الحيوان - ج6

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
599 /
321

الجزء السادس‏

<بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ>*

باب في الإطناب و الإيجاز لبعض الأبواب السابقة

<باب> بسم اللّه، و الحمد للّه، و لا حول و لا قوّة إلا باللّه، و صلى اللّه على محمد و على آله و صحبه و سلم.

اللّهم جنّبنا فضول القول، و الثقة بما عندنا، و لا تجعلنا من المتكلّفين.

1667-[مسرد الأجزاء السابقة]

قد قلنا في الخطوط[1]و مرافقها، و في عموم منافعها، و كيف كانت الحاجة إلى استخراجها، و كيف اختلفت صورها على قدر اختلاف طبائع أهلها، و كيف كانت ضرورتهم إلى وضعها، و كيف كانت تكون الخلّة عند فقدها.

و قلنا في العقد و لم تكلّفوه، و في الإشارة و لم اجتلبوها[2]، و لم شبّهوا جميع ذلك ببيان اللّسان حتى سموه بالبيان، و لم قالوا: القلم أحد اللسانين، و العين أنمّ من اللّسان.

و قلنا في الحاجة إلى المنطق و عموم نفعه، و شدة الحاجة إليه، و كيف صار أعمّ نفعا، و لجميع هذه الأشكال أصلا، و صار هو المشتقّ منه، و المحمول عليه، و كيف جعلنا دلالة الأجسام الصامتة نطقا و البرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا.

و ذكرنا جملة القول في الكلب و الدّيك في الجزأين الأوّلين، و ذكرنا جملة القول في الحمام، و في الذّبّان، و في الغربان، و في الخنافس، و في الجعلان، إلاّ ما بقي من فضل القول فيهما، فإنّا قد أخرنا ذلك، لدخوله في باب الحشرات، و صواب موقعهما في باب القول في الهمج-في الجزء الثالث.

و إذا سمعت ما أودعها اللّه تعالى من عظيم الصّنعة، و ما فطرها اللّه تعالى عليه من غريب المعرفة، و ما أجرى بأسبابها من المنافع الكثيرة، و المحن العظيمة، و ما جعل فيها من الدّاء و الدّواء-أجللتها أن تسميها همجا، و أكبرت الصنف الآخر أن تسمّيه حشرة، و علمت أنّ أقدار الحيوان ليست على قدر الاستحسان، و لا على أقدار الأثمان.

[1]تقدم الكلام على الخطوط في 1/45-50، الفقرات (35-39) .

[2]تقدم الكلام على العقد و الإشارة في 1/29، الفقرة (15) .

322

و ذكرنا جملة القول في الذّرّة و النّملة، و في القرد و الخنزير، و في الحيّات و النّعام، و بعض القول في النّار في الجزء الرابع.

و النار-حفظك اللّه-و إن لم تكن من الحيوان، فقد كان جرى من السّبب المتّصل بذكرها، و من القول المضمر بما فيها، ما أوجب ذكرها و الإخبار عن جملة القول فيها.

و قد ذكرنا بقيّة القول في النّار، ثمّ جملة القول في العصافير، ثمّ جملة القول في الجرذان و السّنانير و العقارب. و لجمع هذه الأجناس في باب واحد سبب سيعرفه من قرأه، و يتبيّنه من رآه! ثمّ القول في القمل و البراغيث و البعوض، ثمّ القول في العنكبوت و ؟؟؟ القول في الحبارى، ثمّ القول في الضّأن و المعز، ثمّ القول في الضفادع و الجراد ؟؟؟ القول في القطا.

1668-[الإطناب و الإيجاز]

و قد بقيت-أبقاك اللّه تعالى-أبواب توجب الإطالة، و تحوج إلى الإطناب.

و ليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، و وقف عند منتهى البغية.

و إنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، و قليلها لقليلها، و شريفها لشريفها، و سخيفها لسخيفها. و المعاني المفردة، البائنة بصورها و جهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، و الجهات الملتبسة.

و لو جهد جميع أهل البلاغة أن يخبروا من دونهم عن هذه المعاني، بكلام وجيز يغني عن التفسير باللّسان، و الإشارة باليد و الرأس-لما قدروا عليه.

و قد قال الأوّل‏[1]: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!» .

و ليس ينبغي للعاقل أن يسوم‏[2]اللّغات ما ليس في طاقتها. و يسوم النّفوس ما ليس في جبلّتها[3]. و لذلك صار يحتاج صاحب كتاب المنطق إلى أن يفسّره لمن [1]هذا القول لأيوب بن أبي تميمة السختياني في صفة الصفوة 3/214، و ورد بلا نسبة في البيان 1/210، و هو من الأمثال في المستقصى 1/127، و أمثال ابن سلام 237، و جمهرة الأمثال 1/305.

[2]سامه الأمر: كلّفه إيّاه.

[3]الجبلة: الخلقة و الطبيعة.

323

طلب من قبله علم المنطق، و إن كان المتكلم رفيق اللّسان، حسن البيان، إلاّ أنّي لا أشكّ على حال أنّ النفوس إذ كانت إلى الطّرائف أحنّ، و بالنّوادر أشغف، و إلى قصار الأحاديث أميل، و بها أصبّ-أنّها خليقة لاستثقال الكثير، و إن استحقّت تلك المعاني الكثيرة، و إن كان ذلك الطّويل أنفع، و ذلك الكثير أردّ[1].

1669-[سرد سائر أبواب الكتاب‏]

و سنبدأ بعون اللّه تعالى و تأييده، بالقول في الحشرات و الهمج، و صغار السباع، و المجهولات الخاملة الذّكر من البهائم، و نجعل ذلك كله بابا واحدا، و نتّكل، بعد صنع اللّه تعالى، على أنّ ذلك الباب إذ كان أبوابا كثيرة، و أسماء مختلفة-أنّ القارئ لها لا يملّ بابا حتّى يخرجه الثّاني إلى خلافه، و كذلك يكون مقام الثّالث من الرّابع، و الرّابع من الخامس، و الخامس من السّادس.

1670-[مقياس قدر الحيوان‏]

و ليس الذي يعتمد عليه من شأن الحيوان عظم الجثة، و لا كثرة العدد، و لا ثقل الوزن! و الغاية التي يجرى إليها، و الغرض الذي نرمي إليه غير ذلك، لأن خلق البعوضة و ما فيها من عجيب التركيب، و من غريب العمل، كخلق الذّرّة و ما فيها من عجيب التركيب، و من الأحساس الصّادقة، و التدابير الحسنة، و من الرويّة و النظر في العاقبة، و الاختيار لكلّ ما فيه صلاح المعيشة، و مع ما فيها من البرهانات النيرة، و الحجج الظّاهرة[2].

و كذلك خلق السّرفة[3]و عجيب تركيبها، و صنعة كفّها، و نظرها في عواقب أمرها.

و كذا خلق النّحلة مع ما فيها من غريب الحكم، و عجيب التّدبير، و من التقدّم فيما يعيشها، و الادخار ليوم العجز عن كسبها، و شمّها ما لا يشمّ، و رؤيتها لما لا يرى، و حسن هدايتها، و التّدبير في التأمير عليها، و طاعة ساداتها، و تقسيط أجناس الأعمال بينها، على أقدار معارفها و قوّة أبدانها[4].

[1]أردّ: أنفع.

[2]وردت الفقرة السابقة في ثمار القلوب (642) .

[3]السرفة: دودة القز.

[4]وردت الفقرة السابقة في ثمار القلوب (732) .

324

فهذه النّحلة، و إن كانت ذبابة، فانظر قبل كل شي‏ء في ضروب انتفاع ضروب الناس فيها، فإنّك تجدها أكبر من الجبل الشامخ، و الفضاء الواسع.

و كلّ شي‏ء و إن كان فيه من العجب العاجب، و من البرهان النّاصع، ما يوسّع فكر العاقل، و يملأ صدر المفكّر، فإنّ بعض الأمور أكثر أعجوبة، و أظهر علامة. و كما تختلف برهاناتها في الغموض و الظّهور، فكذلك تختلف في طبقات الكثرة، و إن شملتها الكثرة، و وقع عليها اسم البرهان.

1671-[رجع إلى سرد سائر أبواب الكتاب‏]

و لعلّ هذا الجزء الذي نبتدئ فيه بذكر ما في الحشرات و الهمج، أن يفضل من ورقه شي‏ء، فنرفعه و نتمّه بجملة القول في الظّباء و الذئاب، فإنّهما بابان يقصران عن الطوال، و يزيدان على القصار.

و قد بقي من الأبواب المتوسّطة و المقتصدة المعتدلة، التي قد أخذت من القصر لمن طلب القصر بحظّ، و من الطّول لمن طلب الطّول بحظّ و هو القول في البقر، و القول في الحمير، و القول في كبار السّباع و أشرافها، و رؤسائها، و ذوي النّباهة منها، كالأسد و النّمر، و الببر و أشباه ذلك، مما يجمع قوّة أصل النّاب، و الذّرب‏[1]، و شحو[2]الفم، و السّبعيّة و حدّة البرثن، و تمكّنه في العصب، و شدّة القلب و صرامته عند الحاجة، و وثاقة خلق البدن، و قوّته على الوثب.

و سنذكر تسالم المتسالمة منها، و تعادي المتعادية منها، و ما الذي أصلح بينها على السّبعيّة الصّرف، و استواء حالها في اقتيات اللّحمان، حتّى ربّما استوت فريستها في الجنس.

و قد شاهدنا غير هذه الأجناس يكون تعاديها من قبل هذه الأمور التي ذكرناها.

و ليس فيما بين هذه السّباع بأعيانها تفاوت في الشّدّة، فتكون كالأسد الذي يطلب الفهد ليأكله، و الفهد لا يطمع فيه و لا يأكله. فوجدنا التّكافؤ في القوّة و الآلة من أسباب التّفاسد. و إنّ ذلك ليعمل في طباع عقلاء الإنس حتّى يخرجوا إلى تهارش السّباع، فما بالها لم تعمل هذا العمل في أنفس السّباع؟! [1]الذرب: الحدّة.

[2]الشحو: الاتساع.

325

و سنذكر علّة التسالم و علّة التعادي، و لم طبعت رؤساء السّباع على الغفلة و بعض ما يدخل في باب الكرم، دون صغار السّباع و سفلتها، و حاشيتها و حشوها[1]، و كذلك أوساطها، و المعتدلة الآلة و الأسر[2]منها.

1672-[شواهد هذا الكتاب و ملازمتها للغرائب و الطرائف‏]

و لم نذكر، بحمد اللّه تعالى، شيئا من هذه الغرائب، و طريفة من هذه الطرائف إلا و معها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل مضروب، أو يكون ذلك ممّا يشهد عليه الطبيب، و من قد أكثر قراءة الكتب، أو بعض من قد مارس الأسفار، و ركب البحار، و سكن الصّحاري و استذرى‏[3]بالهضاب، و دخل في الغياض‏[4]، و مشى في بطون الأودية.

و قد رأينا أقواما يدّعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، و الأمور البديعة، و يخاطرون من أجل ذلك بمروءاتهم، و يعرّضون أقدارهم، و يسلّطون السّفهاء على أعراضهم، و يجترّون سوء الظّنّ إلى أخبارهم، و يحكّمون حسّاد النّعم في كتبهم، و يمكّنون لهم من مقالتهم. و بعضهم يتّكل على حسن الظّنّ بهم، أو على التسليم لهم، و التقليد لدعواهم. و أحسنهم حالا من يحبّ أن يتفضّل عليه ببسط العذر له، و يتكلّف الاحتجاج عنه، و لا يبالي أن يمنّ بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه.

و نحن حفظك اللّه تعالى، إذا استنطقنا الشّاهد، و أحلنا على المثل، فالخصومة حينئذ إنّما هي بينهم و بينها، إذ كنّا نحن لم نستشهد إلاّ بما ذكرنا. و فيما ذكرنا مقنع عند علمائنا، إلاّ أن يكون شي‏ء يثبت بالقياس، أو يبطل بالقياس، فواضع الكتاب ضامن لتخليصه و تلخيصه، و لتثبيته و إظهار حجّته.

فأمّا الأبواب الكبار فمثل القول في الإبل، و القول في فضيلة الإنسان على جميع الحيوان، كفضل الحيوان على جميع النامي، و فضل النّامي على جميع الجماد.

[1]الحشو و الحاشية: الصغار.

[2]الأسر: القوة.

[3]استذرى بالشجرة و الحائط: اكتنّ و صار في كنف منها.

[4]الغياض: جمع غيضة، و هي مفيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر.

326

و ليس يدخل في هذا الباب القول فيما قسم اللّه، عزّ و جلّ، لبعض البقاع من التّعظيم دون بعض، و لا فيما قسم من السّاعات و الليالي، و الأيّام و الشّهور و أشباه ذلك، لأنّه معنى يرجع إلى المختبرين بذلك، من الملائكة و الجنّ و الآدميّين.

فمن أبواب الكبار القول في فصل ما بين الذّكورة و الإناث، و في فصل ما بين الرّجل و المرأة خاصّة.

و قد يدخل في القول في الإنسان ذكر اختلاف النّاس في الأعمار، و في طول الأجسام، و في مقادير العقول، و في تفاضل الصّناعات، و كيف قال من قال في تقديم الأوّل، و كيف قال من قال في تقديم الآخر.

فأما الأبواب الأخر، كفضل الملك على الإنسان، و فضل الإنسان على الجانّ، و هي جملة القول في اختلاف جواهرهم، و في أيّ موضع يتشاكلون، و في أيّ موضع يختلفون؛ فإن هذه من الأبواب المعتدلة في القصر و الطّول.

1673-[علة تداخل أبواب الكتاب‏]

و ليس من الأبواب باب إلاّ و قد يدخله نتف من أبواب أخر على قدر ما يتعلّق بها من الأسباب، و يعرض فيه من التضمين. و لعلك أن تكون بها أشدّ انتفاعا.

و على أني ربما وشّحت هذا الكتاب و فصّلت فيه بين الجزء و الجزء بنوادر كلام، و طرف أخبار، و غرر أشعار، مع طرف مضاحيك. و لو لا الذي نحاول من استعطاف على استتمام انتفاعكم لقد كنّا تسخفّنا[1]و سخّفنا شأن كتابنا هذا.

و إذا علم اللّه تعالى موقع النّيّة، و جهة القصد، أعان على السّلامة من كلّ مخوف‏

1674-[العلة في عدم إفراد باب للحيوانات المائية]

و لم نجعل لما يسكن الملح و العذوبة، و الأنهار و الأدوية، و المناقع و المياه الجارية، من السّمك و ممّا يخالف السّمك، ممّا يعيش مع السمك-بابا مجرّدا، لأنّي لم أجد في أكثره شعرا يجمع الشّاهد و يوثق منه بحسن الوصف، و ينشّط بما فيه من غير ذلك للقراءة. و لم يكن الشّاهد عليه إلاّ أخبار البحريّين، و هم قوم لا [1]انظر ما تقدم في 3/17، السطر 18، 24، 27. و أراد بالتسخف: الذهاب مذهب السخف.

327

يعدّون القول في باب الفعل، و كلّما كان الخبر أغرب كانوا به أشدّ عجبا، مع عبارة غثّة، و مخارج سمجة.

و فيه عيب آخر: و هو أنّ معه من الطّول و الكثرة ما لا تحتملونه، و لو غنّاكم بجميعه مخارق، و ضرب عليه زلزل، و زمر به برصوما، فلذلك لم أتعرّض له.

و قد أكثر في هذا الباب أرسطاطاليس، و لم أجد في كتابه على ذلك من الشّاهد إلاّ دعواه.

و لقد قلت لرجل من البحريّين: زعم أرسطاطاليس أنّ السّمكة لا تبتلع الطّعم أبدا إلاّ و معه شي‏ء من ماء، مع سعة المدخل، و شرّ النفس. فكان من جوابه أن قال لي: ما يعلم هذا إلاّ من كان سمكة مرّة، أو أخبرته به سمكة، أو حدّثه بذلك الحواريّون أصحاب عيسى، فإنهم كانوا صيّادين، و كانوا تلامذة المسيح.

و هذا البحريّ صاحب كلام، و هو يتكلّف معرفة العلل. و هذا كان جوابه.

و لكني لن أدع ذكر بعض ما وجدته في الأشعار و الأخبار، أو كان مشهورا عند من ينزل الأسياف‏[1]و شطوط الأودية و الأنهار، و يعرفه السّمّاكون، و يقرّ به الأطبّاء- بقدر ما أمكن من القول.

1675-[زعم إياس بن معاوية في الشبّوط]

و قد روى لنا غير واحد من أصحاب الأخبار، أنّ إياس بن معاوية زعم أنّ الشّبّوطة كالبغل، و أنّ أمّها بنيّة، و أباها زجر[2]، و أنّ من الدّليل على ذلك أنّ الناس لم يجدوا في بطن شبّوطة قطّ بيضا.

و أنا أخبرك أنّي قد وجدته فيها مرارا، و لكنّي وجدته أصغر جثّة، و أبعد من الطّيب، و لم أجده عامّا كما أجده في بطون جميع السمك.

فهذا قول أبي واثلة إياس بن معاوية المزني الفقيه القاضي، و صاحب الإزكان‏[3]، و أقوف‏[4]من كرز بن علقمة، داهية مضر في زمانه، و مفخر من مفاخر العرب.

[1]الأسياف جمع سيف، و هو ساحل البحر.

[2]البنية و الزجر: ضربان من السمك، انظر ما تقدم في 5/198.

[3]الإزكان: الفطنة و الحدس الصادق، و انظر ما تقدم في 5/124، السطر 7.

[4]أقوف: أشد قيافة. و القيافة: هي عمل القائف: و هو الذي يتتبع الآثار و يعرفها و يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه.

328

1676-[الشك في أخبار البحريين و السّماكين و المترجمين‏]

فكيف أسكن بعد هذا إلى أخبار البحريّين، و أحاديث السمّاكين، و إلى ما في كتاب رجل لعلّه أن لو وجد هذا المترجم أن يقيمه على المصطبة، و يبرأ إلى النّاس من كذبه عليه، و من إفساد معانيه بسوء ترجمته.

1677-[الأجناس التي ترجع إلى صورة الضب‏]

و الذي حضرني من أسماء الحشرات، ممّا يرجع عمود صورها إلى قالب واحد، و إن اختلفت بعد ذلك في أمور. فأوّل ما نذكر من ذلك الضبّ.

و الأجناس التي ترجع إلى صورة الضّبّ: الورل، و الحرباء، و الوحرة[1]، و الحلكة[2]، و شحمة الأرض، و كذلك العظاء، و الوزغ، و الحرذون. و قال أبو زيد:

و ذكر العظاية هو العضرفوط. و يقال في أمّ حبين حبينة و أشباهها مما يسكن الماء الرّقّ، و السّلحفا، و الغيلم، و التّمساح، و ما أشبه ذلك.

1678-[الحشرات‏]

و ممّا نحن قائلون في شأنه من الحشرات: الظربان، و العثّ‏[3]و الحفّاث‏[4] و العربد[5]، و العضرفوط[6]، و الوبر[7]، و أم حبين، و الجعل، و القرنبى‏[8] و الدّسّاس‏[9]، و الخنفساء، و الحيّة، و العقرب، و الشّبث‏[10]و الرّتيلاء[11]، و الطّبّوع، [1]الوحرة: دويبة حمراء تلزق بالأرض شبيهة بسام أبرص. حياة الحيوان 2/411. [2]الحلكة: دويبة شبيهة بالعظاية تغوص في الرمل. حياة الحيوان 1/337.

[3]العثّ: دويبة تأكل الصوف و الجلود.

[4]الحفّاث: ضرب من الحيات تأكل الفأر و أشباه الفأر، انظر ما تقدم في 4/331، س 10-13.

[5]العربد: حية أحمر أرقش، لا يظلم إلا إذا أوذي.

[6]العضرفوط: العظاءة الذكر. حياة الحيوان 2/31.

[7]الوبر: دويبة أصغر من السنور تقيم في البيوت. حياة الحيوان 2/409.

[8]القرنبى: دويبة طويلة الرجلين مثل الخنفساء؛ أو أعظم منها بيسير. حياة الحيوان 2/209.

[9]الدساس: ضرب من الحيات، أصم؛ يندس تحت التراب. حياة الحيوان 1/479.

[10]الشبث: العنكبوت، أو هي دويبة لها ست قوائم طوال صفراء الظهر؛ و ظهور القوائم، سوداء الرأس؛ زرقاء العينين، و قيل: دويبة كثيرة الأرجل عظيمة الرأس واسعة الفم مرتفعة المؤخر، و هي التي تسمى شحمة الأرض. حياة الحيوان 1/595.

[11]الرتيلاء: نوع من العناكب تسمى عقرب الحيات، لأنها تقتل الحيات و الأفاعي. حياة الحيوان 1/523. ـ

329

و الحرقوص‏[1]، و الدّلم‏[2]، و قملة النّسر[3]، و المثل، و النّبر، و هي دويبّة إذا دبّت على جلد البعير تورّم‏[4]، و لذلك يقول الشاعر[5]، و هو يصف إبله بالسّمن: [من الرجز]

كأنّها من بدن و استيقار # دبّت عليها ذربات الأنبار[6]

و قال الآخر[7]: [من الكامل‏]

حمر تحقّنت النّجيل كأنما # بجلودهن مدارج الأنبار

و الضّمج‏[8]، و القنفذ، و النّمل، و الذّرّ، و الدّساس‏[9]، [و منها ما][10]تتشاكل في وجوه، و تختلف من وجوه: كالفأر و الجرذان و الزباب‏[11]، و الخلد و اليربوع، و ابن عرس، و ابن مقرض‏[12]و منها العنكبوت الذي يقال له منونة، و هي شرّ من الجرّارة و الضّمج‏[8].

1679-[الوحشي و الأهلي من الحيوان‏]

و سنقول في الأجناس التي يكون في الجنس منها الوحشيّ و الأهليّ، كالفيلة، و الخنازير، و البقر، و الحمير، و السّنانير.

[1]الحرقوص: دويبة أكبر من البرغوث؛ و عضها أشد عضة، و هي مولعة بفروج النساء تولع النمل بالمذاكير. حياة الحيوان 1/331، و ربيع الأبرار 5/478، و انظر ما سيأتي في ص 562-563.

[2]الدلم: نوع من القراد. حياة الحيوان 1/483.

[3]انظر ما تقدم في 5/210، س 12، و 213، س 3.

[4]انظر ما تقدم في 3/148، الفقرة (758) .

[5]الرجز لشبيب بن البرصاء في اللسان (ذرب، نبر، عرم، بدن) ، و التاج (وقر، بدن) ، و التنبيه و الإيضاح 2/209، و بلا نسبة في اللسان (وفر، وقر) ، و التاج (ذرب، نبر) ، و معجم البلدان 1/257 (الأنبار) ، و الجمهرة 330، و المقاييس 5/380، و المجمل 4/370، و التهذيب 15/214.

[6]البدن: البدانة. الاستيقار: مصدر استوقرت الإبل، أي سمنت و حملت الشحوم.

[7]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (حقن) ، و التهذيب 4/65، و تقدم مع شرحه في 3/148، الفقرة (758) .

[8]الضمج: حشرة تعرف باسم البق، و البعوض، و الفسافس. انظر معجم الألفاظ الزراعية 544.

[9]الدساس: ضرب من الحيات أصم، يندس تحت التراب. حياة الحيوان 1/479.

[10]زيادة يقتضيها سياق الكلام.

[11]الزباب: الفأرة البرية، و قيل: هي فأرة عمياء صماء. حياة الحيوان 1/532، و سبق أن تحدث الجاحظ عنها في 4/461.

[12]ابن مقرض: دويبة كحلاء اللون طويلة الظهر ذات قوائم أربع أصغر من الفأر، تقتل الحمام و تقرض الثياب. حياة الحيوان 2/320.

330

و الظّباء قد تدجن و تولّد على صعوبة فيها. و ليس في أجناس الإبل جنس وحشيّ، إلاّ في قول الأعراب.

و ممّا يكون أهليّا و لا يكون وحشيّا و هو سبع-الكلاب و ليس يتوحّش منها إلاّ الكلب الكلب. فأمّا الضّباع و الذّئاب، و الأسد، و النمور، و الببور، و الثعالب، و بنات آوى، فوحشيّة كلها، و قد يقلّم الأسد و تنزع أنيابه، و يطول ثواؤه مع الناس حتى يهرم مع ذلك، و يحسّ بعجزه عن الصّيد، ثمّ هو في ذلك لا يؤتمن عرامه‏[1]و لا شروده، إذا انفرد عن سوّاسه‏[2]، و أبصر غيضة قدّامها صحراء.

1680-[قصة الأعرابي و الذئب‏]

و قد كان بعض الأعراب ربّى جرو ذئب صغيرا، حتّى شبّ، و ظنّ أنه يكون أغنى غناء من الكلب، و أقوى على الذّبّ عن الماشية، فلمّا قوي شيئا وثب على شاة فذبحها-و كذلك يصنع الذّئب-ثمّ أكل منها فلمّا أبصر الرّجل أمره قال‏[3]:

[من الوافر]

أكلت شويهتي و ربيت فينا # فمن أنباك أنّ أباك ذيب‏

و قد أنكر ناس من أصحابنا هذا الحديث، و قالوا: لم يكن ليألفه و يقيم معه بعد أن اشتدّ عظمه!و لم لم يذهب مع الذّئاب و الضّباع، و لم تكن البادية أحبّ إليه من الحاضرة، و القفار أحبّ إليه من المواضع المأنوسة.

1681-[كيف يصير الوحشيّ من الحيوان أهليا]

و ليس يصير السبع من هذه الأجناس أو الوحشيّ من البهائم أهليّا بالمقام فيهم، و هو لا يقدر على الصّحاري. و إنما يصير أهليّا إذا ترك منازل الوحش و هي له معرضة.

1682-[ما يعتري الوحشي إذا صار إلى الناس‏]

و قد تتسافد و تتوالد في الدّور و هي بعد وحشيّة، و ليس ذلك فيها بعامّ. و من الوحش ما إذا صار إلى النّاس و في دورهم ترك السّفاد، و منها ما لا يطعم و لا يشرب [1]العرام: الشدة و الحدة.

[2]السواس: جمع سائس، و هو من يسوس الدابة و يروضها.

[3]تقدم البيت مع الخبر السابق في 4/283-284، الفقرة (979) .

331

البتّة بوجه من الوجوه، و منها ما يكره على الطّعم و يدخل في حلقة كالحيّة، و منها ما لا يسفد و لا يدجن، و لا يطعم و لا يشرب، و لا يصيح حتى يموت و هذا المعنى في وحشيّ الطّير أكثر.

1683-[حذق السّوداني بتدريب الجوارح‏]

[1] و الذي يحكى عن السوداني القنّاص الجبليّ ليس بناقض لما قلنا، لأنّ الشّي‏ء الغريب، و النادر الخارجيّ، لا يقاس عليه. و قد زعموا أنّه بلغ من حذقه بتدريب الجوارح و تضريتها أنّه ضرّى ذئبا حتّى اصطاد به الظّباء و ما دونها، صيدا ذريعا، و أنه ألفه حتى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، و قد كان بعض العمّال سرقه منه. و قد ذكروا أنّ هذا الذّئب قد صار إلى العسكر، و أن هذا السّودانيّ ضرّى أسدا حتى اصطاد له الحمير فما دونها صيدا ذريعا، و أنه ضرّى الزّنابير فاصطاد بها الذّبّان. و كلّ هذا عجب، و هو غريب نادر، بديع خارجيّ و ذكروا أنّه من قيس عيلان، و أن حليمة ظئر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قد ولدته.

1684-[الحيوانات العجيبة]

و ليس عندي في الحمار الهنديّ‏[2]شي‏ء. و قد ذكره صاحب المنطق. فأما الدّباب، و فأرة المسك‏[3]، و الفنك‏[4]، و القاقم‏[5]، و السّنجاب، و السّمّور[6]، و هذه الدوابّ ذوات الفراء[7]و الوبر الكثيف النّاعم، و المرغوب فيه، و المنتفع به، فهي عجيبة.

و إنّما نذكر ما يعرفه أصحابنا و علماؤنا، و أهل باديتنا. أ لا ترى أنّي لم أذكر لك [1]وردت هذه الفقرة مختصرة في ربيع الأبرار 5/460.

[2]الحمار الهندي: يسمى الكركدن و الحريش، و هو عدو الفيل، يقال إنه متولد من بين الفرس و الفيل، و له قرن واحد عظيم في رأسه. حياة الحيوان 2/243، و انظر ما تقدم في 3/112، الفقرة (698) .

[3]تحدث الجاحظ عن فأرة المسك في 5/162.

[4]الفنك: دويبة يؤخذ منها الفرو. حياة الحيوان 1/574.

[5]القاقم: دويبة تشبه السنجاب، و يشبه جلده جلد الفنك. حياة الحيوان 2/195.

[6]السمور: حيوان بري يشبه السنور، و زعم ناس أنه النمس. حياة الحيوان 1/574.

[7]انظر ما تقدم في 5/257.

332

الحريش‏[1]، و الدّخس‏[2]، و لا هذه السّباع المشتركة الخلق، المتولّدة فيما بين السّباع المختلفة الأعضاء، المتشابهة الأرحام، التي إذا صار بعضها في أيدي القرّادين و المتكسّبين و الطوّافين، وضعوا لها أسماء، فقالوا: مقلاس، و كيلاس، و شلقطير، و خلقطير و أشباه ذلك، حين لم تكن من السّباع الأصلية و المشهورة النسب، و المعروفة بالنّفع و الضّرر.

و قد ذكرنا منها ما كان مثل الضبع، و السّمع‏[3]، و العسبار[4]، إذ كانت معروفة عند الأعراب، مشهورة في الأخبار، منوّها بها في الأشعار.

1685-[الاعتماد على معارف الأعراب في الوحش‏]

و إنّما أعتمد في مثل هذا على ما عند الأعراب، و إن كانوا لم يعرفوا شكل ما احتيج إليه منها من جهة العناية و الفلاية، و لا من جهة التذاكر و التكسّب. و لكن هذه الأجناس الكثيرة، ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق، فإنّما هي مبثوثة في بلاد الوحش: من صحراء، أو واد، أو غائط، أو غيضة، أو رملة، أو رأس جبل، و هي في منازلهم و مناشئهم‏[5]، فقد نزلوا كما ترى بينها، و أقاموا معها. و هم أيضا من بين النّاس وحش، أو أشباه الوحش.

1686-[توارث المعرفة بالداء و الدواء]

و ربّما؛ بل كثيرا ما يبتلون بالناب و المخلب، و باللدغ و اللّسع، و العضّ و الأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرّف حال الجاني و الجارح و القاتل، و حال المجنيّ عليه و المجروح و المقتول، و كيف الطّلب و الهرب، و كيف الداء و الدواء، لطول الحاجة، و لطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالدّاء و الدواء.

[1]في حياة الحيوان 1/332: «الحريش نوع من الحيات أرقط، كذا قال الجوهري. و قال بعد هذا: الحريش: دابة لها مخالب كمخالب الأسد و لها قرن واحد في هامتها، و يسميها الناس الكركدن» .

[2]في حياة الحيوان 1/476: «قال الجوهري الدّخس: مثال الصّرد؛ دويبة في البحر تنجي الغريق، تمكنه من ظهرها ليستعين على السباحة، و تسمى الدلفين» .

[3]السمع: ولد الذئب من الضبع.

[4]العسبار: ولد الضبع من الذئب.

[5]مناشئهم: مكان نشوئهم.

333

1687-[معرفة العرب للآثار و الأنواء و النجوم‏]

و من هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض و الرّمل، و عرفوا الأنواء و نجوم الاهتداء، لأنّ كلّ من كان بالصّحاصح الأماليس‏[1]-حيث لا أمارة و لا هادي، مع حاجته إلى بعد الشّقّة-مضطرّ إلى التماس ما ينجيه و يؤديه‏[2].

و لحاجته إلى الغيث، و فراره من الجدب، و ضنّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرّف شأن الغيث.

و لأنه في كلّ حال يرى السّماء، و ما يجري فيها من كوكب، و يرى التّعاقب بينها، و النّجوم الثوابت فيها، و ما يسير منها مجتمعا و ما يسير منها فاردا[3]، و ما يكون منها راجعا و مستقيما.

و سئلت أعرابيّة فقيل لها: أ تعرفين النجوم؟قالت: سبحان اللّه!أ ما أعرف أشباحا وقوفا عليّ كلّ ليلة! و قال اليقطريّ: وصف أعرابيّ لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، و نجوم الاهتداء، و نجوم ساعات اللّيل و السّعود و النّحوس، فقال قائل لشيخ عباديّ كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابيّ يعرف من النّجوم ما لا نعرف!قال: ويل أمّك، من لا يعرف أجذاع‏[4]بيته؟ قال: و قلت لشيخ من الأعراب قد خرف، و كان من دهاتهم: إني لا أراك عارفا بالنّجوم!قال: أما إنّها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، و لو كانت أقلّ لكنت لها أذكر.

و أكثر سبب ذلك كلّه-بعد فرط الحاجة، و طول المدارسة-دقّة الأذهان، و جودة الحفظ. و لذلك قال مجنون من الأعراب-لمّا قال له أبو الأصبغ بن ربعيّ: أ ما تعرف النجوم؟قال: و ما لي أعرف من لا يعرفني؟! فلو كان لهذا الأعرابيّ المجنون مثل عقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا.

[1]الصحاصح: جمع صحصح، و هي الأرض المستوية الواسعة. الأماليس: جمع إمليس، و هي الأرض الملساء لا شجر بها و لا ماء.

[2]آداه: قوّاه، أو أوصله.

[3]فاردا: منفردا.

[4]الجذع: ساق النخلة، و المراد بها هنا ما جعل منها سقفا للبيت.

334

1688-[ما يجب في التعليم‏]

و لو كان عندي في أبدان السّمّور، و الفنك، و القاقم‏[1]، ما عندي في أبدان الأرانب و الثّعالب، دون فرائها، لذكرتها بما قلّ أو كثر، لكنّه لا ينبغي لمن قلّ علمه أن يدع تعليم من هو أقلّ منه علما.

1689-[الدساس و علة اختصاصه بالذّكر]

و لو كانت الدّسّاس‏[2]من أصناف الحيّات لم نخصّها من بينها بالذّكر، و لكنها و إن كانت على قالب الحيّات و خرطها، و أفرغت كإفراغها و على عمود صورها، [فخصائصها][3]دون خصائصها، كما يناسبها في ذلك الحفّاث‏[4]و العربد[5].

و ليسا من الحيّات، كما أن هذا ليس من الحيّات، لأنّ الدّسّاس ممسوحة الأذن، و هي مع ذلك ممّا يلد و لا يبيض. و المعروف في ذلك أنّ الولادة هي في الأشرف‏[6]، و البيض في الممسوح‏[7].

و قد زعم ناس أنّ الولادة لا تخرج الدّسّاس من اسم الحيّة، كما أن الولادة لا تخرج الخفّاش من اسم الطير.

و كلّ ولد يخرج من بيضه فهو فرخ، إلا ولد بيض الدّجاج فإنّه فرّوج.

و الأصناف التي ذكرناها مع ذكر الضّبّ تبيض كلّها، و يسمى ولدها بالاسم الأعم فرخا.

و زعم لي ابن أبي العجوز، أنّ الدّسّاس تلد. و كذلك خبّرني به محمد بن أيوب ابن جعفر عن أبيه، و خبّرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن‏[8]العلم.

[1]انظر ما تقدم ص 331.

[2]الدساس: ضرب من الحيات أصم، يندس تحت التراب. حياة الحيوان 1/479.

[3]زيادة يقتضيها سياق الكلام.

[4]انظر ما تقدم في الحاشية 4 ص 328.

[5]العربد: حية أحمر أرقش، لا يظلم إلا إذا أوذي.

[6]الأشرف: الظاهر الأذنين.

[7]الممسوح: ليس بظاهر الأذنين.

[8]معدن الشي‏ء: موضعه و مكانه، عدن بالمكان: أقام و ثبت.

335

و قد زعموا بهذا الإسناد أنّ الأرويّة[1]تضع مع كلّ ولد وضعته أفعى في مشيمة واحدة.

و قال الآخرون: الأرويّة[1]لا تعرف بهذا المعنى، و لكنه ليس في الأرض نمرة إلا و هي تضع ولدها و في عنقه أفعى في مكان الطّوق. و ذكروا أنّها تنهش و تعضّ، و لا تقتل.

و لم أكتب هذا لتقرّ به، و لكنها رواية أحببت أن تسمعها. و لا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، و كذلك لا يعجبني الإنكار له. و لكن ليكن قلبك إلى إنكاره أميل.

1690-[مواضع الشك و اليقين‏]

و بعد هذا فاعرف مواضع الشّكّ، و حالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين و الحالات الموجبة له، و تعلم الشّكّ في المشكوك فيه تعلّما. فلو لم يكن في ذلك إلاّ تعرّف التوقّف ثمّ التثبّت، لقد كان ذلك ممّا يحتاج إليه.

ثمّ اعلم أنّ الشكّ في طبقات عند جميعهم. و لم يجمعوا على أن اليقين طبقات في القوّة و الضعف.

1691-[أقوال لبعض المتكلمين في الشك‏]

و لمّا قال ابن الجهم للمكّيّ: أنا لا أكاد أشكّ!قال المكّيّ: و أنا لا أكاد أوقن! ففخر عليه المكيّ بالشكّ في مواضع الشّك، كما فخر عليه ابن الجهم باليقين في مواضع اليقين.

و قال أبو إسحاق: نازعت من الملحدين الشاك و الجاحد فوجدت الشّكّاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب الجحود.

و قال أبو إسحاق: الشاك أقرب إليك من الجاحد، و لم يكن يقين قط حتى كان قبله شكّ، و لم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حال شكّ.

و قال ابن الجهم: ما أطمعني في أوبة المتحيّر لأنّ كل من اقتطعته عن اليقين الحيرة فضالته التبيّن، و من وجد ضالته فرح بها.

و قال عمرو بن عبيد: تقرير لسان الجاحد أشدّ من تعريف قلب الجاهل.

[1]الأروية: الأنثى من الوعول. حياة الحيوان 1/35.

336

و قال أبو إسحاق: إذا أردت أن تعرف مقدار الرجل العالم، و في أيّ طبقة هو، و أردت أن تدخله الكور[1]و تنفخ عليه، ليظهر لك فيه الصّحّة من الفساد، أو مقداره من الصّحّة و الفساد، فكن عالما في صورة متعلّم، ثم اسأله سؤال من يطمع في بلوغ حاجته منه.

1692-[علة قلة الشكوك عند العوام‏]

و العوامّ أقلّ شكوكا من الخواص، لأنّهم لا يتوقّفون في التصديق و التكذيب و لا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلاّ الإقدام على التّصديق المجرّد، أو على التكذيب المجرد، و ألغوا الحال الثالثة من حال الشّكّ التي تشتمل على طبقات الشك، و ذلك على قدر سوء الظنّ و حسن الظّن بأسباب ذلك. و على مقادير الأغلب.

1693-[حرمة المتكلمين‏]

و سمع رجل، ممّن قد نظر بعض النظر، تصويب العلماء لبعض الشكّ، فأجرى ذلك في جميع الأمور، حتّى زعم أنّ الأمور كلها يعرف حقها و باطلها بالأغلب.

و قد مات و لم يخلّف عقبا، و لا واحدا يدين بدينه. فلو ذكرت اسمه مع هذه الحال لم أكن أسأت، و لكنّي على حال أكره التّنويه بذكر من قد تحرّم بحرمة الكلام، و شارك المتكلّمين في اسم الصّناعة، و لا سيّما إن كان ممّن ينتحل تقديم الاستطاعة.

1694-[الأوعال و الثياتل و الأيايل‏]

فأمّا القول في الأوعال، و الثّياتل‏[2]، و الأيايل‏[3]و أشباه ذلك، فلم يحضرنا فيها ما إن نجعل لذكرها بابا مبوبا. و لكننا سنذكرها في مواضع ذكرها من تضاعيف هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

[1]الكور: كور الحداد الذي فيه الجمر و توقد فيه النار، و هو مبني من الطين، و يقال: هو الزق أيضا.

[2]الثيتل: الذكر المسن من الأوعال. حياة الحيوان 1/259.

[3]الأيل: ذكر الأوعال.

337

باب في الضب‏

<الضب>

1695-[ذم هذا الكتاب و مدحه‏]

و أنا مبتدئ على اسم اللّه تعالى في القول في الضّبّ. على أنّي أذمّ هذا الكتاب في الجملة، لأنّ الشواهد على كلّ شي‏ء بعينه وقعت متفرّقة غير مجتمعة.

و لو قدرت على جمعها لكان ذلك أبلغ في تزكية الشّاهد، و أنور للبرهان، و أملأ للنفس، و أمتع لها، بحسن الرّصف‏[1]. و أحمده، لأنّ جملة الكتاب على حال مشتملة على جميع تلك الحجج، و محيطة بجميع تلك البرهانات، و إن وقع بعضه في مكان بعض، تأخّر متقدّم، و تقدّم متأخر.

1696-[ما قيل من الشعر في جحر الضب‏]

و قالوا[2]: و من كيس‏[3]الضّبّ أنّه لا يتخذ جحره إلاّ في كدية و هو الموضع الصّلب-أو في ارتفاع عن المسيل و البسيط، و لذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لأنّه يحفر في الصّلابة، و يعمّق الحفر، و لذلك قال خالد بن الطّيفان‏[4]: [من الطويل‏]

و مولى كمولى الزّبرقان دملته # كما دملت ساق تهاض، بها كسر[5]

إذا ما أحالت و الجبائر فوقها # مضى الحول لا برء مبين و لا جبر

تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و أذنيه إن مولاه ثاب له وفر

ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجهه # كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر

[1]الرصف: ضم الشي‏ء بعضه إلى بعض.

[2]انظر هذا القول في ربيع الأبرار 5/467.

[3]الكيس: العقل.

[4]الأبيات لخالد بن علقمة في ديوان علقمة 109-110، و المؤتلف 221، و للزبرقان بن بدر في المقاصد النحوية 4/171-172، و الأول لابن الطيفان الدارمي في اللسان (دمل) ، و الثالث للزبرقان بن بدر في ديوانه 40، و الدرر 6/81، و بلا نسبة في مجالس ثعلب 396، و الخصائص 2/431، و همع الهوامع 2/130، و اللسان (جدع) ، و الرابع للحصين بن القعقاع في ثمار القلوب (613) .

[5]في ديوان علقمة: «قوله: كمولى الزبرقان، كان الزبرقان بن بدر وصف مولى له في شعره فذمه، فشبّه هذا مولاه به؛ و المولى هنا ابن العم. و الدمل: إصلاح ما فسد، و هو هاهنا الرفق و التلطف.

و الهيض: كسر بعد جبر» .

338

و قال كثيّر[1]: [من المتقارب‏]

فإن شئت قلت له صادقا # وجدتك بالقفّ ضبّا جحولا

من اللاء يحفرن تحت الكدى # و لا يبتغين الدّماث السّهولا

و قال دريد بن الصّمّة[2]: [من الطويل‏]

وجدنا أبا الجبّار ضبّا مورّشا # له في الصّفاة برثن و معاول

له كدية أعيت على كلّ قانص # و لو كان منهم حارشان و حابل

ظللت أراعي الشمس لو لا ملالتي # تزلّع جلدي عنده و هو قائل‏[3]

و أنشد لدريد بن الصمة[4]: [من الطويل‏]

و عوراء من قيل امرئ قد رددتها # بسالمة العينين طالبة عذرا[5]

و لو أنني إذ قالها قلت مثلها # و أكثر منها، أورثت بيننا غمرا

فأعرضت عنها و انتظرت به غدا # لعلّ غدا يبدي لمنتظر أمرا

لأخرج ضبّا كان تحت ضلوعه # و أقلم أظفارا أطال بها الحفرا

و قال أوس بن حجر، في أكل الصّخر للأظفار[6]: [من الطويل‏]

فأشرط فيها نفسه و هو معصم # و ألقى بأسباب له و توكّلا

و قد أكلت أظفاره الصّخر، كلّما # تعايا عليه طول مرقى توصّلا

فقد وصفوا الضّبّ كما ترى، بأنه لا يحفر إلاّ في كدية، و يطيل الحفر حتّى تفنى براثنه، و يتوخّى به الارتفاع عن مجاري السّيل و المياه، و عن مدق الحوافر، لكيلا ينهار عليه بيته.

[1]ديوان كثير 392، و المعاني الكبير 643، و ثمار القلوب (613) .

[2]ديوان دريد بن الصمة 104، و الأول في المعاني الكبير 648.

[3]القائل: النائم نومة نصف النهار.

[4]لم ترد الأبيات في ديوان دريد بن الصمة، و هي لمسكين الدارمي في ديوانه 48، و ربيع الأبرار 2/290، و لحاتم الطائي في ديوانه 283-284، و ذيل الأمالي 62-63، و للأعور الشني في حماسة البحتري 171، و الأول و الثالث له في الوساطة 392، و الأبيات لأنس بن أبي أناس الكناني في المؤتلف 70، و الأول و الثاني بلا نسبة في لباب الآداب 322-323، و المخصص 16/57، و الأول في اللسان و التاج (عور) ، و الأساس (سلم) ، و التهذيب 3/171.

[5]الغمر: الحقد.

[6]ديوان أوس بن حجر، و تقدم البيتان مع تخريج واف في 5/12.

339

1697-[هداية الضب إلى جحره‏]

و لمّا علم أنّه نسّاء سيّئ الهداية، لم يحفر و جاره إلاّ عند أكمة، أو صخرة، أو شجرة، ليكون متى تباعد من جحره لطلب الطّعم، أو لبعض الخوف فالتفت و رآه؛ أحسن الهداية إلى جحره. و لأنّه إذا لم يقم علما[1]فلعلّه أن يلج على ظربان أو ورل، فلا يكون دون أكله له شي‏ء.

1698-[بعض الأمثال في خداع الضب‏]

فقالت العرب: «خبّ ضبّ» [2]؛ و: «أخبّ من ضبّ» [3]؛ و «أخدع من ضبّ» [4]؛ و: «كلّ ضبّ عند مرداته» [5].

و إذا خدع في زوايا حفيرته فقد توثّق لنفسه عند نفسه.

1699-[حذر بعض الحيوان‏]

و لهذه العلّة اتخذ اليربوع القاصعاء، و النافقاء، و الدّامّاء، و الرّاهطاء، و هي أبواب قد اتخذها لحفيرته، فمتى أحسّ بشرّ خالف تلك الجهة إلى الباب.

و لهذا و شبهه من الحذر كان التوبير[6]من الأرانب و أشباهها. و التوبير: أن تطأ على زمعاتها[6]فلا يعرف الكلب و القائف من أصحاب القنص آثار قوائمها.

و لما أشبه هذا التّدبير صار الظبي لا يدخل كناسه إلاّ و هو مستدبر، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه و خشفه‏[7].

[1]أي إذا لم ينصب لنفسه علما يهتدي به.

[2]الإتباع و المزاوجة 46، و فيه «فالضب: البخيل الممسك، و الخبّ: من الخبّ» ، و رجل خب «بالفتح و الكسر» : خدّاع خبيث، و خب ضب: منكر مراوغ حرب. و انظر الدرة الفاخرة 1/192، و جمهرة الأمثال 1/415.

[3]مجمع الأمثال 1/260، و جمهرة الأمثال 1/439، و الدرة الفاخرة 1/192، و المستقصى 1/92.

[4]مجمع الأمثال 1/260، و جمهرة الأمثال 1/440، و الدرة الفاخرة 1/193، 330، و المستقصى 1/95، و أمثال ابن سلام 364.

[5]المرداة: الصخرة يرمى بها، و يضرب المثل للشي‏ء العتيد ليس دونه شي‏ء، و المثل في مجمع الأمثال 2/132، و جمهرة الأمثال 2/157، و المستقصى 2/227، و فصل المقال 163، و أمثال ابن سلام 335.

[6]انظر ما تقدم في 5/150، 239.

[7]الخشف: ولد الظبي أول ما يولد.

340

1700-[شعر في حزم الضب و اليربوع‏]

و قد جمع يحيى بن منصور الذّهليّ أبوابا من حزم الضب، و خبثه و تدبيره. إلاّ أنّه لم يرد تفضيل الضب في ذلك. و لكنه بعد أن قدّمه على حمقى الرّجال. قال:

فكيف لو فكّرتم في حزم اليربوع و الضبّ.

و أنشدني فقال‏[1]: [من الوافر]

و بعض النّاس أنقص رأي حزم # من اليربوع و الضبّ المكون‏[2]

يرى مرداته من رأس ميل # و يأمن سيل بارقة هتون‏[3]

و يحفر في الكدى خوف انهيار # و يجعل مكوه رأس الوجين‏[4]

و يخدع إن أردت له احتيالا # رواغ الفهد من أسد كمين

و يدخل عقربا تحت الذّنابى # و يعمل كيد ذي خدع طبين‏[5]

فهذا الضبّ ليس بذي # حريم مع اليربوع و الذّئب اللّعين‏

و قد ذكر يحيى جميع ما ذكرنا، إلاّ احتياله بإعداد العقرب لكفّ المحترش، فإنه لم يذكر هذه الحيلة من عمله. و سنذكر ذلك في موضعه. و الشّعر الذي يثبت له ذلك كثير.

فهذا شأن الضّب في الحفر، و إحكام شأن منزله.

1701-[امتناع الورل عن اتخاذ بيت له‏]

و من كلام العرب أنّ الورل إنّما يمنعه من اتّخاذ البيوت أنّ اتخاذها لا يكون إلاّ بالحفر، و الورل يبقي على براثنه، و يعلم أنّها سلاحه الذي به يقوى على ما هو أشدّ بدنا منه. و له ذنب يؤكل و يستطاب، كثير الشّحم.

1702-[قول الأعراب في مطايا الجن من الحيوان‏]

و الأعراب لا يصيدون يربوعا، و لا قنفذا، و لا ورلا من أول الليل، و كذلك كل شي‏ء يكون عندهم من مطايا الجنّ، كالنّعام و الظّباء.

[1]الأبيات في ربيع الأبرار 5/467.

[2]المكون: التي جمعت البيض في بطنها، و بيضها يسمى المكون.

[3]المرداة: الصخرة يرمى بها. البارقة: السحابة ذات البرق. الهتون: السحابة التي مطرها فوق الهطل.

[4]المكو: الجحر. الوجين: الأرض الصلبة.

[5]الطبين: وصف من الطبانة، و هي شدة الفطنة.

341

و لا تكون الأرنب و الضّبع من مراكب الجن، لأن الأرنب تحيض و لا تغتسل من الحيض، و الضّباع تركب أيور القتلى و الموتى إذا جيفت‏[1]أبدانهم و انتفخوا و أنعظوا ثم لا تغتسل عندهم من الجنابة. و لا حنابة إلا ما كان للإنسان فيه شرك. و لا تمتطي القرود، لأن القرد زان، و لا يغتسل من جنابة.

فإن قتل أعرابيّ قنفذا أو ورلا، من أول الليل، أو بعض هذه المراكب، لم يأمن على فحل إبله، و متى اعتراه شي‏ء حكم بأنه عقوبة من قبلهم.

قالوا: و يسمعون الهاتف عند ذلك بالنّعى، و بضروب الوعيد.

1703-[قول الأعراب في قتل الجان من الحيات‏]

و كذلك يقولون في الجانّ من الحيّات. و قتل الجان عندهم عظيم. و لذلك رأى رجل منهم جانّا في قعر بئر، لا يستطيع الخروج منها، فنزل على خطر شديد حتّى أخرجها، ثم أرسلها من يده فانسابت، و غمّض عينيه لكيلا يرى مدخلها كأنّه يريد الإخلاص في التقرّب إلى الجن.

قال المازني: فأقبل عليه رجل فقال له: كيف يقدر على أذاك من لم ينقذه من الأذى غيرك؟!

1704-[ما لا يتم له التدبير إذا دخل الاتفاق‏]

و قال: ثلاثة أشياء لا يتمّ لها التّدبير إذا دخلت الأسراب، و الاتفاق، و المكامن و التّوالج‏[2]حتّى يغص بها الخرق.

-فمن ذلك: أن الظربان إذا أراد أن يأكل حسلة الضب أو الضبّ نفسه؛ اقتحم جحر الضّب مستدبرا، ثم التمس أضيق موضع فيه، فإذا وجده قد غصّ به، و أيقن أنّه قد حال بينه و بين النسيم، فسا عليه، فليس يجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب فيأكله كيف شاء.

-و الآخر: أن الرجل إذا دخل وجار الضبع و معه حبل، فإن لم يسدّ ببدنه و بثوبه جميع المخارق و المنافذ ثم وصل إلى الضبع من الضياء بمقدار سمّ الإبرة، وثبت عليه. فقطّعته، و لو كان أشدّ من الأسد.

[1]جيفت: أنتنت.

[2]التوالج: جمع تولج، و هو كناس الظبي.

342

-و الثالث: أنّ الضب إذا أراد أن يأكل حسوله وقف لها من جحرها في أضيق موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم ذلك بدأ فأكل منها، فإذا امتلأ جوفه انحطّ عن ذلك المكان شيئا قليلا، فلا يفلت منه شي‏ء من ولده إلا بعد أن يشبع و يزول عن موضعه، فيجد منفذا.

و قال بعض الأعراب: [من الرجز]

ينشب في المسلك عند سلّته # تزاحم الضبّ عصى في كديته‏

1705-[شعر في أكل الضبّ ولده‏]

و قال: الدّليل على أنّ الضّبّ يأكل ولده قول عملّس بن عقيل بن علّفة لأبيه‏[1]: [من الوافر]

أكلت بنيك أكل الضّبّ حتى # وجدت مرارة الكلأ الوبيل

فلو أنّ الأولى كانوا شهودا # منعت فناء بيتك من بجيل‏

و أنشد لغيره‏[2]: [من الوافر]

أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى # تركت بنيك ليس لهم عديد

و قال عمرو بن مسافر: عتبت على أبي يوما في بعض الأمر، فقلت: [من البسيط]

كيف ألوم أبي طيشا ليرحمني # و جدّه الضّبّ لم يترك له ولدا

و قال خداش بن زهير[3]: [من البسيط]

فإن سمعتم بجيش سالكا سرفا # أو بطن قوّ فأخفوا الجرس و اكتتموا

ثمّ ارجعوا فأكبّوا في بيوتكم # كما أكبّ على ذي بطنه الهرم‏

جعله هرما لطول عمره. و ذي بطنه: ولده.

[1]البيتان للعملس بن عقيل أو لأرطأة بن سهية في نوادر المخطوطات 2/359 (العققة و البررة) ، و لأرطأة بن سهية في الأغاني 12/269، و الأول للعملس بن عقيل في المعاني الكبير 642، و بلا نسبة في مغني اللبيب 2/366، و شرح شواهد المغني 2/366. و تقدم البيتان في 1/129، الفقرة (155) .

[2]البيت بلا نسبة في حياة الحيوان 1/637 (الضب) ، و انظر العقد الفريد 6/49، و تقدم البيت في 1/129؛ الفقرة (155) .

[3]البيتان لخداش بن زهير في أشعار العامريين 45، و المعاني الكبير 642، 1092، و الأول في الأغاني 22/61، و التاج (سرف) .

343

و قال أبو بكر بن أبي قحافة لعائشة، رضي اللّه عنهما: إنّي كنت نحلتك سبعين وسقا[1]من مالي بالعالية، و إنّك لم تحوزيه، و إنما هو مال الوارث، و إنما هو أخواك و أختاك. قالت: ما أعرف لي أختا غير أسماء. قال: إنّه قد ألقى في روعي أن ذا بطن بنت خارجة جارية.

قال آخرون: لم يعن بذي بطنه ولده، و لكنّ الضّبّ يرمي ما أكل، أي يقي‏ء؛ ثم يرجع فيأكله. فذلك هو ذو بطنه. فشبّهوه في ذلك بالكلب و السّنّور.

و قال عمرو بن مسافر: ما عنى إلا أولاده، فكأنّ خداشا قال: ارجعوا عن الحرب التي لا تستطيعونها، إلى أكل الذّريّة و العيال.

1706-[نفي الغنويّ أكل الضبّة أولادها]

قال: و قال أبو سليمان الغنويّ: أبرأ إلى اللّه تعالى من أن تكون الضّبّة تأكل أولادها!و لكنها تدفنهنّ و تطمّ عليهنّ التّراب، و تتعهدهنّ في كلّ يوم حتّى يخرّجن‏[2]، و ذلك في ثلاثة أسابيع. غير أنّ الثّعالب و الظّربان و الطّير، تحفر عنهنّ فتأكلهنّ. و لو أفلت منهنّ كلّ فراخ الضّباب لملأن الأرض جميعا.

و لو أنّ إنسانا نحل أمّ الدّرداء، أو معاذة العدويّة، أو رابعة القيسيّة، أنهنّ يأكلن أولادهنّ، لما كان عند أحد من النّاس من إنكار ذلك، و من التكذيب عنهنّ، و من استعظام هذا القول، أكثر مما قاله أبو سليمان في التّكذيب على الضّباب أن تكون تأكل أولادها.

قال أبو سليمان: و لكن الضبّ يأكل بعره، و هو طيّب عنده. و أنشد[3]: [من البسيط]

يعود في تيعه حدثان مولده # فإن أسنّ تغدّى نجوه كلفا

قال: و قال أفّار بن لقيط: التّيع: القي‏ء. و لكنّا رويناه هكذا. إنما قال: «يعود في رجعه» . و كذلك الضّبّ، يأكل رجعه‏[4].

[1]الوسق: الحمل، و كل شي‏ء و سقته فقد حملته، و الوسق أيضا: ضم الشي‏ء إلى الشي‏ء.

[2]التخريج: التعليم و التأديب.

[3]البيت بلا نسبة في اللسان (ثعع) ، و الرواية فيه:

(يعود في ثعّه حدثان مولده # و إن أسنّ تعدّى غيره كلفا)

[4]الرجع، الروث و العذرة.

344

و زعم أصحابنا أنّ أبا المنجوف السّدوسيّ روى عن أبي الوجيه العكليّ قوله‏[1]: [من الطويل‏]

و أفطن من ضبّ إذا خاف حارشا # أعدّ له عند التلمّس عقربا

جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب و الغرائب‏

أوّل ذلك طول الذّماء، و هو بقيّة النّفس و شدّة انعقاد الحياة و الرّوح بعد الذبح و هشم الرّأس، و الطّعن الجائف النافذ، حتّى يكون في ذلك أعجب من الخنزير، و من الكلب، و من الخنفساء، و هذه الأشياء التي قد تفرّدت بطول الذّماء.

ثمّ شارك الضّبّ الوزغة و الحيّة، فإن الحية تقطع من ثلث جسمها، فتعيش إن سلمت من الذّرّ. فجمع الضّبّ الخصلتين جميعا. إلا ما رأيت في دخّال الأذن من هذه الخصلة الواحدة، فإنّي كنت أقطعه بنصفين، فيمضي أحد نصفيه يمنة و الآخر يسرة. إلا أنّي لا أعرف مقدار بقائهما بعد أن فاتا بصري.

و من أعاجيبه طول العمر. و ذلك مشهور في الأشعار و الأخبار، و مضروب به المثل. فشارك الحيّات في هذه الفضيلة، و شارك الأفعى الرّمليّة و الصّخرية في أنّها لا تموت حتف أنفها، و ليس إلا أن تقتل أو تصطاد، فتبقى في جون الحوّائين، تذيلها[2]الأيدي، و تكره على الطّعم في غير أرضها و هوائها، حتى تموت، أو تحتملها السّيول في الشّتاء و زمان الزّمهرير، فما أسرع موتها حينئذ، لأنّها صردة. و تقول العرب: «أصرد من حيّة» ؛ كما تقول: «أعرى من حية» [3]. و قال القشيريّ: «و اللّه لهي أصرد من عنز جرباء» [4].

[1]البيت بلا نسبة في التاج (خدع) ، و الكامل 1/158 (المعارف) ، و مجمع الأمثال 1/260.

[2]تذيلها: تهينها.

[3]مجمع الأمثال 2/54، و جمهرة الأمثال 2/34، و المستقصى 1/241، و الدرة الفاخرة 1/298.

[4]مجمع الأمثال 1/213، و جمهرة الأمثال 1/585، و المستقصى 1/207، و الدرة الفاخرة 1/267، و أمثال ابن سلام 367. ـ

345

1707-[حتوف الحيّات‏]

و حتوفها التي تسرع إليها ثلاثة أشياء:

أحدها مرور أقاطيع الإبل و الشّاء، و هي منبسطة على وجه الأرض، إما للتشرّق نهارا في أوائل البرد، و إما للتبرّد ليلا في ليالي الصّيف، و إمّا لخروجها في طلب الطّعم.

و الخصلة الثانية ما يسلّط عليها من القنافذ و الأوعال و الورل، فإنها تطالبها مطالبة شديدة، و تقوى عليها قوّة ظاهرة، و الخنازير تأكلها و قد ذكرنا ذلك في باب القول في الحيّات‏[1].

و الخصلة الثالثة: تكسّب الحوّائين بصيدها. و هي تموت عندهم سريعا.

1708-[اكتفاء الحيات و الضباب بالنسيم‏]

و الضّبّ يشاركها في طول العمر، ثمّ الاكتفاء بالنسيم و التّعيش ببرد الهواء.

و ذلك عند الهرم و فناء الرّطوبات، و نقص الحرارات‏[2]. و هذه كلها عجب.

1709-[رجع إلى أعاجيب الضب‏]

ثم اتخاذه الجحر في الصّلابة، و في بعض الارتفاع. خوفا من الانهدام، و مسيل المياه. ثم لا يكون ذلك إلا عند علم يرجع إليه إن هو أضلّ جحره. و لو رأى بالقرب ترابا متراكبا بقدر تلك المرداة[3]و الصّخرة، لم يحفل بذلك. فهذا كله كيس و حزم.

و قال الشّاعر[4]: [من الطويل‏]

سقى اللّه أرضا يعلم الضب أنّها # عذيّة بطن القاع طيّبة البقل

يرود بها بيتا على رأس كدية # و كل امرئ في حرفة العيش ذو عقل‏

و قال البطين: [من البسيط]

و كلّ شي‏ء مصيب في تعيّشه # الضبّ كالنّون، و الإنسان كالسّبع‏

[1]انظر ما تقدم في 4/332، الفقرة (1058) ، و 4/339، الفقرة (1079) .

[2]انظر ما تقدم في 4/322، الفقرة (1034) .

[3]المرداة: الصخرة يرمى بها.

[4]البيتان في ربيع الأبرار 5/469، و تقدما في 3/40، الفقرة (582) .

346

و من أعاجيبه‏[1]أنّ له أيرين، و للضبة حرين. و هذا شي‏ء لا يعرف إلاّ لهما.

فهذا قول الأعراب.

و أمّا قول كثير من العلماء، و من نقّب في البلاد، و قرأ الكتب، فإنّهم يزعمون أنّ للسّقنقور أيرين، و هو الذي يتداوى به العاجز عن النكاح، ليورثه ذلك القوة.

قالوا: و إن للحرذون أيضا أيرين، و إنّهم عاينوا ذلك معاينة. و آخر من زعم لي ذلك موسى بن إبراهيم.

و الحرذون دويبة تشبه الحرباء، تكون بناحية مصر و ما والاها، و هي دويبة مليحة موشّاة بألوان و نقط.

و قال جالينوس: الضبّ الذي له لسانان يصلح لحمه لكذا و كذا. فهذه أيضا أعجوبة أخرى في الضبّ: أن يكون بعضه ذا لسانين و ذا أيرين.

و من أعاجيب الضّبّة أنّها تأكل أولادها. و تجاوز في ذلك خلق الهرّة، حتّى قالت الأعراب: «أعقّ من ضبّ» [2].

1710-[احتيال الضب بالعقرب‏]

و زعمت العرب أنّه يعدّ العقرب في جحره، فإذا سمع صوت الحرش استثفرها[3]، فألصقها بأصل عجب الذّنب من تحت، و ضمّ عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته العقرب.

و قال علماؤهم: بل يهيّئ العقارب في جحره، لتلسع المحترش إذا أدخل يده.

و قال أبو المنجد بن رويشد: رأيت الضب أخور[4]دابّة في الأرض على الحر، تراه أبدا في شهر ناجر[5]بباب جحره، متدخّلا يخاف أن يقبض قابض بذنبه، فربّما أتاه الجاهل ليستخرجه، و قد أتى بعقرب فوضعها تحت ذنبه بينه و بين الأرض، يحبسها بعجب الذنب، فإذا قبض الجاهل على أصل ذنبه لسعته، فشغل بنفسه.

[1]تقدم ذكر هذه الأعجوبة في 4/338، الفقرة (1075) .

[2]مجمع الأمثال 2/47، و جمهرة الأمثال 2/69، و المستقصى 1/250، و أمثال ابن سلام 369.

[3]أصل الاستثفار في الكلب، و هو أن يدخل ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه. [4]أخور: أضعف.

[5]شهر ناجر: رجب أو صفر. انظر الأزمنة و الأمكنة 1/280، و الأيام و الليالي للفراء 17.

347

فأما ذو المعرفة فإنّ معه عويدا يحرّكه هناك، فإذا زالت العقرب قبض عليه.

و قال أبو الوجيه: كذب و اللّه من زعم أنّ الضّبّة تستثفر[1]عقربا، و لكنّ العقارب مسالمة للضّباب، لأنها لا تعرض لبيضها و فراخها. و الضبّ يأكل الجراد و لا يأكل العقارب. و أنشد قول التميميّ الذي كان ينزل به الأزديّ: إنّه ليس إلى الطعام يقصد، و ليس به إلا أنه قد صار به إلفا و أنيسا، فقال: [من الوافر]

أتأنس بي و نجرك غير نجري # كما بين العقارب و الضّباب‏[2]

و أنشد: [من الطويل‏]

تجمّعن عند الضّبّ حتى كأنه # على كلّ حال أسود الجلد خنفس‏

لأن العقارب تألف الخنافس. و أنشدوا للحكم بن عمرو البهراني‏[3]: [من السريع‏]

و الوزغ الرّقط على ذلّها # تطاعم الحيّات في الجحر

و الخنفس الأسود من نجره # مودّة العقرب في السّرّ

لأنك لا تراهما أبدا إلاّ ظاهرتين، يطاعمان أو يتسايران، و متى رأيت مكنة[4] أو اطّلعت على جحر فرأيت إحداهما رأيت الأخرى.

قال: و مما يؤكّد القول الأوّل قوله: [من الطويل‏]

و مستثفر دون السّويّة عقربا # لقد جئت بجريا من الدّهر أعوجا

يقول: حين لم ترض من الدّهاء و النكر[5]إلاّ بما تخالف عنده النّاس و تجوزهم.

1711-[شعر في إعجاب الضب و العقرب بالتمر]

و أنشدني ابن داحة لحذيفة بن دأب عمّ عيسى بن يزيد، الذي يقال له ابن [1]انظر الحاشية 3، في الصفحة السابقة.

[2]النجر: الطبع.

[3]سيكرر الجاحظ هذين البيتين ص 467، و الثاني بلا نسبة في اللسان (خنفس) .

[4]المكنة: بيضة الضبة.

[5]النكر: الدهاء.

348

دأب في حديث طويل من أحاديث العشّاق: [من الطويل‏]

لئن خدعت حبّى بسبّ مزعفر # فقد يخدع الضّبّ المخادع بالتّمر[1]

لأن الضب شديد العجب بالتّمر، فضرب الضب مثلا في الخبث و الخديعة.

و الذي يدلّ على أن الضب و العقرب يعجبان بالتّمر عجبا شديدا، ما جاء من الأشعار في ذلك.

و أنشدني ابن الأعرابيّ، لابن دغماء العجلي: [من الطويل‏]

سوى أنكم درّبتم فجريتم # على دربة، و الضّبّ يحبل بالتّمر

فجعل صيده بالتّمر كصيده بالحبالة. و أنشدني القشيريّ: [من الطويل‏]

و ما كنت ضبّا يخرج التّمر ضغنه # و لا أنا ممن يزدهيه وعيد

و قال بشر بن المعتمر، في قصيدته التي ذكر فيها آيات اللّه عز ذكره، في صنوف خلقه، مع ذكر الإباضيّة، و الرافضة و الحشوية و النابتة فقال فيها[2]: [من السريع‏]

و هقلة ترتاع من ظلّها # لها عرار و لها زمر

تلتهم المرو على شهوة # و حبّ شي‏ء عندها الجمر

و ضبّة تأكل أولادها # و عترفان بطنه صفر

يؤثر بالطّعم، و تأذينه # منجّم ليس له فكر

و ظبية تخضم في حنظل # و عقرب يعجبها التمر

و قال أيضا بشر، في قصيدة له أخرى‏[3]: [من السريع‏]

أما ترى الهقل و أمعاءه # يجمع بين الصّخر و الجمر

و فأرة البيش على بيشها # أحرص من ضبّ على تمر

و قال أبو دارة-و قد رأيته أنا، و كان صاحب قنص-: [من الطويل‏]

و ما التمر إلاّ آفة و بليّة # على جلّ هذا الخلق من ساكن البحر

[1]حبّى: اسم امرأة. السّبّ: العمامة.

[2]الأبيات (1، 2، 5) في اللسان (ألق) ، و ستأتي القصيدة كاملة في ص 464-467.

[3]البيتان هما (41-42) من قصيدة سيوردها الجاحظ ص 467-470.

349

و في البرّ من ذئب و سمع و عقرب # و ثرملة تسعى و خنفسة تسري‏[1]

و قد قيل في الأمثال إن كنت واعيا # عذيرك، إنّ الضّبّ يحبل بالتمر

و سنفسّر معاني هذه الأبيات إذا كتبنا القصيدتين على وجوههما[2]بما يشتملان عليه من ذكر الغرائب و الحكم، و التّدبير و الأعاجيب التي أودع اللّه تعالى أصناف هذا الخلق، ليعتبر معتبر، و يفكر مفكر، فيصير بذلك عاقلا عالما، و موحّدا مخلصا.

1712-[طول ذماء الضب‏]

و الدّليل على ما ذكرنا من تفسير قولهم: الضّبّ أطول شي‏ء ذماء[3]، قولهم:

«إنّه لأحيا من ضبّ» [4]، لأنّ حارشه ربّما ذبحه فاستقصى فري الأوداج، ثم يدعه، فربما تحرك بعد ثلاثة أيام.

و قال أبو ذؤيب الهذلي‏[5]: [من الكامل‏]

ذكر الورود بها و شاقى أمره # شؤما و أقبل حينه يتتبّع

فأبدّهنّ حتوفهنّ فهارب # بذمائه أو ساقط متجعجع‏

و كان النّاس يروون: «فهارب بدمائه» يريدون من الدم. و كانوا يكسرون الدال، حتى قال الأصمعيّ: «بذمائه» معجمة الذال مفتوحة و قال كثير[6]: [من الكامل‏]

و لقد شهدت الخيل يحمل شكّتي # متلمّظ خذم العنان بهيم‏[7]

باقي الذماء إذا ملكت مناقل # و إذا جمعت به أجشّ هزيم‏[8]

[1]الثرملة: الأنثى من الثعالب.

[2]انظر ما سيأتي ص 464-470.

[3]تقدم هذا القول في 3/247، الفقرة (914) ، و ورد هذا القول في رسائل الجاحظ 1/277.

[4]مجمع الأمثال 1/218، 226، و جمهرة الأمثال 1/343، و أمثال ابن سلام 369.

[5]البيتان لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 24، و المفضليات 423 و 425، و الثاني في اللسان و التاج (بدد، جعع، ذمي) ، و المقاييس 1/176، 416، و العين 1/68، و الأساس (ذمي) ، و التهذيب 1/69، 14/78، 15/26، و بلا نسبة في العين 8/203، و المخصص 3/23، 80.

[6]ديوان كثير 206، و المعاني الكبير 49.

[7]الشكة: السلاح. خذم العنان: سريع.

[8]المناقل: السريع نقل القوائم. الأجش: الغليظ الصهيل. الهزيم: الشديد الصوت.

350

1713-[خبث الضب و مكره‏]

و الضّبّ إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالخبث و المكر، و لذلك قال الشاعر: [من البسيط]

إنّا منينا بضبّ من بني جمح # يرى الخيانة مثل الماء بالعسل‏

و أنشد أبو عصام‏[1]: [من الطويل‏]

إنّ لنا شيخين لا ينفعاننا # غنيّين لا يجدي علينا غناهما

كأنّهما ضبّان ضبّا مغارة # كبيران غيداقان صفر كشاهما[2]

فإن يحبلا لا يوجدا في حبالة # و إن يرصدا يوما يخب راصداهما

و لذلك شبّهوا الحقد الكامن في القلب، الذي يسري ضرره، و تدبّ عقاربه بالضّبّ، فسمّوا ذلك الحقد ضبّا. قال معن بن أوس: [من الطويل‏]

ألا من لمولى لا يزال كأنّه # صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب‏[3]

تدبّ ضباب الغشّ تحت ضلوعه # لأهل النّدى من قومه بالعقارب‏

و قال أبو دهبل الجمحيّ‏[4]: [من البسيط]

فاعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن # ضبّا و إنّى عليك اليوم محسود

و أنشد ابن الأعرابيّ‏[5]: [من الرجز]

يا ربّ مولى حاسد مباغض # عليّ ذي ضغن و ضبّ فارض‏[6]

له قروء كقروء الحائض‏

[1]الأبيات لأبي أسيدة الدبيري في تهذيب الألفاظ 135، و الأول في اللسان و التاج (يسر) مع بيت لم يذكره الجاحظ، و الثاني في اللسان (علد) ، و بلا نسبة في التهذيب 2/216، و كتاب الجيم 2/311، 3/157.

[2]الغيداق: الضب المسن العظيم. الكشى: جمع كشية، و هي شحمة صفراء تمتد من أصل ذنبه حتى تبلغ إلى أقصى حلقه.

[3]الصفا: جمع صفاة، و هي الصخرة الملساء. الشاعب: المصلح.

[4]ديوان أبي دهبل 104، و الأغاني 7/129.

[5]الرجز بلا نسبة في اللسان و التاج (بغض، فرض) ، و الأساس (فرض) ، و التهذيب 12/15، و ديوان الأدب 1/353، و مجالس ثعلب 301، و الأضداد 28، و عمدة الحفاظ (فرض) .

[6]الفارض: المسن.

351

كأنّه ذهب إلى أنّ حقده يخبو تارة ثمّ يستعر، ثم يخبو ثم يستعر.

و قال ابن ميّادة[1]، و ضرب المثل بنفخ الضب و توثّبه: [من الطويل‏]

فإن لقيس من بغيض أقاصيا # إذا أسد كشّت لفخر ضبابها

و قال الآخر: [من الطويل‏]

فلا يقطع اللّه اليمين التي كست # حجاجي منيع بالقنا من دم سجلا[2]

و لو ضبّ أعلى ذي دميث حبلتما # إذا ظلّ يمطو من حبالكم حبلا[3]

و الضب يوصف بشدّة الكبر، و لا سيّما إذا أخصب و أمن و صار[4]، كما قال عبدة بن الطّبيب، فإنّه ضرب الضبّ مثلا حيث يقول‏[5]ليحيى بن هزّال: [من البسيط]

لأعرفنّك يوم الورد ذا لغط # ضخم الجزارة بالسّلمين وكّار

تكفي الوليدة و الرّعيان مؤتزرا # فاحلب فإنّك حلاّب و صرّار

ما كنت أول ضب صاب تلعته # غيث فأمرع و استرخت به الدار

و قال ابن ميّادة[6]: [من الطويل‏]

ترى الضّبّ أن لم يرهب الضّبّ غيره # يكشّ له مستكبرا و يطاوله‏

و قال دعلج عبد المنجاب: [من الطويل‏]

إذا كان بيت الضب وسط مضبّة # تطاول للشخص الذي هو حابله‏

المضبّة: مكان ذو ضباب كثيرة، و لا تكثر إلاّ و بقربها حيّة أو ورل، أو ظربان، و لا يكون ذلك إلاّ في موضع بعيد من النّاس، فإذا أمن و خلا له جوّه، و أخصب، نفخ و كشّ نحو كل شي‏ء يريده.

1714-[ما يوصف بالكبر من الحيوان‏]

و مما يوصف بالكبر الثّور في حال تشرّقه، و في حال مشيته الخيلاء في الرّياض، [1]ديوان ابن ميادة 79، و المعاني الكبير 649.

[2]الحجاجان: العظمان اللذان ينبت عليهما الحاجب. القنا: الرماح. السجل: الدلو العظيمة.

[3]حبله: اصطاده بالحبالة.

[4]صار القوم يصيرون: حضروا الماء.

[5]الأبيات لعبدة بن الطبيب في ديوانه 38، و نوادر أبي زيد 47. و تقدمت في 5/143.

[6]ديوان ابن ميادة 193، و المعاني الكبير 649.

352

عند غبّ ديمة. و لذلك قال الكميت‏[1]: [من الخفيف‏]

كشبوب ذي كبرياء من الوحـ # دة لا يبتغي عليها ظهيرا[2]

و هذا كثير، و سيقع في موضعه من القول في البقر.

و ممّا يوصف بالكبر الجمل الفحل، إذا طافت‏[3]به نوق الهجمة[4]، و مرّ نحو ماء أو كلأ فتبعنه. و قال الرّاجز: [من الرجز]

فإن تشرّدن حواليه وقف # قالب حملاقيه في مثل الجرف‏[5]

لو رضّ لحد عينه لما طرف # كبرا و إعجابا و عزّا و ترف‏

و النّاقة يشتدّ كبرها إذا لقحت، و تزمّ بأنفها[6]و تنفرد عن صحاباتها، و أنشد الأصمعيّ: [من الرجز]

و هو إذا أراد منها عرسا # دهماء مرباع اللّقاح جلسا[7]

عاينها بعد السّنان أنسا # حتّى تلقّته مخاضا قعسا[8]

حتّى احتشت في كلّ نفس نفسا # على الدّوام ضامزات خرسا[9]

خوصا مسرّات لقاحا ملسا[10]

و أمّا قول الشّمّاخ‏[11]: [من الطويل‏]

جماليّة لو يجعل السّيف غرضها # على حدّه لاستكبرت أن تضوّرا[12]

[1]ديوان الكميت 1/194.

[2]الشّبوب: الشاب من الثيران.

[3]طاف بالقوم و عليهم: استدار و جاء من نواحيه.

[4]الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، و قيل: هي ما بين الثلاثين و المائة، و قيل: الهجمة أولها الأربعون إلى ما زادت. و قيل: هي ما بين السبعين إلى دوين المائة، و قيل: هي ما بين السبعين إلى المائة. و انظر أقوالا أخرى في اللسان (هجم) .

[5]الحملاق: بياض العين. الجرف: ما تجرفته السيول.

[6]تزم بأنفها: تشمخ به.

[7]الدهماء: السوداء. المرباع: التي عادتها أن تنتج في الربيع. الجلس: الناقة الجسيمة.

[8]سان البعير الناقة يسانها: طردها حتى ينوخها ليسفدها. القعس: جمع قعساء؛ و هي التي مال رأسها و عنقها نحو ظهرها.

[9]الضامزات: الساكتات لا تسمع لها رغاء.

[10]الخوص: جمع خوصاء، و هي الغائرة العينين.

[11]ديوان الشماخ 134، و أساس البلاغة (كبر) .

[12]في ديوانه: «ناقة جمالية: وثيقة، تشبه الجمل في خلقتها و شدتها و عظمها. و الغرض: حزام الرحل. و قوله: أن تضورا، أصله: أن تتضورا، فحذف إحدى التاءين، و التضور: التلوي، و الصياح، يصفها بالقوة و التحمل و الرياضة» .

353

فليس من الأوّل في شي‏ء.

1715-[المذكورون من الناس بالكبر]

و المذكورون من النّاس بالكبر، ثمّ من قريش: بنو محزوم، و بنو أميّة. و من العرب: بنو جعفر بن كلاب، و بنو زرارة بن عدس خاصّة.

فأمّا الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدّون النّاس إلاّ عبيدا، و أنفسهم إلاّ أربابا.

و لسنا نخبر إلا عن دهماء النّاس و جمهورهم كيف كانوا، من ملوك و سوقة.

1716-[الكبر في الأجناس الذليلة]

و الكبر في الأجناس الذّليلة من النّاس أرسخ و أعمّ. و لكنّ الذلة و القلّة مانعتان من ظهور كبرهم، فصار لا يعرف ذلك إلاّ أهل المعرفة. كعبيدنا من السّند، و ذمّتنا من اليهود.

و الجملة أنّ كلّ من قدر من السّفلة و الوضعاء و المحقرين أدنى قدرة، ظهر من كبره على من تحت قدرته، على مراتب القدرة، ما لا خفاء به. فإن كان ذمّيّا و حسن بما له في صدور النّاس، تزيّد في ذلك، و استظهرت طبيعته بما يظنّ أنّ فيه رقع ذلك الخرق، و حياص‏[1]ذلك الفتق، و سد تلك الثّلمة. فتفقد ما أقول لك، فإنك ستجده فاشيا.

و على هذا الحساب من هذه الجهة، صار المملوك أسوأ ملكة من الحرّ.

و شي‏ء قد قتلته علما، و هو أنّي لم أر ذا كبر قطّ على من دونه إلا و هو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك و وزنه.

1717-[كبر قبائل من العرب‏]

فأمّا بنو مخزوم. و بنو أميّة، و بنو جعفر بن كلاب، و بنو زرارة بن عدس، فأبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة. و لو كان في قوى عقولهم و ديانتهم فضل على قوى دواعي الحميّة فيهم، لكانوا كبنى هاشم في تواضعهم، و في إنصافهم لمن دونهم.

[1]حاص الثوب يحوصه: خاطه. ـ

354

و قد قال في شبيه بهذا المعنى عبدة بن الطبيب، حيث يقول‏[1]: [من الطويل‏]

إن الذين ترونهم خلاّنكم # يشفي صداع رءوسهم أن تصرعوا

فضلت عداوتهم على أحلامهم # و أبت ضباب صدورهم لا تنزع‏

1718-[من عجائب الضب‏]

فأمّا ما ذكروا[2]أنّ للضبّ أيرين، و للضّبّة حرين، فهذا من العجب العجيب.

و لم نجدهم يشكّون. و قد يختلفون ثمّ يرجعون إلى هذا العمود. و قال الفزاريّ‏[3]:

[من الطويل‏]

جبى المال عمّال الخراج و جبوتي # محذّفة الأذناب صفر الشّواكل‏[4]

رعين الدّبا و البقل حتى كأنّما # كساهنّ سلطان ثياب المراجل‏[5]

سبحل له نزكان كانا فضيلة # على كلّ حاف في البلاد و ناعل‏[6]

ترى كلّ ذيّال إذا الشمس عارضت # سما بين عرسيه سموّ المخايل‏

و اسم أيره النّزك، معجمة الزّاي و النون من فوق بواحدة، و ساكنة الزاي. فهذا قول الفزاريّ. و أنشد الكسائي‏[7]: [من الطويل‏]

تفرّقتم لا زلتم قرن واحد # تفرّق أير الضّبّ و الأصل واحد

فهذا يؤكد ما رواه أبو خالد النميري، عن أبي حيّة النّميري. قال أبو خالد[8]:

سئل أبو حيّة عن ذلك، فزعم أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة: الأصل واحد، و الفرع اثنان.

[1]البيتان في المفضليات 147.

[2]انظر ما تقدم ص 346.

[3]الأبيات لحمران ذي الغصة أو لأبي الحجاج في اللسان و التاج (نزك) ، و الأول بلا نسبة في كتاب الجيم 2/194، و تقدم تخريج البيت الثالث في 4/338، الفقرة (1075) .

[4]الشواكل، جمع شاكلة، و هي الخاصرة.

[5]الدبا: الجراد. المراجل: ضرب من برود اليمن.

[6]السبحل: العظيم المسن من الضباب.

[7]البيت بلا نسبة في اللسان و التاج (نزك) ، و التهذيب 10/102.

[8]تقدم هذا القول في 4/338، الفقرة (1075) مع نسبته إلى أبي خلف النمري.

355

1719-[زعم بعض المفسّرين في عقاب الحية]

و بعض أهل التّفسير يزعم أنّ اللّه عزّ و جلّ عاقب الحيّة-حين أدخلت إبليس في جوفها حتّى كلّم آدم على لسانها-بعشر خصال، منها شقّ اللسان‏[1].

قالوا[1]: فلذلك ترى الحيّة أبدا إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها، تلويه كما يصنع المسترحم من النّاس بإصبعه إذا ترحّم أو دعا، لتري الظالم عقوبة اللّه تعالى لها.

1720-[تناسل الضب‏]

قال أبو خالد: قال أبو حيّة: الأصل واحد، و الفرع اثنان، و للأنثى مدخلان.

و أنشد لحبّى المدنيّة[2]: [من الوافر]

وددت بأنّه ضبّ و أني # كضبّة كدية وجدت خلاء

قال: قالت هذا البيت لابنها، حين عذلها، لأنّها تزوّجت ابن أمّ كلاب، و هو فتى حدث، و كانت هي قد زادت على النّصف، فتمنّت أن يكون لها حران و لزوجها أيران.

و قال ابن الأعرابيّ: للأنثى سبيلان، و لرحمها قرنتان، و هما زاويتا الرّحم. فإذا امتلأت الزّاويتان أتأمت، و إذا لم تمتلئ أفردت.

و قال غيره من العلماء: هذا لا يكون لذوات البيض و الفراخ، و إنما هذا من صفة أرحام اللواتي يحبلن بالأولاد، و يضعن خلقا كخلقهنّ و يرضعن. و كيف تفرد الضبّة و هي لم تتئم قط. و هي تبيض سبعين بيضة في كلّ بيضة حسل.

قال: و لهذه الحشرات أيور معروفة، إلاّ أنّ بعضها أحقر من بعض. فأما الخصى فشي‏ء ظاهر لمن شقّ عنها.

1721-[تناسل الذباب‏]

و جسر أبو خالد، فزعم أنه قد أبصر أير ذباب و هو يكوم ذبابة و زعم أن اسم أيره المتك. و أنشد لعبد اللّه بن همام السّلوليّ‏[3]: [من الكامل‏] [1]انظر ما تقدم في 4/339، 357.

[2]البيت في اللسان و التاج (نزك) لامرأة لامها ابنها في زوجها.

[3]ديوان عبد الله بن همام السلولي 37-38، و ثمار القلوب 398 (728) ، و تقدم البيتان بلا نسبة في 3/152، الفقرة (768) .

356

لما رأيت القصر غلّق بابه # و تعلّقت همدان بالأسباب

أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب # لم يبق منها قيس أير ذباب‏

و هذا شعر لا يدلّ على ما قال.

و قال أصحابنا: إنّما المتك البظر. و لذلك يقال للعلج: يا ابن المتكاء كما يقال له: يا ابن البظراء.

القول فيمن استطاب لحم الضب و من عافه‏

روى أنّه أتي به على خوان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فلم يأكله، و قال‏[1]: «ليس من طعام قومي» .

و أكله خالد بن الوليد فلم ينكر عليه‏[1].

و رووا أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال‏[2]: «لا أحلّه و لا أحرّمه» . و أنكر ذلك ابن عباس و قال:

ما بعثه اللّه تعالى إلاّ ليحلّ و يحرّم.

و حرّمه قوم، و رووا أنّ أمّتين مسختا، أخذت إحداهما في البر، فهي الضّباب، و أخذت الأخرى في طريق البحر، فهي الجرّيّ‏[3].

و رووا عن بعض الفقهاء أنه رأى رجلا أكل لحم ضبّ، فقال: اعلم أنّك قد أكلت شيخا من مشيخة بني إسرائيل‏[4].

و قال بعض من يعافه: الذي يدلّ على أنّه مسخ شبه كفّه بكفّ الإنسان.

و قال العدار الأبرص، نديم أيّوب بن جعفر، و كان أيوب لا يغبّ‏[5]أكل الضباب، في زمانها. و لها في المربد سوق تقوم في ظلّ دار جعفر. و لذلك قال أبو فرعون، في كلمة له طويلة: [من الرجز] [1]أخرجه البخاري في الأطعمة، حديث رقم 5076، و أعاده في الذبائح و الصيد، حديث رقم 5217، و مسلم في الصيد و الذبائح، باب إباحة الضب، حديث رقم 1945-1946.

[2]أخرجه البخاري في الذبائح و الصيد، حديث رقم 5216، و مسلم في الصيد و الذبائح برقم 1943.

[3]الجري: ضرب من السمك. انظر ما تقدم في 1/154، 196، 203.

[4]ورد الخبر في ربيع الأبرار 5/468.

[5]الغب: هو أن يرد يوما و يدع يوما.

357

سوق الضباب خير سوق في العرب‏

و كان أبو إسحاق إبراهيم النظام و العدار، إذا كان عند أيوب قاما عن خوانه‏[1]، إذا وضع له عليه ضبّ. و مما قال فيه العدار قوله: [من الطويل‏]

له كفّ إنسان و خلق عظاية # و كالقرد و الخنزير في المسخ و الغضب‏

1722-[القول في المسخ‏]

و العوامّ تقول ذلك. و ناس يزعمون أن الحيّة مسخ، و الضبّ مسخ، و الكلب مسخ، و الإربيان‏[2]، مسخ، و الفأر مسخ.

و لم أر أهل الكتاب يقرّون بأنّ اللّه تعالى مسخ إنسانا قط خنزيرا و لا قردا. إلاّ أنهم قد أجمعوا أنّ اللّه تبارك و تعالى قد مسخ امرأة لوط حجرا[3]، حين التفتت‏[4].

و تزعم الأعراب: أنّ اللّه عزّ ذكره قد مسخ كلّ صاحب مكس و جابي خراج و إتاوة، إذا كان ظالما. و أنه مسخ ماكسين، أحدهما ذئبا و الآخر ضبعا.

1723-[شعر الحكم بن عمرو في غرائب الخلق‏]

و أنشد محمّد بن السّكن المعلّم النحويّ، للحكم بن عمرو البهراني، في ذلك و في غيره شعرا عجيبا، و قد ذكر فيه ضروبا كلّها طريف غريب، و كلها باطل، و الأعراب تؤمن بها أجمع.

و كان الحكم هذا أتى بني العنبر بالبادية، على أنّ العنبر من بهراء، فنفوه من البادية إلى الحاضرة، و كان يتفقّه و يفتي فتيا الأعراب‏[5]، و كان مكفوفا و دهريّا [1]الخوان: المائدة يوضع عليها الطعام.

[2]الإربيان: ضرب من السمك، و هو القريدس في الشام، و الجمبري في مصر. معجم الألفاظ الزراعية 197.

[3]تقدم هذا القول في 3/313، الفقرة (1020) ، و انظر أيضا 3/309، الفقرة (1010) ، و 3/312، الفقرة (1017) .

[4]إشارة إلى قوله تعالى في الآية 81 من سورة هود: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ .

[5]فتيا الأعراب: ضرب من الألغاز يقوم على المقدرة اللغوية. و يتضح هذا الفن في المقامة (32) من مقامات الحريري، مثل قوله «أ يستباح ماء الضرير؟قال: نعم. و يجتنب ماء البصير» . الضرير هنا:

حرف الوادي، و البصير: الكلب. و انظر المزهر 1/622-637 حيث أورد مقامة الحريري.

358

عد مليّا[1]، و هو الذي يقول‏[2]: [من الخفيف‏]

1-إنّ ربّي لما يشاء قدير # ما لشي‏ء أراده من مفرّ

2-مسخ الماكسين ضبعا و ذئبا # فلهذا تناجلا أمّ عمرو

3-بعث النّمل و الجراد و قفّى # بنجيع الرّعاف في حيّ بكر

4-خرقت فارة بأنف ضئيل # عرما محكم الأساس بصخر[3]

5-فجّرته و كان جيلان عنه # عاجزا لو يرومه بعد دهر[4]

6-مسخ الضّبّ في الجدالة قدما # و سهيل السّماء عمدا بصغر[5]

7-و الذي كان يكتني برغال # جعل اللّه قبره شرّ قبر[6]

8-و كذا كلّ ذي سفين و خرج # و مكوس و كلّ صاحب عشر[6]

9-منكب كافر و أشراط سوء # و عريف جزاؤه حرّ جمر[7]

10-و تزوّجت في الشّبيبة غولا # بغزال و صدقتي زقّ خمر[8]

11-ثيّب إن هويت ذلك منها # و متى شئت لم أجد غير بكر[9]

12-بنت عمرو و خالها مسحل الخيـ # ر و خالي هميم صاحب عمرو[9]

13-و لها خطّة بأرض وبار # مسحوها فكان لي نصف شطر[10]

14-أرض حوش و جامل عكنان # و عروج من المؤبّل دثر[11]

15-سادة الجنّ ليس فيها من الج # نّ سوى تاجر و آخر مكر

16-و نفوا عن حريمها كلّ عفر # يسرق السّمع كل ليلة بدر[11]

[1]العدملي: الهرم المسن.

[2]ورد البيتان (4-5) في ثمار القلوب (609-610) ، و السابع في ثمار القلوب (245) .

[3]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 393.

[4]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 393-394.

[5]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 395.

[6]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 395-396.

[7]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 397.

[8]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 397-398، 433.

[9]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 433.

[10]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 435.

[11]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 436.

359

17-في فتوّ من الشّنقناق غرّ # و نساء من الزوابع زهر[1]

18-تأكل الفول ذا البساطة مسيا # بعد روث الحمار في كلّ فجر

19-جعل اللّه ذلك الرّوث بيضا # من أنوق و من طروقة نسر

20-ضربت فردة فصارت هباء # في محاق القمير آخر شهر[2]

21-تركت عبدلا ثمال اليتامى # و أخوه مزاحم كان بكري‏[3]

22-وضعت تسعة و كانت نزورا # من نساء في أهلها غير نزر[3]

23-غلبتني على النّجابة عرسي # بعد ما طار في النّجابة ذكري‏[4]

24-و أرى فيهم شمائل إنس # غير أنّ النّجار صورة عفر[5]

25-و بها كنت راكبا حشرات # ملجما قنفذا و مسرج وبر[6]

26-كنت لا أركب الأرانب للحيـ # ض و لا الضّبع أنّها ذات نكر

27-تركب المقعص المجيّف ذا النّعـ # ظ و تدعو الضّباع من كلّ جحر[7]

28-جائبا للبحار أهدي لعرسي # فلفلا مجتنى و هضمة عطر[8]

29-و أحلّي هرير من صدف البح # ر و أسقي العيال من نيل مصر[9]

30-و يسنّي المعقود نفثي و حلّي # ثمّ يخفى على السّواحر سحري

31-و أجوب البلاد تحتي ظبي # ضاحك سنّه كثير التّمرّي‏[10]

32-مولج دبره خواية مكو # و هو باللّيل في العفاريت يسري‏[10]

33-يحسب النّاظرون أنّي ابن ماء # ذاكر عشّه بضفّة نهر

34-ربّ يوم أكلت من كبد اللّيـ # ث و أعقبت بين ذئب و نمر

[1]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 436-437.

[2]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 438.

[3]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 435.

[4]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 439.

[5]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 439.

[6]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 440.

[7]المقعص: الذي ضرب فقتل مكانه. النعظ: الانتشار.

[8]الهضمة: الطيب أو البخور.

[9]هرير: ترخيم هريرة، و هو اسم علم للمؤنث.

[10]انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 440. الخواية: متسع داخل الكناس. الممكو:

الجحر.

360

35-ليس ذاكم كمن يبيت بطينا # من شواء و من قليّة جزر

36-ثم لاحظت خلتي في غدوّ # بين عيني و عينها السّمّ يجري

37-ثم أصبحت بعد خفض و لهو # مدنفا مفردا محالف عسر

38-أ تراني مقتّ من ذبح الدّيـ # ك و عاديت من أهاب بصقر

39-و سمعت النقيق في ظلم اللّيـ # ل فجاوبته بسرّ و جهر

40-ثمّ يرمى بي الجحيم جهارا # في خمير و في دراهم قمر

41-فلعل الإله يرحم ضعفي # و يرى كبرتي و يقبل عذري‏

1724-[القول في استحلال الضب و استطابته‏]

و سنقول في الذين استحلوه و استطابوه و قدّموه.

قالوا: الشي‏ء لا يحرم إلاّ من جهة كتاب، أو إجماع، أو حجة عقل، أو من جهة القياس على أصل في كتاب اللّه عزّ و جلّ، أو إجماع. و لم نجد في تحريمه شيئا من هذه الخصال، و إن كان إنّما يترك من قبل التقزز؛ فقد أكل الناس الدّجاج، و الشبابيط؛ و لحوم الجلاّلة، و أكلوا السراطين، و العقصير[1]، و فراخ الزّنابير، و الصحناء[2]و الرّبيثا[3]فكان التقزّز مما يغتذي العذرة رطبة و يابسة، أولى و أحقّ من كلّ شي‏ء يأكل الضروب التي قد ذكرناها و ذكرها الرّاجز حيث يقول: [من الرجز]

يا ربّ ضبّ بين أكناف اللّوى # رعى المرار و الكباث و الدّبا[4]

حتّى إذا ما ناصل البهمى ارتمى # و أجفئت في الأرض أعراف السّفا

ظلّ يباري هبّصا وسط الملا # و هو بعيني قانص بالمرتبا[5]

كان إذا أخفق من غير الرعا # رازم بالأكباد منها و الكشى‏[6]

فإن عفتموه لأكل الدّبا فلا تأكلوا الجراد، و لا تستطيبوا بيضه.

[1]العقصير: دابة يتقزز من أكلها.

[2]الصحناة: إدام يتخذ من السمك الصغار و الملح، و تقدم هذا الشرح في الحاشية الخامسة للصفحة 141، الفقرة (750) .

[3]الربيثا: إدام يتخذ من السمك الصغار و الملح.

[4]الكباث: ثمر الأراك. الدبا: الجراد قبل أن يطير.

[5]هبص: جمع هابص، و هو الحريص على الصيد. الملا: المتسع من الأرض. المرتبأ: المرقب و الموضع الذي يشرف عليه.

[6]الكشى: جمع كشية، و هي شحمة في ظهر الضب.

361

و قد قال أبو حجين المنقريّ: [من الطويل‏]

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # بأسفل واد ليس فيه أذان

و هل آكلن ضبّا بأسفل تلعة # و عرفج أكماع المديد خواني‏[1]

أقوم إلى وقت الصّلاة و ريحه # بكفّيّ لم أغسلهما بشنان‏[2]

و هل أشربن من ماء لينة شربة # على عطش من سور أمّ أبان‏[3]

و قال آخر[4]: [من الطويل‏]

لعمري لضبّ بالعنيزة صائف # تضحّى عرادا فهو ينفخ كالقرم‏[5]

أحبّ إلينا أن يجاور أرضنا # من السّمك البنّيّ و السّلجم الوخم‏[6]

و قال آخر في تفضيل أكل الضّبّ‏[7]: [من الطويل‏]

أقول له يوما و قد راح صحبتي # و باللّه أبغي صيده و أخاتله

فلمّا التقت كفّي على فضل ذيله # و شالت شمالي زائل الضّبّ باطله‏[8]

فأصبح محنوذا نضيجا و أصبحت # تمشّى على القيزان حولا حلائله‏[9]

شديد اصفرار الكشيتين كأنّما # تطلّى بورس بطنه و شواكله‏[10]

فذلك أشهى عندنا من بياحكم # لحى اللّه شاريه و قبّح آكله‏[11]

[1]العرفج: ضرب من النبات سهلي، و قيل: هو من شجر الصيف؛ و هو لين أغبر له ثمرة خشناء كالحسك. الأكماع: أماكن من الأرض ترتفع حروفها و تطمئن أوساطها. المديد: موقع قرب مكة. الخوان: المائدة يوضع عليها الطعام.

[2]الشنان: الماء البارد.

[3]لينة: موضع في بلاد نجد.

[4]البيتان بلا نسبة في ربيع الأبرار 5/467، و معجم البلدان 4/163 (عنيزة) . [5]عنيزة: موضع بين البصرة و مكة، و عنيزة: من أودية اليمامة قرب سواج، و قرى عنيزة بالبحرين.

تضحى: أكل في وقت الضحى. العراد: ضرب من النبات تألفه الضباب. القرم: الفحل المتروك للفحلة.

[6]السلجم: ضرب من البقول، و هو اللفت. الوخم: الثقيل الذي لا يستمرأ.

[7]الأبيات لبعض الأعراب في عيون الأخبار 3/212، و البيتان الأخيران في ربيع الأبرار 5/468، و الرابع في محاضرات الأدباء 1/292 (2/611) .

[8]شالت: ارتفعت. زايل: فارق.

[9]المحنوذ: المشوي. القيزان: الرمال العالية. الحول: جمع حائل، و هي التي لم تحمل. الحلائل:

جمع حليلة، و هي الزوجة.

[10]الكشية: شحمة في ظهر الضب. الشواكل: جمع شاكلة، و هي الخاصرة.

[11]البياح: ضرب من السمك صغار. ـ

362

و قال أبو الهنديّ، من ولد شبث بن ربعيّ‏[1]: [من المتقارب‏]

أكلت الضّباب فما عفتها # و إنّي لأهوى قديد الغنم‏[2]

و ركّبت زبدا على تمرة # فنعم الطّعام و نعم الأدم‏[3]

و سمن السّلاء و كم‏ء القصيص # و زين السّديف كبود النّعم‏[4]

و لحم الخروف حنيذا و قد # أتيت به فائرا في الشّبم‏[5]

فأمّا البهطّ و حيتانكم # فما زلت منها كثير السّقم‏[6]

و قد نلت ذاك كما نلتم # فلم أر فيها كضبّ هرم

و ما في البيوض كبيض الدّجاج # و بيض الجراد شفاء القرم

و مكن الضّباب طعام العريب # و لا تشتهيه نفوس العجم‏[7]

و إلى هذا المعنى ذهب جران العود، حين أطعم ضيفه ضبّا، فهجاه ابن عمّ له كان يغمز في نسبه، فلما قال في كلمة له‏[8]: [من الوافر]

و تطعم ضيفك الجوعان ضبّا # و تأكل دونه تمرا بزبد

و قال في كلمة له أخرى‏[8]: [من الوافر]

و تطعم ضيفك الجوعان ضبّا # كأنّ الضّبّ عندهم عريب‏

قال جران العود[8]: [من الوافر]

فلو لا أنّ أصلك فارسيّ # لما عبت الضّباب و من قراها

قريت الضيف من حبّي كشاها # و أيّ لويّة إلاّ كشاها[9]

[1]ديوان أبي الهندي 50، و المعاني الكبير 650، و عيون الأخبار 3/210، و ربيع الأبرار 5/466، و فيه صحّف اسم أبي الهندي إلى أبي الهندام، و اللسان 1/586 (عرب) .

[2]القديد: ما قطع من اللحم و شرر، و اللحم المملوح المجفف في الشمس.

[3]الأدم: الإدام، و هو ما يؤكل به الخبز.

[4]سلأ الزبد: طبخه و عالجه ليخلص منه السمن. القصيص: جمع قصيصة، و هي شجرة تنبت في أصلها الكمأة. السديف: شحم السنام. الكبود: جمع كبد.

[5]الحنيذ: المشوي. الفائر: أراد به الحار. الشبم: البارد.

[6]البهط: الأرز يطبخ باللبن و السمن.

[7]المكن: جمع مكنة، و هو بيض الضب. العريب: تصغير العرب.

[8]البيت مع الخبر في ربيع الأبرار 5/466.

[9]الكشية: شحمة في ظهر الضب.

363

و اللّويّة: الطّعيّم الطّيب، و اللّطف‏[1]يرفع للشّيخ و الصبي. و قد قال الأخطل‏[2]: [من الطويل‏]

ففلت لهم هاتوا لوية مالك # و إن كان قد لاقى لبوسا و مطعما

1725-[بزماورد الزّنابير]

و قال مويس بن عمران: كان بشر بن المعتمر خاصّا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه، و هو أحد بني هلال بن عامر، فمضى به يوما إلى الفضل؛ ليكرمه بذلك، و حضرت المائدة، فذكروا الضب و من يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه، و تابعه القوم بذلك و نظر الهلاليّ فلم ير على المائدة عربيّا غيره، و غاظه كلامهم، فلم يلبث الفضل أن أتي بصحفة ملآنة من فراخ الزّنابير، ليتّخذ له منها بزماورد[3]- و الدّبر و النّحل عند العرب أجناس من الذّبان-فلم يشكّ الهلاليّ أنّ الذي رأى من ذبّان البيوت و الحشوش‏[4]. و كان الفضل حين ولي خراسان استظرف بها بزماورد الزّنابير، فلمّا قدم العراق كان يتشهّاها فتطلب له من كلّ مكان. فشمت الهلاليّ به و بأصحابه، و خرج و هو يقول‏[5]: [من الطويل‏]

و علج يعاف الضّبّ لؤما و بطنة # و بعض إدام العلج هام ذباب‏[6]

و لو أن ملكا في الملا ناك أمّه # لقالوا لقد أوتيت فصل خطاب‏[7]

1726-[شعر أبي الطروق في مهر امرأة]

لما قال أبو الطروق الضبي‏[8]: [من الطويل‏]

يقولون أصدقها جرادا و ضبّة # فقد جردت بيتي و بيت عياليا[9]

[1]اللطف: التحفة و الهدية.

[2]ديوان الأخطل 600.

[3]البزماورد: طعام من البيض و اللحم، انظر اللسان «ورد» .

[4]الحشوش: جمع حش، و هو موضع قضاء الحاجة.

[5]البيتان مع الخبر السابق باختصار في ربيع الأبرار 5/466-467.

[6]العلج: الرجل الشديد الغليظ.

[7]الملأ: الجماعة، أو وجوه القوم.

[8]البيتان (1-2) في الحماسة البصرية 2/314، و رواية عجز البيت الثانى:

(و غابت فلا آبت سمير اللياليا)

[9]الصداق: المهر.

364

و أبقت ضبابا في الصّدور جواثما # فيا لك من دعوى تصمّ المناديا

و عاديت أعمامي و هم شرّ جيرة # يدبّون شطر اللّيل نحوي الأفاعيا

و قد كان في قعب و قوس و إن أشأ # من الأقط ما بلّغن في المهر حاجيا[1]

فقال أبوها: [من الطويل‏]

فلو كان قعبا رضّ قعبك جندل # و لو كان قوسا كان للنّبل أذكرا

فقال عمّها: دعوني و العبد.

1727-[شعر في الضبّ‏]

و أنشد للدّبيري: [من الطويل‏]

أ عامر عبد اللّه إنّي وجدتكم # كعرفجة الضّبّ الذي يتذلّل‏

قال: هي ليّنة، و عودها ليّن، فهو يعلوها إذا حضروا بالقيظ. و يتشوّف‏[2] عليها. و لست ترى الضّب إلا و هي سامية برأسها، تنظر و ترقب. و أنشد: [من الطويل‏]

بلاد يكون الخيم أطلال أهلها # إذا حضروا بالقيظ و الضّبّ نونها

و قال عمرو بن خويلد: [من الطويل‏]

ركاب حسيل أشهر الصّيف بدّن # و ناقة عمرو ما يحلّ لها رحل‏[3]

إذا ما ابتنينا بيتنا لمعيشة # يعود لما نبني فيهدمه حسل

و يزعم حسل أنّه فرع قومه # و ما أنت فرع يا حسيل و لا أصل

ولدت بحادي النّجم تسعى بسعيه # كما ولدت بالنّحس ديّانها عكل‏

1728-[استطراد لغوي‏]

و هم يسمّون بحسل و حسيل: و ضبّ و ضبّة. فمنهم ضبّة بن أدّ، و ضبة بن محض، و زيد بن ضبّ. و يقال: حفرة ضب. و في قريش بنو حسل. و من ذلك ضبّة الباب. و يسمّى حلب الناقة بخمس أصابع ضبّا، يقال ضبّها يضبّها ضبّا: إذا حلبها كذلك. و ضبّ الجرح و بضّ: إذا سال دما، مثل ما تقول: جذب و جبذ. و: «إنّه لخبّ [1]القعب: القدح الضخم. الأقط: شي‏ء يتخذ من اللبن المخيض.

[2]يتشوف: يتطلع.

[3]الركاب: الإبل التي يسار عليها.

365

ضبّ» [1]، و: «إنّه لأخدع من ضبّ» [2]. و الضبّ: الحقد إذا تمكّن و سرت عقاربه.

و أخفى مكانه. و الضّبّ: ورم في خفّ البعير. و قال الرّاجز[3]: [من الرجز]

ليس بذي عرك و لا ذي ضبّ‏[4]

و يقال ضبّ خدع، أي مراوغ. و لذلك سموا الخزانة المخدع. و قال راشد بن شهاب‏[5]: [من الطويل‏]

أرقت فلم تخدع بعينيّ نعسة # و و اللّه ما دهري بعشق و لا سقم‏

و قال ذو الرّمّة[6]: [من الطويل‏]

مناسمها خثم صلاب كأنّها # رءوس الضّباب استخرجتها الظهائر[7]

1729-[شعر فيه ذكر الضبّ‏]

و يدلّ على كثرة تصريفهم لهذا الاسم ما أنشدناه أبو الرّدينيّ: [من الرجز]

لا يعقر التقبيل إلا زبّي # و لا يداوي من صميم الحبّ

و الضّبّ في صوّانه مجبّ‏[8]

و أنشدنا أبو الرّدينيّ العكليّ، لطارق و كنيته أبو السّمّال: [من الرجز]

يا أم سمّال أ لمّا تدري # أنّي على مياسري و عسري

يكفيك رفدي رجلا ذا وفر # ضخم المثاليث صغير الأير

إذا تغدّى قال تمري تمري # كأنّه بين الذّرى و الكسر[9]

ضبّ تضحّى بمكان قفر[10]

[1]انظر الحاشية رقم (2) ص 339.

[2]انظر الحاشية رقم (4) ص 339.

[3]الرجز بلا نسبة في اللسان (ضبب، عرك، أمم) ، و التاج (عرك، أمم) .

[4]العرك: أن يحز مرفق البعير جنبه حتى يخلص إلى اللحم و يقطع الجلد بحز الكركرة.

[5]البيت في شرح اختيارات المفضل 1318، و المفضليات 308، و الأساس (خدع) ، و بلا نسبة في الدرر 4/215، و همع الهوامع 2/33.

[6]ديوان ذي الرمة 1036.

[7]في ديوانه: «خثم: عراض. و قوله: كأنها رءوس الضباب استخرجتها الظهائر، يقول: إذا اشتد الحر أخرجت الضباب رءوسها من الحر، و الظهيرة: عند زوال الشمس» .

[8]الصّوّان: الحجارة الصلبة. المجب: من التجبية، و هي الانكباب على الوجه.

[9]الذّرى: ما سترك من الريح الباردة؛ من حائط أو شجر. كسر البيت: جانبه.

[10]تضحى: أكل في وقت الضحى.

366

و قال أعرابيّ: [من الطويل‏]

قد اصطدت يا يقظان ضبّا و لم يكن # ليصطاد ضبّ مثله بالحبائل

يظلّ رعاء الشّاء يرتمضونه # حنيذا و يجنى بعضه للحلائل‏[1]

عظيم الكشى مثل الصّبي إذا عدا # يفوت الضّباب حسله في السّحابل‏[2]

و قال العماني‏[3]: [من الرجز]

إنّي لأرجو من عطايا ربّي # و من وليّ العهد بعد الغبّ

روميّة أولج فيها ضبّي # لها حر مستهدف كالقب‏[4]

مستحصف نعم قراب الزّبّ‏[5]

و قال الآخر: [من الوافر]

إذا اصطلحوا على أمر تولّوا # و في أجوافهم منه ضباب‏[6]

و قال الزّبرقان بن بدر[7]: [من الكامل‏]

و من الموالي ضبّ جندلة # زمر المروءة ناقص الشّبر[8]

فالأول جعل أيره ضبّا، و الثاني جعل الحقد ضبّا.

و قال الخليل بن أحمد، في ظهر البصرة مما يلي قصر أنس‏[9]: [من البسيط]

زر وادي القصر نعم القصر و الوادي # لا بدّ من زورة عن غير ميعاد

ترى به السّفن كالظّلمان واقفة # و الضبّ و النّون و الملاح و الحادي‏

[1]الحنيذ: المشوي. الحلائل: جمع حليلة، و هي الزوجة.

[2]الكشية: شحمة في ظهر الضب. السحابل: جمع سحبل، و هو العريض البطن.

[3]الرجز للعماني في التشبيهات لابن أبي عون 234، و بلا نسبة في المختار من شعر بشار.

[4]المستهدف: العريض المرتفع. القعب: القدح الضخم.

[5]المستحصف: الضيق. القراب: غمد السيف.

[6]الضباب: جمع ضب، و هي هنا بمعنى الحقد.

[7]ديوان الزبرقان 42، و الأضداد للأنباري 48.

[8]زمر المروءة: قليلها. الشّبر: العطاء.

[9]البيتان للخليل بن أحمد في ديوانه 365، و ثمار القلوب (760) ، و رسائل الجاحظ 4/138، و عيون الأخبار 1/217، و الأزمنة و الأمكنة 2/303، و هما لابن أبي عيينة في ديوان المعاني 2/138، و الأنوار و محاسن الأشعار 2/81، و الأغاني 20/91، و معجم الشعراء 110، و انظر المزيد من المصادر في ديوان الخليل بن أحمد؛ و ثمار القلوب.

367

و قال في مثل ذلك ابن أبي عيينة[1]: [من المنسرح‏]

يا جنّة فاتت الجنان فما # يبلغها قيمة و لا ثمن

ألفتها فاتّخذتها وطنا # إنّ فؤادي لأهلها وطن

زوّج حيتانها الضّباب بها # فهذه كنّة و ذا ختن‏[2]

فانظر و فكّر فيما تطيف به # إنّ الأريب المفكّر الفطن‏[3]

من سفن كالنّعام مقبلة # و من نعام كأنّها سفن‏

و قال عقبة بن مكدّم في صفة الفرس‏[4]: [من الخفيف‏]

و لها منخر إذا رفعته # في المجاراة مثل وجر الضّباب‏[5]

و أنشد[6]: [من الرجز]

و أنت لو ذقت الكشى بالأكباد # لما تركت الضّبّ يسعى بالواد[7]

و قال أبو حيّة النّميري‏[8]: [من البسيط]

و قرّبوا كلّ قنعاس قراسية # أبد ليس به ضبّ و لا سرر[9]

و قال كثير[10]: [من الطويل‏] [1]الأبيات لابن أبي عيينة في ديوان المعاني 2/137، و عيون الأخبار 1/217-218، و الأغاني 20/103، و الأزمنة و الأمكنة 2/303، و الأنوار و محاسن الأشعار 2/38، و معجم البلدان 1/437-438 (البصرة) ، و تنسب إلى الخليل بن أحمد في ديوانه 367-368، و ثمار القلوب (761) .

[2]الكنة: امرأة الابن أو الأخ. الختن: أبو امرأة الرجل؛ و أخو امرأته.

[3]تطيف به: تقاربه.

[4]البيت لعقبة بن مكدم في كتاب الخيل لأبي عبيدة ص 155.

[5]الوجر: الجحر.

[6]الرجز في ربيع الأبرار 5/466، و عيون الأخبار 3/211، و المخصص 15/178، 16/112، و اللسان (كشى) ، و الأساس (كشي) ، و الجمهرة 879، و المقاييس 5/183، و المجمل 4/231.

[7]الكشى: جمع كشية، و هي شحمة صفراء في ظهر الضب.

[8]ديوان أبي حية النميري 149.

[9]في ديوانه: «القنعاس: الجمل الضخم. القراسية: الضخم الشديد من الإبل. الأبدّ: الذي في يديه فتل. الضب: ورم يكون في خف البعير أو صدره. السرر: قرح في مؤخرة كركرة البعير يكاد ينقب إلى جوفه» .

[10]ديوان كثير عزة 239، و اللسان (خلا) ، و الأساس (خلو) ، و التاج (حرش، خلا) ، و شرح شواهد الإيضاح 321، و بلا نسبة في اللسان (خدع) ، و المخصص 3/80، 8/97.

368

و محترش ضبّ العداوة منهم # بحلو الرّقى حرش الضّباب الخوادع‏

و قال كثيّر[1]أيضا: [من الوافر]

و ما زالت رقاك تسلّ ضغني # و تخرج من مضائبها ضبابي‏

1730-[شعر في ذم الضب‏]

فأما الذين ذمّوا الضب و أكله، و ضربوا المثل به و بأعضائه و أخلاقه و أعماله، فكما قال التميمي‏[2]: [من الوافر]

لكسرى كان أعقل من تميم # ليالي فرّ من أرض الضّباب

فأنزل أهله ببلاد ريف # و أشجار و أنهار عذاب

و صار بنو بنيه بها ملوكا # و صرنا نحن أمثال الكلاب

فلا رحم الإله صدى تميم # فقد أزرى بنا في كلّ باب‏

و قال أبو نواس‏[3]: [من الطويل‏]

إذا ما تميميّ آتاك مفاخرا # فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ

تفاخر أبناء الملوك سفاهة # و بولك يجري فوق ساقك و الكعب‏

و قال الآخر: [من البسيط]

فحبّذا هم و روّى اللّه أرضهم # من كلّ منهمر الأحشاء ذي برد

و لا سقى اللّه أياما غنيت بها # ببطن فلج على الينسوع فالعقد[4]

مواطن من تميم غير معجبة # أهل الجفاء و عيش البؤس و الصّرد[5]

همّ الكرام كريم الأمر تفعله # و همّ سعد بما تلقي إلى المعد[6]

أصحاب ضبّ و يربوع و حنظلة # و عيشة سكنوا منها على ضمد[7]

[1]ديوان كثير 280، و السمط 62.

[2]الأبيات للفرزدق في رسائل الجاحظ 2/411؛ و ليست في ديوانه، و تقدمت الأبيات في 1/167 منسوبة إلى أبي ذباب السعدي.

[3]ديوان أبي نواس 510.

[4]ورد هذا البيت في معجم البلدان 5/451 (الينسوع) . بطن فلج: طريق من البصرة إلى اليمامة.

الينسوع: موضع في طريق البصرة. العقد: موضع بين البصرة و ضرية.

[5]الصرد: البرد.

[6]المعد: جمع معدة.

[7]حنظلة: إشارة إلى أنهم كانوا يأكلون الحنظل. الضمد: شدة الغيظ.

369

إن يأكلوا الضّبّ باتوا مخصبين به # و زادها الجوع إن باتت و لم تصد

لو أنّ سعدا لها ريف لقد دفعت # عنه كما دفعت عن صالح البلد

من ذا يقارع سعدا عن مفازتها # و من ينافسها في عيشها النّكد

و قال في مثل ذلك عمرو بن الأهتم‏[1]: [من الخفيف‏]

و تركنا عميرهم رهن ضبع # مسلحبّا و رهن طلس الذّئاب‏[2]

نزلوا منزل الضّيافة منا # فقرى القوم غلمة الأعراب‏[3]

و رددناهم إلى حرّتيهم # حيث لا يأكلون غير الضّباب‏[4]

و قالت المرّيّة[5]: [من الكامل‏]

جاءوا بحارشة الضّباب كأنّما # جاءوا ببنت الحارث بن عباد

و قائله هذا الشعر امرأة من بني مرّة بن عباد.

و قال الحارث الكندي‏[6]: [من الوافر]

لعمرك ما إلى حسن أنخنا # و لا جئنا حسينا يا ابن أنس

و لكنّ ضبّ جندلة أتينا # مضبّا في مضابئها يفسّي‏[7]

فلمّا أن أتيناه و قلنا # بحاجتنا تلوّن لون ورس‏[8]

و آض بكفّه يحتكّ ضرسا # يرينا أنّه وجع بضرس

فقلت لصاحبي أبه كزاز # و قلت أسرّه أ تراه يمسي‏[9]

و قمنا هاربين معا جميعا # نحاذر أن نزنّ بقتل نفس‏[10]

و قالت عائشة ابنة عثمان، في أبان بن سعيد بن العاص، حين خطبها، و كان [1]ديوان عمرو بن الأهتم 81.

[2]مسلحب: منبطح؛ أو ممتد. الطلس من الذئاب: ما لونها الطلسة؛ و هي غبرة إلى سواد.

[3]الغلمة: جمع غلام.

[4]حرّتيهم: مثنى حرة، و هي أرض ذات حجارة سوداء نخرات كأنها أحرقت بالنار.

[5]البيت في ثمار القلوب 240 (465) ، و تقدم في 4/436.

[6]الأبيات عدا الأول و الثاني في عيون الأخبار 3/154.

[7]الجندلة: الحجر. المضابئ: المخابئ.

[8]الورس: نبات أصفر ينبت باليمن.

[9]الكزاز: داء يأخذ من شدة البرد.

[10]نزنّ: نتّهم. ـ

370

نزل أيلة و ترك المدينة[1]: [من الطويل‏]

نزلت ببيت الضّبّ لا أنت ضائر # عدوّا و لا مستنفعا أنت نافع‏

و قال جرير[2]: [من الوافر]

وجدنا بيت ضبّة في تميم # كبيت الضّبّ ليس له سواري‏

و قال آخر-و هذا الشعر يقع أيضا في الضّباع كما يقع في الضّباب-: [من الرجز]

يا ضبع الأكهاف ذات الشّعب # و الوثب للعنز و غير الوثب

عيثي و لا تخشين إلاّ سبّي # فلست بالطّبّ و لا ابن الطّبّ‏[3]

إن لم أدع بيتك بيت الضّبّ # يضيق عند ذي القرد المكبّ‏[4]

و قال الفرزدق‏[5]: [من الطويل‏]

لحى اللّه ماء حنبل خير أهله # قفا ضبّة عند الصّفاة مكون‏[6]

فلو علم الحجّاج علمك لم تبع # يمينك ماء مسلما بيمين‏[7]

و أنشد: [من الطويل‏]

زعمت بأنّ الضبّ أعمى و لم يفت # بأعمى و لكن فات و هو بصير

بل الضبّ أعمى يوم يخنس باسته # إليك بصحراء البياض غرير[8]

و قالت امرأة في ولدها و تهجو أباه: [من الرجز]

وهبته من ذي تفال خبّ # يقلب يمينا مثل عين الضّبّ‏[9]

ليس بمعشوق و لا محبّ‏

[1]البيت مع الخبر في البيان 3/300-301.

[2]ديوان جرير 192 (طبعة الصاوي) .

[3]عاثت الضبع: أفسدت.

[4]القرد: ما تمعّط من الوبر و الصوف.

[5]ديوان الفرزدق 881.

[6]المكون: التي جمعت مكنها في بطنها، و المكن: بيضها.

[7]اليمين: القدرة و القوة.

[8]خنس: تأخر. البياض: موضع قرب يبرين، و أرض بنجد.

[9]التفال: البصاق. الخبّ: الخبيث الخدّاع.