي # بفارس في حلق مدجّج

كالليث ليث الغابة المهيّج # إذا دعاه القرن لم يعرّج‏

ثم شد عليه الأشتر فقتله، ثم نادى: من يبارز؟فخرج إليه زامل بن عبيد الحرامي‏[ (1) ]و هو يقول:

يا صاحب السيف الخضيب المضرب # [ (2) ]هل لك في طعن غلام مجرب‏[ (3) ]

يحمل رمحا مستقيم الثعلب # ليس بحيّاد و لا مغلّب‏

قال: فلم يكذب الأشتر أن حمل عليه و لم يجبه بشي‏ء، فلما طعنه برمحه التوى الشامي على الرمح، فانفلت من طعنة الأشتر. قال: فجال الأشتر على فرسه و جعل يرتجز و يقول‏[ (4) ]:

خانك رمح لم يكن خوّانا # قد كان قدما يقتل الفرسانا

و يهلك الأبطال و الأقرانا # و يحرم الكهول و الشيبانا

ثم شد عليه فطعنه طعنة قتله، ثم نادى: من يبارز؟فخرج إليه مالك بن روضة الحميري و هو يقول شعرا[ (5) ]. قال: فقصده الأشتر و هو يقول:

لا بد من قتلي أو من قتلك # قتلت منكم خمسة من قبلك

كلهم كانوا حماة مثلك‏

ثم شد عليه الأشتر فقتله. فاشتبكت الحرب بين القوم، و تقدم شرحبيل بن السمط و هو يرتجز و يقول:

إني أنا الشرح و ابن السمط # مبيّن الفعل بهذا الشطّ

بالطعن في الدروع الخطّ # جمعت قومي باشتراط الشرط

[ (1) ]في وقعة صفين ص 176 «زامل بن عتيك الحزامي» و في صفحة 174 «زامل بن عبيد الحزامي» .

[ (2) ]وقعة صفين: المرسب.

[ (3) ]وقعة صفين: محرب يعني الشديد الحرب الشجاع.

[ (4) ]ارتجزها الأشتر لما خرج لمبارزة مالك بن أدهم. (وقعة صفين) .

[ (5) ]في وقعة صفين: محمد بن روضة الجمحي. و ذكر أرجازه: (ص 178) :

يا ساكني الكوفة يا أهل الفتن # يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

ورث صدري قتله طول الحزن # أضربكم و لا أرى أبا حسن‏

18

لابن هند و أنا الموطى # جند يمان ليس هم بخلط

[ (1) ] قال: فخرج إليه الأشعث و هو يقول شعرا، ثم حمل عليه الأشعث و طعنه طعنة كفأه عن فرسه، فأفلت و هو لما به. قال: فعيّره أبو الأعور السلمي و قال: يا شرحبيل!طعنك الأشعث بن قيس!فقال: نعم و اللّه يا أبا الأعور!طعنني الأشعث و هو سيد في قومه و أنا سيد في قومي، فإن كنت صادقا فاخرج إليه و انتصب له لترى ما ينزل بك من صولته. قال: فخرج أبو الأعور و جعل يرتجز و يقول:

أنا أبو الأعور و اسمي عمرو # احمي حماي‏[ (2) ]و المحامي حرّ

و لا أبالي..... [ (3) ] # سيف حسام و طعاني مرّ

قال: فبدر إليه الأشعث و هو يقول:

إني أنا الأشعث و ابن قيس # فارس هيجاء قبيل دوس

لست بشكاك و لا مملوس‏[ (4) ] # كندة رمحي و سكون قوسي‏[ (5) ]

ثم حمل عليه الأشعث فطعنه طعنة كادت أن تأتي على نفسه، فولى عنه أبو الأعور جريحا.

قال: ثم خرج حوشب ذو الظليم‏[ (6) ]و ذو الكلاع فخرجا على فرسين لهما، و جعل حوشب يرتجز و يقول:

يا أيها الفارس ادن لا ترع # أنا أبو مر و هذا ذو كلع‏[ (7) ]

مسود بالشام ما شاء صنع # أبلغ عني أشترا أخا النخع

و الأشعث الغيث إذا الماء منع‏[ (8) ] # قد كثر الغدر لديكم لو نفع‏

[ (1) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 181 بتقديم و تأخير فيها.

[ (2) ]وقعة صفين ص 181: ذماري.

[ (3) ]موضع النقاط مطموس، و الشطر سقط من وقعة صفين.

[ (4) ]كذا بالأصل و لا معنى لها، و لعلها «ممسوس» الذي به مس من الجنون.

[ (5) ]وقعة صفين ص 182: و علي قوسي.

[ (6) ]و هو حوشب بن طخمة.

[ (7) ]ذو كلع: أي ذو الكلاع.

[ (8) ]وقعة صفين ص 182: امتنع.

19

قال: فخرج الأشعث و الأشتر جميعا نحو حوشب و ذي الكلاع، و جعل الأشعث يرتجز و يقول:

أبلغ عنا حوشبا و ذا الكلع # فحوشب المذلول داراه الطمع

و ذو الكلاع قومه أهل البدع # قوم جفاة لا حيا و لا ورع

يقودهم ذاك الشقي المبتدع # إني إذا قرن لقرن يصطنع‏[ (1) ]

و أبرقوها في عجاج قد سطع # أحمي ذماري منهم إذا امتنع‏

قال: ثم تقدم الأشتر أيضا و هو يقول شعرا على قافيته‏[ (2) ]، ثم حمل الأشعث و الأشتر جميعا على حوشب و ذي الكلاع، فتطاعنوا ساعة و افترقوا. و صاح أهل الحجاز و أهل العراق بعضهم لبعض، ثم حملوا على أهل الشام، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة. قال: و جعل أهل الشام ينادون أهل العراق: يا هؤلاء!انظرونا سواد هذه الليلة فإننا راجعون إلى معسكرنا الذي كنا فيه، فصاح الأشعث بن قيس و أصحابه فقالوا: و اللّه لا نبيت إلا في معسكركم. قالوا: فإذا نرحل فلا تعجلونا.

قال: ثم رحل القوم إلى معسكرهم فنزلوه كما كانوا. و أقبل الأشعث إلى علي رضي اللّه عنه فقال: أرضيت‏[يا]أمير المؤمنين؟قال علي رضي اللّه عنه:

[رضيت‏]، ثم أقبل عليه و على الأشتر فقال: أنتما كما قال الشاعر:

و إن لنا شيخا إذا الحرب شمرت # بديهته الاقدام قبل التوقف‏

قال: فقال الأشعث: يا أمير المؤمنين!إنه قد غلب اللّه عزّ و جلّ لك على الماء مرة و هذه ثانية، و قد علمت ما كان من غدر معاوية، و إن شئت منعناهم الماء؟ فقال علي رضي اللّه عنه: إن الخطب أعظم من منعهم الماء، فلا تمنعوهم الماء و لا تكافوهم بصنيعهم.

قال ثم دعا علي رضي اللّه عنه سعيد بن قيس الهمداني و بشير بن عمرو [ (1) ]وقعة صفين ص 182: يختضع.

[ (2) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 182-183 و منها:

يا حوشب الجلف و يا شيخ كلع # أيكما أراد أشهر النخع

ها أنا ذا و قد يهولك الفزع # في حومة وسط قرار قد شرع

ثم تلاقي بطلا غير جزع # سائل بنا طلحة و أصحاب البدع‏

20

الأنصاري‏[ (1) ]فقال لهم: انطلقوا إلى معاوية فادعوه إلى اللّه عزّ و جلّ و إلى الطاعة و الجماعة و احتجوا عليه، و انظروا ما رأيه و على ما ذا قد عزم.

قال: فأقبلوا حتى دخلوا على معاوية، فتقدم بشير بن عمرو، فقال: يا معاوية!إن الدنيا غدارة غرارة سفيهة جائرة و عنك زائلة، و إنك راجع إلى اللّه عزّ و جلّ فمحاسبك على عملك و مجازيك بما قدمت يداك‏[ (2) ]، قال: فقطع معاوية عليه الكلام ثم قال: فهلا بهذا أوصيت صاحبك؟فقال الأنصاري: يا سبحان اللّه العظيم!إن صاحبي ليس مثلك، إنه أحق بهذا الأمر منك للفضل في الدين و السابقة في الإسلام و القرابة من الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، فقال معاوية: فيقول ما ذا؟قال: إني آمرك بتقوى اللّه و إجابة الحق و الدخول فيما دخلت فيه المهاجرون و الأنصار و التابعون، فإن ذلك أسلم لك في دنياك و آخرتك، فقال معاوية: و نطل دم عثمان!لا و اللّه لا كان ذلك أبدا[ (3) ]، و ما لكم و لا لصاحبكم عندي إلا السيف!فاخرجوا عني.

قال: فوثبوا قائمين، و التفت إليه سعيد فقال: و الله يا ابن هند!لتغلبن سيوف صاحبنا ما تود أن أمك هند لم تلدك و لم تكن في العالمين!فقال معاوية: يد الله فوق يدك.

قال: و أقبلوا إلى علي رضي اللّه عنه يخبروه بذلك، فدعا علي بشبث‏[ (4) ]بن ربعي الرياحي، و يزيد بن قيس الأرحبي، و زياد بن خصفة[ (5) ]التميمي و عدي بن حاتم الطائي، فأرسلهم إلى معاوية و قال لهم أعذروا إليه و أنذروه قبل الإقدام على الحرب.

قال: فجاء القوم حتى دخلوا على معاوية، و تقدم عدي بن حاتم فقال: يا معاوية!إننا قد أتيناك ندعوك إلى أمر اللّه، يجمع اللّه‏[به‏]كلمتنا و يحقن دماء [ (1) ]في الطبري 5/242 و وقعة صفين ص 187: «بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري» و زيد فيهما ثالث هو شبث بن ربعي التميمي.

[ (2) ]زيد في الطبري و ابن الأثير: و إني أنشدك اللّه عزّ و جلّ أن تفرق جماعة هذه الأمة و أن تسفك دماءها بينها.

[ (3) ]انظر في الطبري مقالة شبث بن ربعي-و قد سقطت من الأصل-5/243.

[ (4) ]بالأصل «شبيب» خطأ.

[ (5) ]عن الطبري 5/243 و بالأصل: حفصة تحريف.

21

المسلمين، و ندعوك إلى أفضل الناس سابقة و أحسنهم في الإسلام أثرا، و قد اجتمع الناس إليه، و أرشدهم اللّه تعالى بالذي رأوا، [ (1) ]فاتق اللّه يا معاوية وانته‏[ (1) ]عما قد أزمعت عليه من قبل أن يصيبك اللّه و أصحابك بما أصاب به أنصار الجمل، فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهددا، كلا و اللّه يا عدي!إني لابن صخر بن حرب ما يقعقع لي بالشنان‏[ (2) ]، أما إنك من المجلبين على عثمان و أنا أرجو[أن تكون‏][ (3) ] ممن يقتله اللّه!قال: فأراد عدي إجابته فسبقه شبث‏[ (4) ]بن ربعي فقال: يا معاوية! لقد أتيناك فيما يصلحنا و إياك، فصرت تضرب لنا الأمثال التي لا ينتفع بها أحد.

قال: ثم تكلم يزيد بن قيس فقال‏[ (5) ]: يا معاوية!إننا لم نأتك إلا لنبلغ ما بعثنا به و نؤدي عنك ما نسمعه منك، و إن صاحبنا هو من قد عرفته و عرفه المسلمون، و إننا و اللّه ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى و لا أهدى في الدين و لا أجمع خصال الخير كلها منه.

قال معاوية: إنكم قد دعوتم إلى الطاعة و الجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي!و أما الطاعة لصاحبكم فإننا لا نراها واجبة علينا، لأن صاحبكم قتل خليفتنا و فرق جماعتنا و هو يزعم أنه لم يقتل و لم يأمر، و نحن لا نرد ذلك عليه غير أن قتلة صاحبنا عنده، فليدفعهم إلينا لنفديهم‏[ (6) ]بصاحبنا و نحن نجيبكم إلى الطاعة و الجماعة.

قال شبث‏[ (4) ]: لو مكنت من عمار بن ياسر هل كنت قاتله؟فقال معاوية: و ما يمنعني من قتله؟و اللّه!لو قدرت على ابن سمية لما قتلته بعثمان و لكني كنت أقتله بناتل مولى عثمان بن عفان، فقال شبث‏[ (4) ]بن ربعي: إذا و اللّه ما عدلت يا معاوية! و و الله لا تصل إلى قتل عمار أو ترى الهامات و قد ندرت عن الكواهل و تضيق عليك [ (1) ]العبارة في الطبري 6/3 فلم يبق أحد غيرك و غير من معك فانته يا معاوية.

[ (2) ]الشنان: جمع شن، و هو القربة الخلق. و هم يحركون القربة البالية إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع و تسرع (الميداني 2/191) .

[ (3) ]عن الطبري.

[ (4) ]بالأصل: شبيب خطأ.

[ (5) ]انظر مقالته في الطبري 6/3.

[ (6) ]الطبري: فلنقتلهم به.

22

أرض الفضاء برحبها[ (1) ].

قال: ثم خرج القوم من عند معاوية فصاروا إلى علي رضي اللّه عنه، فأخبروه بالذي كان بينهم و بين معاوية من الكلام.

قال: و إذا حبيب بن مسلمة الفهري و شرحبيل بن السمط و معن بن يزيد[ (2) ]قد أقبلوا حتى دخلوا على علي رضي اللّه عنه، فسلموا و جلسوا، ثم تكلم حبيب بن مسلمة فقال: أما بعد!فإن عثمان بن عفان كان خليفة يعمل بكتاب اللّه عزّ و جلّ و ينتهي إلى أمر اللّه، فاستثقلتم حياته و استبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان حتى نقتلهم به، فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل الناس و اجلس في منزلك حتى يكون هذا الأمر شورى بين الناس، يوليهم أمرهم من أجمع عليه رأيهم.

فقال له علي رضي اللّه عنه: و ما أنت-لا أم لك-و الكلام‏[ (3) ]في أمور الناس، قم يا عدو نفسك!فلست هناك و لا بأهل للكلام، فقال حبيب: و اللّه إنك لتراني بحيث تكره، فقال علي رضي اللّه عنه: و لو أجلبت بخيلك و رجلك، اذهب فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت.

فقال شرحبيل: إني إن كلمتك فخفت أن يكون جوابك لي جواب صاحبي، فقال له علي: اسمع حتى أكلمك يا شرحبيل!فو اللّه لقد بايعني الناس و أنا كاره لهذا الأمر، غير أن الأمة اختلفت و كرهت الفرقة بين أهل الإسلام فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق من شاققني بالبصرة و خلاف معاوية، رجل لم يجعل اللّه له سابقة في الدين و لا سلفا صالحا في الإسلام، طليق ابن طليق حزب اللّه و حزب رسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلم و لم يزل للّه و لرسوله و للمؤمنين عدوا هو و أبوه من قبله، ثم دخلا في الإسلام كارهين، فعجبا لكم‏[ (4) ]يا أهل الشام و انقيادكم له، و تتركون آل نبيكم الذين لا يسعكم شقاقهم [ (1) ]و بعد ذلك دعا معاوية بزياد بن خصفة و خلا به و سأله الانصراف إليه و نصره، و وعده أن يوليه أي المصرين شاء فرفض (الطبري 6/3) .

[ (2) ]هو معن بن يزيد بن الأخنس السلمي.

[ (3) ]في الطبري 6/4: و العزل و هذا الأمر. و في وقعة صفين ص 200 و الولاية و العزل و الدخول في هذا الأمر.

[ (4) ]الطبري 6/4: فلا غرو إلا خلافكم معه.

23

و لا فراقهم و لا خلافهم و أن لا تعدلوا بهم أحدا من الأئمة. قال: فقال له شرحبيل:

أ فتشهد أن عثمان قتل مظلوما؟فقال له علي: إنه لا يخلو عثمان ظالما أو مظلوما.

ثم وثب القوم، فقال علي: فاسمعوا عني حتى أخبركم عن عثمان، فقال حبيب بن مسلمة: لسنا نحب أن نسمع منك شيئا، فقال علي رضي اللّه عنه:

فَإِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ إِذََا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ*`وَ مََا أَنْتَ بِهََادِ اَلْعُمْيِ عَنْ ضَلاََلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاََّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيََاتِنََا فَهُمْ مُسْلِمُونَ* [ (1) ].

قال: فخرج القوم من عند علي، فأقبل على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء أولى بالحد في ضلالتهم منكم في حقكم و طاعة ربكم.

[ (2) ] قال: فلما كان من الغد إذا بعبيد اللّه بن عمر بن الخطاب قد خرج في خيل عظيمة يريد الحرب، فأخرج علي بن أبي طالب محمد بن أبي بكر في خيل مثلها، فاقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا، و انصرف الفريقان عن قتلاء و جرحى. فلما كان من الغد خرج شرحبيل بن السمط في خيل عظيمة، فأخرج إليه علي رضي اللّه عنه الأشتر في خيل مثلها، فاقتتلوا و انصرفوا عن قتلاء و جرحى. فلما كان من الغد خرج عمرو بن العاص في خيل عظيمة، فأخرج إليه علي رضي اللّه عنه عبد اللّه بن عباس في خيل مثلها، فانصرفوا عن قتلى و جرحى.

قال: فلم يزل القوم على ذلك إلى أن بقي من شهر المحرم سبعة أيام أو ثمانية، قال: و جعل معاوية و عمرو بن العاص يعبئان الكتائب و يحرضان أهل الشام على حرب علي و أصحابه، فأنشأ حابس بن سعد الطائي في ذلك يقول‏[ (3) ]:

أما بين المنايا غير سبع # بقين من المحرم أو ثمان

هناك دماؤنا حل حلال # لأهل الكوفة السود اليماني

ألم يعجبك أنا قد هجمنا[ (4) ] # عن أهل الكوفة[ (5) ]الموت العيان‏

[ (1) ]سورة الروم: 52-53.

[ (2) ]كذا بالأصل و الطبري، و في وقعة صفين ص 202: و طاعة إمامكم.

[ (3) ]الأبيات في الأخبار الطوال ص 171 و الأول في مروج الذهب 2/418 و انظر وقعة صفين ص 202.

[ (4) ]كذا بالأصل و الأخبار الطوال، و في وقعة صفين: كففنا.

[ (5) ]كذا بالأصل و وقعة صفين، و في الأخبار الطوال: «و إياهم على» .

24

أ ينهانا كتاب اللّه عنهم # و لا ينهاهم السبع المثاني‏[ (1) ]

و بالشام الحماة و كل قرم # صدوق بالضراب و بالطعان‏

قال: فلما انقضى شهر المحرم و أهلّ هلال صفر، بعث علي رجلا من أصحابه يقال له مرثد[ (2) ]بن الحارث، حتى وقف قريبا من عسكر معاوية، ثم نادى بأعلى صوته عند غروب الشمس: يا أهل الشام!

إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول لكم: إنا قد كففنا عنكم في هذا الشهر الحرام فلم تكفوا عنا، و و اللّه ما كففنا عنكم شكا في أمركم و لا جبنا عنكم، و إنما كففنا لخروج هذا الشهر المحرم لترجعوا إلى الحق، و احتججنا عليكم بكتاب اللّه عزّ و جلّ و دعوناكم، فلم تنتهوا عن الطغيان، و الظلم و العدوان، و الكذب و البهتان، و لم تجيبوا إلى حق و لا برهان، فإنا قد أنذرناكم على سواء إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْخََائِنِينَ.

قال: فعلم أهل الشام أن عليا يحاربهم و أنه إنما كان ينتظر انسلاخ الشهر، ففزعوا إلى معاوية، و ذلك في أول يوم من شهر صفر، و عبى‏[معاوية]أصحابه، فكان‏[ (3) ]على ميمنته ذو الكلاع الحميري، و على رجالتها حوشب ذو الظليم، و على خيل ميسرته حبيب بن مسلمة، و على رجالتها بسر بن‏[أبي‏]أرطاة، و على خيل القلب عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، و على رجالتها الضحاك بن قيس، و على خيل الجناح عبد اللّه بن جعدة الفزاري و على رجالتها همام بن قبيصة النميري، و على خيل الكمين أبو الأعور السلمي، و على رجالتها حابس بن سعد الطائي.

قال: و عبى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أصحابه‏[ (4) ]، فكان على خيل ميمنته الحسن و الحسين سبطا النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و على رجالتها عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب و مسلم بن عقيل بن أبي طالب، و على خيل الميسرة محمد ابن الحنفية [ (1) ]كذا بالأصل و وقعة صفين، و في الأخبار الطوال: «آي القران» . و السبع المثاني: السور الطوال من البقرة إلى التوبة على أن تحسب التوبة و الأنفال سورة واحدة، و لذلك لم يفصل بينهما في المصحف بالبسملة.

[ (2) ]عن الطبري 6/5 و بالأصل «مزيد» .

[ (3) ]انظر في تعبئة معاوية أصحابه الطبري 6/6 و وقعة صفين ص 206-207 و الأخبار الطوال ص 172 باختلاف عن الأصل.

[ (4) ]الطبري 6/6 الأخبار الطوال ص 171-172 وقعة صفين ص 205-206. ـ

25

و محمد بن أبي بكر، و على رجالتها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص و أخوه‏[ (1) ]عمر بن عتبة، و على خيل القلب عبد اللّه بن عباس و العباس بن ربيعة بن الحارث، و على رجالتها مالك بن الحارث الأشتر و الأشعث بن قيس، و على خيل الجناح سعيد بن قيس و عبد اللّه بن بديل‏[ (2) ]بن ورقاء الخزاعي، و على رجالتها رفاعة بن شداد العجلي وعدي بن حاتم‏الطائي، و على خيل الكمين عمار بن ياسر و عمرو بن الحمق الخزاعي، و على رجالتها عامر بن واثلة الكناني و قبيصة بن جابر الأسدي.

قال: ثم جعل علي رضي اللّه عنه على كل قبيلة من قبائل ربيعة و مصر و اليمن رجلا من رؤسائهم يقتدون برأيه و ينتهون إلى أمره، و دنا القوم بعضهم من بعض، و تقدم رجل من أصحاب علي رضي اللّه عنه يقال له الجدل بن عبد اللّه المذحجي و كان من الأبطال المعدودين، و هو الذي يقول فيه الأشتر حيث يقول:

و إنا إذا ما احتسبنا الوغى # أدرنا الرحى بصنوف الجدل‏[ (3) ]

و ضربا يفلق هاماتهم‏[ (4) ] # و طعنا لهم بالقنا و الأسل

عرانين من مذحج وسطها # يخوضون اغمارها بالهبل

و وائل تسعى بنسراتها[ (5) ] # ينادونهم أمرنا قد كمل

أبا حسن فارم خيشومها # بكل همام و حام بطل‏[ (6) ]

على الحق فينا له منهج # على واضح القصد لا بالميل‏

قال: فحمل الجدل على صفوف أهل الشام، فلم يزل يضارب و يطاعن حتى أثر فيهم أثرا حسنا، و رجع حتى وقف في موضعه.

قال: و تقدم رجل من أصحاب معاوية يقال له عوف بن عوف و هو يرتجز و يقول شعرا[ (7) ]، قال: فخرج إليه علقمة بن قيس‏[ (8) ]من أصحاب علي مجيبا له على [ (1) ]كذا بالأصل، و في وقعة صفين هاشم و ابنه. و لعله الصواب إذ ليس في أولاد عتبة من اسمه عمر.

[ (2) ]بالأصل: يزيد خطأ.

[ (3) ]كذا، و الجدل جمع جدلاء أي الدروع المجدولة و لا وجه لها هنا، لعل الصواب «الحدل» بالحاء المهملة. جمع حدلاء و هي القوس التي حدرت إحدى سيتيها و رفعت الأخرى.

[ (4) ]في وقعة صفين ص 194:

و ضربا لهاماتهم بالسيوف.

[ (5) ]وقعة صفين:

و وائل تسعر نيرانها.

[ (6) ]وقعة صفين: صوت خيشومها بأسيافه كل حام بطل.

[ (7) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 194:

إني أنا ابن عوف أخو الحروب # عند هياج الحرب و الكروب

صاحب لا الوقاف و الهيوب # عند اشتعال الحرب باللهيب

و لست بالناجي من الخطوب # و من رديني مارن الكعوب

إذ جئت تبغي نصرة الكذوب # و لست بالعف و لا النجيب‏

[ (8) ]في وقعة صفين ص 194 علقمة بن عمرو.

26

شعره‏[ (1) ]، قال: ثم حمل عليه علقمة بن قيس فطعنه في لبته طعنة فسقط الشامي قتيلا، و أنشأ علقمة في ذلك يرتجز يقول:

يا عوف لو كنت امرءا حازما # لم تبرز الدهر إلى علقمة

لاقيت ليثا أسدا باسلا # يأخذ بالأنفاس و الغلصمة

لاقيته قرنا له سطوة # يفترس الأقران في الملحمة

ما كان في نصر امرئ ظالم # ما يدرك الحنة و المرحمة

ما لابن هند حرمة يرتجى # بها[ (2) ]ثواب اللّه بل مندمة

لاقيت من قيس‏[ (3) ]غداة الوغى # من أدرك الأبطال يا بن الأمة

ضيّعت حق اللّه في نصرة # للظالم المعروف بالمظلمة

إن أبا سفيان من قبله # لم يك مثل العصبة المسلمة

لكنه نافق في دينه # من خشية القتل على المرغمة

و ابنه نافق من بعده # و زخرف الباطل بالترجمة

سوف... [ (4) ]من ضروب لنا # بين أنّ في الوغى المضرمة

قال: دعا عمرو بن العاص بابنه عبد اللّه فقال: يا عبد اللّه!خذ هذه الراية و تقدم بين يديّ!فقال عبد اللّه: ما أفعل، فإنك تقدمني إلى حرب رجل ما كفر باللّه ساعة قط، قال: فغضب عمرو ثم قال: و اللّه لتأخذنها أو لأضربن بهذا السيف [ (1) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 194:

يا عجبا للعجب العجيب # قد كنت يا عوف أخا الحروب

و ليس فيها لك من نصيب # إنك، فاعلم، ظاهر العيوب

في طاعة كطاعة الصليب # في يوم بدر عصبة القليب

فدونك الطعنة في المنخوب # قلبك ذو كفر من القلوب‏

[ (2) ]وقعة صفين ص 195:

ما لابن صخر حرمة ترتجي لها.

[ (3) ]وقعة صفين: لاقيت ما لاقى.

[ (4) ]موضع النقاط مطموس في الأصل.

27

قرطفك،

فقال عبد اللّه: و اللّه لو لا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال لي: أطع أباك يا أبا عبد اللّه، لما أطعتك في هذا الأمر أبدا.

قال: ثم أخذ عبد اللّه الراية بيده و تقدم بين يدي أبيه حتى وقف أمام أصحابه، و أنشأ عمرو يقول‏[ (1) ]:

و لو شهدت جمل مقامي و موقفي # بصفّين يوما شاب منها الذوائب

غداة ترى‏[ (2) ]أهل العراق كأنهم # من البحر موج لجه متراكب

و جئنا إليهم في الحديد كأننا[ (3) ] # سحاب خريف صففته الجنائب

فقالوا نرى من رأينا أن تبايعوا # عليا فقلنا بل نرى أن نضارب

فطارت إلينا بالرماح كماتهم # و طرنا إليهم و السيوف قواضب

فلما أرادوا أن يقوموا مقامنا # شددت إليهم أن يزول المواكب

فإننا[ (4) ]و قد نالوا سراة رجالنا # و ليس لما لاقوا سوى اللّه حاسب

و لم أر يوما كان أكثر باكيا # و لا عارضا منهم كميّا يكالب

إذا قلت قد استهزموا برزت لنا # كتائب خرص و ارجحنّت كتائب‏

قال: ثم حمل عمرو في نفر من أهل الشام فقاتلوا ساعة و رجعوا إلى مواقفهم.

و نظر علي رضي اللّه عنه إلى الصف الذي فيه عمرو فإذا هو صف محكم بالخيل و الرجالة فدعا برجل من ربيعة يقال له الحضين‏[ (5) ]بن المنذر فدفع إليه راية سوداء[ (6) ]و ضم إليه خمسمائة رجل من سادات ربيعة و قال: تقدم يا حضين نحو هذا الصف في بني عمك، و لا تقصر ليكون نصيبك الأخص.

قال فأخذ الراية ثم قال:

يا معشر ربيعة!اعلموا أن الموت اليوم خير من الفرار، فانظروا و لا يلتفت منكم [ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 370 و نسبها إلى محمد بن عمرو بن العاص.

[ (2) ]وقعة صفين: غدا.

[ (3) ]وقعة صفين:

و جئناهم نمشي صفوفا كأننا.

[ (4) ]وقعة صفين: فأبنا.

[ (5) ]عن الطبري 6/19 و بالأصل «الحصين» و قد صحح في كل مواضع الخبر.

و هو الحضين بن المنذر بن الحارث بن و علة الرقاشي، فارس شاعر من كبار التابعين، مات على رأس المئة (تهذيب التهذيب) .

[ (6) ]كذا بالأصل و الطبري، و في وقعة صفين ص 289 قال السدي: حمراء.

28

أحد، و اتبعوني و الميعاد بيني و بينكم فسطاط معاوية. قال ثم تقدم الحضين و أصحابه بالراية، فلم يزل يطاعن في اعراض أهل الشام حتى خضب الراية بالدماء.

قال: و جعل معاوية يقول: لمن هذه الراية السوداء؟فقالوا: للحضين بن المنذر في قومه من ربيعة، قال: فتقدم معاوية بين يديه ثلاثمائة رجل من بني عك و لخم و حمير، و قدم علي رضي اللّه عنه بين يديه مائة رجل من أبطال مذحج، و اختلط القوم فاقتتلوا قتالا شديدا، و صبر بعضهم لبعض ساعة،

و صاح علي بالحضين بن المنذر أن قدم الراية يا حضين!قال: فتقدم الحضين و هو لم يصبر من غيظه، و تقدمت معه مذحج و ربيعة و كل رجل منهم يحتاج إلى كتيبة، فحملوا عليه حملة رجل واحد حتى وصلوا إلى فسطاط معاوية و انكشفت عنه الناس، قال: و صاح رجل من أصحاب معاوية: ويحكم يا أهل الكوفة!أما تتقون اللّه في الحرم؟ ويحكم!نحن بنو أعمامكم فاقصروا، فمع اليوم غد، فعندها أنشأ علي رضي اللّه عنه يقول‏[ (1) ]:

لمن راية سوداء[ (2) ]يخفق ظلّها # إذا قيل قدّمها حضين تقدّما

يقدّمها للموت‏[ (3) ]حتى يزيرها # حياض المنايا تقطر الموت و الدما

تراه إذا ما كان يوم كريهة[ (4) ] # أبى فيه إلا عزة و تكرّما

جزى اللّه قوما صابروا في لقائهم # لدى الموت خيرا[ (5) ]ما أعف و أكرما

و لا حسن صبرا حين يدعى إلى الوغى # إذا كان أصوات الرجال تغمغما[ (6) ]

ربيعة أعني أنهم أهل نجدة # و بأس إذا لاقوا خميسا[ (7) ]عرمرما

و قد صبرت عكّ و لخم و حمير # لمذحج حتى أورثوها تندما[ (8) ]

و نادت جذام يا أهل كوفين ويحكم # جزى اللّه شرا أينّا كان أظلما

[ (1) ]الأبيات في الطبري 6/20-21 ابن الأثير 2/374 وقعة صفين ص 289.

[ (2) ]وقعة صفين: حمراء.

[ (3) ]طبري: في الموت. و في وقعة صفين:

و يدنو بها في الصف حتى يديرها.

[ (4) ]وقعة صفين: يوم عظيمة.

[ (5) ]طبري: «لدى الموت قوما» وقعة صفين: لدى البأس حرا.

[ (6) ]وقعة صفين:

و أحزم صبرا..... # الكماة تغمغما.

[ (7) ]الطبري: جشيما.

[ (8) ]وقعة صفين:

لمذحج حتى لم يفارق دم دما.

29

أما تتقون اللّه في حرماتنا # و ما قرّب الرحمن منا و عظما

أذاقوا ابن هند طعنهم و ضرابهم # على حنق حتى تولى و أحجما[ (1) ]

قال: فلم يزل الحضين بن المنذر يقاتل هو و بنو عمه حتى ضج منهم أهل الشام، ثم رجعوا مواضعهم، و قد جرح منهم خلق كثير.

قال: و خرج مولى لعثمان بن عفان يقال له أحمر حتى وقف بين الصفين و جعل يرتجز و يقول:

إن الكتيبة عند كل تصادم # تبكي فوارسها على عثمان

قوم حماة ليس منهم قاسط # يبكون كل مفصّل و سنان‏

قال: فخرج إليه كيسان مولى عليّ مجيبا له و هو يقول:

قف لي قليلا يا أحيمر إنني # مولى التقي الصادق الإيمان

عثمان ويحك قد مضى لسبيله # فاثبت لحد مهند و سنان‏

قال: فحمل عليه مولى عثمان فطعنه طعنة جدله قتيلا،

فقال علي رضي اللّه عنه: قتلني اللّه إن لم أقتلك يا عدو اللّه!ثم حمل عليه عليّ و تلقاه مولى عثمان بالسيف و هو لم يعرفه، فضربه و اتقاه علي رضي اللّه عنه بحجفته، ثم مدّ علي يده إليه و قبض على ثوبه ثم رفعه عن قربوصه و ضرب به الأرض فكسر منكبه و أضلاعه، ثم جال علي رضي اللّه عنه في ميدان الحرب و هو يتمثل بهذه الأبيات:

لهف نفسي و قليل ما أسر # ما أصاب الناس من خير و شر

لم أرد في الدهر يوما حربهم # و هم الساعون في الشر الشمر

قال: و أقبل معاوية على غلام له يقال له حريث فكان فارسا بطلا[ (2) ]، فقال معاوية: يا حريث!انظر إذا خرجت إلى الحرب فاحذر علي بن أبي طالب و لا تقربه، وضع رمحك حيث شئت من الناس، فقال حريث: أفعل ذلك يا سيدي إن شاء اللّه.

[ (1) ]في الطبري و وقعة صفين:

أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا # بأسيافنا حتى تولى و أحجما

[ (2) ]حريث مولى معاوية كان يلبس سلاح معاوية متشبها به.

30

قال: فلما تنحى حريث من بين يدي معاوية أخذ بيده عمرو بن العاص فقال:

أما و اللّه يا حريث!لو كنت قرشيا لأحب معاوية أن تقتل عليا و لكنه قد علم أنك عبده فلم يختر أن يكون لك هذا الحظ، فانظر إن أصبت فرصة من علي فاقدم عليه و لا يهولنك، فإنما هو رجل مثلك.

قال: و خرج حريث و جعل يجول في ميدان الحرب و يسأل البراز، و نظر إليه علي رضي اللّه عنه فعلم أنه حريث غلام معاوية، فخرج إليه علي رضي اللّه عنه على فرس أدهم و هو متعمم بعمامة صفراء لكيلا يعرف، و نظر إليه حريث فناداه: أيها الفارس!لقد أسلمك عليّ إلى الموت إذا أخرجك إلى مثلي، ثم جاوله،

و جعل علي أنشأ يقول:

أنا الغلام العزيز المنتسب # من خير عود في مضاض المطلب

يا أيها العبد اللئيم‏[ (1) ]المنتدب # إن كنت للموت محبا فاقترب

و اثبت رويدا أيها الكلب الكلب # أولا فولّ هاربا ثم انقلب‏

قال: فعلم عمرو أنه عليّ فصاح بحريث و قال: يا حريث!دونك الرجل لا يفوتنك، فحمل حريث على عليّ رضي اللّه عنه، و داخله علي بالسيف فضربه ضربة أطار بها قحف رأسه، فسقط حريث إلى الأرض قتيلا، ثم أنشأ علي يقول:

ألا احذروا في حربكم أبا الحسن # و لا تروموه فدام الغبن

فإنه يدقكم دق الطحن # و لا يخاف الهياج من و من

و قد غزا في الناس في وقت اللبن‏

قال: فعلم معاوية أنه عليّ فاغتم على حريث غما شديدا، ثم أقبل على عمرو فقال: و اللّه يا هذا!ما قتل حريثا أحد سواك، لأني أعلم أنك أنت الذي غررته و ألقيته في مخاليب الأسد، ثم أنشأ معاوية يقول:

حريث ألم تعلم و علمك‏[ (2) ]ضائر # بأن عليا للفوارس قاهر

و أن عليا إن‏[ (3) ]يبارز فارسا # من الناس إلا أقصدته الأظافر

أمرتك أمرا حازما فعصيتني # فجدّك إذ لم تقبل النصح عاثر

[ (1) ]وقعة صفين ص 273: الغرير.

[ (2) ]وقعة صفين ص 273: و جهلك.

[ (3) ]صفين: لم يبارزه فارس.

31

فدلاّك عمرو و الحوادث جمة # غرورا و ما أجرت عليك المقادر

و ظنّ حريث أن عمرا نصيحه # و قد يهلك الإنسان إن لم يحاذر

أ يركب عمرو رأسه خوف نفسه # و يصلى حريثا إنه لمماكر

[ (1) ] قال: و اشتبكت الحرب و ذهب علي رضي اللّه عنه ليطعن رجلا من أهل الشام فهرب الشامي من بين يدي عليّ، و حمل عمرو بن الحصين على عليّ من ورائه ليطعنه، فحمل سعيد بن قيس على ابن الحصين فطعنه طعنة قتله، و انفلت عليّ فصار إلى أصحابه.

قال: و جزع معاوية على ابن الحصين جزعا شديدا لأنه كان من فرسان أهل الشام.

قال: فأنشأ الهمذاني يقول شعرا يفضل فيه عليا رضي اللّه عنه على معاوية، فبلغ ذلك معاوية، فدعا بذي الكلاع الحميري فضم إليه خيلا عظيمة من يحصب و كندة و لخم و جذام ثم قال: اخرج و اقصد بحربك همذان خاصة، قال: فخرج ذو الكلاع في ألف رجل من قبائل اليمن،

و نظر إليهم علي رضي اللّه عنه فعلم أنه عيون القبائل، فنادى بأعلى صوته: يا آل همذان!فأجابوه: لبيك لبيك يا أمير المؤمنين! فقال: عليكم بهذه الخيل، فإن معاوية قصدكم بها خاصة دون غيركم.

قال: فصاح سعيد بن قيس بقومه من همذان، فجمعهم قبيلة واحدة ثم إنه أوصاهم، و حمل و حملت معه قبائل همذان، و اختلطت القوم و اشتبك القتال ساعة، ثم حطمتهم خيل همذان فقذفتهم إلى حريم معاوية و قد قتل منهم مقتلة عظيمة، و جاء الليل فحجز بين الفريقين.

قال:

فجمع علي قبائل همذان بين يديه ثم أقبل عليهم فقال لهم: أنتم درعي و رمحي و سناني و جنّتي!و اللّه لو كانت الجنة في يدي لأدخلتكم إياها خاصة يا معشر همذان!فقال سعيد بن قيس: و اللّه يا أمير المؤمنين ما نصرنا إلا للّه و لا أجبنا غيره، و لقد قاتلنا مع من ليس له مثل سابقتك و لا قرابتك، فارم بنا حيث شئت و أين أحببت فنحن لك سامعون مطيعون، قال: فعندها أنشأ علي رضي اللّه عنه أبياتا يقول:

و لما رأيت الخيل تقرع بالقنا # فوارسها حمر العيون دوامي‏

[ (1) ]وقعة صفين: خوف سيفه... إنه لفرافر.

32

و اعرض نقع في السماء كأنه # صبابة دجن ملبس بقتام

و نادى ابن (هند) ذا الكلاع و يحصب # و كندة في لخم و حي جذام

تيممت همذان الذين هم هم # إذا ناب أمر جنتي و سهامي

و ناديت فيهم دعوة فأجابني‏[ (1) ] # فوارس من همذان غير لئام

فوارس من همذان ليسوا بعزّل # غداة الوغى من شاكر و شتام‏[ (2) ]

لهمذان أخلاق و دين يزينها # و بأس إذا لاقوا و طيب كلام‏[ (3) ]

فلو كنت بوابا على باب جنّة # لقلت لهمذان ادخلوا بسلامي

جزى اللّه همذان الجنان فإنهم # سمام العدى في كل يوم حمام‏

[ (4) ] قال: فلما كان من الغد زحفت الناس بعضهم إلى بعض، و أقبل علي رضي اللّه عنه على أصحابه فقال‏[ (5) ]: أيها الناس!انظروا و لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم بالقتال، فإنكم بحمد اللّه على‏[ (6) ]بصيرة و يقين، و إذا أنتم قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تكشفوا عورة، و إذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا سترا و لا تدخلوا دارا إلا بإذن، و لا[ (7) ]تأخذوا من أموالهم شيئا إلا ما أصبتموه في عسكرهم، و لا تكلموا الناس، و إياكم و نساء امرائكم!فإنهن ضعيفات الأنفس و العقول، هذه وصيتي لكم قبل محاربة القوم، و هذا الآن. فقال الناس:

سمعا و طاعة يا أمير المؤمنين!

قال: و أقبل مالك بن حرى‏[ (8) ]النهشلي إلى قومه من بني تميم، فقال: اعلموا أن الفرار فيه العار، و أنا قد ابتعت هذه الدار بدار القرار، و هذا وجهي إليها، فإن لم [ (1) ]وقعة صفين ص 274:

دعوت فلباني من القوم عصبة.

[ (2) ]كذا و لا محل لها، و في وقعة صفين: «و شبام» و بنو شاكر و بنو شبام بطنان من همدان.

[ (3) ]وقعة صفين: وحد خصام.

[ (4) ]وقعة صفين: كل يوم زحام.

[ (5) ]انظر وصيته في نهج البلاغة رقم 14.

[ (6) ]النهج: على حجة، و ترككم إياهم حتى يبدؤكم حجة أخرى لكم عليهم.

[ (7) ]النهج: و لا تهيجوا النساء بأذى، و إن شتمن أعراضكم، و سببن أمراءكم فإنهن ضعيفات القوى و الأنفس و العقول. و إن كنا لنؤمر بالكف عنهن و إنهن لمشركات، و إن كان الرجل ليتناول المرأة بالجاهلية بالفهر أو الهراوة فيعير بها و عقبه من بعده.

[ (8) ]عن الإصابة، و بالأصل: «حوى» و انظر مقالته في وقعة صفين ص 265.

33

تقاتلوا عن الدين فقاتلوا عن الأحساب و الأنساب. ثم تقدم نحو أصحاب معاوية و هو يرتجز و يقول:

إن تميما أخلفت عنك زمر[ (1) ] # و قد أراهم و هم الحي الصبر

فإن جنيتم أو فررتم لا أفر[ (2) ] # لكنني أحمي ذماري و أكر

قال: ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل.

قال: فخرج رجل من أصحاب معاوية يقال له بشر بن عصمة[ (3) ]، و كان من أهل الكوفة و لكن مال إلى الدنيا فصار مع معاوية، فخرج إليه رجل من أصحاب علي يقال له مالك بن الجلاح‏[ (4) ]فالتقيا بطعنتين، فطعنه صاحب معاوية طعنة جرحه منها جراحة قبيحة، ثم جعل يقول:

دلفت له تحت الغبار بطعنة # على بصر مني طعان المخالس‏[ (5) ]

و إني لأرجو من مليكي و خالقي # و من مالك الأملاك دار التنافس‏

[ (6) ] قال: فأجابه مالك و هو يقول:

أيا بشر صبرا لا تراع فإنني‏[ (7) ] # شغلت و ألهاني الذين أمارس

و صادفت مني غرّة فأصبتها # كذاك يكون الناس ماش و جالس‏

[ (8) ] قال: و خرج الشمر بن ذي الجوشن السلولي يسأل المبارزة، فخرج أدهم بن محرز الباهلي، فاختلفا بضربتين، ضربه الباهلي على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم، و ضربه الشمر بن ذي الجوشن فلم يصنع شيئا، و رجع إلى عسكره فشرب ماء ثم رجع إلى الباهلي و هو يقول:

[ (1) ]في وقعة صفين ص 265: عنك ابن مر.

[ (2) ]وقعة صفين:

فإن تخيموا أو تفروا لا نفر.

[ (3) ]عن الطبري 6/16 و بالأصل «عقبة» و هو من الصحابة ترجم له في الاستيعاب و الإصابة.

[ (4) ]هو مالك بن الجلاح بن صامت بن سدوس بن انسان بن عتوارة، أحد بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن.

[ (5) ]في الطبري و وقعة صفين:

على ساعة فيها الطعان تخالس.

[ (6) ]الطبري: مليكي تجاوزا و من صاحب الموسوم في الصدر هاجس.

[ (7) ]الطبري:

ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني.

[ (8) ]الطبري:

كذلك و الأبطال ماض و خالس.

34

إني زعيم لأخي باهلة # بطعنة إن لم أصب‏[ (1) ]عاجلة

أو ضربة تحت الغبار آجلة[ (2) ] # شبيهة بالقتل أو قاتلة

[ (3) ] قال: ثم حمل على الباهلي، فضربه ضربة على وجهه و قال: يا أخا باهلة! تلك بهذه، و جال الشمر في ميدان الحرب و هو يقول‏[ (4) ]:

للّه در عصابة في ماقط # شهدوا مجال الخيل تحت قتامها

شهدوا ليوثا ليس يدرك مثلهم # عند الهياج يذبّ عند زحامها[ (5) ]

جرت‏[ (6) ]العيون إذا أردت قتالهم # برزوا سماحا كلهم بحمامها

لا ينكلون إذا تقرض‏[ (7) ]صفهم # جزعا على الإخوان عند جلامها

أسد العرين على‏[ (8) ]السوابح بالقنا # يردون مهيعة الطريق بهامها

قال: و خرج أبو أيوب الأنصاري حتى وقف بين الجمعين يسأل البراز، فلم يبرز إليه أحد، قال: و نظر إلى معاوية حتى إذا دنا منه دخل معاوية إلى خيمته، و خرج من جانب الخيمة و هو يقول شعرا[ (9) ]:

أقول لها و قد طارت شعاعا # من الأبطال إنك لن تراعي

فإنك لو سألت بقاء[ (10) ]يوم # على الأجل الذي لك لن تطاعي‏

[ (11) ] قال: و قامت أهل الشام في وجه أبي أيوب، فقاتلهم ساعة و رجع إلى موضعه سالما، و رجع معاوية إلى موضعه متغير اللون و هو يقول: هذا و اللّه كما قال الأول:

[ (1) ]عن الطبري 6/16، و في وقعة صفين ص 268: أمت.

[ (2) ]الطبري:

تحت القنا و الوغى.

[ (3) ]عن الطبري.

[ (4) ]الأبيات في وقعة صفين و نسبها إلى مرة بن جنادة العليمي (ص 374) .

[ (5) ]وقعة صفين: عن آجامها.

[ (6) ]وقعة صفين: «خزر العيون» . و السماح: جمع سمح، و هو الجواد، بحمامها: بحمام النفوس أي موتها المقدر لها.

[ (7) ]وقعة صفين: تقوض.

[ (8) ]وقعة صفين:

«فوق البراح من السوابح»

و السوابح: الخيل تسبح في جريها. يردين من الرديان، و هو ضرب من السير.

[ (9) ]البيتان لقطري بن الفجاءة (الحماسة لأبي تمام 1/24 ابن خلكان 1/430) .

[ (10) ]عن الحماسة، و بالأصل: حياة. و في وقعة صفين ص 271: خلاء.

[ (11) ]هو حاتم الطائي، و الأبيات من قصيدة له في ديوانه. ـ

35

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضها # و إن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا

و يحمي إذا ما الموت كان أمامه‏[ (1) ] # كذا الشبل يحمي الابن أن يتأخرا

كليث هزبر و هو يحمي عرينه # رمته المنايا نعيه فتقطرا

[ (2) ] ثم أقبل معاوية على أصحابه فقال: ويحكم!إن السيوف لم يؤذن لها في قتل هؤلاء، و لو لا ذلك لما وصل إليّ هذا، و لكن إذا رأيتم مثل هذا فعليكم بالحجارة،

فقال رجل من من أهل الشام يقال له المبرقع بن منصور: و اللّه يا معاوية لأفعلن كما فعل، و لأقتلن عليا إن قدرت عليه قال: ثم حمل يريد عليا، و نظر إليه أبو أيوب فاستقبله بالسيف، فنفحه نفحة أبان بها عنقه‏فثبت رأس الشامي على الجسد، فظن الناس أنه قد أخطأه، قال: و تحرك الفرس فسقط الرأس ناحية و سقط الرجل ميتا، فعجبت‏[ (3) ]الناس من ضربة أبي أيوب، فقال علي رضي اللّه عنه: و اللّه لأنا أشد تعجبا من ثبات الرجل على فرسه منكم لضربة أبي أيوب!و اللّه ما أنت إلا كما قال الأول:

و علّمنا الحرب آباؤنا # و سوف نعلّم أيضا بنينا

قال‏[ (4) ]: و خرج رجل من أهل الشام يسأل المبارزة، فخرج إليه رجل من أصحاب علي، فحمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه صاحب علي ضربة أرداه من فرسه و اقتحم عليه ليذبحه، فنظر في وجهه فإذا هو أخوه لأبيه و أمه، فصاحت به أصحابه: اذبحه عاجلا و قم عنه فقال: ويحكم!هذا أخي، قالوا:

فاتركه، قال: لا و اللّه لا أتركه أو يأذن لي أمير المؤمنين، فأخبر علي بذلك، فأرسل إليه أن اتركه، فتركه، فانصرف هذا إلى علي و ذاك إلى معاوية.

[ (1) ]في وقعة صفين ص 247:

.......... كان لقاؤه # قدي الشبر، يحمي الأنف أن يتأخرا.

و البيت في اللسان و نسبه إلى هدبة بن الخشرم، و روايته فيه:

و إني إذا ما الموت لم يك دونه # قدي الشبر أحمي الأنف أن يتأخرا

[ (2) ]في الأخبار الطوال ص 176:

كليث عرين بات يحمي عرينه # رمته المنايا قصدها فتقطرا

و في وقعة صفين: يحمي ذماره.

[ (3) ]وقعة صفين ص 271: و كذب الناس أن يكون ضربه و أرابهم.

[ (4) ]وقعة صفين ص 271-272.

36

قال: و إذا بفارس من فرسان الشام قد خرج مقنعا في الحديد، فوقف يسأل المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن يحيى‏[ (1) ]الكندي حتى وقف قبالته، ثم قال له: من أنت أيها الرجل؟فقال: رجل من عكّ، فحمل عليه الكندي و هو يقول‏[ (2) ]:

لقد علمت عك بصفين أننا # إذا ما نلاقي القوم‏[ (3) ]نطعنها شزرا

و نحمل رايات القتال لحقها[ (4) ] # و نوردها بيضا و نصدرها حمرا

قال: ثم حمل على الشامي فطعنه طعنة في نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه و سلاحه فإذا هو عبد أسود، قال: و اللّه إني لو علمت أنه عبد لما خرجت إليه! و لكنه ذكر أنه من عكّ و لعله أن يكون عبدا لعك.

قال‏[ (5) ]و تقدمت جماعة من بني طي‏ء من أصحاب علي حتى وقفوا بجانب أصحاب معاوية، ثم سألوا البراز، فخرج إليهم نفر من أصحاب معاوية حتى واقعوهم‏[ (6) ]. ثم تقدم إليهم حمزة بن مالك الهمداني من أصحاب معاوية فقال: من أنتم؟فقال عبد اللّه بن خليفة الطائي‏[ (7) ]: نحن طي‏ء السهل و طي‏ء الجبل!نحن طي‏ء الرماح و طي‏ء الصفاح!و طي‏ء النطاح و فرسان الصباح!فقال له حمزة بن مالك: بخ بخ يا أخا طي‏ء في حسن ثنائك على قومك!ثم حمل القوم بعضهم على بعض فاقتتلوا ساعة، و جعل عبد اللّه بن خليفة الطائي يقول:

يا طي‏ء الأجبال و السهل معا # إنا إذا داع دعا فأسمعا[ (8) ]

[ (1) ]في الطبري 6/16 و وقعة صفين ص 276: محرز.

[ (2) ]كذا بالأصل، و في الطبري 6/16 أن رجلا من عك خرج يسأل المبارزة فخرج إليه قيس بن قهدان الكناني ثم البدني فحمل عليه العكي فضربه و احتمله أصحابه فقال قيس بن قهدان، و ذكر البيتين (و انظر وقعة صفين ص 277) .

[ (3) ]الطبري: إذا التقت الخيلان.

[ (4) ]الطبري: الطعان بحقها.

[ (5) ]الخبر في الطبري 6/17.

[ (6) ]الطبري: إن طي‏ء يوم صفين قاتلت قتالا شديدا فعبيت لهم جموع كثيرة.

[ (7) ]الطبري: البولاني، و بولان: إحدى قبائل طي‏ء.

[ (8) ]وقعة صفين ص 279 مضطجعا.

37

طرنا إلى السيف حفاظا مسرعا[ (1) ] # فنقتل المستسلم المقنعا

قال: و ثبت القوم بعضهم لبعض و عبد اللّه بن خليفة الطائي يقاتل أهل الشام فيمن معه من قبائل طي‏ء أشد القتال حتى فقئت عينه‏[ (2) ]، فأنشأ يقول:

ألا ليت عيني هذه مثل هذه # و لم‏[ (3) ]أمش بين الناس إلا بقائد

و يا ليت رجلي ثم طنّت بنصفها[ (4) ] # و يا ليت كفي ثم طاحت بساعدي

و يا ليتني لم أبق بعد[ (5) ]عشيرتي # و قومي و بعد المستنير بن خالد

فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم # إذا هي‏[ (6) ]أبدت عن خدام الخرائد

قال: و اشتد الحرب بين الفريقين و جعل أهل الشام يزدادون و يعينون أصحابهم، و كذلك أهل العراق. قال: و نظر رجل من أصحاب علي يقال له عمرو[ (7) ]بن عبيدة بن خالد المحاربي إلى قومه من بني محارب يريدون أن ينهزموا فقال: يا معشر قيس!أ طاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن؟أما علمتم أن الفرار فيه معصية اللّه و الصبر فيه طاعة اللّه؟أ فتختارون سخط اللّه على رضوانه و معصيته على غفرانه؟اللّه اللّه عباد اللّه!فإن الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا و في طاعة اللّه مترغبا، ثم جعل يقول‏[ (8) ]:

أنا الذي لا أنثني و لا أفر # و لا أولّي أبدا من الدبر

و لا أرى من المعازيل الدبر # لكن مع القوم المصاليت الصبر

ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمه اللّه و قتل معه جماعة من أصحاب علي، و قطعت رجل علقمة بن قيس، ثم انهزم أهل الشام عن أهل العراق، و ذلك [ (1) ]وقعة صفين:

«ندب بالسيف دبيبا أروعا»

و في الطبري:

«مصمما بالسيف ندبا أروعا» .

[ (2) ]في الطبري 6/17 أن الذي فقئت عينه هو بشر بن العسوس الطائي و هو صاحب الأبيات.

[ (3) ]كذا بالأصل و وقعة صفين ص 280، و في الطبري:

فلم أمش في الأناس.

[ (4) ]طنت: قطعت و سقطت فكان لذلك صوت.

[ (5) ]الطبري: بعد مطرف و سعد.

[ (6) ]الطبري: إذا الحرب.

[ (7) ]في الطبري 6/18 خنثر. و في وقعة صفين ص 286 عنتر بن عبيد بن خالد.

[ (8) ]الأرجاز باختلاف في الطبري 6/18 و وقعة صفين ص 286.

38

في وقت المساء، فأنشأ ثعلبة بن عقبة من أهل الشام يقول‏[ (1) ]:

لقينا رجالا للعراق أعزة # كأسد الشريّ عند حز الغلاصم

فلم أر فرسانا أشد بديهة # و أمنع منهم في اختلاط الملاحم‏[ (2) ]

غداة غدت أهل العراق كأنهم # ليوث‏[ (3) ]تلاقي في فجاج المخارم

إذا قلت قد ولوا أنابت كتيبة # ململمة في البيض ألوى العمائم‏[ (4) ]

و قالوا لنا: هذا عليّ فبايعوا # فقلنا ألا لا بالسيوف الصوارم

و ثرنا إليهم بالسيوف و بالقنا # تدافعهم فرساننا بالتزاحم‏

قال: و جعل أهل العراق ينادون: يا أهل الشام!عندنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبي بكر الصديق، فقال أهل الشام: ذلك الخبيث ابن الطيب، ثم نادى أهل الشام: ألا إن فينا الطيب ابن الطيب عبيد اللّه‏[ (5) ]بن عمر بن الخطاب، فقالت أهل العراق: ذلك الخبيث ابن الطيب.

قال: فبات القوم و أصبحوا على راياتهم و بغيتهم، و تقدم جماعة من أصحاب علي‏[ (6) ]على رؤوسهم البيض و هم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، و خرج إليهم نحوهم العدد من أهل الشام، فاقتتلوا بين الصفين و هم يزيدون على ألف رجل، فلم يرجع من هؤلاء و هؤلاء أحد لا شامي و لا عراقي، و قتلوا عن آخرهم، فأنشأ شبث‏[ (7) ]بن ربعي يقول:

وقفنا لهم في يوم صفين في الوغى‏[ (8) ] # لدى غدوة حتى هوت لغروب

و أصبحت الأبطال منا و منهم # و قامت نساء حولنا بنحيب‏

[ (1) ]الأبيات في وقعة صفين-ببعض اختلاف-و نسبت إلى عقبة بن سلمة أخو بني رقاش، من أهل الشام. ص 293.

[ (2) ]وقعة صفين ص 294:

و أمنع منهم يوم تل الجماجم.

[ (3) ]وقعة صفين: نعام.

[ (4) ]وقعة صفين: شمط المقادم.

[ (5) ]بالأصل: «عبد اللّه» تحريف و المشهور أن عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب هو الذي التحق بمعاوية-و قد مرّ ذلك-هربا من علي الذي يطالبه بدم الهرمزان.

[ (6) ]نحو من خمسمائة فارس (وقعة صفين ص 293) .

[ (7) ]بالأصل شبيب خطأ، و قد مرّ مرارا.

[ (8) ]وقعة صفين ص 294:

وقفنا لديهم يوم صفين بالقنا.

39

يرون رجالا كالأسود عوابسا # لهن زئير في الوغاء عجيب

نجالدهم بالبيض طورا و بالقنا # و كل حسام كالشهاب قضيب‏[ (1) ]

و كل همام في الحروب هميسع # على كل محنوك السراة شبوب‏[ (2) ]

نجالد جولانا و نسقي بحدها # جذاما و وتر الغدر غير طلوب‏[ (3) ]

فلم أر فرسانا أشد بديهة[ (4) ] # إذا غشي الآفاق نفح جنوب‏

قال: و أرسل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب إلى الحسين‏[ (5) ]بن علي أن لي إليك حاجة فالقني إذا شئت حتى أخبرك. قال: فخرج إليه الحسين حتى واقفه و ظن أنه يريد حربه، فقال له ابن عمر: إني لم أدعك إلى الحرب و لكن اسمع مني فإنها نصيحة لك، فقال الحسين: قل ما تشاء، فقال: اعلم أن أباك قد وتر قريشا، و قد بغضه الناس و ذكروا أنه هو الذي قتل عثمان، فهل لك أن تخلعه و تخالف عليه حتى نوليك هذا الأمر؟فقال الحسين: كلا و اللّه لا أكفر باللّه و برسوله و بوصي رسول اللّه، أخس ويلك من شيطان مارد!فلقد زين لك الشيطان سوء عملك فخدعك حتى أخرجك من دينك باتباع القاسطين و نصرة هذا المارق من الدين، لم يزل هو و أبوه حربيين و عدوين للّه و لرسوله و للمؤمنين، فو اللّه ما أسلما و لكنهما استسلما خوفا و طمعا!فأنت اليوم تقاتل عن غير متذمم، ثم تخرج إلى الحرب متخلقا[ (6) ]لترائي بذلك نساء أهل الشام، ارتع قليلا فإني أرجو أن يقتلك اللّه عزّ و جلّ سريعا.

قال:

فضحك عبيد اللّه بن عمر ثم رجع إلى معاوية فقال: إني أردت خديعة الحسين و قلت [ (1) ]البيت في وقعة صفين:

أكر و أحمي بالغطاريف و القنا # و كل حديد الشفرتين قضوب‏

[ (2) ]وقعة صفين:

نجالدهم طورا و طورا نصدهم # على كل محبوك السراة شبوب‏

[ (3) ]وقعة صفين:

نجالد غسانا و تشقى بحربنا # جذام و وتر الغدر غير طلوب‏

و غير طلوب: أي قريب سهل المنال. أصله من قولهم: «بئر طلوب» أي بعيدة الماء.

[ (4) ]وقعة صفين: حفيظة.

[ (5) ]في وقعة صفين ص 297: «الحسن بن علي» و انظر خبر مقابلتهما فيه.

[ (6) ]متخلقا أي الذي يتخلق بالخلوق. الطيب.

40

له كذا و كذا، فلم أطمع في خديعته، فقال معاوية: إن الحسين بن علي لا يخدع و هو ابن أبيه.

قال‏[ (1) ]: ثم صاح معاوية بخيل أهل الشام أن احملوا رحمكم اللّه فقد بلغ الأمر أشده!فحملت أهل الشام على أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب عليّ ألف رجل أو أكثر، و أحاطوا بهم و أحالوا بينهم و بين أصحابهم فلم يروهم،

قال: و نظر عليّ إلى ذلك فنادى بأعلى صوته: ألا رجل يشري نفسه للّه و يبيع دنياه بآخرته؟قال: فأقبل إليه رجل من بني جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث‏[ (2) ]على فرسه فقال: يا أمير المؤمنين!مرني بأمرك فداك أبي و أمي!فو اللّه لا تأمرني بشي‏ء إلا فعلته!قال:

فجعل علي يقول:

شريت بأمر لا يطاق حفيظة # حياء[ (3) ]و إخوان الحفاظ قليل

جزاك إله الناس خيرا فقد وفت # يداك بفضل من هناك جزيل‏

ثم قال عليّ: احمل يا أبا الحارث!شدّ اللّه ركنك على أهل الشام، حتى تأتي أصحابك فتقرئهم عني السلام و قل لهم يكبروا و يهللوا، فنحن قد وافيناكم إن شاء اللّه.

قال: فحمل الفتى على أهل الشام و زعق و قاتل حتى انفرجوا له، ثم صار إلى أصحابه فأبلغهم الرسالة، قال: فكبر القوم و هلّلوا، و كبّر علي و أصحابه و هللوا و حملوا أولئك، فوقعت الهزيمة على أهل الشام، فقتل منهم في تلك الوقعة نيف عن سبعمائة رجل، و لم يقتل من أصحاب علي و لا رجل واحد. فقال عليّ لأصحابه: من أعظم الناس غناء في هذا اليوم؟فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين!فقال علي: و لكن الجعفي أعظم غناء في اليوم،

فأنشأ رجل من أصحاب علي يقول‏[ (4) ]:

لقد رأيت أمورا كلها عجب # و ما رأيت كأيام بصفّينا

لما غدوا و غدونا كلنا حنقا # كما رأيت كمال أكلة الجونا[ (5) ]

[ (1) ]الخبر في وقعة صفين ص 307.

[ (2) ]وقعة صفين: على فرس أدهم كأنه غراب.

[ (3) ]وقعة صفين: سمحت... و صدقا...

[ (4) ]في وقعة صفين ص 357 و قال رجل من بني عذرة.

[ (5) ]في وقعة صفين:

كما رأيت الجمال الجلة الجونا.

41

فجالت الخيل خيل‏[ (1) ]في أعنّتها # و آخرون على كثب يرامونا

ثم ابتذلنا سيوفا في جماجمهم # و ما[ (2) ]فعلنا بهم في ذاك يجزونا

كأنها في أنوف القوم إذ لمعت # تسلسل البرق تحسين العرانينا[ (3) ]

ثم انصرفنا و قتلاهم‏[ (4) ]مطرحة # و القوم طرّا على القتلى يصلونا

[ (4) ] قال: و جاء الليل فحجز بين الفريقين، فقال معاوية: يا أهل الشام!أنتم تعلمون ما قد أصبنا به اليوم من إخواننا، و إنما تقاتلون غدا من قبل إخوانكم اليوم، فكونوا على إحدى ثلاث خصال‏[ (5) ]: إما أن تكونوا أردتم ما عند اللّه في قتال قوم بغوا عليكم و أقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم، و إما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم و أبنائكم، و أما أن تكونوا[ (6) ]تغضبون للخليفة فتقاتلون عن دمه، فعليكم بتقوى اللّه عزّ و جلّ و الصبر الجميل، فقد نزل من الأمر ما ترون، فإذا أصبحتم فازحفوا إلى القوم على بصيرة، و قدّموا الدارع و أخروا الحاسر و سوّوا صفوفكم دارعين و حاسرين، و أعيرونا جماجمكم ساعة فإنما هو ظالم أو مظلوم.

قال: فقال له ذو الكلاع: يا معاوية!إننا قد سمعنا كلامك فاسمع عني، و جعل يقول:

نحن الصبر (نحن) الكرام # لا ننثني عند الخصام

بنو الملوك للعظام # ذوو النهى و الأحلام‏

فقال معاوية: ظني بكم هذا. ثم جعل يكمن الكمناء و لا يألو في ذلك جهدا، و بلغ ذلك عليا و أصحابه، فأنشأ قيس بن‏[سعد بن‏][ (7) ]عبادة يقول:

قلت لما بغى العدو علينا # حسبنا ربنا و نعم الوكيل‏

[ (1) ]وقعة صفين: خيل تجول و خيل.

[ (2) ]وقعة صفين:

و ما نساقيهم من ذاك يجزونا.

[ (3) ]في وقعة صفين:

كأنها في أكف القوم لامعة # سلاسل البرق يجدعن العرانينا

[ (4) ]وقعة صفين:

... كأشلاء مقطعة # و كلنا عند قتلاهم يصلّونا.

[ (5) ]في وقعة صفين ص 296: أحوال.

[ (6) ]وقعة صفين: تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم و صهر نبيكم (ص) .

[ (7) ]سقطت من الأصل.

42

حسبنا ربنا الذي فتح النصـ # ر و بالأمس و الحديث طويل

و له شكر ما مضى و على ذا # إن هذا من شكره لقليل

و عليّ إمامنا لا سواه # في كتاب أتى به التنزيل

حين قال النبي من كنت مولا # ه علي مولاه هذا دليل

أيما قاله النبي على الأمـ # ة فرض و ليس قال و قيل

يا بن هند أين الفرار من المو # ت و للموت في الفجاج ذيول

و لواء النبي يخفق في كـ # فّ علي نصيره جبريل

ثم حامت عليه من سلف الخـ # زرج قوم كأنهم إكليل

عند ذاك العيان يخلفه الظ # نّ و ما غيره هناك سبيل‏

قال: فانكسر معاوية بهذا الشعر، ثم قال: لئن أمكنني اللّه من حمى الأنصار لأشفين نفسي به.

فلما كان من الغد خرج قيس بن سعد على فرس له أشقر حاسر الرأس و رجلاه يخطان الأرض و هو يقول‏[ (1) ]:

أنا ابن سعد و أبي عبادة # و الخزرجيون رجال سادة

ليس فراري في الوغى بعادة # إن الفرار للفتى قلادة

يا ذا الجلال لقّني الشهادة[ (2) ] # شهادة تتبعها سعادة

فالقتل خير من عناق غادة # نفس عني بالحيض و الولادة

حتى متى تثني لي الوسادة

قال: ثم خرج و جال في ميدان الحرب و دعا إلى البراز، فخرج إليه بسر بن [أبي‏]أرطاة الفهري و هو يقول:

أنا ابن أرطاة جليل‏[ (3) ]القدر # في أسرة من غالب و فهر

ليس الفرار من طباع بسر # أن يرجع اليوم بغير وتر

[ (4) ] [ (1) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 428.

[ (2) ]وقعة صفين:

يا رب أنت لقني الشهادة.

[ (3) ]وقعة صفين ص 429: عظيم القدر.

[ (4) ]بعده في وقعة صفين:

43

قال: فحمل عليه قيس بن سعد فضربه ضربة أثخنه منها، و رجع بسر إلى معاوية و رجع قيس إلى عسكره.

قال: و خرج عمرو بن العاص فجعل يقول:

لا عيش إن لم ألق يوما هاشما # ذاك الذي أجشمني المجاشما

ذاك الذي يشتم عرضي ظالما # ذاك الذي أقام فينا[ (1) ]المأتما

ذاك الذي إن ينج مني سالما # يكن شجى حتى الممات لازما

قال: فما لبث عمرو أن خرج إليه هاشم المرقال‏[ (2) ]و هو يرتجز و يقول:

لا عيش إن لم ألق يومي عمرا # ذاك الذي نذرت فيه النذرا

ذاك الذي أغدرت فيه الغدرا # ذاك الذي ما زال ينوي الغدرا

أو يحدث اللّه لأمر أمرا # لا تجزعي يا نفس صبرا صبرا

ضربا إذا شئت و طعنا شزرا[ (3) ] # يا ليت ما تحتي يكون قبرا

قال: ثم حمل هاشم على عمرو بن العاص و اختلفا بطعنتين، فطعنه هاشم طعنة جرحه منها جراحة منكرة، فرجع عمرو إلى معاوية و جراحته تشخب دما.

قال: و خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و هو يقول:

قل لعلي‏[ (4) ]ذهب الوعيد # أنا ابن سيف اللّه لا مزيد

و خالد يزينه الوليد # قد قتروا[ (5) ]الحرب فزيدوا زيدوا

فما لنا و لا لكم محيد # من يومنا و يومكم فعودوا

قال: فخرج إليه الأشتر و هو يرتجز و يقول:

في كل يوم هامتي موقرة[ (6) ] # بالضرب أبغي منة مؤخره‏

[ () ]

و قد قضيت في عدوي نذري # يا ليت شعري ما بقي من عمري‏

[ (1) ]وقعة صفين ص 428: لي.

[ (2) ]و هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، و كان من أصحاب علي (رض) . و الأرجاز في وقعة صفين ص 428.

[ (3) ]في وقعة صفين:

ضربا هذا ذيك و طعنا شزرا.

[ (4) ]في وقعة صفين ص 430: لعدي.

[ (5) ]في وقعة صفين: قد ذقتم.

[ (6) ]في وقعة صفين ص 429: مقيره.

44

و الدرع خير من لباس الحبره # يا رب جنبني سبيل الفجره‏[ (1) ]

فلا تجنبني ثواب البرره # و اجعل وفاتي بأكف الكفره‏

قال: ثم حمل عليه الأشتر فضربه ضربة فلق البيضة و أسرع السيف إلى رأسه، فرجع عبد الرحمن إلى معاوية و هو يقول: مالنا و لعثمان بن عفان لا يزال دمه يغلي حتى لا يبقى منا أحد، فقال معاوية: يا ابن أخي!ما أسرع ما ضجرت و هل يصيبك إلا ما أصاب الفتيان إذا لعبوا بك، إنما نقاتل عن دينك و نفسك، قال: فلم لا تخرج أنت يا معاوية؟فقال معاوية: أنا و اللّه أخرج يا ابن أخي.

قال: ثم استوى معاوية على فرسه و خرج حتى وقف أمام أصحابه و جعل يعرض بقبائل همذان‏[ (2) ]و هو يقول:

لا عيش إلا فلق قحف الهام # من أرحب و شاكر و يام‏[ (3) ]

قوم هم أعداء أهل الشام # كم من كريم بطل همام

كم من قتيل و جريح دامي # كذاك حرب السادة الكرام‏

قال: فخرج إليه سعيد بن قيس الهمذاني و هو يقول:

لا همّ رب الحل و الإحرام # لا تجعل الملك لأهل الشام

فالعام عام ليس كالأعوام # و اليوم يوم ليس كالأيام

و الناس مرمى بهم و رامي‏

قال: ثم حمل سعيد بن قيس ليطعنه، و ركض معاوية حتى لحق بعسكره، فانفلت و لم يصبه بشي‏ء، فجعل سعيد يرتجز و يقول:

يا لهف نفسي فاتني معاوية # و الراقصات لا يعود ثانية[ (4) ]

[ (1) ]وقعة صفين: الكفرة.

[ (2) ]و كان معاوية لما تعاظمت عليه الأمور دعا بعض قادة قريش و قال لهم إنه قد غمني بعض رجال من أصحاب علي، و أنتم عدتهم من قريش و قد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم.. فأنا أنا أكفيكم سعيد بن قيس و قومه غدا-و قد مرّ خروج قادة أصحاب معاوية. و انظر وقعة صفين ص 426-427.

[ (3) ]وقعة صفين: و شبام.

[ (4) ]الراقصات يريد بها الإبل التي ترقص في سيرها. و الرقص: ضرب من الخبب (أمالي القالي 3/51) . ـ

45

إلا على ذات خصيل طاوية # أن يعد اليوم فكفّي عالية

قال: و رجع سعيد بن قيس إلى موقفه، و خرج الأشتر فجعل يجول في الميدان و يقول:

أرجو إلهي و أخاف ذنبي # و ليس شي‏ء مثل عفو ربي

قل لابن هند[ (1) ]بغضكم في قلبي # أعظم من أحد و رب الحجب‏

[ (2) ] قال: فخرج إليه عبيد اللّه‏[ (3) ]بن عمر بن الخطاب و هو يقول:

أنعي ابن عفان و أرجو ربي # ذاك الذي يخرجني من ذنبي

إن ابن عفان عظيم الخطب # أعظم من أحد و رب الحجب

إلا طعاني دونه و ضربي # حسبي الذي أنوي به و حسبي‏

قال: ثم دنا الأشتر و ليس يعرفه، فقال له: من أنت أيها الفارس!فإني لا أبارز إلا كفؤا، قال: أنا مالك بن الحارث النخعي، قال: فصمت عبيد اللّه‏[ (3) ]بن عمر ساعة ثم قال: يا مالك!و اللّه لو علمت أنك الداعي إلى البراز لما خرجت إليك، فإن رأيت أن أرجع عنك فعلت منعما، فقال الأشتر: ألا تخاف العار أن ترجع عني و أنا رجل من اليمن و أنت فتى من قريش؟فقال: لا و اللّه ما أخاف العار إذا رجعت عن مثلك، فقال له الأشتر: فارجع إذا و لا تخرج إلا إلى من تعرفه‏[ (4) ].

قال: فرجع عبيد اللّه بن عمر إلى معاوية مذعورا، فقال له معاوية: ما شأنك يا ابن عمر؟فقال: لا تسأل عن شي‏ء فإني انفلت من مخاليب الأسد الأسود الأشتر النخعي، فقال معاوية: و هل هو إلا رجل مثلك!قال: فاخرج أنت إليه، فقال:

أما إنه لو كان واقفا في موضعه لخرجت إليه و لكنه قد انصرف إلى عسكره، و أنت تعلم أني قد برزت إلى سعيد بن قيس و هو نظير الأشتر في الشجاعة و الشدة، فقال [ (1) ]وقعة صفين ص 430 يا بن الوليد.

[ (2) ]الأرجاز في وقعة صفين و نسبها إلى عدي بن حاتم.

[ (3) ]بالأصل «عبد اللّه» خطأ.

[ (4) ]كذا بالأصل، و في مروج الذهب 2/422 «انصرف عنه عبيد اللّه و لم يبارزه» و في وقعة صفين ص 430 «فحمل عليه الأشتر فطعنه، و اشتد الأمر، و انصرف القوم و للأشتر الفضل، فغم ذلك معاوية» و انظر الأخبار الطوال ص 177.

46

ابن عمر: صدقت يا معاوية!قد برزت إلى سعيد بن قيس، و لكنك لم تثبت له، و لو ثبت لما نجوت، فقال معاوية: و اللّه لو برزت إلى صاحبه علي بن أبي طالب لما كعت عنه.

قال: فبينما هما كذلك و إذا بعلي بن أبي طالب قد برز حتى وقف بين الصفين على فرس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم نادى: يا ابن أبي هند!إني قد أقبلت إليك، أسألك أن تحقن هذه الدماء و تبرز إليّ و أبرز إليك فيكون الأمر لمن غلب،

قال: فسكت معاوية و لم ينطق بشي‏ء، فقال له ابن عمر: هذا ما كنا فيه، فابرز الآن إلى علي كما زعمت، قال: فما نطق معاوية و جال علي حوله، ثم حمل على ميمنة معاوية فأزال الرجال، ثم حمل على ميسرته فطحنها و كسر بعضهم على بعض، و قتل منهم جماعة، ثم رجع إلى موضعه، و نظر عبيد اللّه بن عمر إلى معاوية فإذا هو قد أزبد و تغير و أنشأ يقول‏[ (1) ]:

برزت إلى ابن ذي يزن سعيد # و تترك في العجاجة من دعاكا

فهل‏[لك‏][ (2) ]في أبي حسن عليّ # لعل اللّه يمكن من قفاكا

دعاك إلى البراز فكعت عنه‏[ (3) ] # و لو بارزته تربت يداكا

و كنت أصمّ إذ ناداك عنها # و كان سكوته عنها مناكا

فإن الكبش قد طحنت رحاه # بخطوتها[ (4) ]و لم تطحن رحاكا

فما أنصفت صحبك يا ابن هند # أ ترهبه‏[ (5) ]و تغضب من كفاكا

فلا و اللّه ما أضمرت خيرا # و لا أظهرت لي إلا جفاكا

قال: فغضب معاوية من كلام عبيد اللّه بن عمر ثم قال لعمرو: أبا عبد اللّه! ألا تسمع كلام ابن عمر؟فقال عمرو: و اللّه لقد صدق ابن عمر و لا يجمل بك ألاّ تبارز عليا إذا دعاك إلى المبارزة، فقال معاوية: أظنك قد طمعت فيها يا عمرو! فقال عمرو: ما طمعت فيها و لو طمعت فيها لكنت أهلا لها، و لكني أعلم أنه لا يجمل بك أن يكون ابن عمك يدعوك إلى البراز فلم تبرز إليه، قال: فتبسم معاوية [ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 432 و نسبها إلى عمرو بن العاص.

[ (2) ]سقطت من الأصل، زيادة عن وقعة صفين ص 432.

[ (3) ]وقعة صفين:

دعاك إلى النزال فلم تجبه # و لو نازلته...

[ (4) ]وقعة صفين: بنجدته.

[ (5) ]وقعة صفين: أ تفرقه.

47

من قول عمرو و أنشأ يقول:

يا عمرو إنك قد قشرت لي العصا # برضاك في وسط العجاج برازي

يا عمرو إنك قد أشرت بظنة # إن المبارز كالجدي النازي

ما للملوك و للبراز و إنما # حسب المبارز حفظه من بازي‏[ (1) ]

فلقد أعدت فقلت مزحة مازح # حتى جزاك بما نويت الجازي‏[ (2) ]

و لقد كشفت قناعها مذمومة # و لقد لبست لها ثياب الحازي‏

قال: ثم تنكر عليّ و خرج حتى وقف في ميدان الحرب و دعا للبراز، فخرج إليه عمرو بن العاص و هو لم يعرفه، قال و عرفه عليّ فاطرد بين يديه لكي يخرجه من صفوف أهل الشام، قال: و تبعه عمرو و هو يقول:

يا قادة الكوفة من أهل الفتن # يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

كفى بهذا حزنا من الحزن # أضربكم و لا أرى أبا الحسن‏

[ (3) ]

قال: فرجع علي و هو يقول‏[ (4) ]:

أنا الغلام القرشي المؤتمن # الماجد الأبلج ليث كالشطن

ترضى بي السادة من أهل اليمن # من ساكن نجد و من أهل عدن

أبو حسين فاعلمن أبو الحسن‏

قال: فلما سمع عمرو كلام علي و شعره‏ولّى ركضا، و تبعه عليّ فطعنه طعنة وقعت الطعنة في فصول الذراع فأكفأه عن فرسه، فسقط عمرو على قفاه من ضربة علي و رفع رجليه فبدت سوءته، و صرف عليّ وجهه عنه و انصرف إلى عسكره.

و أقبل عمرو إلى معاوية و معاوية يضحك، فقال له عمرو: ما يضحكك يا معاوية؟قال: ضحكت و اللّه من حملة أبي الحسن عليك و كشفك لسوءتك، فو اللّه [ (1) ]وقعة صفين ص 275:

حتف المبارز خطفة للبازي.

[ (2) ]في وقعة صفين:

و لقد أعدت فقلت مزحة مازح # و المزح يحمله مقال الهازي

فإن الذي منتك نفسك خاليا # قتلي، جزاك بما نويت الجازي‏

[ (3) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 371-372.

[ (4) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 371 و نسبها إلى عمرو بن العاص.

48

لقد وجدته هاشميا منافيا بالنزال لا ينظر إلى عورات الرجال، فقال عمرو: و اللّه يا معاوية لو بدا له من صفحتك ما بدا له‏[من‏]صفحتي إذا لأوجع قذالك و أيتم عيالك و نهب مالك، فقال معاوية: لو كنت تحتمل المزاح مازحتك!فقال عمرو: ما أحملني للمزاح، و لكن إن كان رجل لقي رجلا فصد عنه و لا يقتله أقطرت دما، فقال معاوية: لا و لكن تعقب فضيحة و جبنا، أما و اللّه لو عرفت ما قدمت عليه، فقال عمرو: و هو ابن عمي فقد عفا و أحسن،

فقال معاوية: أبا عبد اللّه!هل تعلم أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال لعلي: أنا و أنت من طينة واحدة إلى آدم!

فقال عمرو: قد كان ذلك، قال معاوية: فكيف يكون ذلك ابن عمك و أبوه سيد من بني هاشم و أبوك من قد علمت؟فقال عمرو: ليس هذا مزاح، هذا أشد من ضرب السيف، أما و اللّه يا معاوية!لو لا أني بعتك ديني إذا لما استقبلتني بمثل هذا و أشباهه، قال: فأنشأ معاوية يقول‏[ (1) ]:

ألا للّه من هفوات عمرو # يعاتبني على ترك البراز

فقد لاقى أبا حسن عليا # فآب الوائلي مآب خازي

و لو لم تبد عورته لأوى # به شيخ يذلل كل نازي‏[ (2) ]

فإن تكن المنية أخرته # فقد غنى بها أهل الحجاز

قال: فأجابه عمرو و هو يقول‏[ (3) ]:

معاوي قد ثقلت عن البراز # لك الخيرات فانظر من تبازي‏[ (4) ]

معاوي ما اجترمت إليك ذنبا # و ما أنا بالذي حدثت خازي

و ما ذنبي بأن نادى عليّ # فكبش القوم يدعى للبراز

[ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 407.

[ (2) ]في وقعة صفين:

فلو لم يبد عورته للاقى # به ليثا يذلل كل نازي‏

و بعده:

له كف كأن براحتيها # منايا القوم يخطف خطف بازي‏

[ (3) ]الأبيات في وقعة صفين ص 276.

[ (4) ]البيت في وقعة صفين:

معاوي إن نكلت عن البراز # لك الويلات فانظر في المخازي‏

49

فلو لاقيته لاقيت كبشا # حديد القرن حية ذا ابتزاز[ (1) ]

و تزعم أنني أضمرت غشا # جزاني بالذي أضمرت جازي

أضبع في العجاجة يا ابن هند # و عند الحرب كالتيس الحجازي‏

قال: و جاء الليل فحجز بين الفريقين، فلما كان من الغد وثب عليّ رضي اللّه عنه فخطب الناس و قال‏[ (2) ]: أيها الناس!إن اللّه جل ثناؤه و تقدست أسماؤه قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، و جعل ثوابه لكم المغفرة و مساكن طيبة في جنات عدن، و رضوان من اللّه أكبر، و قد أخبركم بالذي يجب عليكم في ذلك، فقال: إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيََانٌ مَرْصُوصٌ [ (3) ]ألا! فرصوا[ (4) ]صفوفكم كالبنيان المرصوص و قدموا الدارع‏[ (5) ]و أخروا الحاسر، و عضوا على النواجذ[ (6) ]، فإنه أنبى‏[ (7) ]للسيوف عن الهام و أربط للجأش، و التووا في أطراف الرماح فإنه أطول للأسنة، و راياتكم‏[ (8) ]فلا تميلوها و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم المانعين للذمار الصابرين عند[نزول‏][ (9) ]الحقائق، فهم أهل الحفاظ [من‏]الفرار من الزحف، و لا تعرضوا لمقت اللّه فإن مردكم إليه، قال اللّه عزّ و جلّ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْفِرََارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ أَوِ اَلْقَتْلِ وَ إِذاً لاََ تُمَتَّعُونَ إِلاََّ قَلِيلاً [ (10) ]و أيم اللّه لئن فررتم من سيوف العاجلة فلن تسلموا من سيوف الآجلة[ (11) ]، و استعينوا بالصدق و الصبر، فإن بعد الصبر ينزل النصر.

قال: ثم تكلم الأشتر فقال: أيها الناس!إننا بحمد اللّه و نعمته و منه و فضله [ (1) ]البيت في وقعة صفين:

فلو بارزته بارزت ليثا # حديد الناب يخطف كل بازي‏

[ (2) ]الطبري 6/9، نهج البلاغة كتاب الخطب خطبة رقم 124. باختلاف النصين.

[ (3) ]سورة الصف، الآية: 4.

[ (4) ]الطبري: فسووا.

[ (5) ]عن نهج البلاغة. و بالأصل: الذراع.

[ (6) ]نهج و الطبري: الأضراس.

[ (7) ]أنبى: من نبى السيف إذا دفعته الصلابة من موقعه فلم يقطع (شرح النهج لمحمد عبده) .

[ (8) ]عن الطبري، و بالأصل «و رأيتكم قد» و في النهج: و رايتكم.

[ (9) ]عن نهج البلاغة.

[ (10) ]سورة الأحزاب الآية 16.

[ (11) ]في النهج: الآخرة.

50

نرجو من قتال هؤلاء القوم حسن الثواب و الأمن من العقاب، و معنا ابن عم نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم علي بن أبي طالب، و هو سيف من سيوف اللّه، و أول ذكر صلى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يسبقه إلى الصلاة ذكر، و لم يكن له صبوة و لا نبوة و لا سقطة، فقيه في دين اللّه، عالم بحدود اللّه، ذو رأي و صبر جميل و حلم عظيم و عفاف قديم، فاتقوا اللّه و عليكم بالصبر و الصدق!فإنكم بحمد اللّه على الحق.

ثم تكلم الأشعث بن قيس فقال: أيها الناس!إن اللّه تبارك و تعالى قد خصنا منه بنعمة لا نستطيع شكرها و لا يقدر أحد قدرها، إن أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم معنا، و في حيزنا من البدريين و العقبيين، و و اللّه لو كان قائدنا حبشيا[ (1) ]أجدع لكان ينبغي لنا أن نسمع و نطيع، فكيف إذ كان معنا أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و أنصاره و آله و ابن عمه و وارث علمه و القائم بحقه، بدري قد صدّق و صلى صغيرا و جاهد مع الرسول كثيرا، و معاوية طليق ابن طليق أصاب قوما غواة فأوردهم النار و أورثهم العار، و اللّه محلّ به و بهم الصغار و الدمار، فعليكم عباد اللّه بالحزم و الصبر!ف إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ [ (2) ].

قال: و جعل كل رجل مذكور من أصحاب علي يتكلم بما يحضره من الكلام، فقال معاوية لذي الكلاع الحميري: ألا تسمع إلى هذا التحريض الذي يحرّض علينا في هذا اليوم؟أما عندك جواب؟فقال ذو الكلاع: عندي جواب و لكني لا أقدر على ما يقدرون عليه. قال: ثم وثب ذو الكلاع فاستوى على فرسه و استقبل أهل الشام بوجهه فقال: يا أهل الشام!إنكم قد سمعتم من كلام أهل الحجاز و أهل العراق ما قد سمعتم، و إننا لنعلم أن فيهم قوما قد كانت لهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم سوابق كثيرة و مناقب عظيمة لا ينكر لهم ذلك، غير أني ضربت هذا الأمر ظهرا و بطنا فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان، و هو ختن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على ابنته، و مجهز جيش العسرة، و الزائد في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن كان له ذنب فقد أذنب من هو خير منه و أفضل، قال اللّه عزّ و جلّ لنبيه محمد صلّى اللّه عليه و سلّم: لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ [ (3) ]و قد قتل موسى بن عمران نفسا ثم استغفر فغفر له، و لا يعرى أحد من الذنوب، و إننا لنعلم أن علي بن أبي طالب خيّر فاضل، قد كانت له سابقة حسنة مع [ (1) ]بالأصل: حبشي خطأ.

[ (2) ]بالأصل: الصادقين، و سياق الحديث يدل على الصبر.

[ (3) ]سورة الفتح الآية 2.

51

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن لم يكن مال على قتل عثمان فقد خذله و هو أخوه في دينه و ابن عمه و شريكه في الشورى، و بعدها فإنه قد أقبلت هؤلاء القوم من عراقهم حتى نزلوا في شامكم و بلادكم و هم من بين قاتل و خاذل، فقاتلوهم و استعينوا باللّه عليهم.

قال: فلما فرغ ذو الكلاع من الكلام أخذته السهام و دنا[ (1) ]القوم بعضهم بعضا.

ذكر ما جرى بعد ذلك من الكلام‏

قال: و تقدم أبو جهمة الأسدي من أصحاب علي رضي اللّه عنه و جعل يقول:

أنا أبو جهمة في جلد الأسد # عليّ منه لبد فوق لبد[ (2) ]

اقتل أهل الشام أشباه النقد # و لا أهاب جمعهم و لا العدد

ثم حمل على أهل الشام فقاتل قتالا حسنا و رجع إلى موقفه.

قال: و كان أبو جهمة هذا كثيرا ما يهجو كعب بن جعيل الثعلبي شاعر معاوية، فقال فيه هذين البيتين‏[ (3) ]:

سميت كعبا بشرّ العظام # و كان أبوك سميّ الجعل

و كان مكانك من وائل # مكان القراد من است الجمل‏

قال: فظن كعب بن جعيل أن النجاشي هجاه بهذين البيتين، فبرز يومئذ على فرس له حتى وقف بين الجمعين و جعل يعرض للنجاشي و يقول‏[ (4) ]:

ابرز إليّ الآن يا نجاشي‏[ (5) ] # فانني آليت للهراش

فارس هيجاء و ذو انكماش‏[ (6) ] # قد علمت ثعلب ما أحاشي

إني إذا هممت بالجحاش # و عضّت الحرب بكل غاش

فإنني كعب أبو خراش‏

[ (7) ] [ (1) ]بالأصل: «و دنوا» خطأ.

[ (2) ]الشطران في وقعة صفين ص 362.

[ (3) ]كذا، و في وقعة صفين 362 نسبهما إلى عتبة بن أبي سفيان، و كان كعب بن جعيل يهجو عتبة و يعيره بالفرار. و البيتان في ديوان الأخطل ص 335.

[ (4) ]بعضها في وقعة صفين ص 180 و نسبها إلى عمرو العكي.

[ (5) ]وقعة صفين:

ابرز إلي ذا الكبش يا نجاشي.

[ (6) ]وقعة صفين:

و فارس الهيجاء بانكماشي.

[ (7) ]وقعة صفين:

اسمي عمرو و أبو خراش.

52

قال: فخرج إليه النجاشي و هو يقول:

اربع قليلا فأنا النجاشي # من سرو كعب لست‏[ (1) ]من رقاش

أخو حروب في رباط الجأش # لست أبيع الدين بالمعاش‏[ (2) ]

أنصر خير راكب و ماشي # ذاك عليّ بيّن الرياش

بيت قريش ليس من حواشي # و لا الذي قد كف في قماش

يغشى كماة القوم بالنجاش # فهاك خذها من أخي هراش‏

ثم حمل عليه النجاشي فطعنه طعنة ما زال منها وقيذا، و رجع النجاشي إلى موضعه و هو يقول‏[ (3) ]:

إني إخال عليّا غير منتهي # حتى يؤدّي كتاب اللّه و الذمم

غضبان للّه لا يألو جهادكم # في كفه صارم كالبرق مبتسم

له غطيط إذا نار الوغى سعرت‏[ (4) ] # كما يغطّ الفتيق المغضب القطم

حتى يزيل ابن حرب عن إمارته # كما يركب تيس الجالب الغنم‏[ (5) ]

أو أن تراه عفير الخدّ مطرحا # تجول من فوقه العقبان و الرخم‏

[ (6) ] قال: و حمل‏[ (7) ]غلامان من الأنصار على فرسيهما حتى انتهيا إلى سرادق معاوية، فقاتلا هنالك حتى قتلا.

قال: ثم صاح عبد اللّه بن جعفر ذي الجناحين بالناس، فاجتمع إليه زهاء ألف رجل، فحمل و حملت الناس معه حتى خالطوا أهل الشام، و أقبلت الكتائب بعضها [ (1) ]في وقعة صفين ص 180:

أرود قليلا... # ... ليس بالرقاشي.

[ (2) ]وقعة صفين:

و لا أبيع اللهو بالمعاش.

[ (3) ]الأبيات في وقعة صفين ص 372.

[ (4) ]في وقعة صفين:

غضبان يحرق نابيه بحرته # ... المصعب القطم.

و المصعب: الفحل، و القطم: المشتهي للضراب.

[ (5) ]وقعة صفين:

كما تنكب تيس الحبلة الحلم.

انظر الحيوان 4/134 و 6/123.

[ (6) ]وقعة صفين:

أو أن تروه كمثل الصقر مرتبئا # يخفقن من حوله العقبان و الرخم‏

[ (7) ]بالأصل: «و حملوا» تحريف.

53

على بعض، فاقتتل الناس قتالا شديدا، فقتل يومئذ من أهل الشام خلق كثير، فقال عمرو بن العاص‏[ (1) ]: في ذلك:

أجئتم إلينا تسفكون دماءنا # و ما رمتم وعر من الأمر أعسر

لعمري لما فيه يكون حجامنا # إلى اللّه أدهى لو عقلتم و أكثر

نغادرهم ضربا بكل مهنّد # إذا شاء يوما أن يقدم قنبر[ (2) ]

إذا ما التقوا حربا[ (3) ]تدارك بينهم # طعان و موت للمبارز أحمر

[ (4) ] قال: و تقدم رجل من أهل الشام يقال له يزيد بن زياد حتى وقف في ميدان الحرب و هو يقول‏[ (5) ]:

لقد ضلت معاشر من نزار # إذا انقادوا لمثل أبي تراب

فإنهم و بيعتهم عليا # كواشمة و قد شمط الغراب‏[ (6) ]

تعاتب من سفاهتها بنيها[ (7) ] # و تحسر باليدين عن النقاب

فإياكم و داهية تراها # تسير إليكم تحت العقاب

إذا انتسبوا سمعت بحاميهم‏[ (8) ] # دويّا مثل تصفيق السحاب

يجيبون الصريخ إذا دعاهم # إلى طعن الفوارس بالحراب

عليهم كل سابغة دلاص # و أبيض صارم مثل الشهاب‏

قال: فحمل عليه الأشتر فضربه ضربة جدله قتيلا، ثم جال الأشتر حوله و هو يقول:

و سار ابن حرب يبتغي من سفاهة # قتال علي بالخيول و بالرجل‏[ (9) ]

[ (1) ]الأبيات في وقعة صفين ص 374.

[ (2) ]في وقعة صفين:

إذا شد وردان تقدم قنبر.

[ (3) ]وقعة صفين: يوما.

[ (4) ]وقعة صفين:

طعان و موت في المعارك أحمر.

[ (5) ]في وقعة صفين ص 375 رجل من كلب مع معاوية.

[ (6) ]وقعة صفين:

كواشمة التغضن بالخضاب.

[ (7) ]وقعة صفين:

تزين من سفاهتها يديها.

[ (8) ]وقعة صفين:

إذا هشوا سمعت لحافتيهم.

[ (9) ]البيت في وقعة صفين ص 376:

54

و سرنا إليهم جهرة في بلادهم # و ملنا عليهم بالسيوف و بالنبل

و كل.... [ (1) ]كعوبة # بأيدي رجال غير ميل و لا عزل

فأهلكم ربي و فرق جمعهم # و كانوا ذوي عز[ (2) ]فذاقوا ردى الخبل‏

قال: و جعل رجل من أهل الشام يقال له المشجع بن بشر الجذامي‏[ (3) ]ينادي بأعلى صوته: ويلكم يا جذام!أعينوني حتى نحمل على أهل العراق حملة فلعلنا ندرك فيه بعض ما نؤمل.

قال: فلم يجبه أحد من قومه، فجعل يقول:

يا لهف نفسي على جذام و قد # هزّت صدور الرماح و الخرق

لا يقربون القتال إن شهد الـ # قوم و لا يدفعون بالدرق

كانوا لدى الحرب في مواطنهم # أسدا إذا انساب سائل الغلق

فاليوم لا يدفعون أن دهموا # و لا يحامون عن أخي قلق‏[ (4) ]

فاليوم لا ينصفون إخوتهم # عند وقوع الحروب بالحلق‏

قال: ثم حمل هذا الجذامي على أصحاب علي، فلم يزل يقاتل أشد قتال و هو مع ذلك يراعي المواضع التي فيها عليّ ليحمل عليه، فنظر إليه عدي بن حاتم فلم يرتد، فحمل عليه عدي محققا فطعنه في لبته طعنة جدله بها، ثم جال عدي و جعل يرتجز و هو يقول:

قد علمت غسان مع جذام # أني كريم ثابت المقام

في النسب في آبائنا الكرام # أحمي إذا ما زيل بالأقدام‏

قال: فصاح خالد بن المعمر[ (5) ]السدوسي و كان من فرسان أصحاب علي فنادى بأعلى صوته: من يبايع على الموت؟من يشري نفسه في هذا اليوم للّه؟فبايعه يومئذ [ () ]

و سار ابن حرب بالغواية يبتغي # قتال علي و الجيوش مع الحفل‏

[ (1) ]موضع النقاط مطموس بالأصل. و سقط من وقعة صفين.

[ (2) ]في وقعة صفين: و كان لنا عونا.

[ (3) ]في وقعة صفين ص 376: الشيخ بن بشر الجذامي. و ذكرت أبياته.

[ (4) ]وقعة صفين:

و لا يردون شامة الغلق.

[ (5) ]بالأصل «المعتمر» تحريف و التصحيح عن الأخبار الطوال ص 165 و الإصابة و وقعة صفين. و كان على بكر بن وائل. ـ