الحيوان - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
259 /
3

الجزء الأول‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

مقدمة

الحمد لله وحده لا شريك له، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و سلم، و بعد؛ فكتاب الحيوان لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هو من الكتب التي كتب لها البقاء و الذيوع و الانتشار قديما و حديثا.

و قد طبع الكتاب غير ما مرة، و تولى خدمته غير واحد من أهل العلم، بيد أنه-على تعدد طبعاته، و جلالة بعض من خدمه-يحتاج إلى طبعة علمية محققة، ففيه ما فيه من نقصان و تحريف ليس منه.

و قد أفدت من جهود من تقدمني في خدمة هذا الكتاب، و حرصت على تخريج ما فيه من آيات و أحاديث و أخبار و أشعار و أمثال، و على ربطه بكتب الجاحظ الأخرى: البيان و التبيين؛ و البخلاء؛ و الرسائل؛ و البرصان و العرجان.

و قدمت للكتاب بمقدمة عرفت فيها بالجاحظ و كتابه، اقتضبتها لأن ناشري كتبه قد كتبوا لها مقدمات وافية ضافية.

و بعد أرجو أن يكون التوفيق قد حالفني في إخراج الكتاب على نحو يرضاه العلماء، و اللّه أسأل أن يهدينا للحق و إلى ما فيه مرضاته.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

دمشق 19/4/1998 م.

محمد باسل عيون السود

4

حياته:

من المتفق عليه أن ولادته كانت سنة (148 هـ) و أقتطف سيرة حياته الموجزة من شذرات الذهب 2/121-122[سنة خمسين و مائتين.

و فيها[توفي‏]عمرو بن بحر الجاحظ أبو عثمان البصري المعتزلي، و إليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، صنف الكثير في الفنون. كان بحرا من بحور العلم؛ رأسا في الكلام و الاعتزال، و عاش تسعين سنة؛ و قيل بقي إلى سنة خمس و خمسين.

أخذ عن القاضي أبي يوسف و ثمامة بن أشرس و أبي إسحاق النظام. قال في المغني: عمرو بن بحر الجاحظ المتكلم صاحب الكتب. قال ثعلب: ليس بثقة و لا مأمون؛ انتهى. و قال غيره: أحسن تآليفه و أوسعها فائدة كتاب الحيوان و كتاب البيان و التبيين، و كان مشوّه الخلق، استدعاه المتوكل لتأديب ولده؛ فلما رآه رده و أجازه؛ و فلج في آخر عمره، فكان يطلي نصفه بالصندل و الكافور لفرط الحرارة و نصفه الآخر لو قرض بالمقاريض ما أحس به لفرط البرودة، و سمي جاحظا لجحوظ عينيه؛ أي لنتوئهما. و كان موته بسقوط مجلدات العلم عليه‏].

مضمون الكتاب و قيمته:

يوهم العنوان الذي و سم به الكتاب أنه مقصور على الحيوان، إلا أن الكتاب يتضمن علوما و معارف أكبر من العنوان، فقد أطنب المؤلف في ذكر آي القرآن الكريم، و حديث نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم، و فيه صورة للعصر العباسي و ما انطوى عليه من ثقافة متشعبة الأطراف، و عادات كانت سائدة حينذاك، كما تحدث فيه عن الأمراض التي تعترض الإنسان و الحيوان؛ و طرق علاجها، و تطرق إلى المسائل الكلامية التي عرف بها المعتزلة، و تحدث عن خصائص كثيرة من البلدان، و عرض لبعض قضايا التاريخ.

كل هذه الأنواع من العلوم كانت تتخللها الفكاهة التي بثها الجاحظ بين الفينة و الأخرى، مما جعل كتابه بغية كل قارئ، فإن أراد الشعر وجده من أغنى الكتب الحافلة بالشعر، و إن أراد معرفة معلومات دقيقة عن البشر أو أحد الحيوانات وجد ضالته في تضاعيف هذا الكتاب.

5

و إن أراد الاطلاع على ما قالته العرب من أمثال وجد الكمّ الوافر منها، و إن حثته نفسه على مطالعة فكاهة وجدها مبثوثة في صفحات متعددة من هذا الكتاب الضخم، و هذا ما يجعل كتاب الحيوان مجموعة كتب ضمها كتاب واحد.

عملي في الكتاب:

قسم الجاحظ كتابه إلى عدة أبواب، و هي أبواب طويلة، يكاد يصل عدد صفحات بعضها إلى حوالي مائتي صفحة، و لما رأيت الأمر كذلك رأيت أن أحافظ على تقسيمه، و إشفاع هذا التقسيم بعناوين فرعية تعطي فكرة عن مضمون الفقرة، و اقتبست العناوين من مضمون كلام الجاحظ؛ و جعلتها بين قوسين معكوفتين، كما جعلت لها رقما متسلسلا؛ كنت أحيل إليه إذا تكرر شي‏ء من هذه الفقرة في موضع آخر من الكتاب، و تركت العناوين التي وضعها الجاحظ بدون أقواس أو أرقام، و جعلتها في منتصف الصفحة، لأميزها عن العناوين التي استحدثتها.

و قد تبين لي أن الكتاب بكافة طبعاته يعتريه السقط و الخلل، فأضفت إليه ما وجدته ساقطا؛ و سددت الثلم الذي اكتنف المتن، و كان من أهم المصادر التي أعانتني في استدراك السقط كتاب «ثمار القلوب» للثعالبي، و حصرت ما أضفته بين قوسين.

و خرجت الآيات و الأحاديث و الأقوال و الآثار، و قدمت تخريجا وافيا للأشعار و الأمثال و الأخبار، فلم أدع قولا أو أثرا أو مثلا أو بيتا من الشعر إلا نقبت عنه في المظان المتوفرة، و هو جهد جشمني الكثير من العناء الذي رافقه الصبر و الروية للتحقق مما أكتب.

و يتضح حجم الجهد الذي بذلته في سبيل إخراج هذا الكتاب من خلال الحواشي التي ذيلت بها متن الكتاب، و من خلال المصادر التي أشفعتها بنهاية الكتاب.

و بعد.. فأرجو أن أكون قد أصبت المراد من عملي هذا.

محمد باسل عيون السود

6

-

7

<بسم اللّه الرّحمن الرّحيم> و به ثقتي

1-[مؤلفات الجاحظ و الرد على من عابها]

جنّبك اللّه الشّبهة، و عصمك من الحيرة، و جعل بينك و بين المعرفة نسبا، و بين الصدق سببا، و حبّب إليك التثبّت، و زيّن في عينك الإنصاف، و أذاقك حلاوة التقوى، و أشعر قلبك عزّ الحقّ، و أودع صدرك برد اليقين و طرد عنك ذلّ اليأس، و عرّفك ما في الباطل من الذلّة، و ما في الجهل من القلّة.

و لعمري لقد كان غير هذا الدعاء أصوب في أمرك، و أدلّ على مقدار وزنك، و على الحال التي وضعت نفسك فيها، و وسمت عرضك بها، و رضيتها لدينك حظّا، و لمروءتك شكلا، فقد انتهى إليّ ميلك على أبي إسحاق، و حملك عليه، و طعنك على معبد، و تنقّصك له في الذي كان جرى بينهما في مساوي الديك و محاسنه، و في ذكر منافع الكلب و مضارّه، و الذي خرجا إليه من استقصاء ذلك و جمعه، و من تتبّعه و نظمه، و من الموازنة بينهما، و الحكم فيهما. ثم عبتني بكتاب حيل اللصوص‏ (1) ، و كتاب غشّ الصناعات، و عبتني بكتاب الملح و الطّرف‏ (2) ، و ما حرّ من النوادر و برد، و ما عاد باردة حارّا لفرط برده حتى أمتع بأكثر من إمتاع الحارّ، و عبتني بكتاب احتجاجات البخلاء، و مناقضتهم للسّمحاء، و القول في الفرق بين الصدق إذا كان ضارّا في العاجل، و الكذب إذا كان نافعا في الآجل، و لم جعل الصدق أبدا محمودا، و الكذب أبدا مذموما، و الفرق بين الغيرة و إضاعة الحرمة، و بين الإفراط في الحميّة و الأنفة، و بين التقصير في حفظ حقّ الحرمة، و قلّة الاكتراث لسوء القالة، و هل الغيرة اكتساب و عادة، أم بعض ما يعرض من جهة الديانة، و لبعض التزيّد فيه

____________

(1) ذكره بروكلمان في تاريخه 3/119. و فيه: «حكاية عثمان الخياط في اللصوص: موصل 264.

و ذكر الجاحظ: كتاب حيل سرّاق الليل و كتاب حيل النهار، في كتاب البخلاء 1؛ و ذكره التنوخي 2/196 بعنوان: كتاب اللصوص، و البغدادي في الفرق بين الفرق 162 بعنوان حيل اللصوص» .

(2) بروكلمان 3/126، رقم (100) .

8

و التحسن به، أو يكون ذلك في طباع الحريّة، و حقيقة الجوهريّة، ما كانت العقول سليمة، و الآفات منفيّة و الأخلاط معتدلة.

و عبتني بكتاب الصّرحاء و الهجناء (1) ، و مفاخرة السّودان و الحمران‏ (2) ، و موازنة ما بين حقّ الخؤولة و العمومة (3) ، و عبتني بكتاب الزرع و النخل و الزيتون و الأعناب‏ (4) ، و أقسام فضول الصناعات، و مراتب التجارات‏ (5) ؛ و بكتاب فضل ما بين الرجال و النساء (6) ، و فرق ما بين الذكور و الإناث، و في أيّ موضع يغلبن و يفضلن، و في أي موضع يكن المغلوبات و المفضولات، و نصيب أيّهما في الولد أوفر، و في أيّ موضع يكون حقّهنّ أوجب، و أيّ عمل هو بهنّ أليق، و أيّ صناعة هنّ فيها أبلغ.

و عبتني بكتاب القحطانيّة و كتاب العدنانيّة في الردّ على القحطانية (7) ، و زعمت أنّي تجاوزت الحميّة إلى حدّ العصبيّة، و أنّي لم أصل إلى تفضيل العدنانيّة إلا بتنقّص القحطانيّة، و عبتني بكتاب العرب و الموالي‏ (8) ، و زعمت أنّي بخست الموالي حقوقهم، كما أنّي أعطيت العرب ما ليس لهم. و عبتني بكتاب العرب و العجم، و زعمت أنّ القول في فرق ما بين العرب و العجم‏ (9) ، هو القول في فرق ما بين الموالي و العرب، و نسبتني إلى التكرار و الترداد، و إلى التكثير، و الجهل بما في المعاد من الخطل، و حمل الناس المؤن.

و عبتني بكتاب الأصنام‏ (10) ، و بذكر اعتلالات الهند لها، و سبب عبادة العرب إيّاها، و كيف اختلفا في جهة العلّة مع اتّفاقهما على جملة الديانة، و كيف صار عبّاد البددة (11) و المتمسكون بعبادة الأوثان المنحوتة، و الأصنام المنجورة، أشدّ الديّانين

____________

(1) بروكلمان 3/123، رقم (45) .

(2) بروكلمان 3/124، رقم (56) .

(3) بروكلمان 3/124، رقم (61) .

(4) بروكلمان 3/125، رقم (80) .

(5) بروكلمان 3/124، رقم (62) ، (64) .

(6) رسائل الجاحظ 3/37 (1) 159 بعنوان «النساء» .

(7) بروكلمان 3/122، رقم (27) .

(8) بروكلمان 3/122، رقم (28) .

(9) بروكلمان 3/122، رقم (29) .

(10) بروكلمان 3/121، رقم (1) .

(11) البددة: جمع بدّ، و هو الصنم. أو بيت الأصنام و التصاوير. و هو إعراب «بت» بالفارسية. اللسان:

بدد3/82.

9

إلفا لما دانوا به، و شغفا بما تعبّدوا له، و أظهرهم جدّا، و أشدّهم على من خالفهم ضغنا، و بما دانوا ضنّا، و ما الفرق بين البدّ و الوثن، و ما الفرق بين الوثن و الصنم، و ما الفرق بين الدّمية و الجثّة، و لم صوّروا في محاريبهم و بيوت عباداتهم، صور عظمائهم و رجال دعوتهم، و لم تأنّقوا في التصوير، و تجوّدوا (1) في إقامة التركيب، و بالغوا في التحسين و التفخيم، و كيف كانت أوّليّة تلك العبادات، و كيف اقترفت تلك النّحل، و من أيّ شكل كانت خدع تلك السدنة (2) ، و كيف لم يزالوا أكثر الأصناف عددا، و كيف شمل ذلك المذهب الأجناس المختلفة.

و عبتني بكتاب المعادن‏ (3) ، و القول في جواهر الأرض، و في اختلاف أجناس الفلزّ و الإخبار عن ذائبها و جامدها، و مخلوقها و مصنوعها، و كيف يسرع الانقلاب إلى بعضها، و يبطئ عن بعضها، و كيف صار بعض الألوان يصبغ و لا ينصبغ، و بعضها ينصبغ و لا يصبغ، و بعضها يصبغ و ينصبغ، و ما القول في الإكسير و التلطيف.

و عبتني بكتاب فرق ما بين هاشم و عبد شمس‏ (4) ، و كتاب فرق ما بين الجنّ و الإنس‏ (5) ، و فرق ما بين الملائكة و الجنّ‏ (6) ، و كيف القول في معرفة الهدهد و استطاعة العفريت‏ (7) ، و في الذي كان عنده علم من الكتاب‏ (8) ، و ما ذلك العلم، و ما تأويل قولهم: كان عنده اسم اللّه الأعظم‏ (9) .

و عبتني بكتاب الأوفاق و الرياضات‏ (10) ، و ما القول في الأرزاق و الإنفاقات

____________

(1) تجوّدوا: فعلوا الجيّد.

(2) السدنة: جمع سادن، و هو خادم الكعبة و بيت الأصنام. اللسان: سدن 13/206.

(3) بروكلمان 3/125، رقم (79) .

(4) بروكلمان 3/122، رقم (30) .

(5) بروكلمان 3/121، رقم (2) .

(6) بروكلمان 3/121، رقم (3) .

(7) معرفة الهدهد، إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: 22]. و استطاعة العفريت؛ إشارة إلى قوله تعالى: قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ [النمل: 39]، و يقصد عرش بلقيس.

(8) إشارة إلى قوله تعالى: قََالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتََابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: 40]. و القائل هو آصف كاتب سليمان، و كان صديقا يعلم الاسم الأعظم. انظر تفسير ابن كثير 3/376.

(9) ذكر ابن كثير 3/276 أن تأويل قوله هو: «يا ذا الجلال و الإكرام. و قال الزهري: قال: يا إلهنا و إله كل شي‏ء واحدا لا إله إلاّ أنت، ائتني بعرشها» .

(10) بروكلمان 3/123، رقم (36) .

10

و كيف أسباب التثمير و الترقيح، و كيف يجتلب التجار الحرفاء، و كيف الاحتيال للودائع، و كيف التسبّب إلى الوصايا، و ما الذي يوجب لهم حسن التعديل، و يصرف إليهم باب حسن الظن، و كيف ذكرنا غشّ الصناعات و التجارات‏ (1) ، و كيف التسبّب إلى تعرف ما قد ستروا و كشف ما موّهوا؛ و كيف الاحتراس منه و السلامة من أهله.

و عبتني برسائلي‏ (2) ، و بكلّ ما كتبت به إلى إخواني و خلطائي، من مزح و جدّ، و من إفصاح و تعريض، و من تغافل و توقيف، و من هجاء لا يزال ميسمه باقيا، و مديح لا يزال أثره ناميا و من ملح تضحك، و مواعظ تبكي.

و عبتني برسائلي الهاشميّات‏ (3) ، و احتجاجي فيها، و استقصائي معانيها، و تصويري لها في أحسن صورة، و إظهاري لها في أتمّ حلية، و زعمت أنّي قد خرجت بذلك من حدّ المعتزلة إلى حد الزيديّة، و من حدّ الاعتدال في التشيّع و الاقتصاد فيه، إلى حدّ السرف و الإفراط فيه. و زعمت أنّ مقالة الزيدية خطبة مقالة الرافضة، و أنّ مقالة الرافضة خطبة مقالة الغالية (4) . و زعمت أنّ في أصل القضيّة و الذي جرت عليه العادة. أن كلّ كبير فأوّله صغير، و أنّ كلّ كثير فإنما هو قليل جمع من قليل، و أنشدت قول الراجز: [من الرجز]

قد يلحق الصغير بالجليل # و إنّما القرم من الأفيل

و سحق النخل من الفسيل‏ (5)

و أنشدت قول الشاعر: [من الرجز]

ربّ كبير هاجه صغير # و في البحور تغرق البحور (6)

و قلت: و قال يزيد بن الحكم: [من م. الكامل‏]

فاعلم بنيّ فإنّه # بالعلم ينتفع العليم‏ (7)

____________

(1) بروكلمان 3/124، رقم (63) .

(2) رسائل الجاحظ: 1/227 «في الجد و الهزل» ، 1/279 «في نفي التشبيه» ، 1/309 «الفتيا» ، 2/3 «في النابتة» .

(3) بروكلمان 3/126، رقم (191) .

(4) رسائل الجاحظ 4/311-324.

(5) الرجز بلا نسبة في المحاسن و الأضداد، و الجمهرة 848، و مروج الذهب 3/191.

(6) البيت من بحر الرجز؛ أو البحر السريع، و هو بلا نسبة في المحاسن و الأضداد.

(7) البيتان في شرح الحماسة للمرزوقي 1190-1197.

11

إنّ الأمور دقيقها # مما يهيج له العظيم‏

و قلت: و قال الآخر: [من المديد]

صار جدّا ما مزحت به # ربّ جدّ ساقه اللعب‏ (1)

و أنشدت قول الآخر: [من الكامل‏]

ما تنظرون بحقّ وردة فيكم # تقضى الأمور و رهط وردة غيّب‏ (2)

قد يبعث الأمر الكبير صغيرة # حتّى تظلّ له الدماء تصبّب‏

و قالت كبشة بنت معد يكرب: [من الطويل‏]

جدعتم بعبد اللّه آنف قومه # بني مازن أن سبّ راعي المحزّم‏ (3)

و قال الآخر: [من السريع‏]

أيّة نار قدح القادح # و أيّ جدّ بلغ المازح‏ (4)

و تقول العرب: «العصا من العصيّة، و لا تلد الحيّة إلا حيّة» (5) .

و عبت كتابي في خلق القرآن‏ (6) ، كما عبت كتابي في الردّ على المشبّهة (7) ؛ و عبت كتابي في القول في أصول الفتيا و الأحكام‏ (8) ، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن و غريب تأليفه و بديع تركيبه‏ (9) . و عبت معارضتي للزيديّة و تفضيلي الاعتزال على كلّ نحلة (10) ، كما عبت كتابي في الوعد و الوعيد (11) ، و كتابي على

____________

(1) البيت لأبي نواس في ديوانه 239.

(2) البيتان لطرفة بن العبد في ديوانه 11؛ و الشعر و الشعراء 90، و وردة هي أمه؛ و كان أبو طرفة مات و طرفة صغير، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله، و ظلموا حقا لأمه.

(3) البيت من قصيدة في ستة أبيات في نوادر القالي 190؛ و الخزانة 3/77 (بولاق) ؛ و شرح الحماسة للتبريزي 1/117؛ و الأغاني 15/230.

(4) البيت لأبي نواس في ديوانه 618؛ و البيان و التبيين 3/198.

(5) المثل في المستقصى 2/390؛ و مجمع الأمثال 2/259.

(6) بروكلمان 3/121، رقم (4) .

(7) رسائل الجاحظ 4/5-18.

(8) رسائل الجاحظ 1/309-319.

(9) بروكلمان 3/121، رقم (5) .

(10) بروكلمان 3/121، رقم (11) .

(11) بروكلمان 3/123، رقم (37) .

12

النصارى و اليهود (1) ثمّ عبت جملة كتبي في المعرفة و التمست تهجينها بكلّ حيلة، و صغّرت من شأنها، و حططت من قدرها، و اعترضت على ناسخيها و المنتفعين بها، فعبت كتاب الجوابات‏ (2) ، و كتاب المسائل‏ (3) ، و كتاب أصحاب الإلهام‏ (4) ، و كتاب الحجّة في تثبيت النبوّة (5) ، و كتاب الأخبار، ثمّ عبت إنكاري بصيرة غنام المرتدّ (6) ، و بصيرة كلّ جاحد و ملحد، و تفريقي بين اعتراض الغمر (7) ، و بين استبصار المحقّ، و عبت كتاب الردّ على الجهميّة في الإدراك‏ (8) . و في قولهم في الجهالات. و كتاب الفرق ما بين النبيّ و المتنبي‏ (9) . و الفرق ما بين الحيل و المخاريق‏ (10) . و بين الحقائق الظاهرة و الأعلام الباهرة. ثمّ قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير لقدره و التهجين لنظمه، و الاعتراض على لفظه، و التحقير لمعانيه، فزريت على نحته و سبكه، كما زريت على معناه و لفظه، ثمّ طعنت في الغرض الذي إليه نزعنا، و الغاية التي إليها قصدنا. على أنّه كتاب معناه أنبه من اسمه، و حقيقته آنق من لفظه، و هو كتاب يحتاج إليه المتوسط العامي، أما الرّيض فللتعلّم و الدربة، و للترتيب و الرياضة، و للتمرين و تمكين العادة، إذ كان جليله يتقدم دقيقه، و إذا كانت مقدّماته مرتبة و طبقات معانيه منزّلة. و أما الحاذق فلكفاية المئونة، لأن كلّ من التقط كتابا جامعا، و بابا من أمّهات العلم مجموعا، كان له غنمه، و على مؤلّفه غرمه، و كان له نفعه، و على صاحبه كدّه، مع تعرّضه لمطاعن البغاة، و لاعتراض المنافسين، و مع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة، و معانيه على الجهابذة، و تحكيمه فيه المتأوّلين و الحسدة.

و متى ظفر بمثله صاحب علم، أو هجم عليه طالب فقه، و هو وادع رافه، و نشيط جام، و مؤلّفه متعب مكدود، فقد كفي مئونة جمعه و خزنه، و طلبه و تتبّعه، و أغناه

____________

(1) رسائل الجاحظ 3/301-351.

(2) رسائل الجاحظ 4/47-67، و بروكلمان 3/126، رقم (92) .

(3) رسائل الجاحظ 4/47-67.

(4) بروكلمان 3/121، رقم (7) .

(5) رسائل الجاحظ 3/221-281.

(6) بروكلمان 3/121، رقم (17) . و فيه: «غنّام المرتدّ الذي أحرق بالنار سنة 234... »

(7) الغمز: الذي لم يجرّب الأمور. (اللسان: غمر 5/31) .

(8) بروكلمان 3/121، رقم (8) .

(9) بروكلمان 3/121، رقم (9) .

(10) بروكلمان 3/121، رقم (10) .

13

ذلك عن طول التفكير، و استفاد العمر و فلّ الحدّ، و أدرك أقصى حاجته و هو مجتمع القوّة. و على أنّ له عند ذلك أن يجعل هجومه عليه من التوفيق، و ظفره به بابا من التسديد.

و هذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، و تتشابه فيه العرب و العجم، لأنه و إن كان عربيّا أعرابيا، و إسلاميّا جماعيّا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، و جمع بين معرفة السماع و علم التجربة، و أشرك بين علم الكتاب و السنة، و بين وجدان الحاسّة، و إحساس الغريزة. و يشتهيه الفتيان كما تشتهيه الشيوخ، و يشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، و يشتهيه اللاعب ذو اللّهو كما يشتهيه المجدّ ذو الحزم، و يشتهيه الغفل كما يشتهيه الأريب، و يشتهيه الغبيّ كما يشتهيه الفطن.

و عبتني بحكاية قول العثمانيّة و الضّرارية (1) ، و أنت تسمعني أقول في أوّل كتابي: و قالت العثمانية و الضراريّة، كما سمعتني أقول: قالت الرافضة و الزيدية (2) ، فحكمت عليّ بالنصب لحكايتي قول العثمانية، فهلاّ حكمت عليّ بالتشيّع لحكايتي قول الرافضة!!و هلا كنت عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة!!و قد حكينا في كتابنا قول الإباضيّة و الصّفرية، كما حكينا قول الأزارقة و الزيدية. و على هذه الأركان الأربعة بنيت الخارجية، و كلّ اسم سواها فإنما هو فرع و نتيجة، و اشتقاق منها، و محمول عليها.

و إلاّ كنّا عندك من الخارجية، كما صرنا عندك من الضّراريّة و الناصبة. فكيف رضيت بأن تكون أسرع من الشيعة، أسرع إلى إعراض الناس من الخارجية، اللهم إلاّ أن تكون وجدت حكايتي عن العثمانيّة و الضّراريّة أشبع و أجمع، و أتمّ و أحكم، و أجود صنعة، و أبعد غاية. و رأيتني قد وهّنت حقّ أوليائك، بقدر ما قوّيت باطل أعدائك!و لو كان ذلك كذلك، لكان شاهدك من الكتاب حاضرا، و برهانك على ما ادعيت واضحا.

و عبتني بكتاب العباسية (3) ، فهلاّ عبتني بحكاية مقالة من أبى وجوب الإمامة، و من يرى الامتناع من طاعة الأئمة الذين زعموا أنّ ترك النّاس سدى بلا قيّم أردّ عليهم، و هملا بلا راع أربح لهم، و أجدر أن يجمع لهم ذلك بين سلامة العاجل، و غنيمة الآجل، و أنّ تركهم نشرا لا نظام لهم، أبعد من المفاسد، و أجمع لهم على المراشد!! بل ليس ذلك بك، و لكنّه بهرك ما سمعت، و ملأ صدرك الذي قرأت، و أبعلك

____________

(1) رسائل الجاحظ 4/19-45.

(2) رسائل الجاحظ 4/311-324.

(3) بروكلمان 3/114، رقم (17) .

14

و أبطرك، فلم تتّجه للحجّة و هي لك معرضة، و لم تعرف المقاتل و هي لك بادية، و لم تعرف باب المخرج إذ جهلت باب المدخل، و لم تعرف المصادر إذ جهلت الموارد.

رأيت أنّ سبّ الأولياء أشفى لدائك، و أبلغ في شفاء سقمك، و رأيت أن إرسال اللسان أحضر لذّة، و أبعد من النّصب، و من إطالة الفكرة و من الاختلاف إلى أرباب هذه الصناعة.

و لو كنت فطنت لعجزك، و وصلت نقصك بتمام غيرك، و استكفيت من هو موقوف على كفاية مثلك، و حبيس على تقويم أشباهك كان ذلك أزين في العاجل.

و أحقّ بالمثوبة في الآجل، و كنت إن أخطأتك الغنيمة لم تخطك السلامة، و قد سلم عليك المخالف بقدر ما ابتلي به منك الموافق. و على أنّه لم يبتل منك إلا بقدر ما ألزمته من مئونة تثقيفك، و التشاغل بتقويمك. و هل كنت في ذلك إلاّ كما قال العربي:

«هل يضرّ السّحاب نباح الكلاب» (1) ، و إلاّ كما قال الشاعر: [من الرمل‏]

هل يضرّ البحر أمسى زاخرا # أن رمى فيه غلام بحجر (2)

و هل حالنا في ذلك إلاّ كما قال الشاعر: [من الكامل‏]

ما ضرّ تغلب وائل أ هجوتها # أم بلت حيث تناطح البحران‏ (3)

و كما قال حسّان بن ثابت: [من الخفيف‏]

ما أبالي أ نبّ بالحزن تيس # أم لحاني بظهر غيب لئيم‏ (4)

و ما أشكّ أنّك قد جعلت طول إعراضنا عنك مطيّة لك، و وجّهت حلمنا عنك إلى الخوف منك، و قد قال زفر بن الحارث لبعض من لم ير حقّ الصفح، فجعل العفو سببا إلى سوء القول: [من الطويل‏]

فإن عدت و اللّه الذي فوق عرشه # منحتك مسنون الغرارين أزرقا (5)

فإنّ دواء الجهل أن تضرب الطّلى # و أن يغمس العرّيض حتى يغرّقا

____________

(1) من الأمثال؛ و تتمته: «و لا الصخر تفليل الزجاج» ، و المثل في مجمع الأمثال 2/408؛ 2/215، و الدرة الفاخرة2/432، و المستقصى 2/272.

(2) البيت بلا نسبة في البيان 3/248، و أخبار أبي تمام 46.

(3) البيت للفرزدق في ديوانه 882، و الخزانة 2/501 (بولاق) ، و البيان 3/48، و أخبار أبي تمام 49.

(4) ديوان حسان 434. نبّ: صاح؛ و نبيب التيس يكون عند وثوبه للسفاد. و الحزن: ما غلظ من الأرض.

(5) البيتان في البيان 4/56 لزفر بن الحارث.

15

و قال الأوّل: [من الكامل‏]

و ضغائن داويتها بضغائن # حتّى شفيت و بالحقود حقودا

و قال الآخر: [من البسيط]

و ما نفى عنك قوما أنت خائفهم # كمثل وقمك جهّالا بجهّال‏ (1)

فاقعس إذا حدبوا و احدب إذا قعسوا # و وازن الشّرّ مثقالا بمثقال‏

فإنّا و إن لم يكن عندنا سنان زفر بن الحارث، و لا معارضة هؤلاء الشرّ بالشرّ، و الجهل بالجهل، و الحقد بالحقد، فإن عندي ما قال المسعوديّ: [من الطويل‏]

فمسّا تراب الأرض منه خلقتما # و فيه المعاد و المصير إلى الحشر (2)

و لا تأنفا أن ترجعا فتسلّما # فما كسى الأفواه شرّا من الكبر

فلو شئت أدلى فيكما غير واحد # علانية أو قال عندي في السّرّ

فإن أنا لم آمر و لم أنه عنكما # ضحكت له كيما يلجّ و يستشري‏

و قال النّمر بن تولب: [من الطويل‏]

جزى اللّه عنّي جمرة ابنة نوفل # جزاء مغلّ بالأمانة كاذب‏ (3)

بما خبّرت عنّي الوشاة ليكذبوا # عليّ و قد أوليتها في النوائب‏

يقول: أخرجت خبرها، فخرج إلى من أحبّ أن يعاب عندها.

و لو شئت أن نعارضك لعارضناك في القول بما هو أقبح أثرا و أبقى وسما، و أصدق قيلا، و أعدل شاهدا. و ليس كلّ من ترك المعارضة فقد صفح، كما أنّه ليس من عارض فقد انتصر، و قد قال الشاعر قولا، إن فهمته فقد كفيتنا مئونة المعارضة، و كفيت نفسك لزوم العار، و هو قوله: [من السريع‏]

إن كنت لا ترهب ذمّي لما # تعرف من صفحي عن الجاهل‏ (4)

____________

(1) البيتان بلا نسبة في البيان 3/334، و مجالس ثعلب 423، و الروض الأنف 1/170.

(2) الأبيات في الأغاني 9/145، و أمالي المرتضى 2/60، و مجالس ثعلب 14، و رسائل الجاحظ 1/355.

(3) البيتان في ديوان النمر بن تولب 332، و الأغاني 22/276، و عيون الأخبار 3/14، و البيت الأول في اللسان (غلل) ، و التاج (جمر؛ غلل) ، و المقاييس 4/376، و تهذيب اللغة 16/92.

و المغلّ: من الإغلال؛ و هو الخيانة.

(4) الأبيات للعتابي أو ابن قنبر في الأغاني 14/166، و للعتابي في رسائل الجاحظ 1/355، و لكعب بن زهير في الخزانة 4/12 (بولاق) ، و لمحمد بن حازم الباهلي في ديوانه 81، و الحماسة البصرية 2/260، و البيتان 4-5 بلا نسبة في عيون الأخبار 2/26.

16

فاخش سكوتي إذ أنا منصت # فيك لمسموع خنا القائل

فالسامع الذمّ شريك له # و مطعم المأكول كالآكل

مقالة السّوء إلى أهلها # أسرع من منحدر سائل

و من دعا الناس إلى ذمّه # ذمّوه بالحقّ و بالباطل

فلا تهج إن كنت ذا إربة # حرب أخي التجربة العاقل

فإنّ ذا العقل إذا هجته # هجت به ذا خيل خابل

تبصر في عاجل شدّاته # عليك غبّ الضرر الآجل‏

و قد يقال: إنّ العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم، و قد قال الشاعر: [من البسيط]

و العفو عند لبيب القوم موعظة # و بعضه لسفيه القوم تدريب‏

2-[لا تزر وازرة وزر أخرى‏]

فإن كنّا أسأنا في هذا التقريع و التوقيف، فالذي لم يأخذ فينا بحكم القرآن و لا بأدب الرسول عليه الصلاة و السلام، و لم يفزع إلى ما في الفطن الصحيحة، و إلى ما توجبه المقاييس المطّردة، و الأمثال المضروبة، و الأشعار السائرة، أولى بالإساءة و أحقّ باللائمة، قال اللّه عزّ و جل: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ (1) . و قد قال النبيّ عليه الصلاة و السلام: «لا يجن يمينك على شمالك» .

و هذا حكم اللّه تعالى و آداب رسوله و الذي أنزل به الكتاب و دلّ عليه من حجج العقول.

3-[المفقأ و المعمى‏]

فأمّا ما قالوا في المثل المضروب «رمتني بدائها و انسلّت» (2) ، و أمّا قول الشعراء، و ذمّ الخطباء لمن أخذ إنسانا بذنب غيره، و ما ضربوا في ذلك من الأمثال،

____________

(1) الأنعام: 6/164: .

(2) المثل في مجمع الأمثال 1/286، و المستقصى 2/103، و فصل المثال 92، و الأمثال لابن سلام 73.

17

كقول النابغة حيث يقول في شعره: [من الطويل‏]

و كلّفتني ذنب امرئ و تركته # كذي العرّ يكوى غيره و هو راتع‏ (1)

و كانوا إذا أصاب إبلهم العرّ (2) كووا السليم ليدفعه عن السقيم، فأسقموا الصحيح من غير أن يبرءوا السقيم.

و كانوا إذا كثرت إبل أحدهم فبلغت الألف، فقئوا عين الفحل، فإن زادت الإبل على الألف فقئوا العين الأخرى، و ذلك المفقّأ و المعمّى اللذان سمعت في أشعارهم‏ (3) .

قال الفرزدق: [من الوافر]

غلبتك بالمفقئ و المعنّى # و بيت المحتبي و الخافقات‏ (4)

و كانوا يزعمون أن المفقأ يطرد عنها العين و السواف‏ (5) و الغارة، فقال الأوّل:

[من الطويل‏]

فقأت لها عين الفحيل عيافة # و فيهنّ رعلاء المسامع و الحامي‏ (6)

الرعلاء: التي تشقّ أذنها و تترك مدلاّة، لكرمها.

4-[ذبح العتيرة]

و كانوا يقولون في موضع الكفّارة و الأمنيّة، كقول الرجل: إذا بلغت إبلي كذا و كذا و كذلك غنمي، ذبحت عند الأوثان كذا و كذا عتيرة (7) . و العتيرة من نسك الرّجبيّة و الجمع عتائر-و العتائر من الظباء-فإذا بلغت إبل أحدهم أو غنمه ذلك

____________

(1) ديوان النابغة الذبياني 37، و اللسان و التاج (عرر) ، و المستقصى 2/217، و مجمع الأمثال 2/158.

(2) العرّ: قروح تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها و قوائمها، يسيل منها مثل الماء الأصفر. (اللسان:

عرر 4/355) .

(3) انظر كتاب البرصان و العرجان 267، 269، و الفاضل 85.

(4) البيت في ديوان الفرزدق 1/110، و اللسان (فقأ، عمى، عنا) ، و التاج (خفق، عنى) ، و تهذيب اللغة 3/213؛ 9/332، و كتاب العين 2/253.

(5) السواف: مرض الإبل. (اللسان سوف 9/166) .

(6) البيت دون نسبة في البيان 3/96، و اللسان (حمى) ، و التاج (حمي) ، و المخصص 7/156، و الفاضل للمبرد 85.

(7) الفاضل 85.

18

العدد، استعمل التأويل و قال: إنّما قلت إنّي أذبح كذا و كذا شاة، و الظباء شاء كما أنّ الغنم شاء، فيجعل ذلك القربان شاء كلّه ممّا يصيد من الظباء، فلذلك يقول الحارث ابن حلّزة اليشكريّ: [من الخفيف‏]

عنتا باطلا و ظلما كما تعـ # تر عن حجرة الرّبيض الظّباء (1)

بعد أن قال:

أم علينا جناح كندة أن يغـ # نم غازيهم و منّا الجزاء

5-[إمساك البقر عن شرب الماء]

و كانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إمّا لكدر الماء، أو لقلّة العطش، ضربوا الثور ليقتحم الماء، لأنّ البقر تتبعه كما تتبع الشّول الفحل، و كما تتبع أتن الوحش الحمار. فقال في ذلك عوف بن الخرع: [من الوافر]

تمنّت طيّئ جهلا و جبنا # و قد خاليتهم فأبوا خلائي‏ (2)

هجوني أن هجوت جبال سلمى # كضرب الثّور للبقر الظّماء

و قال في ذلك أنس بن مدركة في قتله سليك بن السّلكة: [من البسيط]

إنّي و قتلي سليكا ثمّ أعقله # كالثّور يضرب لمّا عافت البقر (3)

أنفت للمرء إذ نيكت حليلته # و أن يشدّ على وجعائها الثّفر

و قال الهيّبان الفهميّ: [من الطويل‏]

كما ضرب اليعسوب أن عاف باقر # و ما ذنبه أن عافت الماء باقر

و لمّا كان الثور أمير البقر، و هي تطيعه كطاعة إناث النحل لليعسوب، سمّاه باسم أمير النحل.

____________

(1) البيت في ديوان الحارث بن حلّزة 36، و اللسان (حجر، عتر، عنن) ، و التاج (عتر، عنن) ، و الخصائص 3/307، و ديوان الأدب 2/156، و المخصص 13/18.

(2) البيتان لعوف بن عطية بن الخرع في الفاضل 86. و الشاعر من فرسان العرب الجاهليين، انظر معجم الشعراء 125 و المفضليات 327.

(3) البيتان لأنس بن مدركة في الأغاني 20/387، و شرح الحماسة للتبريزي 2/193، و اللسان (ثور؛ وجع) ، و البيت الأول في الدرر 4/93، و المقاصد النحوية 4/399، و بلا نسبة في شذور الذهب 406 و الهمع 2/17، و البيت الثاني في المخصص 16/44، و تهذيب اللغة 3/51.

19

و كانوا يزعمون أنّ الجنّ هي التي تصدّ الثّيران عن الماء حتى تمسك البقر عن الشرب حتى تهلك، و قال في ذلك الأعشى: [من الطويل‏]

فإنّي و ما كلّفتموني-و ربّكم- # لأعلم من أمسى أعقّ و أحربا (1)

لكالثّور و الجنّيّ يضرب ظهره # و ما ذنبه أن عافت الماء مشربا

و ما ذنبه أن عافت الماء باقر # و ما إن تعاف الماء إلاّ ليضربا

كأنّه قال: إذا كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنّها إنما عافت الماء ليضرب.

و قال يحيى بن منصور الذّهليّ في ذلك: [من الطويل‏]

لكالثّور و الجنيّ يضرب وجهه # و ما ذنبه إن كانت الجنّ ظالمه‏

و قال نهشل بن حرّيّ: [من الوافر]

أ تترك عارض و بنو عديّ # و تغرم دارم و هم براء (2)

كدأب الثّور يضرب بالهراوى # إذا ما عافت البقر الظّماء

و كيف تكلّف الشّعرى سهيلا # و بينهما الكواكب و السّماء

6-[ذنب العطرق‏]

و قال أبو نويرة بن الحصين، حين أخذه الحكم بن أيّوب بذنب العطرّق: [من الطويل‏]

أبا يوسف لو كنت تعلم طاعتي # و نصحي إذن ما بعتني بالمحلّق‏ (3)

و لا ساق سرّاق العرافة صالح # بنيّ و لا كلّفت ذنب العطرق‏

و قال خداش بن زهير حين أخذ بدماء بني محارب: [من الطويل‏]

أكلّف قتلى معشر لست منهم # و لا دارهم داري و لا نصرهم نصري‏

____________

(1) ديوان الأعشى 165، و البيت الأول في اللسان و التاج (عقق) ، و الثاني في اللسان و التاج (ثور) ، و الثالث في اللسان (ثور) ، و المقاييس 1/278، 396.

(2) الأبيات في ديوان نهشل بن حري ص 85، و حماسة البحتري 222، و الأول و الثاني في المستقصى 2/205.

(3) البيتان في البخلاء 152.

20

أكلّف قتلى العيص عيص شواحط # و ذلك أمر لم تثفّ له قدري‏ (1)

و قال الآخر: [من الطويل‏]

إذا عركت عجل بنا ذنب طيّ‏ء # عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل‏

7-[جناية اليهودي‏]

و لما وجد اليهوديّ أخا حنبض الضبابيّ في منزله فخصاه فمات، و أخذ حنبض بني عبس بجناية اليهوديّ، قال قيس بن زهير: أ تأخذنا بذنب غيرنا، و تسألنا العقل و القاتل يهوديّ من أهل تيماء؟فقال: و اللّه أن لو قتلته الريح، لوديتموه!فقال قيس لبني عبس: الموت في بني ذبيان خير من الحياة في بني عامر!ثم أنشأ يقول: [من الطويل‏]

أكلّف ذا الخصيين إن كان ظالما # و إن كنت مظلوما و إن كنت شاطنا (2)

خصاه امرؤ من آل تيماء طائر # و لا يعدم الإنسيّ و الجنّ كائنا

فهلاّ بني ذبيان-أمّك هابل- # رهنت بفيف الرّيح إن كنت راهنا (3)

إذا قلت قد أفلت من شرّ حنبض # أتاني بأخرى شرّه متباطنا

فقد جعلت أكبادنا تجتويكم # كما تجتوي سوق العضاه الكرازنا (4)

8-[قتل لقمان بن عاد لنسائه و ابنته‏]

و لما قتل لقمان بن عاد ابنته-و هي صحر أخت لقيم-قال حين قتلها (5) :

أ لست امرأة!و ذلك أنّه قد كان تزوج عدّة نساء، كلّهنّ خنّه في أنفسهنّ، فلمّا قتل أخراهنّ و نزل من الجبل، كان أوّل من تلقّاه صحر ابنته، فوثب عليها فقتلها و قال:

____________

(1) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة (أثف) .

(2) الأبيات لقيس بن زهير في ديوانه 38.

(3) فيف الريح: موضع بأعلى نجد، و هو من أيام العرب، قام به بنو مذحج على بني عامر. انظر أيام العرب في الجاهلية 132، و العقد الفريد 3/359.

(4) الكرزن: الفأس الكبير.

(5) انظر خبر لقمان و نسائه في مصارع العشاق 1/76، و ذم الهوى 376-378، و أخبار النساء 113، و تعليق من أمالي ابن دريد 07 (1) 108، و تزيين الأسواق 290، و مجمع الأمثال 2/246، و جمهرة الأمثال 2/261.

21

و أنت أيضا امرأة!و كان قد ابتلي بأنّ أخته كانت محمقة و كذلك كان زوجها، فقالت لإحدى نساء لقمان: هذه ليلة طهري و هي ليلتك، فدعيني أنام في مضجعك، فإنّ لقمان رجل منجب، فعسى أن يقع عليّ فأنجب. فوقع على أخته فحملت بلقيم.

فهو قول النّمر بن تولب: [من المتقارب‏]

لقيم بن لقمان من أخته # فكان ابن أخت له و ابنما (1)

ليالي حمّق فاستحصنت # عليه فغرّ بها مظلما

فأحبلها رجل محكم # فجاءت به رجلا محكما

فضربت العرب في ذلك المثل بقتل لقمان ابنته صحرا، فقال خفاف بن ندبة في ذلك: [من الوافر]

و عبّاس يدبّ لي المنايا # و ما أذنبت إلاّ ذنب صحر (2)

و قال في ذلك ابن أذينة: [من الطويل‏]

أ تجمع تهياما بليلى إذا نأت # و هجرانها ظلما كما ظلمت صحر (3)

و قال الحارث بن عباد: [من الخفيف‏]

قرّبا مربط النعامة منّي # لقحت حرب وائل عن حيال‏ (4)

لم أكن من جناتها علم اللّ # ه و إنّي بحرّها اليوم صالي‏

و قال الشاعر، و أظنّه ابن المقفّع: [من المتقارب‏]

فلا تلم المرء في شأنه # فربّ ملوم و لم يذنب‏ (5)

و قال آخر: [من الطويل‏]

لعلّ له عذرا و أنت تلوم # و كم لائم قد لام و هو مليم‏

____________

(1) ديوان النمر بن تولب 383، و البيان 1/184، و شرح شواهد المغني 80 (1) 181، و مجمع الأمثال 2/389، و التاج (حمق) .

(2) البيت في ديوان خفاف بن ندبة 471، و الفاضل 86، و مجمع الأمثال 2/264، و المستقصى 2/87. و «عباس» هو: العباس بن مرداس السلمي (18هـ) ، شاعر فارس؛ أسلم قبل فتح مكة (الأعلام 4/39) .

(3) البيت في الفاضل 86.

(4) البيتان في الأغاني 5/47، و ذيل أمالي القالي 26.

(5) البيت لابن المقفع في البيان 1/364.

22

9-[جزاء سنمّار]

و قال بعض العرب، في قتل بعض الملوك‏ (1) لسنمّار الرومي؛ فإنه لما علا الخورنق و رأى بنيانا لم ير مثله، و رأى في ذلك المستشرف، و خاف إن هو استبقاه أن يموت فيبني مثل ذلك البنيان لرجل آخر من الملوك، رمى به من فوق القصر، فقال في ذلك الكلبيّ في شي‏ء كان بينه و بين بعض الملوك: [من الطويل‏]

جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه # جزاء سنمّار و ما كان ذا ذنب‏ (2)

سوى رصّه البنيان سبعين حجّة # يعلّى عليه بالقراميد و السّكب

فلما رأى البنيان تمّ سحوقه # و آض كمثل الطّود ذي الباذخ الصّعب

و ظنّ سنمّار به كلّ حبوة # و فاز لديه بالمودّة و القرب

فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق # فذاك لعمر اللّه من أعظم الخطب‏

و جاء المسلمون، يروي خلف عن سلف، و تابع عن سابق، و آخر عن أوّل، أنّهم لم يختلفوا في عيب قول زياد: «لآخذنّ الوليّ بالوليّ، و السّمي بالسّميّ، و الجار بالجار» ، و لم يختلفوا في لعن شاعرهم حيث يقول: [من الوافر]

إذا أخذ البري‏ء بغير ذنب # تجنّب ما يحاذره السقيم‏

قال: و قيل لعمرو بن عبيد: إنّ فلانا لما قدّم رجلا ليضرب عنقه، فقيل له: إنّه مجنون!فقال: لو لا أنّ المجنون يلد عاقلا لخلّيت سبيله. قال: فقال عمرو: ما خلق اللّه النّار إلاّ بالحق! و لمّا قالت التغلبيّة للجحّاف، في وقعة البشر (3) : فضّ اللّه فاك و أعماك، و أطال

____________

(1) «الخورنق قصر كان بظهر الحيرة، و قد اختلفوا في بانيه؛ فقال الهيثم بن عدي: الذي أمر ببناء الخورنق النعمان بن امرئ القيس... و قال ابن الكلبي: صاحب الخورنق بهرام جور بن يزدجرد» معجم البلدان: 2/401-402 «خورنق» . و جاء في مروج الذهب 2/223 أن الذي بناه النعمان بن المنذر. و انظر مجمع الأمثال 1/159، و المستقصى 2/52، و جمهرة الأمثال 1/297.

(2) الأبيات في ثمار القلوب 109 لشراحيل الكلبي، و في أمالي ابن الشجري 1/102 لعبد العزى بن امرئ القيس، و بلا نسبة في معجم البلدان (خورنق) ، و السمط 1/405، و الأغاني 2/145، و الخزانة 1/294، و الاختيارين 713.

(3) انظر الأغاني 12/198-208، و معجم البلدان «1/426: بشر» و سبب ذلك أن بني تغلب قتلت عمير بن حباب السلمي. فاستعدى الجحاف السلمي قومه على بني تغلب. و ورد قول التغلبية في البيان 1/401. و نسب القول إلى الحمراء بنت ضمرة و عمرو بن هند في الأغاني 22/193.

23

سهادك، و أقلّ رقادك، فو اللّه إن قتلت إلاّ نساء أعاليهنّ ثديّ، و أسافلهنّ دمى!!فقال لمن حوله: لو لا أن تلد هذه مثلها لخلّيت سبيلها!فبلغ ذلك الحسن فقال: أمّا الجحّاف فجذوة من نار جهنّم.

قال: و ذمّ رجل عند الأحنف بن قيس الكمأة بالسّمن، فقال عند ذلك الأحنف: «ربّ ملوم لا ذنب له» (1) .

فبهذه السيرة سرت فينا.

و ما أحسن ما قال سعيد بن عبد الرحمن: [من الطويل‏]

و إنّ امرأ أمسى و أصبح سالما # من النّاس إلاّ ما جنى لسعيد (2)

10-[اهتمام العلماء بالملح و الفكاهات‏]

و قلت: و ما بال أهل العلم و النظر، و أصحاب الفكر و العبر، و أرباب النّحل، و العلماء و أهل البصر بمخارج الملل، و ورثة الأنبياء، و أعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظّرفاء و الملحاء، و كتب الفرّاغ و الخلعاء، و كتب الملاهي و الفكاهات، و كتب أصحاب الخصومات، و كتب أصحاب المراء، و كتب أصحاب العصبيّة و حميّة الجاهليّة!!أ لأنّهم لا يحاسبون أنفسهم، و لا يوازنون بين ما عليهم و لهم، و لا يخافون تصفّح العلماء، و لا لائمة الأرباء، و شنف الأكفاء، و مشنأة (3) الجلساء!؟ فهلا أمسكت-يرحمك اللّه-عن عيبها و الطّعن عليها، و عن المشورة و الموعظة، و عن تخويف ما في سوء العاقبة، إلى أن تبلغ حال العلماء، و مراتب الأكفاء؟! فأمّا كتابنا هذا، فسنذكر جملة المذاهب فيه، و سنأتي بعد ذلك على التفسير، و لعلّ رأيك عند ذلك أن يتحوّل، و قولك أن يتبدل، فتثبت أو تكون قد أخذت من التوقّف بنصيب، إن شاء اللّه.

____________

(1) مجمع الأمثال 1/305، و جمهرة الأمثال 1/474، و المستقصى 2/99، و فصل المقال 73.

و البيان 2/344، 364، و البخلاء 187.

(2) البيت لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في البيان 1/364، و لحسان بن ثابت في ديوانه 198، و عيون الأخبار 2/12.

(3) الشنف و المشنأة: البغض.

24

11-[أقسام الكائنات‏]

و أقول‏ (1) : إنّ العالم بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء: متّفق، و مختلف، و متضادّ؛ و كلّها في جملة القول جماد و نام. و كان حقيقة القول في الأجسام من هذه القسمة، أن يقال: نام و غير نام. و لو أنّ الحكماء وضعوا لكلّ ما ليس بنام اسما، كما وضعوا للنامي اسما، لاتّبعنا أثرهم؛ و إنما ننتهي إلى حيث انتهوا. و ما أكثر ما تكون دلالة قولهم جماد، كدلالة قولهم موات. و قد يفترقان في مواضع بعض الافتراق. و إذا أخرجت من العالم الأفلاك و البروج و النجوم و الشمس و القمر، وجدتها غير نامية، و لم تجدهم يسمّون شيئا منها بجماد و لا موات، و ليس لأنّها تتحرّك من تلقاء أنفسها لم تسمّ مواتا و لا جمادا.

و ناس يجعلونها مدبّرة غير مدبّرة، و يجعلونها مسخّرة غير مسخّرة، و يجعلونها أحيا من الحيوان؛ إذ كان الحيوان إنّما يحيا بإحيائها له، و بما تعطيه و تعيره. و إنما هذا منهم رأي، و الأمم في هذا كلّه على خلافهم، و نحن في هذا الموضع إنّما نعبّر عن لغتنا، و ليس في لغتنا إلاّ ما ذكرنا.

و الناس يسمّون الأرض جمادا، و ربّما يجعلونها مواتا إذا كانت لم تنبت قديما، و هي موات الأرض، و ذلك كقولهم: «من أحيا أرضا مواتا فهي له» (2) .

و هم لا يجعلون الماء و النار و الهواء، جمادا و لا مواتا، و لا يسمّونها حيوانا ما دامت كذلك، و إن كانت لا تضاف إلى النّماء و الحسّ.

و الأرض هي أحد الأركان الأربعة، التي هي الماء و الأرض و الهواء و النار، و الاسمان لا يتعاوران عندهم إلاّ الأرض.

12-[تقسيم النامي‏]

ثمّ النامي على قسمين: حيوان و نبات، و الحيوان على أربعة أقسام: شي‏ء يمشي، و شي‏ء يطير، و شي‏ء يسبح، و شي‏ء ينساح‏ (3) . إلاّ أنّ كلّ طائر يمشي، و ليس الذي يمشي و لا يطير يسمى طائرا. و النوع الذي يمشي على أربعة أقسام: ناس، و بهائم، و سباع، و حشرات. على أنّ الحشرات راجعة في المعنى إلى مشاكلة طباع

____________

(1) ورد القول في مروج الذهب 2/123 منسوبا إلى حكماء الهند.

(2) النهاية في غريب الحديث 4/370.

(3) ينساح: يمشي على بطنه. و منه الحيّة.

25

البهائم و السباع. إلاّ أنّنا في هذا كلّه نتبع الأسماء القائمة المعروفة، البائنات بأنفسها، المتميّزات عند سامعيها، من أهل هذه اللغة و أصحاب هذا اللسان، و إنّما نفرد ما أفردوا، و نجمع ما جمعوا.

13-[تقسيم الطير]

و الطير كلّ سبع و بهيمة و همج. و السباع من الطير على ضربين: فمنها العتاق و الأحرار و الجوارح، و منها البغات و هو كلّ ما عظم من الطير: سبعا كان أو بهيمة، إذا لم يكن من ذوات السلاح و المخالب المعقّفة، كالنّسور و الرّخم و الغربان، و ما أشبهها من لئام السباع.

ثم الخشاش، و هو ما لطف جرمه و صغر شخصه، و كان عديم السلاح و لا يكون كالزّرّق‏ (1) و اليؤيؤ (2) و الباذنجان‏ (3) .

فأما الهمج فليس من الطير، و لكنّه ممّا يطير. و الهمج فيما يطير، كالحشرات فيما يمشي.

و الحيّات من الحشرات، و أيّ سبع أدخل في معنى السّبعيّة من الأفاعي و الثعابين؟و لكن ليس ذلك من أسمائها، و إن كانت من ذوات الأنياب و أكّالة اللّحوم و أعداء الإنس و جميع البهائم، و لذلك تأكلها الأوعال و الخنازير و القنافذ و العقبان و الشاه‏مرك‏ (4) و السنانير، و غير ذلك من البهائم، و السباع. فمن جعل الحيّات سباعا، و سمّاها بذلك عند بعض القول و السبب فقد أصاب، و من جعل ذلك لها كالاسم الذي هو العلامة كالكلب و الذئب و الأسد فقد أخطأ.

و من سباع الطير شكل يكون سلاحه المخالب كالعقاب و ما أشبهها، و شي‏ء يكون سلاحه المناقير كالنّسور و الرّخم و الغربان، و إنّما جعلناها سباعا لأنّها أكّالة لحوم.

و من بهائم الطير ما يكون سلاحه المناقير كالكراكيّ و ما أشبهها، و منه ما

____________

(1) الزّرّق: طائر بين البازي و الباشق؛ يصاد به. و قال الفراء: هو البازي الأبيض (اللسان 10/140 زرق) .

(2) اليؤيؤ: طائر يشبه الباشق؛ من الجوارح، (اللسان 1/202 يأيأ) .

(3) الباذنجان: هو طائر اسمه أبو جرادة. يسميه أهل العراق «الباذنجان» ؛ و يسميه أهل الشام «البصير» حياة الحيوان 1/319.

(4) الشاه‏مرك: الفتي من الدجاج، قبل أن يبيض بأيام قلائل، و كنيته أبو يعلى. و هو معرب الشاه‏مرغ ، و معناه ملك الطير. حياة الحيوان 1/594.

26

يكون سلاحه الأسنان كالبوم و الوطواط و ما أشبهها، و منه ما يكون سلاحه الصياصي كالدّيكة، و منه ما يكون سلاحه السّلح‏ (1) كالحبارى‏ (2) و الثعلب أيضا كذلك.

و السّبع من الطير: ما أكل اللحم خالصا، و البهيمة: ما أكلت الحبّ خالصا.

و في الفنّ الذي يجمعها من الخلق المركّب و الطبع المشترك، كلام سنأتي عليه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و المشترك عندهم كالعصفور؛ فإنّه ليس بذي مخلب معقّف و لا منسر (3) و هو يلقط الحبّ، و هو مع هذا يصيد النّمل إذا طار، و يصيد الجراد، و يأكل اللحم، و لا يزقّ فراخه كما تزقّ الحمام، بل يلقمها كما تلقم السباع من الطير فراخها. و أشباه العصافير من المشترك كثير، و سنذكر ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

و ليس كلّ ما طار بجناحين فهو من الطير؛ قد يطير الجعلان‏ (4) و الجحل‏ (5)

و اليعاسيب و الذّباب و الزّنابير و الجراد و النمل و الفراش و البعوض و الأرضة و النحل و غير ذلك، و لا يسمّى بالطير. و قد يقال ذلك لها عند بعض الذكر و السبب. و قد يسمّون الدجاج طيرا و لا يسمّون بذلك الجراد، و الجراد أطير، و المثل المضروب به أشهر (6) ، و الملائكة تطير، و لها أجنحة و ليست من الطير. و جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء، و ليس جعفر من الطير.

و اسم طائر يقع على ثلاثة أشياء: صورة، و طبيعة، و جناح. و ليس بالريش و القوادم و الأباهر و الخوافي‏ (7) ، يسمّى طائرا، و لا بعدمه يسقط ذلك عنه. أ لا ترى أنّ

____________

(1) السلح: النجو. «اللسان: سلح 2/487» .

(2) الحبارى: طائر طويل العنق رمادي اللون، من أشد الطير طيرانا. و قد جعل اللّه تعالى سلحها سلاحا لها. «حياة الحيوان 1/321» .

(3) المنسر: منقار الطير الجارح.

(4) الجعلان: جمع جعل، دويبة تعض البهائم في فروجها فتهرب، و هي أكبر من الخنفساء، شديدة السواد؛ في بطنها حمرة. لها جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طارت. «حياة الحيوان 1/277-278» .

(5) الجحل: الحبارى. و قيل هو الحرباء، و قيل الجعل، و قيل هو الضبّ الكبير المسن، و قيل هو اليعسوب العظيم كالجراد إذا سقط لا يضم جناحه. «حياة الحيوان 1/261» .

(6) من الأمثال: «أطير من الجراد» ، و المثل في مجمع الأمثال 1/441 و المستقصى 1/230 و جمهرة الأمثال 2/13.

(7) القوادم: ريش في مقدم جناح الطائر. و الخوافي: ريش يختفي إذا ضم الطائر جناحيه، و الأباهر:

ريش قصير.

27

الخفّاش و الوطواط من الطير، و إن كانا أمرطين ليس لهما ريش و لا زغب و لا شكير و لا قصب‏ (1) و هما مشهوران بالحمل و الولادة، و بالرّضاع، و بظهور حجم الآذان، و بكثرة الأسنان. و النعامة ذات ريش و منقار و بيض و جناحين، و ليست من الطير.

و ليس أيضا كلّ عائم سمكة، و إن كان مناسبا للسمك في كثير من معانيه. أ لا ترى أنّ في الماء كلب الماء، و عنز الماء، و خنزير الماء؛ و فيه الرّقّ‏ (2) و السّلحفاة، و فيه الضّفدع و فيه السرطان، و البينيب‏ (3) ، و التّمساح و الدّخس‏ (4) و الدّلفين و اللّخم‏ (5) و البنبك‏ (6) ، و غير ذلك من الأصناف. و الكوسج والد اللّخم، و ليس للكوسج أب يعرف. و عامّة ذا يعيش في الماء، و يبيت خارجا من الماء، و يبيض في الشطّ و يبيض بيضا له صفرة، و قيض و غرقئ، و هو مع ذلك ممّا يكون في الماء مع السمك.

14-[تقسيم الحيوان‏]

ثمّ لا يخرج الحيوان بعد ذلك في لغة العرب من فصيح و أعجم، كذلك يقال في الجملة، كما يقال الصامت لما لا يصنع صمتا قطّ و لا يجوز عليه خلافه، و الناطق لما لم يتكلّم قطّ، فيحملون ما يرغو، و يثغو، و ينهق، و يصهل، و يشحج، و يخور، و يبغم، و يعوي، و ينبح، و يزقو، و يضغو، و يهدر، و يصفر، و يصوصي، و يقوقي، و ينعب، و يزأر، و ينزب، و يكشّ، و يعجّ‏ (7) ، على نطق الإنسان إذا جمع بعضه على بعض. و لذلك أشباه، كالذكور و الإناث إذا اجتمعا، و كالعير التي تسمّى لطيمة، و كالظّعن؛ فإنّ هذه الأشياء إذا وجد بعضها إلى بعض، أو أخذ بعضها من بعض،

____________

(1) الزغب: ريش قصير. و الشكير: صغار الريش بين كبارها. القصب: صغار الريش.

(2) الرق: ضرب من دواب الماء يشبه التمساح، و الرق أيضا: العظيم من السلاحف. (حياة الحيوان 1/527) .

(3) البينيب على وزن فيعيل: سمك بحري. (حياة الحيوان 1/229) .

(4) الدخس: ضرب من السمك؛ و هو الدلفين. (حياة الحيوان 1/476) .

(5) اللخم: ضرب من السمك الضخم؛ يقال له الكوسج، و هو القرش. (حياة الحيوان 2/305) .

(6) البنبك: دابة كالدلفين، أو سمك يقطع الرجل نصفين فيبلعه. «القاموس المحيط: بنك» .

(7) الرغاء للإبل، و الثغاء للغنم، و النهيق للحمير، و الصهيل للخيل، و الشحيج للبغال، و الخوار للثيران، و البغام للظباء؛ و للإبل إذا قطعت صوتها و لم تمدّه، و العواء للذئاب، و النباح للكلاب، و الزقاء للديكة، و الضغاء للكلب إذا جاع، و الهدير للإبل و الحمام، و الصفير للنسور، و الصوصأة للعقرب و الفأرة، و القوقأة للدجاج، و النعيب للغربان، و الزئير للأسد، و النزيب للظباء، و الكشيش للأفاعي؛ و للإبل بعد الهدير، و العجيج للبعير، «فقه اللغة للثعالبي 209-212» .

28

سمّيت بأنبه النوعين ذكرا، و بأقواهما. و الفصيح هو الإنسان، و الأعجم كلّ ذي صوت لا يفهم إرادته إلاّ ما كان من جنسه. و لعمري إنا نفهم عن الفرس و الحمار و الكلب و السّنّور و البعير، كثيرا من إرادته و حوائجه و قصوره، كما نفهم إرادة الصبيّ في مهده و نعلم-و هو من جليل العلم-أنّ بكاءه يدلّ على خلاف ما يدلّ عليه ضحكه. و حمحمة الفرس عند رؤية المخلاة، على خلاف ما يدلّ عليه حمحمته عند رؤية الحجر، و دعاء الهرّة الهرّ خلاف دعائها لولدها، و هذا كثير.

و الإنسان فصيح، و إن عبّر عن نفسه بالفارسيّة أو بالهنديّة أو بالروميّة، و ليس العربيّ أسوأ فهما لطمطمة (1) الروميّ من الرومي لبيان لسان العربيّ. فكلّ إنسان من هذا الوجه يقال له فصيح، فإذا قالوا: فصيح و أعجم، فهذا هو التأويل في قولهم أعجم، و إذا قالوا العرب و العجم و لم يلفظوا بفصيح و أعجم، فليس هذا المعنى يريدون، إنّما يعنون أنّه لا يتكلّم بالعربيّة، و أنّ العرب لا تفهم عنه. و قال كثيّر: [من الطويل‏]

فبورك ما أعطى ابن ليلى بنيّة # و صامت ما أعطى ابن ليلى و ناطقه‏

و يقال «جاء بما صأى و صمت» (2) . فالصامت مثل الذهب و الفضّة، و قوله صأى يعني الحيوان كلّه، و معناه نطق و سكت؛ فالصامت في كلّ شي‏ء سوى الحيوان.

و وجدنا كون العالم بما فيه حكمة، و وجدنا الحكمة على ضربين: شي‏ء جعل حكمة و هو لا يعقل الحكمة و لا عاقبة الحكمة، و شي‏ء جعل حكمة و هو يعقل الحكمة و عاقبة الحكمة. فاستوى بذاك الشي‏ء العاقل و غير العاقل في جهة الدّلالة على أنّه حكمة؛ و اختلفا من جهة أنّ أحدهما دليل لا يستدلّ، و الآخر دليل يستدل، فكلّ مستدلّ دليل و ليس كلّ دليل مستدلا، فشارك كل حيوان سوى الإنسان، جميع الجماد في الدّلالة، و في عدم الاستدلال، و اجتمع للإنسان أن كان دليلا مستدلاّ.

ثمّ جعل للمستدلّ سبب يدلّ به على وجوه استدلاله، و وجوه ما نتج له الاستدلال، و سمّوا ذلك بيانا.

____________

(1) الطمطمة: العجمة. و رجل طمطم، أي في لسانه عجمة لا يفصح. (اللسان: طمم 12/371) .

(2) مجمع الأمثال 1/279، و المستقصى 2/42، و جمهرة الأمثال 1/320، و الأمثال لابن سلام 187.

29

15-[أقسام البيان و وسائله‏]

و جعل البيان على أربعة أقسام: لفظ، و خطّ، و عقد (1) ، و إشارة، و جعل بيان الدليل الذي لا يستدلّ تمكينه المستدلّ من نفسه، و اقتياده كلّ من فكّر فيه إلى معرفة ما استخزن من البرهان، وحشي من الدّلالة، و أودع من عجيب الحكمة.

فالأجسام الخرس الصامتة، ناطقة من جهة الدّلالة، و معربة من جهة صحّة الشهادة، على أنّ الذي فيها من التدبير و الحكمة، مخبر لمن استخبره، و ناطق لمن استنطقه، كما خبّر الهزال و كسوف اللون، عن سوء الحال، و كما ينطق السّمن و حسن النّضرة، عن حسن الحال. و قد قال الشاعر و هو نصيب: [من الطويل‏]

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله # و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب‏ (2)

و قال آخر: [من الوافر]

متى تك في عدوّ أو صديق # تخبّرك العيون عن القلوب‏

و قد قال العكليّ في صدق شمّ الذّئب و في شدّة حسّه و استرواحه: [من الرجز]

يستخبر الريح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصّفا الموقّع‏ (3)

و قال عنترة، هو يصف نعيب غراب: [من الكامل‏]

حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه # جلمان بالأخبار هشّ مولع‏ (4)

و قال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سل الأرض، فقل: من شقّ أنهارك، و غرس أشجارك، و جنى ثمارك؛ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا.

فموضوع الجسم و نصبته، دليل على ما فيه و داعية إليه، و منبهة عليه. فالجماد الأبكم الأخرس من هذا الوجه، قد شارك في البيان الإنسان الحيّ الناطق. فمن جعل أقسام البيان خمسة، فقد ذهب أيضا مذهبا له جواز في اللّغة، و شاهد في العقل.

فهذا أحد قسمي الحكمة، و أحد معنيي ما استخزنها اللّه تعالى من الوديعة.

____________

(1) ذكر البغدادي في خزانته 3/147 (بولاق) : «العقد نوع من الحساب يكون بأصابع اليدين؛ يقال له: حساب اليد. و قد ورد منه في الحديث «و عقد عقد تسعين» و انظر البيان 1/76.

(2) البيت لنصيب في ديوانه 59، و الأغاني 1/337، و الخزانة 5/296 «هارون» ، و شذور الذهب 38 و اللسان (حدث) .

(3) الرجز لأبي الرديني العكلي في البيان 1/82، و البرصان 193، و الخزانة 3/105، و بلا نسبة في اللسان و التاج (مخر، قرع) ، و ديوان الأدب 1/311.

(4) البيت لعنترة في ديوانه 48، و البيان 1/82، و اللسان (حرق، بين) ، و التاج (بين) ، و بلا نسبة في أساس البلاغة (حرق) ، و المخصص 1/73.

30

16-[مقارنة بين الإنسان و الحيوان‏]

و القسمة الأخرى ما أودع صدور صنوف سائر الحيوان، من ضروب المعارف، و فطرها عليه من غريب الهدايات، و سخّر حناجرها له من ضروب النّغم الموزونة، و الأصوات الملحنة، و المخارج الشجيّة، و الأغاني المطربة؛ فقد يقال إنّ جميع أصواتها معدّلة، و موزونة موقّعة، ثمّ الذي سهّل لها من الرفق العجيب في الصنعة، مما ذلّله اللّه تعالى لمناقيرها و أكفّها، و كيف فتح لها من باب المعرفة على قدر ما هيّأ لها من الآلة، و كيف أعطى كثيرا منها من الحسّ اللطيف، و الصنعة البديعة، من غير تأديب و تثقيف، و من غير تقويم و تلقين، و من غير تدريج و تمرين، فبلغت بعفوها و بمقدار قوى فطرتها، من البديهة و الارتجال، و من الابتداء و الاقتضاب، ما لا يقدر عليه حذّاق رجال الرأي، و فلاسفة علماء البشر، بيد و لا آلة. بل لا يبلغ ذلك من الناس أكملهم خصالا و أتمّهم خلالا، لا من جهة الاقتضاب و الارتجال و لا من جهة التعسّف و الاقتدار، و لا من جهة التقدّم فيه، و التأنّي فيه، و التأتّي له. و الترتيب لمقدّماته، و تمكين الأسباب المعينة عليه. فصار جهد الإنسان الثاقب الحسّ، الجامع القوى، المتصرّف في الوجوه، المقدّم في الأمور، يعجز عن عفو كثير منها.

و هو ينظر إلى ضروب ما يجي‏ء منها، كما أعطيت العنكبوت، و كما أعطيت السّرفة (1) ، و كما علّم النحل، بل و عرّف التّنوّط من بديع المعرفة، و من غريب الصنعة، في غير ذلك من أصناف الخلق. ثم لم يوجب لهم العجز في أنفسهم في أكثر ذلك، إلاّ بما قوي عليه الهمج و الخشاش و صغار الحشرات، ثم جعل الإنسان ذا العقل و التمكين، و الاستطاعة و التصريف، و ذا التكلّف و التجربة، و ذا التأنّي و المنافسة، و صاحب الفهم و المسابقة، و المتبصّر شأن العاقبة، متى أحسن شيئا كان كلّ شي‏ء دونه في الغموض عليه أسهل، و جعل سائر الحيوان، و إن كان يحسن أحدها ما لا يحسن أحذق الناس متى أحسن شيئا عجيبا، لم يمكنه أن يحسن ما هو أقرب منه في الظنّ، و أسهل منه في الرأي، بل لا يحسن ما هو أقرب منه في الحقيقة.

فلا الإنسان جعل نفسه كذلك، و لا شي‏ء من الحيوان اختار ذلك، فأحسنت هذه الأجناس بلا تعلّم، ما يمتنع على الإنسان و إن تعلّم، فصار لا يحاوله؛ إذ كان لا يطمع فيه، و لا يحسدها؛ إذا لا يؤمّل اللّحاق بها. ثمّ جعل تعالى و عزّ، هاتين الحكمتين بإزاء عيون الناظرين، و تجاه أسماع المعتبرين، ثمّ حثّ على التفكير

____________

(1) السرفة: الأرضة. (حياة الحيوان 1/555) .

31

و الاعتبار، و على الاتّعاظ و الازدجار، و على التعرّف و التبيّن، و على التوقّف و التذكّر، فجعلها مذكّرة منبّهة، و جعل الفطر تنشئ الخواطر، و تجول بأهلها في المذاهب. ذلك اللّه ربّ العالمين، فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ (1) .

17-[مزج الهزل بالجدّ في الكتاب‏]

و هذا كتاب موعظة و تعريف و تفقّه و تنبيه. و أراك قد عبته قبل أن تقف على حدوده، و تتفكّر في فصوله، و تعتبر آخره بأوله، و مصادره بموارده، و قد غلّطك فيه بعض ما رأيت في أثنائه من مزح لا تعرف معناه، و من بطالة لم تطّلع على غورها؛ و لم تدر لم اجتلبت، و لا لأيّ علّة تكلّفت، و أيّ شي‏ء أريغ بها، و لأيّ جدّ احتمل ذلك الهزل، و لأيّ رياضة تجشّمت تلك البطالة؛ و لم تدر أنّ المزاح جدّ إذا اجتلب ليكون علّة للجدّ، و أنّ البطالة وقار و رزانة، إذا تكلّفت لتلك العافية. و لمّا قال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه. حتّى يتعلّم ما لا يحتاج إليه، قال أبو شمر: إذا كان لا يتوصّل إلى ما يحتاج إليه إلاّ بما لا يحتاج إليه، فقد صار ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه‏ (2) . و ذلك مثل كتابنا هذا؛ لأنّه إن حملنا جميع من يتكلّف قراءة هذا الكتاب على مرّ الحق، و صعوبة الجدّ، و ثقل المئونة، و حلية الوقار، لم يصبر عليه مع طوله إلاّ من تجرّد للعلم، و فهم معناه، و ذاق من ثمرته، و استشعر قلبه من عزّه، و نال سروره على حسب ما يورث الطول من الكدّ، و الكثرة من السآمة. و ما أكثر من يقاد إلى حظّه بالسواجير (3) ، و بالسوق العنيف، و بالإخافة الشديدة.

18-[وصف الكتاب‏]

ثم لم أرك رضيت بالطعن على كلّ كتاب لي بعينه، حتّى تجاوزت ذلك إلى أن عبت وضع الكتب كيفما دارت بها الحال، و كيف تصرفت بها الوجوه. و قد كنت أعجب من عيبك البعض بلا علم، حتّى عبت الكلّ بلا علم، ثم تجاوزت ذلك إلى التشنيع، ثم تجاوزت ذلك إلى نصب الحرب فعبت الكتاب؛ و نعم الذخر و العقدة (4)

هو، و نعم الجليس و العدّة، و نعم النشرة و النزهة، و نعم المشتغل و الحرفة، و نعم

____________

(1) المؤمنون/23.

(2) ربيع الأبرار 4/137.

(3) الساجور: الخشبة التي توضع في عنق الكلب. (اللسان: سجر) . و انظر البيان 3/50، 63.

(4) العقدة: كل شي‏ء يستوثق الرجل به لنفسه، و يعتمد عليه. و منه «في عقدته ضعف» ، أي في رأيه و نظره في مصالح نفسه. (اللسان: عقد) .

32

الأنيس لساعة الوحدة، و نعم المعرفة ببلاد الغربة و نعم القرين و الدخيل، و نعم الوزير و النزيل. و الكتاب وعاء ملئ علما، و ظرف حشي ظرفا، و إناء شحن مزاحا و جدّا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، و إن شئت كان أعيا من باقل، و إن شئت ضحكت من نوادره، و إن شئت عجبت من غرائب فرائده، و إن شئت ألهتك طرائفه، و إن شئت أشجتك مواعظه. و من لك بواعظ مله، و بزاجر مغر، و بناسك فاتك، و بناطق أخرس، و ببارد حارّ. و في البارد الحارّ يقول الحسن بن هانئ: [من المنسرح‏]

قل لزهير إذا انتحى و شدا # أقلل أو أكثر فأنت مهذار (1)

سخنت من شدّة البرودة حـ # تّى صرت عندي كأنّك النار

لا يعجب السامعون من صفتي # كذلك الثلج بارد حار

و من لك بطبيب أعرابيّ، و من لك بروميّ هنديّ، و بفارسي يونانيّ، و بقديم مولّد، و بميّت ممتّع، و من لك بشي‏ء يجمع لك الأوّل و الآخر، و الناقص و الوافر، و الخفيّ و الظاهر، و الشاهد و الغائب، و الرفيع و الوضيع، و الغثّ و السمين، و الشّكل و خلافه، و الجنس و ضدّه.

و بعد: فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن‏ (2) ، و روضة تقلّ في حجر، و ناطقا ينطق عن الموتى، و يترجم عن الأحياء!!و من لك بمؤنس لا ينام إلاّ بنومك، و لا ينطق إلاّ بما تهوى؛ آمن من الأرض، و أكتم للسرّ من صاحب السرّ، و أحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، و أحفظ لما استحفظ من الآدميّين، و من الأعراب المعربين، بل من الصّبيان قبل اعتراض الاشتغال، و من العميان قبل التمتّع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامّة لم تنقص، و الأذهان فارغة لم تنقسم، و الإرادة وافرة لم تتشعّب، و الطّينة ليّنة، فهي أقبل ما تكون للطبائع، و القضيب رطب، فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصال لم يخلق جديدها، و لم يوهن غربها، و لم تتفرّق قواها، و كانت كما قال الشاعر: [من الطويل‏]

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكّنا (3)

____________

(1) الأبيات في ديوان أبي نواس 545، و عيون الأخبار 2/7، و العقد الفريد 6/75. و رواية صدر البيت الأول في ديوانه: (قل لزهير إذا اتكا و شدا) .

(2) الردن: أصل الكم. و قيل هو الكم كله. (اللسان: ردن) .

(3) البيت لمجنون ليلى في ديوانه 282، و البيان 2/42، و ليزيد بن الطثرية في ديوانه 109، و الحماسة لابن الشجري 145، و لعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار 3/9.

33

و قال عبدة بن الطّيب: [من الكامل‏]

لا تأمنوا قوما يشبّ صبيّهم # بين القوابل بالعداوة ينشع‏ (1)

و من كلامهم: التعلّم في الصّغر كالنقش في الحجر. و قد قال جران العود: [من الوافر]

تركن برجلة الروحاء حتّى # تنكّرت الديار على البصير

كوحي في الحجارة أو وشوم # بأيدي الرّوم باقية النّئور

و قال آخر، و هو صالح بن عبد القدّوس: [من السريع‏]

و إنّ من أدّبته في الصّبى # كالعود يسقى الماء في غرسه

حتّى تراه مورقا ناضرا # بعد الذي قد كان في يبسه‏

و قال آخر: [من الطويل‏]

يقوّم من ميل الغلام المؤدّب # و لا ينفع التأديب و الرأس أشيب‏

و قال آخر: [من الكامل‏]

و تلوم عرسك بعد ما هرمت # و من العناء رياضة الهرم‏ (2)

و قد قال ذو الرّمّة لعيسى بن عمر: اكتب شعري؛ فالكتاب أحبّ إليّ من الحفظ. لأنّ الأعرابيّ ينسى الكلمة و قد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، و الكتاب لا ينسى و لا يبدّل كلاما بكلام.

و عبت الكتاب، و لا أعلم جارا أبرّ، و لا خليطا أنصف، و لا رفيقا أطوع، و لا معلّما أخضع، و لا صاحبا أظهر كفاية، و لا أقلّ جناية، و لا أقلّ إملالا و إبراما، و لا أحفل أخلاقا، و لا أقلّ خلافا و إجراما، و لا أقلّ غيبة، و لا أبعد من عضيهة (3) ، و لا أكثر أعجوبة و تصرّفا، و لا أقلّ تصلّفا و تكلّفا، و لا أبعد من مراء، و لا أترك لشغب، و لا أزهد في جدال، و لا أكفّ عن قتال، من كتاب. و لا أعلم قرينا أحسن موافاة، و لا أعجل مكافأة، و لا أحضر معونة، و لا أخفّ مئونة، و لا شجرة أطول عمرا، و لا أجمع

____________

(1) البيت في ديوان عبدة بن الطبيب 47، و المفضليات 147، و أساس البلاغة (نشع) ، و بهجة المجالس 724.

(2) عجز البيت من الأمثال في مجمع الأمثال 2/301، و جمهرة الأمثال 2/279، و المستقصى 2/249، و فصل المقال 182، و الأمثال لابن سلام 121، و البيت لمالك بن دينار في المصادر السابقة، و مجمع البلاغة 1/63.

(3) العضيهة: السحر. (اللسان: عضه) .

34

أمرا، و لا أطيب ثمرة، و لا أقرب مجتنى، و لا أسرع إدراكا، و لا أوجد في كلّ إبّان، من كتاب. و لا أعلم نتاجا في حداثة سنّه و قرب ميلاده، و رخص ثمنه، و إمكان وجوده، يجمع من التدابير العجبية و العلوم الغريبة، و من آثار العقول الصحيحة، و محمود الأذهان اللطيفة، و من الحكم الرفيعة، و المذاهب القويمة، و التجارب الحكيمة، و من الإخبار عن القرون الماضية، و البلاد المتنازحة، و الأمثال السائرة، و الأمم البائدة، ما يجمع لك الكتاب. قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه عليه الصلاة و السلام‏ اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ.

اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (1) فوصف نفسه، تبارك و تعالى، بأن علّم بالقلم، كما وصف نفسه بالكرم، و اعتدّ بذلك في نعمه العظام، و في أياديه الجسام. و قد قالوا: «القلم أحد اللسانين» ، و قالوا: «كلّ من عرف النّعمة في بيان اللسان، كان بفضل النّعمة في بيان القلم أعرف» . ثمّ جعل هذا الأمر قرآنا، ثمّ جعله في أوّل التنزيل و مستفتح الكتاب.

19-[حاجة بعض الناس إلى بعض‏]

ثمّ اعلم، رحمك اللّه تعالى، أنّ حاجة بعض الناس إلى بعض، صفة لازمة في طبائعهم، و خلقة قائمة في جواهرهم، و ثابتة لا تزايلهم، و محيطة بجماعتهم، و مشتملة على أدناهم و أقصاهم، و حاجتهم إلى ما غاب عنهم-ممّا يعيشهم و يحييهم، و يمسك بأرماقهم، و يصلح بالهم، و يجمع شملهم، و إلى التعاون في درك ذلك، و التوازر عليه-كحاجتهم إلى التعاون على معرفة ما يضرّهم، و التوازر على ما يحتاجون من الارتفاق بأمورهم التي لم تغب عنهم، فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى، و احتياج الأقصى إلى معرفة الأدنى، معان متضمّنة، و أسباب متّصلة، و حبال منعقدة. و جعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا، كحاجة من كان قبلنا إلى أخبار من كان قبلهم، و حاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا؛ و لذلك تقدّمت في كتب اللّه البشارات بالرّسل، و لم يسخّر لهم جميع خلقه، إلاّ و هم يحتاجون إلى الارتفاق بجميع خلقه. و جعل الحاجة حاجتين:

إحداهما قوام و قوت، و الأخرى لذّة و إمتاع و ازدياد في الآلة، و في كلّ ما أجذل النفوس، و جمع لهم العتاد. و ذلك المقدار من جميع الصّنفين وفق لكثرة حاجاتهم و شهواتهم، و على قدر اتّساع معرفتهم و بعد غورهم، و على قدر احتمال طبع البشريّة و فطرة الإنسانيّة. ثم لم يقطع الزيادة إلا لعجز خلقهم عن احتمالها، و لم يجز أن يفرق

____________

(1) العلق/96: 3.

35

بينهم و بين العجز، إلاّ بعدم الأعيان، إذ كان العجز صفة من صفات الخلق، و نعتا من نعوت العبيد.

لم يخلق اللّه تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه دون الاستعانة ببعض من سخّر له، فأدناهم مسخّر لأقصاهم، و أجلّهم ميسّر لأدقّهم. و على ذلك أحوج الملوك إلى السّوقة في باب، و أحوج السّوقة إلى الملوك في باب، و كذلك الغنيّ و الفقير، و العبد و سيّده. ثمّ جعل اللّه تعالى كلّ شي‏ء للإنسان خولا، و في يده مذلّلا ميسّرا إمّا بالاحتيال له و التلطّف في إراغته و استمالته، و إمّا بالصّولة عليه، و الفتك به، و إمّا أن يأتيه سهوا و رهوا. على أنّ الإنسان لو لا حاجته إليها، لما احتال لها، و لا صال عليها.

إلاّ أنّ الحاجة تفترق في الجنس و الجهة و الجبلّة، و في الحظّ و التقدير.

ثمّ تعبّد الإنسان بالتفكّر فيها، و النظر في أمورها، و الاعتبار بما يرى، و وصل بين عقولهم و بين معرفة تلك الحكم الشريفة، و تلك الحاجات اللازمة، بالنظر و التفكير، و بالتنقيب و التنقير، و التثبت و التوقّف؛ و وصل معارفهم بمواقع حاجاتهم إليها، و تشاعرهم بمواضع الحكم فيها بالبيان عنها.

20-[آلة البيان‏]

و هو البيان الذي جعله اللّه تعالى سببا فيما بينهم، و معبّرا عن حقائق حاجاتهم، و معرّفا لمواضع سدّ الخلّة و رفع الشبهة، و مداواة الحيرة، و لأنّ أكثر الناس عن الناس أفهم منهم عن الأشباح الماثلة، و الأجسام الجامدة، و الأجرام الساكنة، التي لا يتعرّف ما فيها من دقائق الحكمة و كنوز الآداب، و ينابيع العلم، إلاّ بالعقل الثاقب اللطيف، و بالنظر التامّ النافذ، و بالأداة الكاملة، و بالأسباب الوافرة، و الصبر على مكروه الفكر، و الاحتراس من وجوه الخدع. و التحفّظ من دواعي الهوى؛ و لأنّ الشّكل أفهم عن شكله، و أسكن إليه و أصبّ به. و ذلك موجود في أجناس البهائم، و ضروب السباع. و الصبيّ عن الصبيّ أفهم له، و له آلف و إليه أنزع، و كذلك العالم و العالم، و الجاهل و الجاهل، و قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه عليه الصلاة و السلام: وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً (1) لأنّ الإنسان عن الإنسان أفهم، و طباعه بطباعه آنس؛ و على قدر ذلك يكون موقع ما يسمع منه.

ثمّ لم يرض لهم من البنيان بصنف واحد، بل جمع ذلك و لم يفرّق، و كثّر و لم

____________

(1) الأنعام/6: 9.

36

يقلّل، و أظهر و لم يخف، و جعل آلة البيان التي بها يتعارفون معانيهم، و التّرجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم؛ في أربعة أشياء؛ و في خصلة خامسة؛ و إن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها، فقد تبدّل بجنسها الذي وضعت له و صرفت إليه، و هذه الخصال هي: اللفظ، و الخطّ، و الإشارة، و العقد؛ و الخصلة الخامسة ما أوجد من صحّة الدّلالة، و صدق الشهادة و وضوح البرهان، في الأجرام الجامدة و الصامتة، و الساكنة التي لا تتبيّن و لا تحسّ، و لا تفهم و لا تتحرّك إلاّ بداخل يدخل عليها، أو عند ممسك خلّي عنها، بعد أن كان تقييده لها.

ثمّ قسّم الأقسام و رتّب المحسوسات، و حصّل الموجودات، فجعل اللفظ للسامع، و جعل الإشارة للناظر، و أشرك الناظر و اللامس في معرفة العقد، إلاّ بما فضّل اللّه به نصيب الناظر في ذلك على قدر نصيب اللامس. و جعل الخطّ دليلا على ما غاب من حوائجه عنه، و سببا موصولا بينه و بين أعوانه؛ و جعله خازنا لما لا يأمن نسيانه، ممّا قد أحصاه و حفظه، و أتقنه و جمعه، و تكلف الإحاطة به؛ و لم يجعل للشام و الذائق نصيبا.

21-[خطوط الهند]

و لو لا خطوط الهند لضاع من الحساب الكثير و البسيط، و لبطلت معرفة التضاعيف، و لعدموا الإحاطة بالباورات و باورات الباورات، و لو أدركوا ذلك لما أدركوه إلاّ بعد أن تغلظ المئونة، و تنتقض المنّة، و لصاروا في حال معجزة و حسور، و إلى حال مضيعة و كلال حدّ، مع التشاغل بأمور لو لا فقد هذه الدّلالة لكان أربح لهم، و أردّ عليهم، أن يصرف ذلك الشغل في أبواب منافع الدين و الدنيا.

22-[نفع الحساب‏]

و نفع الحساب معلوم، و الخلّة في موضع فقده معروفة. قال اللّه تعالى:

اَلرَّحْمََنُ `عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ (1) . ثم قال: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبََانٍ (2) . و بالبيان عرف الناس القرآن. و قال اللّه تبارك و تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً، وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ (3)

____________

(1) الرحمن/55: 4.

(2) الرحمن/55: 5.

(3) يونس/10: 5.

37

فأجرى الحساب مجرى البيان بالقرآن. و بحسبان منازل القمر، عرفنا حالات المدّ و الجزر، و كيف تكون الزيادة في الأهلّة و أنصاف الشهور، و كيف يكون النقصان في خلال ذلك، و كيف تلك المراتب و تلك الأقدار.

23-[فضل الكتابة]

و لو لا الكتب المدوّنة و الأخبار المخلّدة، و الحكم المخطوطة التي تحصّن الحساب و غير الحساب، لبطل أكثر العلم، و لغلب سلطان النّسيان سلطان الذكر، و لما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار. و لو تمّ ذلك لحرمنا أكثر النفع؛ إذ كنّا قد علمنا أنّ مقدار حفظ الناس لعواجل حاجاتهم و أوائلها، لا يبلغ من ذلك مبلغا مذكورا و لا يغني فيه غناء محمودا. و لو كلّف عامّة من يطلب العلم و يصطنع الكتب، ألاّ يزال حافظا لفهرست كتبه لأعجزه ذلك، و لكلّف شططا، و لشغله ذلك عن كثير ممّا هو أولى به. و فهمك لمعاني كلام الناس، ينقطع قبل انقطاع فهم عين الصوت مجرّدا، و أبعد فهمك لصوت صاحبك و معاملك و المعاون لك، ما كان صياحا صرفا، و صوتا مصمتا و نداء خالصا، و لا يكون ذلك إلاّ و هو بعيد من المفاهمة، و عطل من الدّلالة. فجعل اللفظ لأقرب الحاجات، و الصوت لأنفس من ذلك قليلا، و الكتاب للنازح من الحاجات. فأمّا الإشارة فأقرب المفهوم منها: رفع الحواجب، و كسر الأجفان، وليّ الشّفاه و تحريك الأعناق، و قبض جلدة الوجه؛ و أبعدها أن تلوى بثوب على مقطع جبل، تجاه عين الناظر، ثمّ ينقطع عملها و يدرس أثرها، و يموت ذكرها، و يصير بعد كلّ شي‏ء فضل عن انتهاء مدى الصوت و منتهى الطرف، إلى الحاجة و إلى التفاهم بالخطوط و الكتب. فأيّ نفع أعظم، و أيّ مرفق أعون من الخطّ، و الحال فيه كما ذكرنا!!و ليس للعقد حظّ الإشارة في بعد الغاية.

24-[فضل القلم و اللسان‏]

فلذلك وضع اللّه عزّ و جلّ القلم في المكان الرفيع، و نوّه بذكره في المنصب الشريف حين قال‏ ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مََا يَسْطُرُونَ (1) فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخطّ بالقلم؛ إذ كان اللسان لا يتعاطى شأوه، و لا يشقّ غباره و لا يجري في حلبته، و لا يتكلف بعد غايته. لكن لما أن كانت حاجات الناس بالحضرة (2) أكثر من حاجاتهم

____________

(1) القلم/68: 1.

(2) الحضرة و الحضر و الحاضرة: خلاف البادية، و هي المدن و القرى و الريف. و سميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار. (اللسان: حضر) .

38

في سائر الأماكن، و كانت الحاجة إلى بيان اللسان حاجة دائمة واكدة، و راهنة ثابتة، و كانت الحاجة إلى بيان القلم أمرا يكون في الغيبة و عند النائبة، إلاّ ما خصّت به الدواوين؛ فإنّ لسان القلم هناك أبسط، و أثره أعمّ، فلذلك قدّموا اللسان على القلم.

25-[فضل اليد]

فاللسان الآن إنّما هو في منافع اليد و المرافق التي فيها، و الحاجات التي تبلغها.

فمن ذلك حظّها و قسطها من منافع الإشارة، ثم نصيبها في تقويم القلم، ثم حظّها في التصوير، ثم حظّها في الصناعات، ثم حظّها في العقد، ثم حظّها في الدّفع عن النفس، ثمّ حظّها في إيصال الطعام و الشراب إلى الفم، ثم التوضّؤ و الامتساح، ثم انتقاد الدنانير و الدراهم و لبس الثّياب، و في الدفع عن النفس، و أصناف الرّمي، و أصناف الضرب، و أصناف الطعن، ثم النّقر بالعود و تحريك الوتر؛ و لو لا ذلك لبطل الضرب كلّه أو عامّته. و كيف لا يكون ذلك كذلك و لها ضرب الطبل و الدّفّ، و تحريك الصّفاقين‏ (1) ، و تحريك مخارق خروق المزامير، و ما في ذلك من الإطلاق و الحبس. و لو لم يكن في اليد إلاّ إمساك العنان و الزّمام و الخطام، لكان من أعظم الحظوظ.

و قد اضطربوا في الحكم بين العقد و الإشارة، و لو لا أنّ مغزانا في هذا الكتاب سوى هذا الباب، لقد كان هذا ممّا أحبّ أن يعرفه إخواننا و خلطاؤنا. فلا ينبغي لنا أيضا أن نأخذ في هذا الباب من الكلام، إلاّ بعد الفراغ ممّا هو أولى بنا منه، إذ كنت لم تنازعني، و لم تعب كتبي، من طريق فضل ما بين العقد و الإشارة، و لا في تمييز ما بين اللفظ و بينهما، و إنّما قصدنا بكلامنا إلى الإخبار عن فضيلة الكتاب.

26-[فضل الكتاب‏]

و الكتاب هو الذي يؤدّي إلى الناس كتب الدين، و حساب الدواوين مع خفّة نقله، و صغر حجمه؛ صامت ما أسكته، و بليغ ما استنطقته. و من لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك، و يدعوك في أوقات نشاطك، و لا يحوجك إلى التجمّل له و التذمّم منه. و من لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبّا، و وروده خمسا، و إن شئت لزمك لزوم ظلّك، و كان منك مكان بعضك.

____________

(1) يبدو أنها آلة موسيقية، تتألف من قرصين؛ يضرب أحدهما بالآخر، كما تفعل الراقصات.

39

و القلم مكتف بنفسه، لا يحتاج إلى ما عند غيره؛ و لا بدّ لبيان اللسان من أمور: منها إشارة اليد، و لو لا الإشارة لما فهموا عنك خاصّ الخاصّ إذا كان أخصّ الخاصّ قد يدخل في باب العامّ، إلاّ أنّه أدنى طبقاته؛ و ليس يكتفي خاصّ الخاصّ باللفظ عمّا أدّاه، كما اكتفى عامّ العامّ و الطبقات التي بينه و بين أخصّ الخاصّ.

و الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، و الصديق الذي لا يغريك، و الرفيق الذي لا يملّك، و المستميح الذي لا يستريثك‏ (1) ، و الجار الذي لا يستبطيك، و الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، و لا يعاملك بالمكر، و لا يخدعك بالنّفاق، و لا يحتال لك بالكذب. و الكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، و شحذ طباعك، و بسط لسانك، و جوّد بنانك، و فخّم ألفاظك، و بجّح‏ (2) نفسك، و عمّر صدرك، و منحك تعظيم العوامّ و صداقة الملوك، و عرفت به في شهر، ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، و من كدّ الطلب، و من الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، و من الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا، و أكرم منه عرقا، و مع السلامة من مجالسة البغضاء و مقارنة الأغبياء.

و الكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، و يطيعك في السفر كطاعته في الحضر، و لا يعتلّ بنوم، و لا يعتريه كلال السهر. و هو المعلّم الذي إن افتقرت إليه لم يخفرك‏ (3) ، و إن قطعت عنه المادّة لم يقطع عنك الفائدة، و إن عزلت لم يدع طاعتك، و إن هبّت ريح أعاديك لم ينقلب عليك، و متى كنت منه متعلّقا بسبب أو معتصما بأدنى حبل، كان لك فيه غنى من غيره، و لم تضطرّك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء. و لو لم يكن من فضله عليك، و إحسانه إليك، إلاّ منعه لك من الجلوس على بابك، و النظر إلى المارّة بك، مع ما في ذلك من التعرّض للحقوق التي تلزم، و من فضول النظر، و من عادة الخوض فيما لا يعنيك، و من ملابسة صغار الناس، و حضور ألفاظهم الساقطة، و معانيهم الفاسدة، و أخلاقهم الرديّة، و جهالاتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمة، و إحراز الأصل، مع استفادة الفرع.

و لو لم يكن في ذلك إلاّ أنّه يشغلك عن سخف المنى و عن اعتياد الراحة، و عن اللعب، و كلّ ما أشبه اللعب، لقد كان على صاحبه أسبغ النعمة و أعظم المنّة.

____________

(1) استراث: استبطأ. (اللسان: ريث) .

(2) بجّح: فرّح. (اللسان: بجح) .

(3) الخفر: شدة الحياء. (اللسان: خفر) .

40

و قد علمنا أنّ أفضل ما يقطع به الفرّاغ نهارهم، و أصحاب الفكاهات ساعات ليلهم، الكتاب. و هو الشي‏ء الذي لا يرى لهم فيه مع النيل أثر في ازدياد تجربة و لا عقل و لا مروءة، و لا في صون عرض، و لا في إصلاح دين، و لا في تثمير مال، و لا في ربّ صنيعة (1) و لا في ابتداء إنعام.

27-[أقوال لبعض العلماء في فضل الكتاب‏]

و قال أبو عبيدة، قال المهلّب لبنيه في وصيّته: يا بنيّ لا تقوموا في الأسواق إلاّ على زرّاد أو ورّاق‏ (2) .

و حدّثني صديق لي قال: قرأت على شيخ شاميّ كتابا فيه من مآثر غطفان فقال: «ذهبت المكارم إلاّ من الكتب» (3) .

و سمعت الحسن اللؤلؤي يقول: غبرت‏ (4) أربعين عاما ما قلت‏ (5) و لا بتّ و لا اتكأت إلاّ و الكتاب موضوع على صدري.

و قال ابن الجهم: إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم-و بئس الشي‏ء النوم الفاضل عن الحاجة-قال: فإذا اعتراني ذلك تناولت كتابا من كتب الحكم، فأجد اهتزازي للفوائد، و الأريحيّة التي تعتريني عند الظفر ببعض الحاجة، و الذي يغشى قلبي من سرور الاستبانة و عزّ التبيين أشدّ إيقاظا من نهيق الحمير و هدّة الهدم.

و قال ابن الجهم: إذا استحسنت الكتاب و استجدته، و رجوت منه الفائدة و رأيت ذلك فيه-فلو تراني و أنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده، و انقطاع المادّة من قلبه، و إن كان المصحف عظيم الحجم كثير الورق، كثير العدد-فقد تمّ عيشي و كمل سروري.

و ذكر العتبي كتابا لبعض القدماء فقال: لو لا طوله و كثرة ورقه لنسخته. فقال

____________

(1) ربّ الصنيعة: تعهدها.

(2) الزرّاد: صانع الدروع. (اللسان: زرد) . و المهلب يوصي بنيه بذلك لاستكمال صناعة الجندية. إذ لا يليق بالجند الوقوف في أسواق العطارين و الصاغة. انظر التعابي الحربية لابن منكلي، الورقة 71.

(3) ورد القول في كتاب البخلاء 176.

(4) غبرت: مكثت.

(5) قلت: من القيلولة، و هي النوم عند الظهيرة.

41

ابن الجهم: لكنّي ما رغّبني فيه إلاّ الذي زهّدك فيه؛ و ما قرأت قطّ كتابا كبيرا فأخلاني من فائدة، و ما أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت.

و قال العتبي ذات يوم لابن الجهم: أ لا تتعجّب من فلان!!نظر في كتاب الأقليدس مع جارية سلمويه في يوم واحد، و ساعة واحدة، فقد فرغت الجارية من الكتاب و هو بعد لم يحكم مقالة واحدة، على أنّه حرّ مخيّر، و تلك أمة مقصورة، و هو أحرص على قراءة الكتاب من سلمويه على تعليم جارية. قال ابن الجهم: قد كنت أظنّ أنّه لم يفهم منه شكلا واحدا، و أراك تزعم أنّه قد فرغ من مقالة!!قال العتبي: و كيف ظننت به هذا الظنّ، و هو رجل ذو لسان و أدب؟قال: لأنّي سمعته يقول لابنه: كم أنفقت على كتاب كذا؟قال: أنفقت عليه كذا، قال: إنّما رغّبني في العلم أنّي ظننت أنّي أنفق عليه قليلا و أكتسب كثيرا، فأمّا إذا صرت أنفق الكثير، و ليس في يدي إلاّ المواعيد، فإنّي لا أريد العلم بشي‏ء!!

28-[الإنفاق على الكتب‏]

فالإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، و لا بدّ من أن تكون كتبه أكثر من سماعه؛ و لا يعلم، و لا يجمع العلم، و لا يختلف إليه، حتى يكون الإنفاق عليه من ماله، ألذّ عنده من الإنفاق من مال عدوّه. و من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب، ألذّ عنده من إنفاق عشّاق القيان، و المستهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغا رضيّا. و ليس ينتفع بإنفاقه، حتّى يؤثر اتّخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، و حتّى يؤمّل في العلم ما يؤمّل الأعرابي في فرسه.

29-[مغالاة الزنادقة بتحسين كتبهم‏]

و قال إبراهيم بن السّنديّ مرة: وددت أنّ الزنادقة لم يكونوا حرصاء على المغالاة بالورق النقيّ الأبيض، و على تخيّر الحبر الأسود المشرق البرّاق، و على استجادة الخطّ و الإرغاب لمن يخطّ، فإنّي لم أر كورق كتبهم ورقا، و لا كالخطوط التي فيها خطّا. و إذا غرمت مالا عظيما-مع حتّى للمال و بغض الغرم-كان سخاء النفس بالإنفاق على الكتب، دليلا على تعظيم العلم، و تعظيم العلم دليل على شرف النفس، و على السلامة من سكر الآفات. قلت لإبراهيم: إنّ إنفاق الزنادقة على تحصيل الكتب، كإنفاق النصارى على البيع، و لو كانت كتب الزنادقة كتب حكم و كتب‏

42

فلسفة، و كتب مقاييس و سنن و تبيّن و تبيين، أو لو كانت كتبهم كتبا تعرّف الناس أبواب الصّناعات، أو سبل التكسّب و التجارات، أو كتب ارتفاقات و رياضات، أو بعض ما يتعاطاه الناس من الفطن و الآداب-و إن كان ذلك لا يقرّب من غنى و لا يبعد من مأثم-لكانوا ممّن قد يجوز أن يظنّ بهم تعظيم البيان، و الرغبة في التبيّن، و لكنّهم ذهبوا فيها مذهب الدّيانة، و على طريق تعظيم الملّة، فإنّما إنفاقهم في ذلك، كإنفاق المجوس على بيت النار، و كإنفاق النصارى على صلبان الذهب، أو كإنفاق الهند على سدنة البددة (1) . و لو كانوا أرادوا العلم لكان العلم لهم معرضا، و كتب الحكمة لهم مبذولة، و الطرق إليها سهلة معروفة. فما بالهم لا يصنعون ذلك إلاّ بكتب دياناتهم، كما يزخرف النصارى بيوت عباداتهم!و لو كان هذا المعنى مستحسنا عند المسلمين، أو كانوا يرون أنّ ذلك داعية إلى العبادة، و باعثة على الخشوع، لبلغوا في ذلك بعفوهم، ما لا تبلغه النصارى بغاية الجهد.

30-[مسجد دمشق‏]

و قد رأيت مسجد دمشق، حين استجاز هذا السبيل ملك من ملوكها، و من رآه فقد علم أنّ أحدا لا يرومه، و أنّ الروم لا تسخوا أنفسهم به، فلمّا قام عمر بن عبد العزيز، جلّله بالجلال، و غطّاه بالكرابيس‏ (2) ، و طبخ سلاسل القناديل حتّى ذهب عنها ذلك التلألؤ و البريق؛ و ذهب إلى أنّ ذلك الصنيع مجانب لسنّة الإسلام، و أنّ ذلك الحسن الرائع و المحاسن الدّقاق، مذهلة للقلوب، و مشغلة دون الخشوع، و أنّ البال لا يكون مجتمعا و هناك شي‏ء يفرّقه و يعترض عليه.

31-[مضمون كتب الزنادقة]

و الذي يدلّ على ما قلنا، أنّه ليس في كتبهم مثل سائر، و لا خبر طريف، و لا صنعة أدب، و لا حكمة غريبة، و لا فلسفة، و لا مسألة كلاميّة، و لا تعريف صناعة، و لا استخراج آلة، و لا تعليم فلاحة، و لا تدبير حرب، و لا مقارعة عن دين، و لا مناضلة عن نحلة، و جلّ ما فيها ذكر النور و الظلمة، و تناكح الشياطين، و تسافد العفاريت، و ذكر الصنديد، و التهويل بعمود السنخ، و الإخبار عن شقلون، و عن الهامة و الهمامة. و كلّه هذر و عيّ و خرافة، و سخرية و تكذّب، لا ترى فيه موعظة حسنة، و لا حديثا مونقا،

____________

(1) البددة: جمع بدّ، و هو الصنم، و البدّ هو «بوذا» عند الهنود.

(2) الكرابيس: جمع كرباس، و هو ثوب من القطن (اللسان: كربس) .

43

و لا تدبير معاش، و لا سياسة عامة، و لا ترتيب خاصّة. فأيّ كتاب أجهل، و أيّ تدبير أفسد من كتاب يوجب على الناس الإطاعة، و البخوع‏ (1) بالديانة، لا على جهة الاستبصار و المحبّة، و ليس فيه صلاح معاش و لا تصحيح دين!؟و الناس لا يحبّون إلا دينا أو دنيا: فأمّا الدّنيا فإقامة سوقها و إحضار نفعها. و أما الدّين فأقلّ ما يطمع في استجابة العامة، و استمالة الخاصّة، أن يصوّر في صورة مغلّطة، و يموّه تمويه الدّينار البهرج، و الدرهم الزائف الذي لا يغلط فيه الكثير، و يعرف حقيقته القليل. فليس إنفاقهم عليها من حيث ظننت. و كلّ دين يكون أظهر اختلافا و أكثر فسادا، يحتاج من الترقيع و التمويه، و من الاحتشاد له و التغليظ فيه إلى أكثر. و قد علمنا أنّ النصرانيّة أشدّ انتشارا من اليهوديّة تعبدا، فعلى حسب ذلك يكون تزيّدهم في توكيده، و احتفالهم في إظهار تعليمه.

32-[فضل التعلم‏]

و قال بعضهم: كنت عند بعض العلماء، فكنت أكتب عنه بعضا و أدع بعضا، فقال لي: اكتب كلّ ما تسمع، فإن أخسّ ما تسمع خير من مكانه أبيض.

و قال الخليل بن أحمد: تكثّر من العلم لتعرف، و تقلّل منه لتحفظ.

و قال أبو إسحاق: القليل و الكثير للكتب، و القليل وحده للصدر.

و أنشد قول ابن يسير (2) : [من المتقارب‏]

أما لو أعي كلّ ما أسمع # و أحفظ من ذاك ما أجمع

و لم أستفد غير ما قد جمعـ # ت لقيل هو العالم المصقع

و لكنّ نفسي إلى كلّ نو # ع من العلم تسمعه تنزع

فلا أنا أحفظ ما قد جمعـ # ت و لا أنا من جمعه أشبع

و أحصر بالعيّ في مجلسي # و علمي في الكتب مستودع

فمن يك في علمه هكذا # يكن دهره القهقرى يرجع

إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للكتب لا ينفع‏

33-[التخصص بضروب من العلم‏]

و قال أبو إسحاق: كلّف ابن يسير الكتب ما ليس عليها. إن الكتب لا تحيي

____________

(1) البخوع: التذلّل و الخضوع. (اللسان: بخع) .

(2) الأبيات في ديوان محمد بن يسير الرياشي 91، و سمط اللآلي 1/514-515.

44

الموتى، و لا نحوّل الأحمق عاقلا، و لا البليد ذكيّا، و لكنّ الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول، فالكتب تشحذ و تفتق، و ترهف و تشفي. و من أراد أن يعلم كلّ شي‏ء، فينبغي لأهله أن يداووه!فإنّ ذلك إنما تصوّر له بشي‏ء اعتراه!!فمن كان ذكيّا حافظا فليقصد إلى شيئين، و إلى ثلاثة أشياء، و لا ينزع عن الدرس و المطارحة، و لا يدع أن يمرّ على سمعه و على بصره و على ذهنه، ما قدر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالما بخواصّ. و يكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس و يخوضون فيه. و من كان مع الدرس لا يحفظ شيئا، إلاّ نسي ما هو أكثر منه، فهو من الحفظ من أفواه الرجال أبعد.

34-[جمع الكتب و فضلها]

و حدّثني موسى بن يحيى قال: ما كان في خزانة كتب يحيى، و في بيت مدارسه كتاب إلاّ و له ثلاث نسخ.

و قال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قطّ و لا مررت ببابه، فرأيته ينظر في دفتر و جليسه فارغ اليد، إلاّ اعتقدت أنّه أفضل منه و أعقل.

و قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لنا يوما: إنّ في دار فلان ناسا قد اجتمعوا على سوأة، و هم جلوس على خميرة لهم، و عندهم طنبور. فتسوّرنا عليهم في جماعة من رجال الحيّ، فإذا فتى جالس في وسط الدار، و أصحابه حوله، و إذا هم بيض اللّحى، و إذا هو يقرأ عليهم دفترا فيه شعر. فقال الذي سعى بهم: السّوءة في ذلك البيت، و إن دخلتموه عثرتم عليها!فقلت: و اللّه لا أكشف فتى أصحابه شيوخ، و في يده دفتر علم، و لو كان في ثوبه دم يحيى بن زكريّاء!! و أنشد رجل يونس النحويّ: [من البسيط]

استودع العلم قرطاسا فضيّعه # فبئس مستودع العلم القراطيس‏ (1)

قال، فقال يونس: قاتله اللّه، ما أشدّ ضنانته بالعلم، و أحسن صيانته له، إنّ علمك من روحك، و مالك من بدنك، فضعه منك بمكان الرّوح، وضع مالك بمكان البدن!! و قيل لابن داحة-و أخرج كتاب أبي الشمقمق، و إذا هو في جلود كوفيّة،

____________

(1) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة و اللسان و التاج (ودع) .

45

و دفّتين طائفيّتين، بخطّ عجيب-فقيل له: لقد أضيع من تجوّد بشعر أبي الشمقمق!فقال: لا جرم و اللّه!!إنّ العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، و لو استطعت أن أودعه سويداء قلبي، أو أجعله محفوظا على ناظري، لفعلت.

و لقد دخلت على إسحاق بن سليمان في إمرته، فرأيت السّماطين و الرجال مثولا كأنّ على رءوسهم الطير، و رأيت فرشته و بزّته؛ ثم دخلت عليه و هو معزول، و إذا هو في بيت كتبه، و حواليه الأسفاط و الرّقوق، و القماطر و الدفاتر و المساطر و المحابر، فما رأيته قطّ أفخم و لا أنبل، و لا أهيب و لا أجزل منه في ذلك اليوم؛ لأنّه جمع مع المهابة المحبّة، و مع الفخامة الحلاوة، و مع السّؤدد الحكمة.

و قال ابن داحة: كان عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب، لا يجالس الناس، و ينزل مقبرة من المقابر، و كان لا يكاد يرى إلاّ و في يده كتاب يقرؤه. فسئل عن ذلك، و عن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر، و لا أمنع من كتاب، و لا أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء!فقال: ما أفسدها للجاهل و أصلحها للعاقل!.

35-[ضروب من الخطوط و منفعتها]

و ضروب من الخطوط بعد ذلك، تدلّ على قدر منفعة الخطّ. قال اللّه تبارك و تعالى‏ كِرََاماً كََاتِبِينَ. `يَعْلَمُونَ مََا تَفْعَلُونَ (1) و قال اللّه عزّ و جلّ‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. `مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. `بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (2) و قال‏ فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ (3)

و قال‏ وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ وَرََاءَ ظَهْرِهِ (4) و قال‏ اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (5) .

و لو لم تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان، و لكنّه تعالى و عزّ، علم أنّ كتاب المحفوظ و نسخه، أوكد و أبلغ في الإنذار و التحذير، و أهيب في الصدور.

____________

(1) . 94: الانفطار/82.

(2) . 13: عبس/80.

(3) . 19: الحاقة/69.

(4) . 25: الحاقة/69.

(5) . 14: الإسراء/17.

46

و خط آخر، و هو خطّ الحازي و العرّاف‏ (1) و الزّاجر. و كان فيهم حليس الخطّاط الأسديّ، و لذلك قال شاعرهم في هجائهم: [من الطويل‏]

فأنتم عضاريط الخميس إذا غزوا # غناؤكم تلك الأخاطيط في التّرب‏ (2)

و خطوط أخر، تكون مستراحا للأسير و المهموم و المفكّر، كما يعتري المفكر من قرع السنّ، و الغضبان من تصفيق اليد و تجحيظ العين. و قال تأبّط شرّا:

[من البسيط]

لتقرعنّ عليّ السنّ من ندم # إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي‏ (3)

و في خطّ الحزين في الأرض يقول ذو الرّمّة: [من الطويل‏]

عشيّة ما لى حيلة غير أنّني # بلقط الحصى و الخطّ في الدار مولع‏ (4)

أخطّ و أمحو الخطّ ثم أعيده # بكفّي و الغربان في الدار وقّع‏

و ذكر النابغة صنيع النساء، و فزعهنّ إلى ذلك، إذا سبين و اغتربن و فكّرن، فقال:

[من الطويل‏]

و يخططن بالعيدان في كلّ منزل # و يخبأن رمّان الثّديّ النواهد (5)

و قد يفزع إلى ذلك الخجل و المتعلّل، كما يفزع إليه المهموم و هو قول القاسم ابن أمية بن أبي الصّلت: [من الكامل‏]

لا ينقرون الأرض عند سؤالهم # لتلمّس العلاّت بالعيدان‏ (6)

بل يبسطون وجوههم فترى لها # عند اللقاء كأحسن الألوان‏

و قال الحارث بن الكنديّ، و ذكر رجلا سأله حاجة فاعتراه العبث بأسنانه، فقال: [من الوافر]

و آض بكفّه يحتكّ ضرسا # يرينا أنّه وجع بضرس‏

____________

(1) الحازي: الكاهن. (اللسان: حزا) . العرّاف: الطبيب أو الكاهن. (اللسان: عرف) .

(2) البيت بلا نسبة في المخصص 13/208، و هو لأبي نواس في ديوانه 511، و روايته فيه:

فأنتم غطاريس الخميس إذا غزا # غذاؤكم تلك الأخاطيط في الترب‏

(3) البيت في ديوان تأبط شرا 144، و المفضليات 31.

(4) البيتان في ديوان ذي الرمة 720-721، و التاج (خطط) ، و المخصص 13/207.

(5) ديوان النابغة الذبياني 139، و روايته:

يخطّطن بالعيدان في كل مقعد

......

(6) البيتان للقاسم بن أمية في الوحشيات 261، و الحماسة البصرية 1/134، و معجم الشعراء 213، و لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 500-501، و بلا نسبة في عيون الأخبار 3/152، و مجالس ثعلب 344.

47

و ربما اعترى هؤلاء عدّ الحصى، إذا كانوا في موضع حصى، و لم يكونوا في موضع تراب، و هو قول امرئ القيس: [من الطويل‏]

ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا # أعدّ الحصى ما تنقضي حسراتي‏ (1)

و قال أميّة بن أبي الصّلت: [من الخفيف‏]

نهرا جاريا و بيتا عليّا # يعتري المعتفين فضل نداكا (2)

في تراخ من المكارم جزل # لم تعلّلهم بلقط حصاكا

و قال الآخر، و هو يصف امرأة قتل زوجها، فهي محزونة تلقط الحصى: [من الطويل‏]

و بيضاء مكسال كأنّ وشاحها # على أمّ أحوى المقلتين خذول

عقلت لها من زوجها عدد الحصى # مع الصّبح، أو في جنح كلّ أصيل‏

يقول: لم أعطها عقلا عن زوجها، و لم أورثها إلاّ الهمّ الذي دعاها إلى لقط الحصى. يخبر أنّه لمنعته، لا يوصل منه إلى عقل و لا قود.

36-[أقوال الشعراء في الخط]

و ممّا قالوا في الخطّ، ما أنشدنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: قال المقنّع الكنديّ‏ (3) في قصيدة له مدح فيها الوليد بن يزيد: [من الكامل‏]

كالخطّ في كتب الغلام أجاده # بمداده، و أسدّ من أقلامه

قلم كخرطوم الحمامة مائل # مستحفظ للعلم من علاّمه

يسم الحروف إذا يشاء بناءها # لبيانها بالنّقط من أرسامه

من صوفة نفث المداد سخامه # حتى تغيّر لونها بسخامه

يحفى فيقصم من شعيرة أنفه # كقلامة الأظفور من قلاّمه

و بأنفه شقّ تلاءم فاستوى # سقي المداد، فزاد في تلآمه

مستعجم و هو الفصيح بكلّ ما # نطق اللسان به على استعجامه‏

____________

(1) ديوان امرئ القيس 78.

(2) ديوان أمية بن أبي الصلت 429.

(3) ديوان المقنع الكندي 212.

48

و له تراجمة بألسنة لهم # تبيان ما يتلون من ترجامه

ما خطّ من شي‏ء به كتّابه # ما إن يبوح به على استكتامه

و هجاؤه قاف و لام بعدها # ميم معلّقة بأسفل لامه‏

ثم قال:

قالت لجارتها الغزيّل إذ رأت # وجه المقنّع من وراء لثامه

قد كان أبيض فاعتراه أدمة # فالعين تنكره من ادهيمامه

كم من بويزل عامها مهرية # سرح اليدين و من بويزل عامه

وهب الوليد برحلها و زمامها # و كذاك ذاك برحله، و زمامه

و قويرح عتد أعدّ لنيّه # لبن اللّقوح فعاد مل‏ء حزامه

وهب الوليد بسرجها و لجامها # و كذاك ذاك بسرجه، و لجامه

أهدى المقنّع للوليد قصيدة # كالسيف أرهف حدّه بحسامه

و له المآثر في قريش كلّها # و له الخلافة بعد موت هشامه‏

و قال الحسن بن جماعة الجذاميّ في الخطّ: [من الطويل‏]

إليك بسرّي بات يرقل عالم # أصمّ الصدى محرورف السّنّ طائع‏ (1)

بصير بما يوحى إليه و ما له # لسان و لا أذن بها هو سامع

كأنّ ضمير القلب باح بسرّه # لديه، إذا ما حثحثته الأصابع

له ريقة من غير فرث تمدّه # و لا من ضلوع صفّقتها الأضالع‏

و قال الطائيّ، يمدح محمّد بن عبد الملك الزّيات: [من الطويل‏]

و ما برحت صورا إليك نوازعا # أعنّتها مذ راسلتك الرسائل

لك القلم الأعلى الذي بشباته # يصاب من الأمر الكلى و المفاصل

لك الخلوات اللاء لو لا نجيّها # لما احتفلت للملك تلك المحافل

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه # و أري الجنى اشتارته أيد عواسل

له ريقة طلّ و لكنّ وقعها # بآثارها في الشرق و الغرب وابل

فصيح إذا استنطقته و هو راكب # و أعجم إن خاطبته و هو راجل

إذا ما امتطى الخمس اللّطاف و أفرغت # عليه شعاب الفكر و هي حوافل

أطاعته أطراف القنا و تقوّضت # لنجواه تقويض الخيام الجحافل‏

____________

(1) الصدى: رجع الصوت، يريد: أن القلم ينطق في الورق دون أن يبدو صدى صوته.

49

إذا استغزر الذهن الجليّ و أقبلت # أعاليه في القرطاس و هي أسافل

و قد رفدته الخنصران و سدّدت # ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل

رأيت جليلا شأنه و هو مرهف # ضنى و سمينا خطبه و هو ناحل

أرى ابن أبي مروان أمّا لقاؤه # فدان و أمّا الحكم فيه فعادل‏

و قد ذكر البحتريّ في كلمة له، بعض كهول العسكر، و من أنبل أبناء كتّابهم الجلّة فقال: [من الكامل‏]

و إذا دجت أقلامه ثم انتحت # برقت مصابيح الدّجى في كتبه‏

37-[تدوين الكتابات القديمة]

و كانوا يجعلون الكتاب حفرا في الصخور، و نقشا في الحجارة، و خلقة مركّبة في البنيان، فربّما كان الكتاب هو الناتئ، و ربّما كان الكتاب هو الحفر، إذا كان تاريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، أو تطويل مدته، كما كتبوا على قبّة غمدان‏ (1) ، و على باب القيروان، و على باب سمرقند (2) ، و على عمود مأرب، و على ركن المشقّر (3) ، و على الأبلق الفرد (4) ، و على باب الرّها (5) ، يعمدون إلى الأماكن المشهورة، و المواضع المذكورة، فيضعون الخطّ في أبعد المواضع من الدّثور، و أمنعها من الدروس، و أجدر أن يراها من مرّ بها، و لا تنسى على وجه الدهر.

38-[فضل الخطوط]

و أقول: لو لا الخطوط لبطلت العهود و الشروط و السّجلاّت و الصّكاك، و كلّ

____________

(1) غمدان: قصر بين صنعاء و طيوة، و اختلف في اسم بانيه، فقيل: بناه ليشرح بن يحصب، و قيل:

بناه النبي سليمان لبلقيس. معجم البلدان 4/210.

(2) سمرقند: بلدة عظيمة خلف نهر جيحون، و ذكر الأصمعي أنه مكتوب على باب سمرقند بالحميرية مقدار المسافات بين سمرقند و غيرها من المدن. معجم البلدان 3/246-250.

(3) المشقر: حصن بين نجران و البحرين؛ يقال إنه من بناء طسم. و قيل: هو حصن بالبحرين قبل مدينة هجر. معجم البلدان 5/134.

(4) الأبلق: هو حصن السموأل بن عادياء اليهودي، مشرف على تيماء بين الحجاز و الشام، على رابية من تراب. معجم البلدان 1/75.

(5) الرها: مدينة بالجزيرة بين الموصل و الشام، فيها كنيسة مكتوب على ركن من أركانها «أشد العذاب تطاول الأعمار في ظل الإقتار» . معجم البلدان 3/106.

50

إقطاع، و كلّ إنفاق، و كلّ أمان، و كلّ عهد و عقد، و كلّ جوار و حلف. و لتعظيم ذلك، و الثقة به و الاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهليّة من يكتب لهم ذكر الحلف و الهدنة، تعظيما للأمر، و تبعيدا من النسيان، و لذلك قال الحارث بن حلّزة، في شأن بكر و تغلب: [من الخفيف‏]

و اذكروا حلف ذي المجاز و ما قـ # دّم فيه العهود و الكفلاء (1)

حذر الجور و التّعدّي، و هل ينـ # قض ما في المهارق الأهواء!

و المهارق، ليس يراد بها الصّحف و الكتب، و لا يقال للكتب مهارق حتّى تكون كتب دين، أو كتب عهود، و ميثاق، و أمان.

39-[الرقوم و الخطوط]

و ليس بين الرّقوم و الخطوط فرق، و لو لا الرقوم لهلك أصحاب البزّ و الغزول، و أصحاب الساج و عامّة المتاجر، و ليس بين الوسوم التي تكون على الحافر كلّه و الخفّ كلّه و الظّلف كلّه، و بين الرقوم فرق، و لا بين العقود و الرقوم فرق، و لا بين الخطوط و الرقوم كلّها فرق، و كلّها خطوط، و كلها كتاب، أو في معنى الخطّ و الكتاب، و لا بين الحروف المجموعة و المصورة من الصوت المقطّع في الهواء، و من الحروف المجموعة المصوّرة من السواد في القرطاس فرق.

40-[اللسان و القلم‏]

و اللسان: يصنع في جوبة الفم و هوائه الذي في جوف الفم و في خارجه، و في لهاته، و باطن أسنانه، مثل ما يصنع القلم في المداد و اللّيقة و الهواء و القرطاس، و كلّها صور و علامات و خلق مواثل، و دلالات، فيعرف منها ما كان في تلك الصّور لكثرة تردادها على الأسماع، و يعرف منها ما كان مصوّرا من تلك الألوان لطول تكرارها على الأبصار، كما استدلّوا بالضّحك على السرور، و بالبكاء على الألم. و على مثل ذلك عرفوا معاني الصوت، و ضروب صور الإشارات، و صور جميع الهيئات، و كما عرف المجنون لقبه، و الكلب اسمه. و على مثل ذلك فهم الصبيّ الزجر و الإغراء، و وعى المجنون الوعيد و التهدّد، و بمثل ذلك اشتدّ حضر الدابّة مع رفع الصوت، حتّى

____________

(1) البيتان من معلقته في شرح القصائد السبع 478؛ و شرح القصائد العشر 392؛ و البيان و التبيين 3/7؛ و اللسان (جوز) .

51

إذا رأى سائسه حمحم. و إذا رأى الحمام القيّم عليه انحطّ للقط الحبّ، قبل أن يلقي له ما يلقطه. و لو لا الوسوم و نقوش الخواتم، لدخل على الأموال الخلل الكثير، و على خزائن الناس الضرر الشديد.

41-[تخليد العرب و العجم لمآثرها]

و ليس في الأرض أمّة بها طرق‏ (1) أو لها مسكة، و لا جيل لهم قبض و بسط، إلاّ و لهم خطّ. فأمّا أصحاب الملك و المملكة، و السلطان و الجباية، و الدّيانة و العبادة، فهناك الكتاب المتقن، و الحساب المحكم، و لا يخرج الخطّ من الجزم و المسند المنمنم و السمون كيف كان، قال ذلك الهيثم بن عدي، و ابن الكلبي.

قال: فكلّ أمّة تعتمد في استبقاء مآثرها، و تحصين مناقبها، على ضرب من الضروب، و شكل من الأشكال.

و كانت العرب في جاهليّتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون، و الكلام المقفّى، و كان ذلك هو ديوانها. و على أنّ الشعر يفيد فضيلة البيان، على الشاعر الراغب، و المادح، و فضيلة المأثرة، على السيّد المرغوب إليه، و الممدوح به. و ذهبت العجم على أن تقيّد مآثرها بالبنيان، فبنوا مثل كرد بيداد، و بنى أردشير بيضاء إصطخر (2) . و بيضاء المدائن، و الحضر، و المدن و الحصون، و القناطر و الجسور، و النواويس‏ (3) ، قال: ثمّ إنّ العرب أحبّت أن تشارك العجم في البناء، و تنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، و كعبة نجران‏ (4) ، و قصر مارد، و قصر مأرب، و قصر شعوب‏ (5) و الأبلق الفرد، و فيه و في مارد، قالوا «تمرّد مارد و عزّ الأبلق» (6) و غير ذلك من البنيان، قال: و لذلك لم تكن الفرس تبيح شريف البنيان، كما لا تبيح شريف الأسماء، إلاّ لأهل البيوتات، كصنيعهم في النواويس و الحمّامات

____________

(1) الطرق: القوة. اللسان: طرق 10/223.

(2) إصطخر من أعيان مدن فارس و كورها، و من مشهور مدنها البيضاء. (البلدان 1/211) ، و سميت البيضاء لأن لها قلعة تبيّن من بعد؛ و يرى بياضها. (البلدان: 1/529) .

(3) النواويس: جمع ناووس؛ و هي مقابر النصارى. اللسان: نوس.

(4) كعبة نجران: بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديّان الحارثي؛ على بناء الكعبة؛ و عظموها مضاهاة للكعبة. و كان فيها أساقفة معتمّون. البلدان: 5/268.

(5) شعوب: قصر باليمن معروف بالارتفاع. البلدان: 3/350.

(6) مجمع الأمثال 1/126، و جمهرة الأمثال 1/257، و المستقصى 2/32، و فصل المقال 130، 493، و الدرة الفاخرة 1/301.

52

و القباب الخضر، و الشّرف على حيطان الدار، و كالعقد على الدّهليز و ما أشبه ذلك، فقال بعض من حضر: «كتب الحكماء و ما دوّنت العلماء من صنوف البلاغات و الصّناعات، و الآداب و الإرفاق‏ (1) ، من القرون السابقة و الأمم الخالية، و من له بقيّة و من لا بقيّة له، أبقى ذكرا و أرفع قدرا و أكثر ردّا، لأنّ الحكمة أنفع لمن ورثها، من جهة الانتفاع بها، و أحسن في الأحدوثة، لمن أحبّ الذكر الجميل» .

42-[طمس آثار الأمم السالفة]

و الكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة و حيطان المدر؛ لأنّ من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، و أن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن و أكثر الحصون، كذلك كانوا أيّام العجم و أيّام الجاهليّة. و على ذلك هم في أيّام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، و كما هدم الآطام‏ (2) التي كانت بالمدينة، و كما هدم زياد كلّ قصر و مصنع كان لابن عامر، و كما هدم أصحابنا بناء مدن الشامات‏ (3) لبني مروان.

43-[تاريخ الشعر العربي‏]

و أما الشعر فحديث الميلاد، صغير السنّ، أوّل من نهج سبيله، و سهّل الطريق إليه: امرؤ القيس بن حجر، و مهلهل بن ربيعة. و كتب أرسطاطاليس، و معلّمه أفلاطون، ثم بطليموس، و ديمقراطس، و فلان و فلان، قبل بدء الشعر بالدهور قبل الدهور، و الأحقاب قبل الأحقاب.

و يدلّ على حداثة الشعر، قول امرئ القيس بن حجر: [من المنسرح‏]

إنّ بني عوف ابتنوا حسنا # ضيّعه الدّخللون إذ غدروا (4)

أدّوا إلى جارهم خفارته # و لم يضع بالمغيب من نصروا (5)

____________

(1) الأرفاق: جمع رفق، و هو ما استعين به. اللسان: رفق.

(2) الآطام: جمع أطم. و هو كل بيت مربع مسطّح، و قيل: هو حصن مبني بحجارة، أو أبنية مرتفعة كالحصون. اللسان: أطم.

(3) الشامات: كورة كبيرة من نواحي نيسابور، اجتاز بها عبد الله بن عامر بن كريز، فرأى هناك سباخا فقال: ما هذه الشامات؟فسميت بذلك. و فيها ما يزيد على «300» قرية. (البلدان 3/311) ، و قيل: الشامات خمس، فلسطين و مدينتها بيت المقدس، و الأردن و مدينتها طبرية، و الغوطة و مدينتها دمشق، و حمص، و قنسرين و مدينتها حلب. (العقد الفريد 6/251-252) .

(4) ديوان امرئ القيس 132-133.

(5) الخفارة: الذمة و العهد.