نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - ج4

- محمد بن علي التنوخي المزيد...
334 /
5

الجزء الرابع‏

مقدمة المحقق‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ و لا حول و لا قوة الا به هذا هو الجزء الرابع من كتاب «نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة» للقاضي أبي عليّ المحسّن بن عليّ التنوخي، و هو أحد أجزاء أربعة اشتملت على ما أمكنني العثور عليه من فقرات النشوار الضائعة، تلقطتها من ثنايا الكتب، و بذلت في ذلك وقتا، و جهدا، و صبرا.

و قد فصّلت في مقدمة الجزء الأول، الطريقة التي توصلت بها إلى استخلاص هذه الفقرات، و ختمت المقدمة بالعبارة التالية:

«و لعل بعض هذه القصص كانت من رواية أبي القاسم التنوخي، ابن المؤلف، و لعل بعض القصص، و إن كانت من رواية المؤلف، إلا أنه ليس ثمة دليل قاطع على أنها مما اشتمل عليه كتاب النشوار، و ردّي على من اعترض على إيرادها، عين ما كتبه المؤلف في خاتمة مقدمة الجزء الأول من الكتاب، حيث قال: لو كان في إيراد هذه القصص و تسجيلها، خير من موضعها بياضا، لكانت فائدة» .

و من اللّه أستمد المعونة و الحول، و إيّاه أسأل التوفيق في العمل و القول، إنه جواد كريم، رءوف رحيم.

عبود الشالجي المحامي بحمدون في 8/1/1972

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

1 أبو العباس ثعلب يقول لما لا يدري، لا أدري‏

قال القاضي أبو علي المحسن التنوخي، في كتابه أخبار المذاكرة و نشوار المحاضرة: حدّثني علي بن محمد الفقيه المعروف بالمسرحيّ، أحد خلفاء القضاة ببغداد، قال: حدّثني أبو عبد اللّه الزعفراني‏ (1) ، قال:

كنت بحضرة أبي العباس ثعلب‏ (2) يوما، فسئل عن شي‏ء، فقال: لا أدري.

فقيل له: أ تقول لا أدري، و إليك تضرب أكباد الإبل، و إليك الرحلة من كل بلد.

فقال للسائل: لو كان لأمّك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت.

قال القاضي أبو علي: و يشبه هذه الحكاية ما بلغنا عن الشعبي‏ (3) ، أنّه سئل عن مسألة فقال: لا أدري‏ (4) .

فقيل له: فبأيّ شي‏ء تأخذون رزق السلطان.

فقال: لأقول فيما لا أدري، لا أدري‏ (5) .

المزهر للسيوطي 2/163

____________

(1) أبو عبد اللّه محمد بن الحسين بن محمد بن سعيد الزعفراني الواسطي: من أهل واسط، و الزعفراني نسبة إلى بيع الزعفران، قدم بغداد و حدث بها، و كان سمع منه بالبصرة، و هو ثقة، مات في شوال 337 (الأنساب 275) .

(2) أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن يسار الشيباني المعروف بثعلب (200-291) :

ترجمته في حاشية القصة 1/159 من النشوار.

(3) أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي (21-105) : تابعي جليل القدر، وافر العلم، قال الزهري: العلماء أربعة، ابن المسيب بالمدينة، و الشعبي بالكوفة، و الحسن البصري بالبصرة، و مكحول بالشام، (وفيات الأعيان 2/227) .

(4) وردت القصة في المنتظم 6/45.

(5) وردت القصة في المنتظم 6/45.

8

2 بين خالد الكاتب و إبراهيم بن المهدي‏

أخبرنا أبو منصور القزّاز (1) ، قال: أخبرنا أحمد بن عليّ‏ (2) ، قال:

أخبرنا علي بن أبي علي‏ (3) قال: حدّثنا الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب‏ (4) ، قال: حدّثنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد المعروف بابن السقاء (5) ، قال:

حدّثني جحظة (6) ، قال: قال لي خالد الكاتب‏ (7) :

أضقت حتى عدمت القوت أيّاما، فلما كان في بعض الأيّام، بين المغرب و عشاء الآخرة، إذا بأبي يدقّ.

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز المعروف بابن زريق: كان من أولاد المحدثين، اسمعه أبوه و عمه الكثير، و كان ساكنا، قليل الكلام، خيرا، سليما، صبورا على العزلة، حسن الأخلاق، توفي سنة 535 (المنتظم 10/90) .

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الحطيب البغدادي: أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين، نشأ و توفي ببغداد، و رحل الى مكة، و كان فصيح اللهجة، يقول الشعر، ولوعا بالمطالعة و التأليف، ذكر ياقوت أسماء 56 كتابا من مؤلفاته، أحدها تاريخ بغداد في 14 مجلدا.

توفي الخطيب سنة 463 (الأعلام 1/166) .

(3) أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن التنوخي: ترجمته في حاشية القصة 4/11 من النشوار.

(4) أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب: ترجم له الخطيب في تاريخه 8/101، و قال عنه إنه شيخ ثقة، و إنه ولد سنة 203 و كان مقيما بمدينة المنصور.

(5) أبو محمد عبد اللّه بن محمد المزني الواسطي المعروف بابن السقاء: ترجم له الخطيب في تاريخه 10/130 و قال إنه ورد بغداد و حدث بها و توفي سنة 373.

(6) أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى البرمكي: ترجمته في حاشية القصة 2/94 من النشوار.

(7) أبو الهيثم خالد بن يزيد البغدادي الكاتب: شاعر غزل، ولد بخراسان، و مات ببغداد سنة 262 و كان أحد كتاب الجيش في أيام المعتصم، عاش طويلا، و غلبت عليه السوداء (الأعلام 2/343) .

9

فقلت: من ذا؟.

فقال: من إذا خرجت إليه عرفته.

فخرجت، فرأيت رجلا راكبا على حمار، عليه طيلسان أسود، و على رأسه قلنسوة طويلة، و معه خادم.

فقال لي: أنت الذي تقول:

أقول للسقم عد إلى بدني # حبّا لشي‏ء يكون من سببك‏

قال: قلت: نعم.

قال: أحب أن تنزل عنه.

فقلت: و هل ينزل الرجل عن ولده؟ فتبسّم، و قال: يا غلام، أعطه ما معك، فرمى إليّ صرّة، في ديباجة سوداء مختومة.

فقلت: إنّي لا أقبل عطاء ممّن لا أعرفه، فمن أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن المهدي‏ (1) .

المنتظم 5/38

____________

(1) أبو إسحاق إبراهيم بن الخليفة المهدي العباسي: أخو هارون الرشيد، أمه سوداء أسمها شكلة، و هو أسود، ولاه الرشيد دمشق، و لما اختلف الأمين و المأمون، و قتل الأمين، بايعه العباسيون مراغمة للمأمون، و لما تغلب المأمون، اختفى إبراهيم، ثم ظهر، فعفا عنه المأمون، و كان فصيحا، حاذقا بصناعة الغناء، مات في أيام المعتصم سنة 224 (الأعلام 1/55) .

و لما بويع بالخلافة، هجاه دعبل الخزاعي، فقال:

نعر ابن شكلة بالعراق و أهله # فهفا إليه كل أحمق مائق

إن بات ابراهيم مضطلعا بها # فلتصلحن من بعده لمخارق‏

و مخارق مغن محترف عاصر إبراهيم و توفي سنة 231.

10

3 أبو الفرج الأصبهاني يجمع شعره بين إتقان العلماء و إحسان الشعراء

قال التنوخي:

و من المتشيّعين الذين شاهدناهم، أبو الفرج الأصبهاني‏ (1) كان يحفظ من الشعر، و الأغاني، و الأخبار، و الآثار، و الأحاديث المسندة، و النسب، ما لم أر قطّ من يحفظ مثله.

و يحفظ دون ذلك من علوم أخر، منها اللغة، و النحو، و الخرافات، و السير، و المغازي، و من آلة المنادمة شيئا كثيرا، مثل علم الجوارح، و البيطرة، و نتف من الطبّ، و النجوم، و الأشربة، و غير ذلك.

و له شعر يجمع إتقان العلماء، و إحسان الظرفاء الشعراء.

وفيات الأعيان 2/468 تاريخ بغداد 11/398

____________

(1) أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني: ترجمته في حاشية القصة 1/3 من النشوار.

11

4 إجازة برواية قصيدة

قال أبو القاسم التنوخي:

حدّثني أبو إسحاق الطبري‏ (1) ، غلام الزاهد (2) ، غلام ثعلب‏ (3) ، و كان منقطعا إلى بني حمدون‏ (4) ، و قرأت بخطّه قصيدة شبيل بن عزرة الضبعي‏ (5) ، و قد قرأها على أبي عمر الزاهد، و تناولها من أبي محمد عبد اللّه بن جعفر بن درستويه‏ (6) .

قد دفعت إليك كتابي بخطّي من يدي إلى يدك، و قد أجزت لك القصيدة، فاروها عنّي، فإنّ هذا ينوب عن السماع و القراءة، فقبلت ذلك منه.

و كتب إبراهيم بن محمد الطبري الروياني‏ (7) بخطّه.

معجم الأدباء 1/63

____________

(1) في الأصل (أبو الحسن) و الصحيح ما أثبتناه، و هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري، ترجمته في حاشية القصة 1/159 من النشوار.

(2) أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم اللغوي، غلام ثعلب: ترجمته في حاشية القصة 1/159 من النشوار.

(3) أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب: ترجمته في حاشية القصة 1/159 من النشوار.

(4) في الأصل (بني حمدان) و التصحيح من القصة 1/159 من النشوار.

(5) في الأصل (شبل) و التصحيح من الأعلام: شبيل بن عزرة بن عمير الضبعي، راوية، خطيب، شاعر، نسابة، بصري، كان يرى رأي الخوارج ثم رجع عنه، له كتاب الغريب في اللغة (الأعلام 3/230) .

(6) أبو محمد عبد اللّه بن جعفر بن درستويه: ترجمته في حاشية القصة 1/146 من النشوار.

(7) نسبة إلى رويان بلدة بنواحي طبرستان (الأنساب للسمعاني 263 و معجم البلدان 2/873) .

12

5 أبو رياش القيسي و أبو محمد المافروخي و كثرة ما يحفظان‏

قال أبو عليّ المحسّن بن عليّ التنوخي:

و من رواة الأدب الذين شاهدناهم، أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي‏ (1) ، و كان يقال إنّه يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة، و عشرين ألف بيت شعر.

إلا أنّ أبا محمد المافروخي‏ (2) أبرّ عليه، لأنهما اجتمعا أوّل ما تشاهدا بالبصرة، فتذاكرا أشعار الجاهليّة، و كان أبو محمد يذكر القصيدة، فيأتي أبو رياش على عيونها، فيقول أبو محمد: لا، إلاّ أن تهذّها من أولها إلى آخرها، فينشد معه، و يتناشدانها إلى آخرها، ثم أتى أبو محمد، بعده، بقصائد لم يتمكّن أبو رياش أن يأتي بها إلى آخرها، و فعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة.

حدّثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما.

معجم الأدباء 1/74

____________

(1) أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي: ترجمته في حاشية القصة 2/81 من النشوار.

(2) أبو محمد عبد العزيز بن أحمد المافروخي: كان عامل البصرة، و كان على جانب عظيم من العلم و الجلالة، و كان فأفاء، إلا أنه مستغلق، انظر ما كتب عنه في معجم الأدباء 1/77 و 78 و راجع القصة 4/7 و 8/105 من النشوار، و ما قاله الآمدي في مديحه في معجم الأدباء 3/60.

13

6 أبو رياش القيسي يغضب من نسبة بيت شعر إليه‏

وجدت في موضع آخر من كتاب نشوار المحاضرة، للقاضي التنوخي:

كان أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي اليمامي‏ (1) ، رجلا من حفّاظ اللغة، و كان جنديّا في أول أمره، مع المسمعيّ، برسم العرب، ثم انقطع إلى العلم و الشعر، و روايته، لنا بالبصرة، و أنا حديث‏ (2) مع عمّي، حتى صرت رجلا، و كتبت عنه، و أخذت منه علما صالحا، و كان يتعصّب على أبي تمام الطائيّ‏ (3) .

و قال بعض الحاضرين لأبي: إنّ من عيون شعر أبي رياش قوله من أبيات، عند ذكر امرأة شبّب بها:

لها فخذا بختيّة تعلف النوى # على شفة لمياء أحلى من التمر

فغضب أبو رياش، و نهض، فأمر أبي‏ (4) بإجلاسه، و قال للحاضر القائل: و لا كلّ ذا، و ترضّاه، و وهب له دراهم صالحة القدر.

معجم الأدباء 1/77

____________

(1) سبقت ترجمة أبي رياش في حاشية القصة 2/81 من النشوار.

(2) الشائع في بغداد عند الإشارة للأحداث، أن يقال: حديث، بالتصغير بدلا من حدث، و للصبية الصغيرة: حديثة.

(3) أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (188-231) : الشاعر، الأديب، أحد أمراء البيان، ولي بريد الموصل، و توفي بها (الأعلام 2/170) أقول: و قبره معروف الآن بالموصل.

(4) أبو القاسم علي بن محمد القاضي التنوخي، والد صاحب النشوار: ترجمته في حاشية القصة 2/74 من النشوار

14

7 أبو محمد المافروخي الفأفاء يفأفئ له ابن أحد خلفائه‏

حدّث التنوخي:

أنّ أبا محمد المافروخيّ‏ (1) ، و كان فأفاءا، اعترض جملا فسيّر في صحن الدار بحضرته، و وقف ليخاطب عليه، فلم يرضه، فقال: أخرجوه عنّي، و كرر أخ أخ، لأجل عقلة لسانه، فبرك الجمل، لأنّه ظنّ أنّه يقال له ذلك، كما يقال إذا أريد منه البروك.

قال: و كان إذا أنشد الشعر، أو قرأ القرآن، قرأه، و أورده، على أحسن ما يكون من حسن الأداء و طيب الحنجرة.

فقيل له: لو كان كلامك كلّه شعرا، أو كقراءة القرآن، تخلّصت من هذه الشدّة، فقال: يكون ذلك طنزا.

قال: و كان أحد خلفائه، قد خرج الى بعض الأعمال، و استخلف بحضرته ابنا له، كان مثل المافروخيّ في الفأفأة.

فخاطبه المافروخيّ أوّل ما دخل إليه، في أمر شي‏ء قال فيه (ووو) مرارا.

فأجابه ذلك الابن بمثل كلامه.

فقال: يا غلمان قفاه، كأنّه يحكيني.

فصفع صفعا محكما، حتى حضره أقوام، و حلفوا له أنّ ذلك عادته، فأخذ يعتذر إليه، و قال: الذنب ذنب أبيه، لمّا ترك في حضرتي مثله.

معجم الأدباء 1/77

____________

(1) أبو محمد عبد العزيز بن أحمد المافروخي: ترجمته في حاشية القصة 4/5 من النشوار.

15

8 بين القاضي أبي عمر الأزدي و القاضي أبي جعفر بن البهلول‏

حدّث أبو نصر، يوسف بن عمر بن القاضي أبي عمر محمد بن يوسف‏ (1)

قال:

كنت أحضر دار المقتدر باللّه، و أنا غلام حدث، بالسواد، مع أبي الحسين‏ (2) ، و هو يومئذ، قاضي القضاة.

فكنت أرى في بعض المواكب، القاضي أبا جعفر (3) ، يحضر بالسواد، فإذا رآه أبي، عدل إلى موضعه، فجلس عنده، فيتذاكران الشعر و الأدب و العلم، حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير لا يحصى، كما يجتمع على القصّاص، استحسانا لما يجري بينهما.

فسمعته يوما، و قد أنشد بيتا لا أذكره الآن، فقال له أبي: أيّها

____________

(1) أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي (305-356) : ولي القضاء بمدينة السلام في حياة أبيه (المنتظم 6/300) و كان رئيسا، عفيفا، نزها، نبيلا، بارعا في الأدب و اللغة و الشعر، تام الهيبة، و كان عريقا في القضاء، فقد كان هو و أخوه و أبوه و جده و أبو جده، كلهم قضاة، (المنتظم 7/42) .

(2) المقتضى أن يكون مع أبي عمر جده، لأن والده أبا الحسين لم يكن قاضي القضاة في حياة أبي جعفر بن البهلول الذي توفي في السنة 318 و إنما نصب جده أبو عمر قاضي القضاة في السنة 317 و عند ما توفي في السنة 320 نصب أبو الحسين بدلا منه (انظر تجارب الأمم 1/229) .

و انظر ترجمة أبي عمر في حاشية القصة 1/10 من النشوار، و ترجمة ولده أبي الحسين في حاشية القصة 1/127 من النشوار.

(3) القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي: ترجمته في حاشية القصة 1/16 من النشوار.

16

القاضي، إنّي أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية.

فصاح عليه صيحة عظيمة، و قال: اسكت، أ لي تقول هذا؟أنا أحفظ لنفسي، من شعري خمسة عشر ألف بيت، و أحفظ للناس أضعاف ذلك، و أضعافه، و أضعافه، يكررها مرارا.

و في رواية ابن عبد الرحيم‏ (1) عن التنوخي، قال:

قال له: هاه، أ لي تقول هذا؟و أنا أحفظ من شعري نيفا و عشرين ألف بيت، سوى ما أحفظه للناس.

قال: فاستحيا أبي منه، لسنّه و محلّه، و سكت.

معجم الأدباء 1/83

____________

(1) أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني: ترجمته في حاشية القصة 4/135 من النشوار.

17

9 بين القاضي أبي جعفر بن البهلول و أبي جعفر الطبري‏

حدّثني القاضي أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر البهلول‏ (1) ، قال:

كنت مع أبي‏ (2) في جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، و إلى جانبه في الحقّ‏ (3) جالس، أبو جعفر الطبري‏ (4) .

فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة، و يسلّيه، و ينشد أشعارا، و يروي له أخبارا، فداخله الطبريّ في ذلك، و ذنّب معه، ثم اتّسع الأمر بينهما في المذاكرة، و خرجا إلى فنون كثيرة من الأدب و العلم، استحسنها الحاضرون، و عجبوا منها، و تعالى النهار، و افترقا.

فلما حصلت أسير خلفه، قال: يا بني، هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة، من هو؟أتعرفه؟ قلت: يا سيدي كأنّك لم تعرفه؟

____________

(1) أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول: ترجمته في حاشية القصة 1/137 من النشوار.

(2) أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي القاضي: ترجمته في حاشية القصة 1/16 من النشوار.

(3) الحق: محل الاجتماع لتشييع الميت، راجع حاشية القصة 1/138 من النشوار.

(4) أبو جعفر الطبري: الإمام محمد بن جرير، المؤرخ، المفسر، ولد بآمل في طبرستان سنة 224 و استوطن بغداد و توفي بها سنة 310، عرض عليه القضاء فامتنع، و المظالم فأبى، له التفسير المشهور جامع البيان في تفسير القرآن في 30 جزءا، و التاريخ المشهور أخبار الرسل و الملوك، و يعرف بتاريخ الطبري في 11 جزءا، و عدة تآليف أخرى (الأعلام 6/294) .

18

فقال: لا.

فقلت: هذا أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ.

فقال: إنّا للّه، ما أحسنت عشرتي يا بنيّ.

فقلت: كيف يا سيّدي؟ فقال: أ لا قلت لي في الحال، فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة؟هذا رجل مشهور بالحفظ و الاتساع في فنون من العلم، و ما ذاكرته بحسبها.

قال: و مضت على هذا مدة.

فحضرنا في حقّ لآخر، و جلسنا، و إذا بالطبريّ يدخل إلى الحقّ.

فقلت له، قليلا، قليلا: أيّها القاضي، هذا أبو جعفر الطبريّ، قد جاء مقبلا.

قال: فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه، فأوسعت له، حتى جلس إلى جنبه، و أخذ أبي يجاريه، فكلّما جاء إلى قصيدة ذكر الطبريّ منها أبياتا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر، فربّما مرّ، و ربّما تلعثم، فيمرّ أبي في جميعها حتى يسفّها.

قال: فما سكت أبي يومه ذاك إلى الظهر، و بان للحاضرين تقصير الطبري، ثم قمنا.

فقال لي أبي: الآن شفيت صدري.

معجم الأدبار 1/83

19

10 القاضي أبو جعفر بن البهلول لا يخشى في القول الحق لوم لائم‏

حدّث أبو علي التنوخي، قال: حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام ابن عبد اللّه، المعروف بابن أبي قيراط (1) ، كاتب ابن الفرات، و أبو محمد عبد اللّه بن عليّ دلويه، كاتب نصر القشوري‏ (2) ، و أبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني‏ (3) ، كاتب ابن الفرات، قالوا:

كنّا مع أبي الحسن بن الفرات في دار المقتدر، في وزارته الثالثة (4) ، في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة من سنة 311 هـ، و قد استحضر ابن قليجة، رسول عليّ بن عيسى‏ (5) إلى القرامطة (6) في وزارته الأولى‏ (7) ، فواجه عليّ بن عيسى في المجلس بحضرتنا، بأنّه وجّهه إلى

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب المعروف بابن أبي قيراط: كان كاتب الوزير ابن الفرات على بيت المال (الوزراء للصابي 158) .

(2) نصر القشوري الحاجب: ترجمته في حاشية القصة 1/83 من النشوار.

(3) أبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني: كان كاتب ابن الفرات، و متحققا به إلى حد كبير، حتى إنه اعتقل مع الوزير ابن الفرات لما عزل بعد وزارته الأولى، و بعد وزارته الثانية، و بلغ من اختصاصه به، أنه كان واحدا من النخبة الذين فرض ابن الفرات أن يتغدوا معه في كل يوم (وزراء 34 و 60 و 63 و 261) .

(4) في الأصل: الثانية، و الصحيح ما أثبتناه، لأن التاريخ المذكور أي 311 تاريخ وزارته الثالثة، أما وزارته الثانية فتاريخها من 304-306.

(5) الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(6) القرامطة: راجع حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(7) الوزارة الأولى لعلي بن عيسى: من 300-304.

20

القرامطة مبتدئا، فكاتبوه يلتمسون منه المساحي‏ (1) و الطلق‏ (2) و عدّة حوائج، فأنفذ جميع ذلك إليهم.

و أحضر ابن الفرات‏ (3) معه خطّه، أي خطّ عليّ بن عيسى، في نسخة أنشأها ابن ثوابة، إلى القرامطة، جوابا على كتابهم إليه، و قد أصلح عليّ ابن عيسى فيها بخطّه، و لم يقل إنّكم خارجون عن ملّة الإسلام بعصيناكم أمير المؤمنين، و مخالفتكم إجماع المسلمين، و شقّكم العصا، و لكنّكم خارجون عن جملة أهل الرشاد و السداد، و داخلون في جملة أهل العناد و الفساد.

فهجّن ابن الفرات عليّا بذلك، و قال: ويحك، تقول: القرامطة مسلمون، و الإجماع قد وقع على أنهم أهل ردّة لا يصلّون، و لا يصومون، و توجّه إليهم الطلق، و هو الذي إذا طلي به البدن أو غيره لم تعمل فيه النار.

قال: أردت بهذا المصلحة، و استعادتهم إلى الطاعة بالرفق، و بغير حرب.

فقال ابن الفرات، لأبي عمر القاضي‏ (4) : ما عندك في هذا يا أبا عمر؟ اكتب به.

فأفحم، و جعل مكان ذلك، أن أقبل على عليّ بن عيسى، فقال له:

يا هذا لقد أقررت بما لو أقرّ به إمام لما وسع الناس طاعته.

قال: فرأيت عليّ بن عيسى، و قد حدّق إليه تحديقا شديدا، لعلمه

____________

(1) المساحي: مفردها مسحاة و هي أداة يسحى بها كالمجرفة، معروفة ببغداد بهذا الاسم.

(2) الطلق: حجر براق يتحلل إذا دق إلى طاقات صغار دقاق و يعمل منه مضاوى للحمامات فيقوم مقام الزجاج (مفردات الأدوية 3/103) .

(3) الوزير ابن الفرات: أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(4) القاضي أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي: ترجمته في حاشية القصة 1/10 من النشوار.

21

بأنّ المقتدر، في موضع يقرب منه، بحيث يسمع الكلام، و لا يراه الحاضرون.

فاجتهد ابن الفرات بأبي عمر، أن يكتب بخطّه شيئا، فلم يفعل، و قال:

قد غلط غلطا، و ما عندي غير ذلك، فأخذ خطّه بالشهادة عليه، بأنّ هذا كتابه.

ثم أقبل على أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي، فقال: ما عندك يا أبا جعفر في هذا؟ فقال: إن أذن الوزير، أن أقول ما عندي فيه، على شرح، قلته.

قال: افعل.

قال: صحّ عندي عن هذا الرجل-و أومأ إلى عليّ بن عيسى-أنّه افتدى بكتابين كتبهما إلى القرامطة، في وزارته الأولى ابتداء، و جوابا، ثلاثة آلاف رجل من المسلمين، كانوا مستعبدين، و هم أهل نعم و أموال، فرجعوا إلى أوطانهم، و نعمهم.

فإذا فعل الإنسان مثل هذا الكتاب على جهة طلب الصلح، و المغالطة للعدوّ، لم يجب عليه شي‏ء.

قال: فما عندك فيما أقرّ به، أنّ القرامطة مسلمون؟ قال: إذا لم يصحّ عنده كفرهم، و كاتبوه بالتسمية باللّه. ثم الصلاة على رسوله محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و انتسبوا إلى أنّهم مسلمون، و إنّما ينازعون في الإمامة فقط، لم يطلق عليهم الكفر.

قال: فما عندك في الطلق، ينفذ إلى أعداء الإمام، فإذا طلي به البدن أو غيره، لم تعمل فيه النار؟و صاح بها كالمنكر على أبي جعفر.

فأقبل ابن البهلول على عليّ بن عيسى، فقال له: أنفذت الذي هذه صفته إلى القرامطة؟

22

فقال عليّ بن عيسى: لا.

فقال ابن الفرات: هذا رسولك و ثقتك ابن قليجة، قد أقرّ عليك بذلك.

فلحق عليّ بن عيسى دهشة، فلم يتكلّم.

فقال ابن الفرات، لأبي جعفر بن البهلول: احفظ إقراره، بأنّ ابن قليجة ثقته و رسوله، و قد أقرّ عليه بذلك.

فقال: أيّها الوزير، لا يسمى هذا مقرّا، هذا مدعي، و عليه البيّنة.

فقال ابن الفرات: فهو ثقته بإنفاذه إيّاه.

قال: إنّما وثّقه في حمل كتاب، فلا يقبل قوله عليه في غيره.

فقال ابن الفرات: يا أبا جعفر أنت وكيله، و محتجّ عنه، لست حاكما.

فقال: لا، و لكنّي أقول الحقّ في هذا الرجل، كما قلته في حقّ الوزير، أيّده اللّه، لما أراد حامد بن العباس في وزارته، و من ضامّه، الحيلة على الوزير أعزّه اللّه، بما هو أعظم في هذا الباب‏ (1) ، فإن كنت لم أصب حينئذ، فلست مصيبا في هذا الوقت.

فسكت ابن الفرات، و التفت إلى عليّ بن عيسى، و قال: يا قرمطيّ.

فقال له عليّ بن عيسى: أيّها الوزير، أنا قرمطيّ؟أنا قرمطيّ؟ يعرّض به‏ (2) .

معجم الأدباء 1/85

____________

(1) يشير القاضي أبو جعفر إلى موقف له وقفه في الدفاع عن الوزير ابن الفرات في عهد الوزير حامد بن العباس، عند ما اتهم بالسعي في عقد الإمامة الرجل من الطالبيين، راجع التفصيل في القصة 4/12 من النشوار.

(2) قوله: يعرض به، لأن أهل بغداد كانوا يلقبون ابن الفرات بالقرمطي، و لما قبض عليه بأمر الخليفة، و أحدر في الطيار، رجمه العامة و صاحوا: قد قبض على القرمطي الكبير، راجع التفصيل في تجارب الأمم 1/121 و 126 و المنتظم 6/189.

23

11 القاضي أبو جعفر بن البهلول يطلب بين الصدر و القبر فرجة

قال ابن عبد الرحيم، حدّثني القاضي أبو القاسم التنوخيّ‏ (1) ، و له بأمره‏ (2)

الخبرة التامّة لما يجمعهما من النسب و الصناعة، قال:

كان أبو جعفر من جلّة الناس و عظمائهم و علمائهم، و تقلّد قضاء الأنبار (3) و هيت‏ (4) و الرحبة (5) و سقي الفرات‏ (6) في أيّام المعتمد (7) ، بعد كتبة الموفق أبي أحمد (8) سنة 270 هـ، و أقام يليها إلى سنة 316 هـ.

و أضيف له إليها الأهواز (9) و كورها السبع‏ (10) ، و خلفه عليها جدّي أبو

____________

(1) أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي القاضي (370-447) : من علماء المعتزلة، تقلد القضاء، في عدة نواح منها المدائن و قرميسين، و كان ظريفا، نبيلا، جيد النادرة، و كان أميرا من أمراء الظرف، و قد اشتملت ترجمته في معجم الأدباء 5/301 على بدائع، و هو ابن القاضي المحسن صاحب النشوار (الأعلام 5/140) .

(2) أي بأمر القاضي أبي جعفر بن البهلول التنوخي.

(3) الأنبار: راجع حاشية القصة 1/137 من النشوار.

(4) هيت: راجع حاشية القصة 1/137 من النشوار.

(5) الرحبة: راجع حاشية القصة 1/137 من النشوار.

(6) سقي الفرات، في الأصل: طريق الفرات، و الصحيح ما أثبتناه، و سقي الفرات كور نها الأنبار و هيت (معجم البلدان 3/861) .

(7) المعتمد: أبو العباس أحمد بن جعفر المتوكل: ترجمته في حاشية القصة 2/8 من النشوار.

(8) الموفق: أبو أحمد، طلحة بن جعفر، الأمير الناصر، ابن المتوكل، و والد المعتضد:

ترجمته في حاشية القصة 1/73 من النشوار.

(9) الأهواز: راجع حاشية القصة 3/27 من النشوار.

(10) كور الأهواز السبع: راجع حاشية القصة 1/124 من النشوار.

24

القاسم عليّ بن محمد التنوخي‏ (1) في سنة 311 هـ.

و قلّد ماه الكوفة (2) و ماه البصرة (3) ، مضافات إلى ما تقدّم ذكره.

ثم ردّ عليه مدينة المنصور (4) و طسوج مسكن‏ (5) و قطربّل‏ (6) بعد فتنة ابن المعتز في سنة 296 (7) .

و لم يزل على هذه الولايات إلى سنة 316 هـ. و أسنّ و ضعف.

فتوصّل أبو الحسين الأشناني‏ (8) إلى أن ولي قضاء المدينة، فكانت له أحاديث قبيحة، و قيل إن الناس سلموا عليه بالقبا (9) إيماء إلى البغاء. و كان إليه الحسبة ببغداد (10) .

____________

(1) راجع القصة 3/93 من النشوار.

(2) ماه الكوفة: الماء: خالصة قصبة البلد، و ماه الكوفة: الدينور، انظر سبب التسمية في معجم البلدان (4/407 و 827) .

(3) ماه البصرة: الماء: خالصة قصبة البلد، و ماه البصرة: نهاوند، انظر سبب التسمية في معجم البلدان (4/405 و 827) .

(4) مدينة المنصور: راجع حاشية القصة 1/137 من النشوار.

(5) مسكن: موضع قرب أوانا على دجيل عند الجاثليق، به كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان و مصعب بن الزبير، حيث قتل مصعب سنة 72 (معجم البلدان 4/539) .

(6) قطربل: راجع حاشية القصة 1/70 من النشوار.

(7) فتنة ابن المعتز: راجع حاشية القصة 1/7 من النشوار.

(8) أبو الحسين الأشناني: عمر بن الحسن بن علي بن مالك بن أشرس بن عبد اللّه بن منجاب الشيباني، من أهل بغداد، كان من جلة أصحاب الحديث، ولي القضاء بنواحي الشام، و الحسبة ببغداد، و ولي القضاء ببغداد ثلاثة أيام، توفي سنة 339 (الأنساب 40) .

(9) كذا في الأصل: بالقبا، و لم أفهم لها معنى، و لعل الصحيح: بالبقاء، أي بالدعاء للقاضي بالبقاء، إيماء إلى اللفظة القريبة منها و هي البغاء.

(10) قال صاحب المنتظم 6/166: كان ابن الأشناني من جلة الناس، و من أصحاب الحديث المحمودين، و أحد الحفاظ، و كان قبل أن يخلف أبا جعفر التنوخي، يتولى القضاء بنواحي الشام، و تقلد الحسبة ببغداد.

25

فصرف في اليوم الثالث، و أعيد العمل إلى أبي جعفر، فامتنع من قبوله، و رفع يده عن النظر في جميع ما كان إليه، و قال: أحبّ أن يكون بين الصدر و القبر فرجة، و لا أنزل من القلنسوة (1) إلى الحفرة.

و قال في ذلك:

تركت القضاء لأهل القضاء # و أقبلت أسمو إلى الآخرة

فإن يك فخرا جليل الثناء # فقد نلت منه يدا فاخره

و إن كان وزرا فأبعد به # فلا خير في إمرة وازره‏

فقيل له: فابذل شيئا، حتى يردّ العمل إلى ابنك أبي طالب‏ (2) .

فقال: ما كنت لأتحمّلها حيا و ميتا، و قد خدم ابني السلطان، و ولاّه الأعمال، فإن استوثق خدمته، قلّده، و إن لم يرتض مذاهبه، صرفه، و هذا يفتضح و لا يخفى، و أنشدهم:

يقولون همّت بنت لقمان مرة # بسوء، و قالت: يا أبي ما الذي يخفى

فقال لها: ما لا يكون، فأمسكت # عليه و لم تمدد لمنكرة كفّا

و ما كلّ مستور تغلّق دونه # مصاريع أبواب و لو بلغت ألفا

بمستتر و الصائن العرض سالم # و ربّتما لم يعدم الذم و القرفا

على أن أثواب البري‏ء نقيّة # و لا يلبث الزور المفكّك أن يطفأ

قال: و لست أعلم هذا الشعر له، أو تمثّل به.

قال التنوخي، و كان أبو جعفر، يقول الشعر تأدبا، و تطرّبا، و ما علمت أنّه مدح أحدا بشي‏ء منه، و له قصيدة طرديّة مزدوجة طويلة،

____________

(1) يريد بالقلنسوة تقلد القضاء، راجع القصة 2/80 من النشوار.

(2) أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول: ترجمته في حاشية القصة 1/137 من النشوار.

26

و حمل الناس عنه علما كثيرا، و من شعره:

رأيت العيب يلصق بالمعالي # لصوق الحبر في يقق الثياب

و يخفى في الدني‏ء فلا تراه # كما يخفى السواد على الإهاب‏

و له في الوزير ابن الفرات:

قل لهذا الوزير قول محقّ # بثّه النصح أيّما إبثاث

قد تقلّدتها مرارا ثلاثا # و طلاق البتات عند الثلاث‏

و كان الأمر على ما قاله، فإنّ ابن الفرات قتل، بعد الوزارة الثالثة في محبسه‏ (1) .

و له أيضا:

أقبلت الدنيا و قد ولّى العمر # فما أذوق العيش إلا كالصبر

للّه أيّام الصبا إذ تعتكر # لاقت لدينا لو تئوب ما تسرّ

و له أيضا:

و يجزع من تسليمنا فيردّنا # مخافة أن نبغي نداه‏ (2) فيبخلا

و ما ضرّه أن يجتبينا ببشره # فنقنع بالبشر الجميل و نرحلا

و له أيضا:

و حرقة أورثتها فرقة دنفا # حيران لا يهتدي إلا إلى الحزن

في جسمه شغل عن قلبه و له # في قلبه شغل عن سائر البدن‏

____________

(1) انظر تفصيل الخبر في تجارب الأمم 1/137.

(2) في الأصل: تبغي يداه.

27

و له أيضا:

أبعد الثمانين أفنيتها # و خمسا و سادسها قد نما

ترجّي الحياة و تسعى لها # لقد كاد دينك أن يكلما

و له أيضا:

إلى كم تخدم الدنيا # و قد جزت الثمانينا

لئن لم تك مجنونا # فقد فقت المجانينا

معجم الأدباء 1/91-93

28

12 القاضي أبو جعفر بن البهلول يكشف عن براءة الوزير ابن الفرات مما اتهم به‏

حدّث أبو الحسين علي بن هشام بن أبي قيراط (1) ، قال:

دخلت مع أبي‏ (2) ، إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول‏ (3) ، عقيب عيد، لنهنّئه به.

و تطاول الحديث، فقال له أبي: قد كنت أكاتب الوزير، أيّده اللّه، إلى محبسه، يعني ابن الفرات‏ (4) -لأنّه هو كان الوزير إذ ذاك، الوزارة الثالثة (5) -و أعرّفه ما عليه القاضي، من موالاته في كذا و كذا، و الآن، هو على شكر القاضي، و الاعتداد به.

قال: فلما سمع ذلك، فرّق الغلمان، و من كان في مجلسه من أصحابه، حتى خلا، و قال: ليس يخفى عليّ التغيّر في عين الوزير، و إن كان لم ينقصني من رتبة و لا عمل، و باللّه أحلف، لقد لقيت حامد بن العباس‏ (6) ،

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) أبو القاسم هشام بن عبد اللّه الكاتب، المعروف بأبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/25 من النشوار.

(3) القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول: ترجمته في حاشية القصة 1/16 من النشوار.

(4) الوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

(5) وزارة ابن الفرات الثالثة: أولها الخميس 21 ربيع الآخر سنة 311 و أمدها عشرة أشهر و ثمانية عشر يوما (تجارب الأمم 1/88 و 127) .

(6) الوزير أبو محمد حامد بن العباس، وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/5 من النشوار.

29

بالمدائن‏ (1) ، لما جي‏ء به للوزارة، فقام لي في حرّاقته‏ (2) قائما، و قال لي: هذا الأمر لك و لولدك، و سيبين لك ما أفعله من زيادتك في الأعمال و الأرزاق، ثم لقيته يوم الخلع عليه، بعد لبسه إيّاها، فتطاول‏ (3) ، فلما فعلت به، في أمر الوزير أيّده اللّه، ما فعلته، بحضرة أمير المؤمنين، عاداني، و صار لا يعير لي طرفه، و تعرّضت منه لكلّ بليّة، فكنت خائفا منه، حتى أراح اللّه منه، بتفرّد علي بن عيسى‏ (4) بالأمور (5) ، و اشتغاله هو بالضمان‏ (6) ، و سقوط حاجتنا إلى لقائه، و ما لي إلى هذا الوزير-أيده اللّه-ذنب يوجب انقباضه، إلا أنّي أدّيت الوديعة التي كانت له عندي، و باللّه، لقد ورّيت عن ذكرها جهدي، و دافعت بما يدافع به مثلي، ممن لا يمكنه الكذب، فلما جاء ابن حمّاد، كاتب موسى بن خلف‏ (7) ، فأقرّ بها، و أحضر الدليل بإحضار

____________

(1) المدائن: و تسمى الآن سلمان باك، لأن فيها قبر سلمان الفارسي، راجع حاشية القصة 1/184 من النشوار.

(2) الحراقة، و جمعها حراقات و حراريق: هي في الأصل سفن فيها مرامي نار يقذف بها العدو، ثم أطلقت على سفن المعابر، و كان المترفون يتفننون في بنائها على صور الحيوان و الطير، راجع معجم المراكب و السفن في الإسلام لحبيب زيات، مجلة المشرق م 43.

(3) تطاول: تظاهر كأنه يريد القيام.

(4) الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح، وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.

(5) بشأن تفرد الوزير علي بن عيسى بالأمور، راجع تجارب الأمم 1/59.

(6) راجع تجارب الأمم 1/59 و 60.

(7) موسى بن خلف: كان أثيرا عند الوزير ابن الفرات، أمينا على خاص أموره، و عند ما اعتقل الوزير ابن الفرات في السنة 306 كان موسى بن خلف أحد الذين اعتقلوا معه، و سئل عن ودائع ابن الفرات فأنكر معرفته بشي‏ء منها، و ادعى أنه كان يشرف على نفقات دار الوزير فقط، و شدد الوزير حامد بن العباس عليه في المسألة، و ضربه حتى مات تحت الضرب، و هو شيخ تجاوز التسعين (تجارب الأمم 1/65) .

30

المرأة التي حملتها، لم أجد بدّا من أدائها، و قد فعل مثلي أبو عمر، في الوديعة التي كانت له عنده، إلا أنّ أبا عمر، فعل ما قد علمته من حيلة، بشراء فصّ بنصف درهم، نقش عليه عليّ بن محمد (1) ، و وضع مالا من عنده، في أكياس ختمها به، و قال للوزير: وديعتك عندي بحالها، و إنّما غرمت ما أدّيت عنك من مالي، و أراد التقرّب إليه، ففعل هذا (2) ، و أنت تعلم فرق ما بيني و بين أبي عمر، في كثرة المال، فأريد أن تسلّ سخيمته، و تستصلح لي نيّته، و تذكره بحقّي القديم عليه، و مقامي له بين يدي الخليفة إذ ذاك، و أنّ مثل ذلك، لا ينسى بتجنّ لا يلزم.

فقال له أبي: أنا أفعل و لا أقصّر، و قد اختلفت الأخبار علينا، فيما جرى ذلك اليوم، فإن رأى القاضي-أعزّه اللّه-أن يشرحه لي، فعل.

فقال أبو جعفر: كنت أنا، و أبو عمر، و علي بن عيسى، و حامد بن العباس بحضرة الخليفة، مع جماعة من خواصه، و كلهم منحرف عن الوزير -أيّده اللّه-و محب لمكروهه، إذ أحضر حامد، الرجل الجندي، الذي ادّعى أنّه وجده راجعا من أردبيل‏ (3) ، إلى قزوين‏ (4) ، ثم إلى أصبهان‏ (5) ، ثم إلى البصرة (6) ، و أنّه أقرّ له عفوا (7) ، أنّه رسول ابن الفرات، إلى ابن

____________

(1) أي إنه كتب على فص الخاتم اسم الوزير ابن الفرات صاحب الوديعة.

(2) بشأن وديعة الوزير ابن الفرات عند القاضي أبي عمر: راجع تجارب الأمم 1/67 و 68.

(3) أردبيل: من أشهر مدن أذربيجان، كبيرة المساحة، كثيرة المياه، بينها و بين بحر الخزر مسيرة يومين، و بينها و بين تبريز مسيرة سبعة أيام (معجم البلدان 1/197) .

(4) قزوين: راجع حاشية القصة 1/173 من النشوار.

(5) أصبهان: راجع حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(6) البصرة: راجع حاشية القصة 1/124 من النشوار.

(7) أقر له عفوا: يعني من دون إرهاب و لا تعذيب.

31

أبي الساج‏ (1) ، في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان‏ (2) ، ليقوّيه ابن أبي الساج، و يسيّره إلى بغداد، و يعاونه ابن الفرات بها، و انّه مخبر أنّه تردّد في ذلك دفعات، و خاطبه بحضرة الخليفة في أن يصدق عمّا عنده من ذلك.

فذكر الرجل، مثل ما أخبر عنه حامد، و وصف أنّ موسى بن خلف، كان يتخبّر لابن الفرات، لأنّه من الدعاة الذين يدعون إلى الطالبيّين، و أنّه كان يمضي في‏[كل‏]وقت من الأوقات إلى ابن أبي الساج في شي‏ء من هذا.

فلما استتم الخليفة سماع هذا الكلام، اغتاظ غيظا شديدا، و أقبل على أبي عمر (3) ، و قال: ما عندك فيما فعله هذا؟ فقال: لئن كان فعل ذلك، لقد أتى أمرا فظيعا، و أقدم على أمر يضرّ بالمسلمين جميعا، و استحقّ كذا، كلمة عظيمة لا أحفظها.

قال أبو جعفر: و تبيّنت في عليّ بن عيسى كراهية لما جرى، و الإنكار للدعوى، و الطنز (4) بما قيل فيها، فقويت نفسي بذلك.

و أقبل الخليفة عليّ، فقال: ما عندك يا أحمد، فيمن فعل هذا؟ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين، أن يعفيني.

فقال: و لم؟.

فقلت: لأنّ الجواب ربما أغضبت به من أنا محتاج إلى رضاه، أو خالف ما يوافقه من ذلك و يهواه، و يضرّ بي.

____________

(1) الأمير يوسف بن أبي الساج، من كبار أمراء الدولة العباسية: ترجمته في حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(2) طبرستان: راجع حاشية القصة 1/174 من النشوار.

(3) القاضي أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي: ترجمته في حاشية القصة 1/10 من النشوار.

(4) الطنز: السخرية و الاستهزاء.

32

فقال: لا بدّ أن تجيب.

فقلت: الجواب، ما قال اللّه تعالى‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا فَعَلْتُمْ نََادِمِينَ (1) ، و مثل هذا يا أمير المؤمنين لا يقبل فيه خبر واحد، و التمييز يمنع من قبول مثل هذا على ابن الفرات، أ تراه يظنّ به أنّه رضي أن يكون تابعا لابن أبي الساج، و لعله ما كان يرضى، و هو وزير، أن يستحجبه‏ (2) ؟ ثم أقبلت على الرجل، فقلت له: صف لي أردبيل، عليها سور أم لا؟ فإنّك على ما تدعيه من دخولها، لا بد أن تكون عرفا بها، و اذكر لنا صفة باب دار الإمارة، هل هو حديد أم خشب؟ فتلجلج.

فقلت له: كاتب ابن أبي الساج، ابن محمود، ما اسمه؟و ما كنيته؟ فلم يعرف ذلك.

فقلت له: فأين الكتب التي معك؟ فقال: لما أحسست بأنّي قد وقعت في أيديهم، رميت بها خوفا من أن توجد معي، فأعاقب.

قال: فأقبلت على الخليفة، و قلت: يا أمير المؤمنين، هذا جاهل، متكسّب، مدسوس من قبل عدوّ غير محصّل.

فقال علي بن عيسى، مؤيدا لي: قد قلت هذا للوزير، فلم يقبل قولي، و ليس يهدّد هذا، فضلا عن أن ينزل به مكروه، إلاّ أقرّ بالصورة.

____________

(1) . 6 م الحجرات 49.

(2) أن يتخذه حاجبا.

33

فأقبل الخليفة على نذير الحرمي‏ (1) ، و عدل عن أن يأمر نصرا الحاجب‏ (2)

بذلك، لما يعرفه بينه و بين ابن الفرات‏ (3) ، و قال: بحقّنا عليك، لما ضربته مائة مقرعة، أشدّ الضرب، إلى أن يصدق عن الصورة.

فعدي بالرجل، عن حضرة الخليفة، ليبعد و يضرب.

فقال: لا، إلا هاهنا.

فضرب بالقرب منه، دون العشرة، فصاح: غررت، و ضمنت لي الضمانات، و كذبت، و اللّه، ما دخلت أردبيل قط.

فطلب نزار بن محمد الضبّي أبو معد (4) ، و كان صاحب الشرطة، و قد انصرف، فقال الخليفة، لعلي بن عيسى: وقّع إليه، بأن يضرب هذا، مائة سوط، و يثقله بالحديد، و يحبس في المطبق‏ (5) .

فو اللّه، لقد رأيت حامدا، و قد كاد يسقط، انخذالا، و انكسارا، و وجدا، و إشفاقا.

و خرجنا، و جلسنا في دار نصر الحاجب، و انصرف حامد، و أخذ علي بن عيسى ينظر في الحوائج، و أخّر أمر الرجل.

____________

(1) نذير الحرمي: يدل لقبه على أنه كان مختصا بخدمة الحرم في قصر الخليفة، و تدل القصة على أنه كان يقوم بتنفيذ أوامر الخليفة في عقاب من يأمر بمعاقبته، و في كتاب الوزراء للصابي 291 أن نذيرا قبض على الوزير ابن الفرات في نهاية وزارته الأولى سنة 299، و الظاهر من الخبر الوارد في تجارب الأمم 1/295 في أخبار السنة 322 أن أمواله قد قبضت.

(2) نصر القشوري حاجب المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/83 من النشوار.

(3) للاطلاع على ما بين نصر القشوري الحاجب و الوزير ابن الفرات: راجع تجارب الأمم 1/52 و 118 و 121.

(4) أبو معد نزار بن محمد الضبي: ترجمته في حاشية القصة 2/108 من النشوار.

(5) المطبق: السجن تحت الأرض.

34

فقال له حاجبه ابن عبدوس‏ (1) ، قد وجّه نزار، بالمضروب المتكذّب.

فقلت له: إنّه و إن كان قد جهل، فقد غمّني ما لحقه، خوفا من أن أكون سببه، فإن أمكنك أن تسقط عنه المكروه، أو بعضه، أجرت.

فقال: ما في هذا-لعنه اللّه-أجر، و لكنّي أقتصر على خمسين مقرعة (2) ، و أعفيه من السياط (3) .

ثم وقّع بذلك إلى نزار، و انصرفنا.

فصار حامد من أعدى الناس لي.

معجم الأدباء 1/87-91

____________

(1) أبو عبد اللّه محمد بن عبدوس الكوفي الجهشياري، صاحب كتاب الوزراء: خلف أباه على حجابة الوزير علي بن عيسى، ثم حجابة الوزير حامد بن العباس، ثم اتصل بابن مقلة، و صودر لما نكب ابن مقلة، و مات سنة 331 مستترا (الأعلام 7/135) .

(2) المقرعة: العصا أو الخشبة يضرب بها، و تسمى ببغداد «التوثية» نسبة للتوث بالثاء، لغة في التوت، بتاءين، قال الشاعر:

العبد يقرع بالعصا # و الحر تكفيه الإشارة

(3) السوط: ما يضرب به من جلد مضفور أو نحوه، و سمي سوطا لأنه يسوط الدم باللحم، أي يخلطهما.

35

13 من شعر أبي الفتح بن المنجم‏

قال التنوخي أبو عليّ:

أنشدني أبو الفتح أحمد بن عليّ بن هارون بن يحيى المنجم‏ (1) في الوزير أبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس‏ (2) في وزارته‏ (3) ، و قد عمل على الانحدار إلى الأهواز (4) لنفسه:

قل للوزير سليل المجد و الكرم # و من له قامت الدنيا على قدم

و من يداه معا تجدي ندى وردى # يجريهما عدل حكم السيف و القلم

و من إذا همّ أن تمضي عزائمه # رأيت ما تفعل الأقدار في الأمم

و من عوارفه تهمى و عادته # في ربّ بدأته تنمى على القدم

لأنت أشهر في رعي الذمام و في # حكم التكرّم من نار على علم

و العبد عبدك في قرب و في بعد # و أنت مولاه إن تظعن و إن تقم

فمره يتبعك أو لا فاعتمده بما # تجري به عادة الملاّك في الخدم‏ (5)

قال: و أنشدني لنفسه، و ذكر أنّه لا يوجد لها قافية رابعة من جنسها في الحلاوة:

سيّدي أنت و من عادته # باعتداء و بجور جاريه‏

____________

(1) أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون بن يحيى المنجم: ترجمته في حاشية القصة 3/133 من النشوار.

(2) أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس الوزير: ترجمته في حاشية القصة 1/43 من النشوار.

(3) وزارة أبي الفرج في السنة 359 و عزله في السنة 360 (تجارب الأمم 1/260 و 284) .

(4) الأهواز: راجع حاشية القصة 1/124 و حاشية القصة 3/27 من النشوار.

(5) راجع القصة 4/34 من النشوار.

36

أنصف المظلوم و ارحم عبرة # بدموع و دماء جاريه‏ (1)

ربما أكني بقولي سيّدي # عند شكواي الهوى من جاريه‏ (2)

قال: و أنشدني لنفسه، و القافية كلها عود باختلاف المعنى:

العيش عافية و الراح و العود # فكل من حاز هذا فهو مسعود

هذا الذي لكم في مجلس أنق # سجاره‏ (3) العنبر الهنديّ و العود

و قينة وعدها بالخلف مقترن # بما يؤمّله راج و موعود

و فتية كنجوم الليل دأبهم # إعمال كأس حداها الناي و العود

فاغدوا عليّ بكأس الراح مترعة # عودا و بدأ فإن أحمدتم عودوا

معجم الأدباء 1/232

____________

(1) راجع القصة 3/133 من النشوار.

(2) راجع القصة 3/133 من النشوار.

(3) سجاره: ملؤه.

37

14 غلام يقتضي أن يكون أخا و صديقا

قال أبو علي: سمعت أبا محمد المهلبيّ‏ (1) يتحدّث، و هو وزير، في مجلس أنس: أنّ رجلا كان ينادم بعض الكتّاب الظراف، و أحسبه قال ابن المدبّر (2) ، قال:

كنت عنده ذات يوم، فرجع غلام له أنفذه في شي‏ء لا أدري ما هو، فقال له ربّ الدار: ما صنعت؟ فقال: ذهبت، و لم يكن، فقام يجي‏ء، فجاء، فلم يجي‏ء، فجئت، قال: فتبيّنت في رب الدار تغيّرا، و همّا، و لم يقل للغلام شيئا، فعجبت من ذلك.

ثم أخذ بيدي، و قال: قد ضيّق صدري، ما جاء به هذا الغلام، فقم حتى ندور في البستان الذي في دارنا و نتفرّج، فلعلّه يخفّ ما بي.

فقلت: و اللّه، لقد توهّمت أنّ صدرك قد ضاق بانغلاق كلام الغلام عليك، و قد فهمته، و هذا ظريف.

فقال: إنّ هذا الغلام، أحصف و أظرف غلام يكون، و ذاك أنّني ممتحن بعشق غلام أمرد، و هو ابن نجار من جيراننا، و الغلام يساعدني عليه، و أبوه يغار عليه، و يمنعه منّي.

فوجّهت هذا الغلام، و قلت: إن لم يكن أبوه هناك، فقل له يصير إلينا.

____________

(1) الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي: ترجمته في حاشية القصة 1/1 من النشوار.

(2) أبو إسحاق إبراهيم بن المدبر: ترجمته في حاشية القصة 1/145 من النشوار.

38

فرجع، فلما رآك عندي، قدّر أنّي لا أريد أن تفطن للأمر، فردّ هذا الجواب الطريف الذي سمعته.

فقلت: أعده عليّ أنت لأفهمه.

فقال: إنّه يقول: ذهبت إلى الغلام و لم يكن أبوه هناك، فقام الغلام يجي‏ء، فجاء أبوه، فلم يجي‏ء الغلام، فجئت أنا.

فقلت له: هذا الغلام يجب أن يكون أخا و صديقا، لا غلاما.

معجم الأدباء 1/293

39

15 جحظة البرمكي يفت لبنات وردان‏

قال أبو عليّ: حدّثني أبو القاسم الحسين بن عليّ البغداديّ‏ (1) ، و كان أبوه ينادم ابن الحواريّ‏ (2) ، ثم نادم البريديين‏ (3) بالبصرة، و أقام بها سنين، قال:

كان جحظة (4) خسيف الدين، و كان لا يصوم شهر رمضان، و كان يأكل سرّا.

فكان عند أبي يوما في شهر رمضان، مسلّما، فأجلسته.

فلما كان نصف النهار، سرق من الدار رغيفا، و دخل المستراح، و جلس على المقعدة.

و اتّفق أن دخل أبي فرآه، فاستعظم ذلك، و قال: ما هذا يا أبا الحسن؟ فقال: أفتّ لبنات وردان‏ (5) ما يأكلون، فقد رحمتهم من الجوع.

معجم الأدباء 1/395

____________

(1) راجع القصة 7/16 من النشوار.

(2) أبو القاسم علي بن محمد المعروف بابن الحواري: ترجمته في حاشية القصة 1/63 من النشوار.

(3) البريديون: راجع حاشية القصة 1/4 من النشوار.

(4) جحظة البرمكي، أبو الحسن النديم: ترجمته في حاشية القصة 2/94 من النشوار.

(5) تسمى الآن في بغداد: المردان، مفردها: مردانة، بالميم المضمومة.

40

16 أبو بكر بن الجراح عالم فارس‏

أخبرنا أبو منصور القزّاز (1) ، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب‏ (2) ، قال: حدّثنا التنوخيّ، قال:

كان أبو بكر بن الجرّاح‏ (3) يقول: كتبي بعشرة آلاف درهم، و جاريتي بعشرة آلاف درهم، و سلاحي بعشرة آلاف درهم، و دوابّي بعشرة آلاف درهم.

قال التنوخيّ: و كان أحد الفرسان، يلبس أداته، و يركب فرسه، و يخرج إلى الميدان، و يطارد الفرسان فيه.

المنتظم 7/165 معجم الأدباء 2/79

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو بكر أحمد بن محمد بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الجراح، المعروف بالخزاز: كان ثقة، صادقا، فاضلا، أديبا، كثير الكتب، ظاهر الثروة، توفي في السنة 381 (المنتظم 7/165) .

41

17 أبو عبد اللّه بن ثوابة نهاية في الكتبة و حسن الكلام‏

قال أبو علي المحسّن التنوخي:

رأيت أنا، أبا عبد اللّه هذا (1) في سنة 409 (2) و إليه ديوان الرسائل، و كان نهاية في حسن الكلام، و الكتبة.

معجم الأدباء 2/80

____________

(1) أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن ثوابة: أحد البلغاء الفهماء، و أرباب الاتساع في علم البلاغة، ولي ديوان الرسائل بعد أبيه محمد بن جعفر في السنة 312 في أيام المقتدر، و لم يزل على ديوان الرسائل، إلى أن مات و هو متوليه في أيام معز الدولة في سنة 349 فوليه بعده أبو إسحاق الصابي، قال الوزير أبو الحسن علي بن عيسى لأبي عبد اللّه بن ثوابه: ما قال أما بعد، أحد على وجه الأرض، أكتب من جدك، و كان أبوك أكتب منه، و أنت أكتب من أبيك. (معجم الأدباء 2/80) ، راجع القصة 8/62 من النشوار.

(2) هذا الرقم حصل فيه سهو، لأن التنوخي توفي سنة 384 و ابن ثوابة توفي في السنة 349 و أحسب أن الكاتب أراد أن يكتب 49 يعني سنة 349 فأخطأ فوضع نقطة بين الرقمين.

42

18 فرات غاض من آل الفرات‏

قال القاضي أبو علي التنوخيّ:

أنشدني أبو الحسين، عليّ بن هشام‏ (1) ، لنفسه، لما قتل أبو الحسن بن الفرات‏ (2) :

فرات غاض من آل الفرات # ففاض عليه دمع المكرمات

سماء غودرت في بطن أرض # و بحر غاض في بعض الفلاة

عسى الأيّام آخذة بثار # فتأخذ لي بثار المأثرات‏

الوزراء للصابي 162

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام بن عبد اللّه الكاتب البغدادي المعروف بابن أبي قيراط: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) الوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات: ترجمته في حاشية القصة 1/9 من النشوار.

43

19 عضد الدولة غلام أبي عليّ الفارسيّ في النحو

أخبرنا أبو منصور القزّاز (1) ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ‏ (2) ، قال: قال التنوخيّ:

ولد أبو علي الحسن بن أحمد النحويّ الفارسي‏ (3) ، بفسا، و قدم بغداد، فاستوطنها، و سمعنا منه في رجب سنة خمس و سبعين و ثلاثمائة.

و علت منزلته في النحو، حتى قال قوم من تلامذته، هو فوق المبرّد (4) ، و أعلم منه.

و صنّف كتبا عجيبة حسنة، لم يسبق إلى مثلها، و اشتهر ذكره في الآفاق.

و برع له غلمان حذّاق، مثل عثمان بن جني‏ (5) ، و عليّ بن عيسى

____________

(1) أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(2) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي: ترجمته في حاشية القصة 4/2 من النشوار.

(3) أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي النحوي: أحد الأئمة في علم العربية ولد سنة 288 و ساح في كثير من البلدان، و أقام مدة عند سيف الدولة في حلب، ثم صحب عضد الدولة، و علمه النحو، و ألف عدة كتب، توفي سنة 377 عن نيف و تسعين سنة (الأعلام 2/193) .

(4) المبرد أبو العباس محمد بن يزيد: ترجمته في حاشية القصة 1/146 من النشوار.

(5) أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي: من أئمة الأدب و النحو، و له شعر، و مؤلفات عدة، ولد بالموصل و توفي ببغداد سنة 392، كان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني (الأعلام 4/364) .

44

الشيرازي‏ (1) ، و غيرهما.

و خدم الملوك، و نفق عليهم، و تقدّم عند عضد الدولة (2) ، فسمعت أبي يقول: سمعت عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي النحوي في النحو (3) .

المنتظم 7/138 معجم الأدباء 3/10

____________

(1) أبو الحسن علي بن عيسى بن الفرج بن صالح الربعي الشيرازي: عالم بالعربية، اشتهر و توفي ببغداد، له تصانيف في النحو، توفي سنة 420 (الأعلام 5/134) .

(2) عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن بويه: ترجمته في حاشية ترجمة مؤلف النشوار في الجزء الأول.

(3) في معجم الأدباء 3/10 إضافة: و غلام أبي الحسين الرازي الصوفي في النجوم.

45

20 زورق ابن الخواستيني يحمل ثلاثمائة ألف رطل‏

و حدّث ابن نصر (1) ، قال: حدّثني يوما أبو الفرج الببغاء الشاعر (2) :

أنّ أبا الفرج منصور بن بشر النصرانيّ الكاتب، كان منقطعا إلى أبي لعباس بن ماسرجس، فأنفذه مرّة إلى أبي عمر إسماعيل بن أحمد، عامل البصرة، في بعض حاجاته، فعاد من عنده مغضبا، لأنّه لم يستوف له القيام عند دخوله.

و أراد أبو العباس إنفاذه بعد أيّام، فأبى، و قال: لو أعطيتني زورق ابن الخواستيني، مملوءا كيمياء، كلّ مثقال منه إذا وضع على ألف مثقال صفرا، صار ذهبا ابريزا، ما مضيت إليه.

فأمسك عنه مغيظا.

و هذا زورق معروف بالبصرة، و حمله ثلاثمائة ألف رطل‏ (3) .

معجم الأدباء 3/57

____________

(1) تتمة حديث متسلسل منقول عن أبي علي التنوخي، و أوله القصة 1/201 من النشوار.

(2) أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الملقب بالببغاء: ترجمته في حاشية القصة 1/52 من النشوار.

(3) الرطل: 12 أوقية، و الأوقية أربعون درهما.

46

21 ابن أبي علان و مبالغاته‏

و قد رأيت‏ (1) دواتي أبي العبّاس سهل بن بشر (2) ، و قد حكي له، أن ابن أبي علان قاضي القضاة بالأهواز (3) ، ذكر أنّه رأى قبجة (4) وزنها عشرة أرطال‏ (5) .

فقال: هذا محال.

فقيل له: ترد قول ابن أبي علاّن؟ قال: فإن قال ابن أبي علان، أنّ على شاطئ جيحون نخلا يحمل غضار صيني مجزّع بسواد، أقبل‏ (6) ؟ معجم الأدباء 3/57

____________

(1) الحديث منقول عن أبي علي التنوخي عن ابن نصر، راجع القصة السابقة.

(2) أبو العباس سهل بن بشر، عامل واسط و الأهواز: ترجمته في حاشية القصّة 3/154 من النشوار.

(3) أبو أحمد عبد اللّه بن محمد بن أبي علان، قاضي الأهواز: كان معتزليا، و له تصانيف حسنة (الأعلام 4/265) .

(4) القبجة، و جمعها قبج، هو الحجل، فارسية (كپك) الألفاظ الفارسية 123 و تفسير الألفاظ الدخيلة 55، و تسمى الآن ببغداد: هكلك.

(5) يعني أن وزنها 25 كيلوغرام و 640 غراما.

(6) الغضارة الصيني: الصحفة المصنوعة في الصين، و أحسن أنواعه المجزع، أي الملون بالسواد و البياض، راجع لطائف المعارف 221، أقول: و الصيني يسمى في العراق: الفرفوري.

47

22 التنوخي يتحدث عن الحسن بن بشر الآمدي‏

أخبرني القاضي أبو القاسم التنوخيّ، عن أبيه، أبي علي المحسّن:

أنّ مولد أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي‏ (1) بالبصرة، و أنّه قدم بغداد فحمل عن الأخفش‏ (2) ، و الحامض‏ (3) ، و الزجاج‏ (4) و ابن دريد (5) ، و ابن

____________

(1) أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي: ترجم له صاحب النشوار في القصة 1/38 و أثنى عليه، و قال فيه: له شعر جيد حسن، و اتساع تام في الأدب، رواية له و حفظ، و له كتب مصنفة فيه (النشوار جـ 1 ص 89) ، و أثبت له في القصة 2/80 من النشوار (جـ 2 ص 157) مقطوعة في هجاء أحد القضاة، و ترجم له ياقوت في معجم الأدباء 3/54 و ابن النديم في الفهرست 155 و أثبت له أسماء عشرة تآليف، آخرها: كتاب في شدة حاجة الإنسان إلى أن يعرف قدر نفسه.

(2) أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل النحوي المعروف بالأخفش الصغير: من العلماء، بغدادي، أقام بمصر، ثم في حلب، ثم عاد إلى بغداد، و توفي بها سنة 315، قيل في سبب وفاته، أنه كان متحققا بأبي علي بن مقلة، ملتجئا إليه، فشكا إليه يوما فاقته و إضاقته، و سأله أن يسأل الوزير علي بن عيسى أن يثبت له رزقا، فخاطبه أبو علي، فانتهره الوزير في مجلس حافل، و وقف الأخفش على الصورة، فاغتم لها، و اضطرته الفاقة إلى أكل السلجم الني‏ء، فقبض على قلبه، فمات، و كان الأخفش مولعا بابن الرومي، الشاعر المتطير، يباكر داره، و يقول كلاما يتطير به، فإذا سمع كلامه لم يخرج ذلك اليوم من بيته، فهجاه ابن الرومي، بأشعار كثيرة، ثم تصالحا، فامتدحه بأبيات مطلعها:

ذكروا الأخفش القديم فقلنا # إن للأخفش الحديث لفضلا

(الأعلام 5/103 و وفيات الأعيان 2/462) .

(3) أبو موسى، سليمان بن محمد بن أحمد النحوي المعروف بالحامض: من علماء اللغة و الشعر، بغدادي، من تلاميذ ثعلب، لقب بالحامض لضيق صدره، له تصانيف عدة، توفي سنة 305 (الأعلام 3/195) .

(4) أبو إسحاق إبراهيم بن السري المعروف بالزجاج: ترجمته في حاشية القصة 1/146 من النشوار.

(5) ابن دريد: أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي: ترجمته في حاشية القصة 2/109 من النشوار.

48

السراج‏ (1) ، و غيرهم، اللغة، و روى الأخبار في آخر عمره بالبصرة.

و كان يكتب بمدينة السلام لأبي جعفر هارون بن محمد الضبّي‏ (2) خليفة أحمد ابن هلال صاحب عمان‏ (3) ، بحضرة المقتدر، و وزرائه، و لغيره من بعده.

و كتب بالبصرة لأبي الحسين أحمد (4) ، و أبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى‏ (5) ، و بعدهما لقاضي البلد أبي‏[القاسم‏] (6) جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ على الوقوف التي تليها القضاة، و يحضر به في مجلس حكمه، ثم لأخيه أبي الحسن محمد بن عبد الواحد (7) ، لما ولي قضاء البصرة، ثم لزم بيته إلى أن مات.

و كان كثير الشعر، حسن الطبع، جيّد الصنعة، مشتهرا بالتشبيهات.

معجم الأدباء 3/58

____________

(1) ابن السراج: أبو بكر محمد بن السري بن سهل، أحد أئمة الأدب و العربية، بغدادي، عارف بالموسيقى له عدة مؤلفات، مات شابا في السنة 316 (الأعلام 7/6) .

(2) أبو جعفر هارون بن محمد بن هارون الضبي: كان أسلافه ملوك عمان في قديم الزمان، و ساد في عمان على حداثة سنه، ثم خرج منها فلقي العلماء بمكة و الكوفة و البصرة، ثم أقام ببغداد منذ السنة 305 فعلت منزلته عند السلطان، و انتشرت مكارمه و عطاياه، و امتدحه الشعراء فأكثروا، و أجزل صلاتهم، و أنفق أمواله في بر العلماء و صلة الأشراف من البطنين و اقتناء الكتب المنسوبة، و كان مبرزا في العلم باللغة و الشعر و النحو و معاني القرآن و الكلام، و كانت داره مجمعا لأهل العلم من كل فن، توفي سنة 335 (تاريخ بغداد للخطيب 14/33 و المنتظم 6/356) .

(3) كان لكل واحد من كبار العمال، كصاحب مصر، أو الشام، أو عمان، وكيل عنه، أو خليفة له بالحضرة، يخاطب، و يخاطب عنه، في جميع أموره.

(4) أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى: ترجمته في حاشية القصة 3/27 من النشوار.

(5) أبو أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى: ترجمته في حاشية القصة 3/145 من النشوار.

(6) في الأصل: أبو جعفر، و الصحيح ما أثبتناه، هو أبو القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشمي:

ترجمته في حاشية القصة 2/80 من النشوار.

(7) أبو الحسين محمد بن عبد الواحد الهاشمي: ترجمته في حاشية القصة 2/30 من النشوار.

49

23 لعن اللّه الدنيا

قال أبو عليّ:

كنت في سنة 352 ببغداد، فحضر أوّل يوم شهر رمضان فاصطحبنا أنا و أبو الفتح عبد الواحد بن أبي علي الحسين بن هارون، الكاتب في دار أبي الغنائم، الفضل بن الوزير أبي محمد المهلّبيّ‏ (1) ، لتهنئته بالشهر، عند توجّه أبيه‏ (2) إلى عمان‏ (3) .

و بلغ أبو محمد إلى موضع من أنهار البصرة يعرف بعلياباذ (4) ، ففترت نيّته عن الخروج إلى عمان.

و استوحش معزّ الدولة (5) منه، و فسد رأيه فيه.

و اعتلّ المهلّبيّ هناك، ثم أمره معزّ الدولة، بالرجوع من علياباذ، و أن لا يتجاوزه، و قد اشتدّت علّته، و الناس بين مرجف بأنّه يقبض عليه إذا حصل بواسط (6) ، أو عند دخوله إلى بغداد، و قوم يرجفون بوفاته.

و خليفته إذ ذاك على الوزارة ببغداد، أبو الفضل العباس بن الحسين

____________

(1) أبو الغنائم الفضل بن الوزير أبي محمد المهلبي: ترجمته في حاشية القصة 1/28 من النشوار.

(2) الوزير المهلبي أبو محمد: ترجمته في حاشية القصة 1/1 من النشوار.

(3) عمان: راجع حاشية القصة 1/185 من النشوار.

(4) علياباذ: قال ياقوت في معجمه: 3/714، إن علياباذ معناها عمارة على عدة قرى.

(5) الأمير معز الدولة، أبو الحسين أحمد بن بويه: انظر ترجمته في حاشية القصة 1/70 من النشوار.

(6) واسط: راجع حاشية القصة 1/119 من النشوار.

50

ابن عبد اللّه‏ (1) ، و أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس‏ (2) .

فجئنا إلى أبي الغنائم، و دخلنا إليه و هو جالس في عرضيّ‏ (3) في داره التي كانت لأبيه على دجلة، على الصراة (4) ، عند شبّاك في دجلة، و هو في دست كبير عال، جالس، و بين يديه الناس على طبقاتهم، فهنأناه بالشهر و جلسنا، و هو إذ ذاك صبيّ‏[غير]بالغ، إلاّ أنّه محصّل.

فلم يلبث أن جاء أبو الفضل و أبو الفرج، فدخلا اليه و هنآه بالشهر، فأجلس أحدهما عن يمينه و الآخر عن يساره، على طرف دسته، في الموضع الذي فيه فضلة المخاد إلى الدست، ما تحرّك لأحدهما، و لا انزعج، و لا شاركاه في الدست.

و أخذا معه في الحديث، و زادت مطاولتهما، و أبو الفضل يستدعي خادم الحرم، فيسارّه، فيمضي و يعود، و يخاطبه سرّا.

إلى أن جاءه بعد ساعة، فسارّه، فنهض.

فقال له أبو الفرج: إلى أين يا سيدي؟ فقال: أهنّئ من يجب تهنئته و أعود إليك، و كان أبو الفضل زوج زينة (5) ، أخت أبي الغنائم، من أبيه و أمّه تجنّي‏ (6) .

فحين دخل و اطمأنّ قليلا، وقع الصراخ، و تبادر الخدم و الغلمان، و دعي

____________

(1) أبو الفضل العباس بن الحسين الوزير: ترجمته في حاشية القصة 1/148 من النشوار.

(2) أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس: ترجمته في حاشية القصة 1/43 من النشوار.

(3) العرض: الناحية، و العرضي حجرة تكون في ناحية من الدار تشرف على ساحتها، و تهيأ لاستقبال الضيوف، و قد حرّف البغداديون اسمها الآن، فأصبح (أرسي) .

(4) الصراة: راجع حاشية القصة 1/146 من النشوار.

(5) راجع حاشية القصة 2/113 من النشوار.

(6) تجني: جارية الوزير المهلبي و هي أم أولاده، راجع القصة 3/177 من النشوار.

51

الصبيّ، و كان يتوقّع أن يرد عليه خبر موت أبيه، لأنّه كان عالما بشدة علّته، فقام، فمسكه أبو الفرج، و قال: اجلس، اجلس، و قبض عليه.

و خرج أبو الفضل و قد قبض على تجنّي، أم الصبيّ، و وكّل بها خدما، و ختم الأبواب، ثم قال للصبيّ: قم يا أبا الغنائم إلى مولانا-يعني معزّ الدولة- فقد طلبك، و قد مات أبوك.

فبكى الصبي، و سعى إليه، و علق بدرّاعته، و قال: يا عمّ، اللّه، اللّه، فيّ، يكررها.

فضمه أبو الفضل إليه، و استعبر، و قال: ليس عليك بأس و لا خوف، و انحدروا إلى زبازبهم‏ (1) ، فجلس أبو الفرج في زبزبه، و جلس أبو الفضل في زبزبه، و أجلس الغلام بين يديه، و أصعدت الزبازب، تريد معزّ الدولة بباب الشمّاسية.

فقال أبو الفتح بن الحسين: ما رأيت مثل هذا قط، و لا سمعت، لعن اللّه الدنيا، أ ليس الساعة، كان هذا الغلام في الصدر معظّما، و خليفتا أبيه، بين يديه، و ما افترقا حتى صار بين أيديهما ذليلا حقيرا.

ثم جرى من المصادرات على أهله و حاشيته، ما لم يجر على أحد (2) .

معجم الأدباء 3/197

____________

(1) الزبزب: نوع من الزوارق كانت تستعمل وسائل للانتقال في دجلة.

(2) لمعرفة ما جرى على ورثة المهلبي من مصادرة، راجع تجارب الأمم (2/197) و القصة 4/58 من النشوار.

52

24 نعوذ باللّه من الخيبة و الخذلان‏

حدّث أبو القاسم التنوخي:

أنّ نقفور (1) لما فتح طرسوس‏ (2) ، نصب في ظاهرها علمين، و نادى مناديه، من أراد بلاد الملك الرحيم، و أحبّ العدل و النصفة، و الأمن على المال، و الأهل، و النفس، و الولد، و أمن السبل، و صحة الأحكام، و الإحسان في المعاملة، و حفظ الفروج، و كذا و كذا، و عدّ أشياء جميلة، فليصر تحت هذا العلم، ليقفل مع الملك إلى بلاد الروم.

و من أراد الزنا، و اللواط، و الجور في الأحكام و الأعمال، و أخذ الضرائب، و تملك الضياع عليه، و غصب الأموال، و عدّ أشياء من هذا النوع غير جميلة، فليحصل تحت هذا العلم إلى بلاد الإسلام.

فصار تحت علم الروم خلق من المسلمين، ممّن تنصر، و ممّن صبر على الجزية.

و دخل الروم إلى طرسوس، فأخذ كلّ واحد من الروم، دار رجل من المسلمين، بما فيها، ثم يتوكّل ببابها، و لا يطلق لصاحبها إلاّ حمل الخفّ، فإن رآه قد تجاوز، منعه، حتى إذا خرج منها صاحبها، دخلها النصرانيّ، فاحتوى على ما فيها.

و تقاعد بالمسلمين أمّهات أولادهم، لمّا رأين أهاليهن، و قالت أنا الآن حرّة، لا حاجة لي في صحبتك، فمنهنّ من رمت بولدها على أبيه، و منهنّ

____________

(1) هناك ثلاثة من ملوك الروم باسم نقفور، و لعل المقصود هو نقفورس فوقاس، أي الثاني منهم.

(2) كان ذلك سنة 354، انظر تجارب الأمم (2/210) .

53

من منعت الأب من ولده، فنشأ نصرانيّا، فكان الإنسان يجي‏ء إلى عسكر الروم، فيودّع ولده، و يبكي، و يصرخ، و ينصرف على أقبح صورة، حتى بكى الروم رقّة لهم.

و طلبوا من يحملهم، فلم يجدوا غير الروم، فلم يكروهم إلاّ بثلث ما أخذوه على أكتافهم أجرة، حتى سيّروهم إلى أنطاكية (1) .

هذا و سيف الدولة (2) حيّ يرزق بميافارقين، و الملوك كلّ واحد مشغول بمحاربة جاره من المسلمين‏ (3) ، و عطّلوا هذا الفرض، و نعوذ باللّه من الخيبة و الخذلان، و نسأله الكفاية من عنده.

معجم البلدان 3/527

____________

(1) أنطاكية: راجع حاشية القصة 2/129 من النشوار.

(2) الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد اللّه الحمداني: ترجمته في حاشية القصة 1/44 من النشوار.

(3) ما أشبه الليلة بالبارحة.

54

25 ابن الماشطة صاحب كتاب جواب المعنت‏

قال أبو علي التنوخي، حدّثنا أبو الحسين علي بن هشام‏ (1) ، قال:

سمعت علي بن الحسن الكاتب المعروف بابن الماشطة (2) ، و هو صاحب الكتاب المعروف: بجواب المعنت، في الكتابة، و عاش حتى بلغ المائة سنة، و كان قد تقلّد مكان أبي‏ (3) ، في أيام حامد (4) لما غلب عليّ بن عيسى‏ (5) على الأمور، قال:

____________

(1) أبو الحسين علي بن هشام المعروف بابن أبي قيراط، كاتب ابن الفرات، و صاحب ديوان بيت المال في أيام وزارته: ترجمته في حاشية القصة 4/10 من النشوار.

(2) ابن الماشطة، أبو الحسين علي بن الحسن بن محمد البغدادي: له صناعة و تقدم في الحساب و صناعة الخراج، توفي بعد سنة 350، صنف كتاب أخبار الوزراء، و جواب المعنت، و كتاب الخراج (هدية العارفين 5/680 و الفهرست 135 و معجم الأدباء 5/113) .

(3) هشام بن عبد اللّه، أبو القاسم، المعروف بأبي قيراط كاتب ابن الفرات: و كان إليه ديوان بيت المال، فلما عزل ابن الفرات، عزل أبو قيراط، و نصب مكانه أبو الحسين بن الماشطة، و كان أبو قيراط متحققا بالوزير بن الفرات، أثيرا عنده، و كان يكاتبه إذا حبس، و أكثر أخباره منقولة عنه، ثم كتب للوزير علي بن عيسى من بعده، و لكنه خافه فاستتر، فلم يهجه، و كتب للوزير أبي علي بن مقلة من بعده (الوزراء 112-339) .

(4) الوزير أبو محمد حامد بن العباس وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/5 من النشوار.

(5) الوزير أبو الحسن علي بن عيسى وزير المقتدر: ترجمته في حاشية القصة 1/14 من النشوار.