الحيوان - ج3

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
261 /
3

الجزء الثالث‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

باب ذكر الحمام‏

و ما أودعها اللّه عزّ و جلّ من ضروب المعرفة، و من الخصال المحمودة، لتعرف بذلك حكمة الصّانع، و إتقان صنع المدبّر.

557[استنشاط القارئ ببعض الهزل‏]

و إن كنّا قد أمللناك بالجدّ و بالاحتجاجات الصحيحة و المروّجة؛ لتكثّر الخواطر، و تشحذ العقول-فإنّا سننشّطك ببعض البطالات، و بذكر العلل الظّريفة، و الاحتجاجات الغريبة؛ فربّ شعر يبلغ بفرط غباوة صاحبه من السرور و الضحك و الاستطراف، ما لا يبلغه حشد أحرّ النوادر، و أجمع المعاني.

و أنا أستظرف أمرين استظرافا شديدا: أحدهما استماع حديث الأعراب. و الأمر الآخر احتجاج متنازعين في الكلام، و هما لا يحسنان منه شيئا؛ فإنّهما يثيران من غريب الطّيب ما يضحك كلّ ثكلان و إن تشدّد، و كلّ غضبان و إن أحرقه لهيب الغضب. و لو أنّ ذلك لا يحلّ لكان في باب اللّهو و الضّحك و السّرور و البطالة و التشاغل، ما يجوز في كلّ فنّ.

و سنذكر من هذا الشكل عللا، و نورد عليك من احتجاجات الأغبياء حججا. فإن كنت ممّن يستعمل الملالة، و تعجل إليه السآمة، كان هذا الباب تنشيطا لقلبك، و جماما لقوّتك. و لنبتدئ النّظر في باب الحمام و قد ذهب عنك الكلال و حدث النشاط.

و إن كنت صاحب علم و جدّ، و كنت ممرّنا موقّحا، و كنت إلف تفكير و تنقير، و دراسة كتب، و حلف تبيّن، و كان ذلك عادة لك لم يضرك مكانه من الكتاب، و تخطّيه إلى ما هو أولى بك.

558-[ضرورة التنويع في التأليف‏]

و على أنّي قد عزمت-و اللّه الموفّق-أنّي أوشح هذا الكتاب و أفصّل أبوابه،

4

بنوادر من ضروب الشّعر، و ضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، و من شكل إلى شكل؛ فإنّي رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة و الأغانيّ الحسنة و الأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها. و ما ذلك إلاّ في طريق الراحة، التي إذا طالت أورثت الغفلة.

و إذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السّيرة، كان هذا التّدبير لما طال و كثر أصلح، و ما غايتنا من ذلك كلّه إلاّ أن تستفيدوا خيرا.

و قال أبو الدّرداء: إنّي لأسجمّ نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها[1]!

559-[طائفة من النوادر]

1-[ادّعاء الكرخيّ الفقه‏]

فمن الاحتجاجات الطيّبة، و من العلل الملهية، ما حدّثني به ابن المديني قال‏[2]: تحوّل أبو عبد اللّه الكرخيّ اللّحيانيّ إلى الحربيّة[3]فادّعى أنّه فقيه، و ظنّ أنّ ذلك يجوز له؛ لمكان لحيته و سمته.

قال: فألقى على باب داره البواريّ، و جلس و جلس إليه بعض الجيران، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللّه!رجل أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أيّ شي‏ء يصنع؟!قال: يحتجم. قال: قعدت طبيبا أو قعدت فقيها؟

2-[جواب المروزيّ‏]

و حدّثني شمعون الطبيب قال‏[4]: كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين فدخل عليه أبو عبد اللّه المروزيّ فقال طاهر: يا أبا عبد اللّه مذ كم دخلت العراق؟قال: منذ عشرين سنة، و أنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد اللّه، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين! [1]ورد هذا الخبر في البخلاء 187، و رسائل الجاحظ 2/91، و نثر الدرر 2/170، و انظر مثل هذا الخبر في أخبار الظراف 26.

[2]ورد هذا الخبر في البيان و التبيين 2/321. 322، و عيون الأخبار 2/54.

[3]الحربية: محلة كبيرة مشهورة ببغداد، تنسب إلى حرب بن عبد اللّه البلخي أحد قواد المنصور.

(معجم البلدان 2/237) .

[4]ورد هذا الخبر في البيان و التبيين 2/319، و البخلاء 22، و ربيع الأبرار 2/100.

5

3-[جواب شيخ كندي‏]

و حدّثني أبو الجهجاه قال: ادّعى شيخ عندنا أنّه من كندة، قبل أن ينظر في شي‏ء من نسب كندة، فقلت له يوما و هو عندي: ممن أنت يا أبا فلان؟قال: من كندة. قلت: من أيّهم أنت؟قال: ليس هذا موضع هذا الكلام، عافاك اللّه!

4-[جواب ختن أبي بكر بن بريرة]

و دخلت على ختن أبي بكر بن بريرة، و كان شيخا ينتحل قول الإباضيّة، فسمعته يقول: العجب ممن يأخذه النّوم و هو لا يزعم أنّ الاستطاعة مع الفعل‏[1]! قلت: ما الدليل على ذلك؟قال: الأشعار الصحيحة. قلت: مثل ما ذا؟قال: مثل قوله‏[2]: [من الرجز]

ما إن يقعن الأرض إلاّ وفقا

و مثل قوله: [من الرجز]

يهوين شتّى و يقعن وفقا[3]

و مثل قولهم في المثل: «وقعا كعكمي عير» [4].

و كقوله أيضا: [من الطويل‏]

مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطّه السّيل من عل‏[5]

و كقوله‏[6]: [من الطويل‏]

أكفّ يدي عن أن تمسّ أكفهم # إذا نحن أهوينا و حاجتنا معا

ثم أقبل عليّ فقال: أ ما في هذا مقنع؟قلت: بلى، و في دون هذا! [1]ورد الخبر في عيون الأخبار 2/56.

[2]الرجز لرؤبة في عيون الأخبار 2/56.

[3]الرجز لرؤبة في ديوانه 180، و اللسان و التاج (عنف) ، و التهذيب 3/4، و بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (وفق) ، و التهذيب 9/342، و العين 5/226.

[4]العكم: العدل، و المثل في مجمع الأمثال 2/364، و فصل المقال 198، و جمهرة الأمثال 2/336، و يضرب المثل للمتساويين.

[5]البيت لامرئ القيس من معلقته في ديوانه 19، و اللسان (علا) ، و الجمهرة 126، و التاج (فرر، علا) ، و العين 7/174، و إصلاح المنطق 25، و الخزانة 2/397، 3/242، و بلا نسبة في اللسان و التاج (حطط) .

[6]البيت لحاتم الطائي في ديوانه 174، و أمالي القالي 2/318 و شرح شواهد المغني 2/744.

6

5-[جواب هشام بن الحكم‏]

و ذكر محمّد بن سلاّم عن أبان بن عثمان قال: قال رجل من أهل الكوفة لهشام ابن الحكم: أ ترى اللّه عزّ و جلّ في عدله و فضله كلّفنا ما لا نطيق ثمّ يعذّبنا؟!قال:

قد و اللّه فعل، و كنّا لا نستطيع أن نتكلّم به!

6-[مسائل بين ممرور و أبي يوسف‏]

و حدّثني محمّد بن الصباح قال: بينا أبو يوسف القاضي يسير بظهر الكوفة- و ذلك بعد أن كتب كتاب الحيل-إذ عرض له ممرور عندنا أطيب الخلق، فقال له:

يا أبا يوسف، قد أحسنت في كتاب الحيل، و قد بقيت عليك مسائل في الفطن، فإن أذنت لي سألتك عنها. قال: قد أذنت لك فسل. قال: أخبرني عن الحر كافر هو أو مؤمن؟فقال أبو يوسف: دين الحر دين المرأة و دين صاحبة الحر: إن كانت كافرة فهو كافر، و إن كانت مؤمنة فهو مؤمن. قال: ما صنعت شيئا. قال: فقل أنت إذن؛ إذ لم ترض بقولي. فقال: الحر كافر. قال: و كيف علمت ذلك؟قال لأنّ المرأة إذا ركعت أو سجدت استدبر الحر القبلة و استقبلت هي القبلة، و لو كان دينه دين المرأة لصنع كما تصنع. هذه واحدة يا أبا يوسف. قال: صدقت.

قال: فتأذن لي في أخرى؟قال: نعم. قال: أخبرني عنك إذا أتيت صحراء فهجمت على بول و خراء كيف تعرف أبول امرأة هو أم بول رجل؟قال: و اللّه ما أدري!قال أجل و اللّه ما تدري!قال: أ فتعرف أنت ذاك؟قال: نعم، إذا رأيت البول قد سال على الخراء و بين يديه فهو بول امرأة، و خراء امرأة، و إذا رأيت البول بعيدا من الخراء فهو بول رجل و خراء رجل. قال: صدقت! قال: و حكى لي جواب مسائل فنسيت منها مسألة، فعاودته فإذا هو لا يحفظها.

7-[التفاف شعر الاست‏]

و حدّثني أيّوب الأعور، قال قائل للحجاج العبسي: ما بال شعر الاست إذا نبت أسرع و التفّ؟قال: لقربه من السّماد و الماء هطل عليه!!

8-[جواب نوفل عريف الكناسين‏]

و حدّثني محمّد بن حسّان قال: وقفت على نوفل عريف الكنّاسين، و إذا موسوس قد وقف عليه، و عنده كلّ كنّاس بالكرخ، فقال له الموسوس: ما بال بنت‏

7

وردان‏[1]تدع قعر البئر و فيه كرّ[2]خراء و هو لها مسلم و عليها موفر، و تجي‏ء تطلب اللّطاخة التي في است أحدنا و هو قاعد على المقعدة، فتلزم نفسها الكلفة الغليظة، و تتعرّض للقتل، و إنّما هذا الذي في أستاهنا قيراط من ذلك الدرهم، و قد دفعنا إليها الدّرهم وافيا وافرا. قال: فضحك القوم، فحرّك نوفل رأسه ثم قال: أ تضحكون؟!قد و اللّه سأل الرجل فأجيبوا!و أمّا أنا فقد-و اللّه-فكّرت فيها منذ ستّين سنة، و لكنّكم لا تنظرون في شي‏ء من أمر صناعتكم. لا جرم أنّكم لا ترتفعون أبدا!قال له الموسوس: قل-يرحمك اللّه-فأنت زعيم القوم، فقال نوفل: قد علمنا أنّ الرّطب أطيب من التّمر، و الحديث أطرف من العتيق، و الشي‏ء من معدنه أطيب، و الفاكهة من أشجارها أطرف. قال: فغضب شريكه مسبّح الكنّاس ثم قال: و اللّه لقد وبّختنا، و هوّلت علينا، حتى ظننّا أنّك ستجيب بجواب لا يحسنه أحد، ما الأمر عندنا و عند أصحابنا هكذا. قال: فقال لنا الموسوس: ما الجواب عافاكم اللّه، فإنّي ما نمت البارحة من الفكرة في هذه المسألة؟قال مسبّح: لو أنّ لرجل ألف جارية حسناء ثم عتقن عنده لبردت شهوته عنهنّ و فترت، ثمّ إن رأى واحدة دون أخسّهن في الحسن صبا إليها و مات من شهوتها. فبنت وردان تستظرف تلك اللطاخة و قد ملّت الأولى؛ و بعض الناس الفطير أحبّ إليهم من الخمير. و أيضا إنّ الكثير يمنع الشّهوة، و يورث الصّدود. قال: فقال الموسوس-و استحسن جواب مسبّح، بعد أن كان لا يرى جوابا إلاّ جواب نوفل-: لا تعرف مقدار العالم حتّى تجلس إلى غيره!أنتم أعلم أهل هذه المدرة، و لقد سألت علماءها عنه منذ عشرين سنة فما تخلّص أحد منهم إلى مثل ما تخلّصهم إليه. و قد و اللّه-أنمتم عيني، و طاب بكم عيشي!و قد علمنا أنّ كلّ شي‏ء يستلب استلابا أنّه ألذ و أطيب. و لذلك صار الدّبيب إلى الغلمان و نيكهم على جهة القهر ألذ و أطيب، و كلّ شي‏ء يصيبه الرّجل فهو أعزّ عليه من المال الذي يرثه أو يوهب له.

9-[علة الحجاج بن يوسف‏]

قال: و حدّثني أبان بن عثمان قال: قال الحجّاج بن يوسف: و اللّه لطاعتي أوجب من طاعة اللّه؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ [3]فجعل فيها [1]بنات وردان: تسمى فالية الأفاعي؛ و هي دويبة تتولد في الأماكن الندية، و أكثر ما تكون في الحمامات. حياة الحيوان 2/429.

[2]الكر: مكيال للعراق، و ستة أوقار حمار «الوقر: الحمل الثقيل» ، أو هو ستون قفيزا، أو أربعون إردبّا.

«القاموس: كرّ» .

[3]16/التغابن: 64.

8

مثنويّة[1]؛ و قال: وَ اِسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا [2]و لم يجعل فيها مثنويّة و لو قلت لرجل:

ادخل من هذا الباب، فلم يدخل، لحلّ لي دمه!

10-[المدني و الكوفي‏]

قال: و أخبرني محمّد بن سليمان بن عبد اللّه النوفليّ قال: قال رجل من أهل الكوفة لرجل من أهل المدينة: نحن أشدّ حبّا لرسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلم و على آله-منكم يا أهل المدينة!فقال المدنيّ: فما بلغ من حبّك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و على آله؟قال: وددت أنّي وقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- و أنّه لم يكن وصل إليه يوم أحد، و لا في غيره من الأيّام شي‏ء من المكروه يكرهه إلا كان بي دونه!فقال المدنيّ: أ فعندك غير هذا؟قال: و ما يكون غير هذا؟قال: وددت أنّ أبا طالب كان آمن فسرّ به النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و أنّي كافر!

11-[جواب رجل من وجوه أهل الشام‏]

و حدّثني أبان بن عثمان قال: قال ابن أبي ليلى: إنّي لأساير رجلا من وجوه أهل الشّام، إذ مرّ بحمّال معه رمّان، فتناول منه رمّانة فجعلها في كمّه. فعجبت من ذلك، ثمّ رجعت إلى نفسي و كذّبت بصرى، حتّى مرّ بسائل فقير، فأخرجها فناوله إيّاها.

قال: فعلمت أنّي رأيتها فقلت له: رأيتك قد فعلت عجبا. قال: و ما هو؟قلت:

رأيتك أخذت رمّانة من حمّال و أعطيتها سائلا؟قال: و إنّك ممّن يقول هذا القول؟ أ ما علمت أنّي أخذتها و كانت سيّئة و أعطيتها فكانت عشر حسنات؟قال: فقال ابن أبي ليلى: أ ما علمت أنك أخذتها فكانت سيّئة و أعطيتها فلم تقبل منك؟!

12-[جهل الأعراب بالنحو]

و قال الربيع: قلت لأعرابيّ: أ تهمز إسرائيل؟قال: إنّي إذا لرجل سوء؟قلت:

أ تجرّ فلسطين؟قال: إنّي إذا لقويّ‏[3].

13-[احتجاج رجل من أهل الجاهلية]

قال: و حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: كان رجل في الجاهليّة معه محجة يتناول به متاع الحاجّ سرقة، فإذا قيل له: سرقت!قال: لم أسرق، إنّما سرق محجني!قال: فقال حماد: لو كان هذا اليوم حيّا لكان من أصحاب أبي حنيفة! [1]مثنوية: استثناء، أي قوله تعالى: مَا اِسْتَطَعْتُمْ .

[2]16/التغابن: 64.

[3]الخبر في عيون الأخبار 2/157، و البيان و التبيين 2/220.

9

14-[الأعمش و جليسه‏]

قال‏[1]: و حدّثني محمّد بن القاسم قال: قال الأعمش لجليس له: أ ما تشتهي بنانيّ‏[2]زرق العيون نقيّة البطون، سود الظّهور، و أرغفة حارّة ليّنة، و خلا حاذقا؟ قال: بلى!قال: فانهض بنا. قال الرّجل: فنهضت معه و دخل منزله. قل: فأومأ إليّ:

أن خذ تلك السّلّة. قال: فكشفها فإذا برغيفين يابسين و سكرّجة[3]كامخ شبث‏[4].

قال: فجعل يأكل. قال: فقال لي تعال كل. فقلت: و أين السمك؟قال: ما عندي، سمك، إنما قلت لك: تشتهي!

15-[رأي في فقه أبي حنيفة]

قال: و سئل حفص بن غياث عن فقه أبي حنيفة، قال: كان أجهل النّاس بما يكون، و أعرفهم بما لا يكون‏[5].

16-[علة خشنام بن هند]

و أما علة خشنام بن هند، فإنّ خشنام بن هند كان شيخا من الغالية، و كان ممّن إذا أراد أن يسمّي أبا بكر و عمر قال: الجبت و الطّاغوت، و منكر و نكير، و أفّ و تفّ، و كسير و عوير. و كان لا يزال يدخل داره حمار كسّاح و يضربه مائة عصا على أنّ أبا بكر و عمر في جوفه. و لم أر قطّ أشدّ احترافا منه. و كان مع ذلك نبيذيّا و صاحب حمام. و يشبه في القدّ و الخرط شيوخ الحربيّة[6]. و كان من بني غبر من صميمهم.

و كان له بنيّ يتبعه، فكان يزنّي‏[7]أمّه عند كلّ حقّ و باطل، و عند كلّ جدّ و هزل.

قلت له يوما-و نحن عند بني ربعيّ: ويحك، بأيّ شي‏ء تستحلّ أن تقذف أمّه [1]الخبر في ديوان المعاني 1/292.

[2]البناني: السمك، انظر نهاية هذه الفقرة.

[3]سكرجة: إناء صغير يوضع فيه الشي‏ء القليل من الأدم و كل ما يوضع من الكوامخ و نحوها على المائدة حول الأطعمة للتشهي و الهضم. الوصلة إلى الحبيب 824. الكامخ: نوع من اللبن الحليب و اللبن الخاثر، انظر السامي 200، و في الوصلة إلى الحبيب 868 «الكامخ: إدام يؤتدم به، و خصه بعضهم بالمخللات التي تستعمل لتشهي الطعام» .

[4]الشبث: بقلة معروفة. «القاموس: شبث» و في اللسان (الشبث: نبات. قال أبو منصور: و أما البقلة التي يقال لها الشبث فهي معربة؛ و أصلها بالفارسية شوذ) .

[5]الخبر في البيان و التبيين 2/253، و البرهان 3-4.

[6]الحربية: محلة كبيرة ببغداد، تنسب إلى حرب بن عبد اللّه البلخي أحد قواد المنصور. معجم البلدان 2/237.

[7]يزنّي: يقذفها بالزنى.

10

بالزّنا؟فقال: لو كان عليّ في ذلك حرج لما قذفتها: فلم تزوّجت امرأة ليس في قذفها حرج؟قال: إنّي قد احتلت حيلة حتّى حلّ لي من أجلها ما كان يحرم. قلت: و ما تلك الحيلة؟قال: أنا رجل حديد، و هذا غلام عارم، و قد كنت طلّقت أمّه فكنت إذا افتريت عليها أثمت، فقلت في نفسي إن أرغتها[1]و خدعتها حتّى أنيكها مرّة واحدة حلّ لي بعد ذلك افترائي عليها، بل لا يكون قولي حينئذ فرية، و علمت أنّ زنية واحدة لا تعدل عشرة آلاف فرية. فأنا اليوم أصدق و لست أكذب. و الصّادق مأجور.

إني و اللّه ما أشكّ أنّ اللّه إذا علم أنّي لم أزن بها تلك المرّة إلاّ من خوف الإثم إذا قذفتها-أنّه سيجعل تلك الزّنية له طاعة فقلت: أنت الآن على يقين أنّ زناك طاعة للّه تعالى؟قال: نعم.

17-[حجة الشيخ الإباضي في كراهية الشيعة]

[2] قال الشّيخ الإباضي و قد ذهب عني اسمه و كنيته و هو ختن أبي بكر بن بريرة- و جرى يوما شي‏ء من ذكر التشيّع و الشّيعة، فأنكر ذلك و اشتدّ غضبه عليهم، فتوهّمت أنّ ذلك إنّما اعتراه للإباضيّة التي فيه، و قلت: و ما عليّ إن سألته؟فإنّه يقال:

إنّ السائل لا يعدمه أن يسمع في الجواب حجّة أو حيلة أو ملحة-فقلت: و ما أنكرت من التشيّع و من ذكر الشّيعة؟قال: أنكرت منه مكان الشّين التي في أوّل الكلمة؛ لأني لم أجد الشّين في أوّل كلمة قطّ إلاّ و هي مسخوطة مثل: شؤم، و شرّ، و شيطان، و شغب، و شحّ، و شمال، و شجن، و شيب، و شين، و شراسة، و شنج‏[3]، و شكّ، و شوكة، و شبث‏[4]، و شرك، و شارب، و شطير، و شطور، و شعرة، و شاني‏[5]، و شتم، و شتيم‏[6]، و شيطرج‏[7]، و شنعة، و شناعة، و شأمة، و شوصة[8]، و شتر[9] [1]أراغ: أراد و طلب. «القاموس: راغ» .

[2]ورد الخبر في عيون الأخبار 2/56.

[3]الشنج: تقبض الجلد. «القاموس: شنج» .

[4]الشّبث: دويبة كثيرة الأرجل. «القاموس: شبث» .

[5]الشانئ: المبغض. «القاموس: شنأ» .

[6]الشتيم: الكريه الوجه. «القاموس: شتم» .

[7]الشيطرج: دواء معروف نافع لوجع المفاصل و البرص و البهق. «القاموس: شيطرج» .

[8]الشوصة: وجع في البطن، أو ريح تعتقب في الأضلاع، أو ورم في حجابها من داخل. «القاموس:

شوص» .

[9]الشتر: الانقطاع و انقلاب الجفن من أعلى و أسفل، و انشقاقه أو استرخاء أسفله. «القاموس: شتر» . ـ

11

و شجوب‏[1]و شجّة، و شطون، و شاطن‏[2]، و شنّ‏[3]، و شلل، و شيص‏[4]، و شاطر[5]، و شاطرة، و شاحب.

قلت له: ما سمعت متكلّما قطّ يقول هذا و لا يبلغه، و لا يقوم لهؤلاء القوم قائمة بعد هذا!

18-[حيلة أبي كعب القاص‏]

قال: و تعشّى أبو كعب القاصّ بطفشيل‏[6]كثير اللّوبيا، و أكثر منه، و شرب نبيذ تمر، و غلّس إلى بعض المساجد ليقصّ على أهله، إذ انفتل الإمام من الصلاة فصادف زحاما كثيرا، و مسجدا مستورا بالبواريّ‏[7]من البرد و الرّيح و المطر، و إذا محراب غائر في الحائط، و إذا الإمام شيخ ضعيف؛ فلمّا صلّى استدبر المحراب و جلس في زاوية منه يسبّح، و قام أبو كعب فجعل ظهره إلى وجه الإمام و وجهه إلى وجوه القوم، و طبّق وجه المحراب بجسمه و فروته و عمامته و كسائه، و لم يكن بين فقحته و بين أنف الإمام كبير شي‏ء، و قصّ و تحرّك بطنه، فأراد أن يتفرّج بفسوة و خاف أن تصير ضراطا، فقال في قصصه: قولوا جميعا: لا إله إلا اللّه!و ارفعوا بها أصواتكم.

و فسا فسوة في المحراب فدارت فيه و جثمت على أنف الشيخ و احتملها، ثمّ كدّه بطنه فاحتاج إلى أخرى فقال: قولوا: لا إله إلا اللّه!و ارفعوا بها أصواتكم. فأرسل فسوة أخرى فلم تخطئ أنف الشيخ، و اختنقت في المحراب. فخمّر الشّيخ أنفه، فصار لا يدري ما يصنع. إن هو تنفّس قتلته الرائحة، و إن هو لم يتنفّس مات كربا.

فما زال يداري ذلك، و أبو كعب يقصّ، فلم يلبث أبو كعب أن احتاج إلى أخرى.

و كلما طال لبثه تولّد في بطنه من النّفخ على حسب ذلك. فقال: قولوا جميعا: لا إله إلا اللّه!و ارفعوا بها أصواتكم. فقال الشيخ من المحراب-و أطلع رأسه و قال-: لا تقولوا!لا تقولوا قد قتلني!إنّما يريد أن يفسو!ثم جذب إليه ثوب أبي كعب و قال:

[1]شجوب: هموم. «القاموس: شجب» .

[2]الشطون: البعيدة. الشاطن: الخبيث و الشيطان، و كل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة.

«القاموس: شطن» .

[3]الشن: القربة الخلق الصغيرة. «القاموس: شن» .

[4]الشيص: أردأ التمر، و وجع الضرس أو البطن. «القاموس: شيص» .

[5]شاطر: الذي أعيا أهله و مؤدبه خبثا، و قد يراد بها اللص. «القاموس: شطر» .

[6]في القاموس «الطّفيشل: كسميدع، نوع من المرق. و في معجم استينجاس 313 (الطفشيل:

ضرب من اللحم يعالج بالبيض و الجزر و العسل) .

[7]البوري: الحصير المنسوج. «القاموس: بور» .

12

جئت إلى هاهنا لتفسو أو تقصّ؟فقال: جئنا لنقص، فإذا نزلت بليّة فلا بدّ لنا و لكم من الصّبر!فضحك الناس، و اختلط المجلس.

19-[جواب أبي كعب القاصّ‏]

و أبو كعب هذا هو الذي كان يقصّ في مسجد عتّاب كلّ أربعا فاحتبس عليهم في بعض الأيام و طال انتظارهم له. فبينما هم كذلك إذ جاء رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا؛ فإنّي قد أصبحت اليوم مخمورا!

20-[علة عبد العزيز]

و أمّا علة عبد العزيز بشكست فإنّ عبد العزيز كان له مال، و كان إذا جاء وقت الزّكاة و جاء القوّاد بغلام مؤاجر[1]، قال: يا غلام أ لك أمّ؟أ لك خالات؟فيقول الغلام:

نعم. فيقول: خذ هذه العشرة الدراهم-أو خذ هذه الدّنانير-من زكاة مالي، فادفعها إليهنّ، و إن شئت أن تبركني بعد ذلك على جهة المكارمة، فافعل، و إن شئت أن تنصرف فانصرف. فيقول ذلك و هو واثق أنّ الغلام لا يمنعه بعد أخذ الدراهم، و هو يعلم أنه لن يبلغ من صلاح طباع المؤاجرين أن يؤدّوا الأمانات. فغبر بذلك ثلاثين سنة و ليس له زكاة إلاّ عند أمّهات المؤاجرين و أخواتهم و خالاتهم.

21-[احتجاج كوفي للتسمية بمحمد]

و حدثني محمّد بن عبّاد بن كاسب قال: قال لي الفضل بن مروان شيخ من طياب الكوفيّين و أغبيائهم: إن ولد لك مائة ذكر فسمهم كلّهم محمدا، و كنّهم بمحمد؛ فإنّك سترى فيهم البركة. أو تدري لأيّ شي‏ء كثر مالي؟قلت: لا و اللّه ما أدري. قال: إنّما كثر مالي لأنّي سمّيت نفسي فيما بيني و بين اللّه محمدا!و إذا كان اسمي عند اللّه محمدا فما أبالي ما قال الناس!

22-[جواب الجوهري‏]

و شبه هذا الحديث قول المروزي: قلت: لأحمد بن رياح الجوهري اشتريت كساء أبيض طبريّا بأربعمائة درهم، و هو عند الناس-فيما ترى عيونهم قومسيّ‏[2] يساوي مائة درهم!قال: علم اللّه أنّه طبريّ فما عليّ ممّا قال الناس؟! [1]آجرت المرأة: أباحت نفسها بأجر. «القاموس: أجر» .

[2]قومسي: نسبة إلى قومس، و هي كورة كبيرة واسعة في ذيل جبال طبرستان. «معجم البلدان 4/414» .

13

23-[جواب أبي خزيمة الحارس‏]

[1] و كان عندنا حارس يكنى أبا خزيمة، فقلت يوما-و قد خطر على بالي-:

كيف اكتنى هذا العلج الألكن بأبي خزيمة؟ثمّ رأيته فقلت له: خبّرني عنك، أ كان أبوك يسمّى خزيمة؟قال: لا. قلت: فجدّك أو عمك أو خالك؟قال: لا. قلت: فلك ابن يسمّى خزيمة؟قال: لا. قلت: فكان لك مولّى يسمى خزيمة؟قال: لا. قلت:

فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة؟قال: لا. قلت: فلم اكتنيت بأبي خزيمة، و أنت علج ألكن، و أنت فقير، و أنت حارس؟قال: هكذا اشتهيت. قلت: فلأي شي‏ء اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى؟قال: ما يدريني. قلت: فتبيعها السّاعة بدينار، و تسكتني بأيّ كنية شئت؟قال: لا و اللّه، و لا بالدّنيا و ما فيها!

24-[جواب الزيادي لمسعدة بن طارق‏]

و حدثني مسعدة بن طارق، قلت للزياديّ-و مررت به و هو جالس في يوم غمق‏[2]حارّ و مد[3]، على باب داره في شروع نهر الجوبار[4]بأردية، و إذا ذلك البحر يبخر في أنفه-قال فقلت له بعت دارك و حظّك من دار جدّك زياد بن أبي سفيان، و تركت مجلسك في ساباط غيث‏[5]، و إشرافك على رحبة بني هاشم، و مجلسك في الأبواب التي تلي رحبة بني سليم، و جلست على هذا النّهر في مثل هذا اليوم، و رضيت به جارا؟قال. نلت أطول آمالي في قرب هؤلاء البزّازين‏[6]. قلت له لو كنت بقرب المقابر فقلت نزلت هذا الموضع للاتّعاظ به و الاعتبار كان ذلك وجها. و لو كنت بقرب الحدّادين فقلت لأتذكّر بهذه النّيران و الكيران‏[7]نار جهنّم، كان ذلك قولا. و لو كنت اشتريت دارا بقرب العطّارين فاعتللت بطلب رائحة الطّيب كان ذلك وجها فأمّا قرب البزّازين فقط فهذا ما لا أعرفه. أ فلك فيهم دار غلّة، أو هل لك عليهم ديون حالّة، أو هل لك فيهم أو عندهم غلمان يؤدّون الضّريبة، أو هل لك معهم شركة مضاربة؟قال: لا. قلت: فما ترجو إذا من قربهم فلم يكن عنده إلاّ: نلت آمالي بقرب البزّازين.

[1]ورد الخبر في البيان و التبيين 4/24-25.

[2]يوم غمق: ذو ندى و ثقل. «القاموس: غمق» .

[3]الومد: ندى يجي‏ء في صميم الحر من قبل البحر. «القاموس: ومد» .

[4]الجوبار: محلة بأصبهان، و قرية من قرى هراة، و موضع بجرجان. معجم البلدان 2/175-176.

[5]الساباط عند العرب: سقيفة بين دارين من تحتها طريق نافذ. معجم البلدان 3/166.

[6]البزاز: بائع الثياب. «القاموس: بز» .

[7]الكيران: جمع كير، و هو الزق ينفخ فيه الحداد. «القاموس: كير» .

14

25-[حكاية عن ممرور]

و حدثني ثمامة بن أشرس قال: كان رجل ممرور يقوم كلّ يوم فيأتي دالية لقوم، و لا يزال يمشي مع رجال الدالية على ذلك الجذع ذاهبا و جائيا، في شدّة الحرّ و البرد. حتّى إذا أمسى نزل إليهم و توضّأ و صلّى، و قال: اللّهمّ اجعل لنا من هذا فرجا و مخرجا!ثمّ انصرف إلى بيته. فكان كذلك حتّى مات.

26-[بين أعمى و قائده‏]

و حدّثني المكّي قال‏[1]: كان رجل يقود أعمى بكراء، و كان الأعمى ربّما عثر العثرة و نكب النّكبة، فيقول: اللّهمّ أبدل لي به قائدا خيرا منه!قال: فقال القائد:

اللّهمّ أبدل لي به أعمى خيرا لي منه.

27-[حماقة ممرور]

و حدثني يزيد مولى إسحاق بن عيسى قال كنّا في منزل صاحب لنا، إذ خرج واحد من جماعتنا ليقيل‏[2]في البيت الآخر، فلم يلبث إلاّ ساعة حتى سمعناه يصيح: أوه أوه!قال: فنهضنا بأجمعنا إليه فزعين، فقلنا له: ما لك؟و إذا هو نائم على شقّه الأيسر، و هو قابض على خصيته بيده فقلت له: لم صحت؟قال: إذا غمزت خصيتي اشتكيتها، و إذا اشتكيتها صحت. قال: فقلنا له: لا تغمزها بعد حتى لا تشتكي!قال: نعم إن شاء اللّه تعالى.

28-[حماقة مولاة عيسى بن علي‏]

قال يزيد: و كانت لعيسى بن عليّ مولاة عجوز خراسانية تصرخ بالليل من ضربان ضرس لها، فكانت قد أرّقت الأمير إسحاق، فقلت له: إنّها مع ذلك لا تدع أكل التمر!قال: فبعث إليها بالغداة فقال لها: أ تأكلين التّمر بالنّهار و تصيحين باللّيل؟فقالت: إذا اشتهيت أكلت و إذا أوجعني صحت!

29-[حكاية عن ممرور]

و حدثني ثمامة قال‏[3]: مررت في غبّ مطر و الأرض نديّة، و السّماء متغيّمة، و الرّيح شمال، و إذا شيخ أصفر كأنّه جرادة، قد جلس على قارعة الطّريق، و حجّام [1]الخبر في عيون الأخبار 2/48.

[2]قال يقيل: نام في نصف النهار. «القاموس: قيل» .

[3]عيون الأخبار 2/52.

15

زنجيّ يحجمه، و قد وضع على كاهله و أخدعيه محاجم، كل محجمة كأنّها قعب، و قد مصّ دمه حتّى كاد أن يستفرغه. قال: فوقفت عليه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا البرد؟قال لمكان هذا الصّفار[1]الذي بي.

30-[صنيع ممرور]

و حدثني ثمامة قال‏[2]: حدّثني سعيد بن مسلم قال: كنا بخراسان في منزل بعض الدّهاقين و نحن شباب، و فينا شيخ. قال: فأتانا ربّ المنزل بدهن طيب فدهن بعضنا رأسه، و بعضنا لحيته، و بعضنا مسح شاربه، و بعضنا مسح يديه و أمرّهما على وجهه، و بعضنا أخذ بطرف إصبعه فأدخل في أنفه و مسح به شاربه. فعمد الشيخ إلى بقيّة الدّهن فصبّها في أذنه، فقلنا له: ويحك، خالفت أصحابك كلّهم!هل رأيت أحدا إذا أتوه بدهن طيب صبّه في أذنه؟قال: فإنّه مع هذا يضرّني؟

31-[أمر عيص، سيّد بني تميم‏]

و حدّثني مسعدة بن طارق الذّرّاع قال‏[3]: و اللّه إنّا لوقوف على حدود دار فلان للقسمة، و نحن في خصومة، إذ أقبل عيص سيّد بني تميم و موسرهم و الذي يصلّي على جنائزهم. فلمّا رأيناه مقبلا إلينا أمسكنا عن الكلام، فأقبل علينا فقال: حدّثوني عن هذه الدّار، هل ضمّ منها بعضها إلى بعض أحد؟!قال مسعدة: فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه ما أدري ما عنى به. قال: و قال لي مرّة: ما من شر من ذين!قلت:

و لم ذاك؟قال: من جرا يتعلقون.

و حدّثني الخليل بن يحيى السّلوليّ قال‏[4]: نازع التميميّ بعض بني عمّه في حائط، فبعث إلينا لنشهد على شهادته، فأتاه جماعة منهم الحميريّ و الزهريّ، و الزّياديّ، و البكراوي. فلمّا صرنا إليه وقف بنا على الحائط و قال: أشهدكم جميعا أنّ نصف هذا الحائط لي!

32-[جواب ممرور]

قال: و قدم ابن عمّ له إلى عمر بن حبيب، و ادّعى عليه ألف درهم فقال ابن [1]الصفار: الماء الأصفر يجتمع في البطن، أو دود فيها. «القاموس: صفر» .

[2]عيون الأخبار 2/55-56.

[3]عيون الأخبار 2/54-55.

[4]عيون الأخبار 2/54، و فيه «نازع التيمي... »

16

عمّه: ما أعرف ممّا قال قليلا و لا كثيرا، و لا له عليّ شي‏ء!قال: أصلحك اللّه تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين يديك!

33-[أمنية الجرّار و الغزّال‏]

قال‏[1]: و قلت لأبي عتّاب الجرّار: أ لا ترى عبد العزيز الغزّال و ما يتكلم به في قصصه؟قال: و أيّ شي‏ء قاله؟قلت: قال: ليت اللّه تعالى لم يكن خلقني و أنا السّاعة أعور!قال أبو عتّاب: و قد قصّر في القول، و أساء في التمني. و لكنّي أقول: ليت اللّه تعالى لم يكن خلقني و أنا الساعة أعمى مقطوع اليدين و الرجلين!

34-[تعزية طريفة لأبي عتّاب الجرار]

[2] و دخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب و قد كفّ بصره، و الناس يعزّونه، فمثل بين يديه، و كان كالجمل المحجوم‏[3]، و له صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا يسوأنّك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ اللّه تعالى قد قطع يديك و رجليك، و دقّ ظهرك، و أدمى ضلعك!.

35-[داود بن المعتمر و بعض النساء]

و بينما داود بن المعتمر الصّبيريّ جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها قوام و حسن، و عينان عجيبتان، و عليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشكّ أنّه قام ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلمّا رجع قلت له: قد علمت أنّك إنما قمت لتكلّمها؛ فليس ينفعك إلا الصّدق، و لا ينجيك منّي الجحود، و إنما غايتي أن أعرف كيف ابتدأت القول، و أي شي‏ء قلت لها-و علمت أنّه سيأتي بآبدة. و كان مليّا بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها[4]: لو لا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك.

قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثمّ قالت: إنما يمنع مثلك من اتّباع مثلي و الطّمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأمّا إذ قد صار سيماء الخير هو الذي يطمع في النساء فإنا للّه و إنا إليه راجعون! و تبع داود بن المعتمر امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، و دلّها على المنزل [1]البيان و التبيين 2/317-318.

[2]البرصان 34، و عيون الأخبار 2/48، و العقد الفريد 3/309.

[3]الحجام: شي‏ء يجعل في فم البعير أو خطمه لئلا يعض. «القاموس: حجم» .

[4]عيون الأخبار 2/51.

17

الذي يمكنها فيه ما يريد، فتقدمت الفاجرة و عرض له رجل فشغله، و جاء إلى المنزل و قد قضى القوم حوائجهم و أخذت حاجتها، فلم تنتظره. فلما أتاهم و لم يرها قال:

أين هي؟قالوا: و اللّه قد فرغنا و ذهبت!قال فأيّ طريق أخذت؟قالوا: لا و اللّه ما ندري؟قال فإن عدوت في إثرها حتّى أقوم على مجامع الطرق أ تروني ألحقها؟قالوا:

لا و اللّه ما تلحقها!قال: فقد فاتت الآن؟قالوا: نعم. قال: فعسى أن يكون خيرا!فلم أسمع قطّ بإنسان يشكّ أنّ السّلامة من الذنوب خير غيره.

36-[قول الممرور في الجزء الذي لا يتجزّأ]

و سأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزّأ: ما هو؟قال:

الجزء الذي لا يتجزأ هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقال له أبو العيناء محمد:

أ فليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره؟قال: بلى حمزة جزء لا يتجزأ، و جعفر جزء لا يتجزأ!قال فما تقول في العباس؟قال: جزء لا يتجزأ. قال: فما تقول في أبي بكر و عمر؟ قال: أبو بكر يتجزأ، و عمر يتجزأ. قال: فما تقول في عثمان؟قال: يتجزّأ مرّتين، و الزّبير يتجزّأ مرّتين. قال: فأيّ شي‏ء تقول في معاوية؟قال: لا يتجزأ و لا لا يتجزأ.

فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أيّ شي‏ء ذهب، فلم نقع عليه إلاّ أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلّمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزّأ، هاله ذلك و كبر في صدره، و توهّم أنّه الباب الأكبر من علم الفلسفة، و أن الشي‏ء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ.

و قد تسخفّنا في هذه الأحاديث، و استجزنا ذلك بما تقدّم من العذر، و سنذكر قبل ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر و نوادر و أشعار و نتف و فقر من قصائد قصار و شوارد و أبيات، لنعطي قارئ الكتاب من كلّ نوع تذهب إليه النّفوس نصيبا إن شاء اللّه.

560-[تناسب الألفاظ مع الأغراض‏]

و لكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، و لكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسّخيف للسخيف، و الخفيف للخفيف، و الجزل للجزل، و الإفصاح في موضع الإفصاح، و الكناية في موضع الكناية، و الاسترسال في موضع الاسترسال.

و إذا كان موضع الحديث على أنّه مضحك و مله، و داخل في باب المزاح و الطّيب، فاستعملت فيه الإعراب، انقلب عن جهته. و إن كان في لفظه سخف و أبدلت‏

18

السّخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يسرّ النّفوس يكر بها، و يأخذ بأكظامها[1].

561-[الورع الزائف‏]

[2] و بعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر و الأير و النيك ارتدع و أظهر التقزّز، و استعمل باب التّورّع. و أكثر من تجده كذلك فإنّما هو رجل ليس معه من العفاف و الكرم‏[3]، و النّبل و الوقار، إلاّ بقدر هذا الشّكل من التّصنع. و لم يكشف قطّ صاحب رياء و نفاق، إلاّ عن لؤم مستعمل، و نذالة متمكّنة.

562-[تسمّح بعض الأئمة في ذكر ألفاظ]

و قد كان لهم في عبد اللّه بن عباس مقنع، حين سمعه بعض الناس‏[4]ينشد في المسجد الحرام: [من الرجز]

و هنّ يمشين بنا هميسا # إن تصدق الطّير ننك لميسا[5]

فقيل له في ذلك، فقال: إنّما الرّفت ما كان عند النساء.

و قال الضّحّاك: لو كان ذلك القول رفثا لكان قطع لسانه أحبّ إليه من أن يقول هجرا.

قال شبيب بن يزيد الشيباني، ليلة بيّت عتّاب بن ورقاء: [من الرجز] من ينك العير ينك نيّاكا[6] و قال عليّ بن أبي طالب-رضي اللّه عنه-حين دخل على بعض الأمراء فقال له‏[7]: من في هذه البيوت؟فلما قيل له: عقائل من عقائل العرب، قال عليّ: «من يطل أير أبيه ينتطق به» [8].

[1]الأكظام: جمع كظم، و هي الحلق؛ أو الفم؛ أو مخرج النفس. «القاموس: كظم» .

[2]رسائل الجاحظ 2/92، «مفاخرة الجواري و الغلمان» .

[3]في رسائل الجاحظ «من المعرفة و الكرم» .

[4]هو أبو العالية كما في المستدرك للحاكم 2/476، و عيون الأخبار 1/321.

[5]الرجز لابن عباس في رسائل الجاحظ 2/92، و عيون الأخبار 1/321، و الجمهرة 422، و اللسان و التاج (رفث، همس) ، و التهذيب 6/143، 15/78، و عمدة الحفاظ (رفث) ، و بلا نسبة في العين 4/10، و التاج (لمس) و الجمهرة 863.

[6]الرجز بلا نسبة في اللسان و التاج (نوك) ، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/305، و المستقصى 2/364، يضرب مثلا لمن يغالب الغلاب، و تقدم في الفقرة (447) .

[7]رسائل الجاحظ 2/92.

[8]مجمع الأمثال 2/300، و المستقصى 2/364، و أمثال ابن سلام 198، و جمهرة الأمثال 2/253، «يريد: من كثر إخوته اشتد ظهره و عزه بهم» . ـ

19

فعلى عليّ رضي اللّه تعالى عنه-يعوّل في تنزيه اللفظ و تشريف المعاني.

و قال أبو بكر-رضي اللّه عنه-حين قال بديل بن ورقاء للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم: جئتنا بعجرائك و سودانك، و لو قد مسّ هؤلاء وخز السّلاح لقد أسلموك!فقال أبو بكر- رضي اللّه عنه-: عضضت ببظر اللاّت‏[1]! و قد رووا مرفوعا قوله: «من يعذرني من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور؟» [2].

563-[لكلّ مقام مقال‏]

و لو كان ذلك الموضع موضع كناية هي المستعملة. و بعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع استعملها أهل هذه اللّغة و كان الرأي ألاّ يلفظ بها، لم يكن لأوّل.

كونها معنى إلاّ على وجه الخطإ، و لكان في الحزم و الصّون لهذه اللّغة أن ترفع هذه الأسماء منها.

و قد أصاب كلّ الصّواب الذي قال: «لكلّ مقام مقال» [3].

564-[الورع الذي يبغضه اللّه تعالى‏]

و لقد دخل علينا فتى حدث كان قد وقع إلى أصحاب عبد الواحد بن زيد و نحن عند موسى بن عمران، فدار الحديث إلى أن قال الفتى: أفطرت البارحة على رغيف و زيتونة و نصف، أو زيتونة و ثلث، أو زيتونة و ثلثي زيتونة، أو ما أشبه ذلك.

بل أقول: أكلت زيتونة، و ما علم اللّه من أخرى، فقال موسى: إنّ من الورع ما يبغصه اللّه، علم اللّه؛ و أظنّ ورعك هذا من ذلك الورع.

و كان العتبي ربّما قال: فقال لي المأمون كذا و كذا، حين صار النّجم على قمّة الرأس، أو حين جازني شيئا، أو قبل أن يوازي هامتي. هكذا هو عندي، و في أغلب ظنّي، و أكره أن أجزم على شي‏ء و هو كما قلت إن شاء اللّه تعالى، و قريبا ممّا نقلت.

فيتوقف في الوقت الذي ليس من الحديث في شي‏ء. و ذلك الحديث إن كان مع طلوع الشمس لم يزده ذلك خيرا، و إن كان مع غروبها لم ينقصه ذلك شيئا. هذا و لعلّ الحديث في نفسه لم يكن قطّ و لم يصل هو في تلك الليلة البتّة. و هو مع ذلك زعم أنّه دخل على أصحاب الكهف فعرف عددهم، و كانت عليهم ثياب سبنيّة [1]رسائل الجاحظ 2/93، و النهاية 1/138.

[2]يروى هذا القول لحمزة بن عبد المطلب في رسائل الجاحظ 2/93، و المعارف 317.

[3]رسائل الجاحظ 2/93، و مجمع الأمثال 2/198، و المستقصى 2/293، و الفاخر 314.

20

و كلبهم ممعّط الجلد. و قد قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه صلى اللّه عليه و سلم: لَوِ اِطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرََاراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [1].

565-[جملة من نوادر الشعر]

و سنذكر من نوادر الشّعر جملة، فإن نشطت لحفظها فاحفظها؛ فإنّها من أشعار المذاكرة. قال الثّقفي‏[2]: [من البسيط]

من كان ذا عضد يدرك ظلامته # إن الذّليل الّذي ليست له عضد

تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره # و يأنف الضّيم إن أثرى له عدد

و قال أبو قيس بن الأسلت‏[3]: [من السريع‏]

بزّ امرئ مستبسل حاذر # للدّهر، جلد غير مجزاع

الكيس و القوّة خير من الـ # إشفاق و الفهة و الهاع‏

و قال عبده بن الطّبيب‏[4]: [من البسيط]

ربّ حبانا بأموال مخوّلة # و كلّ شي‏ء حباه اللّه تخويل

و المرء ساع لأمر ليس يدركه # و العيش شحّ و إشفاق و تأميل‏

و كان عمر بن الخطّاب-رضي اللّه تعالى عنه-يردّد هذا النصف الآخر، و يعجب من جودة ما قسم‏[5].

و قال المتلمّس‏[6]: [من الوافر]

و أعلم علم حقّ غير ظنّ # و تقوى اللّه من خير العتاد

لحفظ المال أيسر من بغاه # و ضرب في البلاد بغير زاد

[1]18/الكهف: 18.

[2]البيتان للأجرد الثقفي في الشعر و الشعراء 460، و للثقفي في البيان و التبيين 1/67، 3/325، و عيون الأخبار 3/2، و الأول للأجرد في التاج (عضد) ، و بلا نسبة في الجمهرة 658.

[3]ديوان أبي قيس بن الأسلت 79، و المفضليات 285، و شرح اختيارات المفضل 1238، و الأول في اللسان و التاج (هيع، فكك) ، و الجمهرة 158، 161، 970، و التهذيب 3/23، 9/460، و البيان و التبيين 1/204، و بلا نسبة في العين 2/170، و التاج (دهن) ، و المخصص 2/122، 3/52، 65، 14/65، و أمالي القالي 2/215.

[4]ديوان عبدة بن الطبيب 75، و المفضليات 142، و شرح اختيارات المفضل 674.

[5]انظر البيان و التبيين 1/241.

[6]الأبيات في الحماسة البصرية 2/68، و نهاية الأرب 3/64، و الشعر و الشعراء 88.

21

و إصلاح القليل يزيد فيه # و لا يبقى الكثير مع الفساد

و قال آخر[1]: [من الطويل‏]

و حفظك مالا قد عنيت بجمعه # أشدّ من الجمع الذي أنت طالبه‏

و قال حميد بن ثور الهلاليّ‏[2]: [من الطويل‏]

أ تشغل عنّا يا ابن عمّ فلن ترى أخا # البخل إلاّ[3]سوف يعتلّ بالشغل‏

و قال ابن أحمر[4]: [من البسيط]

هذا الثناء و أجدر أن أصاحبه # و قد يدوّم ريق الطامع الأمل‏

و قال ابن مقبل‏[5]: [من الطويل‏]

هل الدّهر إلاّ تارتان، فمنهما # أموت و أخرى أبتغي العيش أكدح

و كلتاهما قد خطّ لي في صحيفة # فلا الموت أهوى لي و لا العيش أروح‏

و قال عمرو بن هند[6]: [من الطويل‏]

و إن الذي ينهاكم عن طلابها # يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد

يعلّل و الأيّام تنقص عمره # كما تنقص النّيران من طرف الزّند

و قال أميّة-إن كان قالها[7]-: [من الخفيف‏]

ربّما تجزع النّفوس من الأمـ # ر له فرجة كحلّ العقال‏

[1]البيت بلا نسبة في البخلاء 170، و محاضرات الأدباء 1/237.

[2]ديوان حميد بن ثور 127.

[3]في ديوانه (لاء) ، و علق محقق الديوان: ( «لاء» مهموزة هي «لا» النافية؛ و إنما زيد عليها الهمزة لأنه قصد اسميتها) .

[4]ديوان ابن أحمر 136، و البيان و التبيين 1/181، و البرصان 195، و السمط 127، و المعاني الكبير 1258، و اللسان و التاج (دوم) ، و التهذيب 14/212، و بلا نسبة في المقاييس 2/316، و المجمل 2/302.

[5]ديوان ابن مقبل 38-39، و حماسة البحتري 123، و الخزانة 5/55.

[6]البيتان لعمرو بن هند في البيان و التبيين 3/34، و لعبد هند بن زيد التغلبي في الوحشيات 19.

[7]البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 444، و حماسة البحتري 223، و الخزانة 6/108، 113، 10/9، و اللسان و التاج (فرج) ، و الكتاب 2/109، و الدرر 1/77، و له أو لحنيف بن عمير أو لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب في شرح شواهد المغني 2/707، 708، و المقاصد النحوية 1/484، و له أو لأبي قيس صرمة بن أبي أنيس أو لحنيف في الخزانة 6/115، و لعبيد بن الأبرص في ديوانه 128، و بلا نسبة في أساس البلاغة (فرج) ، و أمالي المرتضى 1/486، و البيان و التبيين 3/260، و المقاييس 4/223، و الجمهرة 463، و شرح المفصل 4/352، 8/30، و مغني اللبيب 2/297.

22

566-[شعر في الغزل‏]

و قال آخر[1]: [من الطويل‏]

رمتني و ستر اللّه بيني و بينها # عشيّة آرام الكناس رميم

ألا ربّ يوم لو رمتني رميتها # و لكنّ عهدي بالنّضال قديم

رميم الّتي قالت لجارات بيتها # ضمنت لكم أن لا يزال يهيم‏

و قال آخر[2]: [من البسيط]

لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها # إلاّ تطاول غصن الجيد للجيد

كما تطاعم في خضراء ناعمة # مطوّقان أصاخا بعد تغريد

فإن سمعت بهلك للبخيل فقل # بعدا و سحقا له من هالك مودي‏

567-[شعر في الحكم و الزهد]

و قال أبو الأسود الدؤلي‏[3]: [من الكامل‏]

المرء يسعى ثمّ يدرك مجده # حتّى يزيّن بالّذي لم يفعل

و ترى الشقيّ إذا تكامل غيّه # يرمى و يقذف بالّذي لم يعمل‏

و قال دريد[4]: [من الطويل‏]

رئيس حروب لا يزال ربيئة # مشيح على محقوقف الصّلب ملبد[5]

صبور على رزء المصائب حافظ # من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

و هوّن و جدي أنني لم أقل له # كذبت و لم أبخل بما ملكت يدي‏

و قال سعيد بن عبد الرحمن‏[6]: [من الطويل‏]

و إنّ امرأ يمسي و يصبح سالما # من النّاس إلاّ ما جنى لسعيد

[1]الأبيات لنصيب في ديوانه 125، و أمالي المرتضى 1/447، و لأبي حية النميري في ديوانه 172، و البيان و التبيين 3/324، و السمط 924، و بلا نسبة في البيان 1/68، و الأمالي 2/280.

[2]البيت الأول و الثاني بلا نسبة في اللسان و التاج (طعم) ، و الثاني في أساس البلاغة (طعم) ، و التهذيب 2/192، و الثالث في الجمهرة 1258، و البخلاء 155.

[3]ديوان أبي الأسود الدؤلي 238.

[4]ديوان دريد بن الصمة 50-51، و ترتيب الأبيات فيه (38، 31، 43) ، و الأصمعيات 108.

[5]الربيئة: الطليعة؛ و هو الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو. مشيح: جاد. المحقوقف: المعوج.

ملبد: الفرس: شدّ عليه لبد السرج.

[6]البيت لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في البيان و التبيين 1/364، و لحسان بن ثابت في ديوانه 198، و عيون الأخبار 2/12.

23

و قال أكثم بن صيفيّ: [من المتقارب‏]

نربّى و يهلك آباؤنا # و بينا نربّي بنينا فنينا

و قال بعض المحدثين: [من المنسرح‏]

فالآن أسمحت للخطوب فلا # يلفى فؤادي من حادث يجب

قلّبني الدّهر في قوالبه # و كلّ شي‏ء ليومه سبب‏

و قال آخر[1]: [من الوافر]

لدوا للموت و ابنوا للخراب # فكلّكم يصير إلى ذهاب

ألا يا موت لم أر منك بدّا # أبيت فما تحيف و لا تحابي

كأنّك قد هجمت على مشيبي # كما هجم المشيب على شبابي‏

و قال آخر: [من البسيط]

يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي # فالنّاس من بين معموم و مخصوص

لا شي‏ء في هذه الدنيا يحاط به # إلاّ إحاطة منقوص بمنقوص‏

568-[شعر في التشبيه‏]

و أنشدنا للأحيمر[2]: [من الكامل‏]

بأقبّ منطلق اللّبان كأنّه # سيد تنصّل من حجور سعالي‏[3]

و قال الآخر[4]: [من الطويل‏]

أراقب لمحا من سهيل كأنّه # إذا ما بدا من دجية اللّيل يطرف‏

و قالوا[5]: قال خلف الأحمر: لم أر أجمع من بيت لامرئ القيس، و هو قوله:

[من المتقارب‏]

أفاد و جاد و ساد و زاد # و قاد و ذاد و عاد و أفضل‏

[1]الأبيات لأبي العتاهية في ديوانه 33، و هي لأبي نواس في ديوانه 99 (طبعة المكتبة التجارية الكبرى، 1937) .

[2]البيت في البيان و التبيين 4/53.

[3]الأقب: الضامر البطن. «القاموس: قب» . اللبان: الصدر. «القاموس: لبن» . السيد: الذئب «القاموس: سيد» .

[4]البيت لجران العود في ديوانه 53، و البيان و التبيين 4/40، و أساس البلاغة (لوح) ، و المجمل 4/256، و بلا نسبة في المقاييس 5/209، 220.

[5]ورد الخبر مع البيت في البيان و التبيين 4/53، و الوساطة 337-338، و العمدة 2/31 «باب التقسيم» .

24

و لا أجمع من قوله‏[1]: [من الطويل‏]

له أيطلا ظبي و ساقا نعامة # و إرخاء سرحان و تقريب تتفل‏

و قالوا: و لم نر في التشبيه كقوله، حين شبّه شيئين بشيئين في حالتين مختلفين في بيت واحد، و هو قوله‏[2]: [من الطويل‏]

كأن قلوب الطّير رطبا و يابسا # لدى و كرها العنّاب و الحشف البالي‏

569-[قطعة من أشعار النساء]:

و سنذكر قطعة من أشعار النساء. قالت أعرابيّة[3]: [من الطويل‏]

رأت نضو أسفار أميمة شاحبا # على نضو أسفار فجنّ جنونها

فقالت: من أيّ الناس أنت، و من تكن # فإنّك مولى فرقة لا تزينها

و قالت امرأة من خثعم: [من الطويل‏]

فإن تسألوني من أحبّ فإنّني # أحبّ، و بيت اللّه، كعب بن طارق

أحبّ الفتى الجعد السّلوليّ ناضلا # على النّاس معتادا لضرب المفارق‏

و قالت أخرى: [من الطويل‏]

و ما أحسن الدّنيا و في الدّار خالد # و أقبحها لمّا تجهز غاديا

و قالت أمّ فروة الغطفانيّة[4]: [من الطويل‏]

فما ماء مزن أيّ ماء تقوله # تحدّر من غرّ طوال الذّوائب

بمنعرج أو بطن واد تحدّرت # عليه رياح الصّيف من كلّ جانب

نفى نسم الرّيح القذا عن متونه # فما إن به عيب يكون لعائب‏

[1]ديوان امرئ القيس 21، و العمدة 2/24، و اللسان (غور، تفل، رخا) ، و التاج (أطل، تفل) ، و التهذيب 8/181، 14/285، و المقاييس 1/112، و بلا نسبة في اللسان (سرح، أطل) ، و التهذيب 4/301، 7/542، و شرح المفصل 6/112.

[2]ديوان امرئ القيس 38، و عيار الشعر 25-26، و المقاصد النحوية 3/216، و اللسان (أدب) ، و التاج (بال) ، و شرح شواهد المغني 1/342، 2/595، 819، و الصاحبي في فقه اللغة 244، و المنصف 2/117.

[3]البيتان في اللسان (جنن، ضحا) ، و أمالي المرتضى 1/508، و حماسة الخالديين 1/217، و إنباه الرواة 3/133، و نقد الشعر 193، و حماسة القرشي 120.

[4]الأبيات لزينب بنت فروة المرية في أمالي القالي 2/87، و لامرأة من طيئ في الوحشيات 202، و لعاتكة المرية في زهر الآداب 1/167، و معجم الأبيات الشواعر 312، و شاعرات العرب 201.

25

بأطيب ممّن يقصر الطّرف دونه # تقى اللّه و استحياء بعض العواقب‏

و قال بعض العشاق‏[1]: [من الطويل‏]

و أنت الّتي كلّفتني دلج السّرى # و جون القطا بالجلهتين جثوم

و أنت الّتي أورثت قلبي حرارة # و قرّحت قرح القلب و هو كليم

و أنت التي أسخطت قومي فكلّهم # بعيد الرّضا داني الصّدود كظيم‏

فقالت المعشوقة[2]: [من الطويل‏]

و أنت الّذي أخلفتني ما وعدتني # و أشمتّ بي من كان فيك يلوم

و أبرزتني للنّاس حتّى تركتني # لهم غرضا أرمى و أنت سليم

فلو أنّ قولا يكلم الجسم قد بدا # بجلدي من قول الوشاة كلوم‏

و قال آخر[3]: [من الطويل‏]

شهدت و بيت اللّه أنّك غادة # رداح و أنّ الوجه منك عتيق‏[4]

و أنّك لا تجزينني بمودّة # و لا أنا للهجران منك مطيق‏

فأجابته‏[5]: [من الطويل‏]

شهدت و بيت اللّه أنّك بارد الـ # ثّنايا و أنّ الخصر منك رقيق

و أنّك مشبوح الذّراعين خلجم # و أنّك إذ تخلو بهنّ رفيق‏[6]

570-[شعر مختار]

و قال آخر[7]: [من الكامل‏]

اللّه يعلم يا مغيرة أنني # قد دستها دوس الحصان الهيكل‏

[1]الأبيات لابن الدمينة في ديوانه 36-37، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1379، و الأغاني 17/101، و معاهد التنصيص 1/162، و معجم الأدبيات الشواعر 97-98.

[2]الأبيات لأمامة (أو أميمة) معشوقة ابن الدمينة في تزيين الأسواق 307، و ديوان ابن الدمينة 42، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1381، و الأغاني 2/59، 17/100، و البيان 3/370، و معجم الأبيات 98، و معاهد التنصيص 1/162.

[3]البيتان لقيس بن الذريح في ديوانه 130، و تزيين الأسواق 190، و الأغاني 9/204.

[4]رداح: الثقيلة الأوراك. «القاموس: ردح» العتيق: الجميل الرائع. «القاموس: عتق» .

[5]البيتان لأعرابية في بلاغات النساء 153، و معجم الأدبيات 93، و شاعرات العرب 206، و بلا نسبة في البيان 2/351، و رواية عجز البيت الأول: (و إن الخصر منك لطيف) ، و رواية عجز البيت الثاني: (و أنك إذ تخلو بهن عنيف) .

[6]مشبوح الذراعين: عريضهما. «القاموس: شبح» . خلجم: الجسيم العظيم. «القاموس: خلجم» .

[7]البيتان للعجاج في ديوانه 2/312، و بلا نسبة في البيان و التبيين 2/351، و الثاني في اللسان و التاج (فتخ) .

26

فأخذتها أخذ المقصّب شاته # عجلان يشويها لقوم نزّل‏

و قال كعب بن سعد الغنويّ‏[1]: [من الطويل‏]

و حدّثتماني أنّما الموت بالقرى # فكيف و هاتا هضبة و قليب

و ماء سماء كان غير مجمّة # ببرّيّة تجري عليه جنوب‏[2]

و منزلة في دار صدق و غبطة # و ما أقتال في حكم عليّ طبيب‏

و قال دريد بن الصّمّة[3]: [من الطويل‏]

رئيس حروب لا يزال ربيئة # مشيح على محقوقف الصّلب ملبد

صبور على رزء المصائب حافظ # من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

و هوّن وجدي أنني لم أقل له # كذبت و لم أبخل بما ملكت يدي‏

571-[قطع من البديع‏]

و قطعة من البديع قوله: [من الرجز]

إذا حداها صاحبي و رجّعا # و صاح في آثارها فأسمعا

يتبعن منهن جلالا أتلعا # أدمك في ماء المهاوي منقعا

و قال الراجز في البديع المحمود[4]: [من الرجز]

قد كنت إذ حبل صباك مدمش # و إذ أهاضيب الشباب تبغش‏[5]

و من هذا البديع المستحسن منه، قول حجر بن خالد بن مرثد[6]: [من الطويل‏]

سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد # كفعل أبي قابوس حزما و نائلا

يساق الغمام الغرّ من كلّ بلدة # إليك فأضحى حول بيتك نازلا

فأصبح منه كلّ واد حللته # و إن كان قد خوّى المرابيع سائلا[6]

فإن أنت تهلك يهلك الباع و النّدا # و تضحي قلوص الحمد جرباء حائلا[7]

فلا ملك ما يبلغنّك سعيه # و لا سوقة ما يمدحنّك باطلا

[1]الأبيات في الأصمعيات 97، و الحماسة البصرية 1/233، و الأمالي 2/148، و السمط 774.

[2]المجمة: مكان وجوم الماء، أي كثير. «القاموس: جمّ» .

[3]ديوان دريد بن الصمة 50-51، و الأصمعيات 108.

[4]الرجز بلا نسبة في البيان و التبيين 3/334، و البيت الأول برواية: (إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش) و هو في اللسان (دمج) ، و شرح الأشموني 3/878، و سر صناعة الإعراب 1/205، و الممتع في التصريف 1/412.

[5]قوله «مدمش» أراد به «مدمج» ، فأبدل الشين مكان الجيم.

[6]الأبيات في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 2/294.

[7]المرابيع: الأمطار أول الربيع. «القاموس: ربع» .

[8]القلوس: الناقة الفتية. «القاموس: قلص» . الحائل: الناقة التي حمل عليها فلم تلقح. «القاموس: حول» .

27

باب في صدق الظّنّ و جودة الفراسة

572-[شعر في الظن و الفراسة]

قال أوس بن حجر[1]: [من المنسرح‏]

الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ # نّ كأن قد رأى و قد سمعا

و قال عمر بن الخطّاب‏[2]: «إنك لا تنتفع بعقل الرّجل حتّى تعرف صدق فطنته» .

و قال أوس بن حجر[3]: [من المتقارب‏]

مليح نجيح أخو مأزق # نقاب يحدّث بالغائب‏

و قال أبو الفضّة، قاتل أحمر بن شميط: [من الوافر]

فإلاّ يأتكم خبر يقين # فإنّ الظّنّ ينقص أو يزيد

و قيل لأبي الهذيل: إنّك إذا راوغت و اعتللت-و أنت تكلّم النظام و قمت- فأحسن حالاتك أن يشكّ النّاس فيك و فيه!قال: خمسون شكّا خير من يقين واحد!! و قال كثيّر في عبد الملك: [من الوافر]

رأيت أبا الوليد غداة جمع # به شيب و ما فقد الشّبابا[4]

[1]ديوان أوس بن حجر 53، و ذيل الأمالي 34، و اللسان (حظرب، لمع) ، و التهذيب 2/424، و ديوان الأدب 1/273، و كتاب الجيم 3/214، و معاهد التنصيص 1/128، و البيان و التبيين 4/68، و عيون الأخبار 1/34، و رسائل الجاحظ 1/302.

[2]ورد قول عمر بن الخطاب في رسائل الجاحظ 1/302.

[3]ديوان أوس بن حجر 12، و رسائل الجاحظ 1/302، و اللسان و التاج (نقب، نجح، أقط) ، و المقاييس 5/466، و التهذيب 4/159، 9/199، و التنبيه و الإيضاح 1/142، و فصل المقال 142، و مجمع الأمثال 1/18، و زهر الأكم 1/125، و كتاب الأمثال لمجهول 36، و المستقصى 1/423، و بلا نسبة في ديوان الأدب 1/455، و الجمهرة 375.

[4]ديوان كثير عزة 268، و البيان و التبيين 4/67، و نسب الأول و الثالث إلى الأقيشر الأسدي في التاج (مرض) ، و هما بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/302، و اللسان و أساس البلاغة (مرض) ، و تهذيب اللغة 12/35، و الثالث بلا نسبة في المقاييس 5/312، و المجمل 4/320، و العين 7/40.

28

فقلت له، و لا أعيا جوابا: # إذا شابت لدات المرء شابا

و لكن تحت ذاك الشيب حزم # إذا ما قال أمرض أو أصابا

و ليس في جودة الظّنّ بيت شعرا أحسن من بيت بلعاء بن قيس: [من الطويل‏]

و أبغي صواب الظّنّ، أعلم أنّه # إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره‏[1]

و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [2].

و قال ابن أبي ربيعة في الظّنّ‏[3]: [من الخفيف‏]

و دعاني إلى الرّشاد فؤاد # كان للغيّ مرّة قد دعاني

ذاك دهر لو كنت فيه قريني # غير شكّ عرفت لي عصياني

و تقلّبت في الفراش و لا تعـ # لم إلاّ الظّنون أين مكاني‏

573-[شعر مختار]

و قال ابن أبي ربيعة في غير هذا الباب‏[4]: [من الوافر]

و خلّ كنت عين النّصح منه # إذا نظرت و مستمعا مطيعا

أطاف بغيّة فنهيت عنها # و قلت له أرى أمرا شنيعا

أردت رشاده جهدي، فلما # أبى و عصى أتيناها جميعا

و قال معقّر بن حمار البارقي‏[5]: [من البسيط]

الشّعر لبّ المرء يعرضه # و القول مثل مواقع النّبل

منها المقصّر عن رميّته # و نوافذ يذهبن بالخصل‏

574-[أبيات للمحدثين حسان‏]

و أبيات للمحدثين حسان، قال العتّابيّ‏[6]: [من الطويل‏]

و كم نعمة آتاكها اللّه جزلة # مبرّأة من كلّ خلق يذيمها

[1]البيت لبلعاء بن قيس في البرصان 5، 33، و فصل المقال 128، و مجموعة المعاني 210، و المؤتلف 106، و بهجة المجالس 1/419، و نسب إلى عفرس بن جبهة الكلابي في حماسة البحتري 403، و بلا نسبة في عيون الأخبار 1/35.

[2]20/سبأ: 34.

[3]ديوان عمر بن أبي ربيعة 289-290.

[4]ديوان عمر بن أبي ربيعة 495-496.

[5]البيتان لمعقر بن حمار في ربيع الأبرار 5/263.

[6]البيتان الأخيران في البيان و التبيين 1/120، و نسبا إلى عمرو بن كلثوم في محاضرات الأدباء 1/133.

29

فسلطت أخلاقا عليها ذميمة # تعاورنها حتّى تفرّى أديمها

و لوعا و إشفاقا و نطقا من الخنا # بعوراء يجري في الرّجال نميمها

و كنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى # بلغت بأدنى نعمة تستديمها

و لكن فطام النّفس أعسر محملا # من الصّخرة الصّمّاء حين ترومها

و قال أيضا: [من الطويل‏]

و كنت امرأ هيّابة تستفزّني # رضاعي بأدنى ضجعة أستلينها

أوافي أمير المؤمنين بهمّة # توقّل في نيل المعالي فنونها

رعى أمّة الإسلام فهو إمامها # و أدّى إليها الحقّ فهو أمينها

و يستنتج العقماء حتّى كأنما # تغلغل في حيث استقرّ جنينها

و ما كل موصوف له يهتدي # و لا كل من أمّ الصّوى يستبينها

مقيم بمستنّ العلا، حيث تلتقي # طوارف أبكار الخطوب و عونها

و قال الحسن بن هانئ‏[1]: [من السريع‏]

قولا لهارون إمام الهدى # عند احتفال المجلس الحاشد

نصيحة الفضل و إشفاقه # أخلى له وجهك من حاسد[2]

بصادق الطاعة ديّانها # و واحد الغائب و الشاهد

أنت على ما بك من قدرة # ما أنت مثل الفضل بالواجد

أوحده اللّه فما مثله # لطالب ذاك و لا ناشد

و ليس على اللّه بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد

و قال عديّ بن الرّقاع العاملي‏[3]: [من الكامل‏]

و قصيدة قد بتّ أجمع بينها # حتّى أقوّم ميلها و سنادها

نظر المثقّف في كعوب قناته # حتّى يقيم ثقافه منآدها

و علمت حتّى لست أسأل عالما # عن حرف واحدة لكي أزدادها

صلّى الإله على امرئ ودّعته # و أتمّ نعمته عليه و زادها

[1]ديوان أبي نواس 454.

[2]الفضل هو ابن يحيى البرمكي.

[3]ديوان عدي بن الرقاع 38. 39، و الطرائف الأدبية 89، و الأغاني 9/316-317، و معجم الشعراء 87، و البيان و التبيين 3/244، و معجم البلدان (الأحص، خناصرة) ، و عيون الأخبار 2/128.

30

575-[من قال شعرا و هو صغير]

قال‏[1]: و اجتمع ناس من الشّعراء بباب عديّ بن الرقاع يريدون مما تنته و مساجلته، فخرجت إليهم بنت له صغيرة، فقالت‏[1]: [من الطويل‏]

تجمّعتم من كلّ أوب و منزل # على واحد لا زلتم قرن واحد

و قال عبد الرحمن بن حسّان الأنصاري، و هو صغير[2]: [من البسيط]

اللّه يعلم أنّي كنت مشتغلا # في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا

و قال لأبيه و هو صبيّ-و رجع إليه و هو يبكي و يقول: لسعني طائر!قال: فصفه لي يا بنيّ!قال كأنّه ثوب حبرة!قال حسّان: قال ابني الشّعر و ربّ الكعبة! و كان الذي لسعه زنبورا.

و قال سهل بن هارون، و هو يختلف إلى الكتّاب لجار لهم‏[3]: [من البسيط]

نبّيت بغلك مبطونا فقلت له # فهل تماثل أو نأتيه عوّادا

و قال طرفة و هو صبيّ صغير[4]: [من الرجز]

يا لك من قبّرة بمعمر # خلالك الجوّ فبيضي و اصفري‏

و قال بعض الشعراء[5]: [من الوافر]

إذا ما مات ميت من تميم # فسرّك أن يعيش فجئ بزاد

[1]الخبر مع البيت في ذيل الأمالي 70، و الأغاني 9/310، و الكامل 343، و الشعر و الشعراء 622 (شاكر) ، و البيت بلا نسبة في المعاني الكبير 845، و الجمهرة 1029.

[2]البيت مع الخبر في الكامل 343 (طبعة الوالي) ، 154 (طبعة المعارف) .

[3]البيت في رسائل الجاحظ 2/304، و رواية الخبر في الرسائل: «قال سهل بن هارون: بعثت و أنا صبي إلى جار لنا أستعير منه بغلا، فزعم أنه مبطون، فغبرت أياما، ثم كتبت له: نبّيت بغلك... »

[4]الرجز لطرفة في ديوانه 46، و الشعر و الشعراء 90، و اللسان (عمر، قبر، نقر، جوا) ، و الجمهرة 795، و التاج (عمر، نقر، جوا، الياء) ، و التهذيب 2/384، 11/228، و لكليب بن ربيعة في اللسان (يا) ، و التنبيه و الإيضاح 2/184، و بلا نسبة في الخصائص 3/230، و المخصص 12/39، و الجمهرة 772، و المنصف 1/138، 3/21، و العقد الفريد 3/127، و رسائل الجاحظ 1/343.

[5]الأبيات ليزيد بن الصعق في أشعار العامريين 58، و الحماسة البصرية 2/259، و معجم الشعراء 480، و الاقتضاب 288، و له أو لأبي المهوش (أو المهوس) في اللسان (لفف، لقم) ، و التاج (لفف) ، و لأبي مهوش الفقعسي أو أبي الهوس الأسدي في الكامل 1/100 (طبعة المعارف) ، و بلا نسبة في البيان و التبيين 1/190، و مجمع الأمثال 2/395، و عيون الأخبار 2/203، و أدب الكاتب 13، و المعاني الكبير 580، و البيت الثالث لأبي المهوش في رسائل الجاحظ 2/283، و بلا نسبة في البيان 3/321، و ثمار القلوب 257 (493) . و الأول بلا نسبة في السان (عفر) .

31

بخبز أو بلحم أو بسمن # أو الشّي‏ء الملفّف في البجاد[1]

تراه يطوف بالآفاق حرصا # ليأكل رأس لقمان بن عاد

و قال الأصمعي: الشي‏ء الملفّف في البجاد: الوطب.

و قال أعرابيّ: [من الطويل‏]

ألا بكرت تلحى قتيلة بعد ما # بدا في سواد الرّأس أبيض واضح

لتدرك بالإمساك و المنع ثروة # من المال أفنتها السّنون الجوائح

فقلت لها: لا تعذليني فإنما # بذكر النّدى تبكي عليّ النوائح‏

576-[أشعار تجوز في المذاكرة]

و قال بشّار أبياتا تجوز في المذاكرة، في باب المنى، و في باب الحزم، و في باب المشورة، و ناس يجعلونها للجعجاع الأزدي، و ناس يجعلونها لغيره، و هي قوله‏[2]:

[من الطويل‏]

إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن # برأي نصيح أو نصيحة حازم

و لا تحسب الشّورى عليك غضاضة # مكان الخوافي رافد للقوادم

و أدن من القربى المقرّب نفسه # و لا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم

و ما خير كفّ أمسك الغلّ أختها # و ما خير نصل لم يؤيّد بقائم

فإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى # و لا تبلغ العليا بغير المكارم‏

و قال بعض الأنصار[3]: [من الوافر]

و بعض خلائق الأقوام داء # كداء الشيخ ليس له شفاء

[1]البجاد: الكساء «القاموس: بجد» .

[2]الأبيات لبشار بن برد في ديوان المعاني 1/137، و البيان و التبيين 4/49، و المختار من شعر بشار 201، و نهاية الأرب 6/71، و محاضرات الراغب 1/14، و نكت الهميان 130، و الأغاني 3/157، 214، و الحماسة البصرية 2/58، و بلا نسبة في عيون الأخبار 1/32.

[3]البيتان لقيس بن الخطيم في ديوانه 151، 154، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1187، و له أو لربيع بن أبي الحقيق في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 3/104، و لربيع بن أبي الحقيق في البيان و التبيين 3/186، و الأشباه و النظائر للخالديين 1/72، و البيت الأول للحطيئة في ديوانه 319، و أساس البلاغة (عنج) ، و لابن الإطنابة في التاج (أتو) ، و أساس البلاغة (أتى) ، و بلا نسبة في اللسان (عنج، أتى) ، و المقاييس 1/52، 4/151، 152، و العين 8/146، و التهذيب 1/370، و التاج (عنج) .

32

و بعض القول ليس له عناج # كمخض الماء ليس له إتاء

و قال تأبّط شرّا-إن كان قالها-[1]: [من المديد]

شامس في القرّ حتّى إذا ما # ذكت الشّعرى فبرد و ظلّ‏[2]

و له طعمان: أري و شريّ # و كلا الطّعمين قد ذاق كلّ‏[3]

مسبل في الحيّ أحوى رفلّ # و إذا يغدو فسمع أزلّ‏[4]

و وراء الثأر منه ابن أخت # مصع عقدته ما تحلّ

مطرق يرشح سمّا، كما # أطرق أفعى ينفث السمّ صلّ

خبر ما نابنا مصمئلّ # جلّ حتّى دقّ فيه الأجلّ‏[5]

كلّ ماض قد تردّى بماض # كسنا البرق إذا ما يسلّ‏[6]

فاسقنيها يا سواد بن عمرو # إنّ جسمي بعد خالي لخلّ‏

و قال سلامة بن جندل‏[7]: [من الطويل‏]

سأجزيك بالودّ الذي كان بيننا # أ صعصع إنّي سوف أجزيك صعصعا

سأهدي و إن كنا بتثليث مدحة # إليك و إن حلّت بيوتك لعلعا

فإن يك محمودا أبوك فإنّنا # وجدناك محمود الخلائق أروعا

فإن شئت أهدينا ثناء و مدحة # و إن شئت أهدينا لكم مائة معا

فقال صعصعة بن محمود بن بشر بن عمرو بن مرثد: الثّناء و المدحة أحبّ إلينا. و كان أحمر بن جندل أسيرا في يده، فخلّى سبيله من غير فداء.

[1]الأبيات من قصيدة تنسب إلى تأبط شرّا، أو الشنفرى، أو خلف الأحمر، أو ابن أخت تأبط شرا في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 832، و شرح ديوان الحماسة للتبريزي 2/162، و الخزانة 3/332 (بولاق) ، و انظر ديوان الشنفرى في الطرائف الأدبية 39، الفقرة (حى) .

[2]الشعرى: كوكب نيّر يطلع بعد الجوزاء، و طلوعه في شدة الحر. «اللسان: شعر» .

[3]الأري: العسل. «القاموس: أري» . الشري: الحنظل أو شجره. «القاموس: شري» .

[4]الرفل: الكثير اللحم. «القاموس: رفل» . السمع: ولد الذئب من الضبع. «القاموس: سمع» . الأزل:

القليل لحم الفخذين. «القاموس: أزل» .

[5]المصمئل؛ في القاموس: اصمأل: اشتد، و المصمئلة: الداهية. «القاموس: صمأل» .

[6]أراد بالماضي الأول: الرجل الشديد، و بالماضي الثاني: السيف القاطع.

[7]الأبيات في البيان و التبيين 3/318-319.

33

و قال أوس بن حجر، في هذا الشّكل من الشّعر-و هو يقع في باب الشّكر و الحمد-[1]: [من الطويل‏]

لعمرك ما ملّت ثواء ثويّها # حليمة إذ ألقى مراسي مقعد[2]

و لكن تلقت باليدين ضمانتي # و حلّ بفلج فالقنافذ عوّدي‏[3]

و قد غبرت شهري ربيع كليهما # بحمل البلايا و الخباء الممدّد

و لم تلهها تلك التّكاليف؛ إنّها # كما شئت من أكرومة و تخرّد[4]

سأجزيك أو يجزيك عني مثوّب # و حسبك أن يثنى عليك و تحمدي‏

و قال أبو يعقوب الأعور[5]: [من الطويل‏]

فلم أجزه إلاّ المودّة جاهدا # و حسبك منّي أن أودّ و أجهدا

577-[أبيات تضاف إلى الإيجاز]

و أبيات تضاف إلى الإيجاز و حذف الفضول. قال بعضهم و وصف كلابا في حال شدّها و عدوها، و في سرعة رفع قوائمها و وضعها-فقال‏[6]: [من الرجز]

كأنّما ترفع ما لم يوضع‏

و وصف آخر ناقة بالنشاط و القوّة فقال‏[7]: [من الرجز]

خرقاء إلاّ أنها صناع‏

و قال الآخر[8]: [من الرجز]

الليل أخفى و النهار أفضح‏

[1]ديوان أوس بن حجر 26، و البيان و التبيين 3/319 و الأغاني 11/73، و معاهد التنصيص 1/134، و شرح الأبيات التالية من ديوانه.

[2]الثوي: الضيف. الثواء: الإقامة. ألقى مراسيه: استقر.

[3]الضمانة: العاهة و الداء. فلج و القنافذ: موضعان. العود: جمع عائد، و هو الذي يزور المريض.

[4]التخرد: مصرد تخرّد؛ و الخريدة من النساء: البكر التي لم تمس قط، و قيل: هي الحيية الطويلة السكوت؛ الخافضة الصوت؛ الخفرة المستترة: الأكرومة من «كرم» كالأعجوبة من «عجب» .

[5]البيت للخريمي أبي يعقوب في ديوانه 22، و البيان و التبيين 3/320، و رسائل الجاحظ 1/305.

[6]الرجز في محاضرات الأدباء 2/285، و الصناعتين 79.

[7]الرجز في الرسالة الموضحة 28، و البيان و التبيين 1/150، 3/72، و الصناعتين 314، 419.

[8]الرجز من الأمثال في مجمع الأمثال 1/255، و جمهرة الأمثال 2/72، و المستقصى 1/343، و الدرة الفاخرة 1/172، 2/454، و هو في البيان و التبيين 1/151 و قبله: «إنك يا ابن جعفر لا تفلح» . ـ

34

و وصف الآخر قوسا فقال‏[1]: [من الرجز]

في كفّه معطية منوع‏

و قال الآخر[2]: [من الرجز]

و مهمه فيه السّراب يسبح # كأنّما دليله مطوّح

يدأب فيه القوم حتّى يطلحوا # كأنّما باتوا بحيث أصبحوا

و مثل هذا البيت الأخير قوله‏[3]: [من الكامل‏]

و كأنّما بدر وصيل كتيفة # و كأنّما من عاقل أرمام‏[4]

و مثله‏[5]: [من المتقارب‏]

تجاوزت حمران في ليلة # و قلت قساس من الحرمل‏[6]

و من الباب الأوّل قوله‏[7]: [من المجتث‏]

عادني الهمّ فاعتلج # كلّ همّ إلى فرج‏

و هذا الشّعر لجعيفران الموسوس.

و قال الآخر[8]: [من الرجز]

لم أقض من صحبة زيد أربي # فتى إذا نبّهته لم يغضب

أبيض بسّام و إن لم يعجب # و لا يضن بالمتاع المحقب

موكّل النّفس بحفظ الغيّب # أقصى رفيقيه له كالأقرب‏

[1]الرجز للعكلي في البيان و التبيين 1/150، و ديوان المعاني 2/59، و بلا نسبة في اللسان (ذوق) ، و التهذيب 9/263.

[2]البيتان لمسعود أخي ذي الرمة في ديوان المعاني 2/128.

[3]البيت لامرئ القيس في ديوانه 116.

[4]في ديوانه: (كتيفة من بلاد باهلة. و عاقل: جبل قريب منها. أرمام: متباعد عنها. يقول: كأن هذه المواضع متصلة على تباعد ما بينها لسرعة سير ناقته) .

[5]البيت لأوفى بن مطر الخزاعي في ذيل الأمالي 91، و بلا نسبة في التاج (حرمل) .

[6]حمران: اسم موضع، و في التاج «جمران» ، و في ذيل الأمالي «ماوان» و هما موضعان، و كذلك قساس.

[7]البيت في الأغاني 20/191، و رواية صدره: (لجّ ذا الهم و اعتلج) .

[8]الرجز لجرير في أمالي المرتضى 4/202، و الأبيات (2، 3، 5، 6) بلا نسبة في عيون الأخبار 3/23.

35

و قال دكين‏[1]: [من الرجز]

و قد تعلّلت ذميل العنس # بالسّوط في ديمومة كالتّرس

إذ عرّج اللّيل بروج الشّمس‏

و قال دكين أيضا[2]: [من الرجز]

بموطن ينبط فيه المحتسي # بالمشرفيّات نطاف الأنفس‏

و قال الراجز[3]: [من الرجز]

طال عليهنّ تكاليف السّرى # و النّصّ في حين الهجير و الضّحى

حتّى عجاهنّ فما تحت العجى # رواعف يخضبن مبيضّ الحصى‏[4]

في هذه الأرجوزة يقول:

و ضحك المزن بها ثمّ بكى‏

و من الإيجاز المحذوف قول الراجز، و وصف سهمه حين رمى عيرا كيف نفذ سهمه، و كيف صرعه، و هو قوله‏[5]: [من الرجز]

حتّى نجا من جوفه و ما نجا

578-[شعر في الاتّعاظ]

و مما يجوز في باب الاتّعاظ قول المرأة و هي تطوف بالبيت‏[6]: [من الرجز]

أنت وهبت الفتية السّلاهب # و هجمة يحار فيها الطّالب

و غنما مثل الجراد السّارب # متاع أيّام و كلّ ذاهب‏

و مثله قول المسعوديّ: [من الكامل‏]

أخلف و أنطف، كلّ شي # ء زعزعته الريح ذاهب‏[7]

[1]الرجز لمنظور بن مرثد في المقاييس 4/13، و لمنظور بن حبة الأسدي في المؤتلف 104، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/334، و اللسان و التاج (علل) ، و ديوان الأدب 3/190، و زهر الآداب 458 (طبعة زكي مبارك) .

[2]الرجز بلا نسبة في اللسان (رعس) .

[3]الرجز بلا نسبة في البيان و التبيين 3/335.

[4]العجى: جمع عجاية؛ و هي عصب مركب فيه فصوص من عظام تكون عند رسغ الدابة. «القاموس:

عجي» .

[5]الرجز في الرسالة الموضحة 29، و البيان و التبيين 1/150، 3/72، و الصناعتين 406، 474.

[6]الرجز بلا نسبة في البخلاء 165، و البيان و التبيين 3/194، 252، 4/69.

[7]ورد البيت مع بيت آخر في البيان و التبيين 3/194، 252، 4/69، و رواية صدر البيت في المواضع الثلاثة (أخلف و أتلف كل شي‏ء) .

36

و قال القدار و كان سيّد عنزة في الجاهلية: [من الكامل‏]

أهلكت مهري في الرّهان لجاجة # و من اللّجاجة ما يضرّ و ينفع‏

قال: و سمعت عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر ينشد-و كان فصيحا: [من الطويل‏]

إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما # يرجّى الفتى كيما يضرّ و ينفعا[1]

و قال الأخطل: [من البسيط]

شمس العداوة حتّى يستفاد لهم # و أعظم النّاس أحلاما إذا قدروا[2]

و قال حارثة بن بدر: [من الطويل‏]

طربت بفاثور و ما كدت أطرب # سفاها و قد جرّبت فيمن يجرّب‏[3]

و جرّبت ما ذا العيش إلاّ تعلّة # و ما الدّهر إلاّ منجنون يقلّب

و ما اليوم إلاّ مثل أمس الذي مضى # و مثل غد الجائي و كلّ سيذهب‏

و قال حارثة بن بدر الغداني أيضا[4]: [من الطويل‏]

إذا الهمّ أمسى و هو داء فألقه # و لست بممضيه و أنت تعادله

فلا تنزلن أمر الشديدة بامرئ # إذا رام أمرا عوّقته عواذله

و قل للفؤاد إن نزا بك نزوة # من الرّوع أفرخ أكثر الرّوع باطله‏

579-[شعر في الغزو]

و قال الحارث بن يزيد و هو جدّ الأحيمر السّعديّ و هو يقع في باب الغزو و تمدّحهم ببعد المغزى‏[5]: [من مجزوء الكامل‏]

لا لا أعقّ و لا أحو # ب و لا أغير على مضر

[1]البيت للنابغة الجعدي في ملحق ديوانه 246، و له أو للنابغة الذبياني في شرح شواهد المغني 1/507، و لهما أو لقيس بن الخطيم في الخزانة 8/498، و المقاصد النحوية 4/245، و لقيس ابن الخطيم في ملحق ديوانه 235، و للنابغة الذبياني في المقاصد النحوية 4/379، و شرح التصريح 2/3، و بلا نسبة في الخزانة 7/105، و شرح الأشموني 2/283 و مغني اللبيب 1/182.

[2]ديوان الأخطل 201، و اللسان (جشر، شمس) ، و بلا نسبة في أساس البلاغة (شمس) .

[3]الفاثور: اسم موضع أو واد بنجد، معجم البلدان 4/224.

[4]الأبيات في ديوان حارثة بن بدر الغداني 362، و البيان و التبيين 3/218، و أمالي المرتضى 1/381، و حماسة البحتري 11، و حماسة القرشي 130، و البيت الأول بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (عدل) ، و مجمل اللغة 3/453، و التهذيب 2/213، و الثالث له في البيان و التبيين 2/187، و بلا نسبة في اللسان و التاج و أساس البلاغة (فرخ) .

[5]البيتان في البيان و التبيين 3/200، و أشعار اللصوص 1/92.

37

لكنّما غزوي إذا # ضجّ المطيّ من الدّبر

و قال ابن محفّض المازنيّ‏[1]: [من الطويل‏]

إن تك درعي يوم صحراء كلية # أصيبت فما ذاكم عليّ بعار[2]

أ لم تك من أسلابكم قبل ذاكم # على وقبى يوما و يوم سفار[3]

[فتلك سرابيل ابن داود بيننا # عواريّ و الأيام غير قصار][4]

و نحن طردنا الحيّ بكر بن وائل # إلى سنة مثل الشّهاب و نار[5]

و موم و طاعون و حمى و حصبة # و ذي لبد يغشى المهجهج ضاري‏[6]

و حكم عدوّ لا هوادة عنده # و منزل ذلّ في الحياة و عار

و قال آخر[7]: [من الطويل‏]

خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم # و كونوا كمن سيم الهوان فأرتعا

و لا تكثروا فيها الضّجاج فإنّه # محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا

و قال أبو ليلى‏[8]: [من الوافر]

كأن قطاتها كردوس فحل # مقلّصة على ساقي ظليم‏

[1]الأبيات لحريث بن سلمة بن مرارة بن محفّض في ذيل الأمالي 81، و الأبيات (1-2-3) له في معجم البلدان 4/478 (كلية) .

[2]في ذيل الأمالي: «يوم صحراء كلية: موضع وقعة كانت بينهم و بين بني بكر بن وائل» ، و في معجم البلدان «كلية: هي من أودية العلاة باليمامة لبني تميم» .

[3]في ذيل الأمالي: «الوقبى و كذلك سفار: ماء لبني مازن» . و في معجم البلدان 5/381، «الوقبى:

ماء لبني مالك بن مازن لهم به حصن و كانت لهم به وقائع مشهورة، و هي على طريق المدينة من البصرة» . و في معجم البلدان 3/223 «سفار-بوزن قطام-منهل قبل ذي قار بين البصرة و المدينة؛ و هو لبني مازن بن مالك بن عمرو و كان فيه يوم مشهور من أيام العرب بين بكر بن وائل و بني تميم» .

[4]استدركت هذا البيت من ذيل الأمالي و معجم البلدان. و في ذيل الأمالي «السرابيل: الدروع لداود؛ فجعلها لسليمان» . و انظر ثمار القلوب (122) .

[5]في ذيل الأمالي «قال أبو علي: سنة: أراد أسكناهم السواد؛ و هو بلد وباء» .

[6]موم: الجدري الكثير. المهجهج: الذي يزجر السبع صائحا: هج هج.

[7]البيتان للكميت بن معروف في ديوانه 195 (شعراء مقلون) ، و البيان و التبيين 1/389، و الوحشيات 116، و حماسة البحتري 116، و له أو للكميت بن ثعلبة في اللسان (دور، قزع) ، و التاج (قزع) ، و للكميت في المستقصى 2/342، و مجمع الأمثال 2/279، و بلا نسبة في الحماسة البصرية 1/73-75، و فصل المقال 26.

[8]البيت لخالد بن الصقعب النهدي في كتاب الجيم 3/170.

38

580-[شعر في السيادة]

و قال أبو سلمى‏[1]: [من الرجز]

لا بدّ للسّؤدد من أرماح # و من سفيه دائم النّباح

و من عديد يتّقى بالرّاح‏

و قال الهذلي‏[2]: [من الوافر]

و إنّ سيادة الأقوام فاعلم # لها صعداء مطلبها طويل‏

و قال حارثة بن بدر، و أنشده سفيان بن عيينة: [من الكامل‏]

خلت الدّيار فسدت غير مسوّد # و من الشّقاء تفرّدي بالسّودد[3]

581-[شعر في هجاء السادة]

و قال أبو نخيلة: [من الطويل‏]

و إنّ بقوم سوّدوك لفاقة # إلى سيّد، لو يظفرون بسيّد[4]

و قال إياس بن قتادة، في الأحنف بن قيس: [من الطويل‏]

و إنّ من السّادات من لو أطعته # دعاك إلى نار يفور سعيرها[5]

و قال حميضة بن حذيفة: [من الطويل‏]

أ يظلمهم قسرا فتبّا لسعيه # و كل مطاع لا أبا لك يظلم‏

و قال آخر: [من الطويل‏]

فأصبحت بعد الحلم في الحيّ ظالما # تخمّط فيهم و المسوّد يظلم‏[6]

[1]الرجز بلا نسبة في البيان و التبيين 3/335، و أساس البلاغة (هرر) .

[2]البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين 323، و للهذلي في البيان و التبيين 1/275، 2/352، 3/218، و عيون الأخبار 1/226، و تهذيب اللغة 2/11، و أساس البلاغة (صعد) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (صعد) ، و الجمهرة 654.

[3]البيت في الأغاني 8/408، و البيان و التبيين 3/219، و ربيع الأبرار 4/142، و أمالي المرتضى 2/53، لعمرو بن النعمان البياض في معجم البلدان 1/473 (بقيع الغرقد) ، و لرجل من خثعم في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1/333، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/336.

[4]البيت لأبي نخيلة في البيان و التبيين 3/336، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/219.

[5]البيت لإياس بن قتادة في البيان و التبيين 3/218، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/336.

[6]البيت بلا نسبة في البيان و التبيين 3/336.

39

و كان أنس بن مدركة الخثعمي يقول: [من الوافر]

عزمت على إقامة ذي صباح # لأمر ما يسوّد من يسود[1]

و قال الآخر: [من الوافر]

كما قال الحمار لسهم رام # لقد جمّعت من شي‏ء لأمر

و قال أبو حيّة: [من الطويل‏]

إذا قلن كلاّ قال و النّقع ساطع # بلى، و هو واه بالجراء أباجله‏[2]

و قال آخر: [من البسيط]

إني رأيت أبا العوراء مرتفقا # بشطّ دجلة يشري التمر و السمكا

كشدّة الخيل تبقى عند مذودها # و الموت أعلم إذ قفّى بمن تركا

هذه مساعيك في آثار سادتنا # و من تكن أنت ساعيه فقد هلكا

و قال شتيم بن خويلد، أحد بني غراب بن فزارة[3]: [من المتقارب‏]

و قلت لسيّدنا يا حليم # إنّك لم تأس أسوا رفيقا[4]

أعنت عديّا على شأوها # تعادي فريقا و تبقي فريقا

زحرت بها ليلة كلّها # فجئت بها مؤيدا خنفقيقا[5]

و قال ابن ميادة[6]: [من الطويل‏]

أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد # لدى بابه إذنا يسيرا و لا نزلا

[1]البيت لأنس بن مدركة في الخزانة 3/87، 189، و الدرر 1/312، 3/85، و شرح المفصل 3/12، و لأنس بن نهيك في اللسان (صبح) ، و لرجل من خثعم في شرح أبيات سيبويه 1/388، و بلا نسبة في الخزانة 6/119، و الخصائص 3/32، و الكتاب 1/227، و المقتضب 4/345، و همع الهوامع 1/197، و البيان و التبيين 2/352، 3/218.

[2]ديوان أبي حية النميري 71.

[3]الأبيات في البيان و التبيين 1/181، و معجم الشعراء 311، و اللسان (خفق) ، و البرصان 351، و الثالث في التاج (خفق) ، و هو بلا نسبة في اللسان (خنفق، ودن) ، و التاج (ودن) ، و الإنصاف 453، و الخزانة 5/170، و جمهرة اللغة 2/304، 3/401، و التهذيب 7/122، 633، و تذكرة النحاة 641.

[4]قوله «يا حليم» هو من استعمال المدح مكان الذم، كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ الدخان: 49، و هذا القول هزء منه، أي تزعم أنك حكيم و تخطئ هذا الخطأ.

[5]في البيان «مؤيد: داهية. خنفقيق: داهية أيضا» .

[6]ديوان ابن ميادة 197.

40

و إنّ الّذي ولاّك أمر جماعة # لأنقص من يمشي على قدم عقلا

582-[شعر في السيادة]

و قال آخر[1]: [من الوافر]

ورثنا المجد عن آباء صدق # أسأنا في ديارهم الصّنيعا

إذا المجد الرّفيع تعاورته # بناة السّوء أوشك أن يضيعا

و قال الآخر[2]: [من الطويل‏]

إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومه # أنا السّيّد المفضى إليه المعمّم

و لم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم # و هان عليهم رغمه و هو أظلم‏

و قال الآخر[3]: [من الطويل‏]

تركت لبحر درهميه و لم يكن # ليدفع عنّي خلّتي درهما بحر

فقلت لبحر خذهما و اصطرفهما # و أنفقهما في غير حمد و لا أجر

أ تمنع سؤال العشيرة بعد ما # تسمّيت بحرا و أكنيت أبا الغمر

و قال الهذليّ‏[4]: [من الطويل‏]

و كنت إذا ما الدّهر أحدث نكبة # أقول شوى، ما لم يصبن صميمي‏

و قال آخر[5]في غير هذا الباب: [من الطويل‏]

سقى اللّه أرضا يعلم الضّبّ أنّها # بعيد من الأدواء طيّبة البقل

بنى بيته في رأس نشز و كدية # و كلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل‏

583-[أبو الحارث و البرذون‏]

و حدّثني المكيّ قال: نظر أبو الحارث جمين إلى برذون يستقى عليه ماء، فقال: [من الطويل‏]

[و ما][6]المرء حيث يضع نفسه‏

[1]البيتان لمعن بن أوس في الأغاني 12/59، و بلا نسبة في عيون الأخبار 4/113.

[2]البيتان للمغيرة بن حبناء في أمالي الزجاجي 18، و بلا نسبة في عيون الأخبار 1/248.

[3]الأبيات بلا نسبة في عيون الأخبار 3/143، و محاضرات الراغب 2/152، و العقد الفريد 2/275، و ربيع الأبرار 3/9.

[4]البيت للبريق الهذلي في شرح أشعار الهذليين 744، و اللسان (شوا) ، و الجمهرة 883، و بلا نسبة في المخصص 15/166، و أساس البلاغة (شوي) ، و الأضداد 229.

[5]البيتان لأعرابي في ربيع الأبرار 5/469.

[6]الزيادة من البيان و التبيين 2/103، 3/228.

41

هذا لو قد هملج لم يبتل يما ترى‏[1]!

584-[بين العقل و الحظ]

و قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: [من الوافر]

و ما لبّ اللّبيب بغير حظّ # بأغنى في المعيشة من فتيل

رأيت الحظّ يستر كلّ عيب # و هيهات الحظوظ من العقول‏

585-[هجو الخلف‏]

و قال الآخر[2]: [من الكامل‏]

ذهب الّذين أحبّهم سلفا # و بقيت كالمقهور في خلف

من كلّ مطويّ على حنق # متضجّع يكفى و لا يكفي‏

586-[عبد العين‏]

و قال آخر[3]: [من الطويل‏]

و مولى كعبد العين أمّا لقاؤه # فيرضى و أمّا غيبه فظنون‏

و يقال للمرائي، و لمن إذا رأى صاحبه تحرّك له و أراه الخدمة و السرعة في طاعته فإذا غاب عنه و عن عينه خالف ذلك: «إنّما هو عبد عين» [4].

و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينََارٍ لاََ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً [5].

587-[من إيجاز القرآن‏]

و قد ذكرنا أبياتا تضاف إلى الإيجاز و قلّة الفضول، و لي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن؛ لتعرف بها فصل ما بين الإيجاز و الحذف، و بين الزّوائد و الفضول [1]في البيان و التبيين «لو هملج هذا البرذون لم يجعل للراوية» .

[2]البيتان في البيان و التبيين، و هما للأحوص في 2/184، و بلا نسبة في 3/336.

[3]البيت لجميل في ديوانه 208، و ديوان المعاني 1/159، و بلا نسبة في البيان و التبيين 3/204، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (عين) ، و ثمار القلوب 263 (502) .

[4]مجمع الأمثال 2/397.

[5]75/آل عمران: 3. ـ

42

و الاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز و الجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة على الّذي كتبته لك في باب الإيجاز و ترك الفضول. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنّة:

لاََ يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَ لاََ يُنْزِفُونَ [1]و هاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدّنيا.

و قوله عزّ و جل حين ذكر فاكهة أهل الجنّة فقال: لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ [2] جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني.

و هذا كثير قد دللتك عليه، فإن أردته فموضعه مشهور.

588-[رأي أعرابي في تثمير المال‏]

و قال أعرابي من بني أسد: [من الطويل‏]

يقولون ثمّر ما استطعت، و إنما # لوارثه ما ثمّر المال كاسبه

فكله و أطعمه و خالسه وارثا # شحيحا و دهرا تعتريك نوائبه‏

589-[شعر في الهجاء]

و قال رجل من بني عبس‏[3]: [من البسيط]

أبلغ قرادا لقد حكّمتم رجلا # لا يعرف النّصف بل قد جاوز النّصفا

كان امرأ ثائرا و الحقّ يغلبه # فجانب السّهل سهل الحقّ و اعتسفا

و ذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم # و أنّ أنفكم لا يعرف الأنفا

إنّ المحكّم ما لم يرتقب حسبا # أو يرهب السّيف أو حدّ القنا جنفا[4]

من لاذ بالسّيف لاقى قرضه عجبا # موتا على عجل أو عاش منتصفا

بيعوا الحياة بها إذ سام طالبها # إمّا رواحا و إما متة أنفا

ليس امرؤ خالدا و الموت يطلبه # هاتيك أجساد عاد أصبحت جيفا

أبلغ لديك أبا كعب مغلغلة # أنّ الذي بيننا قد مات أو دنفا

[1]19/الواقعة: 56.

[2]33/الواقعة: 56.

[3]البيتان الرابع و الخامس في البيان و التبيين 1/311.

[4]الجنف: الميل و الجور. «القاموس: جنف» .

43

كانت أمور فجابت عن حلومكم # ثوب العزيمة حتّى انجاب و انكشفا

إنّي لأعلم ظهر الضّغن أعدله # عنّي، و أعلم أنّي آكل الكتفا

590-[شعر في الحكم‏]

و قال أسقف نجران‏[1]: [من الكامل‏]

منع البقاء تصرّف الشمس # و طلوعها من حيث لا تمسي

و طلوعها بيضاء صافية # و غروبها صفراء كالورس

اليوم أعلم ما يجي‏ء به # و مضى بفصل قضائه أمس‏

و قال عبيد بن الأبرص‏[2]: [من مخلع البسيط]

و كلّ ذي غيبة يئوب # و غائب الموت لا يئوب

من يسأل النّاس يحرموه # و سائل اللّه لا يخيب

و عاقر مثل ذات رحم # و غانم مثل من يخيب

أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضّ # عف و قد يخدع الأريب

المرء ما عاش في تكذيب # طول الحياة له تعذيب‏

و قال آخر[3]: [من الرجز]

إذا الرّجال ولدت أولادها # و اضطربت من كبر أعضادها

و جعلت أوصابها تعتادها # فهي زروع قد دنا حصادها

[1]الأبيات لأسقف نجران في البيان و التبيين 3/342-343، و معاهد التنصيص 2/121، و ثمار القلوب (374) ، و السمط 486، و اللسان (أمس) ، و المقاصد النحوية 4/373، و له أو للقمقام ابن العباهل في معجم الشعراء 223، و لتبع بن الأقرن أو لراهب من نجران في الحماسة البصرية 2/406-407، و المعارف 630، و لعابد من نجران في العقد الفريد 2/122 (مطبعة الاستقامة) ، و لبعض ملوك اليمن في الصناعتين 201، و لذي القرنين في التيجان 101، و أنشدها روح بن زنباع في ذيل الأمالي 31، و بلا نسبة في شرح قطر الندى 15، و شرح شذور الذهب 126 -127، و همع الهوامع 1/209.

[2]ديوان عبيد بن الأبرص 13-15.

[3]الرجز لعبدة بن الطبيب في الوحشيات 156، و لزر بن حبيش في أدب الدنيا و الدين للماوردي 108 (1925 م) ، و لضرار بن عمرو الضبي في أمثال الضبي 166، و بلا نسبة في جمهرة الأمثال 2/246.

44

591-[مرثية في محمد المخلوع‏]

و قال بنت عيسى بن جعفر و كان مملكة لمحمد المخلوع حين قتل: [من المنسرح‏]

أبكيك لا للنّعيم و الأنس # بل للمعالي و الرّمح و الفرس‏[1]

أبكي على فارس فجعت به # أرملني قبل ليلة العرس‏

592-[من نعت النساء]

و قال سلم الخاسر: [من الطويل‏]

تبدّت فقلت الشّمس عند طلوعها # بجيد نقيّ اللّون من أثر الورس‏[2]

فلما كررت الطّرف قلت لصاحبي # على مرية: ما هاهنا مطلع الشمس!

593-[شعر رثاء]

و قال الآخر[3]: [من الوافر]

كفى حزنا بدفنك ثمّ أنّي # نفضت تراب قبرك عن يديّا

و كانت في حياتك لي عظات # و أنت اليوم أوعظ منك حيّا

[1]البيتان لزوجة الخليفة الأمين لبابة بنت علي في مروج الذهب 4/297، و نزهة الجلساء 67، و للبانة بنت ريطة في العقد الفريد 3/204 (2/178) ، و شاعرات العرب 239، و معجم الأديبات 414، و لامرأة بعض الملوك في البيان و التبيين 3/202.

[2]البيتان في ديوانه 90، و الحماسة البصرية 2/161، و نهاية الأرب 2/37.

[3]البيتان لأبي العتاهية في ديوانه 679، و الوحشيات 132، و البيان و التبيين 1/408، 3/258، و مجالس ثعلب 59، و معاهد التنصيص 4/188، الأغاني 4/44، و محاضرات الراغب 2/217.

45

باب من المديح بالجمال و غيره‏

594-[شعر في المديح‏]

قال مزاحم العقيليّ: [من الطويل‏]

يزين سنا الماويّ كلّ عشيّة # على غفلات الزّين و المتجمّل‏[1]

وجوه لو انّ المدلجين اعتشوا بها # صدعن الدّجى حتّى ترى اللّيل ينجلي‏

و قال الشّمردل: [من البسيط]

إذا جرى المسك يندى في مفارقهم # راحوا كأنهم مرضى من الكرم‏[2]

يشبّهون ملوكا من تجلّتهم # و طول أنضية الأعناق و الأمم‏

النضيّ: السّهم الذي لم يرش، يعني أن أعناقهم ملس مستوية، و الأمم:

القامات.

و قال القتّال الكلابيّ‏[3]: [من البسيط]

يا ليتني، و المنى ليست بنافعة # لمالك أو لحصن أو لسيّار

طوال أنضية الأعناق لم يجدوا # ريح الإماء إذا راحت بأزفار

[1]ديوان مزاحم العقيلي‏6، و مجالس ثعلب 229-230، و البيان و التبيين 3/252، 4/69، و اللسان (عشا، موا) ، و بلا نسبة في التاج و اللسان (موه) ، و البيت الثاني في الوساطة 355.

[2]البيتان للشمردل بن شريك في الشعر و الشعراء 443 (ليدن) ، 708 (طبعة شاكر) ، و له أو لليلى الأخيلية في اللسان (أمم، نضا) ، و لليلى الأخيلية في ديوانها 118، و اللسان (جلل، نصا) ، و التاج (نصا) ، و بلا نسبة في أمالي القالي 1/238، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1611، و التاج (نصا) ، و المقاييس 5/433، و المجمل 4/409.

[3]ديوان القتال الكلابي 60، و أمالي القالي 2/223، و المعاني الكبير 520، و الكامل 1/34 (طبعة المعارف) ، و نسب البيت الأول و الثالث إلى رافع بن هريم في نوادر أبي زيد 22.

46

لم يرضعوا الدّهر إلا ثدي واضحة # لواضح الوجه يحمي باحة الدّار

و قال آخر: [من الطويل‏]

إذا كان عقل قلتم إنّ عقلنا # إلى الشّاء لم تحلل علينا الأباعر

و إنّ امرأ بعدي يبادل ودّكم # بودّ بني ذبيان مولى لخاسر

أولئك قوم لا يهان هديّهم # إذا صرّحت كحل و هبّت أعاصر[1]

مذاليق بالخيل العتاق إذا عدوا # بأيديهم خطّيّة و بواتر[2]

و قال أبو الطّمحان القينيّ في المعنى الذي ذكرنا[3]: [من الطويل‏]

كم فيهم من سيّد و ابن سيّد # و فيّ بعقد الجار، حين يفارقه

يكاد الغمام الغرّ يرعد أن رأى # وجوه بني لأم و ينهلّ بارقه‏

و قال لقيط بن زرارة[4]: [من الطويل‏]

و إنّي من القوم الذين عرفتم # إذا مات منهم سيّد قام صاحبه

نجوم سماء كلما غار كوكب # بدا كوكب تأوي إليه كواكبه

أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم # دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه‏[5]

و قال بعض التميميّين، يمدح عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة: [من الطويل‏]

بحقّ امرئ سرو عتيبة خاله # و أنت لقعقاع و عمّك حاجب‏

[1]الهدي: الأسير، و قيل: الرجل ذو الحرمة، يأتي القوم يستجير بهم؛ أو يأخذ منهم عهدا، فهو ما لم يجر، أو يأخذ العهد هدي، فإذا أخذ العهد منهم فهو حينئذ جار لهم (اللسان 15/358- 359: هدي) . الكحل: السنة الشديدة «القاموس: كحل» .

[2]مذاليق: جمع مذلاق؛ و هو السريع الجري «القاموس: ذلق» .

[3]البيتان في البيان و التبيين 3/337، و الثاني في عيون الأخبار 4/25، و الشعر و الشعراء 230 (ليدن) .

[4]الأبيات للقيط بن زرارة في الشعر و الشعراء 447 (ليدن) ، و البيت الثالث في عيون الأخبار 4/24، و تنسب الأبيات إلى أبي الطمحان القيني في الحماسة البصرية 1/161، و الحماسة المغربية 609، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1598، و الأغاني 13/9، و أمالي المرتضى 1/257، و الكامل 1/31 (طبعة المعارف) ، و الخزانة 8/95-96، و ديوان المعاني 1/22، و الصناعتين 360، و المقاصد النحوية 1/567، و اللسان (خضض) ، و أخبار أبي تمام 135، و السمط 236، و في الشعر و الشعراء 447 «و بعض الرواة ينحل هذا الشعر أبا الطمحان القيني، و ليس كذلك؛ إنما هو للقيط» .

[5]الجزع: ضرب من الخرز فيه سواد و بياض. «القاموس: جزع» .

47

دراري نجوم كلما انقضّ كوكب # بدا كوكب ترفضّ عنه الكواكب‏

و قال طفيل الغنويّ‏[1]: [من الطويل‏]

و كان هريم من سنان خليفة # و عمرو و من أسماء لما تغيّبوا

نجوم ظلام كلما غاب كوكب # بدا ساطعا في حندس اللّيل كوكب‏

و قال الخريمي‏[2]، يمدح بني خريم من آل سنان بن أبي حارثة: [من الطويل‏]

بقيّة أقمار من الغرّ لو خبت # لظلّت معدّ في الدّجى تتكسّع

إذا قمر منهم تغوّر أو خبا # بدا قمر في جانب الليل يلمع‏

و قال بعض غنيّ‏[3]و هو يمدح جماعة إخوة، أنشدنيها أبو قطن الذي يقال له شهيد الكرم: [من البسيط]

حبّر ثناء بني عمرو فإنّهم # أولو فضول و أنفال و أخطار

إن يسألوا الخير يعطوه، و إن جهدوا # فالجهد يخرج منهم طيب أخبار

و إن تودّدتهم لانوا، و إن شهموا # كشفت أذمار حرب غير أغمار

من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم # مثل النّجوم التي يسري بها السّاري‏

595-[شعر في الفخر]

و قال رجل من بني نهشل‏[4]: [من البسيط]

إنّي لمن معشر أفنى أوائلهم # قيل الكماة ألا أين المحامونا

[1]ديوان طفيل 38، 39، و البيان و التبيين 3/337، و الثاني في أخبار أبي تمام 136، و أمالي المرتضى 1/186.

[2]ديوان الخريمي 43، و بهجة المجالس 1/503، و الأشباه و النظائر للخالديين 1/158، و البيت الثاني في ديوان المعاني 2/175، و أمالي المرتضى 1/258، و أخبار أبي تمام 126، 134، و الموشح 323، و هو لأعرابي في ذيل الأمالي 121.

[3]الأبيات للعرندس الكلابي في معجم الشعراء 173، و أمالي القالي 1/239، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1593، و الحماسة المغربية 299، و لعبيد بن العرندس الكلابي في التنبيه للبكري 72، و السمط 546، و الكامل 1/47 (طبعة المعارف) ، و بلا نسبة في ديوان المعاني 1/23، 41، و الحماسة الشجرية 1/359، و انظر حاشية الحماسة المغربية 299.

[4]الأبيات لنهشل بن حري في ديوانه 127 (شعراء مقلون) ، و عيار الشعر 104-105، و الشعر و الشعراء 405 (ليدن) ، و زهر الآداب 1159، و الأبيات لبشامة في عيون الأخبار 1/190، و له أو لبعض بني قيس بن ثعلبة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 100، و لأبي مخزوم النهشلي في الحماسة المغربية 727-728، و لرجل من بني نهشل في البيان و التبيين 3/337.

48

لو كان في الألف منّا واحد فدعوا # من فارس خالهم إيّاه يعنونا

و ليس يذهب منّا سيّد أبدا # إلاّ افتلينا غلاما سيّدا فينا

596-[شعر في المديح‏]

و في المعنى الأوّل يقول النّابغة الذّبيانيّ‏[1]: [من الطويل‏]

و ذاك لأنّ اللّه أعطاك سورة # ترى كلّ ملك دونها يتذبذب

بأنّك شمس و الملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب‏

و في غير ذلك من المديح يقول الشاعر[2]: [من الكامل‏]

و أتيت حيّا في الحروب محلّهم # و الجيش باسم أبيهم يستهزم‏

و في ذلك يقول الفرزدق‏[3]: [من الطويل‏]

لتبك و كيعا خيل ليل مغيرة # تساقى السّمام بالرّدينيّة السّمر

لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة # دعوها و كيعا و الرّماح بهم تجري‏

و أما قول الشاعر: [من الرجز]

تخامل المحتد أو هزام‏

فإنّما ذهب إلى أنّ الدّعوة إذا قام بها خامل الذّكر و النسب فلا يحسده من أكفائه أحد و أما إذا قام بها مذكور بيمن النّقيبة، و بالظّفر المتتابع، فذلك أجود ما يكون، و أقرب إلى تمام الأمر.

و قال الفرزدق‏[4]: [من الطويل‏]

تصرّم منّي ودّ بكر بن وائل # و ما كان ودّي عنهم يتصرّم

قوارص تأتيني و يحتقرونها # و قد يملأ القطر الإناء فيفعم‏

[1]ديوان النابغة الذبياني 73، و ديوان المعاني 1/15-16، و عيار الشعر 34، و الأول في اللسان و التاج (سور) ، و الجمهرة 174، 723، و التهذيب 13/49.

[2]البيت لخزز بن لوذان في الوساطة 364، و بلا نسبة في ديوان المعاني 1/145 و فيه «أنشدناه أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد» .

[3]ديوان الفرزدق 246، و رسائل الجاحظ 2/286، و ديوان المعاني 1/145. و الثاني في الوساطة 364.

[4]البيتان في عيون الأخبار 2/16.

49

و قال الفرزدق‏[1]: [من الطويل‏]

و قالت أراه واحدا لا أخا له # يؤمّله في الوارثين الأباعد

لعلّك يوما أن تريني كأنّما # بنيّ حواليّ الأسود الحوارد[2]

فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى # أقام زمانا و هو في الناس واحد

و قال الفرزدق أيضا[3]: [من الطويل‏]

فإن كان سيف خان أو قدر أتى # لميقات يوم حتفه غير شاهد

فسيف بني عبس و قد ضربوا به # نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد

كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها # و يقطعن أحيانا مناط القلائد[4]

597-[خير القصائد]

و إن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرا لم يسمع بمثله، فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق؛ فإنك لم تر شاعرا قطّ يجمع التّجويد في القصار و الطّوال غيره.

و قد قيل للكميت: إن النّاس يزعمون أنّك لا تقدر على القصار!قال‏[5]: من قال الطّوال فهو على القصار أقدر.

هذا الكلام يخرج في ظاهر الرّأي و الظّن، و لم نجد ذلك عند التّحصيل على ما قال.

و قيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟قال‏[6]: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .

[1]الأبيات للفرزدق في ديوانه 172، 1/146 (طبعة دار صادر) ، و عيون الأخبار 4/123، و لابن عنقاء الفزاري في معجم الشعراء 199، و معاهد التنصيص 1/304، و الثاني في أساس البلاغة (حرر) ، و المجمل 2/56، و بلا نسبة في المقاييس 2/52، و الجمهرة 501.

[2]الحوارد: جمع حارد، و هو الرجل المتنحي المعتزل و الغضبان: «اللسان حرد» ، و رواية البيت في

الديوان: (فإني عسى أن تبصريني كأنما # بنيّ حوالي الأسود اللوابد)

.

[3]الأبيات في الأغاني 15/343-344، و النقائض 384، و العمدة 1/189-190 «باب في البديهة و الارتجال» . و الوساطة 437.

[4]الظّبة: حد السيف. «القاموس: ظبو» .

[5]في البيان و التبيين 1/207، و العمدة 1/188 «باب في القطع و الطوال» : (و لاموا الكميت بن زيد على الإطالة، فقال: أنا على القصار أقدر) .

[6]البيان و التبيين 1/207، 2/68، 3/165، و الأغاني 21/358، و العمدة 1/187، و نهاية ـ

50

و قيل لجرير: إلى كم تهجو النّاس؟قال‏[1] «إنّي لا أبتدي، و لكنّي أعتدي» .

و قيل له: لم لا تقصّر؟قال: «إن الجماح يمنع الأذى» .

598-[شعر مختار]

قال عبيد بن الأبرص‏[2]: [من الكامل‏]

نبّئت أنّ بني جديلة أوعبوا # نفراء من سلمى لنا و تكتبوا[3]

و لقد جرى لهم فلم يتعيّفوا # تيس قعيد كالهراوة أعضب‏[4]

و أبو الفراخ على خشاش هشيمة # متنكّب إبط الشّمائل ينعب‏[5]

فتجاوزوا ذاكم إلينا كلّه # عدوا و قرطبة فلما قرّبوا[6]

طعنوا بمرّان الوشيج فما ترى # خلف الأسنة غير عرق يشخب‏[7]

و تبدّلوا اليعبوب بعد إلههم # صنما ففرّوا يا جديل و أعذبوا[8]

و قال آخر: [من الطويل‏]

أ لم تر حسّان بن ميسرة الذي # بجوخى إلى جيرانه كيف يصنع

متاريب ما تنفكّ منهم عصابة # إليه سراعا يحصدون و يزرع‏[9]

- الأرب 3/27، و زهر الآداب 694 (طبعة مبارك) ، و هو من الأمثال في المستقصى 2/62، و مجمع الأمثال 1/196، و الأمثال لمجهول 57.

[1]البيان و التبيين 3/165.

[2]ديوان عبيد بن الأبرص 2-3 و شرح الأبيات التالية في ديوانه.

[3]أوعبوا: نفروا جميعا و لم يتخلف منهم أحد. تكتبوا: صاروا كتائب. بنو جديلة: حي من طي‏ء.

سلمي: أحد جبلي طي‏ء.

[4]تعيفوا من العيافة، و هي هنا التشاؤم. التيس: الذكر من الظباء. القعيد: الذي يأتي من الخلف، و هو يتشاءم به. الأعضب: المكسور أحد القرنين.

[5]أبو الفراخ: الغراب. الخشاش: كل ما لا عظم له من الدواب. الهشيمة: الشجرة اليابسة. متنكب:

مجتنب.

[6]ذاكم: عنى به التعيف و الزجر. القرطبة: العدو الشديد.

[7]المران: الرماح الصلبة اللدنة، جمع مرانة. الوشيج: شجر الرماح. يشخب: يسيل دمه.

[8]اليعبوب: صنم لجديلة. و في الديوان (فقرّوا) مكان (ففروا) .

[9]متاريب: جمع مترب، و هي كلمة من الأضداد تعني الذي قلّ ماله و الذي كثر ماله. انظر القاموس «ترب» ، و الأضداد 380.

51

599-[شعر في معنى قوله: يريد أن يعربه فيعجمه‏]

و باب آخر مثل قوله‏[1]: [من الرجز]

يريد أن يعربه فيعجمه‏

و قال آخر: [من الرجز]

كأنّ من يحفظها يضيعها

و قال آخر: [من الرجز]

أهوج لا ينفعه التثقيف‏

و قال بعض المحدثين‏[2]في هذا المعنى: [من الطويل‏]

إذا حاولوا أن يشعبوها رأيتها # مع الشّعب لا تزداد إلا تداعيا

و قال صالح بن عبد القدّوس‏[3]: [من السريع‏]

و الشيخ لا يترك أخلاقه # حتّى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعوى عاد إلى جهله # كذي الضّنا عاد إلى نكسه‏

و مثل هذا قوله‏[4]: [من الكامل‏]

و تروض عرسك بعد ما هرمت # و من العناء رياضة الهرم‏

و قال حسيل بن عرفطة[5]: [من الطويل‏]

ليهنيك بغض في الصّديق و ظنة # و تحديثك الشّي‏ء الذي أنت كاذبه

و أنك مشنوء إلى كلّ صاحب # قلاك و مثل الشّرّ يكره جانبه‏

[1]الرجز للحطيئة في ديوانه 291، و الأغاني 2/196، و لرؤية في ملحق ديوانه 186، و اللسان (عجم) ، و لهما في التاج (عجم) .

[2]البيت لمحمد بن يسير الرياشي في ديوانه 128. و عيون الأخبار 3/266، و بلا نسبة في البخلاء 222.

[3]البيتان لصالح بن عبد القدوس في طبقات ابن المعتز 89، و الحماسة البصرية 2/40، و أمالي المرتضى 1/101، و الأول في الأغاني 14/177، ضمن أخبار علي بن الخليل، و الثاني بلا نسبة في اللسان (ضنى) ، و العين 2/240، 7/60.

[4]البيت لمالك بن دينار في أمالي القالي 2/51، و الأمثال في مجمع الأمثال 2/301، و جمهرة الأمثال 2/279، و المستقصى 2/249، و فصل المقال 182، و الأمثال لابن سلام 121.

[5]الأبيات في البيان و التبيين 3/249، و بلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/339.

52

و أنّك مهداء الخنا نطف النثا # شديد السّباب رافع الصوت غالبه‏[1]

فلم أر مثل الجهل يدعو إلى الرّدى # و لا مثل بغض النّاس غمّض صاحبه‏

600-[كلمة للزّبرقان‏]

و قال الأصمعي: قال الزّبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السّوء: شدّة السّباب، و كثرة اللّطام.

601-[تمجيد الأقارب‏]

و قال خالد بن نضلة[2]: [من الطويل‏]

لعمري لرهط المرء خير بقية # عليه و لو عالوا به كلّ مركب

من الجانب الأقصى و إن كان ذا ندى # كثير و لا ينبيك مثل المجرّب

إذا كنت في قوم عدا لست منهم # فكل ما علفت من خبيث و طيّب

فإن تلتبس بي خيل دودان لا أرم # و إن كنت ذا ذنب و إن غير مذنب‏

602-[بكل واد بنو سعد]

قال: و لمّا تأذّى الأضبط بن قريع في بني سعد تحوّل عنهم إلى آخرين فآذوه فقال: بكلّ واد بنو سعد[3]!

603-[مقطّعات شتّى‏]

و قال سحيم بن وثيل‏[4]: [من الطويل‏]

ألا ليس زين الرّحل قطع و نمرق # و لكنّ زين الرّحل يا ميّ راكبه‏[5]

[1]النطف: المتهم المريب «القاموس: نطف» . النثا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيّئ «القاموس: نثا» .

[2]الأبيات لخالد بن نضلة الحجواني؛ أو لزرافة بن سبيع الأسدي، انظر الحماسة البصرية 2/56، و حاشية المحقق فيها، و البيت الثالث للحماسي في أساس البلاغة (علف) ، و بلا نسبة في المجمل 3/457، و اللسان و التاج (عدا) ، و التهذيب 3/110، و المخصص 12/52، 15/82. و انظر الأبيات في الفقرة (902) .

[3]البيان و التبيين 3/294، و البخلاء 189، و مجمع الأمثال 1/105، و جمهرة الأمثال 1/61.

[4]البيت لسحيم بن وثيل في عيون الأخبار 1/297، و لمضرس بن ربعي في معجم الشعراء 307.

[5]القطع: البساط «القاموس: قطع» . نمرق: الوسادة الصغيرة «القاموس: نمرق» .