الفتوح - ج5

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
172 /
5

المجلد الخامس‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

تتمة ذكر حسين بن على و قيامه و يزيد بن معاوية

تتمة ذكر الكتاب و العهد الى يزيد

قال: ثم نزل الضحاك عن المنبر و كتب إلى يزيد بن معاوية هذا:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه الذي لبس رداء البقاء، و حكم على عباده بالفناء، فقال عزّ و جل‏ كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ*`وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [ (1) ].

لعبد اللّه يزيد أمير المؤمنين، من الضحاك بن قيس، سلام عليك، أما بعد فكتابي إلى أمير المؤمنين فكتاب تهنئة و مصيبة، فأما الخلافة التي جاءتك فهي الهنئة، و أما المصيبة فموت أمير المؤمنين معاوية[ (2) ]، إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ . فإذا قرأت كتابي فالعجل العجل!لتأخذ الناس ببيعة أخرى محدودة، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته. قال: ثمّ أثبت في أسفل كتابه هذين البيتين:

مضى ابن أبي سفيان فردا لشأنه # و خلِّفت فانظر هذه كيف تصنع

أقمنا على المنهاج و اركب محجّة # سدادا فأنت المرتجى كيف تفزع‏

قال: ثم ورد الكتاب على يزيد[ (3) ]، فوثب صائحا باكيا، و أمر بإسراج دوابه و سار يريد دمشق، فصار إليها بعد ثلاثة أيام من مدفن معاوية[ (4) ]، و خرج حتى إذا [ (1) ]سورة الرحمن الآية 26 و 27.

[ (2) ]وردت معاوية في الأصل مرتين مكررا.

[ (3) ]و كان يزيد بحوارين، موضع من تدمر على مرحلتين. و قيل إنهم كتبوا إليه بعد أن اشتد مرض معاوية، فأقبل و قد دفن (الطبري) .

[ (4) ]في البداية و النهاية: ركب الضحاك بن قيس في جيش و خرج ليتلقى يزيد بن معاوية، فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، و إذا يزيد... و عليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالإمارة و عزوه في أبيه.

6

وافى يزيد قريبا من دمشق فجعل الناس يتلقونه فيبكون و يبكي. و أيمن بن خريم الأسدي بين يدي يزيد و هو يقول‏[ (1) ]:

رمى الحدثان نسوة آل حرب # بمقدار سمدن له سمودا[ (2) ]

فردّ شعورهن السود بيضا # و ردّ وجوههن البيض سودا

فإنّك لو سمعت بكاء هند # و رملة إذ يلطمن‏[ (3) ]الخدودا

بكيت بكاء موجعة بحزن # أصاب الدهر واحدها الفريدا

[ (4) ]فصبرا يا بني حرب تعزّوا # فمن هذا الذي يرجو الخلودا

فقد وارت قبوركم ثناء # و حزما لا كفاء له وجودا[ (5) ]

تلقّاها يزيد عن أبيه # فدونكها معاوي عن يزيدا

أديروها بني حرب عليكم # و لا ترموا بها الغرض البعيدا

فان دنياكم بكم اطمأنّت # فأولوا أهلها خلقا سديدا

و إن عصفت عليكم فاعصفوها # عصافا تستقيم لكم شديدا

[ (6) ] قال: و سار يزيد و معه جماعة إلى قبر معاوية فجلس و انتحب ساعة و بكى، و بكى الناس معه، ثم قام عن القبر و أنشأ يقول‏[ (7) ]:

جاء البريد بقرطاس يحثّ‏[ (8) ]به # فأوجس القلب من قرطاسه فزعا

قلنا لك الويل ما ذا في كتابكم‏[ (9) ] # قال الخليفة أمسى مدنفا وجعا

[ (1) ]بعض الأبيات في ذيل أمالي القالي و نسبت للكميت الأسدي باختلاف في بعض الألفاظ. 3/115.

[ (2) ]بالأصل بمقدار صمدت له صمودا و ما أثبت عن أمالي القالي.

[ (3) ]في الأمالى: إذ تصكان. و هما بمعنى.

[ (4) ]من هنا الأبيات في طبقات فحول الشعراء ص 522. و نسبت فيه إلى عبد اللّه بن همام السلولي.

باختلاف في الألفاظ.

[ (5) ]البيت في الطبقات:

لقد وارى قليبكم بيانا # و حلما لا كفاء له وجودا

[ (6) ]البيت في الطبقات:

و إن ضجرت عليكم فاعصبوها # عصابا تستدر به شديدا

[ (7) ]الأبيات في الطبري 5/328 ابن الأثير 2/526 البداية و النهاية 8/153 العقد الفريد 4/349 الأغاني 16/33 (سياسي) و المعمرون ص 157 باختلاف بعض الألفاظ.

[ (8) ]يخبّ به في المصادر.

[ (9) ]في البداية و النهاية: صحيفتكم.

7

مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا # كأنما العز من أركانها انقطعا[ (1) ]

إنّا نسير على جرد مسوّمة # يغشى العجاج بنا و النجم ما طلعا[ (2) ]

لسنا نبالي إذا بلّغن أرحلنا # ما مات منهنّ بالبيداء أو ظلعا

حتى دفنّا لخير الناس كلهم # و خيرهم منتمى جدا و مضطجعا

أغرّ أبلج يستسقى الغمام به # لو صارع الناس عن أحلامهم صرعا[ (3) ]

من لا تزال له نفس على شرف # و شد مقدار تلك النفس أن تقعا

لما انتهينا و باب الدار منصفق # و صوت رملة راع‏[ (4) ]القلب فانصدعا[ (5) ]

أودى ابن هند فأودى المجد يتبعه # كانا يكونان دهرا قاطعين معا

[ (6) ] قال: ثم ركب يزيد و سار إلى قبة لأبيه خضراء فدخلها و هو معتم بعمامة خز سوداء متقلدا بسيف أبيه معاوية حتى وصل إلى باب الدار، ثم جعل يسير و الناس عن يمينه و شماله قد نزلوا عن دوابهم، و قد ضربت له القباب و الفساطيط المدنجة، حتى صار إلى القبة الخضراء، فلما دخلها نظر فإذا قد نصبت له فيها فرش كثيرة بعضها على بعض و يزيد يحتاج أن يرقى عليها بالكراسي. قال: فصعد حتى جلس على تلك الفرش، و الناس يدخلون عليه يهنئونه بالخلافة و يعزّونه في أبيه، و جعل يزيد يقول: نحن أهل الحق و أنصار الدين، و ابشروا يا أهل الشام!فإن الخير لم يزل فيكم، و سيكون بيني و بين أهل العراق حرب شديد، و قد رأيت في منامي كأن نهرا يجري بيني و بينهم دما عبيطا و جعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر، فلم أقدر على ذلك حتى جاءني عبيد اللّه بن زياد، فجازه بين يدي و أنا أنظر إليه. قال:

فأجابه أهل الشام و قالوا: يا أمير المؤمنين!امض بنا حيث شئت و اقدم بنا على من [ (1) ]البداية و النهاية: انقلعا.

[ (2) ]بعده في العقد و ابن الأثير و البداية و النهاية:

ثم انبعثنا إلى خوص مزممة # فأوجس القلب من قرطاسه فزعا

[ (3) ]في البداية و النهاية: «لو قارع.. قرعا» .

[ (4) ]عن ابن الأثير، و بالأصل: رفع.

[ (5) ]بعده في ابن الأثير:

ثم ارعوى القلب شيئا بعد طيرته # و النفس تعلم أن قد أثبتت جزعا

[ (6) ]بعده في البداية و النهاية:

لا يرقع الناس ما أوهى و أن جهدوا # أن يرقعوه و لا يوهون ما رقعا

8

أحببت فنحن بين يديك، و سيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين. فقال لهم يزيد: أنتم لعمري كذلك، و قد كان أمير المؤمنين معاوية لكم كالأب البارّ بالولد، و كان من العرب أمجدها و أحمدها و أهمدها و أعظمها خطرا و أرفعها ذكرا و أنداها أنامل و أوسعها فواضل و أسماها إلى الفرع الباسق، لا يعتريه الفهاهة في بلاغته و لا تدخله اللكنة[ (1) ]في منطقه حتى إذا انقطع من الدنيا أثره و صار إلى رحمة اللّه تعالى و رضوانه. قال: فصاح به صائح من أقاصي الناس و قال‏[ (2) ]: كذبت و اللّه يا عدو اللّه!ما كان معاوية و اللّه بهذه الصفة، و إنما كانت هذه صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هذه أخلاقه و أخلاق أهل بيته لا معاوية و لا أنت. قال: فاضطرب الناس، و طلب الرجل فلم يقدروا عليه، و سكت الناس‏[ (3) ]. و قام إلى يزيد رجل من شيعته يقال له عطاء[ (4) ]بن أبي صيفي فقال: يا أمير المؤمنين!لا تلتفت إلى مقالة الأعداءو قد أعطيت خلافة اللّه من بعد أبيك فأنت خليفتنا، و ابنك معاوية ولي العهد بعدك‏[ (5) ] لا نريد به بدلا و لا نبغي عنه حولا و السلام. قال: ثم أنشأ يقول:

يزيد بن أبي سفيان هل لكم # إلى ثناء و ودّ غير منصرم

إنّا نقول و يقضي (اللّه) معتذرا # مهما يشار بنا من صالح ندم

فأفتديها بلكم خدَّها يزيد # و قال خذها بلا نكس و لا برم

و لا تمهّدها في دار غيركم # إنّي أخاف عليكم حسرة الندم

إن الخلافة لم تعرف لناكثكم # بينا دعائمها فيكم و لم ترم

و لا يزال وفود في دياركم # يغشون أبلج سبّاقا إلى الكرم‏

قال: فأمر له يزيد بجائزة حسناء، ثم قام يزيد على قدميه‏.

[ (1) ]بالأصل: النكبة، و السياق يقتضي ما أثبتناه.

[ (2) ]بهامش الأصل المنسوخ: المتكلم من الملائكة المقربين بإذن اللّه تعالى.

[ (3) ]في مروج الذهب 3/80 ثم نزل و دخل منزله، ثم أذن للناس، فدخلوا عليه لا يدرون أ يهنئونه أم يعزونه..

[ (4) ]في مروج الذهب: «عاصم» و انظر فيه قوله أمام يزيد معزيا و مهنئا.

[ (5) ]بالأصل: و أبيك معاوية ولي العهد قبلك.

9

ذكر كلام يزيد بن معاوية

فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال‏[ (1) ]: أيها الناس!إن معاوية كان عبدا[ (2) ]من عباد اللّه، أنعم اللّه عليه ثم قبضه إليه، و هو خير ممن كان بعده، و دون ممن كان قبله، و لا أزكيّه على اللّه، هو أعلم به منى، فإن عفا عنه فبرحمته‏[ (3) ]، و إن عاقبة فبذنبه، و قد وليت هذا الأمر من بعده، و لست أقصر عن طلب حق‏[ (4) ]و لا أعذر من تفريط في باطل، فإذا أراد اللّه شيئا كان-و السّلام-. قال: ثم جلس فصاح الناس من كل جانب: سمعا و طاعة يا أمير المؤمنين. قال: ثم تقدم إليه رجل‏[ (5) ]من وجوه أهل الشام حتى وقف بين يديه رافعا صوته و هو يقول:

اصبر يزيد فارقت ذا ثقة # و اشكر حباء الذي بالملك أصفاكا

لا رزء أعظم في الأقوام نعلمه # كما رزئت و لا عقبى كعقباكا

أعطيت طاعة أهل الأرض كلهم # فأنت ترعاهم و اللّه يرعاكا

و في معاوية الباقي لنا خلف # أما هلكت و لا نسمع بمنعاكا

قال: و بايع الناس بأجمعهم يزيد بن معاوية و ابنه معاوية بن يزيد من بعده، و فتح يزيد بيوت الأموال فأخرج لأهل الشام أموالا جزيلة، ففرقها عليهم‏[ (6) ]، ثم عزم على الكتب إلى جميع البلاد بأخذ البيعة له. قال: و كان على المدينة يومئذ مروان بن الحكم فعزله يزيد و ولى مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان‏[ (7) ]و كتب إليه‏.

ذكر الكتاب إلى أهل البيعة بأخذ البيعة

من عبد اللّه يزيد بن معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فإن [ (1) ]انظر خطبته في مروج الذهب 3/80 و العقد الفريد 4/351.

[ (2) ]المروج و العقد: حبلا من حبال اللّه.

[ (3) ]المروج: إن يغفر اللّه له فهو أهله.

[ (4) ]المروج و العقد: و لست أعتذر عن جهل، و لا أشتغل بطلب علم.

[ (5) ]هو عبد اللّه بن همام السلولي كما في مروج الذهب 3/80 و انظر مقالته هناك. و الأبيات أيضا و في الكامل للمبرد باختلاف بعض الألفاظ.

[ (6) ]العبارة في مروج الذهب: ثم قام الناس يهنئونه بالخلافة، فلما ارتفع عن مجلسه أمر لكل واحد منهم بمال على مقداره في نفسه، و محله في قومه، و زاد في عطائهم و رفع مراتبهم.

[ (7) ]في الطبري 5/338 و ابن الأثير 2/529 ولي يزيد، و أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

و في الإمامة و السياسة 1/225 خالد بن الحكم.

10

معاوية كان عبد اللّه‏[ (1) ]من عباده أكرمه اللّه و استخلفه و خوله و مكّن له ثم قبضه إلى روحه و ريحانه و رحمته و غفرانه، عاش بقدر و مات بأجل، عاش برا تقيا و خرج من الدنيا رضيا زكيا، فنعم الخليفة كان لا أزكيه على اللّه، هو أعلم به مني، و قد كان عهد إليّ عهدا و جعلني له خليفة من بعده، و أوصاني أن أحدث آل أبي تراب بآل أبي سفيان لأنّهم أنصار الحق و طلاب العدل، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة-و السلام‏[ (2) ]-.

قال: ثم كتب إليه في صحيفة صغيرة كأنها أذن فأرة: أما بعد فخذ الحسين بن علي و عبد الرحمن بن أبي بكر[ (3) ]و عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن أبي عليك منهم فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه.

قال: فلما ورد كتاب يزيد على الوليد بن عتبة[ (4) ]و قرأه قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، يا ويح الوليد بن عتبة من أدخله في هذه الإمارة، ما لي و للحسين ابن فاطمة!قال: ثم بعث إلى مروان بن الحكم‏[ (5) ]فأراه الكتاب فقرأه و استرجع، ثم قال: يرحم اللّه أمير المؤمنين معاوية!فقال الوليد: أشر عليّ برأيك في هؤلاء القوم كيف ترى أن أصنع، فقال مروان: ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة و الدخول في طاعة يزيد[ (6) ]، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، و أن أبوا قدّمهم و اضرب أعناقهم قبل‏[ (7) ]أن يدروا بموت بمعاوية فإنّهم إن علموا ذلك وثب كل رجل منهم فأظهر الخلاف و دعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به و ما لا يقوم له إلا عبد اللّه بن عمر، فإني لا أراه ينازع في هذا الأمر أحدا إلا أن تأتيه الخلافة فيأخذها عفوا، فذر عنك ابن عمر[ (8) ]و ابعث إلى الحسين بن علي و عبد الرحمن بن [ (1) ]الطبري: عبدا من عباد اللّه.

[ (2) ]الكتاب باختلاف في الطبري 5/338 و الإمامة و السياسة (من تحقيقنا 1/225) .

[ (3) ]مرّ أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد توفي منذ زمن، و لم يرد ذكره في نص نسخة الكتاب في الطبري 5/338 و ابن الأثير 2/529 و الأخبار الطوال ص 227.

[ (4) ]بالأصل «عقبة» خطأ.

[ (5) ]و كان مروان بن الحكم أميرا على المدينة قبل ولاية الوليد عليها، و كان ما بينهما متباعدا، حتى وصول كتاب يزيد.

[ (6) ]في الإمامة و السياسة: فإنهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام.

[ (7) ]في الأخبار الطوال: قبل أن يعلن الخبر.

[ (8) ]في الطبري: أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال، و لا يحب أن يولى على الناس، إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا.

وفي الأخبار الطوال: أما عبد اللّه بن عمرو عبد الرحمن بن أبي بكر (كذا) فلا تخافن ناحيتهما. فليسا بطالبين شيئا من هذا الأمر.

11

أبي بكر[ (1) ]و عبد اللّه بن الزبير فادعهم إلى البيعة مع أني أعلم أن الحسين بن علي خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبدا و لا يرى له عليه طاعة، و و اللّه إن لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كائنا في ذلك ما كان.

قال: فأطرق الوليد بن عتبة إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه و قال: يا ليت الوليد لم يولد و لم يكن شيئا مذكورا!قال: ثم دمعت عيناه فقال له عدو اللّه مروان: أوّه أيها الأمير!لا تجزع مما قلت لك فإن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر لم يزالوا، و هم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين فحاربوه، و بعد فإني لست آمن أيها الأمير!إنك إن لم تعاجل الحسين بن علي خاصة أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد، فقال له الوليد بن عتبة: مهلا! ويحك يا مروان عن كلامك هذا!و أحسن القول في ابن فاطمة فإنه بقية ولد النبيين.

قال: ثم بعث الوليد بن عتبة إلى الحسين بن علي و عبد الرحمن بن أبي بكر[ (2) ]و عبد اللّه بن عمر[ (3) ]و عبد اللّه بن الزبير فدعاهم، فأقبل إليهم الرسول، و الرسول‏[عبد اللّه بن-][ (4) ]عمرو بن عثمان بن عفان لم يصب القوم في منازلهم، فمضى نحو المسجد فإذا القوم عند قبر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فسلّم عليهم ثم قال و قال: أجيبوا الأمير!فقال الحسين: يفعل اللّه ذلك إذا نحن فرغنا عن مجلسنا هذا إن شاء اللّه‏[ (5) ]. قال: فانصرف الرسول إلى الوليد فأخبره بذلك.

و أقبل عبد اللّه بن الزبير على الحسين بن علي و قال: يا أبا عبد اللّه!إن هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها للناس، و إني قد أنكرت ذلك و بعثه في هذه الساعة إلينا و دعاءه إيانا لمثل هذا الوقت، أ ترى في أيّ طلبنا؟فقال له الحسين: إذا [ (1) ]كذا و قد أشرنا إلى وفاته قبل زمن.

[ (2) ]كذا. و قد أشرنا إلى أنه قد مات قبل ذلك بزمن.

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير ذكر أنه أرسل فقط إلى الحسين بن علي و عبد اللّه بن الزبير و لم يأتيا على ذكر عبد اللّه بن عمر.

[ (4) ]زيادة عن الطبري و ابن الأثير و الأخبار الطوال و الإمامة و السياسة.

زيد في الأخبار الطوال: و هو حينئذ غلام حين راهق.

[ (5) ]في الأخبار الطوال: فقالا للغلام: انطلق، فإنا صائران إليه على إثرك.

12

أخبرك أبا بكر[ (1) ]!إني أظن بأن معاوية قد مات، و ذلك أني رأيت البارحة في منامي كأن منبر معاوية منكوس، و رأيت داره تشتعل نارا، فأوّلت ذلك في نفسي أنه مات.

فقال له ابن الزبير: فاعلم يا ابن علي أن ذلك كذلك، فما ترى أن تصنع إن دعيت إلى بيعة يزيد أبا عبد اللّه؟قال: أصنع أني لا أبايع له أبدا، لأن الأمر إنما كان لي من بعد أخي الحسن، فصنع معاوية ما صنع و حلف لأخي الحسن أنه لا يجعل الخلافة لأحده من بعده من ولده و أن يردها إليّ إن كنت حيّا[ (2) ]، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه و لم يفي‏ء لي و لا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد و اللّه أتانا ما لا قوام لنا به، انظر أبا بكر أنّى أبايع ليزيد و يزيد رجل فاسق معلن الفسق يشرب الخمر و يلعب بالكلاب و الفهود و يبغض بقية آل الرسول!لا و اللّه لا يكون ذلك أبدا.

قال: فبينما هما كذلك في هذه المحاورة إذا رجع إليهما الرسول‏[ (3) ]فقال: أبا عبد اللّه!إن الأمير قاعد لكما خاصة تقوما إليه!قال: فزبره الحسين بن علي ثم قال: انطلق إلى أميرك لا أم لك!فمن أحب أن يصير إليه منا فإنه صائر إليه، و أما أنا فإني أصير إليه الساعة إن شاء اللّه تعالى.

قال: فرجع الرسول أيضا إلى الوليد بن عتبة فقال: أصلح اللّه الأمير!أما الحسين بن علي خاصة فقد أجاب و ها هو صائر إليك في إثري، فقال مروان بن الحكم: غدر و اللّه الحسين!فقال الوليد: مهلا!فليس مثل الحسين يغدر[ (4) ]و لا يقول شيئا ثم لا يفعل.

قال: ثم أقبل الحسين على من بحضرته فقال: قوموا إلى منازلكم فإني صائر إلى هذا الرجل فأنظر ما عنده و ما يريد. فقال له ابن الزبير: جعلت فداك يا ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!إنّي خائف عليك أن يحبسوك عندهم فلا يفارقونك أبدا دون أن تبايع أو تقتل. فقال الحسين: إني لست أدخل عليه وحدي، و لكن أجمع أصحابي إليّ و خدمي و أنصاري و أهل الحق من شيعتي، ثم آمرهم أن يأخذ كل واحد سيفه مسلولا تحت ثيابه ثم يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم و قلت: يا آل الرسول ادخلوا! دخلوا و فعلوا ما أمرتهم به، فأكون على الامتناع، و لا أعطي المقادة و المذلة من [ (1) ]هي كنية عبد اللّه بن الزبير.

[ (2) ]راجع ما لاحظناه-في المجلد الثاني-حول صلح الحسن و معاوية.

[ (3) ]لم يرد خبر رجوع الرسول إليهما في أي من المصادر.

[ (4) ]بالأصل «يقدر» و ما أثبتناه يوافق السياق.

13

نفسي، فقد علمت و اللّه أنه جاء من الأمر ما لا قوام به، و لكن قضاء اللّه ماض فيّ و هو الذي يفعل في بيت رسوله عليه السلام ما يشاء و يرضى.

قال: ثم صار الحسين بن علي إلى منزله ثم دعا بماء، فلبس و تطهّر بالماء و قام فصلى ركعتين و دعا ربه بما أحب في صلاته، فلما فرغ من ذلك أرسل إلى فتيانه و عشيرته و مواليه و أهل بيته فأعلمهم بشأنه ثم قال: كونوا بباب هذا الرجل فإني ماض إليه و مكلمه، فإن سمعتم أن صوتي قد علا و سمعتم كلامي و صحت بكم فادخلوا يا آل الرسول و اقتحموا من غير إذن ثم اشهروا السيوف و لا تعجلوا، فإن رأيتم ما تكرهون فضعوا سيوفكم ثم اقتلوا من يريد قتلي! ثم خرج الحسين من منزله و في يده قضيب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و هو في ثلاثين رجلا[ (1) ]من أهل بيته و مواليه و شيعته، حتى أوقفهم على باب الوليد بن عتبةثم قال:

انظروا ما ذا أوصيتكم فلا تتعدوه و أنا أرجو أن أخرج إليكم سالما إن شاء اللّه.

قال: ثم دخل الحسين على الوليد بن عتبة فسلّم عليه فرد عليه ردا حسنا ثم أدناه و قرّبه، قال: و مروان بن الحكم هناك جالس في مجلس الوليد، و قد كان بين مروان و بين الوليد منافرة و مفاوضة، فأقبل الحسين على الوليد فقال: أصلح اللّه الأمير!و الصلاح خير من الفساد، و الصلة خير من الخشناء و الشحناء[ (2) ]و قد آن لكما أن تجتمعا، فالحمد للّه الذي ألّف بينكما، قال: فلم يجيباه في هذا بشي‏ء. فقال الحسين: هل أتاكم من معاوية كائنة خبر فإنه كان عليلا و قد طالت علته، فكيف حاله الآن؟قال: فتأوّه الوليد و تنفّس الصعداء و قال: أبا عبد اللّه!أجرك اللّه في معاوية فقد كان لك عمّ صدق و قد ذاق الموت، و هذا الكتاب أمير المؤمنين يزيد.

فقال الحسين: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، و عظّم اللّه لك الأجر أيّها الأمير، و لكن لما ذا دعوتني؟فقال: دعوتك للبيعة، فقد اجتمع عليه الناس. فقال الحسين: إن مثلي لا يعطي بيعته سرّا[ (3) ]، و إنما أحبّ أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة، و لكن إذا كان من الغد و دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم فيكون أمرنا واحدا[ (4) ]:

[ (1) ]في الأخبار الطوال ص 227: فجمع نفرا من مواليه و غلمانه. ثم مشى نحو دار الإمارة.

[ (2) ]في الطبري: و الصلة خير من القطيعة.

[ (3) ]زيد في الطبري: «و لا أراك تجتزئ بها مني سرا» و في الإمامة و السياسة: «لا خير في بيعة سر، و الظاهرة خير. فإذا حضر الناس كان أمرا واحدا» .

[ (4) ]في الأخبار الطوال: و أنا طوع يديك، فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، و كنت واحدا منهم.

14

فقال له الوليد: أبا عبد اللّه!لقد قلت فأحسنت في القول و أحببت جواب مثلك و كذا ظنّي بك، فانصرف راشدا على بركة اللّه حتى تأتيني غدا مع الناس!فقال مروان بن الحكم: أيّها الأمير!إنه إذا فارقك في هذه الساعة لم يبايع فإنّك لن تقدر منه و لا تقدر على مثلها، فاحبسه عندك و لا تدعه يخرج أو يبايع و إلا فاضرب عنقه. قال:

فالتفت إليه الحسين و قال: ويلي عليك يا ابن الزرقاء!أتأمر بضرب عنقي، كذبت و اللّه‏[ (1) ]، و اللّه لو رام ذلك أحد من الناس لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك، و إن شئت ذلك فرم ضرب عنقي إن كنت صادقا. قال: ثم أقبل الحسين على الوليد بن عتبة و قال: أيّها الأمير!إنا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة و محل الرحمة و بنا فتح اللّه و بنا ختم، و يزيد رجل فاسق شارب خمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، مثلي لا يبايع لمثله، و لكن نصبح و تصبحون و ننتظر و تنتظرون أيّنا أحق بالخلافة و البيعة.

قال: و سمع من بالباب الحسين فهمّوا بفتح الباب و إشهار السيوف، فخرج إليهم الحسين سريعا فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، و أقبل الحسين إلى منزله‏[ (2) ].

فقال مروان بن الحكم للوليد بن عتبة: عصيتني حتى انفلت الحسين من يدك، أما و اللّه لا تقدر على مثلها أبدا، و و اللّه ليخرجنّ عليك و على أمير المؤمنين فاعلم ذلك، فقال له الوليد بن عتبة: ويحك!أشرت عليّ بقتل الحسين و في قتله ذهاب ديني و دنياي، و اللّه ما أحبّ أن أملك الدنيا بأسرها[ (3) ]و أني قتلت الحسين بن علي ابن فاطمة الزهراء، و اللّه ما أظن أحدا يلقى اللّه بقتل الحسين إلا و هو خفيف الميزان عند اللّه‏[يوم القيامة][ (4) ]لا ينظر إليه و لا يزكيه و له عذاب أليم. قال:

فسكت مروان‏[ (5) ].

و بعث الوليد إلى عبد اللّه بن الزبير فدعاه، فأرسل إليه ابن الزبير: أيها [ (1) ]في الطبري: كذبت و اللّه و أثمت. و في ابن الأثير: كذبت و اللّه و لؤمت.

[ (2) ]الطبري: فخرجوا معه حتى أتى منزله.

[ (3) ]في الطبري: قال الوليد: وبخ غيرك يا مروان، إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، و اللّه ما أحبّ أن لي ما طلعت عليه الشمس و غربت عنه من مال الدنيا و ملكها، و أني قتلت حسينا.

[ (4) ]زيادة عن الطبري.

[ (5) ]في الإمامة و السياسة: فقال له مروان مستهزئا: إن كنت إنما تركت ذلك لذلك فقد أصبت. (و فيه خالد بن الحكم بدل الوليد بن عتبة و هو خطأ) ، و زيد في الطبري: يقول له هذا و هو غير الحامد له على رأيه.

15

الأمير!لا تعجل فإني لك على ما تحب و أنا صائر إليك إن شاء اللّه!قال: فأبى الوليد بن عتبة ذلك و جعل يرسل إليه رسولا بعد رسول حتى أكثر عليه من الرسل.

قال: و جعل أصحاب الوليد بن عتبة ينادون عبد اللّه بن الزبير و يقولون: يا ابن الكاهلية!و اللّه لتأتين الأمير و لتبايعنه أو لنقتلنك‏[ (1) ]. قال: فأقبل جعفر بن الزبير حتى دخل على الوليد بن عتبة فسلّم و قال: أصلح اللّه الأمير كفّ عن عبد اللّه فإنّك قد دعوته و أنا صائر به إليك غدا إن شاء اللّه‏[ (2) ]و لا تلجّ به و مر أصحابك أن ينصرفوا عنه فإنّك لن ترى منه إلا ما تحبّ. فأقبل الوليد على جعفر بن الزبير، فقال الوليد لجعفر: إن مثلي و مثل أخيك كما قال اللّه تعالى: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [ (3) ]. فأمسك الوليد عن عبد اللّه بن الزبير يومه ذلك، و أرسل إلى الرسل فأمرهم بالانصراف عنه‏[ (4) ].

فلما كان في نصف الليل و هدأت العيون خرج عبد اللّه بن الزبير و معه إخوته بأجمعهم، فقال عبد اللّه لإخوته: خذوا عليهم غير المحجّة فإني أيضا آخذ عليها مخافة أن يلحقنا الطلب. قال: فتفرق عنه إخوته و مضى عبد اللّه و معه أخوه جعفر، ليس معهما ثالث، فأخذ على مجهول الطريق إلى مكة[ (5) ]. و أصبح الوليد ففقد أولاد الزبير و علم أن عبد اللّه قد هرب إلى مكة، فغضب لذلك و ضاق به ذرعا، فقال له مروان: إن الأمير أبقاه اللّه إذا استشار أمراء المعرفة و النصيحة و أشاروا عليه فلم يقبل فيكون قد أخطأ وضيع الحزم، و الآن فأنا أعلم أنه ما أخطأ طريق مكة فسرّح في طلبه الرجال من قبل أن يمعن في المسير قال: فدعا الوليد برجل يقال له حبيب بن كزبر[ (6) ] فوجه به في ثلاثين‏[ (7) ]راكبا من موالي بني أمية في طلب عبد اللّه بن الزبير[ (8) ].

ثم أرسل إلى كل من كان من شيعة عبد اللّه بن الزبير فأخذه و حبسه و فيمن [ (1) ]في الطبري: أو ليقتلنك.

[ (2) ]في الطبري: كف عن عبد اللّه فإنك قد أفزعته و ذعرته بكثرة رسلك و هو آتيك غدا إن شاء اللّه.

[ (3) ]سورة هود الآية 81.

[ (4) ]ورد في الإمامة و السياسة 1/226 أن الحسين بن علي و عبد اللّه بن الزبير كانا سوية و دخلا معا إلى الوليد و خرجا معا على أن يأتيانه الصبح عند ما يدعو الوليد الناس للبيعة.

[ (5) ]في الطبري: فأخذ طريق الفرع... و تجنب الطريق الأعظم مخافة الطلب و توجه نحو مكة.

[ (6) ]في الأخبار الطوال: حبيب بن كدين.

[ (7) ]كذا بالأصل و الأخبار الطوال، و في الطبري 5/341: ثمانين.

[ (8) ]زيد في الطبري: فطلبوه فلم يقدروا عليه. ـ

16

حبس يومئذ ابن عم لعمر بن الخطاب يقال له عبد اللّه بن مطيع بن الأسود العدوي، و أمه يقال لها العجماء[ (1) ]بنت عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب الخزاعية[ (2) ].

قال: و حبس أيضا مصعب بن عبد الرحمن بن عوف.

قال: فمشى رجال من بني عدي إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقالوا: يا أبا عبد الرحمن!إن صاحبنا عبد اللّه بن مطيع قد حبس مظلوما لا ذنب له، و اللّه لتخرجنه أو لتموتن‏[ (3) ]من دونه. فقال لهم ابن عمر: لا تعجلوا بالفتنة و لا تسارعوا إليها، فكم من رجل قد أفسدت الفتنة عليه دينه و دنياه. قال: ثم أرسل ابن عمر إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه، و قال: يا معشر بني أمية!استعينوا باللّه و بالحق على إقامة دينكم و دنياكم، و لا تظلموا فإن الظلم مرتعه وخيم، و لا تأخذوا بالظنة و التهمة، فإنكم إن استقمتم أعانكم اللّه و إن ظلمتم وكلكم اللّه إلى أنفسكم، فكفوا عن صاحبنا هذا عبد اللّه بن مطيع و خلوا سبيله فإنا لا نعلم أن لكم عليه سبيل و لا حقّ تحبسونه به، فإن زعمتم أنكم ما حبستموه إلا لحق فافعلوا ذلك، و إن كنتم إنما حبستموه على الظن فإنّا لا ندع صاحبنا يحبس مظلوما. فقال مروان: إنما نحن حبسناه بأمر أمير المؤمنين يزيد و عليكم‏[ (4) ]أن تكتبوا في ذلك إلى أمير المؤمنين و نكتب نحن أيضا فإنه لا يكون إلا ما تحبون. قال: فوثب أبو جهم بن حذيفة[ (5) ]العدوي فقال: نكتب و تكتبون و ابن العجماء محبوس؟لا و اللّه لا يكون ذلك أبدا.

ثم وثب بنو[ (6) ]عدي فجعلوا يحضرون حتى صاروا إلى باب السجن، فاقتحموا على عبد اللّه بن مطيع فأخرجوه و أخرجوا كل من كان في السجن و لم يتعرض إليهم أحد. فاغتم لذلك الوليد بن عتبة و أراد أن يكتب بذلك إلى يزيد، فلبث و لم يكتب.

قال: و أصبح الحسين من الغد خرج من منزله ليستمع الأخبار، فإذا هو [ (1) ]من الترجمة الفارسية، و بالأصل «العمقاء» .

[ (2) ]في نسب قريش: أم هشام و اسمها أميمة بنت أبي الخيار بن أبي عمر بن عامر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث.

[ (3) ]بالأصل: لتموتن.

[ (4) ]بالأصل «و لا عليلم» خطأ.

[ (5) ]بالأصل «خليفة» خطأ و ما أثبتناه عن الإصابة.

[ (6) ]بالأصل «بني» تصحيف.

17

بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه، فقال: أبا عبد اللّه!إني لك ناصح فأطعني ترشد و تسدد،

فقال الحسين: و ما ذلك قل حتى أسمع!فقال مروان: أقول إنّي آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد فإنه خولك في دينك و دنياك، قال: فاسترجع الحسين و قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ و على الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم أقبل الحسين على مروان و قال: ويحك!أ تأمرني ببيعة يزيد و هو رجل فاسق!لقد قلت شططا من القول يا عظيم الزلل!لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي لعنك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، فإن من لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لا يمكن له و لا منه‏[إلا]أن يدعو إلى بيعة يزيد. ثم قال: إليك عني يا عدو اللّه!فإنا أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و الحق فينا و بالحق تنطق ألسنتنا، و قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «الخلافة محرمة على آل أبي سفيان و على الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فافقروا بطنه» فو اللّه لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به، قاتلهم اللّه بابنه يزيد!زاده اللّه في النار عذابا. قال: فغضب مروان بن الحكم من كلام الحسين ثم قال: و اللّه!لا تفارقني أو تبايع ليزيد بن معاوية صاغرا، فإنكم آل أبي تراب قد ملئتم كلاما و أشربتم بغض‏[ (1) ]آل بني سفيان، و حق عليكم أن تبغضوهم و حق عليهم أن يبغضوكم.

قال: فقال له الحسين: ويلك يا مروان!إليك عني فإنك رجس و إنا أهل بيت الطهارة الذين أنزل اللّه عزّ و جلّ على نبيه محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . [ (2) ]قال: فنكس مروان رأسه لا ينطق بشي‏ء، فقال له الحسين: أبشر يا بن الزرقاء بكل ما تكره من الرسول عليه السلام يوم تقدم على ربك فيسألك جدي عن حقي و حق يزيد.

قال: فمضى مروان مغضبا حتى دخل على الوليد بن عتبة فخبره بما سمع من الحسين بن علي.

قال: فعندها كتب الوليد[ (3) ]إلى يزيد بن معاوية يخبره بما كان من أهل المدينة [ (1) ]بالأصل «بعض» و السياق يقتضي ما أثبتناه.

[ (2) ]سورة الأحزاب الآية 33.

[ (3) ]في المقتل لأبي مخنف: بسم اللّه الرحمن الرحيم إلى عبد اللّه يزيد أمير المؤمنين من عتبة (كذا) ابن أبي سفيان، أما بعد فإن الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة و لا بيعة فرأيك في أمره و السلام» .

و لم نجد نسخة الكتاب في أي من المصادر، خاصة أنها أجمعت على أن الحسين قد خرج من المدينة بعد خروج ابن الزبير عنها بليلة. (انظر الطبري-ابن الأثير-الأخبار الطوال) .

18

و ما كان من ابن الزبير و أمر السجن، ثم ذكر له بعد ذلك أمر الحسين بن علي أنه ليس‏[ (1) ]يرى لنا عليه طاعة و لا بيعة. قال: فلما ورد الكتاب على يزيد غضب لذلك غضبا شديدا، و كان إذا غضب انقلبت عيناه فعاد أحول، قال: فكتب إلى الوليد بن عتبة.

ذكر كتاب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة

من عبد اللّه يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، و ذر عبد اللّه بن الزبير فإنه لن يفوتنا و لن ينجو منا أبدا ما دام حيا، و ليكن مع جوابك إليّ رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل و لك عندي الجائزة و الحظ الأوفر و النعمة واحدة و السلام.

قال: فلما ورد الكتاب على الوليد بن عتبة و قرأه تعاظم ذلك و قال: لا و اللّه لا يراني اللّه قاتل الحسين بن علي!و أنا[لا][ (2) ]أقتل ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها.

قال: و خرج الحسين بن علي من منزله ذات ليلة و أتى إلى قبر جده صلّى اللّه عليه و سلّم فقال:

السلام عليك يا رسول اللّه!أنا الحسين ابن فاطمة، أنا فرخك و ابن فرختك و سبطك‏[ (3) ]في الخلف‏[ (4) ]الذي خلفت على أمتك فاشهد عليهم يا نبي اللّه أنهم قد خذلوني و ضيعوني و أنهم لم يحفظوني، و هذا شكواي إليك حتى ألقاك-صلّى اللّه عليك و سلّم-. ثم وثب قائما و صفّ قدميه و لم يزل راكعا و ساجدا.

قال: و أرسل الوليد بن عتبة إلى منزل الحسين لينظر هل خرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله فقال: الحمد للّه الذي لم يطالبني اللّه عزّ و جلّ بدمه!و ظن أنه خرج من المدينة.

قال: و رجع الحسين إلى منزله مع الصبح، فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى [ (1) ]بالأصل: «أليس» .

[ (2) ]زيادة اقتضاها السياق.

[ (3) ]في الأصل «و سبطا» .

[ (4) ]في الأصل «الخلق» و لا معنى لها هنا. و ما أثبتناه يوافق ما ورد بعدها.

19

القبر أيضا فصلى ركعتين‏[ (1) ]، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللّهم!إن هذا قبر نبيك محمد و أنا ابن بنت محمد و قد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهم!و إنّي أحب المعروف و أكره المنكر، و أنا أسألك يا ذا الجلال و الإكرام بحق هذا القبر و من فيه ما[ (2) ]اخترت من أمري هذا ما هو لك رضى.

قال: ثم جعل الحسين يبكي حتى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة، فرأى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قد أقبل في كبكبة من الملائكة عن يمينه و عن شماله و من بين يديه و من خلفه حتى ضم الحسين إلى صدره و قبل بين عينيه و قال: يا بني!يا حسين!كأنك عن قريب أراك مقتولا مذبوحا بأرض كرب و بلاء من عصابة من أمتي و أنت في ذلك عطشان لا تسقى و ظمآن لا تروى و هم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم لا أنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة!فما لهم عند اللّه من خلاق، حبيبي يا حسين!إن أباك و أمك‏[و أخاك‏][ (3) ]قد قدموا عليّ و هم إليك مشتاقون، و إن لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة. قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جده صلّى اللّه عليه و سلّم و يسمع كلامه و هو يقول: يا جداه!لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبدا فخذني إليك و اجعلني معك إلى منزلك. قال: فقال له النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: يا حسين!إنه لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة و ما كتب اللّه لك فيها من الثواب العظيم فإنك‏[ (4) ]و أباك و أخاك و عمك و عم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة

[ (5) ].

قال: فانتبه الحسين من نومه فزعا مذعورا فقص رؤياه على أهل بيته و بني عبد المطلب، فلم يكن ذلك اليوم في شرق و لا غرب أشد غما من أهل بيت الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم و لا أكثر منه باكيا و باكية.

و تهيأ الحسين بن علي و عزم على الخروج من المدينة و مضى في جوف الليل إلى قبر أمه فصلى عند قبرها و ودعها، ثم قام عن قبرها و صار إلى قبر أخيه الحسن [ (1) ]بالأصل «ركعتان» .

[ (2) ]بالأصل: «إلاّ ما» .

[ (3) ]زيادة اقتضاها السياق، باعتبار ما ورد «قدموا عليّ و هم إليك مشتاقون» .

[ (4) ]بالأصل: فإني.

[ (5) ] قال الحدادي: فرفع النبي (ص) يديه و رأسه إلى السماء فقال: اللّهم أفرغ على حبيبي الصبر و أعظم له الأجر» (عن هامش المقتل) .

20

ففعل مثل ذلك ثم رجع إلى منزله. و في وقت الصبح أقبل إليه أخوه محمد ابن الحنفية.

ذكر وصية الحسين بن علي إلى أخيه محمد ابن الحنفية

قال: فلم جاء إليه محمد ابن الحنفية رضي اللّه عنه قال: يا أخي فدتك نفسي!أنت أحب الناس إليّ‏و أعزهم عليّ و لست و اللّه أدخر النصيحة لأحد من الخلق و ليس أحد أحق بها منك فإنك كنفسي و روحي و كبير أهل بيتي و من عليه اعتمادي و طاعته في عنقي لأن اللّه تبارك و تعالى قد شرفك و جعلك من سادات أهل الجنة. و إني أريد أن أشير عليك برأيي فاقبله مني.

فقال له الحسين: قل ما بدا لك!فقال: أشير عليك أن تنجو نفسك‏[ (1) ]عن يزيد بن معاوية و عن الأمصار[ (2) ]ما استطعت، و أن تبعث رسلك إلى الناس و تدعوهم‏[ (3) ]إلى بيعتك فإني إن بايعك الناس‏[ (4) ]و تابعوك حمدت اللّه على ذلك، و قمت فيهم بما يقوم فيهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و الخلفاء الراشدون المهديون من بعده حتى يتوفاك اللّه و هو عنك راض و المؤمنون كذلك كما رضوا عن أبيك و أخيك، و إن أجمع الناس على غيرك حمدت اللّه على ذلك‏[ (5) ]، و إني خائف عليك أن تدخل مصرا من الأمصار أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون فتكون طائفة منهم معك و طائفة عليك فتقتل منهم. فقال له الحسين: يا أخي!إلى أين أذهب؟قال: أخرج إلى مكة فإن اطمأنت بك الدار فذاك الذي تحب و أحب، و إن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن فإنهم أنصار جدك و أخيك و أبيك، و هم أرأف الناس و أرقهم قلوبا و أوسع الناس بلادا و أرجحهم عقولا، فإن اطمأنت بك أرض اليمن و إلا لحقت بالرمال و شعوب الجبال و صرت من بلد إلى بلد لتنظر[ (6) ]ما يؤول إليه أمر الناس و يحكم بينك و بين القوم الفاسقين. فقال له الحسين:

[ (1) ]في الطبري: «تنحّ بتبعتك» و في ابن الأثير: ببيعتك.

[ (2) ]عن الطبري: و ابن الأثير و ابن كثير، و بالأصل «الأنصار» .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: فادعهم إلى نفسك.

[ (4) ]في ابن الأثير و الطبري: فإن بايعوا لك.

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: لم ينقص اللّه بذلك دينك و لا عقلك و لا يذهب به مروءتك و لا فضلك.

[ (6) ]في الطبري و ابن الأثير: حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، و تعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأيا و أحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا و لا تكون عليك الأمور أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا.

21

يا أخي!و اللّه لو لم يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوى لما بايعت و اللّه يزيد بن معاوية أبدا و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) : «اللّهم!لا تبارك في يزيد» قال: فقطع عليه محمد ابن الحنفية الكلام و بكى فبكى معه الحسين ساعة ثم قال: جزاك اللّه يا أخي عني خيرا!و لقد نصحت و أشرت بالصواب و أنا أرجو أن يكون إن شاء اللّه رأيك موفقا مسددا، و إني قد عزمت على الخروج إلى مكة و قد تهيأت لذلك أنا و إخوتي و بنو إخوتي و شيعتي و أمرهم أمري و رأيهم رأيي. و أما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا عليهم و لا تخف عليّ شيئا من أمورهم.

قال: ثم دعا الحسين بدواة و بياض و كتب فيه‏.

وصية الحسين رضي اللّه عنه لأخيه محمد رضي اللّه عنه‏

فكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمد ابن الحنفية المعروف ولد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه:

إن الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، جاء بالحق من عنده، و أن الجنة حق و النار حق. و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور، و إني لم أخرج أشرا و لا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما، و إنما خرجت لطلب النجاح و الصلاح في أمة جدي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) أريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر و أسير بسيرة جدي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سيرة أبي علي بن أبي طالب و سيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي اللّه عنهم، فمن قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق، و من ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي‏[اللّه‏][ (1) ]بيني و بين القوم بالحق و يحكم بيني و بينهم [بالحق‏][ (2) ]و هو خير الحاكمين، هذه وصيتي إليك يا أخي!و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب، و السلام عليك و على من اتبع الهدى، و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.

قال: ثم طوى الكتاب الحسين و ختمه بخاتمه‏و دفعه إلى أخيه محمد ابن الحنفية ثم ودعه و خرج في جوف الليل يريد مكة بجميع أهله‏[ (3) ]، و ذلك لثلاث ليال [ (1) ]زيادة عن المقتل لأبي مخنف.

[ (2) ]زيادة عن المقتل لأبي مخنف.

[ (3) ]في الأخبار الطوال ص 228 مضى... و معه أختاه أم كلثوم و زينب و ولد أخيه و إخوته أبو بكر و جعفر و العباس و عامة من كان بالمدينة من أهل بيته إلاّ أخاه محمد ابن الحنفية.

22

مضين من شهر شعبان‏[ (1) ]في سنة ستين، فجعل يسير و يقرأ هذه الآية: فَخَرَجَ مِنْهََا خََائِفاً يَتَرَقَّبُ قََالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ [ (2) ]، فقال له ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب: يا ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!لو عدلنا عن الطريق و سلكنا غير الجادة كما فعل عبد اللّه بن الزبير كان عندي الرأي، فإنا نخاف أن يلحقنا الطلب! فقال له الحسين: لا و اللّه يا بن عمي!لا فارقت هذا الطريق أبدا أو أنظر إلى أبيات مكة أو يقضي اللّه في ذلك ما يحب و يرضى، ثم جعل الحسين يتمثل بشعر يزيد بن المفرغ الحميري و هو يقول‏[ (3) ]:

لا سهرت السوام في فلق الصبـ # ح مضيئا و لا دعيت يزيدا[ (4) ]

يوم أعطى من المخافة ضيـ # ما و المنايا يرصدنني أن أحيدا

قال: فبينما الحسين كذلك بين المدينة و مكة إذا استقبله عبد اللّه بن مطيع العدوي‏[ (5) ]فقال: أين تريد أبا عبد اللّه جعلني اللّه فداك!قال: أما[ (6) ]في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت اللّه تعالى في أمري بعد ذلك.

فقال له [ (1) ]في الطبري: ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب.

[ (2) ]سورة القصص الآية 21.

[ (3) ]من أبيات في الطبري 5/342 ابن الأثير 2/531 الشعر و الشعراء ص 1/322 مروج الذهب 3/67 تهذيب ابن عساكر 4/329 الأغاني 8/287 باختلاف في الألفاظ.

[ (4) ]قبله:

حتى ذا الزور و انهه أن يعودا # إن بالباب حارسين قعودا

[ (5) ]ورد خبر استقبال عبد اللّه بن مطيع العدوي في الأخبار الطوال ص 228 و ابن الأثير 2/533. و قد تقدم قبل قليل أن الوليد بن عتبة قد حبس عبد اللّه بن مطيع بعد خروج ابن الزبير من المدينة. و أنه كتب إلى يزيد أن بني عدي قد أخرجوه عنوة من السجن و أخبره بامتناع الحسين بن علي (رض) عن البيعة.

الرواية يعني رواية سجن ابن مطيع-ضعيفة من وجوه:

-اتفاق الروايات على خروج الحسين بن علي من المدينة بعد ابن الزبير بليلة.

-لقاؤه ابن مطيع قادما من مكة إلى المدينة، و المفترض حسب رواية ابن الأعثم أن يكون في السجن.

-و إن كان قد أخرج من السجن، كيف انتقل من المدينة إلى مكة و عاد منها و التقى الحسين بن علي خلال الطريق، و قد خرج الحسين بن علي بعد ابن الزبير بليلة. هذا يضعف رواية ابن الأعثم، و يضعف خبر رسالة الوليد إلى يزيد بشأن قضية السجن، و امتناع الحسين عن البيعة.

[ (6) ]في ابن الأثير: أما الآن فمكة.

23

عبد اللّه بن مطيع: خار[ (1) ]اللّه لك يا ابن بنت رسول اللّه فيما قد عزمت عليه غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني،

فقال له الحسين. و ما هي يا ابن مطيع؟قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة[ (2) ]فيها قتل أبوك و أخوك‏[ (3) ]بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فو اللّه لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك و السلام. قال: فودعه الحسين و دعا له بخير و سار حتى وافى مكة، فلما نظر إلى جبالها[ (4) ]من بعيد جعل يتلو هذه الآية: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ قََالَ عَسى‏ََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ

[ (5) ].

و دخل الحسين إلى مكة ففرح به أهلها فرحا شديدا. قال: و جعلوا يختلفون إليه بكرة و عشية، و اشتد ذلك على عبد اللّه بن الزبير لأنه قد كان طمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين شق ذلك عليه، غير أنه لا يبدي ما في قلبه إلى الحسين لكنه يختلف إليه و يصلي بصلاته و يقعد عنده و يسمع من حديثه و هو مع ذلك يعلم أنه لا يبايعه أحد من أهل مكة و الحسين بن علي بها، لأن الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير[ (6) ].

قال: و بلغ ذلك أهل الكوفة أن الحسين بن علي قد صار إلى مكة. و أقام الحسين بمكة باقي شهر شعبان و رمضان و شوال و ذي‏[ (7) ]القعدة. قال: و بمكة يومئذ عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم، فأقبلا جميعا حتى دخلا على الحسين و قد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة فقال له ابن عمر: أبا عبد اللّه!رحمك اللّه اتق‏[ (8) ]اللّه الذي إليه معادك!فقد عر فت من عداوة أهل هذا البيت لكم و ظلمهم إياكم، و قد ولي الناس هذا الرجل، يزيد بن معاوية، و لست [ (1) ]أي جعل لك الخير.

[ (2) ]في الأخبار الطوال ص 228 و ابن الأثير 2/533 فإياك و الكوفة فإنها بلدة مشؤومة.

[ (3) ]الأخبار الطوال و ابن الأثير: و بها خذل أخوك.

[ (4) ]في النسخ: «حالها» و ما أثبتناه الصواب.

[ (5) ]سورة القصص الآية 22.

[ (6) ]في البداية و النهاية 8/175 أن ابن الزبير كان يغدو و يروح إلى الحسين و يشير عليه أن يقدم العراق، و يقول: هم شيعتك و شيعة أبيك.

[ (7) ]بالأصل: ذو.

[ (8) ]بالأصل: اتقي.

24

آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه‏[ (1) ]الصفراء و البيضاء فيقتلونك‏[ (2) ]و يهلك فيك بشر كثير،

فإني قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو يقول: «حسين مقتول، و لئن قتلوه و خذلوه و لن ينصروه ليخذلهم اللّه إلى يوم القيامة!»

و أنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس، و اصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعل اللّه أن يحكم بينك و بين القوم الظالمين.

فقال له الحسين: أبا عبد الرحمن!أنا أبايع يزيد و أدخل في صلحه و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيه و في أبيه ما قال؟فقال ابن عباس: صدقت أبا عبد اللّه!قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في حياته: «ما لي و ليزيد لا بارك اللّه في يزيد!و إنه يقتل و لدي و ولد ابنتي الحسين رضي اللّه عنه، و الذي نفسي بيده!لا يقتل ولدي بين ظهراني‏[ (3) ]قوم فلا يمنعونه إلا خالف اللّه بين قلوبهم و ألسنتهم!ثم بكى ابن عباس و بكى معه الحسين و قال: يا ابن عباس!تعلم أني ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: فقال ابن عباس: اللّهم نعم نعلم و نعرف أن ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غيرك، و أن نصرك لفرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة و الزكاة التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأخرى. قال الحسين: يا ابن عباس!فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من داره و قراره و مولده و حرم رسوله و مجاورة قبره و مولده و مسجده و موضع مهاجره، فتركوه خائفا مرعوبا لا يستقر في قرار و لا يأوي في موطن، يريدون في ذلك قتله و سفك دمه و هو لم يشرك باللّه شيئا و لا اتخذ من دونه وليا، و لم يتغير عما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و الخلفاء من بعده؟فقال ابن عباس: ما أقول فيهم‏[إلا][ (4) ] أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللََّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لاََ يَأْتُونَ اَلصَّلاََةَ إِلاََّ وَ هُمْ كُسََالى‏ََ [ (5) ] يُرََاؤُنَ اَلنََّاسَ وَ لاََ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ إِلاََّ قَلِيلاً*`مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذََلِكَ لاََ إِلى‏ََ هََؤُلاََءِ وَ لاََ إِلى‏ََ هََؤُلاََءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً [ (6) ]و على مثل هؤلاء تنزل‏[ (7) ]البطشة الكبرى، و أما أنت يا ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فإنك رأس الفخار برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ابن نظيره البتول، فلا تظن يا ابن بنت رسول اللّه أن اللّه غافل عما يعمل [ (1) ]في الأصل «لكان هذا» .

[ (2) ]في الأصل: يقتلونه.

[ (3) ]في الأصل: «الطهراى» .

[ (4) ]زيادة اقتضاها معنى قول ابن عباس.

[ (5) ]سورة التوبة الآية 54.

[ (6) ]سورة النساء الآيتان 142 و 143.

[ (7) ]بالأصل: ينزل.

25

الظالمون، و أنا أشهد أن من رغب عن مجاورتك و طمع في محاربتك و محاربة نبيك محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم فما له من خلاق. فقال الحسين: اللّهم اشهد!فقال ابن عباس: جعلت فداك يا ابن بنت رسول اللّه!كأنك تريدني إلى نفسك و تريد مني أن أنصرك!و اللّه الذي لا إله إلاّ هو أن لو ضربت بين يديك سيفي هذا حتى انخلع جميعا من كفي لما كنت ممن أوفي من حقك عشر العشر!و ها أنا بين يديك مرني بأمرك. فقال ابن عمر: مهلا ذرنا من هذا يا ابن عباس.

قال: ثم أقبل ابن عمر على الحسين فقال: أبا عبد اللّه!مهلا عمّا قد عزمت عليه و ارجع من هنا إلى المدينة و ادخل في صلح القوم و لا تغب عن وطنك و حرم جدك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و لا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة و سبيلا، و إن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتى ترى برأيك فإنّ يزيد بن معاوية- لعنه اللّه-عسى أن لا يعيش إلا قليلا فيكفيك اللّه أمره. فقال الحسين: أفّ لهذا الكلام أبدا ما دامت السماوات و الأرض!أسألك باللّه يا عبد اللّه أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟فإن كنت عندك على خطأ فردني فإني أخضع و أسمع و أطيع، فقال ابن عمر: اللّهم لا و لم يكن اللّه تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ، و ليس مثلك من طهارته و صفوته من الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم على مثل يزيد بن معاوية-لعنه اللّه-باسم الخلافة، و لكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف و ترى من هذه الأمة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة و إن لم تحب أن تبايع فلا تبايع أبدا و اقعد في منزلك. فقال الحسين: هيهات يا ابن عمر!إن القوم لا يتركوني و إن أصابوني و إن لم يصيبوني فلا يزالون حتى أبايع و أنا كاره أو يقتلوني، أما تعلم يا[ (1) ] عبد اللّه!أن من هوان هذه الدنيا على اللّه تعالى أنه أتي برأس يحيى بن زكريا عليه السلام إلى بغية من بغايا[ (2) ]بني إسرائيل و الرأس ينطق بالحجة عليهم؟أما تعلم أبا عبد الرحمن!أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس‏[ (3) ]سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون و يشترون كلهم كأنهم لم يصنعوا شيئا، فلم يعجل اللّه عليهم، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، اتق اللّه أبا عبد الرحمن و لا تدعن نصرتي و اذكرني في صلاتك، فو الذي بعث جدي [ (1) ]بالأصل «يا أبا عبد اللّه» .

[ (2) ]بالأصل «بقية من بقايا» و ما أثبتناه عن المقتل لأبي مخنف.

[ (3) ]بالأصل «طلوع الشمس إلى الغروب» و ما أثبتناه عن المقتل.

26

محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم بشيرا و نذيرا لو أن أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرني كنصرته جدي و أقام من دوني قيامه بين يدي جدي، يا ابن عمر!فإن كان الخروج معي مما يصعب عليك و يثقل فأنت في أوسع العذر، و لكن لا تتركن لي الدعاء في دبر كل صلاة، و اجلس عن القوم و لا تعجل بالبيعة لهم‏حتى تعلم إلى ما تؤول الأمور.

قال: ثم أقبل الحسين على عبد اللّه بن عباس رحمه اللّه فقال: يا بن عباس! إنك ابن عم والدي، و لم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك، و كنت مع و الذي تشير عليه بما فيه الرشاد، و قد كان يستنصحك و يستشيرك فتشير عليه بالصواب، فامض إلى المدينة في حفظ اللّه و كلائه و لا يخفى عليّ شي‏ء من أخبارك فإني مستوطن هذا الحرم و مقيم فيه أبدا ما رأيت أهله يحبوني و ينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم و استعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه و سلّم يوم ألقي في النار حسبي الله و نعم الوكيل فكانت النار عليه بردا و سلاما.

قال: فبكى ابن عباس و ابن عمر في ذلك الوقت بكاء شديدا و الحسين يبكي معهما ساعة ثم ودعهما، و صار ابن عمر و ابن عباس إلى المدينة، و أقام الحسين بمكة قد لزم الصوم و الصلاة و اجتمعت الشيعة بالكوفة. ـ

27

ذكر أخبار الكوفة و ما كان من كتبهم إلى الحسين ابن علي رضي اللّه عنهما

قال: و اجتمعت الشيعة في دار سليمان بن صرد الخزاعي فلما تكاملوا في منزله قام فيهم خطيبا فحمد اللّه و أثنى و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و على أهل بيته، ثم ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فترحم عليه و ذكر مناقبه الشريفة، ثم قال: يا معشر الشيعة!إنكم قد علمتم بأن معاوية قد صار إلى ربه و قدم على عمله و سيجزيه اللّه تبارك و تعالى بما قدم من خير أو شر، و قد قعد في موضعه ابنه يزيد-زاده اللّه خزيا-و هذا الحسين بن علي قد خالفه‏[ (1) ]و صار إلى مكة خائفا من طواغيت آل أبي سفيان و أنتم شيعته و شيعة أبيه من قبله، و قد احتاج إلى نصرتكم اليوم، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه و مجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، و إن خفتم الوهن و الفشل فلا تغروا[ (2) ]الرجل من نفسه. فقال القوم: بل ننصره و نقاتل عدوه، و نقتل أنفسنا دونه حتى ينال حاجته. فأخذ عليهم سليمان بن صرد بذلك ميثاقا و عهدا أنهم لا يغدرون و لا ينكثون‏[ (3) ]. ثم قال: اكتبوا إليه الآن كتابا من جماعتكم أنكم له كما ذكرتم، و سلوه القدوم عليكم. قالوا: أ فلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟قال: لا، بل يكتب جماعتكم. قال: فكتب القوم إلى الحسين بن علي رضي اللّه عنهما.

ذكر الكتاب الأول إلى الحسين رضي اللّه عنه‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم، إلى الحسين بن علي رضي اللّه عنهما، من [ (1) ]في الطبري 5/352 قد تقبض على القوم ببيعته.

[ (2) ]عن الطبري، و بالأصل «فلا تغزوا» .

[ (3) ]في إحدى النسخ: ينكبون.

28

سليمان بن صرد و المسيب بن نجبة[ (1) ]و حبيب بن مظاهر[ (2) ]و رفاعة بن شداد و عبد اللّه بن وال و جماعة شيعته من المؤمنين‏[ (3) ]، أما بعد فالحمد للّه الذي قصم عدوّك و عدوّ أبيك من قبلك الجبار العنيد الغشوم الظلوم الذي أبتر[ (4) ]هذه الأمة و عضاها[ (5) ]و تأمر عليها بغير رضاها، ثم قتل خيارها و استبقى أشرارها[ (6) ]، فبعدا له كما بعدت ثمود![ (7) ]ثم إنه قد بلغنا أن ولده اللعين قد تأمر على هذه الأمة بلا مشورة و لا إجماع و لا علم من الأخبار، و نحن مقاتلون معك و باذلون أنفسنا من دونك فاقبل إليه فرحا مسرورا مأمونا مباركا سديدا و سيدا أميرا مطاعا إماما خليفة علينا مهديا، فإنه ليس عليك إمام و لا أمير إلا النعمان بن بشير و هو في قصر الإمارة وحيد طريد، ليس يجتمع معه في جمعة و لا يخرج معه إلى عيد و لا يؤدى إليه الخراج، يدعو فلا يجاب و يأمر فلا يطاع، و لو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنا حتى يلحق بالشام، فاقدم إلينا فلعل اللّه عزّ و جلّ أن يجمعنا بك على الحق، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته يا ابن رسول اللّه و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم» .

ثم طوى الكتاب و ختمه و دفعه إلى عبد اللّه بن سبع‏[ (8) ]الهمداني و عبد اللّه بن مسمع الكبرى‏[ (9) ]، و وجهوا بهما إلى الحسين بن علي رضي اللّه عنهما. فقرأ الحسين كتاب أهل الكوفة فسكت و لم يجبهم‏[ (10) ]بشي‏ء[ (11) ].

[ (1) ]عن الطبري 5/352 و ابن الأثير 2/533 و بالأصل: لحيه.

[ (2) ]عن الطبري و ابن الأثير، و بالأصل: مطهر.

[ (3) ]زيد في الطبري و ابن الأثير: «و المسلمين من أهل الكوفة. سلام عليك، فإنا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو» .

[ (4) ]الطبري و ابن الأثير: «الذي انتزى على هذه الأمة» و في الإمامة و السياسة: الذي اعتدى.

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: «فابتزها أمرها و غصبها فيئها و تأمر... » و في الإمامة و السياسة: فانتزعها حقوقها. و اغتصبها أمورها و غلبها على فيئها، و تأمر عليها... » .

[ (6) ]زيد في الطبري: و جعل مال اللّه دولة بين جبابرتها و أغنيائها.

[ (7) ]من هنا إلى آخر الكتاب وردت العبارة في المصادر باختلاف انظر الطبري و ابن الأثير و الإمامة و السياسة.

[ (8) ]عن الطبري و ابن الأثير و البداية و النهاية. و في الأصل: «سبلع» و في الأخبار الطوال: عبيد اللّه بن سبيع.

[ (9) ]في الطبري و ابن الأثير و ابن كثير: عبد اللّه بن وال. و في الأخبار الطوال: عبد اللّه بن وداك السلمي.

[ (10) ]بالأصل: «فلم يجيبهم» .

[ (11) ]و قد وافوا الحسين بمكة لعشر خلون من شهر رمضان كما في الأخبار الطوال ص 229 و البداية و النهاية 8/162.

29

ثم قدم عليه بعد ذلك قيس‏[ (1) ]بن مسهر الصيداوي‏[ (2) ]و عبد الرحمن بن عبد اللّه‏[ (3) ]الأرحبي و عمارة[ (4) ]بن عبيد[ (5) ]السلولي و عبد اللّه بن وال التميمي، و معهم جماعة نحو خمسين و مائة[ (6) ]، كل كتاب من رجلين و ثلاثة و أربعة، و يسألوه القدوم عليهم، و الحسين يتأني في أمره فلا يجيبهم بشي‏ء.

ثم قدم عليه بعد ذلك هانئ‏[بن-][ (7) ]هانئ السبيعي و سعيد بن عبد اللّه الحنفي‏[ (8) ]بهذا الكتاب‏[ (9) ]، و هو آخر ما ورد على الحسين من أهل الكوفة.

ذكر الكتاب الثاني‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم، للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته و شيعة أبيه، أما بعد[فحيهلا][ (10) ]فإن الناس منتظرون لا رأي لهم‏[في‏][ (10) ]غيرك، فالعجل العجل يا ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم!قد[ (11) ]اخضرّ[ت‏]الجنّات‏[ (12) ]و أينعت الثمار[ (13) ]و أعشبت الأرض و أورقت الأشجار[ (13) ]، فاقدم إذا شئت فإنما تقدم إلى جند لك مجنّد-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و على أبيك من قبلك-.

[ (1) ]الأصل و الطبري و ابن الأثير و ابن كثير، و في الأخبار الطوال، بشر.

[ (2) ]عن المصادر، و بالأصل: «و الصيدواني» و في البداية و النهاية: «الصدائي» .

[ (3) ]عن الطبري و ابن كثير. و في الأخبار الطوال: عبد الرحمن بن عبيد. و في الأصل: عبد اللّه بن عبد الرحمن.

[ (4) ]عن الطبري و ابن كثير، و بالأصل عامر.

[ (5) ]ابن كثير: عبد اللّه.

[ (6) ]في الطبري: ثلاثة و خمسين، و في الأخبار الطوال: خمسون كتابا.

[ (7) ]عن الطبري و الأخبار الطوال.

[ (8) ]في الأخبار الطوال و تاريخ اليعقوبي: الخثعمي.

[ (9) ]في الأخبار الطوال: معهما أيضا نحو خمسين كتابا.

[ (10) ]زيادة عن الطبري 5/353.

[ (11) ]كذا بالأصل، جعله كله كتابا واحدا حمله هانئ و سعيد بن عبد اللّه الحنفي. أما ما ورد في الطبري 5/353 و البداية و النهاية 8/163 فإلى هنا ينتهي كتاب هانئ بن هانئ السبيعي، و يبدأ كتاب آخر. و العبارة في الطبري:

و كتب شبث بن ربعي و حجار بن أبجر و يزيد بن الحارث و يزيد بن رويم و عزرة بن قيس (و عروة في الكامل لابن الأثير) و عمرو بن الحجاج الزبيدي و محمد بن عمير التميمي (عمر في البداية و النهاية) .

[ (12) ]في الطبري: الجناب، و في البداية و النهاية: الجنان.

[ (13) ]بدلها في الطبري: و طمت الجمام. و في البداية و النهاية: و لطمت الجمام.

30

فقال الحسين لهانئ و سعيد بن عبد اللّه الحنفي: خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب معكما إليّ!فقالا: يا أمير المؤمنين!اجتمع عليه شبث‏[ (1) ]بن ربعي و حجار بن أبجر[ (2) ]و يزيد[ (3) ]بن الحارث و يزيد بن رويم‏[ (4) ]و عروة بن قيس و عمرو[ (5) ]بن الحجاج و محمد بن عمير بن عطارد[ (6) ].

قال: فعندها قام الحسين فتطهر و صلى ركعتين بين الركن و المقام، ثم انفتل من صلاته و سأل ربه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة، ثم جمع الرسل فقال لهم:

إني رأيت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في منامي و قد أمرني بأمر و أنا ماض لأمره، فعزم اللّه لي بالخير، إنه ولي ذلك و القادر عليه إن شاء اللّه تعالى‏

.

ذكر كتاب الحسين بن علي إلى أهل الكوفة

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين‏[ (7) ]، سلام عليكم أما بعد فإن هانئ بن هانئ و سعيد بن عبد اللّه قدما عليّ بكتبكم فكانا آخر من قدم عليّ من عندكم‏[ (8) ]، و قد فهمت‏[ (9) ]الذي قد قصصتم و ذكرتم و لست أقصر عما أحببتم، و قد بعثت‏[ (10) ]إليكم أخي و ابن عمي و ثقتي‏[ (11) ]من أهل بيتي مسلم‏[ (12) ]بن عقيل بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و قد أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و رأيكم و رأي ذوي‏[ (13) ]الحجى و الفضل منكم، و هو متوجه إلى ما قبلكم إن شاء اللّه تعالى و السلام و لا قوة إلا باللّه، فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم و قرأت في كتبكم [ (1) ]بالأصل: سبت، و ما أثبت عن الطبري و البداية و النهاية.

[ (2) ]بالأصل: «الحر» انظر ما مرّ قريبا.

[ (3) ]بالأصل: يزيد. ما أثبت عن الطبري.

[ (4) ]بالأصل: زيد بن روهم. ما أثبت عن الطبري.

[ (5) ]بالأصل: عمر. ما أثبت عن الطبري.

[ (6) ]في الطبري: التميمي.

[ (7) ]زيد في الطبري: «و المسلمين» و في الأخبار الطوال: إلى من بلغه كتابي هذا، من أوليائه و شيعته بالكوفة.

[ (8) ]الطبري: من رسلكم.

[ (9) ]في الأخبار الطوال: و فهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم.

[ (10) ]في الأخبار الطوال: و إني باعث إليكم.

[ (11) ]عن الطبري و الأخبار الطوال، و بالأصل «بقيتي» .

[ (12) ]بالأصل «سليمان» و ما أثبت عن الطبري.

[ (13) ]بالأصل: «ذو» .

31

فقوموا مع ابن عمي و بايعوه و انصروه و لا تخذلوه فلعمري!ليس الإمام العادل بالكتاب و العادل بالقسط كالذي يحكم بغير الحق و لا يهدي و لا يهتدي، جمعنا اللّه و إياكم على الهدى و ألزمنا و إياكم كلمة التقوى، إنه لطيف لما يشاء-و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‏[ (1) ]-.

قال: ثم طوى الكتاب و ختمه و دعا مسلم بن عقيل رحمه اللّه فدفع إليه الكتاب و قال له: إني موجهك إلى أهل الكوفة و هذه كتبهم إليّ، و سيقضي اللّه من أمرك ما يحب و يرضى، و أنا أرجو أن أكون أنا و أنت في درجة الشهداء، فامض على بركة اللّه حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها و ادع الناس إلى طاعتي و اخذلهم عن آل أبي سفيان، فإن رأيت الناس مجتمعين‏[ (2) ]على بيعتي فعجل لي بالخبر حتى أعمل على حسب ذلك إن شاء اللّه تعالى‏

[ (3) ]، ثم عانقه و ودّعه و بكيا جميعا.

[ (1) ]انظر نسخة الكتاب في الطبري 5/353 الأخبار الطوال ص 230 ابن الأثير 2/534.

[ (2) ]الأصل: «مجتمعون» و في الطبري: مجتمعين مستوثقين.

[ (3) ]زيد في الأخبار الطوال: و إن تكن الأخرى، فعجّل بالانصراف.

32

ذكر خروج مسلم بن عقيل رضي اللّه عنه نحو العراق‏

قال: فخرج مسلم بن عقيل من مكة نحو المدينة مستخفيا لئلا يعلم به أحد من بني أمية، فلما دخل المدينة بدأ بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فصلى فيه ركعتين، ثم أقبل في جوف الليل حتى ودع من أحب من أهل بيته، ثم إنه استأجر دليلين‏[ (1) ]من قيس عيلان يدلانه على الطريق و يصحبانه‏[ (2) ]إلى الكوفة على غير الجادة. قال: فخرج به الدليلان من المدينة ليلا و سارا[ (3) ]، فغلطا الطريق و جارا عن القصد و اشتد بهما العطش فماتا جميعا عطشا[ (4) ].

قال: و كتب مسلم بن عقيل رحمه اللّه إلى الحسين: بسم اللّه الرحمن الرحيم، للحسين بن علي من مسلم بن عقيل، أما بعد فإني خرجت‏[ (5) ]من المدينة مع الدليلين‏[ (6) ]استأجرتهما فضلاّ عن الطريق و ماتا عطشا، ثم إنا صرنا إلى الماء بعد ذلك و كدنا أن نهلك فنجونا بحشاشة أنفسنا، و أخبرك يا ابن بنت رسول اللّه إنا أصبنا الماء بموضع يقال له المضيق‏[ (7) ]، و قد تطيرت من وجهي هذا الذي وجهتني به، [ (1) ]عن الطبري و الأخبار الطوال، و بالأصل «دليلان» .

[ (2) ]بالأصل «يصحبا به» .

[ (3) ]في البداية و النهاية 8/163 فسارا به على براري مهجورة المسالك.

[ (4) ]عبارة الأخبار الطوال ص 230 أن مسلم بن عقيل تركهما بعد أن اشتد عليهما العطش و الحر و لم يستطيعا المشي، فقالا لمسلم: «عليك بهذا السمت. فالزمه لعلك أن تنجو» .

[ (5) ]الطبري: أقبلت.

[ (6) ]بالأصل: الدليلان.

[ (7) ]في الطبري: «المضيق من بطن الخبيث» و في الأخبار الطوال: «بطن الحربث» . و البطن الموضع الغامض من الوادي. و البطون كثيرة.

33

فرأيك‏[ (1) ]في إعفائي منه-و السلام-.

قال: فلما قرأ كتاب مسلم بن عقيل رحمه اللّه علم أنه قد تشاءم و تطير من موت الدليلين‏[ (2) ]و أنه جزع.

فكتب إليه‏[الحسين‏]:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مسلم بن عقيل، أما بعد فإني‏[ (3) ]خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ و الاستعفاء من وجهك‏[ (4) ]هذا الذي أنت فيه إلا الجبن و الفشل فامض لما أمرت به‏[ (5) ]-و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته-.

فلما ورد الكتاب على مسلم بن عقيل كأنه وجد من ذلك في نفسه ثم قال:

و اللّه لقد نسبني أبو عبد اللّه الحسين إلى الجبن و الفشل، و هذا شي‏ء لم أعرفه من نفسي أبدا. ثم سار مسلم بن عقيل من موضعه ذلك يريد الكوفة، فإذا برجل يرمي الصيد فنظر إليه مسلم فرآه و قد رمى ظبيا فصرعه، فقال مسلم: نقتل أعداءنا[ (6) ] إن شاء اللّه تعالى.

قال: ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار سالم‏[ (7) ]بن المسيب و هي دار المختار بن‏[أبي‏][ (8) ]عبيد الثقفي‏.

[ (1) ]الطبري: فإن رأيت أعفيتني منه، و بعثت غيري، و السلام. و في الطبري أيضا: أن مسلم بن عقيل سرح كتابه إلى الحسين بن علي (رض) مع قيس بن مسهر الصيداوي. أما في الأخبار الطوال أنه أرسل الكتاب مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء، يعني «ماء المضيق» .

[ (2) ]بالأصل: الدليلان.

[ (3) ]الطبري: فقد خيشت.

[ (4) ]الطبري: من الوجه الذي وجهتك له.

[ (5) ]زيد في الأخبار الطوال: فإني غير معفيك.

[ (6) ]في الطبري: «يقتل عدونا» .

[ (7) ]الطبري: «مسلم» و في الأخبار الطوال: «دار المسيب» .

[ (8) ]سقطت من الأصل، و ما أثبتناه عن الطبري و الأخبار الطوال.

و في البداية و النهاية 8/163 أنه نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي.

34

ذكر نزول مسلم بن عقيل الكوفة و اجتماع الشيعة إليه للبيعة

قال: و جعلت الشيعة تختلف إلى دار مسلم و هو يقرأ عليهم كتاب الحسين و القوم يبكون شوقا منهم إلى قدوم الحسين. ثم تقدم إلى مسلم بن عقيل رجل من همدان يقال له عابس بن أبي شبيب الشاكري فقال: أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس بشي‏ء فإني أعلم‏[ (1) ]ما في أنفسهم، و لكني أخبرك عما أنا موطن عليه نفسي، و اللّه أجيبكم‏[ (2) ]إذا دعوتم و أقاتل معكم عدوكم و أضرب بسيفي دونكم أبدا حتى ألقى اللّه و أنا لا أريد بذلك إلا ما عنده.

ثم قام حبيب بن مظاهر[ (3) ]الأسدي الفقعسي قال: و أنا و اللّه الذي لا إله إلا هو على ما أنت‏[ (4) ]عليه. و تبايعت الشيعة على كلام هذين الرجلين ثم بذلوا الأموال، فلم يقبل مسلم بن عقيل شيئا[ (5) ].

قال: و بلغ ذلك النعمان بن بشير قدوم مسلم بن عقيل الكوفة و اجتماع الشيعة عليه-و النعمان يومئذ أمير الكوفة-فخرج من قصر الإمارة مغضبا[ (6) ]حتى دخل [ (1) ]في الطبري: و لا أعلم ما في أنفسهم.

[ (2) ]الطبري: لأجيبنكم... و لأقاتلن.. و لأضربن.

[ (3) ]بالأصل «مظهر» و ما أثبت عن الطبري.

[ (4) ]الطبري: على مثل ما هذا عليه.

[ (5) ]في البداية و النهاية 8/163 اجتمع على بيعته من أهل الكوفة اثنا عشر ألفا ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا.

[ (6) ]كذا، و عبارة البداية و النهاية: أنه لما أخبر خبر مسلم بن عقيل ضرب عن ذلك صفحا و لم يعبأ به. و عبارة الأخبار الطوال أنه كان يحب العافية و يغتنم السلامة. و ذهب الإمامة و السياسة بعيدا في إيضاح موقف النعمان فقال إن النعمان بن بشير قال لما علم بقدوم مسلم: لابن بنت رسول اللّه (ص) أحب إلينا من ابن بحدل.

35

المسجد الأعظم فنادى في الناس فاجتمعوا إليه فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة!فاتقوا اللّه ربكم و لا تسارعوا إلى الفتنة و الفرقة، فإن فيها[ (1) ]سفك الدماء و ذهاب الرجال و الأموال، و اعلموا أني لست أقاتل إلا من قاتلني، و لا أثب إلا على من وثب عليّ غير أنكم قد أبديتم صفحتكم‏[ (2) ]و نقضتم‏[ (3) ] بيعتكم و خالفتم إمامكم فإن رأيتم أنكم رجعتم عن ذلك، و إلا فو اللّه الذي لا إله إلا هو لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي و لو لم يكن لي‏[منكم‏][ (4) ]ناصر، مع أني أرجو أن من يعرف الحق منكم أكثر ممن يريد[ (5) ]الباطل.

فقام إليه عبد اللّه بن مسلم بن سعيد[ (6) ]الحضرمي فقال: أيها الأمير أصلحك اللّه إن هذا الذي أنت عليه من رأيك إنما هو رأي المستضعفين فقال له النعمان بن بشير: يا هذا!و اللّه لأن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحبّ إليّ من أن أكون من المغلوبين‏[ (7) ]في معصية اللّه.

قال: ثم نزل عن المنبر و دخل قصر الإمارة، و كتب عبد اللّه بن مسلم‏[ (8) ]إلى يزيد بن معاوية يخبره بذلك:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، لعبد اللّه يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من شيعته من أهل الكوفة، أما بعد فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة و قد بايعه الشيعة للحسين بن علي رضي اللّه عنهما و هم خلق كثير، فإن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ فيها أمرك و يعمل فيها بعملك من عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل [ (1) ]الطبري و ابن الأثير: فيهما.

[ (2) ]عن الطبري، و بالأصل «صحيفتكم» .

[ (3) ]الطبري: نكثتم.

[ (4) ]عن الطبري.

[ (5) ]الطبري: يرديه.

[ (6) ]البداية و النهاية: «شعبة» . و في الأخبار الطوال ص 231: «مسلم بن سعيد الحضرمي» .

[ (7) ]الطبري: «الأعزين» و في البداية و النهاية: «الأقوياء الأعزين» .

[ (8) ]الأخبار الطوال: «كتب مسلم بن سعيد الحضرمي و عمارة بن عقبة، و كانا عيني يزيد بن معاوية» و انظر عبارة الطبري 5/356. ـ

36

ضعيف أو هو مضعف و السلام‏[ (1) ]. قال: ثم كتب أيضا عمارة بن عقبة بن أبي معيط[ (2) ]بنحو من ذلك: فكتب إليه عمر[ (3) ]بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك.

قال: فلما اجتمعت الكتب عند يزيد بن معاوية دعا بغلام أبيه و كان اسمه سرجون، فقال: يا سرجون!ما الذي عندك في أهل الكوفة فقد قدم مسلم بن عقيل و قد بايعه الترابية للحسين بن علي رضي اللّه عنهما؟فقال له سرجون: أتقبل مني ما أشير به عليك؟فقال يزيد: قل حتى أسمع!فقال: أشير عليك أن تكتب إلى عبيد اللّه‏[ (4) ]بن زياد فإنه أمير البصرة فتجعل له الكوفة زيادة في عمله حتى يكون هو الذي يقدم الكوفة فيكفيك أمرهم. فقال يزيد: هذا لعمري هو الرأي‏[ (5) ].

ثم كتب يزيد إلى عبيد اللّه‏[ (6) ]بن زياد: أما بعد فإن شيعتي من أهل الكوفة كتبوا إليّ فخبروني‏[ (7) ]أن مسلم بن عقيل يجمع الجموع و يشق عصا المسلمين، و قد اجتمع عليه خلق كثير من شيعة أبي تراب‏[ (8) ]، فإذا وصل إليك كتابي هذا فسر حين تقرأه حتى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها، فقد جعلتها زيادة في عملك و ضممتها إليك، فانظر أين تطلب مسلم بن عقيل بن أبي طالب بها فاطلبه طلب الخرزة، فإذا ظفرت به فاقتله و نفّذ إليّ رأسه‏[ (9) ]، و اعلم أنه لا عذر لك عندي دون ما أمرتك به، [ (1) ]قارن مع الطبري 5/356 الأخبار الطوال ص 231 ابن الأثير 2/535.

[ (2) ]الأصل: عمارة بن عطية بن معيط. انظر المصادر السابقة.

[ (3) ]بالأصل «عمرو» و ما أثبتناه عن الطبري.

[ (4) ]بالأصل: «عبد اللّه» . و ما أثبتناه عن الطبري.

[ (5) ]في الطبري 5/356 أن يزيد استشار سرجون مولى معاوية فقال: «أ رأيت معاوية لو نشر لك، أ كنت آخذا برأيه؟قال: نعم، فأخرج عهد عبيد اللّه على الكوفة، فقال: هذا رأي معاوية، و مات و قد أمر بهذا الكتاب» . و كان الصك بإمرة عبيد اللّه على العراقين قد كتبه في الديوان لكن معاوية مات قبل إنفاذ العهد إليه. فأخذ يزيد برأي سرجون و ضم المصرين إلى عبيد اللّه، و بعث إليه بعهده على الكوفة.

[ (6) ]بالأصل: عبد اللّه خطأ.

[ (7) ]الطبري: يخبرونني.

[ (8) ]يعني علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

[ (9) ]في الطبري: كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه و السلام. و انظر الأخبار الطوال ص 231 و ابن الأثير 2/535 و في تاريخ اليعقوبي 2/242 و كتب إليه: قد بلغني أن أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، و إنه قد خرج من مكة متوجها نحوهم، و قد بلي به بلدك من بين البلدان، و أيامك من بين الأيام. فإن قتلته، و إلاّ رجعت إلى نسبك و إلى أبيك عبيد، فاحذر أن يفوتك.

37

فالعجل العجل و الوحا الوحا-و السلام-. ثم دفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي ثم أمره أن يجد السير إلى عبيد اللّه بن زياد. قال: فلما ورد الكتاب على عبيد اللّه بن زياد[ (1) ]و قرأه أمر بالجهاز إلى الكوفة.

قال: و قد كان الحسين بن علي قد كتب إلى رؤساء أهل البصرة مثل الأحنف بن قيس و مالك بن مسمع و المنذر بن الجارود و قيس بن الهيثم‏[ (2) ]و مسعود بن عمرو[ (3) ]و عمر[ (4) ]بن عبيد اللّه بن معمر فكتب إليهم كتابا[ (5) ]يدعوهم فيه إلى نصرته و القيام معه في حقه، فكان كل من قرأ كتاب الحسين كتمه‏[ (6) ]، و لم يخبر به أحد إلا المنذر بن الجارود فإنه خشي أن يكون هذا الكتاب دسيسا من عبيد اللّه بن زياد و كانت حومة[ (7) ]بنت المنذر بن الجارود تحت عبيد اللّه بن زياد، فأقبل إلى عبيد اللّه بن زياد فخبره بذلك. قال: فغضب عبيد اللّه بن زياد و قال: من رسول الحسين بن علي إلى البصرة؟فقال المنذر بن الجارود: أيها الأمير رسوله إليهم مولى يقال له سليمان‏[ (8) ]رحمه اللّه، فقال عبيد اللّه بن زياد: عليّ به!فأتي بسليمان‏[ (8) ]مولى الحسين و قد كان متخفّيا عند بعض الشيعة بالبصرة، فلما رآه عبيد اللّه‏[ (9) ]بن زياد لم يكلمه دون أن أقدمه فضرب عنقه صبرا-رحمه اللّه-!ثم أمر بصلبه. ثم صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أما بعد[ (10) ]يا أهل البصرة[ (10) ]!إني لنكل‏[ (11) ]لمن عاداني و سمّ‏[ (12) ]لمن [ (1) ]و كان في البصرة.

[ (2) ]بالأصل: الحطيم، و ما أثبتناه عن الطبري و الأخبار الطوال.

[ (3) ]عن الطبري و الأخبار الطوال، و بالأصل «عمر» .

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل «عمرو» .

[ (5) ]كتب الحسين بن علي إلى أشراف أهل البصرة نسخة واحدة. انظر نسخة الكتاب في الطبري 5/ 357 و في الأخبار الطوال ص 231: «سلام عليكم، أما بعد!فإني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق و إماتة البدع، فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد، و السلام» .

[ (6) ]عن الطبري، و بالأصل «لثمه» .

[ (7) ]في الطبري: «بحرية» ، و في الأخبار الطوال: هند.

[ (8) ]في الأصل «سليمان بن صرد» و هو خطأ فاحش، و ما أثبتناه عن الطبري. و في الأخبار الطوال: سلمان.

[ (9) ]بالأصل: عبد اللّه.

[ (10) ]مكانها في الطبري: فو اللّه ما تقرن بي الصعبة، و لا يقعقع لي بالشنان.

[ (11) ]يقال: إنه لنكل شر، بكسر النون و سكون الكاف، أي ينكل بأعدائه. و ما أثبتناه عن الطبري، و في الأصل «لركن» .

[ (12) ]عن الطبري، و بالأصل «سمام» .

38

حاربني‏[ (1) ]، فقد أنصف القارة من راماها[ (2) ]، يا أهل البصرة!إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد ولاني الكوفة و أنا سائر إليها غدا إن شاء اللّه تعالى، و قد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فإياكم و الخلاف و الإرجاف‏[ (3) ]، فو الذي لا إله إلا هو! لو بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه و لأقتلن عريفه‏[ (4) ]، و لآخذن الأدنى بالأقصى حتى يستقيموا لي، فاحذروا أن يكون فيكم مخالف أو مشاقّ، فأنا ابن زياد[ (5) ]الذي لم ينازعني عم و لا خال-و السلام-. قال: ثم نزل عن المنبر.

فلما كان من الغد نادى في الناس و خرج من البصرة يريد الكوفة و معه مسلم بن عمرو الباهلي و المنذر بن الجارود العبدي‏[ (6) ]و شريك بن الأعور الحارثي و حشمه و أهل بيته‏[ (6) ]، فلم يزل يسير حتى بلغ قريبا من الكوفة.

ذكر[مسير]عبيد اللّه بن زياد و نزوله الكوفة و ما فعل بها

قال: فلما تقارب عبيد اللّه بن زياد من الكوفة نزل، فلما أمسى و جاء الليل دعا بعمامة غبراء[ (7) ]و اعتجر بها ثم تقلد سيفه و توشح قوسه و تكنن كنانته و أخذ في يده قضيبا و استوى على بغلته الشهباء، و ركب معه أصحابه، و أقبل حتى دخل الكوفة من [ (1) ]عن الطبري، و بالأصل «نادبني» .

[ (2) ]عن الطبري و الأخبار الطوال، و بالأصل «القادة من راياها» و القارة قوم رماة من العرب، و في المثل:

قد أنصف القارة من راماها، و قد زعموا أن رجلين التقيا أحدهما قاريّ و الآخر أسدي. فقال القاري:

إن شئت صارعتك، و إن شئت سابقتك و إن شئت راميتك فقال اخترت المراماة. فقال القاري: قد أنصفتني و أنشد:

قد أنصف القارة من راماها # إنا إذا ما فئة تلقاها

ترد أولاها على أخراها

ثم انتزع له سهما فشك فؤاده.

[ (3) ]عن الطبري و الأخبار الطوال، و بالأصل «الجلاف» .

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل «و عريقه» .

[ (5) ]زيد في الطبري: أشبهته من بين وطئ الحصى و لم ينتزعني شبه خال و لا ابن عم.

و في الأخبار الطوال ص 232: حتى تستقيموا، و قد أعذر من أنذر.

[ (6) ]عن الطبري، و مكانها بالأصل: «و عبد اللّه بن شريك» و في الأخبار الطوال: و خرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور و المنذر بن الجارود.

[ (7) ]في الطبري و مروج الذهب: عمامة سوداء.

39

طريق البادية و ذلك في ليلة مقمرة و الناس متوقعون قدوم الحسين رضي اللّه عنه، قال: فجعلوا ينظرون إليه و إلى أصحابه و هو في ذلك يسلم عليهم فيردون عليه السلام، و هم لا يشكّون أنه الحسين، و هم يمشون بين يديه، و هم يقولون:

مرحبا بك يا ابن بنت رسول اللّه‏[قدمت‏][ (1) ]خير مقدم. قال: فرأى عبيد اللّه بن زياد من تباشير الناس بالحسين بن علي ما ساءه ذلك و سكت و لم يكلمهم و لا ردّ عليهم شيئا. قال: فتكلم مسلم بن عمرو الباهلي و قال: إليكم عن الأمير يا ترابية!فليس هذا من تظنون، هذا الأمير عبيد اللّه بن زياد. قال: فتفرق الناس عنه و دخل عبيد اللّه بن زياد قصر الإمارة و قد امتلأ غيظا[ (2) ]و غضبا[ (3) ].

فلما أصبح نادى: الصلاة جامعة!فاجتمع الناس إلى المسجد الأعظم، فلما علم أنهم قد تكالموا خرج إليهم متقلدا بسيف متعمما[ (4) ]بعمامة، حتى صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة!فإن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ولاّني مصركم و ثغركم و أمرني أن أغيث مظلومكم، و أن أعطي محرومكم، و أن أحسن إلى سامعكم و مطيعكم، و بالشدة على مربيكم‏[ (5) ]، و أنا متبع‏[ (6) ]في ذلك أمره و منفذ فيكم عهده‏[ (7) ]-و السلام-، ثم نزل و دخل القصر.

فلما كان اليوم الثاني خرج إلى الناس و نادى بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس خرج إليهم بزي خلاف ما خرج به أمس، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعدفإنه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدة من غير عنف، و لين في غير [ (1) ]زيادة عن الطبري و مروج الذهب و الأخبار الطوال.

[ (2) ]بالأصل: غيضا.

[ (3) ]زيد في مروج الذهب 3/70 انتهى إلى القصر و فيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه. فقال: يا ابن رسول اللّه ما لي و لك؟و ما حملك على قصد بلدي من بين البلدان؟فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم. و حسر اللثام عن فيه، فعرفه ففتح له. و تنادى الناس: ابن مرجانة، و حصبوه بالحصباء، ففاتهم و دخل القصر. (و انظر الطبري 5/359) .

[ (4) ]بالأصل: منعما.

[ (5) ]في الطبري: مريبكم و عاصيكم.

[ (6) ]الأخبار الطوال: «و أنا منته» ، و في الطبري: و أنا متبع فيكم أمره.

[ (7) ]زيد في الأخبار الطوال ص 233: و أنا لمعطيكم كالوالد الشفيق و لمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه» و قارن مع الطبري 5/359.

40

ضعف، و أن آخذ منكم البري‏ء بالسقيم، و الشاهد بالغائب، و الولي بالولي. قال:

فقام إليه رجل من أهل الكوفة يقال له أسد بن عبد اللّه المري فقال: أيها الأمير!إن اللّه تبارك و تعالى يقول: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ و إنما المرء بجده، و السيف بحده، و الفرس بشده، و عليك أن تقول و علينا أن نسمع، فلا تقدم فينا السيئة قبل الحسنة. قال: فسكت عبيد اللّه بن زياد و نزل عن المنبر فدخل قصر الإمارة.

و سمع بذلك مسلم بن عقيل بقدوم عبيد اللّه بن زياد و كلامه، فكأنه اتقى على نفسه، فخرج من الدار التي‏[ (1) ]هو فيها في جوف الليل حتى أتى دار هانئ بن عروة المذحجي رحمه اللّه فدخل عليه، فلما رآه هانئ قام إليه و قال: ما وراءك- جعلت فداك؟فقال مسلم: ورائي ما علمت هذا عبيد اللّه بن زياد الفاسق ابن الفاسق قد قدم الكوفة فاتقيته على نفسي‏[ (2) ]، و قد أقبلت إليك لتجيرني و تأويني حتى أنظر إلى ما يكون. فقال له هانئ بن عروة: جعلت فداك!و اللّه لقد كلفتني شططا!و لو لا دخولك داري‏[ (3) ]لأحببت أن تنصرف، غير أني أرى ذلك عارا عليّ أن يكون رجل أتاني مستجيرا، فانزل على بركة اللّه‏[ (4) ]. قال: فنزل مسلم بن عقيل في دار هانئ المذحجي. و جعل عبيد اللّه بن زياد يسأل عنه فلم يجد من يرشده عليه، و جعلت الشيعة تختلف إلى مسلم رحمه اللّه في دار هانئ و يبايعون للحسين سرا، و مسلم بن عقيل يكتب أسماءهم و يأخذ عليهم العهود و المواثيق لا يركنون و لا يعذرون، حتى بايع مسلم بن عقيل نيف و عشرون ألفا[ (5) ]. قال: و همّ مسلم بن [ (1) ]بالأصل «الذي» ، و قد تقدم أنه نزل في دار المختار بن أبي عبيد. و قيل غير ذلك. انظر ما لاحظنا في مكانه. و انظر الطبري 5/362.

[ (2) ]و كان مسلم قد أخبر بمقالة عبيد اللّه بن زياد، و ما أخذ به العرفاء و الناس، و كان عبيد اللّه قد قال للناس: «اكتبوا إلى الغرباء، و من فيكم من طلبة أمير المؤمنين و من فيكم من الحرورية و أهل الريب الذين رأيهم الخلاف و الشقاق فمن كتبهم لنا فبري‏ء و من لم يكتب لنا أحدا فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف و لا يبغي علينا منهم باغ فمن لم يفعل برئت منه الذمة و حلال لنا ماله و سفك دمه، و أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره» .

و كان هذا سبب خوف مسلم بن عقيل و التجائه إلى دار هانئ بن هانئ سيد قومه.

[ (3) ]زيد في الطبري: و ثقتك.

[ (4) ]انظر الطبري 5/362 و الأخبار الطوال ص 233.

[ (5) ]في الإمامة و السياسة 2/8 أكثر من ثلاثين ألفا.

41

عقيل أن يثب إلى عبيد اللّه‏[ (1) ]بن زياد فيمنعه هانئ من ذلك و يقول: لا تعجل فإن العجلة لا خير فيها.

و دعا عبيد اللّه بن زياد بمولى له يقال له معقل‏[ (2) ]فقال: هذه ثلاثة آلاف‏[ (3) ] درهم خذها إليك‏و التمس لي مسلم بن عقيل حيث كان من الكوفة، فإذا عرفت موضعه فادخل إليه و أعلمه أنك من شيعته و على مذهبه و ادفع إليه هذه‏[ (4) ]الثلاثة آلاف درهم و قل له: استعن‏[ (5) ]بهذه على عدوك، فإنك إذا دفعت إليه الثلاثة آلاف درهم وثق بناحيتك و اطمأنّ عليك و لم يكتمك من أمره شيئا، و في غداة غد تعدو[ (6) ]عليّ بالأخبار.

قال: فأقبل معقل مولى عبيد اللّه بن زياد حتى دخل المسجد الأعظم، فرأى رجلا من الشيعة يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي فجلس إليه فقال: يا[ (7) ]عبد اللّه إني رجل من أهل الشام‏[ (8) ]غير أني أحب أهل هذا البيت و أحبّ من أحبّهم، و معي ثلاثة آلاف درهم أريد أن أدفعها إلى رجل قد بلغني عنه أنه يقدم‏[ (9) ]إلى بلدكم هذا يأخذ البيعة لابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الحسين بن علي، فإن رأيت هل تدلني عليه حتى أدفع إليه المال الذي معي و أبايعه؟و إن شئت فخذ بيعتي له قبل‏[ (10) ]أن تدلني عليه. قال: فظن مسلم بن عوسجة أن القول على ما يقول، فأخذ عليه الأيمان المغلظة و المواثيق و العهود و أنه يناصح و يكون عونا لمسلم بن عقيل رحمه اللّه على عبيد اللّه بن زياد، قال: فأعطاه موثقا من الأيمان ما وثق به مسلم بن عوسجة، ثم [ (1) ]بالأصل: «بعبيد اللّه» .

[ (2) ]في البداية و النهاية: مولى أبي رهم، و قيل كان مولى له يقال له معقل.

[ (3) ]بالأصل «ألف» ما أثبت عن الطبري.

[ (4) ]بالأصل: هذه الألف درهم. ما أثبت عن الطبري.

[ (5) ]بالأصل: استعين.

[ (6) ]الأصل: تعدوا.

[ (7) ]بالأصل: يا أبا عبد اللّه، و ما أثبتناه عن الطبري.

[ (8) ]زيد في الطبري: «مولى لذي الكلاع» و في البداية و النهاية: من بلاد حمص.

[ (9) ]الطبري: قدم.

[ (10) ]الطبري: قبل لقائه.

42

قال له: انصرف عني الآن يومي هذا حتى أنظر ما يكون!قال: فانصرف معقل مولى زياد[ (1) ].

قال: و مرض شريك بن عبد اللّه الأعور الهمداني‏[ (2) ]في منزل هانئ بن عروة، و عزم عبيد اللّه بن زياد على أن يصير إليه فيجتمع به، و دعا شريك بن عبد اللّه مسلم بن عقيل فقال له: جعلت فداك!غدا يأتيني هذا الفاسق عائدا و أنا مشغله لك بالكلام، فإذا فعلت ذلك فقم أنت اخرج إليه من هذه الداخلة فاقتله!فإن أنا عشت فسأكفيك أمر النصرة إن شاء اللّه.

قال: فلما أصبح عبيد اللّه بن زياد ركب و سار يريد دار ابن هانئ ليعود شريك بن عبد اللّه، قال: فجلس و جعل يسأل منه. قال: و همّ مسلم أن يخرج إليه ليقتله فمنعه من ذلك صاحب المنزل هانئ‏[ (3) ]، ثم قال: جعلت فداك!في داري صبية و إماء و أنا لا آمن الحدثان. قال: فرمى مسلم بن عقيل السيف من يده و جلس و لم يخرج، و جعل شريك بن عبد اللّه يرمق الداخلة و هو يقول:

ما تنظرون بسلمى عند فرصتها # فقد وفى ودّها و استوسق الصَّرم‏

[ (4) ] [ (1) ]العبارة في الطبري: قال له: اختلف إليّ أياما في منزلي، فأنا طالب لك الإذن على صاحبك. فأخذ يختلف مع الناس فطلب له الإذن.

و في البداية و النهاية: فلم يزل يتلطف و يستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها.

[ (2) ]في الأخبار الطوال: البصري، و قد تناقلت المصادر هذه القصة و اختلفت في اسم المريض فمنها من قال هانئ بن عروة المرادي و منها من قال: شريك بن الأعور، و قد مرض في منزل هانئ.

انظر تفاصيل ذلك في الطبري 5/363 و الأخبار ص 233 تاريخ اليعقوبي 2/243 ابن الأثير 2/537 البداية و النهاية 8/164-165 الإمامة و السياسة 2/8-9.

[ (3) ]في رواية الطبري أن هانئا مرض فجاءه عبيد اللّه عائدا له، فقال له عمارة بن عبيد السلولي: إنما جماعتنا و كيدنا قتل هذا الطاغية، فقد أمكنك اللّه منه فاقتله، فقال هانئ: ما أحب أن يقتل في داري، فخرج، فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، فأرسل إليه عبيد اللّه: إني رائح إليك العشية فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله... و انظر المصادر المثبتة في الحاشية السابقة.

[ (4) ]البيت المثبت عن الأخبار الطوال ص 234 و كان في الأصل:

ما تنظرون بسلمى أن تجيبوها # اسقوني شربتي و إن منيتي فيها

43

فقال له: عبيد اللّه‏[ (1) ]بن زياد: ما يقول الشيخ؟فقيل له: إنه مبرسم‏[ (2) ] أصلح اللّه الأمير. قال: فوقع في قلب عبيد اللّه بن زياد أمر من الأمور فركب من ساعته و رجع إلى القصر[ (3) ].

و خرج مسلم بن عقيل إلى شريك بن عبد اللّه‏[ (4) ]من داخل الدار. فقال له شريك: يا مولاي جعلت فداك!ما الذي منعك من الخروج إلى الفاسق، و قد كنت أمرتك بقتله و شغلته لك بالكلام؟فقال: منعني من ذلك‏[ (5) ]حديث‏

سمعته من عمي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : الإيمان قيد الفتك‏

[ (6) ]، فلم أحب أن أقتل عبيد اللّه‏[ (7) ]بن زياد في منزل هذا الرجل. فقال له شريك: و اللّه!لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا منافقا. قال: ثم لم يلبث شريك بن عبد اللّه إلا ثلاثة[ (8) ]أيام حتى مات- رحمه اللّه-. و كان من خيار الشيعة غير أنه يكتم ذلك إلا عمن يثق به من إخوانه. قال:

و خرج عبيد اللّه بن زياد فصلى عليه و رجع إلى قصره.

فلما كان من الغد أقبل معقل مولى عبيد اللّه بن زياد إلى مسلم بن عوسجة فقال له: إنك كنت وعدتني أن تدخلني على هذا الرجل فأدفع إليه هذا المال، فما الذي [ () ] و هو غير مستقيم. و في الطبري:

ما تنظرون بسلمى أن تحيوها # اسقنيها و ان كانت فيها نفسي‏

و في ابن الأثير: «اسقونيها... بها نفسي» .

[ (1) ]بالأصل: عبد اللّه.

[ (2) ]مبرسم: من البرسام. معرّب وبرّ تعني الصدر، و سام من أسماء الموت. قال الجوهري: علة معروفة. (اللسان) .

[ (3) ]كان مع عبيد اللّه بن زياد مهران مولى له، و كأنه قد انتبه و بعد أن كرر شريك كلامه «اسقوني ماء» أن في الأمر مكيدة و غدرا فغمز مولاه عبيد اللّه فوثب و خرج من الدار، فقال له مهران: أراد و اللّه قتلك.

انظر الطبري 5/360 ابن الأثير 2/538 الإمامة و السياسة 2/9 البداية و النهاية 8/165 تاريخ اليعقوبي 2/243.

[ (4) ]بالأصل «عقيل» خطأ.

[ (5) ]في الأخبار الطوال ص 235: منعني منه خلتان: إحداهما: كراهية هانئ لقتله في منزله، و الأخرى قول رسول اللّه (ص) : الإيمان... » .

[ (6) ]أخرجه أبو داود في الجهاد (باب 157) ، و الإمام أحمد في مسنده 1/166-167، 4/92 و فيه:

الإيمان قيد الفتك و لا يفتك مؤمن.

[ (7) ]الأصل: لعبيد اللّه.

[ (8) ]في الأخبار الطوال: أياما.

44

بدا لك في ذلك؟فقال: إذا أخبرك يا أخا أهل الشام!إنا شغلنا بموت هذا الرجل شريك بن عبد اللّه و قد كان من خيار الشيعية و ممن يتولى أهل هذا البيت. فقال معقل مولى عبيد اللّه بن زياد: و مسلم بن عقيل في دار هانئ؟فقال: نعم، قال: فقال معقل‏[ (1) ]: فقم بنا إليه حتى ندفع إليه هذا المال و أبايعه.

قال: فأخذ مسلم بن عوسجة بيده فأدخله على مسلم بن عقيل فرّحب به مسلم و قرّبه و أدناه و أخذ بيعته و أمر أن يقبض منه ما معه من المال. فأقام معقل مولى عبيد اللّه بن زياد في منزل هانئ يومه ذلك، حتى إذا أمسى انصرف إلى عبيد اللّه بن زياد معجبا لما قد ورد عليه من الخبر. ثم قال‏[عبيد اللّه‏]لمولاه: انظر إن تختلف إلى مسلم بن عقيل في كل يوم لئلا يستريبك و ينتقل من منزل ابن هانئ إلى مكان غيره فأحتاج أن ألقى في طلبه عتبا[ (2) ].

قال: ثم دعا عبيد اللّه‏[بن‏][ (3) ]زياد محمد بن الأشعث بن قيس و أسماء بن خارجة الفزاري و عمرو بن الحجاج الزبيدي. فقال: خبروني عنكم ما الذي يمنع هانئ بن عروة من المصير إلينا[ (4) ]؟فقالوا: إنه مريض فقال عبيد اللّه بن زياد: قد كان مريضا غير أنه قد برئ من علته و يجلس‏[ (5) ]على باب داره، فعليكم أن تصيروا إليه و تأمروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا[ (6) ]، فإني لا أحب أن أستفسر رجلا مثله لأني لم أزل له مكرما. فقالوا: نفعل أصلح اللّه الأمير، نلقاه في ذلك و نأمره بما تحب.

قال: فبينا عبيد اللّه بن زياد من هؤلاء القوم في محاورة إذ دخل عليه رجل من [ (1) ]بالأصل: «فقال عبد اللّه بن معقل» بزيادة عبد اللّه بن و هو خطأ.

[ (2) ]في الأخبار الطوال ص 236: فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن عقيل فلا يحجب عنه، فيكون نهاره كله عنده فيتعرف جميع أخبارهم، فإذا أمسى و أظلم عليه الليل دخل على عبيد اللّه بن زياد فأخبره بجميع قصصهم و ما قالوا و فعلوا في ذلك، و أعلمه بنزول مسلم في دار هانئ بن عروة.

[ (3) ]سقطت من الأصل.

[ (4) ]في الطبري «إتياننا» . و كان هانئ بن عروة، و بعد نزول مسلم بن عقيل في داره، قد آثر عدم الخروج و تمارض و جعل لا يخرج و قد كان قبل يغدو و يروح إلى عبيد اللّه.

[ (5) ]عن الطبري، و بالأصل «و جلس» .

[ (6) ]في الأخبار الطوال: من حق التسليم.

45

أصحابه يقال له عبد اللّه بن يربوع التميمي فقال: أصلح اللّه الأمير!ههنا خير، فقال له‏[ابن‏][ (1) ]زياد: و ما ذاك؟قال: كنت خارج الكوفة أجول على فرسي و أقلبه إذ نظرت إلى رجل قد خرج من الكوفة مسرعا يريد البادية، فأنكرته ثم لحقته و سألته عن حاله و أمره، فذكر أنه من أهل المدينة، ثم نزلت عن فرسي‏ففتشته فأصبت معه هذا الكتاب. قال: فأخذ عبيد اللّه بن زياد الكتاب ففضّه و قرأه و إذا فيه مكتوب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، أما بعد فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة نيف و عشرون ألفا، فإذا بلغك كتابي هذا فالعجل العجل، فإن الناس كلهم معك و ليس لهم في يزيد بن معاوية رأي و لا هوى-و السلام-. قال: فقال ابن زياد:

أين هذا الرجل الذي أصبت معه هذا الكتاب؟قال: بالباب. فقال: ائتوني به! فلما دخل و وقف بين يدي ابن زياد فقال له: من أنت؟قال: أنا مولى لبني هاشم، قال: فما اسمك؟قال: اسمي عبد اللّه بن يقطين، قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟قال: دفعه إليّ امرأة لا أعرفها. قال: فضحك عبيد اللّه بن زياد و قال:

أخبرني واحدة من ثنتين: إما أن تخبرني من دفع إليك هذا الكتاب، فتنجو من يدي، و إما أن تقتل. فقال: أما الكتاب فإني لا أخبرك من دفعه إليّ، و أما القتل فإني لا أكرهه، فإني لا أعلم قتيلا عند اللّه أعظم ممن يقتله مثلك. قال: فأمر عبيد اللّه بن زياد بضرب عنقه، فضربت رقبته صبرا-رحمه اللّه-.

ثم أقبل على‏[ (2) ]محمد بن الأشعث و عمرو بن الحجاج و أسماء بن خارجة فقال: صيروا إلى هانئ بن عروة فاسألوه أن يصير إلينا فإنا نريد مناظرته‏.

ذكر هانئ و عبيد اللّه بن زياد

قال: فركب القوم و ساروا إلى هانئ و إذا به جالس على باب داره، فسلموا عليه و قالوا له: ما الذي يمنعك من إتيان‏[ (3) ]هذا الأمير؟فقد ذكرك غير مرة[ (4) ].

فقال: و اللّه ما يمنعني من المصير إليه إلاّ العلة. فقالوا له: صدقت، و لكنه بلغه [ (1) ]سقطت من الأصل.

[ (2) ]بالأصل: «على أبي محمد» خطأ.

[ (3) ]في الطبري: من لقاء الأمير.

[ (4) ]زيد في الطبري: «و قد قال: لو أعلم أنه شاك لعدته» و في الإمامة و السياسة 2/9 أن عبيد اللّه قال:

ائتوني به و إن كان شاكيا. ـ

46

عنك أنك تقعد على باب دارك عشية و استبطأك، و الإبطاء[ (1) ]و الجفاء لا يحتمله السلطان من مثلك، لأنك سيد في عشيرتك و نحن نقسم عليك إلا ركبت معنا إليه.

قال: فدعا هانئ ثيابه‏[ (2) ]و لبسها، و دعا ببغلة[ (3) ]له فركبها، و سار مع القوم حتى إذا صار إلى باب قصر الإمارة كأن نفسه أحسّت‏[ (4) ]بالشر[ (5) ]فالتفت إلى حسان بن أسماء[بن خارجة][ (6) ]فقال له: يا ابن أخي!إن نفسي تحدثني بالشر. فقال له حسان: سبحان اللّه يا عم!لا أتخوف عليك فلا تحدثك نفسك بشي‏ء من هذا[ (7) ].

ثم دخل القوم على عبيد اللّه بن زياد و شريح القاضي جالس عنده، فلمّا نظر إليهم من بعيد التفت إلى شريح القاضي فقال:

أريد حياته و يريد قتلي # خليلي من عذيري من مراد

[ (8) ] فقال له هانئ بن عروة: و ما ذاك أيها الأمير؟فقال: [ (9) ]باللّه يا هانئ‏[ (9) ]جئت بمسلم بن عقيل، و جمعت له الجموع من السلاح و الرجال في الدار حولك، و ظننت أن ذلك يخفى عليّ و أني لا أعلم؟فقال: ما فعلت‏[ (10) ]!قال ابن زياد: بلى قد فعلت!قال: ما فعلت!فقال ابن زياد: أين معقل؟فجاء معقل حتى وقف بين يديه، فنظر هانئ إلى معقل مولى زياد فعلم أنه كان عينا عليهم و أنه هو الذي أخبر ابن زياد عن مسلم، فقال: . صلح اللّه الأمير!و اللّه ما دعوت مسلم بن عقيل و لا [ (1) ]بالأصل: و الاستبطاء، و ما أثبت عن الطبري.

[ (2) ]الطبري: بثيابه.

[ (3) ]عن الطبري، و بالأصل، بغلة. و في الأخبار الطوال، ببغلته.

[ (4) ]عن الطبري، و بالأصل: حسّت.

[ (5) ]في الإمامة و السياسة: فجعل يسير قليلا و يقف، و يقول: ما لي أذهب إلى زياد، فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه.

[ (6) ]زيادة عن الطبري.

[ (7) ]زيد في الطبري: أن أسماء لم يعلم في أي شي‏ء بعث إليه عبيد اللََّه فأما محمد (بن الأشعث) فقد علم به.

[ (8) ]البيت لعمرو بن معدي كرب. الطبري 5/365 و اللآلئ ص 138 و ابن الأثير 2/539 ابن كثير 8/165 الأخبار الطوال ص 237 باختلاف روايته.

[ (9) ]في الطبري: ما هذه الأمور التي تبرص في دورك لأمير المؤمنين و عامة المسلمين.

[ (10) ]زيد في الطبري: و ما مسلم عندي.

47

آويته. و لكنه جاءني مستجبرا فاستحييت‏[ (1) ]من رده و أخذني من ذلك ذمام‏[ (2) ]، فأما إذا قد علمت فخلّ سبيلي حتى أرجع إليه و آمره أن يخرج من داري فيذهب حيث شاء. فقال‏[ابن‏][ (3) ]زياد: لا و اللّه ما تفارقني أو تأتيني‏[ (4) ]بمسلم بن عقيل.

فقال‏[ (5) ]: إذا و اللّه لا آتيك به أبدا!آتيك بضيفي!فقال: و اللّه لا تفارقني حتى تأتي به!فقال: و اللّه لا كان ذلك أبدا. قال فتقدم‏[ (6) ]مسلم بن عمرو الباهلي و قال:

أصلح اللّه الأمير!ائذن لي في كلامه!فقال: كلمه بما أحببت و لا تخرجه من القصر. قال: فأخذ مسلم بن عمرو[ (7) ]بيد هانئ فنحاه ناحية ثم قال: ويلك يا هذا!أنشدك باللّه أن تقتل نفسك أو تدخل البلاء على عشيرتك في سبب مسلم بن عقيل، يا هذا!سلمه إليه فإنه لن يقدم عليه بالقتل أبدا. و أخرى فإنه سلطان، و ليس عليك في ذلك عار[ (8) ]و لا منقصة. قال هانئ: بلى و اللّه عليّ في ذلك من أعظم العار أن يكون مسلم في جواري و ضيفي و هو رسول ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم و على آله) و أنا حيّ صحيح الساعدين كثير الأعوان، و اللّه‏لو لم أكن إلا وحدي-لكن و أنا كثير الأعوان-لما سلمته إليه أبدا حتى أموت. قال: فرده مسلم بن عمرو[ (9) ]و قال: أيها الأمير!إنه قد أبي أن يسلم مسلم بن عقيل أو يقتل.

قال: فغضب ابن زياد و قال: و اللّه!لتأتيني به أو لأضربن عنقك. فقال: إذا و الّه تكثر البارقة[ (10) ]حول دارك. فقال له‏[ابن‏][ (11) ]زياد: أ بالبارقة[ (12) ]تخوفني؟ثم أخذ قضيبا كان بين يديه فضرب‏[ (13) ]به وجه هانئ، فكسر به وجهه و أنفه و شق حاجبه.

[ (1) ]عن الطبري، و بالأصل: فاستحيت.

[ (2) ]بالأصل: في الذمام، و ما أثبت عن الطبري.

[ (3) ]سقطت من الأصل.

[ (4) ]الطبري: حتى تأتيني.

[ (5) ]في الأخبار الطوال: أو يحمل بي أن أسلم ضيفي و جاري للقتل؟و اللّه لا أفعل ذلك أبدا.

[ (6) ]في الطبري: فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم...

[ (7) ]عن الطبري، بالأصل: عمير خطأ.

[ (8) ]الطبري: مخزاة.

[ (9) ]عن الطبري، و بالأصل: عمير خطأ.

[ (10) ]عن الطبري، و بالأصل: «الأبارقة» و البارقة: السيوف على التشبيه.

[ (11) ]سقطت من الأصل.

[ (12) ]عن الطبري، و بالأصل: بالأبارقة.

[ (13) ]في الطبري: فاستعرض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه و جبينه و خده حتى كسر أنفه، و سيل الدماء على ثيابه و نثر لحم خديه و جبينه على لحيته حتى كسر القضيب.

48

قال: فضرب هانئ بيده إلى قائم سيف من سيوف أصحاب ابن زياد فجاذبه ذلك الرجل و منعه من السيف، و صاح عبيد اللّه بن زياد: خذوه!فأخذوه و ألقوه في بيت من بيوت القصر و أغلقوا عليه الباب‏[ (1) ].

قال: ثم وثب أسماء بن خارجة إلى عبيد اللّه بن زياد فقال: أيها الأمير!أمرتنا أن نأتيك بالرجل فلما جئناك به و أدخلناه إليك هشمت وجهه و أسلت دمه‏[ (2) ]و زعمت أنك تقتله. قال: فغضب ابن زياد و قال: و أنت ههنا أيضا؟ثم أمر بأسماء بن خارجة فضرب حتى وقع لجنبه. قال: فحبس‏[ (3) ]أسماء ناحية من القصر و هو يقول:

إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، إلى نفسي أنعاك يا هانئ‏[ (4) ].

قال: و بلغ ذلك بني مذحج‏[ (5) ]، فركبوا جميعهم عن آخرهم حتى وافوا باب القصر فضجوا و ارتفعت أصواتهم، فقال عبيد اللّه بن زياد: ما هذا؟فقيل له: أيها الأمير هؤلاء عشيرة هانئ بن عروة يظنون أنه قد قتل. فقال ابن زياد للقاضي شريح: قم فادخل إليه‏[ (6) ]و انظر حاله و اخرج إليهم و أعلمهم أنه‏[ (7) ]لم يقتل. قال:

فدخل شريح إلى هانئ فنظر إليه‏[ (8) ]، ثم خرج إلى القوم فقال: يا هؤلاء!لا [ (1) ]ثمة رواية مختلفة أوردها المسعودي في مروج الذهب 3/71 للمقابلة التي جرت بين ابن زياد و هانئ: و فيه أن ابن زياد أغلظ القول لهانئ بعد ما أنكر معرفته بمكان وجود مسلم بن عقيل، فقال له هانئ: إن لزياد أبيك عندي بلاء حسنا و أن أحب مكافأته به، فهل لك في خير؟فقال ابن زياد: و ما هو؟ قال: تشخص إلى أهل الشام أنت و أهل بيتك مسالمين بأموالكم فإنه قد جاء حق من هو أحق من حقك و حق صاحبك. فقال ابن زياد: ادنوه مني، فأدنوه منه، فضرب وجهه... » .

[ (2) ]في الطبري: و سيلت دمه على لحيته.

[ (3) ]بالأصل: «فجلس» .

[ (4) ]و أما موقف محمد بن الأشعث و هو أحد الذين ذهبوا إلى هانئ يدعونه إلى زيارة ابن زياد، قال الطبري: فقال: قد رضينا بما رأى الأمير. لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدب.

[ (5) ]في الطبري: و بلغ عمرو بن الحجاج- (و كانت أخت عمرو تحت هانئ بن عروة، و هي أم يحيى بن هانئ) -أن هانئا قد قتل، فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر..

[ (6) ]الطبري: ادخل على صاحبهم.

[ (7) ]الطبري و الأخبار الطوال: أنه حي.

[ (8) ]في الطبري: قال شريح: فلما رآني قال: يا للّه يا للمسلمين!أهلكت عشيرتي، فأين أهل الدين، و أين أهل المصر، تفاقدوا يخلوني... (إذ سمع الرجة على باب القصر) فقال يا شريح: إني لأظنها أصوات مذحج و شيعتي من المسلمين إن دخل عليّ عشرة نفر أنقذوني...

49

تعجلوا بالفتنة فإن صاحبكم لم يقتل، و الذي أبلغكم فإنه أبلغكم باطلا. قال:

فرجع القوم و انصرفوا.

قال: و خرج عبيد اللّه بن زياد من القصر حتى دخل المسجد الأعظم فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم التفت فرأى أصحابه عن يمين المنبر و عن شماله و في أيديهم الأعمدة و السيوف المسللة، فقال: أما بعد يا أهل الكوفة فاعتصموا بطاعة اللّه و رسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و طاعة أئمتكم و لا تختلفوا و لا تفرقوا[ (1) ]فتهلكوا و تندموا و تذلوا و تقهروا، فلا يجعلن أحد على نفسه سبيلا، و قد أعذر من أنذر.

قال: فما أتم عبد اللّه بن زياد ذلك الخطبة حتى سمع الصيحة، فقال: ما هذا؟فقيل له: أيها الأمير!الحذر الحذر!هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه‏[ (2) ]!قال: فنزل عبيد اللّه بن زياد عن المنبر مسرعا و بادر فدخل القصر و أغلق الأبواب‏.

ذكر مسلم بن عقيل رحمه اللّه و خروجه على عبيد اللّه ابن زياد

قال: و أقبل مسلم بن عقيل رحمه اللّه في وقته ذلك عليه و بين يديه ثمانية عشر ألفا أو يزيدون‏[ (3) ]، و بين يديه الأعلام و شاكو السلاح، و هم في ذلك يشتمون عبيد اللّه بن زياد و يلعنون أباه. قال: و ركب أصحاب عبيد اللّه و اختلط القوم، فقاتلوا قتالا شديدا[ (4) ]، و عبيد اللّه بن زياد و جماعة من أهل الكوفة قد أشرفوا على جدار القصر ينظرون إلى محاربة الناس.

[ (1) ]عن الطبري، و بالأصل، فتفرقوا.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/71 و لما بلغ مسلما ما فعل ابن زياد بهانئ أمر مناديا فنادى يا منصور و كانت شعارهم، فتنادى أهل الكوفة بها، فاجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل، فسار إلى ابن زياد، فتحصن منه، فحصروه في القصر.

[ (3) ]في الطبري: عقد مسلم لعبيد اللّه بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة و ربيعة، ثم عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج و أسد-و عقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم و همدان، و عقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة.

[ (4) ]في الأخبار الطوال: تحصن عبيد اللّه بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة و الأعوان و الشرط و كانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر و النشاب، و يمنعونهم من الدنو من القصر فلم يزالوا كذلك حتى أمسوا.

50

قال: و جعل رجل من أصحاب عبيد اللّه بن زياد اسمه كثير بن شهاب ينادي من أعلى القصر بأعلى صوته: ألا يا شيعة مسلم بن عقيل!ألا يا شيعة الحسين بن علي!اللّه اللّه في أنفسكم و في أهاليكم و أولادكم، فإن جنود أهل الشام قد أقبلت، و أن الأمير عبيد اللّه بن زياد قد عاهد اللّه لئن أقمتم على حربكم و لم تنصرفوا من يومكم هذا ليحرمنكم العطاء و ليفرقن مقاتلتكم‏[ (1) ] في مغازي أهل الشام، و ليأخذن البري‏ء بالسقيم و الشاهد بالغائب، حتى لا يبقى منكم‏[ (2) ]بقية من أهل المعصية إلا أذاقها و بال أمرها[ (3) ][ (4) ].

قال: فلما سمع الناس ذلك تفرقوا و تحادوا عن مسلم بن عقيل رحمه اللّه، و يقول بعضهم لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة و غدا تأتينا جموع أهل الشام، ينبغي لنا أن نفعل في منزلنا و ندع هؤلاء القوم حتى يصلح اللّه ذات بينهم. قال: ثم جعل القوم يتسللون و النهار يمضي، فما غابت الشمس حتى بقي مسلم بن عقيل في عشرة[ (5) ]أفراس من أصحابه لا أقل و لا أكثر و اختلط الظلام، فدخل مسلم بن عقيل المسجد الأعظم ليصلي المغرب و تفرق عنه العشرة. فلما رأى ذلك استوى على فرسه و مضى في بعض أزقة الكوفة[ (6) ]، و قد أثخن بالجراحات حتى صار إلى دار امرأة يقال لها طوعة، و قد كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي فتزوجها رجل من حضرموت يقال له‏[ (7) ]أسد بن البطين فأولدها ولدا يقال له أسد. و كانت المرأة واقفة على باب [ (1) ]عن الطبري، و بالأصل: مقابليكم.

[ (2) ]في الطبري: له فيكم.

[ (3) ]الطبري: وبال ما جرت أيديها.

[ (4) ]و كان عبيد اللّه بن زياد قد أمر بعض أشراف أهل الكوفة أن يسيروا فيمن أطاعهم من أهل الكوفة و يخذلوا الناس عن مسلم بن عقيل. فدعا كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج... و أمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة و حضرموت.. و قال مثل ذلك للقعقاع بن ثور الذهلي و شبث بن ربعي التميمي و حجار بن أبجر العجلي و شمر بن ذي الجوشن العامري.

ثم جمع الأشراف إليه مجددا و قال لهم: منّوا أهل الطاعة الزيادة و الكرامة، و خوفوا أهل المعصية الحرمان و العقوبة، و أعلموهم فصول الجنود من الشام إليهم. (انظر الطبري 5/369-370) و الأخبار الطوال ص 239.

[ (5) ]في الطبري: ثلاثون، و في مروج الذهب: مائة رجل.

[ (6) ]في مروج الذهب: لا يدري أين يتوجه.

[ (7) ]في الطبري: أسيد الحضرمي، فولدت له بلالا. و كان بلال قد خرج مع الناس و أمه قائمة تنتظره.

51

دارها، فسلم عليها مسلم بن عقيل، فردت عليه السلام ثم قالت: ما حاجتك؟ قال: اسقيني شربة من الماء فقد بلغ‏[ (1) ]مني العطش، قال: فسقته حتى روى فجلس على بابها، فقالت: يا[ (2) ]عبد اللّه!ما لك جالس أما شربت؟فقال: بلى و اللّه‏[ (3) ]و لكني ما لي بالكوفة منزل، و إني غريب قد خذلني من كنت أثق به، فهل لك في معروف تصطنعيه إليّ فإني رجل من أهل بيت شرف و كرم، و مثلي من يكافئ بالإحسان. فقالت: و كيف ذلك؟و من أنت؟فقال مسلم رحمه اللّه: خلي هذا الكلام و أدخليني منزلك عسى اللّه أن يكافئك غدا بالجنة. فقالت: يا عبد اللّه! خبرني اسمك و لا تكتمني شيئا من أمرك، فإني أكره أن يدخل منزلي من قبل معرفة خبرك و هذه الفتنة قائمة، و هذا عبيد اللّه بن زياد بالكوفة. فقال لها مسلم بن عقيل:

إنك لو عرفتني حق المعرفة لأدخلتني‏[ (4) ]دارك. أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب! فقالت المرأة: قم فادخل رحمك اللّه!فأدخلته منزلها[ (5) ]و جاءته بالمصباح و بالطعام فأبى أن يأكل.

فلم يكن بأسرع من‏[أن-][ (6) ]جاء ابنها فلما أتى وجد أمه تكثر دخولها و خروجها إلى بيت هناك و هي باكية، فقال لها: يا أماه!إن أمرك يريبني لدخولك هذا البيت و خروجك منه باكية، ما قصتك؟فقالت: يا ولداه!إني مخبرتك بشي‏ء لا تفشه لأحد[ (7) ]، فقال لها: قولي ما أحببت، فقالت له: يا بني!إن مسلم بن عقيل في ذلك البيت و قد كان من قصته كذا و كذا. قال: فسكت الغلام و لم يقل شيئا، ثم أخذ مضجعه و نام.

فلما كان من الغد نادى عبيد اللّه بن زياد في الناس أن يجتمعوا، ثم خرج من القصر و أتى إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها [ (1) ]بالأصل: أبلغ.

[ (2) ]بالأصل: يا أبا عبد اللّه.

[ (3) ]زيد في الطبري: قالت: فاذهب إلى أهلك، فسكت، ثم عادت فقالت مثل ذلك، فسكت، ثم قالت له: في اللّه، سبحان اللّه يا عبد اللّه، فمر إلى أهلك عافاك اللّه، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي، و لا أحله لك.

[ (4) ]بالأصل: إنك لو عرفتيني حق المعرفة لأدخلتيني.

[ (5) ]الطبري: فأدخلته بيتا في دارها غير البيت الذي تكون فيه.

[ (6) ]سقطت من الأصل.

[ (7) ]زيد في الطبري: و أخذت عليه الأمان، فحلف لها.

52

الناس!إن مسلم بن عقيل أتى هذا البلاد و أظهر العناد و شق العصا و قد برئت الذمة من رجل أصبناه‏[ (1) ]في داره، و من جاء به فله ديته، اتقوا اللّه عباد اللّه و الزموا طاعتكم و بيعتكم، و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، و من أتاني بمسلم بن عقيل فله عشرة آلاف درهم و المنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية و له في كل يوم حاجة مقضية- و السلام-.

ثم نزل عن المنبر و دعا الحصين بن نمير السكوني‏[ (2) ]فقال: ثكلتك أمك إن فاتتك سكة من سكك الكوفة لم تطبق على أهلها أو يأتوك بمسلم بن عقيل!فو اللّه لئن خرج من الكوفة سالما لنريقن أنفسنا في طلبه، فانطلق الآن فقد سلطتك على دور الكوفة و سككها. فانصب‏[ (3) ]المراصد و جدّ الطلب حتى تأتيني بهذا الرجل.

قال‏[ (4) ]: و أقبل محمد بن الأشعث حتى دخل على عبيد اللّه بن زياد، فلما رآه قال: مرحبا بمن لا يتهم‏[ (5) ]في مشورة!ثم أدناه و أقعده إلى جنبه‏[ (6) ]. و أقبل ابن تلك المرأة التي مسلم بن عقيل في دارها إلى عبد الرحمن بن‏[محمد بن‏][ (7) ] الأشعث فخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمّه. فقال له عبد الرحمن: اسكت الآن و لا تعلم بهذا أحدا من الناس. قال: ثم أقبل عبد الرحمن بن محمد إلى أبيه فسارّه في أذنه و قال: إن مسلما[ (8) ]في دار طوعة، ثم تنحى عنه. فقال عبيد اللّه بن زياد:

ما الذي قال لك عبد الرحمن؟فقال: أصلح اللّه الأمير!البشارة العظمى. فقال:

و ما ذاك؟و مثلك من بشر بخير. فقال: إن ابني هذا يخبرني أن مسلم بن عقيل في‏[ (9) ]دار طوعة عند مولاة لنا. قال‏[ (10) ]: فسر بذلك، ثم قال: قم فأت به و لك ما [ (1) ]الطبري: وجدناه.

[ (2) ]الطبري و ابن الأثير: حصين بن تميم.

[ (3) ]الطبري: فابعث مراصدة على أفواه السكك، و أصبح غدا و استبر الدور و جسّ خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل. و انظر الأخبار الطوال ص 240.

[ (4) ]في الطبري 5/373 فلما أصبح (يعني عبيد اللّه) جلس مجلسه و أذن للناس فدخلوا عليه.

[ (5) ]الطبري: بمن لا يستغش و لا يتهم.

[ (6) ]في الأخبار الطوال: فأقعده معه على سريره.

[ (7) ]زيادة عن الطبري و الأخبار الطوال. و في مروج الذهب 3/72 غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه.

[ (8) ]بالأصل: مسلم.

[ (9) ]الطبري: في دار من دورنا.

[ (10) ]في الطبري: فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة.

53

بذلت من الجائزة الحظ الأوفى.

قال: ثم أمر عبيد اللّه بن زياد خليفته عمرو[ (1) ]بن حريث المخزومي أن يبعث مع محمد بن الأشعث ثلاثمائة راجل‏[ (2) ]من صناديد أصحابه.

قال: فركب محمد بن الأشعث حتى وافى الدار التي فيها مسلم بن عقيل.

قال: و سمع مسلم بن عقيل وقع حوافر الخيل و زعقات الرجال فعلم أنه قد أتى في طلبه، فبادر رحمه اللّه إلى فرسه فأسرجه و ألجمه، و صبّ عليه درعه، و اعتجر بعمامة، و تقلد بسيفه، و القوم يرمون الدار بالحجارة، و يلهبون النار في نواحي القصب. قال: فتبسم مسلم رحمه اللّه، ثم قال: يا نفس!اخرجي إلى الموت الذي ليس منه‏[ (3) ]محيص و لا محيد، ثم قال للمرأة: أي رحمك اللّه و جزاك عني خيرا!اعلمي أنما أوتيت من قبل ابنك، و لكن افتحي الباب. قال: ففتحت الباب، و خرج مسلم في وجوه القوم كأنه أسد مغضب، فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل منهم جماعة[ (4) ].

و بلغ ذلك عبيد اللّه بن زياد، فأرسل إلى محمد بن الأشعث و قال: سبحان اللّه يا[ (5) ]عبد اللّه!بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به فأثلم في أصحابي ثلمة عظيمة. فأرسل إليه محمد بن الأشعث: أيها الأمير!أما تعلم أنك بعثتني إلى أسد ضرغام، و سيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الأنام. قال: فأرسل إليه عبيد اللّه‏[ (6) ]بن زياد: أن أعطه‏[ (7) ]الأمان، فإنك لن تقدر عليه إلا بالأمان. فجعل محمد بن الأشعث يقول: ويحك يا بن عقيل!لا تقتل نفسك، لك الأمان!و مسلم بن عقيل يقول:

[ (1) ]في الأخبار الطوال ص 240: عبيد.

[ (2) ]في الطبري: ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس. و في الأخبار الطوال: مائة رجل من قريش و كره أن يبعث إليه غير قريش خوفا من العصبية أن تقع.

فبعث معه-كما في الطبري: عمرو بن عبيد اللّه بن عباس السلمي في ستين أو سبعين (في مروج الذهب: سبعين، وجهوا مع عبد اللّه بن العباس السلمي) من قيس.

[ (3) ]مروج الذهب: عنه.

[ (4) ]انظر في قتاله للقوم الطبري 5/373 مروج الذهب 3/72.

[ (5) ]بالأصل: يا أبا.

[ (6) ]بالأصل: عبيد.

[ (7) ]بالأصل: أعطيه.

54

لا حاجة إلى أمان الغدرة، ثم جعل يقاتلهم و هو يقول‏[ (1) ]:

أقسمت لا أقتل إلا حرّا # و لو وجدت الموت كأسا مرّا

أكره أن أخدع أو أغرّا # كل امرئ يوما يلاقي شرّا

أضربكم و لا أخاف ضرّا

قال: فناداه محمد بن الأشعث و قال: ويحك يا ابن عقيل!إنك لا تكذب و لا تغرّ[ (2) ]، القوم ليسوا بقاتليك فلا تقتل نفسك. قال: فلم يلتفت مسلم بن عقيل رحمه اللّه إلى كلام ابن الأشعث و جعل يقاتل حتى أثخن بالجراح و ضعف عن القتال، و تكاثروا عليه فجعلوا يرمونه بالنبل و الحجارة، فقال مسلم: ويلكم!ما لكم ترمونني بالحجارة كما ترمى الكفار!و أنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار، ويلكم! أما ترعون حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و ذريته. قال: ثم حمل عليهم على ضعفه فكسرهم و فرّقهم في الدروب، ثم رجع و أسند ظهره إلى باب دار هناك، فرجع القوم إليه فصاح بهم محمد بن الأشعث: ذروه حتى أكلمه بما يريد.

قال: ثم دنا منه ابن الأشعث حتى وقف قبالته و قال: ويلك يا ابن عقيل!لا تقتل نفسك، أنت آمن و دمك في عنقي. فقال له مسلم: أ تظن يا ابن الأشعث أني أعطي بيدي أبدا و أنا أقدر على القتال!لا و اللّه لا كان ذلك أبدا!ثم حمل عليه حتى ألحقه بأصحابه. ثم رجع موضعه فوقف و قال: اللّهم!إن العطش قد بلغ‏[ (3) ]مني.

قال: فلم يجسر أحد أن يسقيه الماء و لا قرب منه.

فأقبل ابن الأشعث على أصحابه و قال: ويلكم!إن هذا لهو العار و الفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة. قال:

فحملوا عليه و حمل عليهم، فقصده من أهل الكوفة رجل يقال له بكير بن حمران الأحمري، فاختلفا بضربتين فضربه بكير ضربة على شفته العليا[ (4) ]و ضربه مسلم بن عقيل ضربة فسقط إلى الأرض قتيلا، قال: فطعن من ورائه طعنة فسقط [ (1) ]الأرجاز في الطبري و ابن الأثير و مروج الذهب باختلاف في بعض الألفاظ و التعابير.

[ (2) ]عن مروج الذهب و بالأصل «لا تعرف» .

[ (3) ]الأصل: أبلغ.

[ (4) ]في الطبري و مروج الذهب: فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا، و أشرع السيف في السفلى، و نصلت له ثنيتاه.