الحيوان - ج4

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
510 /
261

-

262

الجزء الرابع‏

<بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه و سلّم> نبدأ في هذا الجزء، بعون الله و تأييده، بالقول في جملة الذّرّة و النملة، كما شرطنا به آخر المصحف الثّالث. و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.

باب في الذّرّة و النملة

945-[خصائص النملة]

قد علمنا أنّ ليس عند الذّرّة غناء الفرس في الحرب، و الدّفع عن الحريم. و لكنّا إذا أردنا موضع العجب و التّعجيب، و التّنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس القليل، و السّخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحسّ اللطيف، و التّقدير الغريب، و من النظر في العواقب، و مشاكلة الإنسان و مزاحمته.

و الإنسان هو الذي سخّر له هذا الفلك بما يشتمل عليه.

و قد[1]علمنا أنّ الذّرّة تدّخر للشتاء في الصّيف، و تتقدّم في حال المهلة، و لا تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقّدها و حسن خبرها[2]، و النظر في عواقب أمرها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشّتاء في الصيف، أن تعفن و تسوّس، [فتنقلها من‏][3]بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبّسها و تعيد إليها جفوفها، و ليضربها النّسيم، و ينفى عنها اللّخن و الفساد.

ثمّ ربّما كان-بل يكون أكثر-مكانها نديّا[4]. و خافت أن تنبت نقرت موضع القطمير من وسط الحبّة، و تعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئ و تنبت و تنقلب‏[5]، فهي تفلق الحبّ كلّه أنصافا. فأمّا إذا كان الحب من حبّ الكزبرة، فلقته أرباعا، لأنّ [1]الخبر في ثمار القلوب (643) .

[2]في ثمار القلوب: «ثم تبلغ من نقدها؛ و صحة تمييزها» .

[3]في الأصل: «و يقبلها» ؛ و التصحيح من ثمار القلوب.

[4]في الثمار: «ثم ربما-بل في أكثر الأوقات-اختارت ذلك ليلا، لأنه أخفى، و في القمر لأنها فيه أبصر، فإن كان مكانها نديّا» .

[5]في الثمار: «تنبت و تصلب» .

263

أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جميع الحبوب. فهي على هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوان، حتّى ربّما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس.

و لها، مع لطافة شخصها و خفّة وزنها، و في الشمّ و الاسترواح ما ليس لشي‏ء.

و ربّما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، و ليس يرى بقربه ذرّة و لا له بالذّرّ عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها و تحاول قلبها و نقلها، و سحبها و جرّها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، و خلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاونّ عليها فيحملنها.

فأوّل ذلك صدق الشّمّ لما لا يشمّه الإنسان الجائع. ثمّ بعد الهمّة، و الجراءة على محاولة نقل شي‏ء في وزن جسمها مائة مرّة، و أكثر من مائة مرّة.

و ليس شي‏ء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غيرها.

و على أنها لا ترضى بأضعاف الأضعاف، إلاّ بعد انقطاع الأنفاس.

946-[كلام النمل‏]

فإن قلت: و ما علّم الرّجل أنّ الّتي حاولت نقل الجرادة فعجزت، هي التي أخبرت صويحباتها من الذّرّ، و أنها كانت على مقدّمتهن؟قلنا: لطول التّجربة، و لأنّا لم نر ذرّة قط حاولت نقل جرادة فعجزت عنها، ثمّ رأيناها راجعة، إلاّ رأينا معها مثل ذلك، و إن كنّا لا نفصل في العين بينها و بين أخواتها، فإنّه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا. و على أنّنا لم نر ذرّة قطّ حملت شيئا أو مضت إلى جحرها فارغة، فتلقاها ذرّة، إلاّ واقفتها ساعة و خبّرتها بشي‏ء. فدلّ ذلك على أنّها في رجوعها عن الجرادة، إنّما كانت لأشباهها كالرّائد لا يكذب أهله‏[1].

و من العجب أنّك تنكر أنّها توحي إلى أختها بشي‏ء، و القرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا. و قال رؤبة بن العجّاج‏[2]: [من الرجز]

لو كنت علّمت كلام الحكل # علم سليمان كلام النّمل‏[3]

[1]في مجمع الأمثال 2/233، و جمهرة الأمثال 1/474: «الرائد لا يكذب أهله» .

[2]ديوان رؤبة 131، و اللسان و التاج (حكل، فطحل) ، و الجمهرة 562، و التهذيب 4/101، و المجمل 2/94، و بلا نسبة في المخصص 2/122، و المقاييس 2/91، و ديوان الأدب 1/158.

[3]الحكل: ما لا يسمع له صوت كالذر و النمل. «اللسان: حكل» .

264

و قال اللّه عز و جلّ: حَتََّى إِذََا أَتَوْا عَلى‏ََ وََادِ اَلنَّمْلِ قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ. `فَتَبَسَّمَ ضََاحِكاً مِنْ قَوْلِهََا وَ قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [1]فقد أخبر القرآن أنها قد عرفت سليمان و أثبتت عينه، و أنّ علم منطقها عنده، و أنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم و أسلم. ثمّ أخبر أنها تعرف الجنود من غير الجنود، و قد قالت: وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ . و نخالك أيها المنكر تبسّمه بحالهنّ، أنّك لم تعرف قبل ذلك الوقت و بعده، شيئا من هذا الشكل من الكلام، و لا تدبيرا في هذا المقدار. و أمّا ما فوق ذلك فليس لك أن تدّعيه. و لكن، ما تنكر من أمثاله و أشباهه و ما دون ذلك، و القرآن يدلّ على أنّ لها بيانا، و قولا، و منطقا يفصل بين المعاني التي هي بسبيلها؟!فلعلها مكلّفة، و مأمورة منهيّة، و مطيعة عاصية. فأوّل ذلك أن المسألة من مسائل الجهالات.

و إنّ من دخلت عليه الشّبهة من هذا المكان لناقص الرّويّة رديّ الفكرة.

و قد علمنا، و هم ناس و لهم بذلك فضيلة في الغريزة و في الجنس و الطّبيعة. و هم ناس إلى أن ينتهوا إلى وقت البلوغ و نزول الفرض حتى لو وردت ذرّة لشربت من أعلاه.

947-[شعر فيه ذكر النمل‏]

و قال أبو دهبل‏[2]: [من المديد]

آب هذا اللّيل فاكتنعا # و أمرّ النّوم فامتنعا[3]

في قباب وسط دسكرة # حولها الزّيتون قد ينعا[4]

و لها بالماطرون إذا # أكل النمل الذي جمعا[5]

خرفة، حتى إذا ارتبعت # سكنت من جلّق بيعا[6]

[1]18-19/النمل: 27.

[2]الأبيات لأبي دهبل الجمحي في ديوانه 85، و المستقصى 1/51، و ليزيد بن معاوية في ديوانه 22، و المقاصد النحوية 1/48، و معجم البلدان 5/42 (الماطرون) ، و للأحوص الأنصاري في ديوانه 221، و ليزيد أو للأحوص في الخزانة 7/309، و الكامل 1/226-227 (طبعة المعارف) ، و الثاني للأخطل في اللسان و التاج (دسكر) ، و الثالث له في اللسان (مطرن) .

[3]اكتنع الليل: حضر و دنا. «اللسان: كنع» . أمرّ: صار مرّا.

[4]الدسكرة: بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم؛ يكون فيها الشراب و الملاهي. «اللسان: دسكر» .

[5]الماطرون: موضع بالشام قرب دمشق. معجم البلدان 5/42.

265

عند غيري فالتمس رجلا # يأكل التّنّوم و السّلعا[1]

ذاك شي‏ء لست آكله # و أراه مأكلا فظعا

و قال أبو النّجم في مثل ذلك‏[2]: [من الرجز]

1-و كان نشّاب الرّياح سنبله # و اخضرّ نبتا سدره و حرملة[3]

3-و ابيضّ إلاّ قاعه و جدوله # و أصبح الرّوض لويّا حوصله‏[4]

5-و اصفرّ من تلع فليج بقله # و انحتّ من حرشاء فلج خردله‏[5]

7-و انشقّ عن فصح سواء عنصله # و انتفض البروق سودا فلفله‏[6]

9-و اختلف النّمل قطارا ينقله # طار عن المهر نسيل ينسله‏[7]

948-[استطراد لغوي‏]

قال أبو زيد: الحمكة القملة، و جمعه حمك. و قد ينقاس ذلك في الذّرّة.

قال أبو عبيدة: قرية النمل من التّراب‏[8]، و هي أيضا جرثومة النمل.

و قال غيره: قرية النمل ذلك التراب و الجحر بما فيه من الذرّ و الحبّ و المازن.

و المازن هو البيض، و به سمّوا مازن.

[1]التنّوم: شجر له حمل صغار كمثل حب الخروع، و يتفلق عن حب يأكله أهل البادية. «اللسان:

تنم» .

[2]ديوان أبي النجم 157-159، و الرابع في اللسان (حصل) ، و التهذيب 4/241، و السادس و التاسع في اللسان و التاج (قطر، حرش) ، و بلا نسبة في الجمهرة 218، 513، و السادس في المقاييس 2/39، و (6، 8، 9) بلا نسبة في الاشتقاق 298، و (7، 8) في التاج (نفض) ، و الجمهرة 218، و (8) في اللسان و التاج (فلل) ، و (8، 9) في أساس البلاغة (فلل) ، و (10) في اللسان و التاج (عتل) .

[3]في ديوانه: (السدر: شجر النبق. الحرمل: نبت له ورق كورق الصفصاف) .

[4]في ديوانه: (حوصله: مجتمع الماء فيه) .

[5]في ديوانه: (التلع: السيل؛ أو مجرى الماء من مكان عال. الفليج: المتسع ذو الأفلاج، و الأفلاج:

الأودية الصغيرة. انحتّ: سقط و طاح. الحرشاء: اسم لخردل البر) .

[6]في ديوانه: (انشق: انفتح و كبّ ثمرته بعد أن أتم النضج. العنصل: بصل البر. البروق: شجر هش ضعيف له ثمر حبه أسود صغير كالفلفل) .

[7]في ديوانه: (القطار أصلا أن تتلو الإبل بعضها مقطورة، و كذا جاء النمل يجمع الحب بجد و نشاط. النسيل: الساقط من الريش و الصوف و الشعر) .

[8]في المخصص 8/120: (قرية النمل و جرثومته: ما يجمع من التراب) .

266

قال أبو عمرو: الزّبال ما حملت النملة بفيها، و هو قول ابن مقبل‏[1]:

[من المتقارب‏]

كريم النّجار حمى ظهره # فلم يرتزأ بركوب زبالا[2]

949-[شعر في التعذيب بالنمل‏]

و أنشد ابن نجيم: [من الخفيف‏]

هلكوا بالرّعاف و النمل طورا # ثمّ بالنّحس و الضّباب الذّكور

و قال الأصمعيّ في تسليط اللّه الذّرّ على بعض الأمم‏[3]: [من الخفيف‏]

لحقوا بالزّهويين فأمسوا # لا ترى عقر دارهم بالمبين

سلّط اللّه فازرا و عقيفا # ن فجازاهم بدار شطون

يتبع القارّ و المسافر منهم # تحت ظلّ الهدى بذات الغصون‏

فازر، و عقيفان: صنفان من الذّرّ. و كذلك ذكروه عن دغفل بن حنظلة الناسب‏[4]. و يقال: إنّ أهل تهامة هلكوا بالرّعاف مرتين. قال: و كان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش، هشام بن المغيرة.

قال أميّة بن أبي الصّلت في ذلك‏[5]: [من الخفيف‏]

نزع الذّكر في الحياة و غنا # و أراه العذاب و التّدميرا[6]

أرسل الذّرّ و الجراد عليهم # و سنينا فأهلكتهم و مورا[7]

[1]ديوان ابن مقبل 237 (176) ، و اللسان و التاج (رزأ، زبل) ، و الجمهرة 334، و التهذيب 13/216، و ديوان الأدب 1/466، و هو لابن أحمر في أساس البلاغة (زبل) ، و ليس في ديوانه، و بلا نسبة في المخصص 8/120.

[2]في ديوانه: (النجار: الأصل. الزبال: ما تحمل النملة بفيها، و المعنى أنه فحل لم يركب و أودع للفحلة) .

[3]البيت الثاني بلا نسبة في اللسان و التاج (عقف) ، و التهذيب 1/266، و روايته:

(سلّط الذرّ فازر أو عقيفا # ن فأجلاهم لدار شطون)

.

[4]في اللسان: (قال دغفل النسابة: ينسب النمل إلى عقفان و الفازر. فعقفان جدّ السود، و الفازر:

جد الشقر) .

[5]ديوان أمية 402، 404، 405.

[6]رواية صدره في ديوانه: (سلب الذكر في الحياة جزاء) .

[7]في ديوانه: (عليهم: الضمير لآل فرعون، لأن اللّه أهلكهم بالطوفان و الجراد. و المور: التراب تثيره الرياح) .

267

ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشر # رّ و إن الجراد كان ثبورا[1]

950-[النبي سليمان و النملة]

و قرأ أبو إسحاق قوله عز و جلّ: وَ حُشِرَ لِسُلَيْمََانَ جُنُودُهُ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ وَ اَلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. `حَتََّى إِذََا أَتَوْا عَلى‏ََ وََادِ اَلنَّمْلِ [2]، فقال‏[3]: كان ذلك الوادي معروفا بوادي النمل، فكأنّه كان حمى. و كيف ننكر أن يكون حمى؟!و النّمل ربّما أجلت أمّة من الأمم عن بلادهم.

و لقد سألت أهل كسكر فقلت: شعيركم عجب، و أرزكم عجب، و سمككم عجب، و جداؤكم عجب، و بطّكم عجب، و دجاجكم عجب، فلو كانت لكم أعناب!فقالوا: كلّ أرض كثيرة النّمل لا تصلح فيها الأعناب. ثمّ قرأ: قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ [4]فجعل تلك الجحرة مساكن. و العرب تسميها كذلك ثمّ قال: لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ [4]فجمعت من اسمه و عينه، و عرفت الجند من قائد الجند، ثم قالت: وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ فكانوا معذورين، و كنتم ملومين، و كان أشدّ عليكم. فلذلك قال: فَتَبَسَّمَ ضََاحِكاً مِنْ قَوْلِهََا [5] لما رأى من بعد غورها و تسديدها، و معرفتها. فعند ذلك قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ََ وََالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبََادِكَ اَلصََّالِحِينَ [5]

951-[أمثال في النمل‏]

قال: و يقال: «ألطف من ذرّة» و: «أضبط من نملة» [6].

قال: و النملة أيضا: قرحة تعرض للسّاق، و هي معروفة في جزيرة العرب.

قال: و يقال: «أنسب من ذرّة» .

[1]في ديوانه: (الثبور: الهلاك، وصفه بالمصدر، يريد أنه مهلك) .

[2]17-18/النمل: 27.

[3]ثمار القلوب 345 (639) .

[4]18/النمل: 27.

[5]19/النمل: 27.

[6]المستقصى 1/214، و مجمع الأمثال 1/427، و جمهرة الأمثال 2/12، و الدرة الفاخرة 1/282.

268

952-[تفسير بيت من الشعر]

فأمّا قوله‏[1]: [من الخفيف‏]

لو يدبّ الحوليّ من ولد الذّ # رّ عليها لأندبتها الكلوم‏

فإنّ الحوليّ منها لا يعرف من مسانّها، و إنما هو كما قال الشاعر: [من الطويل‏]

تلقّط حوليّ الحصى: في منازل # من الحيّ أمست بالحبيبين بلقعا

قال: و حوليّ الحصى: صغارها. فشبّهه بالحوليّ من ذوات الأربع.

953-[أحاديث في النمل‏]

ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: «من الدّوابّ أربع لا يقتلن: النّملة، و النّحلة، و الصّرد، و الهدهد» .

و حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: حدّثنا الحسن بن سعد، مولى علي بن عبد الرحمن بن عبد اللّه قال: «نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم منزلا فانطلق لحاجته، فجاء و قد أوقد رجل على قرية نمل، إمّا في شجرة و إمّا في أرض، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: من فعل هذا؟!أطفئها أطفئها!» .

و يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة بن جرير، قال أنبأنا أبو زرعة عن أبي هريرة قال: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فعضّته نملة، فقام إلى نمل كثير تحت شجرة فقتلهنّ، فقيل له: أ فلا نملة واحدة؟!» [2].

و عبد اللّه بن زياد المدنيّ، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر بقرية النّمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أ في أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحون الله تعالى؟!فهلاّ نملة واحدة!» [3].

يحيى بن كثير، قال: حدّثنا عمر بن المغيرة بن الحارث الزّمّاني، عن هشام [1]ديوان حسان 433، و التاج (ندب) .

[2]أخرجه البخاري في بدء الخلق برقم 3141، و مسلم في السلام برقم 2241.

[3]أخرجه البخاري في الجهاد برقم 2856.

269

الدّستوائي قال: إنّ النّمل و الذّرّ إذا كانا في الصّيف كلّه ينقلن الحبّ، فإذا كان الشتاء و خفن أن ينبت فلقنه.

هشام بن حسّان، أنّ أهل الأحنف بن قيس لقوا من النّمل أذى، فأمر الأحنف بكرسيّ فوضع عند جحرهنّ، فجلس عليه ثمّ تشهّد فقال: لتنتهنّ أو لنحرقنّ عليكنّ، أو لنفعلنّ أو لنفعلنّ!قال: فذهبن.

و عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال: قال أبو موسى الأشعريّ: إنّ لكلّ شي‏ء سادة، حتّى إنّ للنمل سادة.

عبد اللّه بن زياد المدنيّ، قال: أنبأنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: خرج نبيّ من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة رأسها إلى السماء، فقال ذلك النبيّ: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذا النّمل!» .

مسعر بن كدام، قال حدّثنا زيد القمّيّ، عن أبي الصّدّيق النّاجي قال: «خرج سليمان بن داود-عليهما الصلاة و السلام-يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء و هي تقول: اللهمّ إنّا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقيك، فإمّا أن تسقينا و ترزقنا، و إمّا أن تميتنا و تهلكنا!فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم!» [1].

954-[تأويل آية]

و حدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: حَتََّى إِذََا أَتَوْا عَلى‏ََ وََادِ اَلنَّمْلِ قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ. `فَتَبَسَّمَ ضََاحِكاً مِنْ قَوْلِهََا [2]فقلت له: إن نذيرا يعجب منه نبيّ من الأنبياء ثمّ يعظم خطره حتى يضحكه لعجيب!قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه. قال: فإنّه قد يضحك النبيّ، عليه السلام، من الأنبياء من كلام الصبيّ، و من نادرة غريبة. و كلّ شي‏ء يظهر من غير معدنه، كالنّادرة تسمع من المجنون، فهو يضحك، فتبسّم سليمان عندي على أنّه استظرف ذلك المقدار من النّملة. فهذا هو التأويل.

[1]تفسير ابن كثير 3/372.

[2]18-19/النمل: 27.

270

955-[سادة النمل‏]

و قال أبو الجهجاه: سألته عن قول أبي موسى: إنّ لكلّ شي‏ء سادة حتى الذّرّ.

قال: يقولون: إنّ سادتها اللّواتي يخرجن من الجحر، يرتدن بجماعتها، و يستبقن إلى شمّ الذي هو من طعامهنّ.

و قال زهير[1]: [من الطويل‏]

و قال سأقضي حاجتي ثمّ أتّقي # عدوّي بألف من ورائي ملجّم

فشدّ و لم تفزع بيوت كثيرة # لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم‏[2]

قال بعض العلماء: قرية النمل.

956-[استطراد لغوي‏]

قال: و يقال في لسانه حبسة: إذا كان في لسانه ثقل يمنعه من البيان. فإذا كان الثّقل الذي في لسانه من قبل العجمة قيل: في لسانه حكلة. و الحكل من الحيوان كلّه ما لم يكن له صوت يستبان باختلاف مخارجه، عند حرجه و ضجره، و طلبه ما يغذوه، أو عند هياجه إذا أراد السّفاد، أو عند وعيد لقتال، و غير ذلك من أمره.

957-[سبب اختلاف كلام الناس في رأي الهند]

و تزعم الهند أنّ سبب ما له كثر كلام الناس و اختلفت صور ألفاظهم، و مخارج كلامهم، و مقادير أصواتهم في اللّين و الشّدّة، و في المدّ و القطع-كثرة حاجاتهم.

و لكثرة حاجاتهم كثرت خواطرهم و تصاريف ألفاظهم، و اتّسعت على قدر اتّساع معرفتهم.

قالوا: فحوائج السّنانير لا تعدو خمسة أوجه: منها صياحها إذا ضربت، و لذلك صورة. و صياحها إذا دعت أخواتها و آلافها، و لذلك صورة. و صياحها إذا دعت أولادها للطّعم، و لذلك صورة. و صياحها إذا جاعت، و لذلك صورة. فلما قلّت وجوه المعرفة و وجوه الحاجات، قلّت وجوه مخارج الأصوات. و أصواتها تلك فيما بينها هو كلامها.

و قالوا: ثمّ من الأشياء ما يكون صوتها خفيّا فلا يفهمه عنها إلا ما كان من [1]البيتان من معلقته في ديوانه 29.

[2]في ديوانه: (أم قشعم: الحرب؛ أو المنية) .

271

شكلها. و منها ما يفهم صاحبه بضروب الحركات و الإشارات و الشمائل. و حاجاتها ظاهرة جليّة، و قليلة العدد يسيرة. و معها من المعرفة ما لا يقصّر عن ذلك المقدار، و لا يجوزه.

و راضة الإبل، و الرّعاء، و روّاض الدّوابّ في المروج، و السّواس، و أصحاب القنص بالكلاب و الفهود، يعرفون باختلاف الأصوات و الهيئات و التشوّف، و استحالة البصر، و الاضطراب، ضروبا من هذه الأصناف، ما لا يعرف مثله من هو أعقل منهم، إذا لم يكن له من معاينة أصناف الحيوان ما لهم. فالحكل من الحيوان من هذا الشكل.

و قد ذكرناه مرّة قال رؤبة[1]: [من الرجز]

لو أنّني عمّرت عمر الحسل # أو أنّني أوتيت علم الحكل

علم سليمان كلام النّمل‏

958-[تفسير معنى الحكل‏]

و قال أبو العباس محمّد بن ذؤيب الفقيميّ، و هو الذي يقال له العمانيّ في بعض قصائده في عبد الملك بن صالح. و العمانيّ ممن يعدّ ممن جمع الرّجز و القصيد، كعمر بن لجإ، و جرير بن الخطفي، و أبي النّجم و غيرهم.

قال العمانيّ‏[2]: [من الطويل‏]

و يعلم قول الحكل لو أنّ ذرّة # تساود أخرى لم يفته سوادها

يقول: الذّرّ الذي لا يسمع لمناجاته صوت، لو كان بينها سواد لفهمه.

و السّواد هو السّرار. قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لابن مسعود: «أذنك حتى أساودك» أي تسمع سوادي. و قالت ابنة الخسّ: قرب الوساد و طول السّواد[3].

قال أبو كبير الهذليّ‏[4]: [من الكامل‏]

ساودت عنها الطّالبين فلم أنم # حتى نظرت إلى السّماك الأعزل‏[5]

[1]ديوان رؤبة 131، و اللسان و التاج (حكل) و البيان 1/40.

[2]البيت في المعاني الكبير 636، و البيان 1/40، 325، و بهجة المجالس 1/423، و أساس البلاغة (حكل) ، و بلا نسبة في اللسان (حكل) ، و المختار من شعر بشار 8.

[3]ورد قولها في البيان 1/324، و مجالس ثعلب 304، و ربيع الأبرار 3/158، و هو من الأمثال في المستقصى 1/195، و مجمع الأمثال 2/93، و جمهرة الأمثال 2/114، 126.

[4]شرح أشعار الهذليين 1079، و اللسان (سهر) .

[5]السماك الأعزل: نجم وقّاد؛ شبهوه بالأعزل من الرجال، و هو الذي لا سلاح معه، و هو منزل القمر.

العمدة 2/254.

272

و قال النمر بن تولب‏[1]: [من الكامل‏]

و لقد شهدت إذا القداح توحّدت # و شهدت عند اللّيل موقد نارها

عن ذات أولية أساود ربّها # و كأنّ لون الملح تحت شفارها

و قد فسّرنا شأن الحكل.

و قال التيميّ الشاعر المتكلم-و أنشد لنفسه و هو يهجو ناسا من بني تغلب معروفين-[2]: [من الكامل‏]

عجم و حكل لا تبين، و دينها # عبادة أعلاج عليها البرانس‏[3]

ففصل بين الحكل و العجم مثل ذوات الحافر و الظّلف و الخفّ، و جعل الحكل كالذّرّ و النّمل و الخنافس، و الأشكال التي ليست تصيح من أفواهها. فقال لي يومئذ حفص الفرد: أشهد أنّ الذي يقال فيه حقّ، كان و الله نصرانيّا، ثمّ صار يخبر عن النصارى كما يخبر عن الأعراب!

959-[بين الأصمعي و المفضّل‏]

و قال الأصمعيّ للمفضّل، لما أنشد المفضّل جعفر بن سليمان قول أوس بن حجر[4]: [من المنسرح‏]

و ذات هدم عار نواشرها # تصمت بالماء تولبا جدعا[5]

فجعل الذّال معجمة، و فتحها، و صحّف، و ذهب إلى الأجذاع. قال الأصمعيّ:

[1]ديوان النمر بن تولب 351، و أدب الكاتب 514، و السمط 783، و المخصص 14/67، و الأول في اللسان و التاج (ولي) و التهذيب 15/453، و البيتان بلا نسبة في رصف المباني 369.

[2]البيت في البيان 1/40، و رواية صدره: (و لكن حكلا لا تبين و ديتها) .

[3]العلج: الرجل من كفار العجم، و الرجل القوي الضخم من الكفار. «اللسان: علج» . البرانس: جمع برنس: و هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، أو هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. «اللسان: برنس» .

[4]البيت لأوس بن حجر في ديوانه 55، و الخصائص 3/306، و اللسان (تلب، جدع، هدم) ، و التاج (تلب، هدم) ، و التهذيب 1/346، و المخصص 14/64، و المزهر 2/378، و لبشر بن أبي خازم في ديوانه 127 (150) ، و لبشر أو لأوس في التاج (جدع) ، و بلا نسبة في الجمهرة 1313، و المقاييس 1/432، و ديوان الأدب 2/35، و العقد الفريد 2/483.

[5]في ديوان بشر: (الهدم: الثوب الخلق الرث، و ذات هدم: يعني امرأة ضعيفة. النواشر: عروق السواعد. تولب: أراد به طفلها؛ و هو في الأصل ولد الحمار. الجدع: السيئ الغذاء) .

273

إنما هي: «تولبا جدعا» الدّال مكسورة. و في الجدع يقول أبو زبيد[1]: [من البسيط]

ثمّ استقاها فلم يقطع نظائمها # عن التضبّب لا عبل و لا جدع‏

و إنما ذلك كقول ابن حبناء الأشجعي: [من الوافر]

و أرسل مهملا جدعا و خفّا # و لا جدع النّبات و لا جديب‏

فنفخ المفضّل، و رفع بها صوته، و تكلّم و هو يصيح. فقال الأصمعي: لو نفخت بالشّبّور لم ينفعك!تكلّم بكلام النّمل و أصب! و الشّبّور: شي‏ء مثل البوق، و الكلمة بالفارسية. و هو شي‏ء يكون لليهود، إذا أراد رأس الجالوت أن يحرّم كلام رجل منهم نفخوا عليه بالشّبّور.

960-[تحريم الكلام لدى اليهود و النصارى‏]

و ليس تحريم الكلام من الحدود القائمة في كتبهم، و لكنّ الجاثليق و رأس الجالوت، لا يمكنهما في دار الإسلام حبس و لا ضرب، فليس عندهما إلاّ أن يغرّما المال، و يحرّما الكلام. على أنّ الجاثليق كثيرا ما يتغافل عن الرّجل العظيم القدر، الذي له من السّلطان ناحية.

و كان طيمانو رئيس الجاثليق، قد همّ بتحريم كلام عون العباديّ، عند ما بلغه من اتخاذ السّراري، فتوعّده و حلف: لئن فعل ليسلمنّ!و كما ترك الإشقيل و ميخاييل و توفيل، سمل عين منويل-و في حكمهم أنّ من أعان المسلمين على الرّوم يقتل؛ و إن كان ذا رأي سملوا عينيه و لم يقتلوه-فتركوا سنّتهم فيه.

و قد ذكرنا شأنهم في غير ذلك، في كتابنا على النّصارى فإن أردته فاطلبه هنالك.

961-[معنى بيت لابن أبي ربيعة]

و قال عمر بن أبي ربيعة[2]: [من الكامل‏]

لو دبّ ذرّ فوق ضاحي جلدها # لأبان من آثارهنّ حدور

و الحدر: الورم و الأثر يكون عن الضّرب.

[1]ديوان أبي زبيد 645، و الطرائف الأدبية 100، و أساس البلاغة (جدع) .

[2]ديوان عمر بن أبي ربيعة 125، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (حدر) ، و بلا نسبة في اللسان (بين) ، و المخصص 2/80، و التهذيب 4/408، و العين 3/179.

274

962-[التكنّي بالنمل‏]

و قد يسمّى بنملة و نميلة، و يكتنون بها. و تسمّوا بذرّ، و اكتنوا بأبي ذرّ.

و يقال: سيف في متنه ذرّ، و هو ذرّيّ السّيف.

963-[أشعار تصف السيف‏]

و قال ابن ضبّة[1]: [من الهزج‏]

و قد أغدو مع الفتيا # ن بالمنجرد التّرّ[2]

و ذى البركة كالتّابو # ت و المحزم كالقرّ[3]

معي قاضبة كالملـ # ح في متنيه كالذّرّ

و قد اعتسر الضّربـ # ة تثني شثن الشّتر

و قال الآخر: [من الوافر]

تكاد الرّيح ترميها صرارا # و ترجف إن يلثّمها خمار

و تحسب كلّ شي‏ء قيل حقّا # و يرعب قلبها الذّرّ الصّغار

و قال أوس بن حجر، في صفة السّيف‏[4]: [من الطويل‏]

كأن مدبّ النّمل يتّبع الرّبا # و مدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا[5]

على صفحتيه بعد حين جلائه # كفى بالّذي أبلى و أنعت منصلا[6]

قال‏[7]: و خطب إلى عقيل بن علّفة بعض بناته رجل من الحرقة من جهينة، فأخذه فشدّه قماطا، و دهن استه بربّ و قمطه و قرّبه من قرية النّمل، فأكل النمل حشوة بطنه.

[1]الأبيات في الوحشيات 74، و اللسان و التاج (ترر) ، و التهذيب 14/249، و الجمهرة 325، 355، و أساس البلاغة (ثرر) .

[2]المنجرد: الفرس السبّاق القصير الشعر. (القاموس: جرد) .

التر: السريع الركض و المعتدل الأعضاء من الخيل. (القاموس: ترر) .

[3]البركة: الصدر. (القاموس: برك) . القر: الهودج. (القاموس: قرر) .

[4]ديوان أوس بن حجر 85، و الشعر و الشعراء 100، و الأول في عيون الأخبار 2/187، و معاهد التنصيص 1/135.

[5]في ديوانه: (يقول: اشتد على النمل البرد في أعلى الوادي فأسهل، أي أتى السهل فاستبان أثره) .

[6]في ديوانه: (الجلاء: الصقل. أبلي: أشفيك من نعته و أحدثك عنه. النصل: السيف) .

[7]الخبر في الأغاني 12/255 برواية مختلفة.

275

964-[ذكر النمل في الشعر]

و قال ذو الرّمّة[1]: [من الطويل‏]

و قرية لا جنّ و لا أنسيّة # مداخلة أبوابها بنيت شزرا[2]

نزلنا بها ما نبتغي عندها القرى # و لكنّها كانت لمنزلنا قدرا

و قال أبو العتاهية[3]: [من الكامل‏]

أخبث بدار همّها أشب # جثل الفروع كثيرة شعبه

إنّ استهانتها بمن صرعت # لبقدر ما تعلو به رتبه

و إذا استوت للنّمل أجنحة # حتى يطير فقد دنا عطبه‏

و قال البعيث: [من الطويل‏]

و مولى كبيت النمل لا خير عنده # لمولاه إلاّ سعيه بنميم‏

965-[أقوال في النمل‏]

قال: و قد سمعت بعض الأعراب يقول: إنّه لنمام نمليّ. على قولهم: «كذب عليّ نمل» إذا أرادوا أن يخبروا أنه نمام. و قال حميد بن ثور، في تهوين قوّة الذّرّ[4]:

[من الطويل‏]

منعّمة، لو يصبح الذّرّ ساريا # على جلدها بضّت مدارجه دما

و قال اللّه عز و جل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [5].

قال: و قيل لعائشة-رضي الله تعالى عنها، و قد تصدّقت بحبّة عنب-:

أ تصدّقين بحبّة عنب؟!قالت: «إن فيها لمثاقيل ذرّ» [6].

[1]ديوان ذي الرمة 1432، و المعاني الكبير 636، و شروح سقط الزند 1556.

[2]في ديوانه: (يريد قرية النمل. «مداخلة» : بعضها في بعض، و قوله: «بنيت شزرا» ، أي: ليست بمستقيمة، هي معوجّة) .

[3]ديوان أبي العتاهية 49، و ثمار القلوب 346 (641) .

[4]ديوان حميد بن ثور 17، و عيون الأخبار 4/144، و الأغاني 4/354.

[5]7-8/الزلزلة: 99.

[6]ورد قول عائشة رضي اللّه عنها في تفسير الآية التي تقدمت، انظر تفسير ابن كثير 4/577.

276

966-[لغز في النّمل‏]

و ممّا قيل في الشّعر من اللّغز[1]: [من المتقارب‏]

فما ذو جناح له حافر # و ليس يضرّ و لا ينفع‏

يعني النّمل. فزعم أنّ للنّمل حافرا، و إنّما يحفر جحره، و ليس يحفره بفمه.

967-[التعذيب بالنمل‏]

و عذّب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ بأنواع العذاب فقيل له: إن أردت ألاّ يفلح أبدا فمرهم أن ينفخوا في دبره النّمل. ففعلوا فلم يفلح بعدها.

968-[ما يدّخر قوته من الحيوان‏]

قالوا: و أجناس من الحيوان تدّخر، و تشبّه في ذلك بالإنسان ذي العقل و الرّويّة، و صاحب النّظر في العواقب، و التفكير في الأمور: مثل الذّرّ، و النّمل، و الفأر، و الجرذان، و العنكبوت، و النّحل. إلاّ أنّ النحل لا يدّخر من الطعام إلاّ جنسا واحدا، و هو العسل.

969-[أكل الذّرّ و الضباع للنمل‏]

و زعم اليقطريّ أنّك لو أدخلت نملة في جحر ذرّ لأكلتها، حتى تأتي على عامّتها. و ذكر أنّه قد جرّب ذلك.

و قال صاحب المنطق: إنّ الضّباع تأكل النمل أكلا ذريعا، و ذلك أن الضّباع تأتي قرية النّمل في وقت اجتماع النّمل، فتلحس ذلك النّمل بلسانها، بشهوة شديدة، و إرادة قويّة.

970-[أكل النمل للأرضة]

قالوا: و ربّما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم، و أكلت كلّ شي‏ء لهم.

و لا تزال كذلك حتى ينشو في تلك القرى النّمل، فيسلّط اللّه ذلك النّمل على تلك الأرضة، حتى تأتي على آخرها. و على أنّ النّمل بعد ذلك سيكون له أذى، إلاّ أنّه دون الأرضة تعدّيا. و ما أكثر ما يذهب النّمل أيضا من تلك القرى، حتى تتمّ لأهلها السّلامة من النّوعين جميعا.

[1]البيت في محاضرات الأدباء 2/305.

277

و زعم بعضهم أنّ تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا، و ليس فناؤها لأكل النّمل لها، و لكنّ الأرضة نفسها تستحيل نملا. فعلى قدر ما يستحيل منها يرى النقص‏[1]في عددها. و مضرّتها على الأيام.

971-[مثل في النمل‏]

قال: و بالنّمل يضرب المثل؛ يقال: «جاءوا مثل النّمل» [1].

و الزّنج نوعان‏[2]: أحدهما يفخر بالعدد، و هم يسمّون النّمل، و الآخر يفخر بالصّبر و عظم الأبدان، و هم يسمّون الكلاب. و أحدهما يكبو و الآخر ينبو. فالكلاب تكبو، و النّمل تنبو[2].

972-[أجنحة النّمل سبب هلاكها]

قال: و من أسباب هلاك النّمل نبات الأجنحة له. و قد قال الشاعر[3]: [من الكامل‏]

و إذا استوت للنّمل أجنحة # حتى يطير فقد دنا عطبه‏

و إذا صار النّمل كذلك أخصبت العصافير؛ لأنها تصطادها في حال طيرانها.

973-[وسيلة لقتل النمل‏]

قالوا[4]: و تقتل بأن يصبّ في أفواه بيوتها القطران و الكبريت الأصفر، و يدسّ في أفواهها الشّعر. و قد جرّبنا ذلك فوجدناه باطلا. انتهى.

[1]في المستقصى 2/48: «جاءت مثل النمل» .

[2]البيان 3/51، و رسائل الجاحظ 1/211 «رسالة فخر السودان» .

[3]البيت لأبي العتاهية في ديوانه 49، و ثمار القلوب 346 (641) .

[4]ربيع الأبرار 5/482.

278

باب جملة القول في القرد و الخنزير

و في تأويل المسخ، و كيف كان، و كيف يمسخ الناس على خلقتهما دون كلّ شي‏ء، و ما فيهما من العبرة و المحنة؛ و في خصالهما المذمومة، و ما فيهما من الأمور المحمودة؛ و ما الفصل الذي بينهما في النّقص، و في الفضل، و في الذمّ و في الحمد.

974-[ذكر الحيوان في القرآن‏]

و قد ذكر اللّه عزّ و جلّ في القرآن العنكبوت، و الذّرّ و النّمل، و الكلب، و الحمار، و النّحل، و الهدهد، و الغراب، و الذئب، و الفيل و الخيل، و البغال، و الحمير، و البقر، و البعوض، و المعز، و الضأن، و البقرة، و النعجة، و الحوت، و النّون. فذكر منها أجناسا، فجعلها مثلا في الذّلّة و الضّعف، و في الوهن، و في البذاء، و الجهل.

و قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا [1] فقلّلها كما ترى و حقّرها، و ضرب بها المثل. و هو مع ذلك جلّ و علا، لم يمسخ أحدا من حشو أعدائه و عظمائهم بعوضة.

و قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبََاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبََابُ شَيْئاً لاََ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطََّالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ [2]. إنّما قرع الطالب في هذا الموضع‏[3]بإنكاره و ضعفه، إذ عجز ضعفه عن ضعف مطلوب لا شي‏ء أضعف منه، و هو الذباب. ثمّ مع ذلك لم نجده جلّ و علا، ذكر أنّه مسخ أحدا ذبابا.

و قال: وَ إِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ اَلْعَنْكَبُوتِ [3]فدلّ بوهن بيته على وهن خلقه، فكان هذا القول دليلا على التّصغير و التّقليل. و إنما لم يقل: إنّي مسخت أحدا من أعدائي عنكبوتا.

[1]26/البقرة: 2.

[2]73/الحج: 22.

[3]41/العنكبوت: 29، و انظر ثمار القلوب (635) ففيه التعليق نفسه الذي أورده الجاحظ.

279

و قال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [1] فكان في ذلك دليل على ذمّ طباعه، و الإخبار عن تسرّعه و بذائه. و عن جهله في تدبيره، و تركه و أخذه. و لم يقل إني مسخت أحدا من أعدائي كلبا.

و ذكر الذّرّة فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [2]فكان ذلك دليلا على أنّه من الغايات في الصّغر و القلّة، و في خفّة الوزن و قلة الرجحان. و لم يذكر أنّه مسخ أحدا من أعدائه ذرّة.

و ذكر الحمار فقال: كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ يَحْمِلُ أَسْفََاراً [3]فجعله مثلا في الجهل و الغفلة، و في قلّة المعرفة و غلظ الطّبيعة. و لم يقل إنّي مسخت أحدا من أعدائي حمارا. و كذلك جميع ما خلق و ذكر من أصناف الحيوان بالذّمّ و الحمد.

فأمّا غير ذلك ممّا ذكر من أصناف الحيوان، فإنّه لم يذكره بذمّ و لا نقص، بل قد ذكر أكثرهنّ بالأمور المحمودة، حتّى صار إلى ذكر القرد فقال: وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ [4]فلم يكن لهما في قلوب النّاس حال. و لو لم يكن جعل لهما في صدور العامّة و الخاصّة من القبح و التّشويه، و نذالة النّفس، ما لم يجعله لشي‏ء غيرهما من الحيوان، لما خصّهما اللّه تعالى بذلك.

و قد علمنا أنّ العقرب أشدّ عداوة و أذى، و أفسد، و أنّ الأفعى و الثّعبان و عامّة الأحناش، أبغض إليهم و أقتل لهم، و أنّ الأسد أشدّ صولة، و أنّهم عن دفعهم له أعجز، و بغضهم له على حسب قوّته عليهم، و عجزهم عنه، و على حسب سوء أثره فيهم.

و لم نره تعالى مسخ أحدا من أعدائه على صورة شي‏ء من هذه الأصناف.

و لو كان الاستنذال و الاستثقال و الاستسقاط أراد، لكان المسخ على صورة بنات وردان أولى و أحقّ. و لو كان التّحقير و التّصغير أراد، لكانت الصّؤابة و الجرجسة أولى بذلك. و لو كان إلى الاستصغار ذهب لكان الذّرّ و القمل و الذّباب أولى بذلك.

و الدّليل على قولنا قوله تبارك و تعالى: إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ.

طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيََاطِينِ [5]و ليس أن النّاس رأوا شيطانا قطّ على صورة، و لكن [1]176/الأعراف: 7.

[2]7-8/الزلزلة: 99، و انظر التعليق نفسه في ثمار القلوب (645) .

[3]5/الجمعة: 62.

[4]60/المائدة: 5.

[5]64-65/الصافات: 37، و انظر التعليق نفسه في ثمار القلوب (157) .

280

لما كان اللّه تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشّياطين، و استسماجه و كراهته، و أجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك-رجع بالإيحاش و التّنفير، و بالإخافة و التقريع، إلى ما قد جعله اللّه في طباع الأوّلين و الآخرين و عند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم.

و هذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسّرين، أنّ رءوس الشّياطين نبات نبت باليمن. [و قول بعضهم: إن الشياطين هاهنا: الحيّات‏][1].

و قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللََّهِ بِهِ، فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2]فذكر أنه رجس، و ذكر الخنزير، و هو أحد المسوخ، و لم يذكر في هذه الآية التي أحصى فيها أصناف الحرام، و أباح ما وراء ذلك-القرد.

و صار بعضهم إلى تحريمه من جهة الحديث. و هو عند كثير منهم يحتمل المعارضة.

975-[مساوئ الخنزير]

فلو لا أنّ في الخنزير معنى متقدّما سوى المسخ، و سوى ما فيه من قبح المنظر و سماجة التمثيل، و قبح الصوت، و أكل العذرة، مع الخلاف الشديد و اللّواط المفرط و الأخلاق السمجة، ما ليس في القرد الذي هو شريكه في المسخ-لما ذكره دونه.

976-[تحريم الخنزير في القرآن، دون القرد]

و قد زعم ناس أنّ العرب لم تكن تأكل القرود. و كان من تنصّر من كبار القبائل و ملوكها يأكل الخنزير، فأظهر لذلك تحريمه؛ إذ كان هناك عالم من الناس، و كثير من الأشراف و الوضعاء، و الملوك و السّوقة، يأكلونه أشدّ الأكل، و يرغبون في لحمه أشدّ الرغبة.

قالوا: و لأنّ لحم القرد ينهى عن نفسه. و يكفي الطبائع في الزّجر عنه غنثه. و لحم الخنزير ممّا يستطاب و يتواصف، و سبيل لحم القرد كسبيل لحم الكلب، بل هو شرّ [1]الزيادة من ثمار القلوب (157) .

[2]145/الأنعام: 6.

281

منه و أخبث. و قد قال الشاعر للأسديّ الذي ليم بأكل لحم الكلب‏[1]: [من الرجز]

يا فقعسيّ لم أكلته لمه # لو خافك اللّه عليه حرّمه

فما أكلت لحمه و لا دمه‏

و ليس يريد بقوله: «لو خافك اللّه عليه» أنّ اللّه يخافه على شي‏ء أو يخافه من شي‏ء. و لكنّه لمّا كان الكلب عنده مما لا يأكله أحد و لا يخاف على أكله إلاّ المضطرّ، جعل بدل قوله: أمن الكلب على أكل لحمه، أنّ اللّه هو الذي لم يخف ذلك فيحرّمه. و هذا ممّا لا تقف الأعراب عليه، و لا تتّبع الوهم مواضعه؛ لأنّ هذا باب يدخل في باب الدّين، فيما يعرف بالنّظر.

977-[أكل لحوم بعض الحيوانات‏]

و قد يأكل أجراء الكلاب ناس، و يستطيبونها فيما يزعمون. و يقولون: إنّ جرو الكلب أسمن شي‏ء صغيرا، فإذا شبّ استحال لحمه، كأنّه يشبّه بفرخ الحمام ما دام فرخا و ناهضا، إلى أن يستحكم و يشتدّ.

و ما أكثر من يأكل السّنانير. و الذين يأكلونها صنفان من الناس: أحدهما الفتى المغرور، الذي يقال له أنت مسحور، و يقال له: من أكل سنّورا أسود بهيما لم يعمل فيه السحر، فيأكله لذلك. فإذا أكله لهذه العلّة، و قد غسل ذلك و عصره، أذهب الماء زهومته، و لم يكن ذلك المخدوع بمستقذر ما استطابه. و لعلّه أيضا أن يكون عليه ضرب من الطّعام فوق الذي هو فيه، فإذا أكله على هذا الشّرط، و دبّر هذا التدبير، و لم ينكره، عاوده. فإذا عاوده صار ذلك ضراوة له.

و الصّنف الآخر أصحاب الحمام؛ فما أكثر ما ينصبون المصائد للسّنانير، التي يلقّون منها في حمامهم. و ربّما صادف غيظ أحدهم و حنقه و غضبه عليه، أن يكون السّنّور مفرط السّمن، فيدع قتله و يذبحه. فإذا فعل ذلك مرّة أو مرتين، صار ضراوة عليها. و قد يتقزّز الرّجل من أكل الضّبّ و الورل و الأرنب، فما هو إلاّ أن يأكله مرّة لبعض التّجربة، أو لبعض الحاجة، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها، حتى يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها.

و هاهنا قوم لا يأكلون الجراد الأعرابيّ السمين، و نحن لا نعرف طعاما أطيب منه. و الأعراب إنّما يأكلون الحيّات على شبيه بهذا الترتيب و لهذه العوارض.

[1]الرجز في اللسان (روح، لوم) ، و البخلاء 234، و المخصص 3/4، و المقاصد النحوية 4/555.

282

و زعم بعض الأطبّاء و الفلاسفة، أنّ الحيّات و الأفاعي تؤكل نيئة و مطبوخة، و مشويّة، و أنّها تغذو غذاء حسنا.

و زعم أبو زيد، أنّه دخل على رؤبة، و عنده جرذان قد شواهنّ، فإذا هو يأكلهنّ، فأنكر ذلك عليه، فقال رؤبة: هنّ خير من اليرابيع و الضّباب و أطيب؛ لأنها عندكم تأكل الخبز و التمر و أشباه ذلك. و كفاك بأكل الجرذان‏[1]! و لو لا هول الحيّات في الصّدور من جهة السّمرم، لكانت جهة التقذّر أسهل أمرا من الجرذان.

و ناس من السّفالة يأكلون الذّبّان. و أهل خراسان يعجبون باتخاذ البزماورد من فراخ الزّنابير، و يعافون أذناب الجراد الأعرابيّ السمين. و ليس بين ريح الجراد إذا كانت مشويّة و بين ريح العقارب مشويّة فرق. و الطّعم تبع للرائحة: خبيثها لخبيثها، و طيّبها لطيّبها.

و قد زعم ناس، ممن يأكلون العقارب مشويّة و نيئة، أنها كالجراد السّمان.

و كان الفضل بن يحيى يوجّه خدمه في طلب فراخ الزّنابير ليأكلها. و فراخها ضرب من الذّبان.

فأمّا لحوم البراذين فقد كثر علينا و فينا، حتى أنسنا به. و زعم بعضهم أنّه لم يأكل أطيب من رأس برذون و سرّته. فأمّا السّرّة و المعرف‏[2]فإنهم يزاحمون بها الجداء و الدّجاج. و يقدّمون الأسرام المحشوّة.

و من أصحابنا من يأكل السراطين أكلا ذريعا. فأما الرق‏[3]و الكوسج‏[4]فهو من أعجب طعام البحريّين. و أهل البحر يأكلون البلبل فهو اللّحم الذي في جوف الأصداف.

و الأعرابيّ إذا وجد أسود سالخا، رأى فيه ما لا يرى صاحب الكسمير في كسميره.

[1]ورد الخبر في الأغاني 20/350، و فيه أنه يأكل الفئران.

[2]المعرفة: موضع العرف من الفرس.

[3]الرق: ضرب من دواب الماء يشبه التمساح، و الرق أيضا: العظيم من السلاحف. حياة الحيوان 1/527.

[4]الكوسج: نوع من السمك تنفر منه الحيوانات البحرية، و هي القرش. حياة الحيوان 2/299.

283

و خبّرني كم شئت من الناس، أنّه رأى أصحاب الجبن الرّطب بالأهواز و قراها، يأخذون القطعة الضّخمة من الجبن الرّطب، و فيها ككواء الزنابير، و قد تولّد فيها الدّيدان، فينفضها وسط راحته، ثمّ يقمحها في فيه، كما يقمح السّويق و السّكّر، أو ما هو أطيب منه.

978-[آيات في تعذيب الناس بالحيوان‏]

و قد خبّر اللّه تعالى عن أصحاب النّقم، و ما أنزل اللّه من العذاب، و ما أخذ من الشكل و المقابلات، فقال: فَكُلاًّ أَخَذْنََا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِ حََاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنََا [1]، و قال:

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ اَلْفِيلِ. `أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. `وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبََابِيلَ. `تَرْمِيهِمْ بِحِجََارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [2].

و ليس من هذه الأصناف شي‏ء أبلغ في المثلة و الشّنعة، ممّن جعل منهم القردة و الخنازير.

979-[الأهلي و الوحشي من الحيوان‏]

فالخنزير يكون أهليا و وحشيا، كالحمير و السّنانير، مما يعايش النّاس. و كلها لا تقبل الآداب. و إنّ الفهود و هي وحشيّة تقبل كلها، كما تقبل البوازي، و الشّواهين، و الصقورة، و الزّرّق، و اليؤيؤ، و العقاب، و عناق الأرض، و جميع الجوارح الوحشيّات.

ثمّ يفضلها الفهد بخصلة غريبة و ذلك أنّ كبارها و مسانّها أقبل للآداب، و إن تقادمت في الوحش، من أولادها الصغار، و إن كانت تقبل الآداب؛ لأنّ الصغير إذا أدّب فبلغ، خرج جبينا مواكلا، و المسنّ الوحشيّ يخلص لك كله، حتى يصير أصيد و أنفع.

و صغار سباع الطّير و كبارها على خلاف ذلك، و إن كان الجميع يقبل الأدب.

و الخنزير و إن كان أهليّا فإنه لا يقبل الأدب على حال، حتى كأنّه-و إن كان بهيمة- في طباع ذئب.

و ذلك أن أعرابيّا أخذ جرو ذئب و كان التقطه التقاطا، فقال: أخذته و هو لا يعرف أبويه و لا عملهما، و هو غرّ لم يصد شيئا، فهو إذا ربّيناه و ألّفناه، أنفع لنا من [1]40/العنكبوت: 29.

[2]/الفيل: 105.

284

الكلب. فلمّا شبّ عدا على شاة له فقتلها و أكل لحمها، فقال الأعرابيّ‏[1]: [من الوافر]

أكلت شويهتي و ربيت فينا # فمن أدراك أنّ أباك ذيب‏

فالذئب و جرو الذئب إذا كانا سبعين وحشيّين كانا ثمّ من أشدّ الوحش توحّشا و ألزمها للقفار، و أبعدها من العمران.

و الذّئب أغدر من الخنزير و الخنّوص‏[2]و هما بهيمتان.

980-[ضرر الخنزير]

و أمّا ضرره و إفساده، فما ظنّك بشي‏ء يتمنّى له الأسد؟!و ذلك أن الخنازير إذا كانت بقرب ضياع قوم، هلكت تلك الضّياع، و فسدت تلك الغلاّت. و ربّما طلب الخنزير بعض العروق المدفونة في الأرض فيخرّب مائة جريب، و نابه ليس يغلبه معول. فإذا اشتدّ عليهم البلاء تمنّوا أن يصير في جنبتهم أسد. و لربّما صار في ضياعهم الأسد فلا يهيجونه، و لا يؤذونه، و لو ذهب إنسان ليحفر له زبية منعوه أشدّ المنع؛ إذ كان ربّما حمى جانبهم من الخنازير فقط. فما ظنّك بإفسادها، و ما ظنّك ببهيمة يتمنّى أن يكون بدلها أسد؟!ثمّ مع ذلك إذا اجتمعوا للخنازير بالسّلاح، و بالآلات و الأدوات التي تقتل بها، فربّما قتل الرّجل منهم، أو عقره العقر الذي لا يندمل؛ لأنّه لا يضرب بنابه شيئا إلاّ قطعه، كائنا ما كان. فلو قتلوا في كلّ يوم منها مائة و قتلت في كلّ يوم إنسانا واحدا، لما كان في ذلك عوض.

و الخنازير تطلب العذرة، و ليست كالجلاّلة[3]؛ لأنها تطلب أحرّها و أرطبها و أنتنها، و أقربها عهدا بالخروج. فهي في القرى تعرف أوقات الصّبح و الفجر، و قبل ذلك و بعده؛ لبروز النّاس للغائط. فيعرف من كان في بيته نائما في الأسحار و مع الصّبح، أنّه قد أسحر و أصبح، بأصواتها و مرورها، و وقع أرجلها في تلك الغيطان، و تلك المتبرّزات. و بذلك ضربوا المثل ببكور الخنزير، كما ضربوا المثل بحذر الغراب و روغان الثّعلب.

[1]الخبر و البيت في عيون الأخبار 2/5، و ثمار القلوب (581) ، و مجمع الأمثال 1/446، و المستقصى 1/233، و جمهرة الأمثال 2/30، و الدرة الفاخرة 294، و التذكرة الحمدونية 2/248، و محاضرات الأدباء 1/122 (1/249) .

[2]الخنوص: ولد الخنزير. (القاموس: خنص) .

[3]الجلاّلة: البقرة تتبع النجاسات، و الجلة: البعرة. (القاموس: جلل) .

285

على أنّ الثّعلب ليس بأروغ من الخنزير، و لا أكدّ للفارس، و لا أشدّ إتعابا لصاحبه.

981-[بعض أسباب مسخ الإنسان‏]

[1] فأمّا قبح وجهه فلو أنّ القبح‏[2]و الإفلاس، و الغدر و الكذب، تجسّدت ثمّ تصوّرت لما زادت على قبح الخنزير. و كلّ ذلك بعض الأسباب التي مسخ لها الإنسان خنزيرا.

و إنّ القرد لسمج الوجه، قبيح‏[في‏][3]كلّ شي‏ء. و كفاك به أنّه للمثل المضروب-و لكنّه في وجه آخر مليح. فملحه يعترض على قبحه فيمازجه و يصلح منه. و الخنزير أقبح منه لأنّه ضرب مصمت بهيم. فصار أسمج ببعيد.

982-[نزو الذكر على الذكر]

و حدّثني بعض أهل العلم، ممّن طال ثواؤه في أرض الجزيرة، و كان صاحب أخبار و تجربة، و كان كلفا يحبّ التبيّن، معترضا للأمور، يحبّ أن يفضي إلى حقائقها، و تثبيت أعيانها بعللها، و تمييز أجناسها، و تعرّف مقادير قواها و تصرّف أعمالها، و تنقّل حالاتها؛ و كان يعرف للعلم قدره، و للبيان فضله.

قال: ربّما رأيت الخنزير الذّكر و قد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا إلى مضيق، و إلى زاوية، فينزون عليه واحدا واحدا، حتى يبلغ آخرهم.

و خبّرني هذا الرّجل و غيره من أهل النظر و أصحاب الفكر، أنّهم رأوا مثل ذلك من الحمير. و ذكروا أنّ ذلك إما تأنيت في طبعه، و إمّا أن يكون له في أعينها من الاستحسان شبيه بالذي يعتري عيون بعض الرجال في الغلمان، و الأحداث الشّباب.

و قد يكون هذا بين الغزانق و الكراكيّ. و التّسافد بين الذّكر و الأنثى. و السافد و المسفود إذا كانا من جميع الذكورة، كثير في جميع أصناف الحيوان، إلاّ أنّه في جميع الخنازير و الحمير أفشى. و أمّا تسافد الحمام الذّكر و الأنثى للذّكر، فأكثر من أن يكون فيه تنازع.

[1]وردت هذه الفقرة في ثمار القلوب 321 (598) .

[2]في ثمار القلوب (الكفر) .

[3]إضافة من ثمار القلوب.

286

983-[معارف في الخنزير]

و باب آخر ممّا ذكر صاحب المنطق، فزعم أنّ من الخنازير ما له ظلف واحد، و ليس لشي‏ء من ذوات الأنياب في نابه من القوّة و الذّرب ما للخنزير الذكر، و للجمل، و الفهد، و الكلب. قال: و الإنسان يلقي أسنانه، و كذلك الحافر و الخفّ. قال:

و الخنزير لا يلقي أسنانه البتّة.

و يقال: إنّ عبد الصّمد بن عليّ لم يثغر قط، و أنّه دخل قبره بأسنان الصّبا.

984-[أسنان الذئب و الحية]

و زعم بعضهم أنّ أسنان الذّئب مخلوقة في الفكّ، ممطولة في نفس العظم.

و ذلك ممّا توصف به أسنان الحيّة. قال الشّاعر: [من السريع‏]

مطلن في اللّحيين مطلا إلى # الرّأس و أشداق رحيبات‏

و الشّاعر يمدح الشي‏ء فيشدّد أمره، و يقوّي شأنه، و ربّما زاد فيه، و لعلّ الذي قال في الذّئب ما قال، هذا أراد. و لا يشكّون أنّ الضّبع كذلك.

985-[مرق لحم الحيوان‏]

قال و ليس يجمد مرق لحم الحيوان السّمين، مثل الخنزير و الفرس، و أمّا ما كان كثير الثرب فمرقته تجمد، مثل مرق لحم المعزى.

986-[طباع بعض الحيوان عند الهيج‏]

قال: و الخنزير الذّكر يقاتل في زمن الهيج، فلا يدع خنزيرا إلاّ قتله، و يدنو من الشّجرة و يدلك جلده، ثمّ يذهب إلى الطين و الحمأة فيتلطخ به، فإذا تساقط عاد فيه.

قال: و ذكورة الخنازير تطرد الذّكورة عن الإناث، و ربّما قتل أحدهما صاحبه و ربّما هلكا جميعا، و كذلك الثّيران و الكباش و التّيوس في أقاطيعها، و هي قبل ذلك الزّمان متسالمة.

و الجمل في تلك الحالة لا يدع جملا و لا إنسانا يدنو من هجمته‏[1]. و الجمل خاصّة يكره قرب الفرس، و يقاتله أبدا.

[1]الهجمة من الإبل: أولها أربعون، أو ما بين السبعين إلى المائة. (القاموس: هجم) .

287

و مثل هذا يعرض للذّئبة و الذّئب. و الأسد ليس ذلك من صفاتها؛ لأنّ بعضها لا يأوي إلى بعض، بل ينفرد كلّ واحد بلبوءته. و إذا كان للذّئبة الأنثى جراء ساءت أخلاقها و صعبت، و كذلك إناث الخيل و الفيل: يسوء خلقها في ذلك الزّمان.

و الفيّالون يحمونها النّزو؛ لأنها إذا نزت جهلت جهلا شديدا، و اعتراها هيج لا يقام له. و إذا كان ذلك الزّمان أجادوا عقله، و أرسلوه في الفيلة الوحشيّة. فأمّا الخنزير و الكلب فإنهما لا يجهلان على النّاس؛ لمكان الألفة.

قال: و زعم بعض النّاس أنّ إناث الخيل تمتلئ ريحا في زمان هيجها، فلا يباعدون الذّكورة عنها. و إذا اعتراها ذلك ركضت ركضا شديدا، ثمّ لا تأخذ غربا و لا شرقا، بل تأخذ في الشّمال و الجنوب.

و يعرض مثل هذا العرض لإناث الخنازير. فإذا كان زمن هياج الخنازير، تطأطئ رءوسها، و تحرّك أذنابها تحريكا متتابعا، و تتغيّر أصواتها إذا طلبت السّفاد. و إذا طلبت الخنزيرة السّفاد بالت بولا متتابعا.

987-[مدد الحمل للحيوان‏]

قال: و إناث الخنازير تحمل أربعة أشهر. و أكثر ما تحمل عشرون خنّوصا[2].

و إذا وضعت أجراء كثيرة لم تقو على رضاعها و تربيتها.

قال: و إناث الخنازير تحمل من نزوة واحدة، و ربّما كان من أكثر. و إذا طلبت الذّكر لم تنزع حتى تطاوع و تسامح، و ترخي أذنابها. فإذا فعلت ذلك تكتفي بنزوة واحدة.

و يعلف الذّكر الشّعير في أوان النّزو، و يصلح للأنثى.

و الخنزيرة تضع في أربعة أشهر، و الشّاة في خمسة، و المرأة و البقرة في تسعة أشهر، و الحافر كله في سنة.

988-[خصائص الخنزير]

قال: و متى قلعت العين الواحدة من الخنزير هلك. و كثير من الخنازير تبقى خمسة عشر عاما. و الخنزير ينزو إذا تمّ له ثمانية أشهر، و الأنثى تريد الذّكر إذا تمّت لها ستّة أشهر. و في بعض البلدان ينزو إذا تمّ له أربعة أشهر، و الخنزيرة إذا تمّت لها ستّة أشهر، و لكنّ أولادهما لا تجي‏ء كما يريدون. و أجود النّزو أن يكون ذلك منه‏

288

و هو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين. و إذا كانت الخنزيرة بكرا ولدت جراء ضعافا و كذلك البكر من كل شي‏ء.

989-[الحلال و الحرام من الطيبات في القرآن‏]

و قال اللّه تبارك و تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِلََّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ [1]ثمّ ذكر غير الطيّبات فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ وَ مََا أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللََّهِ بِهِ وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ مََا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاََّ مََا ذَكَّيْتُمْ وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ، وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاََمِ، ذََلِكُمْ فِسْقٌ [2] ثمّ قال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ أُولََئِكَ شَرٌّ مَكََاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ [3] و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُحَرِّمُوا طَيِّبََاتِ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكُمْ وَ لاََ تَعْتَدُوا إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ [4].

و قوله تعالى: طَيِّبََاتِ تحتمل وجوها كثيرة، يقولون: هذا ماء طيّب، يريدون العذوبة. و إذا قالوا للبرّ و الشّعير و الأرز طيّب، فإنما يريدون أنّه وسط، و أنّه فوق الدّون. و يقولون: فم طيّب الرّيح، و كذلك البرّ، يريدون أنّه سليم من النّتن، ليس أنّ هناك ريحا طيبة و لا ريحا منتنة. و يقولون: حلال طيّب، و هذا لا يحل لك، و لا يطيب لك، و قد طاب لك أي حل لك، كقول: فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ [5].

990-[استطراد لغوي‏]

قال طويس المغنّي لبعض ولد عثمان بن عفّان‏[6]: لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيّب. يريد الطّهارة. و لو قال: شهدت زفاف أمّك الطيّبة إلى أبيك المبارك، لم يحسن ذلك؛ لأنّ قولك طيّب إنّما يدلّ على قدر ما اتّصل به من الكلام.

[1]172/البقرة: 2.

[2]3/المائدة: 5.

[3]160/المائدة: 5.

[4]87/المائدة: 5.

[5]3/النساء: 4.

[6]الخبر في البيان 1/263، و رواية الخبر فيه: (قال سعيد بن عثمان بن عفان لطويس المغني: أيّنا أسف أنا أم أنت يا طاوس؟قال: بأبي أنت و أمي؛ لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب) .

289

و قد قال الشّاعر[1]: [من الكامل‏]

و الطيّبون معاقد الأزر

و قد يخلو الرّجل بالمرأة فيقول: وجدتها طيّبة. يريد طيّبة الكوم‏[2]، لذيذة نفس الوطء. و إذا قالوا: فلان طيّب الخلق، فإنما يريدون الظّرف و الملح.

و قال اللّه عزّ و جلّ: حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [3] يريد ريحا ليست بالضعيفة و لا القويّة.

و يقال: لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفس منه. و قال اللّه عزّ و جلّ:

فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [4]و قال: لَقَدْ كََانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتََانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمََالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ [5]و ذلك إذ كانت طيّبة الهواء و الفواكه، خصيبة.

و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْغََافِلاََتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [6]ثم قال: اَلْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ اَلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثََاتِ وَ اَلطَّيِّبََاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ اَلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبََاتِ أُولََئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمََّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [7].

و في هذا دليل على أنّ التأويل في امرأة نوح و امرأة لوط، عليهما السلام، على غير ما ذهب إليه كثير من أصحاب التّفسير: و ذلك أنهم حين سمعوا قوله عزّ و جلّ:

ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَ اِمْرَأَتَ لُوطٍ كََانَتََا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبََادِنََا صََالِحَيْنِ فَخََانَتََاهُمََا فَلَمْ يُغْنِيََا عَنْهُمََا [8]فدلّ ذلك على أنّه لم يعن الخيانة في الفرج.

[1]صدر البيت: (النازلين بكل معترك) ؛ و هو للخرنق بنت بدر بن هفان في حماسة القرشي 367، و أشعار النساء 163، و الحماسة البصرية 1/227، و الأمالي 2/158، و أمالي المرتضى 1/206، و السمط 548، و الخزانة 5/41، 42، 44، و اللسان (نضر) ، و أساس البلاغة (أزر) ، و المقاصد النحوية 3/602، 4/72، و الكتاب 1/202، 2/57، 58، 64، و شرح أبيات سيبويه 2/16.

[2]كام المرأة: نكحها. (القاموس: كوم) .

[3]22/يونس: 10.

[4]4/النساء: 4.

[5]15/سبأ: 34.

[6]23/النور: 24.

[7]26/النور: 24.

[8]10/التحريم: 66.

290

و قد يقع اسم الخيانة على ضروب: أوّلها المال، ثمّ يشتقّ من الخيانة في المال الغشّ في النصيحة و المشاورة. و ليس لأحد أن يوجّه الخبر إذا نزل في أزواج النبي صلى اللّه عليه و سلم و حرم الرّسل، على أسمج الوجوه، إذا كان للخبر مذهب في السّلامة، أو في القصور على أدنى العيوب.

و قد علمنا أنّ الخيانة لا تتخطّى إلى الفرج حتّى تبتدئ بالمال. و قد يستقيم أن يكونا من المنافقين فيكون ذلك منهما خيانة عظيمة. و لا تكون نساؤهم زواني، فيلزمهم أسماء قبيحة. و قال اللّه عزّ و جلّ: فَإِذََا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُبََارَكَةً طَيِّبَةً [1]و قال: فَكُلُوا مِمََّا رَزَقَكُمُ اَللََّهُ حَلاََلاً طَيِّباً [2] و قال: مَنْ عَمِلَ صََالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيََاةً طَيِّبَةً [3]و قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ [4]و قال:

وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [5]و: مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [6] و قال: وَ ظَلَّلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْغَمََامَ وَ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى‏ََ كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ [7]فقوله: طيّب، يقع في مواضع كثيرة، و قد فصّلنا بعض ذلك في هذا الباب.

[1]61/النور: 24.

[2]114/النحل: 16.

[3]97/النحل: 16.

[4]32/الأعراف: 7.

[5]26/إبراهيم: 14.

[6]24/إبراهيم: 14.

[7]57/البقرة: 2.

291

ثم رجع بنا القول إلى موضعنا من ذكر الخنزير

ثمّ قال: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللََّهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [1]أ لا تراه قد ذكر أصناف ما حرّم و لم يذكرها بأكثر من التّحريم، فلمّا ذكر الخنزير قال: فَإِنَّهُ رِجْسٌ ؟!فجعل الخنزير و إن كان غير ميتة أو ذكر الذّابح عليه اسم اللّه، أنّه رجس. و لا نعلم لهذا الوجه إلاّ الذي خصّه اللّه به من ذكر المسخ، فأراد تعظيم شأن العقاب و نزول الغضب، و كان ذلك القول ليس ممّا يضرّ الخنزير، و فيه الزّجر عن محارمه، و التّخويف من مواضع عذابه. و إن قيل: ينبغي أن يكون مسخ صورة القرد، فهلاّ ذكره في التحريم مع أصناف ما حرّم، ثمّ خصّه أيضا أنّه من بينها رجس، و هو يريد مذهبه و صفته؟قلنا. إنّ العرب لم تكن تأكل القرود، و لا تلتمس صيدها للأكل. و كلّ من تنصّر من ملوك الرّوم و الحبشة و الصّين، و كلّ من تمجّس من ملك أو سوقة، فإنّهم كانوا يرون للحم الخنزير فضيلة، و أنّ لحومها ممّا تقوم إليه النفوس، و تنازع إليه الشّهوات.

و كان في طباع الناس من التكرّه للحوم القردة، و التقذّر منها ما يغني عن ذكرها. فذكر الخنزير إذ كان بينهما هذا الفرق، و لو ذكر ذلك و ألحق القرد بالخنزير لموضع التحريم، لكان ذلك إنما كان على وجه التوكيد لما جعله اللّه تعالى في طبائعهم من التكرّه و التقذّر، و لا غير ذلك.

و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ عَلَى اَلَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ اَلْبَقَرِ وَ اَلْغَنَمِ حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمََا إِلاََّ مََا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمََا أَوِ اَلْحَوََايََا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ [2].

991-[بعض وجوه التحريم‏]

و قد أنبأك كما ترى عن التّحريم أنّه يكون من وجوه: فمنها ما يكون كالكذب و الظلم و الغشم و الغدر؛ و هذه أمور لا تحلّ على وجه من الوجوه. و منها ما يحرم في العقل من ذبح الإنسان الطّفل. و جعل في العقول التبيّن بأنّ خالق الحيوان أو المالك له، و القادر على تعويضه، يقبح ذلك في السماع على ألسنة رسله.

[1]45/الأنعام: 6.

[2]146/الأنعام: 6.

292

و هذا ممّا يحرم بعينه لا أنه حرّم لعلة قد يجوز دفعها. و الظلم نفسه هو الحرام، و لم يحرّم لعلة غير نفسه.

و باب آخر، و هو ما جاء من طريق التعبّد، و ما يعرف بالجملة، و يعرف بالتفسير.

و منه ما يكون عقابا، و يكون مع أنه عقاب امتحانا و اختبارا، كنحو ما ذكر من قوله: ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِبَغْيِهِمْ [1]و كنحو أصحاب البقرة الذين قيل لهم: اذبحوا بقرة فإنّي أريد أن أضرب بها القتيل ثم أحييهما جميعا. و لو اعترضوا من جميع البقر بقرة فذبحوها، كانوا غير مخالفين. فلمّا ذهبوا مذهب التشكك و التعلّل، ثم التعرّض، و التعنّت في طريق التعنّت، صار ذلك سبب تغليظ الفرض‏[2].

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: مِنْ أَجْلِ ذََلِكَ كَتَبْنََا عَلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسََادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمََا قَتَلَ اَلنََّاسَ جَمِيعاً [3]و قال اللّه تعالى:

اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهََاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبََاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاََلَ اَلَّتِي كََانَتْ عَلَيْهِمْ [4]و مثله: رَبَّنََا وَ لاََ تُحَمِّلْنََا مََا لاََ طََاقَةَ لَنََا بِهِ وَ اُعْفُ عَنََّا [5]يجوز أن يكون إنّما يريدون صرف العذاب، و يجوز أن يكون إنما يريدون تخفيف الفرائض. و قد يجوز أن يكون على قول من قال: لا أستطيع النظر إلى فلان، على معنى الاستقبال.

و باب آخر من التّحريم، و هو قوله: كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلاََّ مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ اَلتَّوْرََاةُ [6].

992-[شعر في الخنزير]

و قال مروان بن محمد[7]: [من المنسرح‏]

يمشي رويدا يريد ختلكم # كمشي خنزيرة إلى عذره‏

[1]146/الأنعام: 6.

[2]ثمار القلوب (560) .

[3]32/المائدة: 5.

[4]157/الأعراف: 7.

[5]86/البقرة: 2.

[6]93/آل عمران: 3.

[7]ديوان أبي الشمقمق 138.

293

و قال آخر[1]: [من الخفيف‏]

نعم جار الخنزيرة المرضع الغر # ثى إذا ما غدا، أبو كلثوم

طاويا قد أصاب عند صديق # من ثريد ملبّد مأدوم

ثمّ أنحى بجعره حاجب الشّمـ # س فألقى كالمعلف المهدوم‏

993-[جرير و الحضرمي‏]

و قال أبو الحسن: وفد جرير على هشام، فقال الحضرمي: أيّكم يشتمه؟ فقالوا: ما أحد يقدم عليه!قال: فأنا أشتمه و يرضى و يضحك!قال: فقام إليه فقال:

أنت جرير؟قال: نعم. قال: فلا قرّب اللّه دارك و لا حيّا مزارك!يا كلب!فجعل جرير ينتفخ، ثمّ قال له: رضيت في شرفك و فضلك و عفافك أن تهاجي القرد العاجز؟! يعني الفرزدق. فضحك.

فحدّث صديق لي أبا الصّلع السّنديّ بهذا الحديث، قال: فشعري أعجب من هذا لأني شتمت البخلاء، فشتمت نفسي بأشدّ ممّا شتمتهم. فقال: و ما هو؟قال قولي: [من مجزوء الرمل‏]

لا ترى بيت هجاء # أبدا يسمع منّي

الهجا أرفع ممّن # قدره يصغر عنّي‏

994-[احتيال بعض الناس‏]

قال أبو الحسن: كان واحد يسخر بالنّاس، و يدّعي أنّه يرقي من الضّرس إذا ضرب على صاحبه. فكان إذا أتاه من يشتكي ضرسه قال له إذا رقاه: إيّاك أن تذكر إذا صرت إلى فراشك القرد؛ فإنّك إن ذكرته بطلت الرّقية!فكان-إذا آوى إلى فراشه- أوّل شي‏ء يخطر على باله ذكر القرد، و يبيت على حاله من ذلك الوجع، فيغدو إلى الذي رقاه فيقول له: كيف كنت البارحة؟فيقول: بتّ وجعا!فيقول: لعلّك ذكرت القرد!فيقول: نعم!فيقول: من ثمّ لم تنتفع بالرّقية!

995-[شعر لبعض ظرفاء الكوفيين‏]

و قال بعض ظرفاء الكوفيّين‏[1]: [من الوافر]

فإن يشرب أبو فرّوخ أشرب # و إن كانت معتّقة عقارا

[1]الأبيات في البيان 3/311.

[2]البيتان لبعض الكوفيين في عيون الأخبار 3/16، و اللسان و التاج (فرخ) . ـ

294

و إن يأكل أبو فرّوخ آكل # و إن كانت خنانيصا صغارا[1]

996-[قرد يزيد بن معاوية]

و قال يزيد بن معاوية[2]: [من الطويل‏]

فمن مبلغ القرد الذي سبقت به # جياد أمير المؤمنين أتان

تعلّق أبا قيس بها إن أطعتني # فليس عليها إن هلكت ضمان‏

997-[شعر في الهجاء]

و زعم الجرداني، أنّ بشّارا الأعمى، لم يجزع من هجاء قطّ كجزعه من بيت حمّاد عجرد، حيث يقول‏[3]: [من الهزج‏]

و يا أقبح من قرد # إذا ما عمي القرد

و قال بشير بن أبي جذيمة العبسيّ‏[4]: [من الطويل‏]

أتخطر للأشراف حذيم كبرة # و هل يستعدّ القرد للخطران

أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها # و لؤم قرود وسط كلّ مكان

لقد سمنت قردانكم آل حذيم # و أحسابكم في الحيّ غير سمان‏

الأصمعيّ عن أبي الأشهب عن أبي السليل قال: ما أبالي أ خنزيرا رأيت يجرّ برجله، أو مثل عبيد ينادي: يال فلان!

998-[استطراد لغوي‏]

الأصمعيّ عن أبي ظبيان قال‏[5]: الخوز هم البناة الذين بنوا الصّرح و اسمهم مشتقّ من الخنزير. ذهب إلى اسمه بالفارسية خوك، فجعلت العرب خوك خوزا. إلى هذا ذهب.

[1]الخنانيص: جمع خنوص، و هو ولد الخنزير. (القاموس: خنص) .

[2]البيتان في مروج الذهب 3/266، و نهاية الأرب 9/337، و المخصص 13/177، و حياة الحيوان 2/201 (قرد) .

[3]البيت في البيان 1/30، و الأغاني 14/329، 333، و طبقات ابن المعتز 25، 67، و المؤتلف 235، و ثمار القلوب (147) .

[4]الأبيات في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 4/9.

[5]معجم البلدان 2/404 (خوز) .

295

999-[القول في المسخ‏]

و قد قال النّاس في المسخ بأقاويل مختلفة: فمنهم من زعم أنّ المسخ لا يتناسل و لا يبقى إلاّ بقدر ما يكون موعظة و عبرة، فقطعوا على ذلك الشهادة. و منهم من زعم أنّه يبقى و يتناسل، حتى جعل الضّبّ و الجرّيّ، و الأرانب، و الكلاب و غير ذلك، من أولاد تلك الأمم التي مسخت في هذه الصّور. و كذلك قولهم في الحيّات.

و قالوا في الوزغ: إن أباها، لمّا صنع في نار إبراهيم و بيت المقدس ما صنع، أصمّه اللّه و أبرصه، فقيل: «سامّ أبرص» . فهذا الذي نرى هو من ولده؛ حتّى صار في قتله الأجر العظيم، ليس على أنّ الذي يقتله كالذي يقتل الأسد و الذّئاب، إذا خافها على المسلمين.

و قالوا في سهيل، و في الزّهرة، و في هاروت و ماروت، و في قيرى و عيرى أبوي ذي القرنين، و جرهم، ما قالوا.

فأمّا القول في نفس المسخ فإنّ النّاس اختلفوا في ذلك: فأمّا الدّهريّة فهم في ذلك صنفان: فمنهم من جحد المسخ و أقرّ بالخسف و الرّيح و الطّوفان، و جعل الخسف كالزّلازل، و زعم أنّه يقرّ من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأمّا الحجارة فإنّها لا تجي‏ء من جهة السّماء. و قال: لست أجوّز إلاّ ما اجتمعت عليه الأمّة أنّه قد يحدث في العالم. فأنكر المسخ البتّة.

1000-[أثر البيئة]

و قال الصّنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم و تفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيّام، كما عمل ذلك في طباع الزّنج، و طباع الصّقالبة، و طباع بلاد يأجوج و مأجوج.

و قد رأينا العرب و كانوا أعرابا حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني، و ترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل و الدّوابّ و جميع ماشيتهم: من سبع و بهيمة، على طبائعهم. و ترى جراد البقول و الرّياحين و ديدانها خضراء، و تراها في غير الخضرة على غير ذلك‏[1]. و ترى القملة في رأس الشابّ الأسود الشّعر سوداء، و تراها في رأس الشّيخ الأبيض الشّعر بيضاء، و تراها في رأس الأشمط شمطاء، و في [1]رسائل الجاحظ 1/220.

296

لون الجمل الأورق. فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء. فإن نصل خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض و حمر.

و قد نرى حرّة بني سليم، و ما اشتملت عليه من إنسان، و سبع، و بهيمة، و طائر، و حشرة فتراها كلّها سوداء[1].

و قد خبّرنا من لا يحصى من النّاس أنّهم قد أدركوا رجالا من نبط بيسان‏[2]، و لهم أذناب إلاّ تكن أذناب التماسيح و الأسد و البقر و الخيل؛ و إلاّ كأذناب السّلاحف و الجرذان، فقد كان لهم عجوب‏[3]طوال كالأذناب.

و ربّما رأينا الملاّح النّبطيّ في بعض الجعفريّات على وجهه شبه القرد. و ربّما رأينا الرّجل من المغرب فلا نجد بينه و بين المسخ، إلاّ القليل.

و قد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، و الماء الخبيث، و التربة الرديّة، ناسا في صفة هؤلاء المغربيّين و الأنباط، و يكونون جهّالا، فلا يرتحلون؛ ضنانة بمساكنهم و أوطانهم، و لا ينتقلون. فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، و في تلك الأذناب، و في تلك الألوان الشّقر، و في تلك الصّور المناسبة للقرود.

قالوا: و لم نعرف، و لم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض، أنّ الموضع الذي قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود.

و قد يجوز أن تكون هذه الصّور انقلبت في مهبّ الريح الشمالي، و الأخرى في مهبّ الجنوب. و يجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ و يجوز أن يكون بينهما دهر و دهور.

قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنّه إن كان على مجرى الطّبائع، و ما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا، و لا مثبت لقولكم.

قال أبو إسحاق: الذي قلتم ليس بمحال، و لا ينكر أن يحدث في العالم برهانات، و ذلك المسخ كان على مجرى ما أعطوا من سائر الأعاجيب، و الدّلائل و الآيات. و نحن إنّما عرفنا ذلك من قبلهم. و لو لا ذلك لكان الذي قلتم غير ممتنع.

و لو كان ذلك المسخ في هذا الموضع على ما ذكرتم، ثمّ خبر بذلك نبيّ، أو دعا به نبيّ، لكان ذلك أعظم الحجّة.

[1]رسائل الجاحظ 2/313، و انظر الرسائل 1/219-220. و ربيع الأبرار 5/481.

[2]بيسان: مدينة بالأردن بالغور الشامي، و هي بين حوران و فلسطين. معجم البلدان 1/527.

[3]العجوب: جمع عجب، و هو أصل الذنب. (القاموس: عجب) .

297

فأما أبو بكر الأصمّ، و هشام بن الحكم، فإنّهما كانا يقولان بالقلب، و يقولان:

إنّه إذا جاز أن يقلب اللّه خردلة من غير أن يزيد فيها جسما و طولا أو عرضا جاز أن يقلب ابن آدم قردا من غير أن ينقص من جسمه طولا أو عرضا.

و أمّا أبو إسحاق فقد كان-لو لا ما صحّ عنده من قول الأنبياء و إجماع المسلمين على أنّه قد كان، و أنّه قد كان حجّة و برهانا في وقته-لكان لا ينكر مذهبهم في هذا الموضع.

و قوله هذا قول جميع من قال بالطّبائع، و لم يذهب مذهب جهم، و حفص الفرد.

و قال ابن العنسيّ يذكر القرد: [من الطويل‏]

فهلاّ غداة الرّمل يا قرد حذيم # تؤامرها في نفسها تستشيرها

1001-[القول في تحريم الخنزير]

قال: و سأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألة؛ فمنهم من أراد الطّعن، و منهم من أراد الاستفهام، و منهم من أحبّ أن يعرف ذلك من جهة الفتيا؛ إذ كان قوله خلاف قولنا.

قالوا: إنّما قال اللّه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ [1]، فذكر اللّحم دون الشّحم، و دون الرّأس، و دون المخّ، و دون العصب، و دون سائر أجزائه؛ و لم يذكره كما ذكر الميتة بأسرها، و كذلك الدّم؛ لأنّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بلفظ واحد، و هو العموم. و ليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه و ليس بين ذكر اللّحم و العظم فرق، و لا بين اللّحم و الشّحم فرق. و قد كان ينبغي في قياسكم هذا لو قال: حرّمت عليكم الميتة و الدّم و شحم الخنزير، أن تحرّموا الشحم، و إنّما ذكر اللّحم، فلم حرّمتم الشحم؛ و ما بالكم؛ تحرّمون الشّحم عند ذكر غير الشّحم!فهلاّ حرّمتم اللّحم بالكتاب، و حرّمتم ما سواه بالخبر الذي لا يدفع!؟فإن بقيت خصلة أو خصلتان ممّا لم تصيبوا ذكره في كتاب منزّل، و في أثر لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل.

قلنا: إنّ النّاس عادات، و كلاما يعرّف كل شي‏ء بموضعه، و إنما ذلك على قدر استعمالهم له، و انتفاعهم به.

و قد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدّينار لحما، أو بهذه الدراهم، فيأتيه باللّحم فيه الشّحم و العظم، و العرق و العصب و الغضروف. و الفؤاد و الطّحال، و الرّئة، [1]3/المائدة: 5.

298

و ببعض أسقاط الشاة و حشو البطن. و الرأس لحم، و السّمك أيضا لحم. و قال اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي سَخَّرَ اَلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا [1]. فإن كان الرّسول ذهب إلى المستعمل من ذلك، و ترك بعض ما يقع عليه اسم لحم، فقد أخذ بما عليه صاحبه. فإذا قال حرّمت عليكم لحما، فكأنّه قال: لحم الشّاة و البقرة و الجزور. و لو أنّ رجلا قال: أكلت لحما-و إنما أكل رأسا أو كبدا أو سمكا-لم يكن كاذبا. و للنّاس أن يضعوا كلامهم حيث أحبّوا، إذا كان لهم مجاز؛ إلاّ في المعاملات.

فإن قلت: فما تقول في الجلد؟فليس للخنزير جلد، كما أنّه ليس للإنسان جلد إلاّ بقطع ما ظهر لك منه بما تحته، و إنّما الجلد ما يسلخ و يدحس‏[2]فيتبرأ ممّا كان به ملتزقا و لم يكن ملتحما، كفرق ما بين جلد الحوصلة و العرقين.

فإن سألت عن الشّعر، و عن جلد المنخنقة و الموقوذة و المتردّية و النّطيحة و ما أكل السّبع، فإنّي أزعم أنّ جلده لا يدبغ و لا ينتفع به إلاّ الأساكفة، و القول في ذلك أنّ كلّه محرّم. و إنما ذلك كقوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [3]و كقوله عزّ و جلّ: وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [4].

و العرب تقول للرّجل الصانع نجّارا، إن كان لا يعمل بالمثقب و المنشار و نحوه و لا يضرب بالمضلع و نحو ذلك، و تسمّيه خبّازا إذا كان يطبخ و يعجن. و تسمّي العير لطيمة، و إن لم يكن فيها ما يحمل العطر إلاّ واحد. و تقول: هذه ظعن فلان؛ للهوادج إذا كانت فيها امرأة واحدة. و يقال: هؤلاء بنو فلان؛ و إن كانت نساؤهم أكثر من الرجال.

فلما كان اللحم هو العمود الذي إليه يقصد، و صار في أعظم الأجزاء قدرا، دخل سائر تلك الأجزاء في اسمه. و لو كان الشّحم معتزلا من اللّحم و مفردا في جميع الشّحام، كشحوم الكلى و الثّروب، لم يجز ذلك. و إذا تكلمت على المفردات لم يكن المخّ لحما، لا الدّماغ، و لا العظم، و لا الشّحم، و لا الغضروف، و لا الكروش، و لا ما أشبه ذلك. فلما قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ [5]و كانت [1]14/النحل: 16.

[2]دحس الرجل الشاة: أدخل يده بين جلدها و صفاقها للسلخ.

[3]16/الأنفال: 8.

[4]23/الكهف: 18.

[5]3/المائدة: 5.

299

هذه الأشياء المشبّهة باللّحم تدخل في باب العموم في اسم اللحم، كان القول واقعا على الجميع.

و قال الشاعر: [من الكامل‏]

من يأتنا صبحا يريد غداءنا # فالهام منضجة لدى الشّحّام

لحم نضيج لا يعنّي طابخا # يؤتى به من قبل كلّ طعام‏

1002-[مسألة الهدهد]

و إذ قد ذكرنا بعض الكلام، و المسائل في بعض الكلام، فسنذكر شأن الهدهد و المسألة في ذلك. قال اللّه عزّ و جلّ: وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ. `لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ [1]ثم قال:

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ [2]يعني الهدهد. فقال لسليمان المتوعد له بالذّبح عقوبة له -و العقوبة لا تكون إلا على المعصية لبشريّ آدميّ لم تكن عقوبته الذّبح، فدلّ ذلك على أنّ المعصية إنما كانت له، و لا تكون المعصية للّه إلاّ ممّن يعرف اللّه، أو ممّن كان يمكنه أن يعرف اللّه تعالى فترك ما يجب عليه من المعرفة-و في قوله لسليمان: أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. `إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَهََا عَرْشٌ عَظِيمٌ [3]. ثمّ قال بعد أن عرف فصل ما بين الملوك و السّوقة، و ما بين النّساء و الرجال، و عرف عظم عرشها، و كثرة ما أوتيت في ملكها، قال: وَجَدْتُهََا وَ قَوْمَهََا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطََانُ أَعْمََالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ فَهُمْ لاََ يَهْتَدُونَ [4]فعرف السّجود للشمس و أنكر المعاصي. ثمّ قال: أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مََا تُخْفُونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ [5]و يتعجّب من سجودهم لغير اللّه. ثمّ علم أنّ اللّه يعلم غيب السّماوات و الأرض، و يعلم السّرّ و العلانية. ثمّ قال: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ [6]و هذا يدلّ على أنّه أعلم من ناس كثير من المميّزين المستدلّين الناظرين.

[1]21/النمل: 27.

[2]22/النمل: 27.

[3]22/النمل: 27.

[4]24/النمل: 27.

[5]25/النمل: 27.

[6]26/النمل: 27.

300

قال سليمان: سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ [1]ثمّ قال: اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ. `قََالَتْ يََا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ. `إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ. `أَلاََّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ [2] فَلَمََّا جََاءَ سُلَيْمََانَ قََالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمََالٍ فَمََا آتََانِيَ اَللََّهُ خَيْرٌ مِمََّا آتََاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [3]و ذلك أنّها قالت: إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذََا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهََا وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهََا أَذِلَّةً وَ كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ `وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ [4]ثمّ قال سليمان للهدهد: اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاََ قِبَلَ لَهُمْ بِهََا وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهََا أَذِلَّةً وَ هُمْ صََاغِرُونَ [5]و قال: يََا أَيُّهَا اَلْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهََا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. `قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. `قََالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتََابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمََّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قََالَ هََذََا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمََا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [6]فطعن في جميع ذلك طاعنون، فقال بعضهم: قد ثبت أنّ الهدهد يحتمل العقاب و العتاب، و التّكليف و الثّواب، و الولاية، و دخول الجنّة بالطّاعة، و دخول النّار بالمعصية؛ لأنّ المعرفة توجب الأمر و النهي، و الأمر و النهي يوجبان الطاعة و المعصية، و الطاعة و المعصية يوجبان الولاية و العداوة، فينبغي للهداهد أن يكون فيها العدوّ و الوليّ، و الكافر و المسلم، و الزّنديق و الدّهريّ.

و إذا كان حكم الجنس حكما واحدا لزم الجميع ذلك. و إن كان الهدهد لا يبلغ عند جميع الناس في المعرفة مبلغ الذرّة، و النملة، و القملة، و الفيل، و القرد، و الخنزير، و الحمام-و جميع هذه الأمم، تقدّمها عليه في المعرفة-فينبغي أن تكون هذه الأصناف المتقدّمة عليه، في عقول هذه الأمّة و الأنبياء.

و قد رأينا العلماء يتعجّبون من خرافات العرب و الأعراب في الجاهليّة و من قولهم في الدّيك و الغراب، و يتعجّبون من الرّواية في طوق الحمام فإنّ الحمام كان رائد نوح على نبينا و عليه السلام.

[1]27/النمل: 27.

[2]28-31 النمل: 27.

[3]36/النمل: 27.

[4]34/النمل: 27.

[5]37/النمل: 27.

[6]38-40/النمل: 27.

301

و هذا القول الذي تؤمنون به في الهدهد، من هذا النوع.

قلنا: إنّ اللّه تعالى لم يقل: و تفقّد الطّير فقال ما لي لا أرى هدهدا من عرض الهداهد، فلم يوقع قوله على الهداهد جملة، و لا على واحد منها غير مقصود إليه، و لم يذهب إلى الجنس عامّة، و لكنّه قال: وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ [1]فأدخل في الاسم الألف و اللام، فجعله معرفة فدلّ بذلك القصد على أنّه ذلك الهدهد بعينه. و كذلك غراب نوح، و كذلك حمار عزير، و كذلك ذئب أهبان ابن أوس؛ فقد كان للّه فيه و فيها تدبير، و ليجعل ذلك آية لأنبيائه، و برهانا لرسله.

و لا يستطيع أعقل الناس أن يعمل عمل أجرإ النّاس، كما لا يستطيع أجرأ النّاس أن يعمل أعمال أعقل الناس. فبأعمال المجانين و العقلاء عرفنا مقدارهما من صحّة أذهانهما و فسادها، و باختلاف أعمال الأطفال و الكهول عرفنا مقدارهما في الضعف و القوّة، و في الجهل و المعرفة. و بمثل ذلك فصلنا بين الجماد و الحيوان، و العالم و أعلم منه، و الجاهل و أجهل منه. و لو كان عند السّباع و البهائم ما عند الحكماء و الأدباء، و الوزراء و الخلفاء و الأمم و الأنبياء، لأثمرت تلك العقول، باضطرار، إثمار تلك العقول. و هذا باب لا يخطئ فيه إلاّ المانيّة[2]و أصحاب الجهالات فقط. فأمّا عوامّ الأمم، فضلا عن خواصهم، فهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم. و إنما يتفاضل بالبيان و الحفظ، و بنسق المحفوظ. فأمّا المعرفة فنحن فيها سواء. و لم نعرف العقل و عدمه و نقصانه، و إفادته، و أقدار معارف الحيوان إلاّ بما يظهر منها. و بتلك الأدلّة عرفنا فرق ما بين الحيّ و الميت، و بين الجماد و الحيوان.

فإن قال الخصم: ما نعرف كلام الذّئب، و لا معرفة الغراب، و لا علم الهدهد.

قلنا: نحن ناس نؤمن بأنّ عيسى عليه السلام خلق من غير ذكر و إنّما خلق من أنثى؛ و أنّ آدم و حوّاء خلقا من غير ذكر و أنثى، و أنّ عيسى تكلّم في المهد، و أنّ يحيى بن زكريّا نطق بالحكمة في الصّبا، و أنّ عقيما ألقح، و أنّ عاقرا ولدت‏[3]؛ و بأشياء كثيرة [1]20/النمل: 27.

[2]المانية: و يقال: المنانية؛ و المنائية؛ و المانوية، هم الزنادقة أصحاب ماني بن فاتك الذي كان يقول:

إن مبدأ العالم من كونين أحدهما نور و الآخر ظلمة، و أنهما في صراع مستمر لا ينتهي إلا بانتهاء الدنيا. انظر فهرست ابن النديم 456 و ما يليها، و مروج الذهب 7/629.

[3]إشارة إلى قوله تعالى: قََالَ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ [آل عمران: 40]، و قوله تعالى: قََالَ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ كََانَتِ اِمْرَأَتِي عََاقِراً [مريم: 8]، و قوله تعالى: قََالَتْ يََا وَيْلَتى‏ََ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً [هود: 72]. ـ

302

خرجت خارجية من نسق العادة. فالسّبب الذي به عرفنا أنّه قد كان لذلك الهدهد مقدار من المعرفة، دون ما توهّمتم و فوق ما مع الهدهد. و متى سألتمونا عن الحجّة فالسبيل واحدة. و نحن نقرّ بأنّ من دخل الجنة من المجانين و الأطفال يدخلون عقلاء كاملين، من غير تجارب و تمرين و ترتيب. فمسألتكم عما ألهم الهدهد، هي المسألة عمّا ألهم الطفل في الجنة.

فإن قال قائل: فإنّ ذلك القول كلّه، الذي كان من الهدهد، إنما كان على الإلهام و التّسخير، و لم يكن ذلك عن معرفة منه، فلم قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [1]؟قلنا: فإنّه قد يتوعّد الرّجل ابنه-و هو بعد لم يجر عليه الأحكام- بالضّرب الوجيع، إن هو لم يأت السّوق، أو يحفظ سورة كذا و كذا؛ فلا يعنّفه أحد على ذلك الوعيد. و يكذب فيضربه على الكذب، و يضرب صبيا فيضربه لأنه ضربه.

و هو في ذلك قد حسن خطّه، و جاد حسابه، و شدا من النّحو و العروض و الفرائض شدوا حسنا، و نفع أهله، و تعلم أعمالا، و تكلّم بكلام، و أجاب في الفتيا بكلام فوق معاني الهدهد في اللّطافة و الغموض. و هو في ذلك لم يكمل لاحتمال الفرض و الولاية و العداوة.

فإن قال: فهل يجوز لأحد أن يقول لابنه: إن أنت لم تأت السّوق ذبحتك؛ و هو جادّ؟قلنا: لا يجوز ذلك. و إنّما جاز ذلك في الهدهد لأنّ سليمان-و من هو دون سليمان من جميع العالم-له أن يذبح الهدهد و الحمام و الدّيك، و العناق و الجدي.

و الذّبح سبيل من سبل مناياهم. فلو ذبحه سليمان لم يكن في ذلك إلاّ بقدر التّقديم و التأخير، و إلاّ بقدر صرف ما بين أن يموت حتف أنفه، أو يموت بالذّبح. و لعلّ صرف ما بينهما لا يكون إلاّ بمقدار ألم عشرين درّة[2]. و لعلّ نتف جناحه يفي بذلك الضرب. و إذا قلنا ذلك فقد أعطينا ذلك الهدهد بعينه حقّ ما دلّت عليه الآية، و لم نجز ذلك في جميع الهداهد، و لم نكن كمن ينكر قدرة اللّه على أن يركّب عصفورا من العصافير ضربا من التراكيب يكون أدهى من قيس بن زهير. و لو كان اللّه تعالى قد فعل ذلك بالعصافير لظهرت كذلك دلائل.

على أنّا لو تأوّلنا الذّبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم إسماعيل عليهما السلام-و إنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره-أو على معنى قول القائل: أمّا أنا [1]21/النمل: 27.

[2]الدّرّة: درة السلطان التي يضرب بها. (اللسان: درر) .

303

فقد ذبحته و ضربت عنقه، و لكن السيف خانني. أو على قولهم: المسك الذّبيح، أو على قولهم: فجئت و قد ذبحني العطش-لكان ذلك مجازا.

و لو أنّ صبيّا من صبياننا سئل، قبل أن يبلغ فرض البلوغ بساعة، و كان رأى ملكة سبإ في جميع حالاتها، لما كان بعيدا و لا ممتنعا أن يقول: رأيت امرأة ملكة، و رأيتها تسجد للشّمس من دون اللّه، و رأيتها تطيع الشّيطان و تعصي الرّحمن، و لا سيما إن كان من صبيان الخلفاء و الوزراء، أو من صبيان الأعراب.

و الدّليل على أنّ ذلك الهدهد كان مسخّرا و ميسّرا، مضيّه إلى اليمن، و رجوعه من ساعته.

و لم يكن من الطّير القواطع فرجع إلى وكره . و الدّليل على ذلك أنّ سليمان عليه السلام لم يقل: نعم قد رأيت كلّ ما ذكرت، و أنت لم تعلم حين مضيت بطّالا هاربا من العمل، أ تكدي أم تنجح، أو ترى أعجوبة أو لا تراها. و لكنّه توعّده على ظاهر الرّأي، و نافره القول؛ ليظهر الآية و الأعجوبة.

1003-[طعن الدهرية في ملك سليمان‏]

ثمّ طعن في ملك سليمان و ملكة سبإ، ناس من الدّهريّة، و قالوا: زعمتم أنّ سليمان سأل ربّه فقال: رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [1] و أنّ اللّه تعالى أعطاه ذلك، فملّكه على الجنّ فضلا عن الإنس، و علّمه منطق الطّير، و سخّر له الرّيح، فكانت الجنّ له خولا، و الرّياح له مسخرة ثمّ زعمتم-و هو إمّا بالشّام و إمّا بسواد العراق-أنّه لا يعرف باليمن ملكة هذه صفتها. و ملوكنا اليوم دون سليمان في القدرة، لا يخفى عليهم صاحب الخزر، و لا صاحب الروم، و لا صاحب الترك، و لا صاحب النّوبة، و كيف يجهل سليمان موضع هذه الملكة، مع قرب دارها و اتّصال بلادها!و ليس دونها بحار و لا أوعار؛ و الطريق نهج للخفّ و الحافر و القدم.

فكيف و الجنّ و الإنس طوع يمينه. و لو كان، حين خبّره الهدهد بمكانها، أضرب عنها صفحا، لكان لقائل أن يقول: ما أتاه الهدهد إلاّ بأمر يعرفه. فهذا و ما أشبهه دليل على فساد أخباركم.

قلنا: إنّ الدّنيا إذا خلاّها اللّه و تدبير أهلها، و مجاري أمورها و عاداتها كان لعمري كما تقولون. و نحن نزعم أنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان أنبه أهل [1]35/ص: 38.

304

زمانه؛ لأنّه نبيّ ابن نبيّ، و كان يوسف وزير ملك مصر من النّباهة بالموضع الذي لا يدفع، و له البرد، و إليه يرجع جواب الأخبار، ثمّ لم يعرف يعقوب مكان يوسف، و لا يوسف مكان يعقوب عليهما السلام-دهرا من الدّهور، مع النّباهة، و القدرة، و اتّصال الدار.

1004-[القول في موسى بن عمران‏]

و كذلك القول في موسى بن عمران و من كان معه في التّيه، فقد كانوا أمّة من الأمم يتكسّعون أربعين عاما، في مقدار فراسخ يسيرة و لا يهتدون إلى المخرج. و ما كانت بلاد التّيه إلاّ من ملاعبهم و منتزهاتهم. و لا يعدم مثل ذلك العسكر الأدلاّء و الجمّالين، و المكارين‏[1]، و الفيوج‏[2]، و الرّسل، و التّجار. و لكنّ اللّه صرف أوهامهم، و رفع ذلك الفصل‏[3]من صدورهم.

1005-[القول في الشياطين‏]

و كذلك القول في الشّياطين الذين يسترقون السّمع في كلّ ليلة، فنقول: إنّهم لو كان كلما أراد مريد منهم أن يصعد ذكر أنّه قد رجم صاحبه، و أنّه كذلك منذ كان لم يصل معه أحد إلى استراق السّمع، كان محالا أن يروم ذلك أحد منهم مع الذّكر و العيان.

و مثل ذلك أنّا قد علمنا أنّ إبليس لا يزال عاصيا إلى يوم البعث. و لو كان إبليس في حال المعصية ذاكرا لإخبار اللّه تعالى أنّه لا يزال عاصيا و هو يعلم أنّ خبره صدق، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الإيمان، و يطمع في ذلك، مع تصديقه بأنّه لا يختار الإيمان أبدا.

و من المحال أن يجمع بين وجود الاستطاعة و عدم الدّواعي و جواز الفعل.

و لو أنّ رجلا علم يقينا أنّه لا يخرج من بيته يومه ذلك، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الخروج، مع علمه بأنّه لا يفعل. و لكنّ إبليس لما كان مصروف القلب عن ذكر ذلك الخبر، دخل في حدّ المستطيعين.

[1]المكارين: جمع مكار، و هو الذي يؤجر دابته للناس. انظر اللسان (كرى) .

[2]الفيوج: جمع فيج: رسول السلطان الذي يسعى بالكتب. (اللسان: فيج) .

[3]الفصل: التمييز. (اللسان: فصل) .

305

و مثل ذلك أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم لمّا بشره اللّه بالظّفر و تمام الأمر[1]بشرّ أصحابه بالنّصر، و نزول الملائكة. و لو كانوا لذلك ذاكرين في كلّ حال، لم يكن عليهم من المحاربة مئونة. و إذا لم يتكلفوا المئونة لم يؤجروا. و لكنّ اللّه تعالى بنظره إليهم رفع ذلك في كثير من الحالات عن أوهامهم؛ ليحتملوا مشقّة القتال، و هم لا يعلمون:

أ يغلبون أم يغلبون؛ أ و يقتلون أم يقتلون.

و مثل ذلك ما رفع من أوهام العرب، و صرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن تحدّاهم الرّسول بنظمه. و لذلك لم نجد أحدا طمع فيه. و لو طمع فيه لتكلفه، و لو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصّة على الأعراب و أشباه الأعراب، و النّساء و أشباه النساء، و لألقى ذلك للمسلمين عملا، و لطلبوا المحاكمة و التراضي ببعض العرب، و لكثر القيل و القال.

فقد رأيت أصحاب مسيلمة، و أصحاب ابن النواحة إنما تعلّقوا بما ألّف لهم مسيلمة من ذلك الكلام، الذي يعلم كلّ من سمعه أنّه إنّما عدا على القرآن فسلبه، و أخذ بعضه، و تعاطى أن يقارنه. فكان للّه ذلك التّدبير، الذي لا يبلغه العباد و لو اجتمعوا له.

فإن كان الدّهريّ يريد من أصحاب العبادات و الرّسل، ما يريد من الدّهريّ الصّرف، الذي لا يقرّ إلا بما أوجده العيان، و ما يجري مجرى العيان-فقد ظلم.

و قد علم الدّهريّ أنّنا نعتقد أنّ لنا ربّا يخترع الأجسام اختراعا و أنّه حيّ لا بحياة، و عالم لا بعلم، و أنّه شي‏ء لا ينقسم، و ليس بذي طول و لا عرض و لا عمق، و أنّ الأنبياء تحيي الموتى. و هذا كلّه عند الدهريّ مستنكر، و إنما كان يكون له علينا سبيل لو لم يكن الذي ذكرنا جائزا في القياس، و احتجنا إلى تثبيت الرّبوبيّة و تصديق الرّسالة، فإذا كان ذلك جائزا، و كان كونه غير مستنكر، و لا محال، و لا ظلم، و لا عيب، فلم يبق له إلاّ أن يسألنا عن الأصل الذي دعا إلى التّوحيد، و إلى تثبيت الرسل.

و في كتابنا المنزّل الذي يدلّنا على أنّه صدق، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدّلائل التي جاء بها من جاء به.

و فيه مسطور أنّ سليمان بن داود غبر حينا-و هو ميّت-معتمدا على عصاه، في الموضع الذي لا يحجب عنه إنسيّ و لا جنّيّ، و الشّياطين مهم المكدود بالعمل الشديد، و منهم المحبوس و المستعبد، و كانوا كما قال اللّه تعالى:

[1]إشارة إلى وقعة أحد، و هي التي ورد ذكرها في سورة آل عمران؛ الآيات 122-126.

306

يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ [1]و قال: وَ اَلشَّيََاطِينَ كُلَّ بَنََّاءٍ وَ غَوََّاصٍ. `وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ [2]، و أنّه غبر كذلك حينا و هو تجاه أعينهم، فلا هم عرفوا سجيّة وجوه الموتى، و لا هو إذ كان ميّتا سقط سقوط الموتى.

و ثبت قائما معتمدا على عصاه، و عصاه ثابتة قائمة في يده، و هو قابض عليها.

و ليست هذه الصّفة صفة موتانا.

و قال: فَلَمََّا قَضَيْنََا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مََا دَلَّهُمْ عَلى‏ََ مَوْتِهِ إِلاََّ دَابَّةُ اَلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ [3]و نحن دون الشّياطين و الجنّ في صدق الحسّ، و نفوذ البصر. و لو كنّا من بعض الموتى بهذا المكان، لما خفي علينا أمره و كان أدنى ذلك أن نظنّ و نرتاب.

و متى ارتاب قوم و ظنّوا و ماجوا و تكلموا و شاوروا، لقنوا و ثبّتوا. و لا سيّما إذا كانوا في العذاب و رأوا تباشير الفرج.

و لو لا الصّرفة. التي يلقيها اللّه تعالى على قلب من أحبّ، و لو لا أنّ اللّه يقدر على أن يشغل الأوهام كيف شاء، و يذكّر بما يشاء، و ينسّي ما يشاء، لما اجتمع أهل داره و قصره، و سوره و ربضه، و خاصّته، و من يخدمه من الجنّ و الإنس و الشّياطين، على الإطباق بأنّه حيّ. كذلك كان عندهم. فحدث ما حدث من موته، فلمّا لم يشعروا به كانوا على ما لم يزالوا عليه. فعلمنا أنّ الجنّ و الشّياطين كانت توهم الأغبياء و العوامّ و الحشوة و السّفلة، أنّ عندهما شيئا من علم الغيب-و الشياطين لا تعلم ذلك-فأراد اللّه أن يكشف من أمرهم للجهّال ما كان كشفه للعلماء. فبهذا و أشباهه من الأمور نحن إلى الإقرار به مضطرون بالحجج الاضطراريّة فليس لخصومنا حيلة إلاّ أن يواقفونا، و ينظروا في العلّة التي اضطرتنا إلى هذا القول؛ فإن كانت صحيحة فالصّحيح لا يوجب إلا الصحيح. و إن كانت سقيمة علمنا أنّما أتينا من تأويلنا.

و أما قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ [4]فإنّ التعذيب يكون بالحبس، كما قال اللّه عزّ و جلّ:

لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ مََا لَبِثُوا فِي اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ [5]. و إنّما كانوا مخيّسين‏[6].

[1]13/سبأ: 34.

[2]38/ص: 38.

[3]14/سبأ: 34.

[4]21/النمل: 27.

[5]14/سبأ: 34.

[6]المخيس، هو من قولهم: إبل مخيسة؛ أي لا تسرح.

307

و قد يقول العاشق لمعشوقته: يا معذّبتي!و قد عذّبتني! و من العذاب ما يكون طويلا، و منه ما يكون قصير الوقت. و لو خسف اللّه تعالى بقوم في أقلّ من عشر ساعة لجاز لقائل أن يقول: كان ذلك يوم أحلّ اللّه عذابه و نقمته ببلاد كذا و كذا.

1006-[القول في الخنزير]

و قال أبو ناصرة: الخنزير ربّما قتل الأسد، و ما أكثر ما يلحق بصاحب السّيف و الرّمح، فيضربه بنابه، فيقطع كلّ ما لقيه من جسده: من عظم و عصب، حتى يقتله.

و ربّما احتال أن ينبطح على وجهه على الأرض، فلا يغني ذلك عنه شيئا.

و ليس لشي‏ء من الحيوان كاحتمال بدنه لوقع السهام، و نفوذها فيه.

و هو مع ذلك أروغ من ثعلب، إذا أراده الفارس. و إذا عدا أطمع في نفسه كلّ شي‏ء، و إذا طولب أعيا الخيل العتاق. و الخنزير مع ذلك أنسل الخلق؛ لأنّ الخنزيرة تضع عشرين خنّوصا، و هو مع كثرة إنساله-من أقوى الفحول على السّفاد، و مع القوّة على السّفاد هو أطولها مكثا في سفاده، فهو بذلك أجمع للفحولة.

و إذا كان الكلب و الذّئب موصوفين بشدّة القلب؛ لطول الخطم، فالخنزير أولى بذلك.

و للفيل ناب عجيب، و لكنّه لقصر عنقه لا يبلغ النّاب مبلغا، و إنّما يستعين بخرطومه، و خرطومه هو أنفه، و الخطم غير الخرطوم.

قال أبو ناصرة: و له طيب، و هو طيب لحمه و لحم أولاده. و إذا أرادوا وصف اختلاط ودك الكركيّ‏[1]في مرق طبيخ، قالوا كأنّ إهالته إهالة[2]خنزير؛ لأنّه لا يسرع إليها الجمود. و سرعة جمود إهالة الماعز في الشّتاء عيب. و للضّأن في ذلك بعض الفضيلة على الماعز؛ و لا يلحق بالخنزير.

و إذا نقص من الإنسان عظم و احتيج إلى صلته في بعض الأمراض لم يلتحم به إلاّ عظم الخنزير.

و إذا ضرب فصاح لم يكن السّامع يفصل بين صوته و بين صوت صبيّ مضروب.

[1]الودك: الدسم (القاموس: ودك) . الكركي: طائر كبير، أغبر؛ طويل الساقين. (حياة الحيوان 2/244) .

[2]الإهالة: الشحم. (القاموس: هال) .

308

و في إطباق جميع الأمم على شهوة أكله و استطابة لحمه، دليل على أنّ له في ذلك ما ليس لغيره.

1007-[زعم المجوس في المنخنقة و الموقوذة و المتردية]

و المجوس تزعم أنّ المنخنقة و الموقوذة و المتردّية، و كلّ ما اعتبط[1]و لم يمت حتف أنفه، فهو أطيب لحما و أحلى؛ لأنّ دمه فيه، و الدم حلو دسم. و إنما عافه من عافه من طريق العادة و الدّيانة، لا من طريق الاستقذار و الزّهد الذي يكون في أصل الطبيعة.

1008-[اختلاف ميل الناس إلى الطعام‏]

و قد عاف قوم الجرّيّ و الضّباب‏[2]على مثل ذلك، و شغف به آخرون.

و قد كانت العرب في الجاهليّة تأكل دم الفصد، و تفضّل طعمه، و تخبر عمّا يورث من القوّة.

قال: و أيّ شي‏ء أحسن من الدّم، و هل اللّحم إلا دم استحال كما يستحيل اللّحم شحما؟و لكنّ الناس إذا ذكروا معناه، و من أين يخرج و كيف يخرج، كان ذلك كاسرا لهم، و مانعا من شهوته.

1009-[ما يغير نظر الإنسان إلى الأشياء]

و كيف حال النّار في حسنها، فإنّه ليس في الأرض جسم لم يصبغ أحسن منه.

و لو لا معرفتهم بقتلها و إحراقها و إتلافها، و الألم و الحرقة المولدين عنها، لتضاعف ذلك الحسن عندهم. و إنّهم ليرونها في الشّتاء بغير العيون التي يرونها بها في الصّيف. ليس ذلك إلاّ بقدر ما حدث من الاستغناء عنها.

و كذلك جلاء السّيف؛ فإنّ الإنسان يستحسن قد السّيف و خرطه، و طبعه و بريقه. و إذا ذكر صنيعه و الذي هيئ له، بدا له في أكثر ذلك، و تبدّل في عينه، و شغله ذلك عن تأمّل محاسنه.

و لو لا علم النّاس بعداوة الحيّات لهم، و أنهها وحشيّة لا تأنس و لا تقبل أدبا، و لا [1]اعتبط: مات من غير علة. (القاموس: عبط) .

[2]الجرّي: ضرب من السمك. الضباب: جمع ضب.

309

ترعى حقّ تربية، ثمّ رأوا شيئا من هذه الحيّات، البيض، المنقّشة الظّهور-لما بيّتوها و نوّموها إلاّ في المهد، مع صبيانهم.

1010-[ردّ على من طعن في تحريم الخنزير]

فيقال لصاحب هذه المقالة: تحريم الأغذية إنّما يكون من طريق العبادة و المحنة، و ليس أنه جوهر شي‏ء من المأكول يوجب ذلك. و إنّما قلنا: إنّا وجدنا اللّه تعالى قد مسخ عبادا من عباده في صور الخنزير دون بقيّة الأجناس، فعلمنا أنّه لم يفعل ذلك إلاّ لأمور اجتمعت في الخنزير. فكان المسخ على صورته أبلغ من التّنكيل. لم نقل إلاّ هذا.

1011-[القول في القرد]

و القرد يضحك و يطرب، و يقعي و يحكي، و يتناول الطّعام بيديه و يضعه في فيه، و له أصابع و أظفار، و ينقي الجوز، و يأنس الأنس الشّديد، و يلقن بالتّلقين الكثير، و إذا سقط في الماء غرق و لم يسبح؛ كالإنسان قبل أن يتعلّم السّباحة. فلم تجد النّاس للذي اعترى القرد من ذلك-دون جميع الحيوان علّة-إلاّ هذه المعاني التي ذكرتها، من مناسبة الإنسان من قبلها.

و يحكى عنه من شدّة الزّواج، و الغيرة على الأزواج، ما لا يحكى مثله إلاّ عن الإنسان؛ لأنّ الخنزير يغار، و كذلك الجمل و الفرس، إلاّ أنها لا تزاوج. و الحمار يغار و يحمي عانته الدّهر كلّه، و يضرب فيها كضربه لو أصاب أتانا من غيرها. و أجناس الحمام تزاوج و لا تغار.

و اجتمع في القرد الزّواج و الغيرة، و هما خصلتان كريمتان، و اجتماعهما من مفاخر الإنسان على سائر الحيوان. و نحن لم نر وجه شي‏ء غير الإنسان أشبه صورة و شبها، على ما فيه من الاختلاف، و لا أشبه فما و وجها بالإنسان من القرد. و ربّما رأينا وجه بعض الحمر إذا كان ذا خطم، فلا نجد بينه و بين القرد إلاّ اليسير.

و تقول الناس: «أكيس من قشّة» [1]و «أملح من ربّاح» [2]و لم يقل أحد:

أكيس من خنزير، و أملح من خنّوص. و هو قول العامّة: «القرد قبيح و لكنّه مليح» .

[1]المثل في مجمع الأمثال 2/169، و الفاخر 81، و جمهرة الأمثال 2/175، و المستقصى 1/297، و أمثال ابن سلام 370، و الدرة الفاخرة 2/366.

[2]الرباح: ذكر القرد. (القاموس: ربح) . ـ

310

و قال النّاس في الضبّ: إنه مسخ. و قالوا: انظر إلى كفّه و أصابعه. فكفّ القرد و أصابعه أشبه و أصنع. فقدّمت القرد على الخنزير من هذا الوجه.

1012-[علة تحريم لحم الخنزير]

و أمّا القول في لحمه، فإنّا لم نزعم أنّ الخنزير هو ذلك الإنسان الذي مسخ، و لا هو من نسله، و لم ندع لحمه من جهة الاستقذار لشهوته في العذرة، و نحن نجد الشّبّوط و الجرّيّ، و الدّجاج، و الجراد، يشاركنه في ذلك و لكن للخصال التي عدّدنا من أسباب العبادات. و كيف صار أحقّ بأن تمسخ الأعداء على صورته في خلقته.

1013-[حديث عبيد الكلابي‏]

قال: و قلت مرّة لعبيد الكلابيّ-و أظهر من حبّ الإبل و الشّغف بها ما دعاني إلى أن قلت له-: أبينها و بينكم قرابة؟قال: نعم، لها فينا خئولة. إنّي و اللّه ما أعني البخاتيّ، و لكني أعني العراب، التي هي أعرب!قلت له: مسخك اللّه تعالى بعيرا! قال: اللّه لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، و إنما يمسخه على صورة لئيم، مثل الخنزير ثم القرد. فهذا قول أعرابيّ جلف تكلم على فطرته.

1014-[تأويل آية]

و قد تكلم المخالفون في قوله تعالى: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كََانَتْ حََاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتََانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لاََ يَسْبِتُونَ لاََ تَأْتِيهِمْ كَذََلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ [1].

و قد طعن ناس في تأويل هذه الآية، بغير علم و لا بيان، فقالوا: و كيف يكون ذلك و ليس بين أن تجي‏ء في كلّ هلال فرق، و لا بينها إذا جاءت في رأس الهلال فرق، و لا بينها إذا جاءت في رأس السّنة فرق.

1015-[هجرة السمك‏]

و هذا بحر البصرة و الأبلّة، يأتيهم ثلاثة أشهر معلومة معروفة من السنة السّمك الأسبور، فيعرفون وقت مجيئه و ينتظرونه، و يعرفون وقت انقطاعه و مجي‏ء غيره، فلا يمكث بهم الحال إلاّ قليلا حتّى يقبل السّمك من ذلك البحر، في ذلك الأوان، فلا [1]163/الأعراف: 7.