الحيوان - ج2

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
448 /
259

-

260

الجزء الثاني‏

<بسم اللّه الرّحمن الرحيم>

باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة و الأمثال السّائرة، و الأخبار الصحيحة

و الأحاديث المأثورة، و ما أوجد العيان فيها، و ما استخرجت التجارب منها من أصناف المنافع و المرافق، و عن مواضع أخلاقها المحمودة و أفعالها المرادة.

و نبدأ بقول العرب: «إنّ دماء الملوك شفاء من داء الكلب» (1) ، ثمّ نذكر الأبواب لما قدّمنا في صدر كلامنا هذا. قال بعض المرّيين: [من الوافر]

أرى الخلاّن بعد أبي عمير # بحجر في لقائهم جفاء (2)

من البيض الوجوه بني سنان # لو أنّك تستضي‏ء بهم أضاءوا

لهم شمس النهار إذا استقلّت # و نور ما يغيبه العماء (3)

بناة مكارم و أساة كلم # دماؤهم من الكلب الشفاء (4)

و قال الفرزدق: [من الطويل‏]

من الدارميّين الذين دماؤهم # شفاء من الدّاء المجنّة و الخبل‏ (5)

و قال عبد اللّه بن قيس الرّقيّات: [من المنسرح‏]

عاودني النّكس فاشتفيت كما # تشفي دماء الملوك من كلب‏ (6)

____________

(1) في مجمع الأمثال 1/271، و الدرة الفاخرة 2/454، 461 «دماء الملوك أشفى من الكلب؛ و يروى: دماء الملوك شفاء الكلب» .

(2) الأبيات في الحماسة البصرية 1/154، و ديوان المعاني 1/43، و حماسة الخالديين 1/160، و محاضرات الراغب 1/160، و المؤتلف 62، و شرح الحماسة للتبريزي 4/197، و معجم الشعراء 213، و الحماسة المغربية 305، و حماسة القرشي 322، و شرح الحماسة للمرزوقي 1659، و البيت الأخير لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 547.

(3) استقلت الشمس: ارتفعت. العماء: السحاب المرتفع؛ و الكثيف.

(4) الأساة: جمع آس؛ و هو الطبيب. الكلم: الجرح.

(5) البيت للفرزدق في العين 6/21، و عيون الأخبار 2/93، و ليس في ديوانه، و للمتلمس في الأغاني 15/318، و ملحق ديوانه 309، و للبعيث في مروج الذهب 2/219، و بلا نسبة في اللسان (جنن) ، و المقاييس 5/133، و تهذيب اللغة 10/497. المجنة: الجنون.

(6) لم أجد البيت في ديوان عبيد اللّه بن قيس الرقيات، و وجدت في ديوانه ص 12:

فدلّها الحبّ فاشتفيت كما # تشفي دماء الملوك من كلبه‏

261

و قال ابن عيّاش الكنديّ لبني أسد في قتلهم حجر بن عمرو: [من الطويل‏]

عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم # تريقون تامورا شفاء من الكلب‏ (1)

و قال الفرزدق: [من الطويل‏]

و لو تشرب الكلبى المراض دماءنا # شفتها و ذو الخبل الذي هو أدنف‏ (2)

و ذاك أنّهم يزعمون أنّ دماء الأشراف و الملوك تشفي من عضّة الكلب الكلب، و تشفي من الجنون أيضا، كما قال الفرزدق:

و لو تشرب الكلبى المراض دماءنا # شفتها........................

ثم قال: «و ذو الخبل الذى هو أدنف» و قد قال ذلك عاصم بن القرّيّة، و هو جاهليّ: [من الطويل‏]

و داويته مما به من مجنة # دم ابن كهال و النّطاسيّ واقف‏ (3)

و قلّدته دهرا تميمة جدّه # و ليس لشي‏ء كاده اللّه صارف‏ (4)

و كان أصحابنا يزعمون أنّ قولهم: «دماء الملوك شفاء من الكلب» ، على معنى أنّ الدّم الكريم هو الثأر المنيم، و أنّ داء الكلب على معنى قول الشاعر: [من الرمل‏]

كلب من حسّ ما قد مسّه # و أفانين فؤاد مختبل‏ (5)

و على معنى قوله: [من الكامل‏]

كلب بضرب جماجم و رقاب‏ (6)

____________

(1) قال ابن قتيبة في الشعر و الشعراء 37 «ليدن» : (ملّك حجر على بني أسد، فكان يأخذ منهم شيئا معلوما، فامتنعوا منه؛ فسار إليهم فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصيّ، فسمّوا عبيد العصا) . و ذكر الثعالبي في ثمار القلوب 504 «895» : (عبيد العصا: يضرب هذا المثل للقوم إذا استذلّوا، و هو اسم لكل ذليل و تابع؛ و لزم ذلك بني أسد) . و انظر المثل في مجمع الأمثال 2/19، و المستقصى 2/398، و الفاخر 192. و التامور: دم القلب.

(2) ديوان الفرزدق 2/30. الكلبى: جمع كليب، و هو المصاب بداء الكلب. و الأدنف: المريض.

(3) المجنة: الجنون. النطاسي: الطبيب.

(4) كاده: أراده.

(5) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 89، و المعاني الكبير 12، 1133، و اللسان (حمل) ، و بلا نسبة في التاج (كلب) .

(6) عجز بيت للحصين بن القعقاع، و صدره (يوم الحليس بذي الفقار كأنه) ، و قد تقدم في الفقرة (235) ، و هو بلا نسبة في الاشتقاق 21، و التاج (كلب) ، و جمهرة اللغة 533.

262

فإذا كلب من الغيظ و الغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب، و ليس أنّ هناك دما في الحقيقة يشرب و لو لا قول عاصم بن القرّيّة: «و النّطاسيّ واقف» . لكان ذلك التأويل جائزا.

و قول عوف بن الأحوص: [من الوافر]

و لا العنقاء ثعلبة بن عمرو # دماء القوم للكلبى شفاء (1)

و في الكلب يقول الأعشى: [من الطويل‏]

أراني و عمرا بيننا دقّ منشم # فلم يبق إلاّ أن يجنّ و أكلبا (2)

أ لا ترى أنّه فرّق بينهما، و لو كان كما قال لبيد بن ربيعة: [من البسيط]

يسعى خزيمة في قوم ليهلكهم # على الحمالة هل بالمرء من كلب‏ (3)

لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزا، و قال الآخر: [من الطويل‏]

و أمر أميري قد أطعتم فإنّما # كواه بنار بين عينيه مكلب‏ (4)

و هذا عندي لا يدخل في الباب الأوّل، و قد جعلوه منه.

271-[طباع الكلب العجيبة]

قال صاحب الكلب: و زعمتم أنّه يبلغ من فضل قوّة طباع الدّيك في الإلقاح، أنّه متى سفد دجاجة و قد احتشت بيضا صغارا من نتاج الرّيح و التراب، قلبها كلّها حيوانا و لو لم يكن سفدها إلاّ مرّة واحدة، و جعلتموه في ذلك بغاية الفحلة، فطباع الكلب أعجب إلقاحا و أثقب، و أقوى و أبعد، لأنّ الكلب إذا عضّ إنسانا، فأوّل ذلك أن يحيله نبّاحا مثله، و ينقله إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يحبله و يلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب، على بعد ما بين العنصرين و الطّبعين و الجنسين، و الذى يتولّد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنّه أحبل ذكرا من خلاف جنسه، و لأنّه مع الإحبال و الإلقاح، أحاله نبّاحا

____________

(1) البيت لعوف بن الأحوص في المفضليات 175، و شرح اختيارات المفضل 809، و بلا نسبة في المقاييس 4/162، و التاج (عنق) .

(2) ديوان الأعشى 167، و اللسان (نشم) ، و تهذيب اللغة 11/382.

(3) ديوان لبيد 349. الحمالة: الدية التي يحملها قوم عن قوم.

(4) في اللسان: كدا (كدا: داء يأخذ الجراء خاصة؛ يصيبها منه قي‏ء و سعال، حتى يكون ما بين عينيه فيذهب. كدي الكلب كدا: إذا نشب العظم في حلقه) .

263

مثله. فتلك الأدراص‏ (1) و تلك الكلاب الصغار، أولاد و نتاج، و إن كان لا يبقى.

و قد تعلمون أنّ أولاد البغلات من البغال لا تبقى، و أن اللّقاح قد يقع، و إنما منع البغل من البغلة بهذه العلّة.

272-[دواء الكلب‏]

قال أبو اليقظان و غيره: كان الأسود بن أوس بن الحمّرة، أتى النّجاشيّ و معه امرأته، و هي بنت الحارث أحد بني عاصم بن عبيد بن ثعلبة، فقال النجاشيّ:

لأعطينّك شيئا يشفي من داء الكلب. فأقبل حتّى إذا كان ببعض الطريق أتاه الموت، فأوصى امرأته أن تتزوّج ابنه قدامة بن الأسود، و أن تعلّمه دواء الكلب، و لا يخرج ذلك منهم إلى أحد، فتزوجته نكاح مقت‏ (2) ، و علّمته دواء الكلب، فهو إلى اليوم فيهم‏ (3) .

فولد الأسود قدامة و ولد قدامة المحلّ-و أمّه بنت الحارث-فكان المحلّ يداوي من الكلب. فولد المحلّ عقبة و عمرا، فداوى ابن المحل عتيبة بن مرداس، و هو ابن فسوة الشاعر، فبال مثل أجراء الكلب علقا، و مثل صور النّمل و الأدراص فقال ابن فسوة حين برئ: [من الطويل‏]

و لو لا دواء ابن المحلّ و علمه # هررت إذا ما النّاس هرّ كلابها (4)

و أخرج عبد اللّه أولاد زارع # مولّعة (5) أكتافها و جنوبها

و أولاد زارع: الكلاب.

و أمّا قوله:

و لو لا دواء ابن المحلّ و علمه # هررت........................

فإنّما ذهب إلى أنّ الذي يعضّه الكلب الكلب، ينبح نباح الكلاب و يهرّ هريرها.

____________

(1) الأدراص: جمع درص، و هو ولد الهرة و الأرنب و الفأرة و نحوها.

(2) نكاح المقت: أن يتزوج الرجل امرأة أبيه بعد وفاته، و كان هذا في الجاهلية، فحرمه الإسلام. و انظر المعارف لابن قتيبة 112-113 حيث سرد أسماء طائفة ممن تزوجوا زوجات آبائهم.

(3) انظر الخبر في عيون الأخبار 2/80، و الشعر و الشعراء 219 «ليدن» .

(4) البيتان في عيون الأخبار 2/80، و الشعر و الشعراء 219، و أساس البلاغة (زرع) ، و البيت الثاني في تهذيب اللغة 2/132.

(5) المولعة: التي بها سواد و بياض.

264

273-[أعراض الكلب‏]

و قال محمّد بن حفص، و هو أبو عبيد اللّه بن محمد، ابن عائشة: عضّ رجلا من بني العنبر كلب كلب فأصابه داء الكلب، فبال علقا في صورة الكلاب، فقالت بنت المستنثر (1) : [من الطويل‏]

أبا لك أدراصا و أولاد زارع # و تلك لعمري نهية المتعجّب‏ (2)

و حدّثني أبو الصّهباء عن رجال من بني سعد، منهم عبد الرحمن بن شبيب، قالوا: عضّ سنجير الكلب الكلب، فكان يعطش و يطلب الماء بأشدّ الطلب، فإذا أتوه به صاح عند معاينته: لا، لا أريد! و هكذا يصيب صاحب تلك العضّة. و ذلك أنّه يعطش عنها أشدّ العطش و يطلب الماء أشدّ الطلب، فإذا أتوه به هرب منه أشدّ الهرب، فقال دلم و هو عبد لبني سعد: [من الطويل‏]

لقد جئت يا سنجير أجلو ملقة # إباؤك للشي‏ء الذي أنت طالب‏

و هي أبيات لم أحفظ منها إلاّ هذا البيت.

و ذكر مسلمة بن محارب، و عليّ بن محمّد عن رجاله، أنّ زيادا كتب دواء الكلب، و علّقه على باب المسجد الأعظم‏ (3) ، ليعرفه جميع الناس.

و أنا، حفظك اللّه تعالى، رأيت كلبا مرّة في الحيّ و نحن في الكتّاب، فعرض له صبيّ يسمّى مهديّا من أولاد القصّابين. و هو قائم يمحو لوحه فعضّ وجهه فنقع ثنيّته دون موضع الجفن من عينه اليسرى، فخرق اللحم الذي دون العظم إلى شطر خدّه، فرمى به ملقيّا على وجهه و جانب شدقه؟و ترك مقلته صحيحة، و خرج منه من الدّم ما ظننت أنّه لا يعيش معه، و بقي الغلام مبهوتا قائما لا ينبس، و أسكته الفزع و بقي طائر القلب، ثمّ خيط ذلك الموضع، و رأيته بعد ذلك بشهر و قد عاد إلى الكتّاب، و ليس في وجهه من الشّتر (4) إلا موضع الخيط الذى خيط، فلم ينبح إلى أن برئ، و لا

____________

(1) في عيون الأخبار: «فقالت امرأته» .

(2) البيت في عيون الأخبار 2/80. النهية: النهاية، و هي غاية الشي‏ء و آخره.

(3) هو مسجد البصرة: كان مبنيا باللبن، و هدمه زياد و بناه بالجص، و سقفه بالساج. انظر ميزان الاعتدال 1/355، و لسان الميزان 2/493.

(4) الشتر: القطع.

265

هرّ، و لا دعا بماء، حتّى إذا رآه صاح: ردّوه!و لا بال جروا و لا علقا، و لا أصابه ممّا يقولون قليل و لا كثير. و لم أجد أحدا من تلك المشايخ، يشكّ أنّهم لم يروا كلبا قطّ أكلب و لا أفسد طبعا منه. فهذا الذي عاينت.

و أما الذي بلغني عن هؤلاء الثقات فهو الذي قد كتبته لك.

274-[مما قيل في الكلب الكلب‏]

و في الكلب الكلب أنشد الأعرابي: [من الرجز]

حيّاكم اللّه فإنّي منقلب # و إنّما الشاعر مجنون كلب

أكثر ما يأتي على فيه الكذب‏

إما أن يكون الشعر لهميان و إما أن يكون للزّفيان.

و أنشدني: [من الطويل‏]

فإن كنتم كلبى فعندي شفاؤكم # و في الجنّ إن كان اعتراك جنون‏ (1)

و أنشدني: [من الوافر]

و ما أدري إذا لاقيت عمرا # أكلبى آل عمرو أم صحاح‏

قال: فأما المكلب الذي يصيب كلابه داء في رءوسها يسمّى الجحام‏ (2)

فتكوى بين أعينها.

275-[مسألة كلامية]

و سنذكر مسألة كلاميّة، و إنّما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممّن ليس له علم بالكلام.

و لو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك في باب الدين حتّى يكون عالما بالكلام.

و قد اعترض معترضون في قوله عزّ و جلّ: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ فَكََانَ مِنَ اَلْغََاوِينَ. `وَ لَوْ شِئْنََا لَرَفَعْنََاهُ بِهََا وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى

____________

(1) البيت لجرير في ديوانه 589 «طبعة الصاوي» .

(2) الجحام: داء يصيب الإنسان في عينه فترم، و قيل: هو داء يصيب الكلب يكوى منه بين عينيه.

اللسان (جحم) .

266

اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا (1) فزعموا أنّ هذا المثل لا يجوز أن يضرب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام، لأنه قال: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا (2) . فما يشبّه حال من أعطي شيئا فلم يقبله-و لم يذكر غير ذلك-بالكلب الذي إن حملت عليه نبح و ولى ذاهبا، و إن تركته شدّ عليك و نبح، مع أنّ قوله:

يلهث، لم يقع في موضعه، و إنما يلهث الكلب من عطش شديد و حرّ شديد، و من تعب، و أما النّباح و الصّياح فمن شي‏ء آخر.

قلنا له: إن قال‏ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا (3) ، فقد يستقيم أن يكون الرادّ لا يسمّى مكذبا، و لا يقال لهم كذّبوا إلا و قد كان ذلك منهم مرارا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبّه الذي أوتي الآيات و الأعاجيب و البرهانات و الكرامات، في بدء حرصه عليها و طلبه لها، بالكلب في حرصه و طلبه، فإنّ الكلب يعطي الجدّ و الجهد من نفسه في كلّ حالة من الحالات، و شبّه رفضه و قذفه لها من يديه، و ردّه لها بعد الحرص عليها و فرط الرغبة فيها، بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له. و واجب أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبهم و الحرص عليها.

و الكلب إذا أتعب نفسه في شدّة النّباح مقبلا إليك و مدبرا عنك، لهث و اعتراه ما يعتريه عند التّعب و العطش.

و على أنّنا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا و هي رابضة وادعة، إلا و هي تلهث، من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، و الذي طبعت عليه من شأنها، إلا أنّ لهث الكلب يختلف بالشدّة و اللّين!

276-[كرم الكلاب‏]

و قال صاحب الكلب: ليس الدّيك من الكلب في شي‏ء، فمن الكلاب ذوات الأسماء المعروفة و الألقاب المشهورة. و لكرامها و جوارحها و كواسبها، و أحرارها و عتاقها، أنساب قائمة و دواوين مخلّدة، و أعراق محفوظة، و مواليد محصاة، مثل كلب جذعان، و هو السّلهب بن البراق بن يحيى بن وثّاب بن مظفّر بن محارش.

____________

(1) . 175-176/الأعراف: 7.

(2) . 175/الأعراف: 7.

(3) . 176/الأعراف: 7.

267

277-[شعر فيه أسماء الكلاب‏]

و قد ذكر العرب أسماءها و أنسابها.

قال مزرّد بن ضرار: [من الطويل‏]

فعدّ قريض الشّعر إن كنت مغزرا # فإن غزير الشعر ما شاء قائل‏ (1)

لنعت صباحيّ طويل شقاؤه # له رقميّات و صفراء ذابل‏ (2)

بقين له مما يبرّي و أكلب # تقلقل في أعناقهنّ السّلاسل‏ (3)

سخام، و مقلاء القنيص، و سلهب # و جدلاء، و السّرحان، و المتناول‏ (4)

بنات سلوقيّين كانا حياته # فماتا فأودى شخصه فهو خامل‏ (5)

و أيقن إذ ماتا بجوع و خلّة # و قال له الشّيطان: إنّك عائل‏ (6)

فطوّف في أصحابه يستثيبهم # فآب و قد أكدت عليه المسائل‏ (7)

إلى صبية مثل المغالي و خرمل # رواد، و من شرّ النساء الخرامل‏ (8)

فقال لها: هل من طعام فإنّني # أذمّ إليك الناس، أمّك هابل‏ (9)

فقالت: نعم، هذا الطّويّ و ماؤه # و محترق من حائل الجلد قاحل‏ (10)

فلما تناهت نفسه من طعامه # و أمسى طليحا ما يعانيه باطل‏ (11)

تغشّى، يريد النّوم، فضل ردائه # فأعيا على العين الرّقاد البلابل‏ (12)

ففكّر في هذا الشعر وقف على فصوله، حتى تعرف غناء الكلاب عندهم، و كسبها عليهم، و موقعها منهم.

____________

(1) الأبيات من قصيدته في المفضليات ص 101-102، و أرقام الأبيات 63-74.

(2) رقميات: سهام منسوبة إلى موضع بالمدينة يعرف بـ «الرقم» . صفراء ذابل: قوس قطع عودها و طرحت في الشمس حتى ذبلت.

(3) يبري: من بري السهام.

(4) في هذا البيت أسماء كلاب الصباحي الستة.

(5) السلوقية: كلاب تنسب إلى سلوق، قرية باليمن.

(6) الخلة: الفقر و الحاجة. عائل: من «عال يعيل» : افتقر. أو من «عال يعول» : كثر عياله.

(7) يستثيبهم: يطلب ثوابهم و نائلهم. أكدت: امتنعت.

(8) المغالي: سهام لا نصال لها يغلى بها في الهواء، أي يرمى بها لتبلغ الغاية. خرمل: حمقاء. رواد:

الطوافة في بيوت جاراتها و لا تقعد في بيتها لشرها.

(9) هابل: من قولهم «هبلته» أي فقدته.

(10) الطوي: البئر. الحائل: الذي أتى عليه حول؛ أو المتغير. قاحل: يابس.

(11) الطليح: من الطلاحة، و هو الإعياء و الضعف.

(12) تغشى رداءه: تغطى به. البلابل: الهموم.

268

و قال لبيد في ذكرها و ذكر أسماءها: [من الكامل‏]

لتذودهنّ و أيقنت إن لم تذد # أن قد أحمّ من الحتوف حمامها (1)

فتقصّدت منها كساب و ضرّجت # بدم و غودر في المكرّ سخامها (2)

و من عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة، أن تكون الكلاب التي تقتل بقر الوحش، و إذا كان الشعر مديحا، و قال كأنّ ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أنّ ذلك حكاية عن قصّة بعينها، و لكنّ الثّيران ربّما جرحت الكلاب و ربّما قتلتها، و أما في أكثر ذلك فإنّها تكون هي المصابة، و الكلاب هي السالمة و الظافرة، و صاحبها الغانم.

و قال لبيد في هذا القول الثاني غير القول الأول، و ذلك على معنى ما فسّرت لك، فقال في ذلك و ذكر أسماءها: [من الطويل‏]

فأصبح و انشقّ الضّباب و هاجه # أخو قفرة يشلى ركاحا و سائلا (3)

عوابس كالنّشّاب تدمى نحورها # يرين دماء الهاديات نوافلا (4)

و من أسمائها قولهم: «على أهلها جنت براقش» (5) .

و من أسمائها قول الآخر: ضبّار: [من الكامل‏]

سفرت فقلت لها هج فتبرقعت # فذكرت حين تبرقعت ضبّارا (6)

و قال الكميت الأسديّ: [من المتقارب‏]

فبات و باتت عليه السّما # ء من كلّ حابية تهطل‏ (7)

____________

(1) ديوان لبيد 312، و البيت الأول في اللسان و التاج (حمم) ، و الثاني في اللسان و التاج (قصد، سحم) ، و ديوان الأدب 1/375، و ما بنته العرب على فعال 13.

(2) كساب: اسم كلبة. سخام: اسم كلب.

(3) ديوان لبيد 239-240. أخو قفرة: عنى به الصائد. يشلى: يؤسد و يغرى. ركاح وسائل: اسمان لكلبين.

(4) عوابس: صفة للكلاب. الهاديات: أوائل الوحش. النوافل: المغانم.

(5) الأمثال لمجهول 78، و المثل برواية «دلّت» في المستقصى 2/165، و فصل المقال 459، و أمثال ابن سلام 333، و برواية «تجني» في مجمع الأمثال 2/14، و جمهرة الأمثال 2/52.

(6) البيت للحارث بن الخزرج في التاج (ضبر) ، و له أو للخزرج بن عون بن جميل في التاج (هبر) ، و للخزرج بن عوف في الجمهرة 3/230، و بلا نسبة في اللسان (هجج، ضبر، هبر) ، و التاج (هجج) ، و المقاييس 6/7، و شرح المفصل 4/75.

(7) ديوان الكميت 2/8-9، الحبو: امتلاء السحاب بالماء، و الحبيّ من السحاب: المتراكم.

269

مكبّا كما اجتنح الهالكيّ # على النّصل إذ طبع المنصل‏ (1)

ثم ذكر أسماء الكلاب فقال: [من المتقارب‏]

و في ضبن حقف يرى حقفه # خطاف و سرحة و الأحدل‏ (2)

و أربعة كقداح السّرا # ء لا عانيات و لا عبّل‏

و قال الآخر: [من البسيط]

بتنا و بات جليد اللّيل يضربنا # بين البيوت قرانا نبح درواس‏ (3)

إذا ملا بطنه ألبانها حلبا # باتت تغنّيه وضرى ذات أجراس‏

و درواس: اسم كلب، و الوضرى: استه، و غناؤها: الضّراط.

و قال ضابئ بن الحارث في ذلك: [من الكامل‏]

فترمّلت بدم قدام و قد # أوفى اللّحاق و حان مصرعه‏ (4)

و قال الآخر: [من مجزوء الوافر]

و لو هيّا له اللّه # من التوفيق أسبابا (5)

لسمّى نفسه عمرا # و سمّى الكلب وثّابا

و مثل هذا كثير.

278-[أحرص الكلاب‏]

و الكلب أشدّ ما يكون حرصا إذا كان خطمه يمسّ عجب ذنب الظّبي و الأرنب و الثّور و غير ذلك، مما هو من صيده، و لذلك قال الشاعر (6) : [من المديد]

ربّما أغدو معي كلبي # طالبا للصيّد في صحبي‏

____________

(1) الهالكي: الحداد. و في أدب الكاتب لابن قتيبة 68 «ليدن» : (الحداد: هالكي، لأن أول من عمل الحديد الهالك بن عمرو بن أسد بن خزيمة) .

(2) الضّبن: الناحية. و البيت في ديوان الكميت 2/9، و ما بنته العرب على فعال 72.

(3) البيت الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (درس، ندل) ، و المقاييس 4/260، و الثاني في اللسان و التاج و أساس البلاغة ( وضر) .

(4) البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (قدم) .

(5) البيتان لابن أبي عتيق في محاضرات الأدباء 2/153، و لأبي محجن، في محاضرات الأدباء 2/295، و لم يردا في ديوانه.

(6) هو أبو نواس. و القصيدة في ديوانه 632.

270

فسمونا للقنيص معا # فدفعناه إلى أظب‏ (1)

فاستدرّته فدرّ لها # يلطم الرّفغين بالتّرب‏ (2)

فادّراها و هي لاهية # في جميم الحاج و الغرب‏ (3)

ففرى جمّاعهنّ كما # قد مخلولان من عصب‏ (4)

ثم قال:

غير يعفور أهلّ به # جاف دفّيه عن القلب‏ (5)

ضمّ لحييه بمخطمه # ضمّك الكسرين بالشعب

و انتحى للباقيات كما # كسرت شغواء من لهب‏ (6)

فتعايا التّيس حين كبا # و دنا فوه من العجب‏ (7)

ظلّ بالوعساء ينفضه # أزما منه على الصّلب‏ (8)

تلك لذّاتي و كنت فتى # لم أقل من لذّة حسبي‏

279-[الإهلال و الاستهلال‏]

و أما قوله‏ (9) : «غير يعفور أهلّ به» ، فالإهلال الذي ذكر هو شي‏ء يعتريه في ذلك الوقت، يخرج من جوفه صوت شبيه بالعواء الخفيف، و هو ما بين العواء و الأنين، و ذلك من حاق الحرص، و شدّة الطلب، و خوف الفوات. و يقال: أهلّت السماء، إذا صبّت، و استهلت: إذا ارتفع صوت وقعها، و منه الإهلال بالحج. و قال ابن أحمر: [من السريع‏]

يهلّ بالفرقد ركبانها # كما يهلّ الراكب المعتمر (10)

____________

(1) السامي: الصائد. أظب: جمع ظبي.

(2) الرفغين: الإبطين.

(3) جميم الحاج: الشجر الكثير. الغرب: شجرة ضخمة ذات أشواك.

(4) فرى: شقّ و فرّق.

(5) اليعفور: الظبي. جاف: بلغ بالطعنة الجوف. دفيه: جنبيه.

(6) الشغواء: العقاب. كسرت: ضمّت جناحيها. اللهب: ما بين كل جبلين.

(7) كبا: سقط على وجهه. العجب: الذّنب.

(8) الوعساء: اللين من الرمل. أرم: عضّ.

(9) ورد القول نفسه في اللسان (هلل) . 11/702، و لم ينسبه إلى الجاحظ.

(10) البيت لابن أحمر في ديوانه 66، و اللسان (ركب، عمر، رجع) ، و التاج (ركب) ، و أساس البلاغة (هلل) ، و تهذيب اللغة (هلل) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (هلل) . الفرقد: نجم في السماء لا يغرب.

ـ

271

و منه استهلال الصبي، و لذلك قال الأعرابيّ: أ رأيت من لا شرب و لا أكل و لا صاح و استهل، أ ليس ذلك يطلّ‏ (1) ؟!

280-[معرفة أبي نواس بالكلاب‏]

و إذا ضبع الكلب، و هو أن يمدّ ضبعه كلّه، و لا يكون كالحمار الضيّق الإبطين -و الكلب في افتراش ذراعيه و بسط رجليه حتّى يصيب قصّه الأرض، أكثر من الفرس-و عند ذلك ما ينشط أذنيه حتّى يدميهما و لذلك قال الحسن بن هانئ، و قد طال ما نعت بهما: [من الرّجز]

فانصاع كالكوكب في انحداره # لفت المشير موهنا بناره‏ (2)

شدّا إذا أحصف في إحضاره # خرّق أذنيه شبا أظفاره‏ (3)

و أوّل هذه الأرجوزة:

لما غدا الثّعلب من وجاره # يلتمس الكسب على صغاره‏

و أنا كتبت لك رجزه في هذا الباب، لأنّه كان عالما راوية، و كان قد لعب بالكلاب زمانا، و عرف منها ما لا تعرفه الأعراب، و ذلك موجود في شعره، و صفات الكلاب مستقصاة في أراجيزه، هذا مع جودة الطبع و جودة السبك، و الحذق بالصنعة، و إن تأمّلت شعره فضّلته، إلاّ أن تعترض عليك فيه العصبيّة، أو ترى أنّ أهل البدو أبدا أشعر، و أنّ المولّدين لا يقاربونهم في شي‏ء. فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحقّ من الباطل، ما دمت مغلوبا.

281-[طرديات أبي نواس‏]

[1]قال الحسن بن هانئ: [من الرجز]

لما غدا الثعلب من وجاره # يلتمس الكسب على صغاره‏ (4)

عارضه في سنن امتياره # مضمّر يموج في صداره‏ (5)

____________

(1) يطلّ: يهدر. و القول في النهاية 3/136، 5/271، و البيان 1/287.

(2) ديوان أبي نواس 629-630، و كتاب الأنوار و محاسن الأشعار 2/122، و ديوان المعاني 2/133.

(3) أحصف: اشتد و أسرع. الإحضار: شدة العدو.

(4) ديوان أبي نواس 629-630، و كتاب الأنوار و محاسن الأشعار 2/122.

(5) السنن: الطريق. امتار: طلب الميرة، أي الطعام.

272

في حلق الصّفر و في أسياره # منضمّة قصراه من إضماره‏ (1)

قد نحت التسهيم من أقطاره # من بعد ما كان إلى أصباره‏ (2)

غضّا غذته الجور من عشاره # أيّام لا يحجب عن أظآره‏ (3)

و هو طلا لم يدن من إشغاره # في منزل يحجب عن زوّاره

يساس فيه طرفي نهاره # حتّى إذا أحمد في اختباره

و آض مثل القلب من نضاره # كأنّ خلف ملتقى أشفاره‏ (4)

جمر غضى يدمن في استعاره # كأنّ لحييه لدى افتراره

شك مسامير على طواره # يضمّ قطريه من اضطباره‏ (5)

و إن تمطّى تمّ في أشباره # عشر إذا قدّر في اقتداره

سمع إذا استروح لم تماره # إلا بأن يطلق من عذاره‏ (6)

فانصاع كالكوكب في انحداره # لفت المشير موهنا بناره

شدّا إذا أحصف في إحضاره # خرّق أذنيه شبا أظفاره

حتى إذا ما انساب في غباره # عافره أخرق في عفاره‏ (7)

فتلتل المفصل من فقاره # و شقّ عنه جانبي صداره

ما خير للثّعلب في ابتكاره‏

[2]و قال في كلب سليمان بن داود الهاشميّ-و كان الكلب يسمى زنبورا:

[من الرجز]

إذا الشياطين رأت زنبورا # قد قلّد الحلقة و السّيورا (8)

دعت لخزّان الفلا ثبورا # أدفى ترى في شدقه تأخيرا (9)

ترى إذا عارضته مفرورا # خناجرا قد نبتت سطورا (10)

____________

(1) قصراه: أسفل أضلاعه.

(2) التسهيم: الضمور، أقطاره: نواحيه. أصباره: أي ممتلئ بدين.

(3) الخور: مفردها خورة؛ و هي الناقة الغزيرة اللبن.

(4) القلب: السوار.

(5) طواره: أي حده.

(6) السمع: ولد الذئب من الضبع.

(7) عفاره: ترابه.

(8) ديوان أبي نواس 633، و كتاب الأنوار و محاسن الأشعار 2/118.

(9) خزان: جمع خزز، و هو الذكر من الأرانب. الثبور: الهلاك. الأدفى: الذي يمشي إلى جانب، و ذلك أسرع له.

(10) فرّ الدابة: كشف عن أسنانها لينظر ما سنها.

273

مشتبكات تنظم السّحورا # أحسن في تأديبه صغيرا (1)

حتّى توفّى السّبعة الشهورا # من سنّه و بلغ الشّغورا

و عرف الإيحاء و الصّفيرا # و الكفّ أن تومئ أو تشيرا

يعطيك أقصى حضره المذخورا # شدّا ترى من همزه الأظفورا (2)

منتشطا من أذنه سيورا # فما يزال والغا تامورا (3)

من ثعلب غادره مجزورا # أو أرنب كوّرها تكويرا

أو ظبية تقرو رشا غريرا # غادرها دون الطّلا عقيرا (4)

فأمتع اللّه به الأميرا # ربّي، و لا زاله مسرورا

و قد قال كما ترى:

شدّا ترى من همزه الأظفورا # منتشطا من أذنه سيورا

بإثر قوله:

حتّى توفّى السبعة الشهورا # من سنّه و بلغ الشغورا

فإنّ الكلب إذا شغر برجله و بال، فذلك دليل على تمام بلوغه للإلقاح، و هو من الحيوان الذي يحتلم‏ (5) .

و أما احتلام الغلام فيعرف بأمور: منها انفراق طرف الأرنبة، و منها تغيّر ريح إبطيه، و منها الأنياب، و منها غلظ الصوت.

و من الغلمان من لا يحتلم. و في الجواري جوار لا يحضن، و ذلك في النساء عيب، و ليس مثله من الرجال عيبا، و قد رأيت رجالا يوصفون بالقوة على النساء، و بعضهم لم يحتلم إلا مرة أو مرتين، و بعضهم لم يحتلم البتة.

[3]و قد قال الحسن بن هانئ مثل ذلك، في أرجوزة أخرى: [من الرجز]

يمري إذا كان الجراء عبطا # براثنا سحم الأثافي ملطا

ينشط أذنيه بهنّ نشطا

____________

(1) السحور: جمع سحر؛ و هو الرئة.

(2) الحضر: شدة الجري. الهمز: الضغط و الغمز.

(3) والغا تامورا: شاربا للدم.

(4) تقرو: تقصد. الرشا: الظبي.

(5) عيون الأخبار 2/80.

274

و هذه الأجوزة أوّلها (1) :

عدّدت كلبا للطّراد سلطا # مقلّدا قلائدا و مقطا (2)

فهو الجميل و الحسيب رهطا # ترى له شدقين خطّا خطّا

يمري إذا كان الجراء عبطا # براثنا سحم الأثافي ملطا

ينشط أذنيه بهنّ نشطا # تخال ما دمين منها شرطا

ما إن يقعن الأرض إلا فرطا # كأنما يعجلن شيئا لقطا

أعجل من قول قطاة قطّا # فاجتاح خزّان الصحارى الرّقطا (3)

يلقين منه حكما مشتطا # للعظم حطما و الأديم عطّا

و الشعراء إذا أرادوا سرعة القوائم قالوا كما قال: [من البسيط]

يخفي التّراب بأظلاف ثمانية # و مسّهن إذا أقبلن تحليل‏ (4)

و قال الآخر: [من الكامل‏]

و كأنّما جهدت أليّته # أن لا تمسّ الأرض أربعة (5)

فأفرط المولّدون فى صفة السرعة-و ليس ذلك بأجود-فقال شاعر منهم يصف كلبة بسرعة العدو: [من الرجز]

كأنّما ترفع ما لم يوضع‏ (6)

و قال الحسن بن هانئ: [من الرجز]

ما إن يقعن الأرض إلا فرطا

[4]و قال الحسن بن هانئ في نعت كلب: [من الرجز]

أنعت كلبا أهله في كدّه # قد سعدت جدودهم بجدّه‏ (7)

____________

(1) ديوان أبي نواس 627، و كتاب الأنوار 2/124.

(2) السلط: الشديد.

(3) الخزان: جمع خزز، و هو الذكر من الأرانب. الرقط: جمع أرقط؛ و هو الذي يخالط سواده بياض.

(4) البيت لعبدة بن الطبيب في ديوانه 71، و شرح اختيارات المفضل 667، و نوادر أبي زيد 9، و اللسان (حلل) ، و بلا نسبة في جمهرة اللغة 618، و الخصائص 3/81.

(5) البيت لخلف الأحمر في ديوان المعاني 2/134، و كتاب الأنوار 1/332، و التشبيهات لابن أبي عون 38، و الصناعتين 97، و نسب خطأ إلى حميد بن ثور في سرقات أبي نواس 65.

(6) الرجز في محاضرات الأدباء 2/285، و الصناعتين 79.

(7) ديوان أبي نواس 624، و كتاب الأنوار 2/115، و البيزرة 149-150، و حياة الحيوان 2/261.

275

فكلّ خير عندهم من عنده # يظلّ مولاه له كعبده

يبيت أدنى صاحب من مهده # و إن عري جلّله ببرده

ذو غرّة محجل بزنده # تلذّ منه العين حسن قدّه

يا حسن شدقيه و طول خدّه # تلقى الظّباء عنتا من طرده

يشرب كأسا شدّها في شدّه # يا لك من كلب نسيح وحده‏ (1)

[5]و قال في صفاتها، و أسمائها و سماتها، و أنسابها، و ألقابها، و تفدية أربابها لها كما ذكرنا قبل ذلك- (2) : [من الرجز]

قد أغتدي و الطّير في مثواتها # لم تعرب الأفواه عن لغاتها

بأكلب تمرح في قدّاتها # تعدّ عين الوحش من أقواتها (3)

قد نحت التقريح وارياتها # من شدّة التسهيم و اقتياتها (4)

و أشفق القانص من حفاتها # و قلت قد أحكمتها فهاتها

و أدن للصّيد معلّماتها # و ارفع لنا نسبة أمّهاتها

فجاء يزجيها على شياتها # شمّ العراقيب مؤنّفاتها (5)

غرّ الوجوه و محجّلاتها # مشرفة الأكناف موفياتها (6)

قود الخراطيم مخرطماتها # سودا و صفرا و خلنجيّاتها (7)

مسميات و ملقّباتها # حمرا و بيضا و مطوّقاتها

مختبرات من سلوقيّاتها # كأنّ أقمارا على لبّاتها

ترى على أفخاذها سماتها # مفدّيات و محمّياتها

مفروشة الأيدي شرنبثاتها # شمّ العراقيب مؤلفاتها (8)

____________

(1) في أدب الكاتب 53 (يقولون فلان نسيج وحده، و أصله أن الثوب الرفيع النفيس لا ينسج على منواله غيره، و إذا لم يكن نفيسا عمل على منواله سدى عدة أثواب، فقيل ذلك لكل كريم من الرجال) . و «نسيج وحده» من الأمثال في الفاخر 40، و مجمع الأمثال 1/40، و المستقصى 2/367، و جمهرة الأمثال 2/303.

(2) ديوان أبي نواس 628، و كتاب الأنوار 2/120، و البيزرة 152-153.

(3) القدّة: سير يقدّ من جلد غير مدبوغ. العين: البقر.

(4) الواريات: السمينات. التسهيم: الضمور. اقتياتها: طلبها القوت.

(5) يزجيها: يسوقها. الشية: العلامة. شم: مرتفع. العرقوب: هو في رجل الدابة بمنزلة الركبة في يدها.

(6) مشرفة الأكناف: عالية النواحي. الموفيات: المشرفات.

(7) الخلنجي: أصفر خفيف تعلوه غبرة.

(8) مفروشة الأيدي: مبسوطتها. الشرنبث: الغليظ.

276

حيد الأظافير مكعبراتها # زلّ المآخير عملّساتها (1)

تسمع في الآثار من وحاتها (2) # من نهم الحرص و من خواتها

لتفثأ الأرنب عن حياتها (3) # إنّ حياة الكلب في وفاتها

حتّى ترى القدر على مثفاتها (4) # كثيرة الضّيفان من عفاتها

تقذف جالاها بجوزي شاتها (5)

فقد قال كما ترى:

تسمع في الآثار من وحاتها # من نهم الحرص و من خواتها

و هذا هو معناها الأول، و أما قوله‏ (6) :

تعدّ عين الوحش من أقواتها

فعلى قول أبي النّجم: [من الرجز]

تعدّ عانات اللّوى من مالها

و زعموا أنّ قوله: [من الرجز]

كطلعة الأشمط من جلبابه‏

هو قول الأول: [من الرجز]

كطلعة الأشمط من كسائه‏

و هو كما قال الآخر: [من الرجز]

كطلعة الأشمط من برد سمل‏

[6]و قال الحسن بن هانئ: [من الرجز]

لمّا تبدّى الصّبح من حجابه # كطلعة الأشمط من جلبابه‏ (7)

و انعدل اللّيل إلى مآبه # هجنا بكلب طالما هجنا به‏

____________

(1) الأحيد: المائل. المكعبر: الشديد. زل: جمع أزل؛ و هو الخفيف اللحم. العملس: القوي السريع.

(2) الوحاة: الصوت.

(3) الخوات: الصوت. فثأ: منع.

(4) المثفاة: موضع الأثافي.

(5) الجال: الجانب. الجوز: وسط الشي‏ء.

(6) الشعر و الشعراء 383، و سرقات أبي نواس 63.

(7) ديوان أبي نواس 631، و كتاب الأنوار 2/114.

277

خرّطه القانص و اغتدى به # يعزّه طورا على استصعابه

و تارة ينصبّ لانصبابه # فانصاع للصّوت الذي يعنى به

كلمعان البرق من سحابه # كأنّ عينيه لدى ارتيابه

فصّا عقيق قد تقابلا به # حتّى إذا عفّره هاها به

بابا به يا بعد ما بابا به # ينتسف المقود من جذابه

من مرح يغلو إذا اغلولى به‏ (1) # و ميعة تعرف من شبابه

كأنّ متنيه لدى انسلابه‏ (2) # متنا شجاع لجّ في انسيابه

كأنّما الأظفور في قنابه‏ (3) # موسى صناع ردّ في نصابه

يثرد وجه الأرض في ذهابه‏ (4) # كأنّ نسرا ما توكّلنا به

يعفو على ما جرّ من ثيابه # إلاّ الذي أثّر من هدّابه

ترى سوام الوحش يحتوى به # يرحن أسرى ظفره و نابه‏ (5)

[7]و قال في ثعلب كان قد أفلت منه مرارا: [من الرجز]

قد طالما أفلتّ يا ثعالا # و طالما و طالما و طالا (6)

جلت بكلبي يومك الأجوالا # ماطلت من لا يسأم المطالا (7)

حتّى إذا اليوم حدا الآصالا # أتاك حين يقدم الآجالا (8)

[8]و قال أبو نواس أيضا: [من الرجز]

يا ربّ بيت بفضاء سبسب # بعيد بين السّمك و المطنّب‏ (9)

لفتية قد بكّروا بأكلب # قد أدّبوها أحسن التأدب‏

____________

(1) يغلو: يزداد و يرتفع. اغلولى: ارتفع.

(2) ميعة الشباب: أوله.

(3) الشجاع: الذكر من الحيات. القناب: غطاء الظفر.

(4) يثرد: يمزق و يشق.

(5) سقط البيت من ديوانه، و هو في كتاب الأنوار 2/115.

(6) ديوان أبي نواس 634.

(7) المطال: المراوغة.

(8) الحين: الهلاك.

(9) ديوان أبي نواس 634. السبسب: الأرض المستوية البعيدة. السّمك: السقف. المطنب: موضع الطنب، و هو حبل يشد به سرادق البيت.

278

من كل أدفى ميسان المنكب # يشبّ في القود شباب المقرب‏ (1)

ينشط أذنيه بجدّ المخلب # فما تني و شيقة من أرنب‏ (2)

و جلدة مسلوبة من ثعلب # مقلوبة الفروة أو لم تقلب

و عير عانات و أمّ التّولب # و مرجل يهدر هدر المصعب‏ (3)

يقذف جالاه بجوز القرهب‏ (4)

282-[ما يستدلّ به على فراهية الكلاب و شياتها و سياستها]

قال بعض من خبر ذلك‏ (5) : إنّ طول ما بين يدي الكلب و رجليه-بعد أن يكون قصير الظهر-من علامة السّرعة.

قال‏ (6) : و يصفونه بأن يكون صغير الرأس، طويل العنق غليظها، و أن يشبه بعض خلقه بعضا، و أن يكون أغضف الأذنين مفرط الغضب، و يكون بعيد ما بينهما، و يكون أزرق العينين، طويل المقلتين، ناتئ الحدقة، طويل الخطم، واسع الشّدقين، ناتئ الجبهة عريضها، و أن يكون الشّعر الذي تحت حنكه كأنّه طاقة و يكون غليظا، و كذلك شعر خدّيه، و يكون قصير اليدين، طويل الرجلين، لأنه إذا كان كذلك كان أسرع في الصعود بمنزلة الأرنب.

قالوا: و لا يكاد يلحق الأرنب في الصّعود، إلاّ كلّ كلب قصير اليدين، طويل الرّجلين.

و ينبغي أن يكون طويل الصدر غليظا، و يكون ما يلي الأرض من صدره عريضا، و أن يكون غليظ العضدين، مستقيم اليدين، مضموم الأصابع بعضها إلى بعض، إذا مشى أو عدا، و هو أجدر الاّ يصير بينها من الطّين و غير ذلك ما يفسدها، و يكون ذكيّ الفؤاد نشيطا، و يكون عريض الظّهر، عريض ما بين مفاصل عظامه، عريض ما بين عظمي أصل الفخذين اللذين يصيبان أصل الذنب، و طويل الفخذين

____________

(1) الأدفى: المعوج الخطم. الميسان: التبختر. المقرب: الكريم من الخيل.

(2) ينشط: يجذب. الوشيقة: لحم يقدد حتى ييبس.

(3) العير: الحمار الوحشي. العانات: جماعات الحمر الوحشية. أم التولب: الأتان، و هي أنثى الحمار.

المرجل: القدر يطبخ فيها. المصعب: الفحل من الإبل.

(4) القرهب: الكبير الضخم.

(5) عيون الأخبار 2/81.

(6) عيون الأخبار 2/80.

279

غليظهما شديد لحمهما، و يكون رزين المحزم‏ (1) ، رقيق الوسط طويل الجلدة التي بين أصل الفخذين و الصدر، و مستقيم الرجلين، و يكون في ركبته انحناء و يصير قصير الساقين دقيقهما، كأنّهما خشبة من صلابتهما. و ليس يكره أن تكون الإناث طوال الأذناب، و يكره ذلك للذكور. و لين شعرهما يدلّ على القوة.

و قد يرغب ذلك في جميع الجوارح من الطير و ذوات الأربع، من لين الرّيش لذوات الريش.

و لين الشّعر لذوات الشعر من عتاق الخيل علامة صالحة.

قال: و ينبغي أن يكون الكلب شديد المنازعة للمقود و السّلسلة، و أن يكون العظم الذي يلي الجنبين من عظام الجنبين صغيرا في قدر ثلاث أصابع.

و زعم أنّهم يقولون: إنّ السّود منها أقلّها صبرا على البرد و الحر، و إنّ البيض أفره إذا كنّ سود العيون.

قال‏ (2) : و من علامة الفره التي ليس بعدها شي‏ء، أن يكون على ساقيه أو على إحداهما أو على رأس الذنب مخلب، و ينبغي أن يقطع من السّاقين، لئلا يمنعه من العدو.

283-[خير طعام للكلب‏]

و ذكر أنّ خير الأشياء التي تطعمها للكلب الخبز الذي قد يبس، و يكون الماء الذي يسقاه يصبّ عليه شي‏ء من زيت، فإنّ ذلك كالقتّ‏ (3) المحض للخيل، و يشتدّ عليه عدوه.

و قال: خير الطعام في اسمان الكلاب رأس مطبوخ، و أكارع بشعرها، من غير أن تطعم من عظامها شيئا، و السّمن إذا طعم منه قدر ثلاث سكرّجات‏ (4) مرّتين أو ثلاث مرات فإنّ ذلك مما يسمّنه، و يقال إنّه يعيد الهرم شابّا (5) ، حتّى يكون ذلك في الصّيد و في المنظر، و العظم و الثّريد من أردأ ما تأكله للعدو.

____________

(1) المحزم: موضع الحزام من الدابة. الرزين: الثقيل.

(2) عيون الأخبار 2/81.

(3) القت: الفصفصة، و هو نبات يسمى البرسيم.

(4) سكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشي‏ء القليل من الأدم، و هي كلمة فارسية.

(5) عيون الأخبار 2/81.

280

284-[من علاج الكلب‏]

و ممّا يكون غذاء و من خير شي‏ء يداوى به الكلب من وجع البطن و الديدان، أن يطعم قطعة ألية و صوف شاة معجونا بسمن البقر، فإنّه يلقي كلّ دود و قذر في بطنه.

و خير ما يعالج به الحفا (1) أن يدهن استه ثلاثة أيام. و يجمّ فيها و لا يستعمل، أو يمسح على يديه و رجليه القطران.

و ذكر عن خزيمة بن طرخان الأسديّ، من أهل همذان، أنّه قال: ليس من علاج الكلب خير من أن يحقن.

و قال: يقال كدي الجرو يكدى كدى و هو داء يأخذ الجراء خاصّة، يصيبها منه قي‏ء و سعال، حتّى تكوى بين عينيها، و يقال أكدى الرجل إكداء: إذا لم يظفر بحاجته. و الكدية من الأرض: ارتفاع في صلابة. و يقال في الماء: حفر فأكدى.

و زعم صاحب المنطق أنّ الكلاب إذا كان في أجوافها دود، أكلت سنبل القمح فتبرأ.

و زعم أنّ الكلاب تمرض فتأتي حشيشة تعرفها بعينها، فتأكل منها فتبرأ.

285-[عداوة بعض الحيوان لبعض‏]

و زعم صاحب المنطق أنّ العقاب تأكل الحيّات، و أنّ بينهما عداوة؛ لأنّ الحيّة أيضا تطلب بيضها و فراخها.

قال: و الغداف يقاتل البومة، لأنّ الغداف يخطف بيض البومة نهارا. و تشدّ البومة على بيض الغداف ليلا فتأكله؛ لأنّ البومة ذليلة بالنهار رديّة النظر، و إذا كان اللّيل لم يقو عليها شي‏ء من الطير. و الطير كلّها تعرف البومة بذلك و صنيعها بالليل، فهي تطير حول البومة و تضربها و تنتف ريشها. و من أجل ذلك صار الصيّادون ينصبونها للطير.

و الغداف يقاتل ابن عرس؛ لأنه يأكل بيضه و فراخه.

قال: و بين الحدأة و الغداف قتال؛ لأنّ الحدأة تخطف بيض الغداف؛ لأنّها أشدّ مخالب و أسرع طيرانا.

____________

(1) الحفا: رقة القدم. و انظر عيون الأخبار 2/81.

281

و بين الأطرغلّة (1) و الشّقراق‏ (2) قتال؛ لأنّه يقتل الأطرغلّة و يطالبها.

و بين العنكبوت و العظاية (3) عداوة، و العظاية تأكل العنكبوت.

و عصفور الشّوك يعبث بالحمار، و عبثه ذلك قتّال له؛ لان الحمار إذا مرّ بالشوك و كانت به دبرة (4) أو جرب تحكّك به، و لذلك متى نهق الحمار سقط بيض عصفور الشوك، و جعلت فراخه تخرج من عشّها. و لهذه العلّة يطير العصفور وراء الحمار و ينقر رأسه.

و الذئب مخالف للثّور و الحمار و الثعلب جميعا، لأنّه يأكل اللحم النّي‏ء و لذلك يقع على البقر و الحمير و الثعالب.

و بين الثعالب و الزّرّق‏ (5) خلاف لهذه العلّة؛ لأنّهما جميعا يأكلان اللحم.

و الغراب يخالف الثّور؛ و يخالف الحمار جميعا، و يطير حولهما، و ربّما نقر عيونهما. و قال الشاعر: [من الرجز]

عاديتنا لا زلت في تباب # عداوة الحمار للغراب‏

و لا أعرف هذا من قول صاحب المنطق؛ لأنّ الثعلب لا يجوز أن يعادي من بين أحرار الطّير و جوارحها الزّرّق وحده، و غير الزّرّق آكل اللّحم. و إن كان سبب عداوته له اجتماعهما على أكل اللّحم، فليبغض العقاب من الطير، و الذئب من ذوات الأربع؛ فإنّها آكل للّحم. و الثّعلب إلى أن يحسد ما هو كذلك أقرب، و أولى فى القياس، فلو زعم أنّه يعمّ أكلة اللّحم بالعداوة، حتّى يعطى الزّرّق من ذلك نصيبه، كان ذلك أجوز. و لعلّ المترجم قد أساء في الإخبار عنه.

قال: و الحيّة تقاتل الخنزير، و تقاتل ابن عرس، و إنّما تقاتل ابن عرس إذ كان مأواهما في بيت واحد، و تقاتل الخنزير لأنّ الخنزير يأكل الحيّات. و يزعمون أنّ الذي يأكل الحيّات القنافذ، و الأوعال، و الخنازير، و العقبان.

____________

(1) الأطرغلة: اسم يقع على القمرية، و الفاختة المطوقة.

(2) الشقراق: طائر صغير يسمى الأخيل، و العرب تتشاءم به. حياة الحيوان 1/605، و أدب الكاتب 212.

(3) في حياة الحيوان 2/32 (هي دويبة ملساء تعدو و تتردد كثيرا؛ تشبه سام أبرص، و تسمى شحمة الأرض؛ و شحمة الرمل) .

(4) الدبرة: قرحة البعير.

(5) الزرق: طائر بين البازي و الباشق يصاد به.

282

قال: فالحيّة تعرف هذا من الخنزير، فهي تطالبه.

قال: و الغراب مصادق للثّعلب، و الثعلب مصادق للحيّة، و الأسد و النمر مختلفان.

قال: و بين الفيلة اختلاف شديد، و كذلك ذكورها و إناثها، و هي تستعمل الأنياب إذا قاتل بعضها بعضا، و تعتمد بها على الحيطان فتهدمها، و تزحم النّخلة بجنبها فتصرعها.

و إذا صعب من ذكورتها شي‏ء احتالوا له حتّى يكومه‏ (1) ذكر آخر، فإذا كامه خضع أبدا. و إذا اشتدّ خلقه و صعب عصبوا رجليه فسكن.

و يقال إنّ البعير إذا صعب و خافه القوم، استعانوا عليه فأبر كوه و عقلوه حتّى يكومه فحل آخر، فإذا فعل ذلك به ذلّ! و أمّا أصحابنا فحكوا وجوه العداوة الّتي بين الفيل و السّنّور-و هذا أعجب- و ذهبوا إلى فزع الفيل من السّنّور، و لم يروه يفزع ممّا هو أشدّ و أضخم. و هذا الباب على خلاف الأوّل، كأنّ أكثر ذلك الباب بني على عداوة الأكفاء.

و الشاة من الذئب أشدّ فرقا منها من الأسد، و إن كانت تعلم أنّ الأسد يأكلها.

و كذلك الحمام يعتريه من الشّاهين ما لا يعتريه من العقاب و البازي و الصقر.

و كذلك الفأرة من السّنّور (2) ، و قد يأكلها ابن عرس. و أكثر ذلك أن يقتلها و لا يأكلها. و هي من السّنّور أشدّ فرقا.

و الدّجاجة تأكلها أصناف من السباع، و الثعلب يطالبها مطالبة شديدة، و لو أنّ دجاجا على رفّ مرتفع، أو كنّ على أغصان شجرة شاهقة، ثمّ مرّ تحتها كلّ صنف ممّا يأكلها، فإنّها تكون مستمسكة بها معتصمة بالأغصان التي هي عليها. فإذا مرّ تحتها ابن آوى و هنّ ألف، لم تبق واحدة منهنّ إلاّ رمت بنفسها إليه.

286-[ما يأباه بعض الحيوان من الطعام‏]

و السبع لا يأكل الحارّ، و السّنّور لا يذوق الحموضة، و يجزع من الطّعام الحارّ.

و اللّه تعالى أعلم.

____________

(1) كام الفرس أنثاه يكومها: إذا نزا عليها.

(2) ربيع الأبرار 5/435.

283

287-[رجع القول إلى مفاخر الكلب‏]

ثمّ رجع بنا القول إلى مفاخر الكلب، و نبدأ بكلّ ما أشبه فيه الكلب الأسود و الإنسان؛ و بشي‏ء من صفات العظال.

قال صاحب المنطق (في كتابه الذي يقال له الحيوان، في موضع ذكر فيه الأسد) قال: إذا ضرب الأسد بمخالبه، رأيت موضع آثار مخالبه في أقدار شرط الحجّام أو أزيد قليلا، إلاّ أنّه من داخل أوسع خرزا، كأنّ الجلد ينضمّ على سم مخالبه، فيأكل ما هنالك. فأمّا عضّته فإنّ دواءها دواء عضّة الكلب.

قال: و ممّا أشبه فيه الكلب الأسد انطباق أسنانه. و ممّا أشبه فيه الكلب الأسد النّهم، فإنّ الأسد يأكل أكلا شديدا، و يمضغ مضغا متداركا، و يبتلع البضع‏ (1)

الكبار، من حاقّ الرغبة (2) و من الحرص، و كالذي يخاف الفوت. و لما نازع السّنّور من شبهه صار إذا ألقيت له قطعة لحم فإمّا أن يحملها أو يأكلها حيث لا تراه؛ و إمّا أن يأكلها و هو يكثر التلفّت، و إن لم يكن بحضرته سنّور ينازعه، و الكلب يعضّ على العظم ليرضّه، فإن مانعه شي‏ء و كان مما يسيغه، ابتلعه و هو واثق بأنّه يستمريه و يسيغه.

و النّهم يعرض للحيّات، و الحيّة لا تمضغ، و إنما تبتلع ذوات الرّاسات‏ (3) ، و هي غير ذوات الأنياب، فإنّها تمضغ المضغة و المضغتين و إن ابتلعت شيئا فيه عظم أتت عودا شاخصا فالتوت عليه، فحطمت العظم، و الحيّة قويّة جدا.

قال: و الأسد و إن كان ممّا لا يفارق الغياض و لا يفارق الماء فإنّه قليل الشرب للماء، و ليس يلقى رجعه إلاّ مرة في اليوم، و ربّما كان في اليومين و الثلاثة. و رجعه يابس شديد اليبس متعلّق، شبيه برجيع الكلب. و يشبهه أيضا من جهة أخرى و ذلك أنّهما جميعا إذا بالا شغرا (4) .

و الكلب من أسماء الأسد، لقرابة ما بينه و بين الكلب.

و الكلب يشبه الخنزير، فإنّ الخنزير يسمن في أسبوع، و إن جاع أيّاما ثم شبع شبعة تبيّن ذلك تبيّنا ظاهرا. أ لا تراه ينزع إلى محاسن الحيوان، و يشبه أشراف السباع و كرائم البهائم؟!

____________

(1) البضع: جمع بضعة، و هي القطعة من اللحم.

(2) حاق الرغبة: شدتها.

(3) الراسات: جمع رأس، و هو جمع غريب أتى به الجاحظ.

(4) شغر: رفع إحدى رجليه.

284

288-[عظال الكلاب‏]

و يقال: ليس في الأرض فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلاّ الإنسان و الكلب. و ليس في الأرض شيئان يتشابكان من فرط إرادة كلّ واحد منهما لطباع صاحبه، حتى يلتحم عضو الذكر بعضو الأنثى حتّى يصير التحامهما التحام الخلقة و البنية، لا كالتحام الملامسة و الملازمة، إلاّ كما يوجد من التحام قضيب الكلب بثفر الكلبة و قد يلزق القراد، و يغمس العلس‏ (1) مقاديمه في جوف اللحم، حتّى يرى صاحب القراد كأنّه صاحب ثؤلول‏ (2) . و ما القراد المضروب به المثل في الالتحام إلاّ دون التحام الكلبين. و لذلك إذا ضربوا المثل للمتباضعين بالسّيوف، و الملتقيين للصّراع، فالتفّ بعضهم ببعض، قالوا: «كأنهم الكلاب المتعاظلة» (3) . و ليس هذا النّوع من السّفاد إلاّ للكلاب و زعم صاحب المنطق و غيره، أنّ الذّباب في ذلك كالكلب.

289-[إسماعيل بن غزوان و جارية مويس بن عمران‏]

و كان إسماعيل بن غزوان قد تعشّق جارية كانت لمويس بن عمران، و كانت إذا وقعت وقعة إليه لم تمكث عنده إلاّ بقدر ما يقع عليها، فإذا فرغ لبست خفّها و طارت، و كان إسماعيل يشتهي المعاودة و أن يطيل الحديث، و يريد القرص و الشمّ و التقبيل و التجريد، و يعلم أنّه في الكوم الثاني و الثالث أجدر أن ينظر، و أجدر أن يشتفي فكان ربّما ضجر و يذكرها بقلبه و هو في المجلس، فيقول: يا ربّ امسخني و إيّاها كلبين ساعة من الليل أو النّهار، حتّى يشغلها الالتحام عن التفكير في غضب مولاتها إن احتبست!!

290-[أعجوبة في الكلبة]

و في الكلبة أعجوبة أخرى‏ (4) : و ذلك أنّه يسفدها كلب أبقع و كلب أسود و كلب أبيض و كلب أصفر، فتؤدّي إلى كلّ سافد شكله و شبهه، في أكثر ما يكون ذلك.

____________

(1) العلس: القراد الضخمة.

(2) الثؤلول: بثر صغير مستدير.

(3) من أيام العرب «يوم العظالى» ، سمي بذلك لركوب الناس فيه بعضهم بعضا. معجم البلدان (عظالى) ، و مجمع الأمثال 2/435.

(4) عيون الأخبار 2/81.

285

291-[تأويل الظالع في شعر الحطيئة]

و أما تأويل الظالع في قول الحطيئة: [من الطويل‏]

تسدّيتها من بعد ما نام ظالع الـ # كلاب و أخبى ناره كلّ موقد (1)

قال الأصمعيّ: يظلع الكلب لبعض ما يعرض للكلاب، فلا يمنعه ذلك من أن يهيج في زمن هيج الكلاب، فإذا رأى الكلبة المستحرمة لم يطمع في معاظلتها و الكلاب منتبهة تنبح، فلا يزال ينتظر وقت فترة الكلاب و نومها، و ذلك من آخر الليل.

و قال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح‏]

يا ليتني ليلة إذا هجع الـ # نّاس و نام الكلاب صاحبها (2)

292-[طرديات أخرى لأبي نواس‏]

[1]و ممّا قيل في الكلاب: [من الرّجز] (3) :

و فتية من آل ذهل في الذرى # من الرقاشيّين في أعلى العلا (4)

بيض بهاليل كرام المنتمى # باتوا يسيرون إلى صوح اللوى‏ (5)

ينفون عن أعينهم طيب الكرى # إلاّ غشاشا بعد ما طال السّرى‏ (6)

يعدين إبلاء الفتى على الفتى # حتى إذا ما كوكب الصّبح بدا

ماجوا بغضف كاليعاسيب خسا # ثلاثة يقطعن حزّان الصّوى‏ (7)

____________

(1) ديوان الحطيئة 74، و اللسان و التاج (ظلع) ، و المستقصى 1/129، و مجمع الأمثال 1/26، و البرصان 193.

(2) البيت في الأغاني 15/36، و الحماسة البصرية 2/187.

(3) يتضح من كلام الجاحظ أن هذه الطردية لأبي نواس، إذ يقول الجاحظ في الطردية التالية «و قال أيضا» ، إلاّ أن الطردية هذه ليست في ديوانه؟.

(4) في الأغاني 23/155: «قال أبو عبيدة: بنو رقاش ثلاثة نفر ينسبون إلى أمهم، و اسمها رقاش، و هم: مالك، و زيد مناة، و عامر، بنو شيبان بن ذهل بن ثعلبة.. » و انظر جمهرة أنساب العرب 317، و الاشتقاق 350.

(5) بهاليل: جمع: بهلول، و هو السيد الجامع لكل خير. صوح: جمع صاحة، و هي أرض لا تنبت شيئا أبدا. اللوى: ما التوى من الرمل.

(6) الغشاش: النوم القليل. السّرى: السير ليلا.

(7) غضف: جمع أغضف، و هو الكلب المنكسر أعلى أذنيه إلى خلفه. اليعاسيب: جمع يعسوب، و هو أمير النحل. خسا: أي فردا، يقال: خسا أو زكا: أي فرد أو زوج. حزّان: جمع حزيز، و هو الأرض الغليظة. الصوى: الأرض الغليظة المرتفعة.

286

رحيبة الأشداق غضف في دفا # تلوي بأذناب قليلات اللّحا (1)

سمعمعات الضّمر من طول الطّوى # من كلّ مضبور القرا عاري النّسا (2)

محملج المتنين منحوض الشّوى # شرنبث البرثن خفّاق الحشا (3)

تخال منه القصّ من غير جنا # مسنّتا صفواء في حيدي صفا (4)

يلتهب الغائط منه إن عدا # يقادح المرو و شذّان الحصا (5)

حتّى إذا استسحر في رأد الضّحى # بمربإ أوفى به على الرّبا (6)

أرانبا من دونها سربا ظبا # نواشزا من أنس إلى خلا (7)

فوضى يدعثرن أفاحيص القطا # لعلعن و استلهثن من غير ظما (8)

مبالغات في نهيم و صأى # كأنّما أعينها جمر الغضى‏ (9)

ثمّ تطلّعن معا كالبرق لا # في الأرض يهوين و لا لوح الهوا (10)

كأنّها في شرطها لما انبرى # كواكب يرمى الشّياطين بها

يذمرن بالإيساد ذمرا وأيا # حتى إذا ما كنّ منهنّ كها (11)

دارت عليهنّ من الموت رحى # تجذبهنّ بحديدات الشّبا (12)

شوامذ يلعطن معبوط الدّما # بين خليع الزّور مرضوض الصّلا (13)

____________

(1) الدفا: إقبال إحدى الأذنين على الأخرى. ألوت بأذنابها: حركتها. اللحا: ما يحيط بعظم الذنب من اللحم.

(2) السمعمع: الخفيف اللحم. الطوى: الجوع. المضبور: المكتنز لحما. القرا: الظّهر. النّساء: عرق يستبطن الفخذين.

(3) الشرنبث: الغليظ. البرثن: الكف مع أصابعها. خفّاق الحشا: ضامر البطن.

(4) القصّ: الصدر أو عظمه. الجنأ: انكباب الصدر إلى الظهر. الصفواء: الملساء. الحيد: ما شخص من الجبل. الصفا: الحجارة الملساء.

(5) الغائط: الواسع المطمئن من الأرض. المرو: حجارة بيض توري النار. شذان الحصا: ما تطاير منه.

(6) رأد الضحى: الوقت بعد انبساط الشمس.

(7) نشز من المكان: خرج منه. الأنس: الجماعة الكثيرة. الخلا: الخلاء.

(8) دعثر: هدم و فسد. أفاحيص: جمع أفحوصة، و هي مجثم القطاة تضع فيه بيضها.

(9) النهيم: الصوت، صأى: صاح. الغضى: شجر ينبت بالرمل دائم الخضرة، و هو معروف ببطء انطفاء جمره.

(10) اللوح: الهواء بين السماء و الأرض.

(11) ذمر: حضّ، الإيساد: إغراء الكلب بالصيد. كها: معناها: مثلها.

(12) الشبا: جمع شباة، و هو الحدّ و الطرف.

(13) شوامذ: شمذت الناقة: لقحت فشالت ذنبها لتري اللقاح. لعط: لحس. الدم المعبوط: الطري.

الزور: وسط الصدر. الصلا: مكتنفا الذنب.

287

و بين مفريّ النّياط قد شصا # كأنّه مبتهل إذا دعا (1)

و مائل الفودين مجلوز القفا # يقفين بالأكباد منها و الكلى‏ (2)

و بالقلوب و كراديس الطّلى‏ (3)

[2]و قال أيضا (4) : [من الرجز]

لمّا تبدّى الصّبح من حجابه # و انعدل الليل إلى مآبه

خرّطه القانص و اغتدى به # في مقود يردع من جذابه‏ (5)

يعزّه طورا على استصعابه # و تارة ينصبّ لانصبابه

كأنّما يفترّ من أنيابه # عن مرهفات السّنّ من حرابه‏ (6)

يرثم أنف الأرض في ذهابه # حتّى إذا أشرف من حدابه‏ (7)

بعد انحدار الطّرف و انقلابه # بروضة القاع إلى أعجابه‏ (8)

أرسله كالسّهم إذ غالى به # يكاد أن ينسلّ من إهابه‏ (9)

كلمعان البرق في سحابه # حتّى إذا ما كاد أو حدا به

و انصات للصّوت الذي يدعى به # كأنّما أدمج في خضابه‏ (10)

ما بين لحييه إلى أقرابه # مشهّر الغدوّ في إيابه‏ (11)

[3]و قال أيضا (12) : [من الرجز]

ما البرق في ذي عارض لمّاح # و لا انقضاض الكوكب المنصاح‏ (13)

____________

(1) مفري: مشقوق. النياط: القلب. شصا: ارتفعت يداه و رجلاه.

(2) الفوادن: جانبا الرأس. المجلوز: المطوي أو المنزوع.

(3) الكردوس: كل عظمين التقيا في مفصل. الطلى: جمع طلية؛ و هي العنق.

(4) ديوان أبي نواس 361.

(5) خرطه: أرسله.

(6) المرهف: السيف القاطع.

(7) رثم أنفه: كسره. و يريد أن الكلب يقشر وجه الأرض من شدة عدوه. الحداب: جمع حدب، و هو ما ارتفع و غلظ من الأرض.

(8) روضة القاع: الموضع الذي يجتمع إليه الماء فيكثر نبته. أعجاب القاع: نهاياته.

(9) غالى بالسهم: رمى به أبعد ما يمكن. ينسل: يخرج. الإهاب: الجلد.

(10) انصات: أجاب.

(11) الأقراب: الخواصر. المشهر: المعروف.

(12) ديوان أبي نواس 637، و كتاب الأنوار 2/117-118.

(13) العارض: السحاب الذي يعترض الأفق. انصاح: استنار.

288

و لا انبتات الدّلو بالمتّاح # و لا انسياب الحوت بالمنداح‏ (1)

حين دنا من راحة السّبّاح # أجدّ في السّرعة من سرياح‏ (2)

يكاد عند ثمل المراح # إذا سما الخاتل للأشباح‏ (3)

يطير في الجوّ بلا جناح # يفترّ عن مثل شبا الرّماح‏ (4)

فكم و كم ذي جدّة لياح # و نازب أعفر ذي طماح‏ (5)

غادره مضرّج الصّفاح‏

____________

(1) انبتات الدلو: انقطاع حبلها. المتاح: الذي ينتزع الدلو. المنداح: البحر الواسع. و رواية الديوان «و لا انبتات الحوأب بالمنداح» . و الحوأب المنداح: الدلو الواسع.

(2) في ديوانه «المشاح» مكان «السباح» . سرياح: اسم كلب.

(3) الثمل: نشوة السكر. المراح: النشاط. الخاتل: الخادع. و في ديوانه «سما الخايل» مكان «سما الخاتل» .

(4) شبا الرماح: أطرافها.

(5) الجدة: الخطة السوداء في متن الحمار. اللياح: الأبيض. النازب: الظبي. الطماح: الجماح.

289

باب آخر في الكلب و شأنه‏

293-[تفسير شعر قيل في الكلاب‏]

قال طفيل الغنويّ: [من الطويل‏]

أناس إذا ما أنكر الكلب أهله # حموا جارهم من كلّ شنعاء مظلع‏ (1)

يقول: إذا تكفّروا في السّلاح لم تعرفهم كلابهم.

و لم يدّع جميع أصحاب المعارف إلاّ أنّ الكلب أشدّ ثباتا، و أصدق حسّا. و في ذلك يقول الآخر: [من الطويل‏]

فلا ترفعي صوتا و كوني قصيّة # إذا ثوّب الدّاعي و أنكرني كلبي‏ (2)

يقول: إيّاك و الصّراخ إذا عاينت الجيش.

و قوله: «أنكرني كلبي» ، يخبر أنّ سلاحه تامّ من الدّرع و المغفر و البيضة (3) .

فإذا تكفّر (4) بسلاحه أنكره كلبه فنبحه.

و أما قوله: [من المتقارب‏]

إذا خرس الفحل وسط الحجور # و صاح الكلاب و عقّ الولد (5)

فأمّا قوله: إذا خرس الفحل، فإنّ الفحل‏[الحصان‏] (6) إذا عاين الجيش و بوارق السيوف، لم يلتفت لفت الحجور.

و أمّا قوله‏ (7) : و صاح الكلاب. فإنّ الكلاب في تلك الحالة تنبح أربابها كما تنبح سرعان الخيل إليهم؛ لأنّها لا تعرفهم من عدوّهم.

____________

(1) ديوان طفيل الغنوي 53، و أمالي القالي 1/55، و سمط اللآلي 754، الشنعاء: الداهية المشهورة.

(2) قصية: بعيدة. الداعي: الذي يدعو إلى القتال. ثوب: دعا مرة بعد مرة.

(3) المغفر: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع به المتسلح. البيضة: غطاء من حديد للرأس.

(4) تكفر: استتر.

(5) البيت بلا نسبة في أساس البلاغة و التاج (حجر) .

(6) إضافة من أساس البلاغة (حجر) .

(7) في أساس البلاغة نقلا عن الجاحظ: «و نبحت الكلاب أربابها لتغير هيئاتهم، و عفت الأمهات أولادهن، و شغلهن الرعب عنهم» .

290

و أما قوله: و عقّ الولد، فإنّ المرأة إذا صبّحتهم الخيل، و نادى الرجال يا صباحاه! ذهلت عن ولدها، و شغلها الرّعب عن كلّ شي‏ء (1) . فجعل تركها احتمال ولدها و العطف عليه في تلك الحالة، عقوقا منها، و هو قولهم: نزلت بهم أمور لا ينادى وليدها (2) ، و إنّما استعاروا هذه الكلمة فصيّروها في هذا الموضع من هذا المكان.

و قد ذكر ذلك مزرّد بن ضرار و غيره، فقال: [من الطويل‏]

تبرّأت من شتم الرجال بتوبة # إلى اللّه مني لا ينادى وليدها (3)

و قال الآخر: [من الطويل‏]

ظهرتم على الأحرار من بعد ذلّة # و شقوة عيش لا ينادى وليدها

و الذي يخرسه إفراط البرد، و إلحاح المطر، كما قال الهذليّ: [من البسيط]

و ليلة يصطلي بالفرث جازرها # يختص بالنّقرى المثرين داعيها (4)

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة # من الصّقيع، و لا تسري أفاعيها

و قال ابن هرمة: [من الخفيف‏]

و اسأل الجار و المعصّب و الأضيا # ف وهنا إذا تحيّوا لديّا (5)

كيف يلقونني إذا نبح الكلـ # ب وراء الكسور نبحا خفيّا

و قال آخر: [من المتقارب‏]

إذا عمي الكلب في ديمة # و أخرسه اللّه من غير صرّ (6)

____________

(1) انظر الحاشية السابقة.

(2) في مجمع الأمثال 2/390 «هم في أمر لا ينادى وليده» ، و في فصل المقال 471، و أمثال ابن سلام 342 «القوم في أمر لا ينادى وليده» ، و انظر الفاخر 280، و المستقصي 2/361، و جمهرة الأمثال 2/376، 407. و في المثل عدة أقوال منها: أن الصبيان إذا رأوا شيئا عجيبا تحشدوا له، مثل القراد و الحاوي، فلا ينادون؛ و لكن يتركون يفرحون، و قيل: معناه أمر عظيم لا ينادى فيه الصغار، و إنما يدعى فيه الكهول و الكبار...

(3) ديوان مزرد بن ضرار 57، و اللسان و التاج (ولد) ، و تهذيب اللغة 14/176، و بلا نسبة في مجمع الامثال 2/390.

(4) البيتان لجنوب أفت عمر و ذي الكلب في ديوان الهذليين 3/126، و شرح أشعار الهذليين 582، و المعاني الكبير 415، 1249، و مجموعة المعاني 190، و لريطة أخت عمرو في نوادر المخطوطات 2/242، و لأبي ذؤيب الهذلي في الحماسة البصرية 2/352، و لبعض هذيل في أمالي المرتضى 1/354، و البخلاء 215، و لعمرو بن الأهتم في ديوانه 101، و الحماسة الشجرية 188-190، و لهبيرة بن أبي وهب في السيرة لابن هشام.

(5) ديوان ابن هرمة 227.

(6) الديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد و برق. الصر: البرد الشديد.

291

يقول: الكلب و إن أخرسه البرد الذى يكون مع المطر و الرّيح التي تمرّ بالصّحارى المطيرة فتبرد، فإنّ الكلب و إن ناله ذلك فإنّ ذلك من خصب، و ليس ذلك من صرّ.

294-[سبب نبح الكلاب السحاب‏]

و الكلب إذا ألحّت عليه السحائب بالأمطار في أيام الشتاء لقي جنّة فمتى أبصر غيما نبحه‏ (1) ، لأنّه قد عرف ما يلقّى من مثله، و في المثل: «لا يضرّ السّحاب نباح الكلاب» (2) فقال الشاعر: [من الطويل‏]

و ما لي لا أغزو و للدّهر كرّة # و قد نبحت نحو السماء كلابها

يقول: قد كنت أدع الغزو مخافة العطش على الخيل و الأنفس، فما عذري اليوم و الغدران كثيرة، و مناقع المياه موفورة.

و الكلاب لا تنبح السحاب إلاّ من إلحاح المطر و ترادفه‏ (3) .

و قال الأفوه الأوديّ، في نبح الكلاب السحاب، و ذلك من وصف الغيم: [من الطويل‏]

له هيدب دان و رعد و لجّة # و برق تراه ساطعا يتبلّج‏ (4)

فباتت كلاب الحيّ ينبحن مزنه # و أضحت بنات الماء فيها تعمّج‏ (5)

295-[قول أبي حيّة النميري في الكلب‏]

و قال أبو خالد النميريّ: و ذكروا فرعون ذا الأوتاد عند أبي حيّة النميريّ، فقال أبو حيّة: الكلب خير منه و أحزم!قال: فقيل له كيف خصصت الكلب بذلك؟قال:

لأنّ الشاعر يقول: [من الطويل‏]

و ما لي لا أغزو و للدّهر كرّة # و قد نبحت نحو السماء كلابها

و قال الفرزدق: [من الطويل‏]

فإنّك إن تهجو حنيفة سادرا # و قبلك قد فاتوا يد المتناول‏ (6)

____________

(1) الجنة: الجنون.

(2) المثل في مجمع الأمثال 2/215، و المستقصى 2/272، يضرب لمن ينال من إنسان بما لا يضره.

(3) من الأمثال قولهم «أهون من النباح على السحاب» و المثل في مجمع الأمثال 2/408، و المستقصى 1/445، و جمهرة الأمثال 2/353، 373، و الدرة الفاخرة 2/429، 432.

(4) البيتان في ديوانه 9. الهيدب: السحاب المتدلي. اللجة: الجلبة.

(5) بنات الماء: السمك. تعمج: تسبح في الماء.

(6) لم يرد البيتان في ديوان الفرزدق.

292

كفرعون إذ يرمي السّماء بسهمه # فردّ عليه السهم أفوق ناصلي‏ (1)

فهذا يرمي السماء بجهله، و هذا ينبح السحاب من جودة فطنته.

296-[تعصّب فهد الأحزم للكلب‏]

و زعم فهد الأحزم أنّ الكلب إنّما عرف مخرج ذلك الشي‏ء المؤذي له حتّى نبحه بالقياس، لأنّه إنما نبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة. و كان فهد يتعصّب للكلب. فقلت له: و كذلك الحمار إذا رفعت عليه السّوط مرّ من تحتك مرّا حثيثا، فالقياس علّمه أنّ السّوط متى رفع حطّ، و متى حطّ أصابه، و متى أصابه ألم.

فما فضل الكلب في هذا الموضع على الحمار، و الحمار هو الموصوف بالجهل؟!

297-[مما قيل في نباح الكلاب‏]

قال الفرزدق: [من الطويل‏]

و قد نبح الكلب السحاب و دونها # مهامه تعشي نظرة المتأمّل‏ (2)

و قال الآخر: [من الرجز]

ما لك لا تنبح يا كلب الدّوم # قد كنت نبّاحا فما بال اليوم‏ (3)

قال: كان هذا رجل ينتظر عيرا له تقدم، فكان إذا جاءت العير نبح، فاحتبست عليه العير، فقال كالمتمنّي و كالمنتظر المستبطئ: ما لك لا تنبح؟أي ما للعير لا تأتي.

298-[فراسة إياس بن معاوية]

و قال‏ (4) : خرج إياس بن معاوية، فسمع نباح كلب فقال: هذا كلب مشدود. ثم سمع نباحه فقال: قد أرسل. فانتهوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال.

فقال له غيلان أبو مروان: كيف علمت أنّه موثق و أنّه أطلق؟قال: كان نباحه و هو موثق يسمع من مكان واحد، فلما أطلق سمعته يقرب مرّة و يبعد مرة، و يتصرّف في ذلك.

و قالوا (5) : مرّ إياس بن معاوية ذات ليلة بماء، فقال: أسمع صوت كلب غريب.

____________

(1) السهم الأفوق: المكسور الفوق، و هو موضع الوتر من السهم.

(2) ديوان الفرزدق 2/177، و أساس البلاغة (فرس) .

(3) الرجز بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/343، و مجمع الأمثال 2/288.

(4) الراوي هو المدائني كما في ثمار القلوب 182، و أخبار الأذكياء 69.

(5) الخبر في ثمار القلوب (183) ، و أخبار الأذكياء 69، و بهجة المجالس 1/423، و الوافي بالوفيات 9/466.

293

قيل له: كيف عرفت ذلك؟قال: بخضوع صوته و شدّة نباح الآخر. فسألوا فإذا هو غريب مربوط و الكلاب تنبحه.

299-[استطراد لغويّ‏]

و قال بعض العلماء: كلب أبقع، و فرس أبلق، و كبش أملح‏ (1) ، و تيس أبرق، و ثور أشيه‏ (2) .

و يقال كلب و كلاب و كليب، و معز و ماعز و معيز. و قال لبيد: [من الوافر]

فبتنا حيث أمسينا قريبا # على جسداء تنبحنا الكليب‏ (3)

و قال علقمة بن عبدة: [من الطويل‏]

و تصبح عن غبّ السّرى و كأنّها # مولّعة تخشى القنيص شبوب‏ (4)

تعفّق بالأرطى لها و أرادها # رجال فبذّت نبلهم و كليب‏

و قال عبادة بن محبّر السعدي: [من الوافر]

فمن للخيل بعد أبي سراج # إذا ما أشنج الصّرّ الكليبا (5)

و هؤلاء كلهم جاهليّون.

و قال حموية الخريبي‏ (6) و أنشدوه: [من الوافر]

كأنّك بالمبارك بعد حين # تخوض غماره بقع الكلاب‏ (7)

و أنشدوه: [من البسيط]

أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد # أمسى شريدهم في الأرض فلاّلا

____________

(1) الأملح: الأبيض يخالط لونه سواد. و في فقه اللغة 75 فصل في تقسيم السواد و البياض على ما يجتمعان فيه «فرس أبلق، تيس أخرج، كبش أملح، ثور أشيه، غراب أبقع، حبل أبرق، آبنوس ملمع، سحاب نمر، أفعوان أرقش، دجاجة رقطاء» .

(2) في اللسان: وشي «الشية سواد في بياض أو بياض في سواد» .

(3) ديوان لبيد 349، و نوادر أبي زيد 68، و التنبيه و الإيضاح 2/13، و اللسان و التاج (ثأد، فرم) ، و معجم البلدان (جسداء) .

(4) ديوان علقمة 38، و المفضليات 393، و المقاصد النحوية 3/15، و نوادر أبي زيد 69.

(5) البيت في نوادر أبي زيد 69. الصر: البرد الشديد.

(6) الخريبي: نسبة إلى الخريبة، و هو موضع بالبصرة.

(7) البيت للمفرج بن المرفع أو للفرزدق في معجم البلدان 5/51 (المبارك) . و المبارك: نهر بالبصرة؛ احتفره خالد القسري، و قيل: نهر و قرية فوق واسط.

294

فقال: لا خير في بقع الكلاب البتة، و سود الكلاب أكثرها عقورا.

300-[خير الكلاب و السنانير]

و خير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى ألوان الأسد من الصّفرة و الحمرة.

و التبقيع هجنة.

و خير السنانير الخلنجيّة، و خير كلاب الصّيد البيض.

قالوا: إنّ الأسدّ للهراش الحمر و الصّفر، و السّود للذّئاب، و هي شرّها، و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لو لا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها. و لكن اقتلوا منها كلّ أسود بهيم» .

و كلّ شي‏ء من الحيوان إذا اسودّ شعره أو جلده، أو صوفه، كان أقوى لبدنه و لم تكن معرفته بالمحمودة.

301-[خير الحمام‏]

و زعم أنّ الحمام الهدّاء (1) إنما هو في الخضر و النمر (2) ، فإذا اسودّ الحمام حتّى يدخل في الاحتراق صار مثل الزّنجيّ الشديد البطش. القليل المعرفة. و الأسود لا يجي‏ء من البعد، لسود هدايته. و الأبيض و ما ضرب فيه البياض لا يجي‏ء من الغاية، لضعف قواه. و على قدر ما يعتريه من البياض يعتريه من الضّعف.

فالكلب هو الأصفر و الأحمر، و الحمام هو الأخضر و الأنمر، و السّنّور هو الخلنجيّ العسّال، و سائر الألوان عيب.

و قد يكون فيها و منها الخارجيّ‏ (3) كما يكون من الخيل، و لكنّه لا يكاد ينجب، و لا تعدو الأمور المحمودة منه رأسه، و قد يكون ربّما أشبه و قرب من النّجابة، فإذا كان كذلك كان كهذه الأمهات و الآباء المنجبة، إلاّ أنّ ذلك لا يتمّ منها إلا بعد بطون عدّة.

302-[استطراد لغوي‏]

و قال أبو زيد: قال ردّاد: أقول للرجل الّذي إذا ركب الإبل فعقر ظهورها من

____________

(1) الهداء: جمع الهادي. و في المخصص 8/170 «و هن اللائي يدربن و يرفعن من مرحل إلى مرحل حتى يجئن من البعد من بلاد الروم و عريش مصر؛ و دون ذلك من مواضع كثيرة مسماة» .

(2) النمر: جمع أنمر: و هو الذي فيه نمرة بيضاء و أخرى سوداء.

(3) الخارجي: المجهول النسب.

295

إتعابه. هذا رجل معقر، و كذلك السّرج و القتب، و لا يقال للكلب إلاّ عقور. و يقال هو ضرو للكلب الضاري على الصيد، و ضروة للكلبة، و هذا ضراء كثيرة، و كلب ضار، و كلاب ضوار. و قد ضريت أشدّ الضراوة. و قال ذو الرّمّة: [من البسيط]

مقزّع أطلس الأطمار ليس له # إلاّ الضّراء و إلا صيدها نشب‏ (1)

و قال طفيل الغنوي: [من الطويل‏]

تباري مراخيها الزّجاج كأنّها # ضراء أحسّت نبأة من مكلّب‏ (2)

و منه قيل: إناء ضار (3)

و قد قال عمر رضي اللّه تعالى عنه: «إيّاكم و هذه المجازر فإنّ لها ضراوة كضراوة الخمر» (4) .

و قال الأصمعيّ: كلب أبقع و كلبة بقعاء، و فرس أبلق و فرس بلقاء، و تيس أبرق و عنز برقاء، و كذلك جبل أبرق و كساء أبرق و كلب أبرق.

و قال ابن داحة: نزل عندنا أعرابيّ و معه ابنان له صغيران، و كان أحدهما مستهترا (5) باللّعب بالكلاب، و كان الآخر مستهترا بالحملان، فقال الأعرابيّ لصاحب الكلب: [من الكامل‏]

ما لي أراك مع الكلاب جنيبة # و أرى أخاك جنيبة الحملان‏ (6)

قال: فردّ عليه الغلام: [من الكامل‏]

لو لا الكلاب و هرشها من دونها # كان الوقير فريسة الذّؤبان‏ (7)

____________

(1) ديوان ذي الرمة 100، و اللسان (طلس، قزع، ضرا) ، و التاج (قزع) ، و أساس البلاغة (ضري) ، و العين 1/132، و التهذيب 1/185، و جمهرة أشعار العرب 959، و بلا نسبة في المخصص 3/38.

(2) ديوان طفيل 24، و المعاني الكبير 1/42، و المخصص 16/30. المراخي: جمع مرخاة و هي السهلة العدو. الزجاج: الأسنة. الضراء: أشلاء الكلب على الصيد. النبأة: الصوت. المكلب:

صاحب الكلب.

(3) في النهاية 2/267، 3/87 «و منه حديث علي أنه نهى عن الشرب في الإناء الضاري» و هو الذي ضرّي بالخمر و عوّد بها، فإذا جعل فيه العصير صار مسكرا» .

(4) الحديث لعمر بن لخطاب في البخلاء 108، و النهاية 3/86، و هو لسالم بن عبد اللّه في حلية الأولياء 2/194. و في النهاية 2/267 «أراد بالمجازر إدمان أكل اللحوم» .

(5) استهتر: أولع، فهو مستهتر.

(6) الجنيبة: الدابة تقاد.

(7) الهراش: تحريش الكلاب.

296

و الوقير: اسم للغنم الكثيرة السائمة مع ما فيها من الحمير و غير ذلك.

و قال الشماخ بن ضرار: [من الوافر]

فأوردهنّ تقريبا و شدّا # شرائع لم يكدّرها الوقير (1)

و قال الشاعر في تثبيت ما قال الغلام: [من البسيط]

تعدو الذّئاب على من لا كلاب له # و تتّقي صولة المستأسد الضاري‏

و قال الآخر: [من البسيط]

إنّ الذئاب ترى من لا كلاب له # و تتّقي حوزة المستثفر الحامي‏ (2)

303-[عفّة عمر بن أبي ربيعة و ابن أبي عتيق‏]

و قال محمّد بن إبراهيم: قدمت امرأة إلى مكّة، و كانت ذات جمال و عفاف و براعة و شارة، فأعجبت ابن أبي ربيعة، فأرسل إليها فخافت شعره، فلما أرادت الطّواف قالت لأخيها: اخرج معي. فخرج معها، و عرض لها عمر فلمّا رأى أخاها أعرض عنها، فأنشدت قول جرير (3) : [من البسيط]

تعدو الذّئاب على من لا كلاب له # و تتّقي حوزة المستأسد الحامي‏

هذا حديث أبي الحسن، و أمّا بنو مخزوم فيزعمون أنّ ابن أبي ربيعة لم يحلّ إزاره على حرام قطّ، و إنما كان يذهب في نسيبه إلى أخلاق ابن أبي عتيق، فإنّ ابن أبي عتيق كان من أهل الطّهارة و العفاف، و كان من سمع كلامه توهّم أنّه من أجرأ الناس على فاحشة.

و ما يشبه الذي يقول بنو مخزوم ما ذكروا عن قريش و المهاجرين؛ فإنّهم يقولون: إنّ عمر بن عبد اللّه بن أبي ربيعة إنّما سمّي بعمر بن الخطاب و إنّه ولد ليلة مات عمر. فلما كان بعد ذلك ذكروا فساد هذا و صلاح ذلك فقالوا: أيّ باطل وضع، و أيّ حقّ رفع!!

____________

(1) ديوان الشماخ 156. التقريب: ضرب من العدو. الشدّ: السرعة في العدو. الشرائع: جمع شريعة و هي مورد الشاربة.

(2) البيت للنابغة الذبياني في ملحق ديوانه 245، و اللسان و التاج (ثفر) ، و تهذيب اللغة 15/76، و الأغاني 1/79، و هو للزبرقان بن بدر في ديوانه 52، و بلا نسبة في عيون الأخبار 4/109، و ربيع الأبرار 5/422، و أساس البلاغة (ثفر) ، و العين 8/221.

(3) نسبة البيت إلى جرير و هم، انظر الحاشية السابقة، و البيت مع الخبر في الأغاني 1/78-79، و عيون الأخبار 4/109.

297

و مثل هذا الكلام لا يقال لمن يوصف بالعفّة الثابتة.

304-[وصية شريح لمعلم ولده‏]

و لبغض المزاح في لعب الصبيان بالكلاب و استهتارهم بها. كتب شريح إلى معلّم ولد له كان يدع الكتّاب و يلعب بالكلاب: [من الكامل‏]

ترك الصّلاة لأكلب يلهو بها # طلب الهراش مع الغواة الرّجس‏ (1)

و ليأتينّك غاديا بصحيفة # يغدو بها كصحيفة المتلمّس‏ (2)

فإذا خلوت فعضّه بملامة # أو عظه موعظة الأديب الأكيس

و إذا هممت بضربه فبدرّة # و إذا ضربت بها ثلاثا فاحبس

و اعلم بأنّك ما فعلت فإنّه # مع ما يجرّعني أعز الأنفس‏

و هذا الشعر عندنا لأعشى بني سليم في ابن له. و قد رأيت ابنه هذا شيخا كبيرا. و هو يقول الشعر؛ و له أحاديث كثيرة ظريفة.

305-[مما يدل على قدر الكلب‏]

و قال صاحب الكلب: و مما يدلّ على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة النّاس من مدحه بالخير و الشرّ، و بالحمد و بالذمّ، حتّى ذكر في القرآن مرّة بالحمد و مرّة بالذّم. و بمثل ذلك ذكر في الحديث، و كذلك في الأشعار و الأمثال، حتى استعمل في الاشتقاقات، و جرى في طريق الفأل و الطّيرة، و في ذكر الرؤيا و الأحلام، و مع الجن و الحنّ و السّباع و البهائم. فإن كنتم قضيتم عليه بالشر و بالنقص، و باللؤم و بالسقوط لأنّ ذلك كلّه قد قيل فيه، فالذي قيل فيه من الخير أكثر، و من الخصال المحمودة أشهر.

و ليس شي‏ء أجمع لخصال النقص من الخمول، لأنّ تلك الخصال المخالفة لذلك، تعطي من النّباهة و تقيم من الذكر على قدر المذكور من ذلك. و كما لا تكون الخصال التي تورث الخمول مورثة للنباهة، فكذلك خصال النّباهة في مجانبة الخمول، لأنّ الملوم أفضل من الخامل.

____________

(1) الأبيات لشريح في عيون الأخبار 2/167، و ثمار القلوب 173 (353) ، و العقد الفريد 2/345-436، و أخبار القضاة 2/207، و المحاسن و المساوئ 2/408، و العمدة 1/39، و ربيع الأبرار 4/463، و هي لأعشى طرود في الحماسة البصرية 2/375-376.

(2) صحيفة المتلمس: تضرب مثلا لمن يحمل كتابا فيه حتفه. و المثل و قصته في مجمع الأمثال 1/399، و الفاخر 73، و جمهرة الأمثال 1/579، و ثمار القلوب (352) ، و أسماء المغتالين 2/212، و المعارف 649، و السمط 301، و عقلاء المجانين 34.

298

306-[الترجمان بن هريم و الحارث بن شريح‏]

و سمع الترجمان بن هريم عند يزيد بن عمر بن هبيرة، رجلا يقول: ما جاء الحارث ابن شريح بيوم خير قطّ. قال التّرجمان: إلا يكن جاء بيوم خير فقد جاء بيوم شرّ (1) .

307-[سياسة الشّدّة و اللّين‏]

و بعد فأيّ رئيس كان خيره محضا عدم الهيبة. و من لم يعمل بإقامة جزاء السيئة و الحسنة، و قتل في موضع القتل، و أحيا في موضع الإحياء. و عفا في موضع العفو، و عاقب في موضع العقوبة، و منع ساعة المنع، و أعطى ساعة الإعطاء، خالف الرّبّ في تدبيره، و ظنّ أن رحمته فوق رحمة ربه.

و قد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع. و بعض العفو إغراء، كما أنّ بعض المنع إعطاء، و لا خير فيمن كان خيره محضا، و شرّ منه من كان شرّه صرفا، و لكن اخلط الوعد بالوعيد، و البشر بالعبوس، و الإعطاء بالمنع، و الحلم بالإيقاع، فإنّ الناس لا يهابون و لا يصلحون إلاّ على الثّواب و العقاب، و الإطماع و الإخافة. و من أخاف و لم يوقع و عرف بذلك، كان كمن أطمع و لم ينجز و عرف بذلك، و من عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه. فخير الخير ما كان ممزوجا، و شرّ الشرّ ما كان صرفا، و لو كان النّاس يصلحون على الخير وحده لكان اللّه عزّ و جلّ أولى بذلك الحكم.

و في إطباق جميع الملوك و جميع الأئمة في جميع الأقطار و في جميع الأعصار على استعمال المكروه و المحبوب، دليل على أنّ الصواب فيه دون غيره.

و إذا كان الناس إنما يصلحون على الشّدّة و اللين، و على العفو و الانتقام و على البذل و المنع، و على الخير و الشرّ، عاد بذلك الشرّ خيرا و ذلك المنع إعطاء و ذلك المكروه محبوبا. و إنّما الشأن في العواقب، و فيما يدوم و لا ينقطع و فيما هو أدوم، و من الانقطاع أبعد.

و قال الشاعر، و هو يمدح قوما: [من البسيط]

إن يسألوا الخير يعطوه و إن جهدوا # فالجهد يخرج منهم طيب أخبار (2)

____________

(1) ورد الخبر في البيان و التبيين 1/199.

(2) البيتان للعرندس الكلابي في معجم الشعراء 173، و أمالي القالي 1/239، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1593، و الحماسة المغربية 299، و لعبيد بن العرندس الكلابي في التنبيه للبكري 72، و السمط 546، و الكامل 1/47 (مكتبة المعارف) ، و بلا نسبة في ديوان المعاني 1/23، 41، و الحماسة الشجرية 1/359، و انظر حاشية الحماسة المغربية.

299

و إن تودّدتهم لانوا و إن شهموا # كشفت أذمار حرب غير أغمار (1)

و قال العتبي: [من الطويل‏]

و لكن بنو خير و شر كليهما # جميعا و معروف ألمّ و منكر (2)

و قال بعض من ارتجز يوم جبلة (3) : [من الرجز]

أنا الغلام الأعسر # الخير فيّ و الشرّ

و الشرّ فيّ أكثر (4)

و قال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث؛ و قد دخل عليه في رجالات قيس:

أ لست امرأ من كندة؟قال: و ما خير من لا يتّقى حسدا، و يدعى رغبة.

و قال ثمامة: الشّهرة بالشرّ خير من أن لا أعرف بخير و لا شرّ.

308-[الاستدلال على النباهة]

و كان يقال: يستدل على نباهة الرّجل من الماضين بتباين الناس فيه.

و قال: أ لا ترى أن عليّا-رضي اللّه تعالى عنه-قال: يهلك فيّ فئتان: محبّ مفرط، و مبغض مفرط.

و هذه صفة أنبه الناس، و أبعدهم غاية في مراتب الدّين و شرف الدنيا. أ لا ترى أن الشاعر يقول: [من الهزج‏]

أرى العلباء كالعلبا # ء لا حلو و لا مرّ

شييخ من بني الجارو # د لا خير و لا شرّ

و قال الآخر: [من الرجز]

عيّرتني يا ثكلتني أمّي # أسود مثل الجعل الأحمّ‏ (5)

ينطح عرض الجبل الأصمّ # ليس بذي القرن و لا الأجمّ‏

____________

(1) الأذمار: جمع ذمر، و هو الشجاع. الأغمار: جمع غمر، و هو الذي لم يجرب الأمور.

(2) البيت لمسافع بن حذيفة العبسي في الخزانة 5/171، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 990.

(3) يوم جبلة: أحد الأيام العرب العظيمة؛ و هي ثلاثة: يوم الكلاب، و يوم جبلة، و يوم ذي قار، و كان قبل الإسلام بأربعين سنة، انظر الأغاني 11/131-163، و معجم البلدان 2/104 (جبلة) .

(4) الرجز لمعاوية بن عبادة في الأغاني 11/140، و كان أعسر.

(5) ثكلته أمه: فقدته. الجعل: دويبة.

300

و إذا كان الرجل أبرع الناس براعة، و أظهرهم فضلا، و أجمعهم لخصال الشرف، ثمّ كانت كلّ خصلة مساوية لأختها في التّمام، و لم تغلب عليه خصلة واحدة، فإنّ هذا الرّجل لا يكاد يوصف إلاّ بالسيادة و الرئاسة خاصّة إذا لم يكن له مسند عما يكون هو الغالب عليه.

و قالوا فيما يشبه ما ذكرنا، و إن لم يكن هو بعينه، قال الشاعر: [من البسيط]

هينون لينون أيسار ذوو يسر # سوّاس مكرمة أبناء أيسار (1)

من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم # مثل النّجوم التي يسري بها الساري‏

و قد قال مثل الذي وصفنا جعفر الضبّيّ في الفضل بن سهل: أيّها الأمير أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السّؤدد، و حيّرني فيها كثرة عددها، فليس إلى ذكر جميعها سبيل، و إن أردت وصف واحدة اعترضت أختها، إذ لم تكن الأولى أحقّ بالذكر. و لست أصفها إلاّ بإظهار العجز عن وصفها.

و لذلك قالوا: «أحلم من الأحنف» (2) ، و «ما هو إلاّ في حلم معاوية» و «أحلم من قيس بن عاصم» (3) ، و لم يقولوا: أحلم من عبد المطّلب، و لا هو أحلم من هاشم، لأنّ الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه، فلمّا كانت خصاله متساوية، و خلاله مشرفة متوازية، و كلّها كان غالبا ظاهرا، و قاهرا غامرا، سمّي بأجمع الأشياء و لم يسمّ بالخصلة الواحدة، فيستدلّ بذلك على أنّها كانت أغلب خصال الخير عليه.

309-[هجاء السفهاء للأشراف‏]

و إذا بلغ السّيد في السّؤدد الكمال، حسده من الأشراف من يظنّ أنّه الأحقّ به، و فخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيّد عشيرته فهجاه. و من طلب عيبا وجده. فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما إذا ذكره، وجد من يغلط فيه و يحمله عنه. و لذلك هجي حصن بن حذيفة، و هجي زرارة ابن عدس، و هجي عبد اللّه بن جدعان، و هجي حاجب بن زرارة.

____________

(1) البيتان للعرندس الكلابي في معجم الشعراء 173، و الحماسة المغربية 299-300، و أمالي القالي 1/239، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1593، و لعبيد بن العرندس الكلابي في السمط 546، و الكامل 1/47، و بلا نسبة في عيون الأخبار 1/226، و البرصان و العرجان 236، و ديوان المعاني 1/23، 41، و الحماسة الشجرية 1/359. و هما من قصيدة واحدة مع البيتين المتقدمين في الفقرة السابقة.

(2) المستقصى 1/70، و مجمع الأمثال 1/219، و جمهرة الأمثال 1/343، و الفاخر 298.

(3) وجدت في الأمثال قولهم أغدر من قيس بن عاصم، في مجمع الأمثال 2/65، و المستقصى 1/259، و قولهم: «أكذب من قيس بن عاصم» ، في مجمع الأمثال 2/169، و المستقصى 1/239.

301

و إنّما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم و طاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم، و من حلفائهم و جيرانهم، مذهب كليب بن ربيعة، و لا مذهب حذيفة بن بدر، و لا مذهب عيينة بن حصن، و لا مذهب لقيط بن زرارة، و لأنّ لقيطا لم يأمر بسحب ضمرة بن ضمرة إلاّ و هو لو بقي لجاوز ظلم كليب و تهكم عيينة، فإنّ هؤلاء و إن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون، و كانوا بين أن يظلموا و بين أن يحتملوا ظلما ممن ظلمهم. و لا بدّ من الاحتمال كما لا بدّ من الانتصار.

و قد قال عزّ و جلّ: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ (1) . و إلى هذا المعنى رجع قول الحكيم الأوّل: «بعض القتل إحياء للجميع» (2) .

و عامّة هؤلاء السّادة لم يكن شأنهم أن يردّوا الناس إلى أهوائهم، و إلى الانسياق لهم بعنف السّوق، و بالحرب في القود، بل كانوا لا يؤثرون التّرهيب على الترغيب.

و الخشونة على التليين. و هم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء.

و متى أحبّ السّيّد الجامع، و الرئيس الكامل قومه أشدّ الحبّ و حاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حبّ قومه له. هذا إذا لم يتوثّب إليه و لم يعترض عليه من بني عمّه و إخوته من قد أطمعته الحال باللّحاق به. و حسد الأقارب أشدّ، و عداوتهم على حسب حسدهم.

و قد قال الأوّلون: رضا الناس شي‏ء لا ينال.

و قد قيل لبعض العرب: من السّيّد فيكم؟قال الذي إذا أقبل هبناه، و إذا أدبر اغتبناه! و قد قال الأوّل: بغضاء السّوق‏ (3) موصولة بالملوك و السادة، و تجري في الحاشية مجرى الملوك.

310-[صعوبة سياسة العوام‏]

و ليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ. و قد قال الهذليّ يصف صعوبة السياسة: [من الوافر]

و إن سياسة الأقوام فاعلم # لها صعداء مطلبها طويل‏ (4)

____________

(1) . 179/البقرة: 2.

(2) مجمع الأمثال 1/105.

(3) السوق: جمع سوقة، و هي الرعية.

(4) البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين 323، و للهذلي في البيان و التبيين 1/275، 2/352، 3/218، و عيون الأخبار 1/226، و أساس البلاغة (صعد) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (صعد) .

302

و قال آخر في شبيه بهذا المعنى: [من الطويل‏]

و دون النّدى في كلّ قلب ثنيّة # لها مصعد حزن و منحدر سهل‏ (1)

و ودّ الفتى في كلّ نيل ينيله # إذا ما انقضى، لو أنّ نائله جزل‏

و قال عامر بن الطّفيل: [من الطويل‏]

و إنّي و إن كنت ابن سيّد عامر # و فارسها المشهور في كلّ موكب‏ (2)

فما سوّدتني عامر من وراثة # أبى اللّه أن أسمو بأمّ و لا أب

و لكنّني أحمي حماها و أتّقي # أذاها و أرمي من رماها بمنكب‏

و قال زياد بن ظبيان لابنه عبيد اللّه بن زياد و زياد يغرغر بنفسه‏ (3) : أ لا أوصي بك الأمير؟قال: لا. قال: و لم؟قال: إذا لم يكن للحي إلاّ وصيّة الميّت، فالحيّ هو الميّت‏ (4) .

و قال آخر في هذا المعنى: [من الكامل‏]

و العزّ لا يأتي بغير تطلّب‏

و قال بشامة بن الغدير في خلاف ذلك، و أن يثبت أن يكون منه كان: [من الطويل‏]

وجدت أبي فيهم و جدّي كليهما # يطاع و يؤتى أمره و هو محتبي‏ (5)

فلم أتعمّل للسّيادة فيهم # و لكن أتتني طائعا غير متعب‏

311-[أسباب السعادة]

و من الناس من يقول: إن العيش كلّه في كثرة المال، و صحة البدن، و خمول الذكر.

و قال من يخالفه: لا يخلو صاحب البدن الصّحيح و المال الكثير، من أن يكون بالأمور عالما، أو يكون بها جاهلا. فإن كان بها عالما فعلمه بها لا يتركه حتّى يكون له من القول و العمل على حسب علمه، لأنّ المعرفة لا تكون كعدمها، لأنّها لو كانت

____________

(1) البيتان للخريمي في ديوانه 50، و البخلاء 167، و البيان و التبيين 2/352، و بلا نسبة في البيان و التبيين 1/274.

(2) ديوان عامر بن الطفيل 28، و الحماسة البصرية 1/72، و عيون الأخبار 1/227، و أمالي القالي 3/118، و أمالي المرتضى 1/10، و العقد الفريد 2/259، و المقاصد النحوية 1/243.

(3) الغرغرة: تردد الروح في الحلق. و غرر: جاد بنفسه عند الموت.

(4) الخبر في عيون الأخبار 1/235، و أمالي المرتضى 1/200.

(5) البيتان لبشامة في الحماسة البصرية 1/72، و أساس البلاغة (عمل) .

303

موجودة غير عاملة لكانت المعرفة كعدمها، و في القول و العمل ما أوجب النّباهة، و أدنى حالاته أن تخرجه من حدّ الخمول، و متى أخرجته من حدّ الخمول فقد صار معرّضا لمن يقدر على سلبه.

و كما أنّ المعرفة لا بدّ لها من عمل، و لا بدّ للعمل من أن يكون قولا أو فعلا، و القول لا يكون قولا إلاّ و هناك مقول له، و الفعل لا يكون فعلا إلاّ و هناك مفعول له، و في ذلك ما أخرج من الخمول و عرف به الفاعل.

و إذا كانت المعرفة هذا عملها في التنبيه على نفسها، فالمال الكثير أحقّ بأنّ عمله الدّلالة على مكانه، و السّعاية على أهله. و المال أحقّ بالنميمة، و أولى بالشكر، و أخدع لصاحبه، بل يكون له أشدّ قهرا، و لحيّه أشدّ فسادا.

و إن كانت معرفته ناقصة فبقدر نقصانها يجهل مواضع اللذة. و إن كانت تامّة فبقدر تمامها ينفى الخمول و يجلب الذّكر.

و بعد فليس يفهم فضيلة السلامة. و حقائق رشد العافية، الذين ليس لهم من المعرفة إلاّ الشّدو (1) ، و إلاّ خلاق‏ (2) أوساط الناس. و متى كان ذلك كذلك، لم يعرف المدخل الذي من أجله يكره ذو المال الشّهرة. و من عرف ذلك على حقّه و صدقه، لم يدعه فهمه لذلك حتّى يدلّ على فهمه. و على أنّه لا يفهم هذا الموضع حتّى يفهم كلّ ما كان في طبقته من العلم. و في أقلّ من ذلك ما يبين به حاله من حال الخامل.

و شروط الأمانيّ غير شروط جواز الأفعال و إمكان الأمور. و ليس شي‏ء ألذّ و لا أسرّ من عزّ الأمر و النهي، و من الظّفر بالأعداء، و من عقد المنن في أعناق الرجال، و السّرور بالرّياسة و بثمرة السيادة، لأنّ هذه الأمور هي نصيب الرّوح، و حظّ الذهن، و قسم النّفس‏ (3) . فأمّا المطعم و المشرب و المنكح و المشمّة، و كلّ ما كان من نصيب الحواسّ، فقد علمنا أن كلّ ما كان أشدّ نهما و أرغب، كان أتمّ لوجدانه الطعم. و ذلك قياس على مواقع الطّعم من الجائع، و الشراب من العطشان.

و لكنّا إذا ميّلنا بين الفضيلة التي مع السّرور، و بين لذّة الطعام، و ما يحدث الشّره له من ألم السهر و الالتهاب و القلق و شدّة الكلب، رأينا أنّ صاحبه مفضول غير فاضل. هذا مع ما يسبّ به، و مع حمله له على القبيح، و على أنّ نعمته متى زالت لم

____________

(1) الشدو: القليل من كل شي‏ء.

(2) الخلاق: النصيب.

(3) القسم: الحصة و النصيب.

304

يكن أحد أشقى منه. هذا مع سرور العالم بما وهب اللّه له من السلامة من آفة الشّره، و من فساد الأخلاط.

و بعد فلا يخلو صاحب الثّروة و الصامت الكثير (1) ، الخامل الذكر من أن يكون ممّن يرغب في المركب الفاره، و الثوب اللين، و الجارية الحسنة، و الدار الجيّدة، و المطعم الطيّب، أو يكون ممن لا يرغب في شي‏ء من ذلك. فإن كان لا يرغب في هذا النوع كلّه، و لا يعمل في ماله للدّار الآخرة. و لا يعجب بالأحدوثة الحسنة، و يكون ممن لا تعدو لذّته أن يكون كثير الصامت، فإنّ هذا حمار أو أفسد طبعا من الحمار، و أجهل من الحمار، و قد رضي أن يكون في ماله أسوأ حالا من الوكيل.

و بعد فلا بدّ للمال الكثير من الحراسة الشّديدة، و من الخوف عليه، فإن أعمل الحراسة له، و تعب في حفظه و حسب الخوف، خرج عليه فضل. فإن هو لم يخف عليه-و لا يكون ذلك في سبيل التوكّل-فهو في طباع الحمار و في جهله. و الذي أوجب له الخمول ليؤدّيه إلى سلامة المال له، قد أعطاه من الجهل ما لا يكون معه إلاّ مثل مقدار لذة البهيمة في أكل الخبط (2) .

و إن هو ابتاع فرّه الدواب، و فرّه الخدم و الجواري، و اتخذ الدار الجيّدة، و الطعام الطيّب و الثّوب الليّن و أشباه ذلك، فقد دلّ على ماله. و من كان كذلك ثمّ ظهرت له ضيعة فاشية، أو تجارة مربحة، يحتمل مثل ذلك الذي يظهر من نفقته. و إلا فإنّه سيوجد في اللّصوص عند أوّل من يقطع عليه، أو مكابرة تكون، أو تعب يؤخذ لأهله المال العظيم.

و لو عنى بقوله الخمول و صحة البدن و المال، فذهب إلى مقدار من المال مقبولا و لكن ما لمن كان ماله لا يجاوز هذا المقدار يتهيّأ الخمول.

312-[طبقات الخمول‏]

و لعمري إنّ الخمول ليكون في طبقات كثيرة، قال أبو نخيلة: [من الطويل‏]

شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقى # و ما كلّ من أقرضته نعمة يقضي‏ (3)

فأحييت من ذكري و ما كان خاملا # و لكنّ بعض الذكر أنبه من بعض‏

____________

(1) الصامت من المال: الذهب و الفضة، و الناطق من المال: الإبل.

(2) الخبط: ورق الشجر؛ يخبط بالعصا فتأكله الدواب.

(3) البيتان لأبي نخيلة في الأغاني 20/392، و طبقات ابن المعتز 64، و عيون الأخبار 3/165، و الفاضل 99، و أمالي القالي 1/30، و نهاية الأرب 3/249.

305

قالوا: و لسقوط الخامل من عيون الناس، قالت الأعرابيّة لابنها: إذا جلست مع الناس فإن أحسنت أن تقول كما يقولون فقل، و إلاّ فخالف تذكر! و أمّا الأصمعيّ فزعم أنّها قالت: فخالف و لو بأن تعلّق في عنقك أير حمار.

و ليس يقول هذا القول إلاّ من ليس يعرف شكر الغنى، و تقلّب الأموال إلى ما خلقت له، و قطعها عقلها، و خلعها عذرها، و تيه أصحابها، و كثرة خطاهم في حفظها و سترها، و عجزهم عن إماتة حركتها و منعها من جميع ما تنازع إليه و تحمل عليه.

313-[ملحة من الملح‏]

و قد روينا في الملح أنّ رجلا قال لصاحب له: أبوك الذي جهل قدره، و تعدّى طوره، فشقّ العصا، و فارق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثمّ قتل ثمّ صلب!قال له صاحبه: دعني من ذكر هزيمة أبي، و من أسره و قتله و صلبه. أبوك هل حدّث نفسه بشي‏ء من هذا قطّ؟!

314-[حكم الأسباب في همم الناس‏]

و ليس إلى النّاس بعد الهمم و قصرها، و إنما تجري الهمم بأهلها إلى الغايات، على قدر ما يعرض لهم من الأسباب. أ لا ترى أنّ أبعد النّاس همّة في نفسه، و أشدّهم تلفتا إلى المراتب، لا تنازعه نفسه إلى طلب الخلافة، لأن ذلك يحتاج إلى نسب، أو إلى أمر قد وطّئ له بسبب، كسبب طلب أوائل الخوارج الخلافة بالدّين وحده دون النّسب. فإن صار من الخوارج فقد حدث له سبب إمكان الطّلب، أكدى أم نجح.

و قد زعم ناس من العلماء أنّ رجالا خطبت للسّيادة و النّباهة و الطّاعة في العشيرة.

315-[سلطان الحظ]

و كذلك القبيلة ربّما سعدت بالحظّ، و ربّما حظيت بالجدّ، و إنّما ذلك على قدر الاتفاق، و إنما هو كالمعافى و المبتلى، و إنما ذلك كما قال زهير: [من الطويل‏]

وجدت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته و من تخطئ يعمّر فيهرم‏ (1)

و كما تحظى بعض الأشعار و بعض الأمثال، و بعض الألفاظ دون غيرها، و دون ما يجري مجراها أو يكون أرفع منها.

قالوا: و ذلك موجود في المرزوق و المحروم، و في المحارف‏ (2) و الذي تجوز

____________

(1) ديوان زهير 34، و اللسان (خبط، عشا) ، و التاج (خبط) ، و المقاييس 4/323، و العين 2/188، و أساس البلاغة (عشو) ، و تهذيب اللغة 3/54، 7/251.

(2) المحارف: المحدود المحروم.

306

عليه الصّدقة. و كم من حاذق بصناعته، و كثير الجولان في تجارته، و قد بلغ فرغانة (1)

مرّة، و الأندلس مرة، و نقّب في البلاد، و ربع في الآفاق‏ (2) ، و من حاذق يشاور و لا يستعمل، ثمّ لا تجدهما يستبينان، من سوء الحال و كثرة الدّين. و من صاحب حرب منكوب، و هو اللّيث على براثنه، مع تمام العزيمة و شدّة الشّكيمة، و نفاذ البصيرة، و مع المعرفة بالمكيدة و الصّبر الدّائم على الشدّة.

و بعد؛ فكم من بيت شعر قد سار، و أجود منه مقيم في بطون الدّفاتر، لا تزيده الأيّام إلاّ خمولا، كما لا تزيد الذي دونه إلاّ شهرة و رفعة. و كم من مثل قد طار به الحظّ حتّى عرفته الإماء، و رواه الصّبيان و النّساء.

و كذلك حظوظ الفرسان. و قد عرفت شهرة عنترة في العامّة. و نباهة عمرو بن معد يكرب، و ضرب الناس المثل بعبيد اللّه بن الحرّ، و هم لا يعرفون، بل لم يسمعوا قطّ بعتيبة بن الحارث بن شهاب، و لا ببسطام بن قيس، و كان عامر بن الطفيل أذكر منهما نسبا.

و يذكرون عبيد اللّه بن الحرّ، و لا يعرفون شعبة بن ظهير و لا زهير بن ذؤيب، و لا عبّاد بن الحصين. و يذكرون اللسن و البيان و الخطيب ابن القرّيّة و لا يعرفون سحبان وائل.

و العامّة لم يصل ذكر هؤلاء إليهم إلاّ من قبل الخاصّة، و الخاصّة لم تذكر هؤلاء دون أولئك، فتركت تحصيل الأمور و الموازنة بين الرجال و حكمت بالسّابق إلى القلب، على قدر طباع القلب و هيئته، ثمّ استوت علل العامّة في ذلك و تشابهت.

و العامّة و الباعة و الأغنياء و السّفلة كأنّهم أعذار عام واحد. و هم في باطنهم أشدّ تشابها من التوأمين في ظاهرهما، و كذلك هم في مقادير العقول و في الاعتراض و التسرّع، و إن اختلفت الصّور و النّغم‏ (3) ، و الأسنان و البلدان.

316-[تشابه طبائع العامّة في كلّ دهر]

و ذكر اللّه عزّ و جلّ ردّ قريش و مشركي العرب على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قوله، فذكر ألفاظهم، و جهد معانيهم، و مقادير هممهم التي كانت في وزن ما يكون من جميع

____________

(1) فرغانة: مدينة و كورة واسعة متاخمة لبلاد تركستان، على يمين القاصد لبلاد الترك، و قيل: فرغانة؛ قرية من قرى فارس.

(2) ربع في الآفاق: أقام في مواضع كثيرة.

(3) أراد بالنغم: اللغات و اللهجات.

307

الأمم إلى أنبيائهم، فقال: تَشََابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (1) و قال: أَ تَوََاصَوْا بِهِ (2) ثم قال:

وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا (3) . و مثل هذا كثير، أ لا ترى أنّك لا تجد بدّا في كلّ بلدة و في كلّ عصر للحاكة من أن يكونوا على مقدار واحد وجهة واحدة، من السّخط و الحمق، و الغباوة و الظلم، و كذلك النخّاسون‏ (4) على طبقاتهم. من أصناف ما يبيعون. و كذلك السماكون و القلاّسون‏ (5) و كذلك أصحاب الخلقان‏ (6) كلّهم، في كلّ دهر و في كلّ بلد، على مثال واحد، و على جهة واحدة.

و كلّ حجّام في الأرض فهو شديد الاستهتار بالنبيذ، و إن اختلفوا في البلدان و الأجناس و الأسنان.

و لا ترى مسجونا و لا مضروبا عند السّلطان إلاّ و هو يقول: إنّي مظلوم، و لذلك قال الشاعر: [من البسيط]

لم يخلق اللّه مسجونا تسائله # ما بال سجنك إلاّ قال مظلوم‏ (7)

و ليس في الأرض خصمان يتنازعان إلى حاكم، إلاّ كلّ واحد منهما يدّعي عدم الإنصاف و الظّلم على صاحبه.

317-[إعجاب المرء بنفسه‏]

و ليس في الأرض إنسان إلاّ و هو يطرب من صوت نفسه، و يعتريه الغلط في شعره و في ولده. إلاّ أنّ الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم الغرق‏ (8)

المغمور، و منهم من قد نال من الصواب و نال من الخطأ، و منهم من يكون خطؤه مستورا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف. و لذلك احتاج العاقل في العجب بولده، و في استحسان كتبه و شعره، من التحفظ و التوقّي، و من إعادة النظر و التّهمة إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك.

____________

(1) . 118/البقرة: 2.

(2) . 53/الذاريات: 51.

(3) . 69/التوبة: 9.

(4) النخّاس: بياع الرقيق.

(5) القلاّس: الضارب بالدف.

(6) أصحاب الخلقان: الذين يبيعون الثياب البالية.

(7) البيت بلا نسبة في البيان و التبيين 3/169، و عيون الأخبار 1/79، 2/116.

(8) الغرق: الغريق.

308

318-[كرم حاتم و كعب بن مامة]

و العامّة تحكم أنّ حاتما أجود العرب‏ (1) ، و لو قدّمته على هرم الجواد لما اعترضته عليهم‏ (2) . و لكنّ الذي يحدّث به عن حاتم، لا يبلغ مقدار ما رووه عن كعب بن مامة، لأنّ كعبا بذل نفسه في أعطية الكرم و بذل المجهود فساوى حاتما من هذه الوجه‏ (3) ، و باينه ببذل المهجة.

و نحن نقول: إنّ الأشعار الصحيحة بها المقدار الذي يوجب اليقين بأنّ كعبا كان كما وصفوا. فلو لم يكن الأمر في هذا إلى الجدود و الحظوظ و الاتفاقات، و إلى علل باطنة تجري الأمور عليها، و في الغوص عليها و في معرفتها بأعيانها عسر، لما جرت الأمور على هذه المجاري، و لو كان الأمر فيها مفوّضا إلى تقدير الرأي، لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود، دون هرم و حاتم.

219-[كلف العامة بمآثر الجاهلية]

فإن زعمت أنّ غالبا كان إسلاميّا و كان حاتم في الجاهلية. و الناس بمآثر العرب في الجاهليّة أشدّ كلفا، فقد صدقت. و هذا أيضا ينبئك أنّ الأمور في هذا على خلاف تقدير الرأي، و إنّما تجري في الباطن على نسق قائم، و على نظر صحيح، و على تقدير محكم، فقد تقدّم في تعبيتهما (4) و تسويتهما من لا تخفى عليه خافية، و لا يفوته شي‏ء و لا يعجزه، و إلاّ فما بال أيّام الإسلام و رجالها. لم تكن أكبر في النفوس، و أحلّ في الصدور من رجال الجاهليّة، مع قرب العهد و عظم خطر ما ملكوا، و كثرة ما جادت به أنفسهم، و مع الإسلام الذي شملهم، و جعله اللّه تعالى أولى بهم من أرحامهم.

و لو أنّ جميع مآثر الجاهليّة وزنت به، و بما كان في الجماعات اليسيرة من رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها، أو لكانت مثلها.

____________

(1) في الأمثال: «أجود من حاتم طي‏ء» ، و هو في مجمع الأمثال 1/182، و المستقصى 1/53، و جمهرة الأمثال 1/336.

(2) في الأمثال: «أجود من هرم» ، و هو في مجمع الأمثال 1/188، و المستقصى 1/55، و جمهرة الأمثال 1/338.

(3) في الأمثال: «أجود من كعب بن مامة» ، و هو في مجمع الأمثال 1/183، و المستقصى 1/54، و جمهرة الأمثال 1/338.

(4) التعبية: الإعداد و التهيئة، و منه تعبئة الجيش.