نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - ج2

- محمد بن علي التنوخي المزيد...
412 /
5

الجزء الثاني‏

مقدمة

مقدمة المحقق‏

اللهمّ يسّر أقدّم لقراء العربيّة، الجزء الثاني من كتاب نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة، للقاضي أبي عليّ المحسّن التنوخي.

و قد أوردت في مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب، جميع ما رغبت في إيراده، و لم يبق عندي، هاهنا، ما أزيد.

و قد تردّدت، بادئ الأمر، في إصدار هذا الجزء، لتعذّر الحصول على بعض المراجع من جهة، و صعوبة الوصول إلى الموجود منها، من جهة أخرى، و فكرت في تأخير إصداره، إلى وقت يتيسّر لي فيه الوصول إلى تلك المراجع، ليخرج الكتاب أتمّ تحقيقا، فيكون أوفر نفعا، و لكن الإقبال الذي أسبغه قراء العربية، مشكورين، على الجزء الأول من النشوار، شجّعني على إصدار الجزء الثاني، على ما في تحقيقه من نقصان.

و قد رأيت أن لا أؤخّر إصدار ما حققت من أجزاء هذا الكتاب، توخيّا لتحقيق أتمّ، و سعيا وراء معرفة أوفر، فإن العلم لا حدود له، و المعرفة لا حصر لها، و قد أحسن العماد الأصبهاني إذ قال: ما كتب إنسان كتابا في يومه، إلاّ قال في غده، لو غيّر هذا لكان أحسن، و لو زيد كذا لكان يستحسن، و لو قدّم هذا لكان أفضل، و لو ترك هذا لكان أجمل.

6

فاستخرت اللّه، و رأيت أن أعجّل بإصدار هذه الأجزاء، ما تيسّر منها. مسابقا بإصدارها عوادي الزمان، و حوادث الأيّام.

و اللّه خير حافظا و هو أرحم الراحمين.

بحمدون في 28 تموز 1971 عبود الشالجي المحامي‏

7

مقدّمة المؤلف‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ قد قدّمت في الجزء الأول، الحمد للّه، و الثناء عليه، و ذكرت من الأخبار، ما لم تدر، لأنها مما لم تجر العادة بكتب مثلها، و لا ما يكاد أن يتجاوز به الحفظ في الضمائر، إلى التخليد في الدفاتر، و إنّها من جنس ما سبقت إلى كتبه، و إنّما يستحسن في المحاضرة، و يطيب في المذاكرة، إذا جرى ما يقتضيه، و عرض ما يستدعيه.

و ذكرت إنّها تتضمّن من شريف الفوائد، و طريف المآثر، كلّ لون، و تجمع كل لون من الحكم الجديدة، و الأمثال المفيدة، و الرسائل البليغة، و الأشعار المطربة المليحة، التي لم يشهرها قائلوها بالنشر، ترفّعا لأنفسهم فيها عن النشر و التسطير، أو كما اتّفق عليهم.

و تثنّى مع ذلك‏[بنتف‏]من كرم الأجواد، و قصص الأمجاد، و الأحاديث الأفراد، و معايب البخّال‏ (1) ، و نوادر الجهّال، و واعظ المنامات، و طريف الاتّفاقات، و عيون الفنون و الحكايات، و أخبار ضروب الناس و أخلاطهم و جلّتهم و أوساطهم، مما لا تعبّر عنه الكتب، و لا يكاد يوجد مسطورا عند أهل الأدب.

و أفصحت عن السبب الذي حرّكني على جمعها، و نشّطني لكتبها،

____________

(1) البخال: بفتح الباء و تخفيف الخاء أو تشديدها، الشديد البخل.

8

و هو ما اعتبرته‏ (1) من تغيّر الطبائع، و استحالة الصنائع، و موت الرجال، و قلّة الأموال، و فقد الكمال، في أكثر الأحوال، و عدم الراغب في الحفظ، لليسير من اللفظ، فضلا عن الكثير، و تواطئ الجمهور، على هذه الأمور، في هذا الزمان الصعب، الكثير النّوب، القاطع بمحنه عن الأدب.

و اعتذرت إلى قارئها من التقصير فيها، بأن قلت: إنّه لو لم يكن فيها، إلاّ أنّها خير من موضعها بياضا، لكفى.

و أطلت الكلام في صدر الجزء الأول بما لا يقتضيه هذا المكان، و اللّه الموفّق للإحسان، و هو خير مستعان‏ (2) .

____________

(1) في الأصل: ما اعتذر به، و الصحيح ما أثبتناه، و اعتبر: اختبر.

(2) انفردت نسخة ط بهذه المقدمة.

9

1 علوّ نفس أبي جعفر القاضي‏

حدّثني أبي‏ (1) ، رضي اللّه عنه، قال: حدّثني سهل بن عبد اللّه الإيذجي‏ (2) ، و كان أحد شهودها و وجوهها (3) ، و يخلفني على القضاء، و غيري، بها طويلا، قال: حدّثني أبي، و كان رئيس البلد، و من وجوه شهوده:

أنّ أبا جعفر، محمد بن منصور القاضي‏ (4) ، لما تقلّد كور الأهواز (5) ، من قبل المتوكل، أوّل دفعة، و وردها، أحبّ أن يطوف عمله.

قال: و كان شديد الشرف، عظيم النعمة و النفقة في مروءته، حتى إنّه كان يستعمل في مطبخه، بدلا من الشيرج‏ (6) ، دهن اللوز و الجلّوز (7) .

و كان في داره رحى لطيفة، يديرها حمار له، يستخرج عليها دهن اللوز دائما.

و كان يستعمل في مطبخه، من اللحم، و الدجاج، و الفراخ، و الحملان، و الجداء (8) ، أكثر ممّا يتّخذه الوزراء، في كثير من الأمور.

____________

(1) والد المؤلف: أبو القاسم علي بن محمد القاضي التنوخي، ترجمته في حاشية القصة 2/ 74 من النشوار.

(2) راجع القصة 2/109 و القصة 3/178 من النشوار.

(3) يعني من وجوه ايذج و هي بلدة من كور الأهواز.

(4) جاء في أخبار القضاة للقاضي وكيع (3/320) : أن القاضي محمد بن منصور ولي قضاء الأهواز ثلاث مرات، وليها أولا، ثم عزل بالكلبي، ثم رد محمد بن منصور إلى سنة أربعين (يعني 240) ثم أشخص إلى سر من رأى، ثم أعيد.

(5) كور الأهواز: راجع حاشية القصة 1/124 من النشوار.

(6) السيرج و الشيرج: دهن السمسم، من الفارسية (شيره. ) .

(7) في الأصل: الجلوا، و الجلوز حب الصنوبر الكبار، معرب عن (جالفوزة) فارسية.

(8) الجداء جمع الجدي، و هو ولد المعز في السنة الأولى.

10

فقدم علينا، فأبعدنا في تلقّيه‏ (1) ، و سألناه النزول علينا، فامتنع. و قال:

لا يجوز للقاضي أن ينزل على أحد.

فقلنا[106 ط]له: فنفرغ لك أحد المنازل، فكأنّه أجاب إلى هذا.

و سبقناه إلى البلد، فأخلينا له دارا من دورنا، و جاء فنزل فيها.

فاجتهدنا في قبول غلمانه لطفا (2) منّا، أو شيئا، قليلا أو كثيرا، فامتنعوا، و قالوا: إنّه متى علم أنّكم فعلتم ذلك، صارت عداوة، و ما قبل لأحد من خلق اللّه شيئا قط.

فلمّا كان بعد أسبوع، استدعاني، فقال لي: يا أبا محمد، كيف سعر الخبز عندكم؟ فقلت: خمسون رطلا بدرهم.

فقال: فالدجاج؟ فقلت: ثلاث بدرهم.

فقال: فالفراخ؟ فقلت: ستة بدرهم.

قال: فالجداء؟ فقلت: أجود جدي بدرهمين.

و أخذ يسائلني عن العسل، و السكّر، و حوائج السقط، و غير ذلك.

من الفواكه، و الثلج، و أنا أخبره بسعر البلد على الحقيقة، بالذي يشترى لنا، و لسائر الناس مثله، و يقول: أ هكذا يشترى لكم؟فأقول: نعم.

فلما استتمّ الكلام، قال: يا غلام، قل للموكّلين، و الفراشين، أن

____________

(1) يعني استقبلناه من مكان بعيد.

(2) اللطف: بفتح اللام و الطاء: الهدية.

11

يحملوا، و يشدّوا الثّقل‏ (1) على البغال و الجمال، و تقدّم إلى الغلمان بالمسير مع السواد، و أن يتخلّف معي للركوب من جرت عادته بذلك، و أسرجوا لي الدواب و العمّاريّة (2) ، فقلت: أحدث، أعزّ اللّه القاضي، أمر؟.

فقال: نعم، إنّني أحاسب وكيلي، في كل أسبوع يوما، على ما ينفقه في طول الأسبوع، و لما كان البارحة، حاسبته، فرفع إليّ من أسعار ما اشتراه، مثل ما ذكرت، فكدت أن أوقع‏ (3) به، و لم أشكّ في أنّكم قد دسستم إلى الباعة، أن يبيعوه بهذا السعر، إرفاقا لنا، لمّا امتنعنا من قبول هداياكم، ثم توقّفت عن الإيقاع به، إلى أن أسألك عن الصورة، و أكشف.

فلما جئتني اليوم، و سألتك، و أنت عندي مقبول الشهادة، و قلت لك، أن تخبرني، كيف تشتري أنت و أهل البلد، فأخبرتني أنّك و هم تشترون بهذا، علمت أنّ هذا بلد لا تقوم فيه مروءة لشريف، و أنّ الضعيف و الشريف فيه يتساويان في اللذّات و المروءات، فلا حاجة لي بالمقام‏ (4) فيه، و لا بدّ أن أرحل الساعة، و أجعل مقامي بحيث تبين مروءتي، و تظهر نعمة اللّه عندي.

قال: و رحل عنّا من يومه‏ (5) .

____________

(1) الثقل: متاع المسافر.

(2) العمارية: شبه الهودج يوضع على ظهر الدابة و يركب فيه المسافر.

(3) في الأصل: آمر.

(4) في الأصل: القيام.

(5) انفردت بها ط.

12

2 الحكم كالسهم إذا نفذ لم يمكن ردّه‏

و حدّثني أبي، رضي اللّه عنه، إنّ بعض المعمّرين من الشهود بالأهواز، حدّثه، و ذكر هو الشاهد و أنسيته أنا، عن أبيه أو بعض أهله، قال:

كان محمد بن منصور، يتقلّد بكور الأهواز، و عمر بن فرج الرّخّجيّ‏ (1) ، يتقلّد الخراج بها.

و كانا يتوازيان في المرتبة السلطانية. فلا يذهب القاضي إلى الرخجيّ إلا بعد أن يجيئه، و يتشاحّان على التعظيم. و ترد كتب الخليفة إليهما، بخطاب واحد، قال: و تولّدت‏[107 ط]من ذلك، عداوة بينهما، فكان الرخّجيّ يكتب في القاضي، إلى المتوكل، فلا يلتفت إلى كتبه، لعظم محلّه عند المتوكّل، و يبلغ ذلك القاضي، فيقلّ الحفل به، و يظهر الزيادة في التعاظم عليه.

فلما كان في بعض الأوقات، ورد كتاب المتوكل، على الرخّجيّ، يأمره بأمر في معنى الخراج، و أن يجتمع مع محمد بن منصور القاضي، و لا

____________

(1) عمر بن فرج بن زياد الرخجي: نسبته إلى رخج، كورة و مدينة في نواحي كابل (معجم البلدان 2/770) ، كان من كبار العمال في الدولة العباسية، و اشتهر هو و أبوه بسوء السيرة، قال المسعودي في مروج الذهب (2/403) : في سنة 233 سخط المتوكل على عمر بن فرج الرخجي، و كان من علية الكتاب، و أخذ منه مالا و جوهرا نحو مائة ألف و عشرين ألف دينار، ثم غضب عليه غضبة ثانية، و أمر أن يصفع في كل يوم، فأحصي ما صفع، فكان ستة آلاف صفعة، و ألبسه جبة صوف، و سخط عليه ثالثة، و أحدره إلى بغداد، و أقام بها حتى مات. راجع الهفوات النادرة رقم 157 ص 151، و الفرج بعد الشدة 2/64.

13

ينفرد عنه، و ورد بالكتاب، خادم كبير من خدم السلطان.

فأنفذ الرخّجيّ إلى القاضي، فأعلمه، و قال: يصير إلى ديوان الخراج لنجتمع فيه على امتثال الأمر.

فقال القاضي: و لكن تصير أنت إلى الجامع، فنجتمع فيه، و تردّد الكلام بينهما، إلى أن قال الرخّجيّ للخادم: ارجع إلى حضرة أمير المؤمنين، و اذكر القصّة، و إنّ قاضيه يريد إيقاف ما أمر به.

و بلغه الخبر، فركب محمد بن منصور، إلى الديوان، و معه شهوده، فدخله، و الرخجيّ فيه في دست، و كتّابه بين يديه، فلما بصروا به، قاموا إليه، إلاّ الرخّجيّ.

فعدل القاضي عن موضعه في الديوان، فجلس في آخر البساط، بعد أن أمر غلامه، فطوى البساط، و جلس على البارية (1) ، و حفّ شهوده به، و جاء الخادم، فجلس عند القاضي، و أوقفه على الكتاب.

و لم يزل الرخّجيّ، يخاطب‏ (2) القاضي، و بينهما مسافة، حتى فرغوا من الأمر.

فلما فرغوا، قال الرخّجيّ، للقاضي: يا أبا جعفر، ما هذه الجبريّة (3) ؟ لا تزال تتولّع بي، و تتحكّك بمنافرتي و مضاهاتي، و تقدّر أنّك عند الخليفة-أطال اللّه بقاءه-مثلي، و محلّك يوازي محلّي.

قال: و أسرف في هذا الجنس من الفنّ، و حمي في الخطاب، و القاضي ساكت.

إلى أن قال الرخّجيّ، في جملة الكلام: و الخليفة-أعزّ اللّه نصره-

____________

(1) البارية: الحصير المصنوع من القصب، و لم يزل هذا اسمها في بغداد.

(2) في الأصل: يطالب.

(3) الجبرية: الكبرياء.

14

لا يضرب على يدي في أمواله التي بها قيام دولته، و لقد أخذت من ماله، ألف ألف دينار، و ألف ألف دينار، و ألف ألف دينار، و ألف ألف دينار، فما سألني عنها. و إنّما إليك أن تحلّف منكرا على حقّ، أو تفرض لامرأة على زوجها، أو تحبس ممتنعا عن أداء حقّ.

و أخذ يعدّد هذا و شبهه، و أبو جعفر، كلّما ذكر الرخّجيّ ألف ألف دينار، و ثنّى القول، يعدّد بأصابعه، و قد كشفها ليراها الناس.

فلما أمسك عمر، لم يجب بشي‏ء، و قال: يا فلان الوكيل.

قال: لبيك أيّها القاضي.

قال: سمعت ما جرى؟ قال: نعم.

قال: قد وكّلتك لأمير المؤمنين و للمسلمين، على هذا الرجل في المطالبة بهذا المال.

فقال له الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين.

قال: و الرخّجيّ ممسك، و الناس حضور على بكرة أبيهم‏ (1) ، لا يدرون ما يريد أن يفعل.

قال: فأخذ محمد بن منصور دواة، و كتب بخطته في مربّعة (2) سجلا بذلك المال، و رمى به إلى الشهود، و قال: اشهدوا على إنفاذي الحكم بما في هذا الكتاب، و إلزامي فلان ابن فلان، هذا، و أومأ بيده إلى [108 ط]الرخّجيّ، بما أقرّ به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا الكتاب للمسلمين.

____________

(1) يقال: جاءوا على بكرة أبيهم، إذا جاءوا جميعا و لم يتخلف أحد، و العامة ببغداد يقولون «جو عن بكرة أباهم» يعني: جاءوا بأجمعهم.

(2) المربعة: على ما يظهر ورقة مربعة الشكل تسجل فيها أحكام القضاة.

15

و كتب الشهود خطوطهم بالشهادة بذلك، و ختموها، و أخذها محمد ابن منصور، و جعلها في كمّه، و نهض.

و أخذ الرخّجيّ يهزأ بالقاضي، و يظهر التهاون بفعله ذلك.

و قال له لمّا أراد القيام، طانزا (1) : يا أبا جعفر، بالغت في عقوبتي، قتلتني.

فقال أبو جعفر: إي و اللّه.

فما سمعناه أجابه بغيرها، و افترقا، و كتب صاحب الخبر، للوقت، إلى المتوكل.

قال: فبلغنا أنّ كتابه لما عرض على المتوكل، أحضر وزيره، و قال له: يا فاعل يا صانع، أنا أقول لك منذ دهر، حاسب هذا الخائن المقتطع، الرخّجيّ، على أموالنا، و أنت تدافع، حتى حفظها اللّه علينا، بقاضينا محمد بن منصور، و رمى إليه بكتاب صاحب الخبر.

و قال له: قد ظهرت الآن أموالنا، في سقطات قوله، و فلتات لسانه‏ (2) ، و هذه عادة اللّه عزّ و جل عند أئمّة عباده، أن يأخذ لهم أعداءهم، اكتب الساعة بالقبض على الرخّجيّ، و تقييده، و غلّه، و حمله.

قال: فخرج الوزير، و هو على غاية القلق، لعنايته بالرخّجيّ، و استدعى خليفته‏ (3) و قال له: اكتب إليه الساعة، قد تسرّعت يا مشوم، و قتلت نفسك، ما كان الذي دعاك إلى معاداة القضاة؟، قد جرى كيت و كيت، و أنت مقتول إن لم تتلاف أمر محمد بن منصور، فاجتهد فيه، و أعلمه، أنّي هوذا، أؤخّر اليوم فقط، في إنفاذ من يقبض عليه، إلى أن يحكم

____________

(1) طانزا: مستهزئا.

(2) في الأصل: أفعاله.

(3) يعني خليفة الرخجي، و قد كان لكبار العمال، مثل عامل الأهواز و عامل مصر و غيرهما، خليفة في الحضرة.

16

أمره مع القاضي، و أقول للخليفة: إنّي قد أنفذت إليه، و أنفذ إليه في غد، من يمتثل الأمر فيه.

فلما ورد كتابه على الرخّجيّ، قامت قيامته، و أحضر من يختصّ به، فشاوره. فقال له: تركب الساعة إليه، و تطرح نفسك عليه.

قال: فركب إليه، في موكب‏ (1) عظيم، فحجبه القاضي. فاجتهد في أن يوصله إليه، فما كان إلى ذلك طريق، فرجع خجلا.

و قال لأصحابه: ما ترون؟فإنّي أخاف أن يقدم العشيّة من يقبض عليّ.

فقالوا له: إنّ للقاضي رجلا تانئا (2) ، من أهل البلد، يقال له: فلان، قد اصطنعه، و ائتمنه، و يريد قبول شهادته، و هو غالب عليه جدا، فتستدعيه، و تكتب له روزا (3) بشي‏ء من خراجه، و تسأله أن يوصلك إليه، و يستصلحه لك.

فأحضره الرخّجيّ، و كتب له روزا بألف دينار من خراجه، و سأله ذلك.

فقال له: أمّا استصلاحه لك، فلا أضمنه، و لكن أوصلك إليه.

فقال له: قد رضيت.

فقال: إذا كان وقت المغرب، فانتظرني، و خرج الرجل.

فلمّا كان وقت المغرب، صار إلى الرخّجيّ، فقال: تلبس عمامة، و طيلسانا، و تركب حمارا، و تجي‏ء.

قال: ففعل ذلك، و ركبا بغير شمعة.

و جاء الرجل، فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي، و لصديق لي معي، فدخل إليه و خرج فقال: ادخلا.

____________

(1) في الأصل: موضع.

(2) في الأصل: شابا، و التانى‏ء هو المقيم في البلد من وجوه أهلها.

(3) الروز: الوصل المثبت الاستلام.

17

فحين شاهد القاضي الرخّجيّ، اقبل يصيح و يقول: هذا الحال، و أنت أمين؟هاه.

ثم قال‏[109 ط]للرّخّجيّ: اخرج عافاك اللّه عن داري.

قال: فبادر الرخّجيّ، فأكبّ على رأسه، فلما رآه القاضي قد فعل ذلك، قام إليه، فعانقه.

و بكى الرخّجيّ بين يديه، و دفع الكتاب إليه.

قال: فبكى القاضي، و قال: عزيز عليّ يا هذا، ما كان اضطرّك إلى الإقرار؟ فقال: تحتال في أمري، فقال: و اللّه ما لي حيلة، فإنّ الحكم كالسهم، إذا نفذ لم يمكن ردّه، فجهد به الرخّجيّ، فما زاده على ذلك، فانصرف بأقبح منصرف.

فلما كان من الغد، ورد خادم، فقبض عليه و غلّه، و قيّده و حمله.

و ورد كتاب الخليفة على القاضي، يقول: أحسن اللّه جزاءك على ما فعلته في حفظ أموال المسلمين، و قد كنّا نأمر بمحاسبته، فيتأخّر ذلك لعوائق، و الآن فقد أقرّ طائعا غير مكره، فما نؤثر معاملته، إلاّ بما يعمله أهل الذمة لو كانوا في مكاننا، من أخذ الحق بالحكم، و قد أنفذته على الواجب، بارك اللّه عليك، و إنّ للرجل أملاكا قبلك، فتنصب من يبيعها، و تحمل ثمنها إلى بيت المال، قضاء لما أقرّ به.

قال: فنصب محمد بن منصور، من باع أملاك الرخّجيّ في كور الأهواز، على عظمها، و حمل ثمنها إلى بيت المال، فهي الأملاك المبيعة، التي تعرف إلى اليوم بالرخجيّات.

و حصل الرخّجيّ في العذاب بسر من رأى‏ (1) .

____________

(1) انفردت بها ط، و وردت في كتاب الهفوات 151.

2 ن 2

18

3 شيخ أهوازي يسعى في صرف عامل الأهواز

و حدّثني خال والدي، أبو القاسم بن أبي علاّن، عبد اللّه بن محمد ابن مهرويه‏ (1) . قال: أخبرني شيخ من شيوخنا، قال:

كان عمر بن فرج الرخّجيّ، يتقلّدنا في الدفعة الأولى، ثم صرف عنّا، و ولينا عامل بعده.

فخرجنا في بعض السنين نتظلّم، و كانت أملاك عمر عندنا كثيرة و له البستان المعروف بالتفرّج قديما، الذي في وسط البلد، و يعرف الآن بالبستان الصغير.

قال: فلما حصلنا بحضرة الخليفة نتظلّم، عارضنا عمر، و أخذ يكلّمنا بكلام عارف بالبلد، محتجّ بحجاج صحيح يبطل به ظلامتنا.

و كان المتكلم عنّا، فلان، رئيس البلد، أسماه أبو القاسم و أنسيته، فأومأ إلينا أن اسكتوا، فسكتنا.

فقال: أيد اللّه أمير المؤمنين، قد أضجرناه اليوم بالخطاب، فنعود في مجلس ثان.

فقال: ذاك إليكم.

فانصرفنا، فقلنا له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنّكم لا تعلمون ما علمت.

قال: فلما كان عشيّا، جئنا إلى منزل عمر، و دخل إليه، و نحن

____________

(1) راجع القصة 1/119 و 1/120 من النشوار.

19

معه، فاستخلاه مجلسه، فأخلاه.

فقال له: يا هذا، إنّك أخذت اليوم تسعى على دمائنا، و ناظرتنا مناظرة عارف ببلدنا، و لو رددنا عليك، لكنّا إما أن نقطعك، أو تقطعنا فنهلك، و لم تكن بك حاجة إلى ما عاملتنا به، و لا فائدة لك.

و لا أنت الآن عاملنا، فيخرج عن يدك ما تنظر لنا به، و إنّا قد وردنا و معنا في أنفسنا أمر، إن عدنا إلى بلدنا بغيره سقط جاهنا، و قال أكثر أهل الكور: خرجوا فما عملوا شيئا، و لا يخلو إمّا أن يكون ما التمسناه حقّا أو باطلا، فإن كان حقا، فقطعك لنا عنه ظلم‏[110 ط] و إن كان باطلا، فمنعك لنا منه ذلّ، و ليس يجوز لنا الرجوع إلاّ به، لأنّ في رجوعنا ذهاب الجاه، و طمع العمال‏ (1) في نعمتنا، و أنت تعلم ما لك عندنا من الضياع و الأموال، و عليّ و عليّ، قال: و حلف بالطلاق و أيمان البيعة، لئن لم تعاونّا غاية المعاونة، و تشهد لنا في المجلس الثاني بكلّ ما نريده لأخرجنّ الساعة، و أعملنّ عملا بخراجك و ضياعك، و ما أسقطته عن نفسك أيّام تقلّدك البلد، من أصول الخراج، و اقتطعته من العمالة أيضا، و يشتمل على ألفي ألف دينار، و أقول للخليفة: إنّ لك عندنا مبقلة، ستون جريبا، قيمتها ستون ألف دينار-يعني البستان الذي تقدّم ذكره-و هو المتوكّل‏ (2) ، و أقيم هؤلاء شهودا كلهم، يشهدون عليك بصحّة المال، و يواجهونك بما أنسبه إلى أنّك أخذته منهم و من غيرهم، و يحلفون عليه، و أواجهك بالسعاية و الوقيعة، بحضرة المتوكّل، و أدع ما قدمت له، حتى إذا وقعت في النكبة و المطالبة، رهبني الوزراء أوّلا،

____________

(1) في الأصل: العوامل.

(2) في الأصل: و هو للمتوكل، و الصحيح ما أثبتناه، و هي كلمة تهديد للرخجي.

20

و كلّ من يعلم أنّني كنت سبب نكبتك، من العمّال، و أصحاب الدواوين، و صاروا أعوانا لي و شهودا، فأبلغ بذلك محبتي، و أرجع إلى منزلي سالما، و أنت منكوب.

قال: فحين سمع عمر ذلك، اسودّ وجهه، و قال: أو أيش؟ قال: تحلف أنّك تشهد لنا، و تعاوننا.

قال: فحلف على ذلك، و قمنا.

فلما كان في المجلس الثاني، حضرنا حضرة المتوكّل، و أقبلنا نتظلّم، و عمر يشهد لنا، و يصدّق قولنا.

فما برحنا إلاّ بصرف عاملنا، و بالنظر لنا في معظم حوائجنا، و احتسابه لنا بمظالم التمسناها، و بلغنا ما أمّلناه و قدّرناه، و زدنا عليه، و خرجنا.

فقال لنا الشيخ: كيف رأيتم هذا الرأي؟أيّما كان أجود، هذا، أو أن نحاجّ عمر بن فرج في ذلك المجلس، و يحاجّنا، و يضرّنا بمناظرته، فيضجر الخليفة، فيأمر بإخراجنا، فلا نصل إليه أبدا، و يقول: هؤلاء طامعون بالمال، و نعود بالخيبة إلى منازلنا، بعد السفر و النفقة.

فقلنا له: أحسن اللّه جزاءك، فأنت أبصر منّا بالرأي‏ (1) .

____________

(1) انفردت بها ط.

21

4 من مكارم أخلاق المأمون‏

من أحاديث أبي الحسن محمد بن عليّ بن الخلاّل البصري، رحمه اللّه، قال: حدّثني أبو القاسم، عليّ بن محمّد بن أبي الفهم التنوخيّ، رحمه اللّه‏ (1) ، قال: قال محمد بن منصور القاضي:

التمس أمير المؤمنين المأمون، رجلا يكون بصحبته في بعض أسفاره، فأشير عليه بي، و كنت حديث السنّ، فركبت معه في العمّارية، فأجلسني عن يمينه، فلما أمسينا غلبني النوم.

فقال لي من غد: نومك يا محمد، نوم الشباب، فاجعل الليل أثلاثا، فثلث للحديث، و ثلث للنوم، و ثلث للذكر، ثم أدارني فأجلسني عن شماله.

ثم قال لي: أ تدري لم أجلستك بالأمس عن يميني؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين.

فقال: إنّي وجدت في معدتي بلّة (2) و ما تنخّمت‏ (3) قط عن يميني.

قال القاضي التنوخيّ: و كان محمد بن منصور[111 ط]هذا، نبيلا، جليلا، ذا مروءة تامّة (4) .

____________

(1) علي بن محمد التنوخي: هو والد المحسن صاحب النشوار، ترجمته في حاشية القصة 2/74 من النشوار.

(2) البلة: يريد بها كثرة الريق.

(3) النخامة: ما يطرده الإنسان من صدره أو أنفه، و التنخم: دفع النخامة.

(4) انفردت بها ط.

22

5 مروءة القاضي محمد بن منصور

و أخبرني بعض شيوخنا:

إنّه‏ (1) لما تولّى الحكم بكور الأهواز، دخل إلى جنديسابور، فنظر في حساب و كيله، فإذا هو قد احتسب عليه بثمن جدي، درهم، و ثمن عشرة أفراخ، درهم.

فقال للموكّل له: أ لم أتقدّم إليك، ألاّ تبتاع شيئا، من بائع يعلم أنّك وكيلي؟ قال: بلى، و على ذلك أعمل.

قال: فلو لم يعلم البائع، أنّك وكيلي، لما حاباك هذه المحاباة.

فقال: هذا ما ابتعته بهذا البلد، و هكذا يباع لسائر المبتاعين.

فالتفت إلى بعض شهوده، فقال: أ هكذا هو؟ فقالوا: قد حيف عليه، أيّها القاضي، إنّا لنبتاع الجدي بأربعة دوانيق، و نحوها.

فقال: هذا بلد لا يقيم فيه ذو مروءة.

ثم أسرع بالرحيل عنه‏ (2) .

____________

(1) يعني القاضي محمد بن منصور.

(2) انفردت بها ط.

23

6 حرمة القضاء في العهد العباسي‏

قال التنوخيّ: و أخبرني بعض شيوخنا، عنه‏ (1) :

إنّه كان جالسا للحكم، في المسجد الجامع بسوق الأهواز، فاجتاز بباب الجامع عامل الكور، فرأى جمع الناس. فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا القاضي.

قال: هذا كلّه لأبي جعفر؟ فنقلت الحكاية إليه، فقطع النظر، و انصرف إلى داره، و كتب إلى السلطان يومئذ، يقول: إنّ فلانا العامل، اجتاز بي، و أنا أنظر في الحكم في المسجد الجامع، فذكرني بحضرة العامّة، بالكنية دون اللقب، ذكر المزري عليّ، المانع لي من التشريف الذي البسنيه أمير المؤمنين، و إنّ الذي أنظر فيه إنّما هو انتزاع أموال الناس، التي فيها يتهالكون، و عليها يتقاتلون، و أنا أنتزعها بالهيبة و الكرامة.

فخرج أمر السلطان، بأن يضرب ذلك العامل، على باب المسجد بالأهواز ألف سوط.

فلما وقف على ذلك، خليفة العامل بالحضرة، اجتهد في إزالته بكل حيلة، فما أمكنه.

فبذل للفيج‏ (2) الحامل للكتاب، مائة دينار، ليتأخر عن النفوذ، ليلة واحدة، ثم بادر برسوله إلى العامل، يصف ما جرى، و ما فعله من استنظار الفيج، ليقدّم الحيلة في الدفع عن نفسه.

____________

(1) يعني القاضي محمد بن منصور.

(2) الفيج: الرسول الذي يحمل الرسائل من بلد إلى بلد.

24

فلمّا ورد الرسول إلى العامل، نهض من وقته، إلى بعض إخوان القاضي، من شهود البلد، و طرح نفسه عليه، و لم يعلم باطن أمره، و سأله إصلاح قلب القاضي له.

فصار معه إلى باب القاضي ليلا، و لم يزل حتى وصل إليه، و أغرق في الاعتذار إليه، و الخضوع له، حتى قال: قد قبلت العذر، و صفحت عن الذنب، فانصرف.

فغاداه الفيج بما أمر به في بابه، فقال: إنّي قد صفحت عنه‏ (1) .

7 جزاء الوالي الظالم‏

قال أبو الحسين محمد بن علي بن إبراهيم بن شعيب، و حدّثني القاضي أبو عبد اللّه الحسين بن شعيب الأرجاني، و كان من شيوخ أهل العلم و الرئاسة ببلده:

أنّ عاملا للمكتفي‏ (2) رحمة اللّه عليه، بكورة أرجان‏ (3) ، طالب بعض أهل الخراج بخراجه، فتغيّب عنه، فأمر بإحراق بابه.

فاتصل الخبر بالمكتفي، فأنفذ من قبض‏[112 ط]على العامل، فضربه على باب المسجد بأرجان، ألف سوط (4) .

____________

(1) انفردت بها ط.

(2) المكتفي: ترجمته في حاشية القصة 1/155 من النشوار.

(3) أرجان: راجع حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(4) انفردت بها ط.

25

8 الجذوعي القاضي يشهد على الخليفة المعتمد

قال أبو الحسين محمد بن علي‏ (1) ، و حدّثني أبي رحمه اللّه، و سمعته من غيره:

إنّ القضاة و الشهود، بمدينة السلام، أدخلوا على المعتمد على اللّه‏ (2)

للشهادة عليه في دين كان اقترضه عند الإضافة بالإنفاق على حرب صاحب الزنج‏ (3) .

فلما مثلوا بين يديه، قرأ عليهم إسماعيل بن بلبل‏ (4) الكتاب، ثم قال:

إن أمير المؤمنين-أطال اللّه بقاءه-يأمركم أن تشهدوا عليه، بما في هذا الكتاب.

فشهد القوم، حتى بلغ الكتاب إلى الجذوعي القاضي‏ (5) ، فأخذه بيده و تقدم إلى السرير، فقال: يا أمير المؤمنين، أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فقال: اشهد.

فقال: لا يجوز، أو تقول: نعم، فأشهد عليك.

____________

(1) هو أبو الحسين محمد بن علي بن إبراهيم بن شعيب المذكور في القصة السابقة.

(2) الخليفة المعتمد: أحمد بن جعفر المتوكل، ولد بسامراء، و ولي الخلافة سنة 256، و كان الأمر مدة خلافته إلى أخيه الموفق طلحة، و لم يكن له من الخلافة سوى الاسم، توفي سنة 279 (الأعلام 1/102) .

(3) صاحب الزنج علي بن محمد الورزنيني: ترجمته في حاشية القصة 1/78 من النشوار.

(4) إسماعيل بن بلبل: وزير المعتمد: راجع ترجمته في حاشية القصة 1/76 من النشوار.

(5) الجذوعي القاضي: أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد الأنصاري، كان ثقة، و توفي سنة 291 ببغداد (المنتظم 6/48) .

26

فقال: نعم، فشهد في الكتاب، ثم خرج.

فقال المعتمد: من هذا؟ فقيل له: هذا الجذوعي البصري.

فقال: و ما إليه؟ فقالوا: ليس إليه بشي‏ء.

فقال: مثل هذا لا يكون مصروفا، فقلّدوه واسطا.

فقلّده إسماعيل، و انحدر.

فاحتاج يوما إلى مشاورة الحاكم، فيما يشاور في مثله، فقال: استدعوا القاضي، فحضر، و كان قصيرا، و له دنيّة (1) طويلة، فدخل في بعض الممرّات و معه غلام له، فلقيه غلام كان للموفّق‏ (2) ، و كان شديد التقدّم عنده، و كان مخمورا، أو سكرانا، فصادفه في مكان كان خاليا من الممرّ، فوضع يده على دنيّته، حتى غاص رأسه فيها، و تركه و مضى.

فجلس الجذوعي في مكانه، فأقبل غلامه، حتى فتقها، و أخرج رأسه منها، و ثنى رداءه على رأسه، و عاد إلى داره، و أحضر الشهود، و أمرهم بتسلّم الديوان، و رسل الموفّق يتردّدون، و قد سترت الحال عنه. حتى قال بعض الشهود، لبعض الرسل، الخبر، فعاد إلى الموفق، فأخبره بذلك.

فأحضر صاحب الشرطة، و أمره بتجريد الغلام، و حمله إلى القاضي، و ضربه هناك ألف سوط.

و كان والد هذا الغلام من جلّة القوّاد، و محلّه محلّ من لو همّ بالعصيان أطاعه أكثر الجيش، فترجّل القوّاد، و صاروا إليه، و قالوا: مرنا بأمرك،

____________

(1) الدنية: عمامة تشبه الدن في شكلها، كانت تلبسها القضاة.

(2) الأمير الموفق طلحة: ترجمته في حاشية القصة 1/73 من النشوار.

27

فقال: إنّ الأمير الموفّق، أشفق عليه منّي.

فمشى القوّاد بأسرهم مع الغلام، إلى باب الجذوعي، فدخلوا عليه و ضرعوا له، فأدخل صاحب الشرطة، و الغلام، و قال: لا تضربه.

فقال: لا أقدم على خلاف أمر الموفّق.

فقال: فإنّي أركب إليه، و أزيل ذلك عنه.

فركب فشفع له، و صفح عنه‏ (1) .

9 إيحاشك فقد، و إيناسك وعد

حدّثني أبي رضي اللّه عنه:

إنّ صديقا لأبي خليفة القاضي‏ (2) ، اجتاز عليه راكبا، و هو في مسجده، فسأله أن ينزل عنده ليحادثه.

فقال: أمضي و أعود.

فقال له أبو خليفة: إيحاشك فقد، و إيناسك وعد (3) .

____________

(1) انفردت بها ط، و وردت في المنتظم 6/48 و تاريخ بغداد 3/205.

(2) أبو خليفة القاضي، الفضل بن الحباب بن محمد الجمحي: ولي القضاء بالبصرة، و كان شاعرا، و له تآليف في الشعر و الأدب، توفي سنة 305 بالبصرة (أخباره في معجم الأدباء 6/134 و في مروج الذهب المسعودي 2/500 و 501) .

(3) انفردت بها ط، و وردت في معجم الأدباء 6/137.

28

10 أبو خليفة القاضي و الكلام المسجوع‏

قال: و كان أبو خليفة (1) كثير الاستعمال للسجع في ألفاظه.

و كان بالبصرة رجل يتحامق، و يتشبّه به، يعرف بأبي الرطل، و لا يتكلّم إلاّ بالسجع، هزلا كلّه.

فقدّمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة، و هو يلي قضاء البصرة[113 ط] إذ ذاك، و ادّعت عليه الزوجية و الصّداق، فأقرّ لها بهما.

فقال له أبو خليفة: أعطها مهرها.

فقال أبو الرطل: كيف أعطيها مهرها، و لم تفلع‏ (2) مسحاتي نهرها؟ قال أبو خليفة: فأعطها نصف صداقها.

قال: لا، أو أرفع ساقها، و أضعه في طاقها.

فأمر به أبو خليفة، فصفع.

أخبرني غير واحد: إنّ أبا الرطل هذا، كان إذا سمع رجلا يقول:

لا تنكر للّه قدرة، قال هو: و لا للهندبا خضرة، و لا للنخلة بسرة، و لا للعصفر حمرة، و لا للزردج صفرة، و لا للقفا نقرة.

قال: و كان إذا سمع العامة يقولون: ديوك لا تغرق، قال هو: و الديك لا تسرق، و سنور لا يزلق، و نور لا يعبق، و ذرة لا تسرق، حتى لا تغرق، و نار لا تحرق، و خليفة لا يسرق، و قاض لا يحنق‏ (3) .

____________

(1) أبو خليفة القاضي: الفضل بن الحباب بن محمد الجمحي، ترجمته في حاشية القصة 2/9 من النشوار.

(2) فلع: شق.

(3) انفردت بها ط، و وردت مبتورة في معجم الأدباء 6/137، خالية من الاسطر الثلاثة الأخيرة.

29

11 بين علي بن عيسى و عليّ بن الفرات‏

سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدّثون، قالوا:

كان أبو الحسن عليّ بن عيسى‏ (1) ، شديد الإعظام لصناعة الكتابة، شحيحا على محلّه منها، غير مسامح لشي‏ء يعاب به، مهما صغر فيها.

و كانت المسابقة فيما بينه و بين أبي الحسن عليّ بن الفرات‏ (2) فيها، و كان كلّ واحد منهما، يتقلّد ديوانا، في وزارة العباس بن الحسن.

و كان يتصرّف في الديوان الذي يتقلّده علي بن عيسى، عامل يعنى به ابن الفرات، فقصده عليّ بن عيسى، و عمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله، و عزم على أخذها منه، و أحضره، و سلّم إليه المؤامرة.

و قال له: إن كان عندك جواب لها، فأجب، و إلاّ فالتزم المال.

فقال: آخذها إلى بيتي، و أجيب.

فقال له: خذها.

و أخذها العامل، و جاء إلى ابن الفرات، فشرح له الصّورة، و سأله أن ينظر في المؤامرة[و يلقّنه الجواب على كل باب منها.

فقرأها ابن الفرات، و قال للعامل‏] (3) لو لا الاتفاق، لما انحلّ عنك منها درهم، و لكنّ اللّه سهّل لك غلطا غلط به عليّ بن عيسى على نفسه فيها،

____________

(1) الوزير أبو الحسن علي بن عيسى: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(2) الوزير أبو الحسن علي بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(3) نقل الصابي هذه القصة في تاريخ الوزراء ص 145 و عنه أكملنا هذه الفقرة.

30

و هو رجل شديد الضنّ بصناعة الكتابة، غير مسامح لنفسه في العيب بها، و قد غلط غلطا قبيحا، لو غلط مثله صغير من الكتّاب لافتضح، و بطلت صناعته، و سقط محلّه، و ذاك إنّه قد صدّر في أول المؤامرة بابا، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك، و أنّك لم تورده، و ألزمك مالا جليلا عنه، ثم ذكر بعد ذلك، أنّك اقتطعت من غلاّت المقاسمة، أشياء أوردها، و ذكر الحجج عليك فيها، و ألزمك مالا جسيما، هو شطر مال المؤامرة.

و قد كان من قانون الحساب، و رسم الصناعة في مثل هذا، أن يبتدئ بما ثنّى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلاّت، ثم يثنّي بذكر فضل الكبا.

فإمّا إذا صدّر فضل الكيل، فقد صحّح لك الأصول، فإيراده ما اقتطعته من الأصول، ناقض للفعل الأول، و هو خطأ قبيح في الكتبة، مسقط لمحلّ من يعمله.

و سبيلك أن تمضي إليه و تخلو به، و تقول: يا سيدي محلّك في هذه الصناعة، لا يقتضي ما قد عملته في هذه‏[114 ط]المؤامرة، و قد أخطأت خطأ قبيحا، و هو كذا و كذا، و واقفه عليه.

و قل له: لا يخلو أمري معك من حالين:

إمّا كشفت خطأك للناس، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من المال، و ألزمت بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة، و هو يسير.

و إمّا تفضلت بإبطال هذه المؤامرة، و أبطلت عنّي مالها، و سترت على نفسك خطأك، و ارتفقت مني، مع هذا، بما شئت، و ابذل له مرفقا جليلا (1) ، فإنّ حذره على صناعته، و حبّه للمرفق، سيحمله على

____________

(1) المرفق: الرشوة.

31

إبطال المؤامرة، و تخريقها.

فإن امتنع من ذلك، واقفته على الخطإ بين الملإ، فإنّه يوجب عليه أن يسقط عنك ما خرّجه في أصول غلاّت الناحية، و هو شطر المال.

قال الرجل: فمضيت إلى عليّ بن عيسى سحرا، إلى منزله، فحين رآني، قال: ما عملت في جواب المؤامرة؟ قلت: بيننا شي‏ء أقوله سرا.

قال: أدن.

فدنوت منه، فقلت له ما قاله لي ابن الفرات بعينه، و فتحت المؤامرة، و وقفته على الموضع.

فحين رآه اغتمّ، و قال: يا هذا، قد وفّر اللّه عليك المرفق، فإنّ مرفقي في هذا الأمر التيقّظ على الخطإ الواقع منّي، و ستره على نفسي، و الحذر من مثله مستأنفا، و قد أسقط اللّه عنك جميع المؤامرة، و لن تسمع بعدها لفظة في معناها، و اللّه بيني و بين ابن الفرات، فإن هذا من تعليمه لك، و ليس أنت ممن يعرف مثله.

قال: فمضيت من عنده، و قد زالت المطالبة، و ربحت المرفق، و عدت إلى ابن الفرات، فحدثته، فضحك‏ (1) .

____________

(1) انفردت بها ط.

32

12 الوزير ابن الفرات يفحم مناظريه و يكاد يأكلهم‏

و اخبرني بعض الكتّاب، قال:

كان ابن الفرات‏ (1) قد صودر على ألف ألف و ستمائة ألف دينار، فأدّى جميعها في مدّة ستة عشر شهرا، من وقت القبض عليه، و كان في الحبس، يتوقّع أن يطلق.

فخاف عليّ بن عيسى‏ (2) ، و حامد بن العبّاس‏ (3) ، من إطلاقه، فتشاورا في شي‏ء يستعملانه مع المقتدر، يمتنع معه من إطلاقه.

قال: و كان أبو زنبور (4) ، قد استقدم ليحاسب، و كان من صنائع عليّ بن عيسى في وزارته الأولى.

فلما ولي ابن الفرات، أقرّه، و أحسن إليه، فكان أبو زنبور يحمل إليه في كلّ شهر عشرة آلاف دينار، مرفقا عن أعماله، و يخفيها، فتصل في أعدال البزّ، و ما يشاكل ذلك.

فقال عليّ بن عيسى، لحامد: ما أشكّ أنّ ابن الفرات، قد كان يرتفق من عامل مصر، بمرفق جليل، فنحضر أبا زنبور، و نسأله عن ذلك.

فأحضراه، و سألاه عن مرفقه، فكشف لهما عن الصورة، و صدّقهما

____________

(1) الوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(2) الوزير أبو الحسن علي بن عيسى: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(3) الوزير حامد بن العباس: ترجمته في حاشية القصة 1/5 من النشوار.

(4) أبو زنبور الحسين بن أحمد المادرائي: ترجمته في حاشية القصة 1/21 من النشوار.

33

عنها، و لم يكن فيه من الفضل ما يخفي ذلك، على الرجل و نفسه‏ (1) .

فقال عليّ بن عيسى: هذا مال عظيم، فخذ خطّ أبي زنبور، بأنّه كان يحمل إليه ذلك، و اعرضه على الخليفة.

ففعلا ذلك، و عرضاه عليه، و قالا له: يجب أن يطالب بذلك.

فقال الخليفة: أخرجوه‏[115 ط]، و طالبوه، بعد أن تناظروه.

قال: فجلس حامد بن العبّاس، و عليّ بن عيسى، و نصر القشوري‏ (2)

و ابن الحواري‏ (3) ، و أحضروا أبا زنبور معهم، و استدعوا ابن الفرات من محبسه ليناظروه.

و كان شفيع المقتدريّ‏ (4) ، يتعصّب لابن الفرات، و يعتني بأمره، و يقوم فيما بينه و بين الخليفة، فقال للمقتدر (5) : يا مولاي، إنّ ابن الفرات منكوب، و هؤلاء أعداؤه، و لعلّه أن يجيبهم بجواب لك فيه فائدة، فلا يبلغونك إيّاه، فأنفذ من يحضر المجلس، و يرقي إليك ما يجري.

فقال له: امض أنت، و افعل هذا.

قال: فخرج شفيع، فوجد ابن الفرات، في الصحن، و قد أخرج من محبسه، و هو يمشي، ليدخل مجلس الوزير.

فقال له: اثبت، فإنّي معك.

____________

(1) يريد أن أبا زنبور لم يتحل بالجلد الذي يمكنه من كتمان ذلك سترا على نفسه و على ابن الفرات.

(2) نصر القشوري: حاجب المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/83 من النشوار.

(3) أبو القاسم علي بن محمد بن الحواري: ترجمته في حاشية القصة 1/63 من النشوار.

(4) شفيع المقتدري: من رجال البلاط في عهد المقتدر، كان في السنة 305 يلي البصرة، و يليها سبك المفلحي نيابة عنه (الكامل 8/108) ، و في السنة 312 خلف شفيع اللؤلؤي على البريد بمدينة السلام و الإشراف على الوزير و على الجيش و أصحاب الدواوين و القضاة و أصحاب الشرط (تجارب الأمم 1/24 و الكامل 8/157) .

(5) الخليفة المقتدر: جعفر بن المعتضد، ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

3 ن 2

34

فقويت نفسه، و دخل المجلس، و حامد في صدر دست عظيم، برسم الوزارة، في دار الخلافة، و علي بن عيسى عن يمينه، و بجنبه ابن الحواريّ، و نصر القشوري عن يساره، و بجنبه أبو زنبور.

فسلّم ابن الفرات، و تخطّى حتى جلس بين يدي حامد، فرفعه قليلا.

و خاطبه ابن الفرات بالوزارة، و سلّم على عليّ بن عيسى، و أدار عينه في المجلس، فعرف كلّ من فيه، إلاّ أبا زنبور، فإنّه كان لغيبته بمصر، لم يشاهده قط.

فقال لمن كان إلى جانبه: من هذا؟ فقال له: هذا أبو زنبور عامل مصر.

فأحسّ ابن الفرات، بأنّه في بليّة سببها أبو زنبور. فقال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه‏ (1) .

قال: و كان أبو زنبور قصيرا دميما مقبّحا.

فقال أبو زنبور في الحال: لوددت أنّ الأرض ابتلعتني قبل ذلك.

قال: فقال له حامد، و عليّ بن عيسى: هذا فلان بن فلان، عامل مصر، قد ذكر أنّه كان يرفقك في كل شهر، من مال عمله، بعشرة آلاف دينار، تكون لمدة ولايتك، كذا و كذا، و ما حملت لبيت المال شيئا منها، و يجب الآن عليك أداءها، فما تقول؟ فقال لهما: إنّ هذا-و أومأ إلى أبي زنبور-إن كان قد أمر بالسعاية، بوزير عامله، فكشف ستره في أيّام نكبته، و سعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته، و أبان بذلك عن قدر عقله، و أمانته، و عقل من يركن إليه مستأنفا، فإنّه قد صدق فيما أخبر به.

و لم أكن لأرتفق هذا منه، لأدع له شيئا من مال السلطان، و لا لأمكّنه

____________

(1) تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: مثل يضرب لذي الاسم الداوي فإذا اقترب لم يظهر منه طائل.

35

من اقتطاعه، و لكن لأمهله من وقت إلى آخر، و أزيد في إكرامه، و مخاطبته، و أرفّهه عن إنفاذ المستحثّين، و من تلزمه عليهم المئونة التي لا يجب الاحتساب بمثلها، و كلّما يرتفق الوزراء من العمال، قديما، و حديثا[فهذا سبيله‏].

و إنّما صودرت على ألف ألف و ستمائة ألف دينار، أدّيتها صلحا، عن هذا و مثله و شبهه، و إلاّ فأي شي‏ء كان موجب مصادرتي إلاّ عن هذا و ما يشبهه؟فالمصادرة قد غسلت عنّي هذا كله.

و لكن، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق، باعترافه‏[116 ط] لمدّة عطلتي و حبسي، و هي ستة عشر شهرا، مائة ألف و ستون ألف دينار.

فإن كان أرفق الوزير أعزّه اللّه بها، فقد سقطت عنه، و الكلام فيها بين الخليفة و الوزير، و إن كان لم يحملها إليه، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير المؤمنين.

قال: فقام شفيع في الحال.

فقال له عليّ بن عيسى: إلى أين يا أبا اليسر؟ قال: إلى مولانا، أحكي له ما جرى، فإنّه أنفذني لهذا السبب، و أمرني به، و مضى.

و حمل ابن الفرات إلى حبسه.

فعاد شفيع، و قال: يقول لكم مولانا، لا يبرح أحد منكم، أو تحمل إليّ هذه المائة ألف و ستون ألف دينار، كيف شئتم.

فقال عليّ بن عيسى: جئنا به لنصادره، فصادرنا.

فألزموا أبا زنبور معظم المال، و عاونوه بشي‏ء تحمّل قسطه حامد، و عليّ بن عيسى.

و ضمنوا المال، ثم انصرفوا (1) .

____________

(1) انفردت بها ط.

36

13 أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا

حدّثني أبو القاسم الجهنيّ‏ (1) ، قال:

كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات‏ (2) ، و ابن الجصّاص‏ (3) حاضر، فتذاكروا ما يعتقده الناس لأولادهم.

فقال ابن الفرات: ما أجلّ ما يعتقده الناس لأعقابهم؟ فقال بعض من حضر: الضياع.

و قال بعضهم: العقار (4) .

و قال آخرون: المال الصامت‏ (5) .

و قال آخرون: الجواهر الخفيفة الثمن، فإنّ بني أمية سئلوا: أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟فقالوا: الجوهر الخفيف الثمن، كنّا نبيعه، فلا نطالب بمعرفة، و لا يتنبّه علينا به، و الواحدة منه أخفّ محملا من ثمنها، و ابن الجصّاص ساكت.

فقال له ابن الفرات، كالمستهزئ به: ما تقول أنت يا أبا عبد اللّه؟ فقال: أجلّ ما يعتقده الناس لأولادهم، الصنائع و الإخوان، فإنّهم إن اعتقدوا لهم ضياعا، أو عقارا، أو صامتا، من غير إخوان، ضاع

____________

(1) أبو القاسم الجهني: راجع حاشية القصة 1/12 و القصتين 2/51 و 52 من النشوار.

(2) الوزير أبو الحسن بن الفرات: حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(3) ابن الجصاص: راجع القصص 1/7 و 1/8 و 1/9 من النشوار.

(4) العقار: ما له أصل و قرار كالأرض و الدار.

(5) المال الصامت: هو الذهب و الفضة.

37

ذلك و تمحق، و أحدّث الوزير أعزّه اللّه بحديث جرى منذ مدّة، يعلم معه صدق قولي.

فقال له ابن الفرات: ما هو؟ فقال: الناس يعلمون أنّي صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون‏ (1) ، و كان رجلا مستهترا بالجوهر (2) ، يعتقده لنفسه، و أولاده، و جواريه.

فكنت جالسا يوما في داري، فجاءني بوّابي، فقال: بالباب امرأة تستأذن، في زيّ رثّ، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته.

فقالت لي: أنا فلانة، جارية أبي الجيش.

فحين قالت ذلك، و رأيت صورتها، عرفتها، و بكيت لما شاهدتها عليه، و دعوت غلماني ليحضروني ما أغيّر به حالها.

فقالت: لا تدع أحدا، فإنّي أظنّك دعوتهم لتغيير حالي، و أنا في غنية و كفاية، و لم أقصدك لذلك، و لكن لحاجة هي أهمّ من هذا.

فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم إنّ أبا الجيش، لم يكن يعتقد لنا إلاّ الجوهر. فلما جرى علينا بعده من طلب السلطان، ما جرى، و تشتّتنا، و زال عنّا ما كنّا فيه، كان عندي جوهر قد سلّمه إليّ، و وهبه لي، و لابنته‏[117 ط] منّي فلانة، و هي معي هاهنا.

فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهّزت للخروج، و خرجت

____________

(1) أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون: ترجمته في حاشية القصة 2/164 من النشوار.

(2) استهتر الرجل بكذا: أولع به لا يتحدث بغيره و لا يفعل غيره.

38

على هيأة زريّة، مستخفية، و ابنتي معي، فسلّم اللّه تعالى، و وصلنا هذا البلد، و جميع مالنا سالم.

فأخرجت من الجوهر شيئا، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار، و صرت به إلى سوق الحرّازين‏ (1) فبلغ ألفي دينار.

فقلت: هاتم.

فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي.

قالوا: ليس محلّك أن يكون هذا لك، و أنت لصّة، فتعلّقوا بي و جذبوني، ليحملوني إلى صاحب الشرطة.

فخشيت أن أقع في يده فأعرف، فيؤخذ الجوهر، و أطالب أنا بمال، فأخرج الباقي.

فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي، و تركت الجوهر عليهم، و أفلتّ.

فما نمت ليلتي غمّا على ما ذهب، و خشية الفقر، لأنّ ما لي هذا سبيله، فأنا غنيّة فقيرة، فلم أدر ما أفعل.

فذكرت كونك ببغداد، و ما بيننا و بينك، فجئتك، و الذي أريده منك جاهك، تبذله لي، حتى تتخلّص لي ما أخذ مني، و تبيع الباقي، و تحصّل لي ثمنه مالا، و تشتري به لي و لابنتي عقارا، نقتات من غلّته.

قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ فقالت: فلان.

فأحضرته، فجاءني، فاستخففت به‏ (2) ، و قلت: هذه امرأة من داري،

____________

(1) سوق الحرازين: هو ما يسمى اليوم سوق الجوهريين.

(2) استخف به: ترد بمعنى كلمه مستهينا به.

39

و أنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته، و لئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون قيمته، فلم تعرّضتم لها؟ فقال: ما علمنا ذلك، و رسمنا-كما تعلم-لا نبيع شيئا، إلاّ بمعرفة، و لما طالبناها بذلك اضطربت، فخشينا أن تكون لصّة.

فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاءني به، فلما رأيته عرفته، و كنت أنا اشتريته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار.

فأخذته منهم، و صرفتهم.

و أقامت المرأة في داري، و نقلت ابنتها إليّ، و أخرجت الجوهر، فألّفته عقودا، و عرضته، و تلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار.

فابتعت لها بذلك ضياعا و عقارا و مسكنا، فهي تعيش به و ولدها، إلى الآن.

فنظرت، فإذا الجوهر لمّا كان معها بلا صديق، كان حجرا، بل كان سببا لمكروه يجري عليها، و قد رشت على الخلاص منه دنانير، و لما وجدت صديقا يعينها، حصّل لها منه هذا المال الجليل.

فالصديق أفضل العقد (1) .

فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد اللّه.

ثم قال لنا: الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة، و قد سمعتم ما يقول، فكيف يكون مثل هذا مغفّلا (2) ؟

____________

(1) العقد: مفردها عقدة، و العقدة ما يمتلكه الإنسان من ضيعة أو عقار.

(2) انفردت بها ط. و وردت في كتاب أخبار الحمقى و المغفلين لابن الجوزي: 56.

40

14 المأمون و محبته للجوهر

و قد حكي: أنّ المأمون كان محبّا للجوهر، و كان الناس يغالون فيه، في أيّامه، فأراد أن يحتال بحيلة تضع من قدره، ليرخص قيمته‏[118 ط]، فيشتريه.

فجمع أصحابه يوما، و خاطبهم. فقال: ما أجلّ الذخائر؟ فتقرر رأيهم على الجوهر.

فقال: هاتم جوهرة، فجاءوا بواحدة شراؤها عليه مائة دينار.

فقال للجوهريين: كم تساوي هذه؟ قالوا: مائة دينار.

فقال: يا غلام، اكسرها قطعا، فكسرت.

فقال: كم تساوي الآن؟ فقالوا: دانق فضّة.

فأخرج دينارا، فقال: كم يساوي هذا؟ قالوا: عشرين درهما.

فقال: كسّروه قطعا، فكسّر.

فقال: كم يساوي الآن؟ قالوا: تسعة عشر درهما صحاحا.

فقال: أجلّ الذخائر هذا الذي إذا كسر، لم يذهب من قيمته شي‏ء.

قال: فانتشرت الحكاية بين من حضر من الجوهريّين، و نقص نصف ثمنه على الحقيقة، و قلّت رغبة أهل الدولة في شرائه.

فبلغ ذلك المأمون، فتتبعه، و اشتراه رخيصا (1) .

____________

(1) انفردت بها ط.

41

15 أموي يتحدث عما أعانهم في نكبتهم‏

و حكي عن بعض بني أميّة:

أنّ المنصور (1) سأله لما نكبهم، أيّ شي‏ء كان أنفع لكم في هربكم؟ فقال: ما وجدنا شيئا أنفع من الجوهر القليل الثمن، الذي تبلغ قيمة الحبة منه خمسة دنانير، لأنّا استصحبنا الفاخر منه، و القريب الثمن، فما كنّا نقدر على بيع الفاخر لشدّة الطلب لنا، و الخوف من أن يعرّف به، فينبّه علينا، و نؤخذ، و كان هذا اليسير الثمن، يشترى منّا، من غير أن يعرّف، فننتفع به، و يخفى أمرنا، فكان أنفع.

قال: فأيّ النساء وجدتم أفضل؟قال: بنات العم، كنّ أصبر علينا، و أشفق.

قال: فأيّ الرجال، وجدتم أفضل؟قال: الموالي‏ (2) .

قال: فأمر المنصور المهدي، أن يتزوج ابنة عمه‏ (3) ، و اتخذ المنصور مواليه عمّالا في أعماله، و قدّمهم، و رفع منهم‏ (4) .

____________

(1) المنصور: الخليفة العباسي أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي، ثاني الخلفاء العباسيين و باني مدينة بغداد، بدأ ببنائها سنة 145 و اتخذها حاضرة ملكه، كان عارفا بالفقه و الأدب، و دامت خلافته 22 عاما قتل فيها خلقا كثيرا. توفي سنة 158 (الأعلام 4/259) .

(2) المولى: الحليف، و هو من انضم إلى آخر فعز بعزه و امتنع بمنعته، و منه سمي المملوك المعتق مولى، لأنه ينتسب إلى سيده، و كذلك من أسلم على يد آخر فهو مولاه (لسان العرب) .

(3) تزوج المهدي ريطة ابنة عمه أبي العباس السفاح (المحاسن و المساوئ 2/107) .

(4) انفردت بها ط.

42

16 لقمة بلقمة

حدّثني أبو بكر البسطامي، غلام ابن دريد (1) ، قال:

كان لامرأة، ابن، غاب عنها، غيبة منقطعة.

فجلست تأكل يوما، فحين قطعت لقمة، و أهوت بها إليّ فيها.

تصدّق منها سائل وقف بالباب، فامتنعت من أكل اللقمة، و حملتها مع تمام الرغيف، فتصدّقت بها، و بقيت جائعة.

و كانت شديدة الحذر على ابنها، و الدعاء بردّه، فما مضت إلاّ ليال يسيرة على هذا الحديث، حتى قدم ابنها، فأخبر بشدائد مرّت به عظيمة.

و قال: أعظم شي‏ء مرّ على رأسي، أنّي كنت في وقت كذا، أسلك أجمة في البلد الفلاني، إذ خرج أسد، فقبض عليّ من حمار كنت فوقه، فغار الحمار (2) فتشبّكت مخالب السبع، في مرقّعة كانت عليّ، فما وصلت إليّ، و ذهب عقلي، و جرّني فأدخلني الأجمة.

فما هو إلاّ أن برك عليّ ليفرسني، حتى رأيت رجلا عظيم الخلق، أبيض الوجه و الثياب، و قد جاء حتى قبض على قفا الأسد، و شاله‏ (3) حتى

____________

(1) أورد التنوخي هذه القصة في كتاب الفرج بعد الشدة 2/74، و تبسط في الحديث عن أبي بكر البسطامي فقال: حدثني أبو بكر البسطامي، غلام ابن دريد، و كان زوج ابنته، و كان شيخا من أهل الأدب و الحديث، و قد استوطن الأهواز سنين، و كان ملازما لأبي رحمه اللّه، يتفقده و يبره، راجع القصة 4/131 من النشوار.

(2) غار: لغة بغدادية لم تزل مستعملة و تعني أغار: أي أسرع في عدوه.

(3) شاله: رفعه، و هذه الكلمة لم تزل مستعملة في بغداد.

43

خبط به الأرض، و قال: قم يا كلب، لقمة بلقمة.

فقام السبع مهرولا، و ثاب إليّ عقلي‏[119 ط]، و طلبت الرجل، فلم أجده.

و جلست ساعات، إلى أن عادت إليّ قوّتي، ثم نظرت إلى نفسي، فلم أجد بها بأسا، فمشيت، فلحقت القافلة، و أخبرتهم فعجبوا من خلاصي، و لم أدر ما معنى لقمة بلقمة.

فنظرت المرأة إلى الوقت فإذا هو الوقت الذي أخرجت اللقمة من فيها، فتصدّقت بها.

فأخبرته الخبر (1) .

____________

(1) انفردت بها ط.

44

17 كفى بالأجل حارسا

حدّثني إبراهيم بن الخضر، و كان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال:

حدّثني صديق لي أثق به، قال:

خرجت إلى الحائر (1) ، فرأيت رجلا، فرافقته في الطريق، و لم أكن أعرفه، و كان ذلك في أيّام الحنابلة، و نحن نزور متخفّين.

فلما صرنا في أجمة بانقيا (2) ، قال لي رفيقي: يا فلان، إنّ نفسي تحدّثني أنّ السبع يخرج الساعة فيفرسني دونك، إن كان ذلك، فخذ حماري، و قماشي، فأدّه إلى منزلي، في موضع كذا و كذا، و عرّفهم خبري.

قال: فقلت: ما يكون إلاّ خيرا و سلامة.

فما استتم الكلام، حتى خرج سبع، فحين رآه الرجل، سقط، و أخذ يتشهّد، و قصده السبع، فما كذب أن أخذه، و جرّه عن الحمار.

فسقت أنا الحمار، مع ما عليه، و أسرعت حتى خرجت، و لحقت بالقرية، و عجبت من حدسه على نفسه، و صدق ظنّه، و لحقني غمّ لفراقه، و ما جرى عليه.

و رجعت إلى بغداد، فحين دخلت، لم تكن لي همّة، حتى استوصفت الموضع، و قصدته، فدققت الباب، أسأل عنه، فقلت لمن فيه: خذوا قماش صاحبكم، رحمه اللّه.

قالوا: قد خرج الساعة في حاجة له، و هو حيّ و الحمد للّه، فلم أشكّ في أنّي غلطت، فقلت: من هو؟قالوا: فلان، اسمه.

____________

(1) الحائر: قبر الحسين عليه السلام بكربلاء. راجع حاشية القصة 2/124 من النشوار.

(2) في الأصل برنقا، و بانقيا من نواحي الكوفة (معجم البلدان 1/483) .

45

فزاد تعجّبي، فجلست، فما أطلت، حتى طلع عليّ، فحين رأيته طار عقلي جزعا، و فرحا، و تشكّكا، فقلت: حديثك.

قال: إنّ السبع ساعة جرّني، و أدخلني الأجمة، هزّني، و سحبني، فأنا لا أعقل.

ثم سمعت صوت شي‏ء، فإذا بخنزير عظيم قد خرج، فحين رآه السبع، تركني، و قصد الخنزير، فدقّه، و أقبل يأكله، و أنا أراه، و معي بقيّة من عقلي.

فلما أن فرغ منه، خرج من الأجمة، و تركني، و قد جرح فخذي جراحة خفيفة.

فقمت، فوجدتني أطيق المشي، فأقبلت أمشي في الأجمة، أطلب الطريق، فإذا بجيف ناس، و بقر، و غنم، و غير ذلك، منها ما قد صار عظاما بالية، و منها ما هو طريّ.

فانتهيت إلى خرق متمعطة (1) ، و مخالي للفيوج مطروحة، فسوّلت لي نفسي تفتيش ذلك.

ثم وقفت على شي‏ء مكوّر، فإذا هو هميان‏ (2) ، ففتحته، فإذا فيه ألف دينار صفر، فأخذتها، و لم أفتّش الباقي، و خرجت، فما عرّجت، و عدت إلى منزلي، فسبقتك.

قال: و أخرج الدنانير، فأراني إياها، و كشف عن الجراحة، [120 ط] فسلّمت إليه متاعه، و افترقنا (3) .

____________

(1) الخرق المتمعطة: هي الممزقة بمقدم الأسنان.

(2) الهميان: فارسية: حزام عريض يودع في باطنه المال و يشد على الوسط.

(3) انفردت بها ط.

46

18 كتاب من يحيى بن فهد الأزدي للأمير أبي تغلب بن حمدان‏

كتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، إلى الأمير أبي تغلب‏ (1) فضل اللّه بن ناصر الدولة، عند اعتقاله أخاه أبا الفوارس محمد، لخوفه منه، و حمله إيّاه إلى القلعة مقيّدا، و حبسه فيها، و ذلك في شعبان سنة ستين و ثلاثمائة، في الليلة الثامنة منه‏ (2) .

و كتب أبو محمّد ذلك، لمّا بلغه الخبر، بمحضر منّا، كالارتجال، بغير فكر طويل، و لا تعمّل شديد، نسخته:

من اختاره اللّه تعالى لجليل الأمور، و اصطفاه لحراسة الأمّة و حماية الثغور، و خصّه بنفاذ الرأي فيما يحلّه و يعقده، و نصره على كلّ عدوّ يرصده، و كفاه كيد من يبغي عليه و يحسده، و قرن عزماته بالصواب في جميع ما يمضيه، و بلّغه في الدنيا ما يرتجيه، و جعل ما يبرمه مطّردا على التوفيق، و ذاهبا مع السداد في أجمل طريق. معونة له على ما أسنده-جل ذكره-إليه، و حفظا للملّة و ذبّا عنها على يديه، لا سيّما إذا كان مقدّما لتقوى اللّه سبحانه، في سائر أفعاله، مؤثرا لرضاه تعالى، في جميع أحواله، غير خارج عن حدوده في تدبير، و لا ناكث عن صراطه في صغير و لا كبير.

____________

(1) الأمير أبو تغلب الحمداني، فضل اللّه بن ناصر الدولة: ترجمته في حاشية القصة 1/ 103 من النشوار.

(2) بقي أبو الفوارس محمد، معتقلا سبع سنين، حتى أطلقه عضد الدولة عند ما وصل إلى الموصل محاربا لأبي تغلب بن ناصر الدولة (الفرج بعد الشدة: 1/137) .

47

و الحمد للّه الذي خصّ مولانا الأمير السيّد، أطال اللّه بقاءه، من هذه الأوصاف الشريفة، و الأخلاق المنيفة، بما فضّله به على ملوك الزمان، و أنطق بذكره و شكره كل لسان، و جعل القلوب كلها، شاهدة به، و الآراء على اختلافها، متفقة عليه.

و الحمد للّه الذي جعل تدبيراته جارية على الصواب، ماضية على سنن الكتاب، محروسة من عيب كل عائب، ثاقبة كالنجم الثاقب، الذي لا يدفع علوّه دافع، و لا ينازع في سموّه منازع.

و إيّاه نسأل، كافّة أوليائه، و خدم دولته، و إليه أرغب، الرغبة التامة من بينهم، في إيزاعه الشكر على ما أولاه، و إلهامه حمده، تقدست أسماؤه، على ما خوّله و أعطاه، و أن يديم له شأنه و تسديده، و يصل بالحق وعده و وعيده، و يحسن من كل نعمة و موهبة، حظّه و مزيده، و يجعل قوله مبرورا، و عدوّه مقهورا، و فعله مشكورا، و قلبه مسرورا، و لا يخليه من جدّ سعيد، إنّه ولي حميد، فعّال لما يريد.

و ورد الخبر، بما جرى من الاستظهار على من شكّ في مناصحته و وفائه، و ظهر في الدولة سوء رأيه، بعقب تتابع الأنباء، بما كان أضمره من الغدر، و أضبّ عليه من قبح الأمرة، و بما بان منه من إعمال الحيلة على ثلم المملكة، و السعي في تفريق الكلمة، و إفساد البلاد، و إخافة العباد، و لم يصادف وروده، إلاّ مستبشرا[120 ط مكرر]به، مستنصبا له، عالما بجميل صنع اللّه -عز و جل-في وقوعه، شاكرا له على ما أبلاه، و أولاه من المعونة عليه، عارفا بأن مولانا الأمير-أدام اللّه تأييده-لم يأمر به، و ما وجد سبيلا إلى الصلاح، إلاّ سلكها، و لا ترك سبيلا إلى الاستصلاح إلاّ ركبها، فلم يزده ذلك إلاّ تماديا في العصيان و غيّا، و مرورا في ميدان البغي و بغيا يحسن به العدول عن صلة الرحم، بحكم اللّه عز و جلّ، إذ جعل البغي في كتابه،

48

محلاّ للإخلال بحق النسب، حيث يقول، و هو أحسن القائلين‏ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ يَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) فبيّن سبحانه: إنّ الفحشاء ضدّ للعدل، و المنكر مسقط للإحسان، و البغي موجب لقطع القرابة، و أوجب تبارك اسمه، لمولانا الأمير-أدام اللّه عزّه-النّصر على الباغي، بقوله عزّ من قائل، و من بغي عليه لينصرنّه اللّه.

على أنّ الذي أتاه مولانا، أطال اللّه بقاءه، في بابه، لمواصلة الرحم أقرب، و لأسبابها ألزم و أوجب، إذ حال بينه و بين ما يؤثمه و يرديه، و صدفه عمّا كان يفسد دينه و دنياه بالإيغال فيه، و لم ينقله بذلك، إلاّ إلى عيش رغد، و أمر تامّ، و نعمة دارّة، و حال سارّة.

و اللّه يكافئ مولانا الأمير السيّد أطال اللّه بقاءه على قدر نيّته، و يجازيه بجميل طويته، و يبلّغه من الدنيا بحسب حفظه فيها للدين، و يكبت أعداءه بذبّه عن المسلمين، و يهنّيه بنعمه عليه، و يمتّعه بمواهبه لديه، و يرغم أعداه، و يحمده بدء كلّ أمر و عقباه، إنّه جواد كريم، سميع مجيب‏ (2) .

____________

(1) . 90 ك النحل 16.

(2) انفردت بها ط.

49

19 من شعر يحيى بن فهد الأزدي‏

أنشدني أبو محمد يحيى بن محمد لنفسه:

يا من علاقة حبّه فرض # ضاقت عليّ ببعدك الأرض

فالقلب يخفق وحشة لكم # حتى كأنّ سواده نبض‏

و أنشدني لنفسه:

و صفراء من ماء الكروم عتيقة # مكرّمة لم تمتهن بعصير

صبغت بها كأسي و أطلقت شمسها # على نوره إلاّ بقيّة نور

كسالفة شقراء (1) قد رفّ تحتها # جربّان وشي أبيض و حرير

كأنّ شعاع الكأس نار توقّدت # على كفّ ساق زيّنت بخصور

فما حضرت حتى تبدّل ما جنى # عليّ زماني من أسى بسرور

و أنشدني لنفسه: [121 ط]

لقد نفرت عيني عن النوم بعدكم # فليس إلى طيب الرقاد تتوق

و قد ألفت طول البكاء كأنّها # لدمع عيون العالمين طريق

و أنشدني لنفسه:

يا موقد النار في فؤادي # و آمر العين بالسهاد

حللت من ناظري و قلبي # -على تعدّيك-في السواد

فليس ترقا دموع عيني # أو يظفر القلب بالمراد

و ليس يطفى لهيب قلبي # أو تملك العين للرقاد

____________

(1) في الأصل: بيضاء.

50

و أنشدني لنفسه:

أصبحت من شوقي و من ضرّي # تنمّ أنفاسي على سرّي

و كلّما جئتك أشكو الهوى # ازددت يا مولاي في هجري

فكم تراني صابرا للبلا؟ # ستغلب البلوى على صبري‏

و أنشدني لنفسه:

يغدو عليّ بوجه مشرق غنج # يا طيب مبتكري فيه و إصباحي

في صورة البدر في قد القضيب على # دعص من الرمل يخطو فوق رحراح‏

و أنشدني لنفسه من أبيات:

الليل يعجب منّي كيف أسهره # و الشوق ينهى الكرى عنّي و أزجره

و الصبح قد ضلّ عن ليلي بوادره # فما يلمّ بهذا الليل آخره

و أدهم الليل وقف ما يغالبه # من الصباح على الظلماء أشقره‏

و أنشدني لنفسه:

إذا أتاك امرؤ يبغيك حاجته # فقد علاك بفضل ما له ثمن

فاسمع له طائعا و انجح مطالبه # و اعرف له حقه لا خانك الزمن‏

و أنشدني لنفسه:

يا هاجرا لغلامه # و مقاطعا لكلامه

و مواصلا لصدوده # و عتابه و ملامه

لم قد هويت جفاءه # و تركته بغرامه

امنن عليه بوصلة # لخضوعه و سقامه‏

و أنشدني لنفسه:

يا هلالا بدا فوافق سعدا # و غزالا كأنّه الغصن قدّا

51

و مثالا تكامل الحسن فيه # فحكت وجنتاه خمرا و وردا

كلما ازددت في القطيعة بعدا # زدتني جفوة و هجرا و صدّا

تتعدّى و حقّ أن تتعدّى # كلّ من يملك الجمال تعدّى

إنّني ما اتخذت غيرك مولى # فاتخذني لحسن وجهك عبدا

و أنشدني لنفسه:

سقى الشوق عيني ماء وجد ولوعة # فإنسانها في ذلك الماء يسبح

إذا حرّكته من جوى الحب زفرة # ترقرق فوق الخد منه الملوّح‏

و أنشدني لنفسه قصيدة يفتخر فيها، أوّلها: [122 ط]

سوى حلمي يخفّ مع الشباب # و غير أعنّتي يثني التصابي‏

يقول فيها:

كأنّ عواقب الأيّام مدّت # فقرّت من فؤادي في كتاب

فلست أدافع الجلّى بشكّ # و لا أشكو الحوادث بارتياب‏

و أنشدني أيضا قصيدة أخرى أوّلها:

أبى شرف المناصب و الأصول # و فضل في القلوب و في العقول

و قلب لا يخوّف بالمنايا # و نفس لا تقرّ على خمول

لمثلي أن يميل إلى اكتساب # بغير السمهريّة و النصول‏

و أنشدني من قصيدة يفتخر فيها:

تعوّد كفّي قائم السيف صاحبا # يساعده في كل أمر يحاول

سريع مضاء الشفرتين كأنّه # إذا سلّ من ماء المنية سائل

كأنّ مدبّ النمل فوق غراره # إذا صحّ منه للعقول التأمل‏ (1)

____________

(1) انفردت بها ط.

52

20 بين يحيى بن فهد الأزدي و أبي الفرج الببغاء

و كتب‏ (1) إلى أبي الفرج الببغاء (2) ، إلى الموصل، يتشوّقه، بعد خروجه من بغداد:

ظعنت فما لأنسي من ثواء # و بنت فبان عن قلبي السرور

و لو أنّي قضيت حقوق نفسي # تبعتك كيفما جرت الأمور

و ودّي ليس ينقصه مغيب # كما لا يستزيد له حضور

فإن تبعد فإنّك مل‏ء صدري # و ودّك جلّ ما تحوى الصدور

فأجابه أبو الفرج:

بقربك من بعادك أستجير # و هل في الدهر غيرك من يجير

نأيت فما لسلواني دنوّ # و غبت فما للذّاتي حضور

و قد صاحبت إخوانا و لكن # متى تغني عن الشمس البدور

فيا من رعت منه الدهر قدما # بمن تسمو بخدمته الأمور

و من قدّرت أنّ له نظيرا # فحين طلبت أعوزني النظير

إذا كنت السرور و غبت عنّي # فكيف يتمّ بعدك لي سرور

و لأبي محمد، إلى أبي الفرج، في فصل من كتاب، و قد اعتلّ بعده:

فقدت السلامة لما نأيت # و حالفت لما بعدت الضنينا

____________

(1) يعني أبا محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي.

(2) أبو الفرج الببغاء: ترجمته في حاشية القصة 1/52 من النشوار.

53

و كان اقترابك لي صحّتي # فحين ارتحلت عدمت القرينا

و ما هوّن السقم يا سيّدي اشتياقي # و حاشى له أن يهونا

فكتب إليه أبو الفرج، في صدر كتاب:

كتابي عن سلامة،

و عن كمد فلّ غرب السلوّ # و شوق أعاد حراكي سكونا

و قلب يرى كلّ شي‏ء يعين # قلوب العباد عليه معينا[123 ط]

و لم أر بعدك شيئا يسرّ # فأفتح أنسا إليه الجفونا

و جملة أمري أنّي اشتكيت # و قد كان دهري لي مستلينا

و جرّبت مذ غبت عنّي الكرام # فكانوا الشكوك و كنت اليقينا

و أنشدني لنفسه:

يدعي‏[حبيبي‏] (1) إلى هجري فيعدل بي # عن هجره مرض في القلب مكتوم

لو كان ينصفني ما كان يهجرني # لكنّني الدهر في حبّيه مظلوم‏ (2)

____________

(1) فراغ في الأصل.

(2) انفردت بها ط.

54

21 فقرات من رسائل‏

لبعض الكتاب، في وصف قاض‏ (1) :

الحمد للّه الذي ليس من دونه احتراز، و لا لذاهب عنه مجاز (2) ، هو من لا يبهره الإطراء، و لا يحيله الإغراء.

آخر:

الحمد للّه على حلمه بعد علمه، و عفوه بعد قدرته، الذي لا يودى مسيله، و لا يخيب سئوله.

آخر:

إنّ للّه علينا من النعم ما لا نحصيه، مع كثرة سخطه على ما نعصيه، فما ندري أيّها نذكر، و لا على أيّها نشكر، أ جميل ما نشر و أبدى، أم قبيح ما ستر و أخفى‏ (3) .

____________

(1) يظهر أن وصف القاضي مقصور على ذيل الفقرة الأولى.

(2) أورد البيهقي هذه العبارة ضمن خطبة لعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (المحاسن و المساوئ 2/114) .

(3) انفردت بها ط.