الحيوان - ج7

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
485 /
3

الجزء السابع‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

القول في إحساس أجناس الحيوان‏

اللهم إنّا نعوذ بك من الشّيطان الرجيم، و نسألك الهداية إلى صراطك المستقيم، و صلّى اللّه على سيدنا محمد خاصّة و على أنبيائه عامّة. و نعوذ باللّه أن تدعونا المحبّة لإتمام هذا الكتاب إلى أن نصل الصّدق بالكذب و ندخل الباطل في تضاعيف الحق، و أن نتكثّر بقول الزور و نلتمس تقوية ضعفه باللفظ الحسن، و ستر قبحه بالتأليف المونق، أو نستعين على إيضاح الحقّ إلا بالحق، و على الإفصاح بالحجّة إلاّ بالحجة، و نستميل إلى دراسته و اجتبائه‏ (1) ، و نستدعي إلى تفضيله و الإشادة بذكره، بالأشعار المولّدة، و الأحاديث المصنوعة، و الأسانيد المدخولة، بما لا شاهد عليه إلاّ دعوى قائله، و لا مصدّق له إلاّ من لا يوثق بمعرفته. و نعوذ باللّه من فتنة القول و خطله، و من الإسهاب و تقحّم أهله. و الاعتماد فيما بيننا و بين كثير من أهل هذا الزمان على حسن الظنّ، و الاتّكال فيهم على العذر؛ فإنّ كثيرا ممّن يتكلّف قراءة الكتب، و مدارسة العلم، يقفون من جميع الكتب على الكلمة الضعيفة، و اللّفظة السّخيفة، و على موضع من التأليف قد عرض له شي‏ء من استكراه، أو ناله بعض اضطراب، أو كما يعرض في الكتب من سقطات الوهم، و فلتات الضّجر، و من خطأ النّاسخ، و سوء تحفّظ المعارض على معنى لعله لو تدبّره بعقل غير مفسد، و نظر غير مدخول، و تصفّحه و هو محترس من عوارض الحسد، و من عادة التسرّع، و من أخلاق من عسى أن يتّسع في القول بمقدار ضيق صدره، و يرسل لسانه إرسال الجاهل بكنه ما يكون منه. و لو جعل بدل شغله بقليل ما يرى من المذموم شغله بكثير ما يرى من المحمود-كان ذلك أشبه بالأدب المرضيّ و الخيم الصّالح، و أشدّ مشاكلة للحكمة، و أبعد من سلطان الطّيش، و أقرب إلى عادة السّلف و سيرة الأوّلين، و أجدر أن يهب اللّه له السّلامة في كتبه، و الدّفاع عن حجّته يوم مناضلة خصومه و مقارعة أعدائه.

و ليس هذا الكتاب-يرحمك اللّه-في إيجاب الوعد و الوعيد فيعترض عليه

____________

(1) الاجتباء: الاختيار و الاصطفاء.

4

المرجئ، و لا في تفضيل عليّ فينصب له العثمانيّ، و لا هو في تصويب الحكمين، فيتسخّطه الخارجيّ، و لا هو في تقديم الاستطاعة فيعارضه من يخالف التقديم، و لا هو في تثبيت الأعراض فيخالفه صاحب الأجسام، و لا هو في تفضيل البصرة على الكوفة، و مكة على المدينة، و الشّام على الجزيرة. و لا في تفضيل العجم على العرب، و عدنان على قحطان، و عمرو على واصل فيردّ بذلك الهذيلي على النّظامي، و لا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة؛ و لا هو في تفضيل امرئ القيس على النّابغة، و عامر ابن الطفيل على عمرو بن معد يكرب، و عباد بن الحصين على عبيد اللّه بن الحرّ، و لا في تفضيل ابن سريج على الغريض، و لا في تفضيل سيبويه على الكسائيّ، و لا في تفضيل الجعفريّ على العقيليّ، و لا في تفضيل حلم الأحنف على حلم معاوية، و تفضيل قتادة على الزّهري، فإنّ لكلّ صنف من هذه الأصناف شيعة، و لكلّ رجل من هؤلاء الرجال جند، و عددا يخاصمون عنهم. و سفهاؤهم المتسرعون منهم كثير، و علماؤهم قليل، و أنصاف علمائهم أقلّ.

و لا تنكر هذا-حفظك اللّه-أنا رأيت رجلين بالبصرة على باب مويس بن عمران، تنازعا في العنب النّيروزيّ و الرازقيّ، فجرى بينهما اللعين حتى تواثبا، فقطع الكوفيّ إصبع البصريّ، و فقأ البصريّ عين الكوفيّ، ثم لم ألبث إلاّ يسيرا حتى رأيتهما متصافيين متنادمين لم يقعا قطّ على مقدار ما يغضب من مقدار ما يرضي، فكيف يقعان على مقادير طبقات الغضب و الرضا؟!و اللّه المستعان.

و قد ترك هذا الجمهور الأكبر، و السّواد الأعظم، التوقف عند الشبهة، و التثبّت عند الحكومة جانبا، و أضربوا عنه صفحا، فليس إلاّ لا أو نعم. إلاّ أنّ قولهم «لا» موصول منهم بالغضب، و قولهم «نعم» موصول منهم بالرّضا. و قد عزلت الحرّيّة جانبا، و مات ذكر الحلال و الحرام، و رفض ذكر القبيح و الحسن.

قال عمرو بن الحارث: «كنّا نبغض من الرّجال ذا الرياء و النّفخ، و نحن اليوم نتمنّاهما» .

قد كتبنا من كتاب الحيوان ستّة أجزاء، و هذا الكتاب السابع هو الذي ذكرنا فيه الفيل بما حضرنا من جملة القول في شأنه، و في جملة أسبابه، و اللّه الموفق.

و إنما اعتمدنا في هذه الكتب على الإخبار عمّا في أجناس الحيوان من الحجج المتظاهرة، و على الأدلة المترادفة، و على التنبيه على ما جلّلها (1) اللّه تعالى من البرهانات

____________

(1) جللها: كساها.

5

التي لا تعرف حقائقها إلا بالفكرة، و غشّاها من العلامات التي لا تنال منافعها إلا بالعبرة، و كيف فرّق فيها من الحكم العجيبة، و الأحساس الدقيقة، و الصنعة اللطيفة، و ما ألهمها من المعرفة و حشاها (1) من الجبن و الجرأة، و بصّرها بما يقيتها و يعيشها، و أشعرها من الفطنة لما يحاول منها عدوّها، ليكون ذلك سببا للحذر، و يكون حذرها سببا للحراسة، و حراستها سببا للسلامة، حتى تجاوزت في ذلك مقدار حراسة المجرّب من الناس، و الخائف المطلوب من أهل الاستطاعة و الرويّة، كالذي يروى من تحارس الغرانيق و الكراكي، و أشكال من ذلك كثيرة، حتى صار الناس لا يضربون المثل إلا بها، و لا يذمّون و لا يمدحون إلا بما يجدون في أصناف الوحش من الطّير و غير ذلك، فقالوا: أحذر من عقعق، و أحذر من غراب، و أحذر من عصفور، و أسمع من فرخ العقاب، و أسمع من قراد، و أسمع من فرس، و أجبن من صفرد، و أسخى من لافظة، و أصنع من تنوّط، و أصنع من سرفة، و أصنع من دبر، و أهدى من قطاة، و أهدى من حمام، و أهدى من جمل، و أزهى من غراب، و أزهى من ذباب، و أجرأ من اللّيث، و أكسب من الذّئب، و أخدع من ضبّ، و أروغ من ثعلب، و أعقّ من ضبّ، و أبرّ من هرّة، و أسرع من سمع، و أظلم من حيّة، و أظلم من ورل، و أكذب من فاختة، و أصدق من قطاة، و أموق من رخمة، و أحزم من فرخ العقاب.

و نبّهنا تعالى و عزّ على هذه المناسبة، و على هذه المشاركة، و امتحن ما عندنا بتقديمها علينا في بعض الأمور، و تقديمنا عليها في أكثر الأمور و أراد بذلك ألاّ يخلينا من حجة، و من النّظر إلى عبرة، و إلى ما يعود عند الفكرة موعظة. و كما كره لنا من السهو و الإغفال، و من البطالة و الإهمال، في كلّ أحوالنا لا تفتح أبصارنا إلا و هي واقعة على ضرب من الدلالة، و على شكل من أشكال البرهانات، و جعل ظاهر ما فيها من الآيات داعيا إلى التفكير فيها، و جعل ما استخزنها من أصناف الأعاجيب يعرف بالتكشيف عنها، فمنها ظاهر يدعوك إلى نفسه، و يشير إلى ما فيه، و منها باطن يزيدك بالأمور ثقة إذا أفضيت إلى حقيقته، لتعلم أنّك مع فضيلة عقلك، و تصرّف استطاعتك إذا ظهر عجزك عن عمل ما هو أعجز منك-أنّ الذي فضّلك عليه بالاستطاعة و المنطق، هو الذي فضّله عليك بضروب أخر، و أنكما ميسّران لما خلقتما له، و مصرّفان لما سخّرتما له، و أن الذي يعجز عن صنعة السّرفة، و عن تدبير العنكبوت في قلتهما و مهانتهما و ضعفهما و صغر جرمهما، لا ينبغي أن يتكبّر في الأرض و لا يمشي الخيلاء، و لا يتهكّم في القول، و لا يتألّى و لا يستأمر. و ليعلم أنّ

____________

(1) حشاها: ملأها.

6

عقله منيحة من ربه، و أن استطاعته عاريّة عنده، و أنه إنما يستبقي النّعمة بإدامة الشّكر، و التعرّض لسلبها بإضاعة الشكر.

ثم حبّب إليها طلب الذّرء و السّفاد الذي يكون مجلبة للذرء (1) ، و حبّب إليها أولادها و نجلها و ذرءها و نسلها، حتى قالوا: أكرم الإبل أشدّها حنينا، و أكرم الصّفايا أشدّها حبّا لأولادها. و زاوج بين أكثرها و جعل تألّفها مع بعضها من الطّروقة (2) إذا لم يكن الزّواج لها خلقا، و جعل إلف العرس لها عادة، و قوّاها على المسافدة، لتتمّ النعمة، و تعظم المنة، و ألهمها المبالغة في التربية، و حسن التعبّد، و شدّة التفقّد، و سوّى في ذلك بين الجنس الذي يلقّم أولاده تلقيما، و بين الذي يرضعها إرضاعا، و بين الذي يزقّها زقّا، و بين ما يحضن و ما لا يحضن. و منها ما أخرجها من أرحام البيض و أرحام البطون كاسية، و منها ما أخرجها كاسية كاسبة، و أمتعها و ألذّها، و جعلها نعمة على عباده، و امتحانا لشكرهم، و زيادة في معرفتهم، و جلاء لما يتراكم من الجهل على قلوبهم. فليس لهذا الكتاب ضدّ من جميع من يشهد الشهادة، و يصلّي إلى القبلة، و يأكل الذّبيحة و لا ضدّ من جميع الملحدين ممّن لا يقرّ بالبعث، و ينتحل الشرائع و إن ألحد في ذلك و زاد و نقص، إلا الدّهري، فإن الذي ينفي الربوبيّة، و يحيل الأمر و النّهي، و ينكر جواز الرّسالة، و يجعل الطّينة قديمة، و يجحد الثواب و العقاب، و لا يعرف الحلال و الحرام، و لا يقرّ بأن في جميع العالم برهانا يدلّ على صانع و مصنوع، و خالق و مخلوق، و يجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره، و لا يفصل بين الحديث و القديم، و بين المحسن و المسي‏ء، و لا يستطيع الزيادة في حركته، و لا النّقصان من دورانه، و لا معاقبة للسّكون بالحركة، و لا الوقوف طرفة عين، و لا الانحراف عن الجهة-هو الذي يكون به جميع الإبرام و النّقض، و دقيق الأمور و جليلها، و هذه الحكم العجيبة، و التدابير المتقنة، و التأليف البديع، و التّركيب الحكيم، على حساب معلوم، و نسق معروف، على غاية من دقائق الحكمة و إحكام الصّنعة.

و لا ينبغي لهذا الدهريّ أيضا أن يعرض لكتابنا هذا و إن دلّ على خلاف مذهبه، و دعا إلى خلاف اعتقاده، لأن الدّهريّ ليس يرى أنّ في الأرض دينا أو نحلة أو شريعة أو ملة، و لا يرى للحلال حرمة و لا يعرفه و لا للحرام نهاية و لا يعرفه، و لا يتوقّع العقاب على الإساءة، و لا يترجّى الثواب على الإحسان. و إنما الصواب عنده و الحقّ في حكمه،

____________

(1) الذرء: النسل.

(2) الطروقة: الأنثى التي بلغت الضراب.

7

أنه و البهيمة سيّان، و أنه و السّبع سيّان، ليس القبيح عنده إلاّ ما خالف هواه و ليس الحسن عنده إلاّ ما وافق هواه، و أن مدار الأمر على الإخفاق و الدّرك، و على اللذّة و الألم، و إنما الصواب فيما نال من المنفعة، و إن قتل ألف إنسان صالح لمنالة درهم ردي‏ء. فهذا الدهريّ لا يخاف إن ترك الطّعن على جميع الكتب عقابا و لا لائمة، و لا عذابا دائما و لا منقطعا و لا يرجو إن ذمّها و نصب لها ثوابا في عاجل و لا آجل.

فالواجب أن يسلم هذا الكتاب على جميع البريّة، إذا كان موضعه على هذه الصّفة، و مجراه إلى هذه الغاية. و اللّه تعالى الكافي الموفّق بلطفه و تأييده، إنه سميع قريب، فعال لما يريد.

1992-[رجع القول إلى الإخبار عن الحيوان‏]

ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الحيوان، بأيّ شي‏ء تفاضلت و بأيّ شي‏ء خصّت، و بما ذا أبينت. و قد عرفنا ما أعطيت في الشّمّ و الاسترواح. قال الرّاجز (1)

و ذكر الذئب: [من الرجز]

يستخبر الرّيح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصّفا الموقّع‏ (2)

1993-[الشم عند الحيوان‏]

و قد عرفنا كيف شمّ السّنانير و السّباع و الذئاب. و أعجب من ذلك وجدان الذّرّة لرائحة شي‏ء لو وضعته على أنفك لما وجدت له رائحة، كرجل جرادة يابسة منبوذة، كيف تجد رائحتها من جوف جحرها حتى تخرج إليها، فإذا تكلّفت حملها فأعجزتها كيف تستدعي إليها سائر الذّرّ، و تستعين بكلّ ما كان منها في الجحر (3) .

و نحو شمّ الفرس رائحة الحجر من مسيرة ميل. و الفرس يسير قدما و الحجر خلفه بذلك المقدار، من غير تلفّت و لا معاينة من جهة من الجهات. و هذا كثير، و قد ذكرناه في غير هذا الموضع‏ (4) .

1994-[السمع عند الحيوان‏]

فأمّا السّمع فدعنا من قولهم: «أسمع من فرس» (5) ، : «أسمع من فرخ

____________

(1) الرجز لأبي الرديني العكلي، كما تقدم في 1/29، الفقرة (15) .

(2) الموقع: المحدد.

(3) ربيع الأبرار 5/482، و ما تقدم في 4/456، الفقرة (1208) .

(4) انظر ما تقدم في 2/326، الفقرة (350) ، 4/456، الفقرة (1208) .

(5) الدرة الفاخرة 1/218، و مجمع الأمثال 2/349، و أمثال ابن سلام 360.

8

العقاب» (1) و أسمع من كذا، و أسمع من كذا. و لكنّا نقصد إلى الصّغير الحقير في اسمه و خطره؛ و القليل في جسمه و في قدره.

و تقول العرب: «أسمع من قراد» (2) ، و يستدلون بالقردان التي تكون حول الماء و البئر. فإذا كان ليلة ورود القرب‏ (3) ، و قد بعث القوم من يصلح لإبلهم الأرشية و أداة السقي، و باتت الرجال عند الماء تنتظر مجي‏ء الإبل، فإنها تعرف قربها منهم في جوف الليل بانتفاش القردان و سرعة حركتها و خشخشتها، و مرورها نحو الرعاء، و زجر الرعاء، و وقع الأخفاف على الأرض، من غير أن يحسّ أولئك الرجال حسّا أو يشعروا بشي‏ء من أمرها. فإذا استدلوا بذلك من القردان نهضوا فتلبّبوا و اتزروا (4) و تهيئوا للعمل.

1995-[البصر عند الحيوان‏]

فأمّا إدراك البصر فقد قالوا: «أبصر من غراب» (5) و: «أبصر من فرس» (6) ؛ و:

«أبصر من هدهد» (7) و: «أبصر من عقاب» (8) .

و السّنانير و الفأر و الجرذان و السّباع تبصر بالليل كما تبصر بالنهار؛ فأمّا الطّعم فيظن أنها بفرط الشّره و الشّهوة و بفرط الاستمراء و بفرط الحرص و النّهم، أن لذتها تكون على قدر شرهها و شهوتها، تكون على قدر ما ترى من حركتها، و ظاهر حرصها.

1996-[لذة الحيوان و شهوته‏]

و نحن قد نرى الحمار إذا عاين الأتان، و الفرس إذا عاين الحجر و الرمكة، و البغل و البغلة، و التيس و العنز فنظن أن اللذة على قدر الشهوة، و الشهوة على قدر الحركة، و أن الصّياح على قدر غلبة الإرادة.

____________

(1) مجمع الأمثال 1/355.

(2) مجمع الأمثال 1/349، و جمهرة الأمثال 1/531، و فصل المقال 492، و المستقصى 1/173.

(3) القرب: أن يسيم القوم إبلهم و هم في ذلك يسيرون نحو الماء، فإذا بقيت بينهم و بين الماء عشية عجلوا نحوه؛ فتلك الليلة ليلة القرب.

(4) التلبب: التخرم بالثوب عند الصدر. و الاتزار: لبس الإزار.

(5) مجمع الأمثال 1/115، و جمهرة الأمثال 1/240.

(6) جمهرة الأمثال 1/239، و المستقصى 1/22.

(7) جمهرة الأمثال 1/240.

(8) مجمع الأمثال 1/115، و المستقصى 1/21.

9

و نجد الرجال إذا اعتراهم ذلك لا يكونون كذلك إلاّ في الوقت الذي هم فيه أشدّ غلمة و أفرط شهوة.

فإن قال قائل: إن الإنسان يغشى النّساء في كلّ حال من الفصلين و الصّميمين‏ (1) ، و إنما هيج السّباع و البهائم في أيام من السنة ثم يسكن هيج التّيس و الجمل. فالإنسان المداوم أحسن حالا.

قلنا: إنّا لم نكن في ذكر المخايرة بين نصيب الإنسان في ذلك مجموعا و مفرّقا، و بين نصيب كلّ جنس من هذه الأجناس مجموعا و مفرّقا، و إنما ذكرنا نفس المخالطة فقط. و ما يدريكم أيضا لعلها أن تستوفي في هذه الأيّام اليسيرة أضعاف ما يأتي الإنسان في تلك الأيّام الكثيرة.

و على أنّا قد نرى ممّا يعتري الحمار و الفرس و البغل و ضروبا كثيرة إذا عاينوا الإناث في غير أيام الهيج. و هاهنا أصناف تديم ذلك كما يديمه الإنسان، مثل الحمام و الدّيكة و غير ذلك.

و قد علمنا أنّ السّنانير و أشباه السنانير لها وقت هيج، و لكنّ ذلك يكون مرارا في السّنة على أشدّ من هيج الإنسان، فليس الأمر على ما يظنّون.

فإن كان الإنسان موضع ذهنه من قلبه أو دماغه يكون أدقّ و أرقّ و أنفذ، و أبصر، فإنّ حواسّ هذه الأشكال أدقّ و أرقّ و أبصر و أنفذ. و إن كان الإنسان يبلغ بالرويّة و التصفّح، و التحصيل و التمثيل ما لا يبلغه شي‏ء من السّباع و البهائم، فإنّ لها أمورا تدركها، و صنعة تحذقها تبلغ منها بالطبائع سهوا و هويّا ما لا يبلغ الإنسان في ما هو بسبيله إلا أن يكره نفسه على التفكير، و على إدامة التنقير و التكشيف و المقاييس فهو يستثقله.

و لكلّ شي‏ء ضرب من الفضيلة و شكل من الأمور المحمودة، لينفي تعالى و عز عن الإنسان العجب، و يقبّح عنده البطر، و يعرّفه أقدار القسم.

و سنذكر من فطن البهائم و إحساس الوحش و ضروب الطير أمورا تعرفون بها كثرة ما أودعها اللّه تعالى من المعارف، و سخّر لها من الصنعة، ثم لا نذكر من ذلك في هذا الموضع إلاّ كلّ طائر منسوب إلى الموق، و إلاّ كلّ بهيمة معروفة بالغثاثة، بعدّة ما فيه أشكالها من المعرفة و الفطنة. و لو أردنا الأجناس المعروفة بالمعارف

____________

(1) الصميمان: الصيف و الشتاء في أشد حالاتهما.

10

الكثيرة، و الأحساس اللّطيفة، لذكرنا الفيل و البعير، و الذّرة و النملة، و الذئب، و الثعلب، و الغرنوق، و النحلة، و العنكبوت، و الحمام، و الكلب.

و سنذكر على اسم اللّه تعالى بعض ما في البهائم و السّباع و الطير من المعرفة، ثم نخصّ في هذا الكتاب المنسوبات إلى الموق، و المعروفات بالغباوة و قلة المعرفة، كالرّخمة و الزنبور، و الرّبع من أولاد الإبل، و النّسر من عظام الطير.

1997-[معنى الرحمة في بيت للكميت‏]

و قال المفضّل الضبيّ: قلت لمحمد بن سهل راوية الكميت: ما معنى قول الكميت‏ (1) في الرّخمة: [من الوافر]

ذات اسمين و الألوان شتّى # تحمّق و هي كيّسة الحويل‏ (2)

لها خبّ تلوذ به و ليست # بضائعة الجنين و لا مذول‏ (3)

قال‏ (4) : كأنّ معناه عندي حفظ فراخها، أو موضع بيضها، و طلب طعمها، و اختيارها من المساكن ما لا يطوره‏ (5) سبع طائر و لا ذو أربع. قال: فقلت: فأيّ كيس عند الرّخمة إلاّ ما ذكرت، و نحن لا نعرف طائرا ألأم لؤما و لا أقذر طعمة، و لا أظهر موقا منها، حتى صارت في ذلك مثلا؟!فقال محمد بن سهل: «و ما حمقها و هي تحضن بيضها، و تحمي فراخها، و تحبّ ولدها، و لا تمكّن إلاّ زوجها، و تقطع في أوّل القواطع و ترجع في أوّل الرواجع، [و لا تطير في التحسير، و لا تغترّ بالشكير، و لا تربّ‏ (6) بالوكور و لا تسقط على الجفير» .

أمّا قوله: «تقطع في أول القواطع و ترجع في أوّل الرواجع» ] (7) فإنّ الرّماة و أصحاب الحبائل و القنّاص إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أنّ القواطع قد قطعت، فبقطع الرّخمة يستدلّون. فلا بدّ للرّخمة من أن تنجو سالمة إذا كانت أوّل طالع عليهم.

____________

(1) ديوان الكميت 2/54، و الأول في اللسان و التاج (أنق، حول) ، و المقاييس 2/121، 501، و التهذيب 9/324.

(2) الحويل: من حاولت الشي‏ء إذا أردته.

(3) المذول من المذل؛ و هو الضجر و القلق.

(4) نهاية الأرب 10/208، حيث نقل عن الحيوان.

(5) يطوره: يدنون منه.

(6) أربّ بالمكان: أقام به فلم يبرحه.

(7) إضافة من نهاية الأرب 10/208.

11

و أمّا قوله: «و لا تربّ بالوكور» فإنّه يقول: الوكر لا يكون إلا في عرض الجبل، و هي لا ترضى إلا بأعالي الهضاب، ثم مواضع الصّدوع و خلال الصخور، و حيث يمتنع على جميع الخلق المصير إلى فراخها. و لذلك قال الكميت‏ (1) : [من الطويل‏]

و لا تجعلوني في رجائي ودّكم # كراج على بيض الأنوق احتبالها (2)

و الأنوق هي الرّخمة. و قال ابن نوفل‏ (3) : [من الوافر]

و أنت كساقط بين الحشايا # يصير إلى الخبيث من المصير

و مثل نعامة تدعى بعيرا # تعاظمها إذا ما قيل طيري

و إن قيل احملي قالت فإنّي # من الطّير المربّة في الوكور

و أما قوله: «[و لا تطير في التّحسير] (4) ، و لا تغترّ بالشّكير» فإنها تدع الطيران أيام التحسير، فإذا نبت الشّكير-و هو أول ما ينبت من الريش-فإنها لا تنهض حتى يصير الشكير قصبا. و أمّا قوله: «و لا تسقط على الجفير» ، فإنما يعني جعبة السّهام، يقول: إذا رأته علمت أنّ هناك سهما، فهي لا تسقط في موضع تخاف فيه وقع السّهام.

1998-[اتباع الرخم و النسور و العقبان للجيوش‏]

و الرّخم و النّسور و العقبان تتبع الجيوش لتوقع القتال و ما يكون لها من الجيف، و تتبع أيضا الجيوش و الحجّاج لما يسقط من كسير (5) الدّواب، و تتبعها أيضا في الأزمنة التي تكون فيها الأنعام و الحجور حوامل، لما تؤمّل من الإجهاض و الإخداج.

قال النابغة (6) : [من الطويل‏]

وثقت له بالنّصر إذ قيل قد غدت # كتائب من غسّان غير أشائب

بنو عمّه دنيا و عمرو بن عامر # أولئك قوم بأسهم غير كاذب‏

____________

(1) ديوان الكميت 2/81، و المقاييس 2/131، و المعاني الكبير 291. و نهاية الأرب 10/208.

(2) الاحتبال: أخذ الصيد بالحبالة، و هي المصيدة.

(3) الأبيات في البيان 2/267، و تقدمت في 4/417، الفقرة (1168) و انظر البيان 3/205، و ما تقدم في 2/392، الفقرة (454) ، 6/523، الفقرة (1897) .

(4) إضافة من نهاية الأرب 10/208.

(5) الكسير: المكسور.

(6) ديوان النابغة الذبياني 42-43، و تقدمت الأبيات مع تخريج واف و شرح مفصل في 6/483، 484 الفقرة (1847) .

12

إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم # عصائب طير تهتدي بعصائب

جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله # إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب

تراهنّ خلف القوم خزرا عيونها # جلوس شيوخ في مسوك الأرانب‏

فأخذ هذا المعنى حميد بن ثور الهلالي فقال‏ (1) : [من الطويل‏]

إذا ما غزا يوما رأيت عصابة # من الطّير ينظرن الذي هو صانع‏

و قال آخر (2) : [من البسيط]

يكسو السيوف نفوس النّاكثين به # و يجعل الرّوس تيجان القنا الذبل

قد عوّد الطّير عادات وثقن بها # فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل‏

فقال الكميت كما ترى‏ (3) : [من الوافر]

تحمّق و هي كيّسة الحويل‏

فزعم أن النّاس يحمقونها و هي كيّسة.

1999-[قول بعض الأعراب في أكل الرأس‏]

و قال بعض أصحابنا (4) : قيل لأعرابيّ: أ تحسن أن تأكل الرّأس؟قال: نعم.

قيل: و كيف تصنع به؟قال: «أبخص‏ (5) عينيه، و أسحى‏ (6) خدّيه، و أعفص‏ (7) أذنيه، و أفكّ لحييه، و أرمي بالمخّ إلى من هو أحوج منّي إليه» . قيل له: إنك لأحمق من ربع. قال: «و ما حمق الرّبع؟!و اللّه إنه ليجتنب العدواء (8) و يتبع أمّه في المرعى، و يراوح بين الأطباء، و يعلم أن حنينها رغاء، فأين حمقه» .

2000-[قتل المكاء للثعبان‏]

و حدث ابن الأعرابيّ عن هشام بن سالم، و كان هشام من رهط ذي الرّمّة،

____________

(1) ديوان حميد بن ثور 106، و تقدم مع تخريجه في 6/484، الفقرة (1847) .

(2) البيتان لمسلم بن الوليد كما تقدم في 6/485، الفقرة (1847) . و هما في ديوانه 11-12.

(3) انظر تتمة البيت و تخريجه ص 10 من هذا الجزء.

(4) انظر الخبر في اللسان 7/55 (عفص) .

(5) بخص عينه: قلعها مع شحمتها.

(6) سحى: قشر.

(7) العفص: الثني و العطف.

(8) العدواء: يقال فرس ذو عدواء إذا لم يكن ذا طمأنينة و سهولة.

13

قال‏ (1) : أكلت حيّة بيض مكّاء (2) فجعل المكّاء يشرشر على رأسها و يدنو منها، حتى إذا فتحت فاها تريده و همّت به ألقى فيه حسكة، فلم يزل يلقي فيه حسكة بعد حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت.

و أنشد ابن الأعرابيّ عند هذا الحديث قول الشاعر: [من الطويل‏]

كأنّ لكلّ عند كلّ سخيمة # يريد بتخريق الأديم استلالها

و أنشد أبو عمرو الشيباني بيت شعر، و هو هذا المعنى بعينه، و هو قول الأسديّ الدّبيريّ: [من البسيط]

إن كنت أبصرتني فذّا و مصطلما # فربّما قتل المكّاء ثعبانا

يقول: قد يظفر القليل بالكثير. و القليل الأعوان بالكثير الأعوان؛ و المكّاء من أصغر الطير و أضعفه، و قد احتال للثّعبان حتّى قتله.

2001-[قول جالينوس في معرفة أنثى الطير]

و قال جالينوس في الإخبار عن معارف البهائم و الطير، و في التعجّب من ذلك و تعجب الناس منه: قولوا لي: من علّم النسر الأنثى إذا خافت على بيضها و فراخها الخفافيش أن تفرش ذلك الوكر بورق الدّلب‏ (3) حتى لا تقربه الخفافيش. و هذا أعجب، و الأطباء و العلماء لا يتدافعونه، و النّسور هي المنسوبة إلى قلّة المعرفة و الكيس و الفطنة.

2002-[حزم فرخ العقاب‏] (4)

و قال ابن الأعرابيّ و أبو الحسن المدائني: قال رجل من الأعراب: «كان سنان بن أبي حارثة أحزم من فرخ العقاب» . و ذلك أنّ جوارح الطير تتخذ أوكارها في عرض الجبال، فربّما كان الجبل عمودا، فلو تحرّك الفرخ إذا طلب الطعم و قد أقبل إليه أبواه أو أحدهما و زاد في حركته شيئا من موضع مجثمه لهوى من رأس الجبل إلى الحضيض، و هو يعرف مع صغره و ضعفه و قلّة تجربته، أنّ الصواب في ترك الحركة.

____________

(1) الخبر في ربيع الأبرار 5/447.

(2) المكاء: طائر مثل القنبرة، سمي بذلك لأنه يمكو؛ أي يصفر.

(3) الدلب: جنس شجر للتزيين، و هو من الزهريات يحب الماء. و ذكر القدماء أن الدلب لا نور له و لا ثمر، و أنه من نباتات الصحراء. معجم الألفاظ الزراعية 521.

(4) انظر هذه الفقرة في ثمار القلوب (666) ، و مجمع الأمثال 1/220-221، و التمثيل و المحاضرة 365.

14

2003-[اختلاف عادات صغار الحيوان‏]

و لو وضع في أوكار الوحشيّات فرخ من فراخ الأهليّات لتهافتن تهافتا كفراخ القطا و الحجل و القبج و الدّرّاج و الدّجاج؛ لأنّ هذه تدرج على البسيط (1) ، و ذلك لها عادة، و فراخ الوحشيّة لا تجاوز الأوكار؛ لأنها تعرف و تعلم أنّ الهلكة في المجاوزة.

و أولاد الملاّحين الذين ولدوا في السفن الكبار، و المنشآت‏ (2) العظام لا يخاف الآباء و الأمّهات عليهم إذا درجوا و مشوا أن يقعوا في الماء. و لو أن أولاد سكان القصور و الدّور صاروا مكان أولاد أرباب السفن لتهافتوا. و لكلّ شي‏ء قدر، و له موضع و زمان و جهة و عادة.

فإذا استوى قصب ريش فرخ العقاب، و أحسّ بالقوة طار.

و أبوا فرخ الخطّاف يعلّمانه الطيران تعليما.

2004-[الختان عند اليهود و المسلمين و النصارى‏]

و زعم ناس من أطبّاء النصارى و هم أعداء اليهود، أن اليهود يختنون أولادهم في اليوم الثّامن، و أن ذلك يقع، و يوافق أن يكون في الصّميمين‏ (3) ، كما يوافق الفصلين، و أنّهم لم يروا قطّ يهوديّا أصابه مكروه من قبل الختان، و أنهم قد رأوا من أولاد المسلمين و النصارى ما لا يحصى ممّن لقي المكروه في ختانه إذا كان ذلك في الصّميمين من ريح الحمرة (4) ، و من قطع طرف الكمرة، و من أن تكون الموسى حديثة العهد بالإحداد و سقي الماء، فتشيط (5) عند ذلك الكمرة و يعتريها برص.

و الصبيّ ابن ثمانية أيام أعسر ختانا من الغلام الذي قد شبّ و شدن و قوي؛ إلاّ أنّ ذلك البرص لا يتفشى و لا يعدو مكانه، و هو في ذلك كنحو البرص الذي يكون من الكيّ و إحراق النار، فإنهما يفحشان و لا يتسعان.

2005-[ختان أولاد السفلة و أولاد الملوك و أشباههم‏]

و يختن من أولاد السّفلة و الفقراء الجماعة الكثيرة فيؤمن عليهم خطأ الخاتن، و ذلك غير مأمون على أولاد الملوك و أشباه الملوك، لفرط الاجتهاد، و شدّة الاحتياط،

____________

(1) تدرج: تمشي. البسيط: المنبسط من الأرض.

(2) المنشآت: السفن المرفوعة الشرع.

(3) الصميمان: الصيف و الشتاء في أشد حالاتهما.

(4) الحمرة: جنس من الطواعين، يعتري الناس فيحمر موضعها.

(5) شاط: هلك و احترق.

15

و مع ذلك يزمع، و مع الزّمع‏ (1) و الرّعدة يقع الخطأ، و على قدر رعدة اليد ينال القلب من الاضطراب على حسب ذلك.

و ليس من التدبير أن يحضر الصبيّ و الخاتن إلاّ سفلة الخدم، و لا يحضره من يهاب.

2006-[قدم ختان العرب‏]

و هذا الختان في العرب في النّساء و الرجال من لدن إبراهيم و هاجر إلى يومنا هذا (2) . ثم لم يولد صبيّ مختون قط؛ أو في صورة مختون.

2007-[ختان الأنبياء]

و ناس يزعمون أن النبي صلى الله عليه و سلم و عيسى بن مريم ولدا مختونين. و السّبيل في مثل هذا الرّجوع إلى الرواية الصحيحة، و الأثر القائم‏ (3) .

2008-[أثر الختان في اللذة]

قال‏ (4) : و البظراء تجد من اللذة ما لا تجده المختونة، فإن كانت مستأصلة مستوعبة كان على قدر ذلك. و أصل ختان النساء لم يحاول به الحسن دون التماس نقصان الشهوة، فيكون العفاف عليهنّ مقصورا.

قال: و لذلك قال النبي صلى اللّه عليه و سلم للخاتنة (5) : «يا أم عطيّة أشميه و لا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، و أحظى عند البعل» (6) . كأنه أراد صلّى اللّه عليه و سلم أن ينقص من شهوتها بقدر ما يردّها إلى الاعتدال؛ فإن شهوتها إذا قلّت ذهب التمتّع، و نقص حبّ الأزواج، و حبّ الزّوج قيد دون الفجور. و المرأة لا تكون في حال من حالات الجماع أشدّ شهوة منها للكوم الذي لقحت منه.

____________

(1) الزمع: رعدة تعتري الإنسان إذا همّ بأمر.

(2) انظر روضة المحبين 229.

(3) في النهاية 2/359 (سرر) ، 3/196 (عذر) : «ولد رسول اللّه صلى الله عليه و سلم معذورا مسرورا، أي مختونا مقطوع السرة»

(4) ثمار القلوب (470) .

(5) الخاتنة: هي أم عطية؛ نسيبة بنت الحارث الأنصارية، و الحديث في الإصابة 8/259؛ رقم 1409، و النهاية 2/503، 5/137. و أخرجه أبو داود في الأدب 4/368، و الحديث في البيان و التبيين 2/21، و ثمار القلوب (470) .

(6) الإشمام: القطع اليسير. النهك: المبالغة فيه. أسرى: أجلى.

16

و قد كان رجل من كبار الأشراف عندنا يقول للخاتنة: لا تقرضي إلاّ ما يظهر فقط.

2009-[أثر الختان في العفاف و الفجور]

و زعم جناب بن الخشخاش القاضي، أنه أحصى في قرية واحدة النساء المختونات و المعبرات‏ (1) ، فوجد أكثر العفائف مستوعبات و أكثر الفواجر معبرات.

و أن نساء الهند و الروم و فارس إنما صار الزنا و طلب الرّجال فيهنّ أعم، لأنّ شهوتهنّ للرجال أكثر، و لذلك اتخذ الهند دورا للزّواني، قالوا: و ليس لذلك علّة إلاّ و فارة البظر و القلفة (2) .

و الهند توافق العرب في كلّ شي‏ء إلاّ في ختان النّساء و الرجال. و دعاهم إلى ذلك تعمّقهم في توفير حظ الباه. قالوا: و لذلك اتخذوا الأدوية، و كتبوا في صناعة الباه كتبا و درسوها الأولاد.

2010-[ما يدعو إلى السّحق‏]

قالوا: و من أكبر ما يدعو النساء إلى السحق أنهنّ إذا ألصقن موضع محزّ الختان وجدن هناك لذّة عجيبة، و كلما كان ذلك منها أوفر كان السّحق ألذّ. قال: و لذلك صار حذّاق الرّجال يضعون أطراف الكمر و يعتمدون بها على محزّ الختان، لأنّ هناك مجتمع الشهوة.

2011-[ظمأ الأيّل إذا أكل الحيات‏]

و من هذا الباب الذي ذكرنا فيه صدق إحساس الحيوان؛ ثم اللاتي يضاف منها إلى الموق و ينسب إلى الغثارة (3) . قال داود النبي عليه السلام في الزبور (4) : «شوقي إلى المسيح مثل الأيّل إذا أكل الحيّات» .

و الأيّل إذا أكل الحيّات فاعتراه العطش الشديد تراه كيف يدور حول الماء و يحجزه من الشرب منه علمه بأنّ ذلك عطبه، لأن السموم حينئذ تجري مع هذا

____________

(1) المعبرة: التي لم تخفض.

(2) في ثمار القلوب (470) حيث ينقل عن الجاحظ: «و من إحدى علل حبهن للزنا و فارة البظر و القلفة» .

(3) الموق و الغثارة: الحمق.

(4) المزامير 42: 1، و انظر ربيع الأبرار 5/426.

17

الماء، و تدخل مداخل لم يكن ليبلغها الطّعام بنفسه. و ليس علم الأيّل بهذا كان عن تجربة متقدمة، بل هذا يوجد في أوّل ما يأكل الحيّات و في آخره.

2012-[تعلّق رءوس الحيات في بدن الأيّل‏]

و ربما اصطيد الأيّل فيجد القنّاص رءوس الأفاعي و سائر الحيات ناشبة الأسنان في عنقه و جلد وجهه، لأنه يريد أكلها فرّبما بدرته الأفعى و الأسود و غيرهما من الحيات فتعضّه، و هو يأكلها و يأكل ما ينال منها و يفوته ما تعلق به منها بالعضّ، فتبقى الرّءوس مع الأعناق معلّقة عليه إلى أن تنقطع.

2013-[اختفاء الوعل حين نصول قرنه‏]

قالوا (1) : و ليس شي‏ء من ذوات القرون ينصل‏ (2) قرنه في كلّ عام إلا الوعل، فإذا علم أنّه غير ذي قرن، و أنه عديم السلاح، لم يظهر من مخافة السباع. فإذا طال مكثه في موضعه سمن، فإذا سمن علم أن حركته تفقد و تبطئ، فزاد ذلك في استخفائه و قلّة تعرّضه، و احتال بألاّ يكون أبدا على علاوة الريح، فإذا نجم قرنه‏ (3) لم يجد بدّا من أن يمظّعه‏ (4) و يعرّضه للشمس و الريح، حتى إذا أيقن أنه قد اشتد أكثر المجي‏ء و الذهاب التماسا أن يذهب شحمه، و يشتد لحمه، و عند ذلك يحتال في البعد من السّباع، حتى إذا أمكنه استعمال قرنيه في النزال و الاعتماد عليهما، و الوثوب من جهتهما، رجع إلى حاله من مراعيه و عاداته. و لذلك قال عصام بن زفر (5) : [من الرجز]

ترجو الثّواب من صبيح يا حمل # قد مصّه الدهر فما فيه بلل

إن صبيحا ظاعن فمحتمل # فلائذ منك بشعب من جبل

كما يلوذ من أعاديه الوعل‏

فضرب به المثل كما ترى في الاحتيال و الهرب من أعدائه: و قال الراجز (6) :

لما رأيت البرق قد تبسّما # و أخرج القطر القروع الأعصما

____________

(1) ربيع الأبرار 5/426.

(2) ينصل: يسقط.

(3) نجم قرنه: ظهر.

(4) يمظعه: يعرضه للشمس.

(5) الرجز في ربيع الأبرار 5/426.

(6) الرجز بلا نسبة في كتاب الجيم 3/103.

18

قال ابن الأعرابيّ: إنما سمّوا الوعل القروع لأنه يقرع عجب ذنبه من الناحيتين جميعا.

2014-[بيوت الزنابير]

و قال ابن الكلبي: قال الشرقي بن القطامي ذات يوم: أ رأيتم لو فكّر رجل منكم عمره الأطول في أن يتعرّف الشي‏ء الذي تتّخذ الزنابير بيوتها المخرّقة بمثل المجاوب‏ (1) ، المستوية في الأقدار، المتحاجزة بالحيطان، السخيفة في المنظر، الخفيفة في المحمل، المستديرة المضمر بعضها ببعض، المتقاربة الأجزاء. و هي البيوت التي تعلم أنها بنيت من جوهر واحد و كأنها من ورق أطباق صغار الكاغذ المزرّرة. قولوا لي: كيف جمعته؟و من أي شي‏ء أخذته، و هو لا يشبه البناء و لا النّسج و لا الخياطة.

و لم يفسر ابن الكلبيّ و الشرقيّ في ذلك شيئا، فلم يصر في أيدينا منهما إلا التعجّب و التعجيب. فسألت بعد ذلك مشايخ الأكرة فزعموا (2) أنها تلتقطه من زبد المدود (3) . فلا يدرى أ من نفس الزّبد تأخذ، أم من شي‏ء يكون في الزّبد.

و الذي عرّف الزنابير مواضع تلك الأجزاء، و دلها على ذلك الجوهر هو الذي علّم العنكبوت ذلك النسج. و قد قال الشاعر: [من الطويل‏]

كأنّ قفا هارون إذ يعتلونه # قفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل‏

و قد قال بلا علم.

و أما دودة القزّ فلا نشك أنها تخرجه من جوفها.

2015-[معرفة الحقنة من الطير]

و تزعم‏ (4) الأطباء أنهم استفادوا معرفة الحقنة من قبل الطائر الذي إذا أصابه الحصر أتى البحر فأخذ بمنقاره من الماء المالح، ثم استدخله فمجّه في جوفه، و أمكنه ذلك بطول العنق و المنقار، فإذا فعل ذلك، ذرق فاستراح.

____________

(1) المجوب: آلة الجوب؛ و هو الخرق و القطع.

(2) انظر هذا الزعم في ربيع الأبرار 5/460.

(3) المدود: السيول.

(4) ورد هذا الزعم في ربيع الأبرار 5/457.

19

2016-[ما يتعالج به الحيوان‏]

و القنفذ و ابن عرس إذا ناهشا الأفاعي و الحيّات الكبار تعالجا بأكل الصّعتر البرّيّ‏ (1) .

و العقاب إذا اشتكت كبدها من رفعها الأرنب و الثعلب في الهواء و حطّها لهما مرارا فإنها لا تأكل إلاّ من الأكباد حتى تبرأ من وجع كبدها.

2017-[رغبة الثعلب في القنفذ]

قال: و سألت القنّاص: ما رغبة الثعلب في أكل القنفذ و إن كان حشو إهابه شحما سمينا، و في ظاهر جلده شوك صلاب حداد متقارب كتقارب الشعر في الجسد؟فزعموا أنّ الثعلب إذا أصابه قلبه لظهره ثم بال على بطنه فيما بين مغرز عجبه إلى فكّيه، فإذا أصابه ذلك البول اعتراه الأسن‏ (2) فأسبط (3) و تمدّد، فينقر عن بطنه، فمن تلك الجهة يأكل جميع بدنه و مسلوخه الذي يشتمل عليه جلده.

2018-[صيد الظربان للضب‏]

و قالوا: و بشبيه بهذه العلّة يصيد الظّربان الضبّ في جوف جحره حتى يغتصبه نفسه؛ و ذلك أنه يعلم أنّه أنتن خلق اللّه قسوة، فإذا دخل عليه جحره سدّ خصاصه و فروجه ببدنه، و هو في ذلك مستدبر له، فلا يفسو عليه ثلاث فسوات حتى يعطي بيده فيأكله كيف شاء.

قالوا: و ربّما فسا و هو بقرب الهجمة و هي باركة فتتفرّق في الصحراء فلا يجمعها راعيها إلاّ بجهد شديد، و لذلك قال الشاعر: [من الكامل‏]

لا تمنحوا صقرا، فما لمنيحة # أتت آل صقر من ثواب و لا شكر

فما ظربان يؤبس الضبّ فسوه # بألأم لؤما قد علمناه من صقر (4)

و لذلك قال الراجز، و هو يذكر تكسّب الظربان بفسوه لطعمه و قوته، كما يتكسّب الناس بالصّناعات و التّجارات، فقال: [من الرجز]

____________

(1) ربيع الأبرار 5/434.

(2) الأسن: الدوار و الغشي.

(3) أسبط: امتد على وجه الأرض.

(4) يؤبس: يقهر.

20

باتا يحكّان عراصيف القتب # مستمسكين بالبطان و الحقب‏ (1)

كما يحكّ القين أطراف الخشب # و ابن يزيد حرب من الحرب‏ (2)

لا ينفع الصاحب إلاّ أن يسبّ # كالظّربان بالفساء يكتسب‏

2019-[ما قيل في بلاهة الحمام‏]

قال ابن الأعرابيّ: قلت لشيخ من قريش: من علّمك هذا، و إنما يحسن من هذا أصحاب التجارات و التكسّب، و أنت رجل مكفيّ مودّع‏ (3) ؟قال: علّمني الذي علم الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن، و لخوف طباع الأرض إذا دام على الشّقّ الواحد.

و الحمام أبله؛ و لذلك كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقولون: «كونوا بلها كالحمام» (4) . أ لا ترى أنّ الحمام في الوجه الذي ألهمه اللّه مصالح ما يعيشه، و يصلح به شأن ذرئه و نسله-ليس بدون الإنسان في ذرئه و نسله، مع ما خوّل من المنطق، و ألهم من العقل، و أعطي من التّصريف في الوجوه؟!.

2020-[حيلة الفأرة للعقرب‏]

و إذا جمع بعض أهل العبث و بعض أهل التّجربة بين العقرب و بين الفأرة في إناء زجاج، فليس عند الفأرة حيلة أبلغ من قرض إبرة العقرب فإمّا أن تموت من ساعتها، و إمّا أن تتعجل السّلامة منها، ثم تقتلها كيف شاءت، و تأكلها كيف أحبّت‏ (5) .

2021-[علم الذرة]

قال‏ (6) : و من علّم الذّرّة أن تفلق الحبّة فتأكل موضع القطمير لئلاّ تنبت فتفسد. فإذا كانت الحبّة من حبّ الكزبرة ففلقتها أنصافا لم ترض حتى تفلقها أرباعا؛ لأن الكزبرة من بين جميع الحبّ تنبت و إن كانت أنصافا. و هذا علم غامض

____________

(1) العراصيف: أربعة أوتاد يجمعن بين رءوس أحناء الرحل، البطان: حزام الرحل. الحقب: حبل يشد به الرحل في بطن البعير.

(2) الحرب: الخصومة و الغضب.

(3) المودع: المرفّه.

(4) ورد هذا القول في البيان و التبيين 2/242، و عيون الأخبار 2/72، و محاضرات الأدباء 2/300، و تقدم في 3/94، الفقرة (676) .

(5) ربيع الأبرار 5/470.

(6) ربيع الأبرار 5/482، و ثمار القلوب (643) ، و انظر ما تقدم في 4/262، الفقرة (945) .

21

إذا عرفه الشّيخ الفلاّح المجرّب، و الفاشكار (1) الرئيس و الأكّار الحاذق، فقد بلغوا النهاية في الرّئاسة.

2022-[معرفة الدبّ‏]

و قال جالينوس‏ (2) : و من علّم الدبّ الأنثى إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياما تهرب به من الذّرّ و النمل، لأنها تضعه كفدرة (3) من لحم، غير متميّز الجوارح، فهي تخاف عليه الذّرّ، و ذلك له حتف. فلا تزال رافعة له و راصدة، و متفقّدة و محوّلة له من موضع إلى موضع، حتى يشتد و تنفرج أعضاؤه.

2023-[شعر لبشار]

و قال بشّار الأعمى: [من البسيط]

أما الحياة فكلّ النّاس يحفظها # و في المعيشة أبلاء مناكير (4)

و كلّ قسم فللعقبان أكثره # و الحظّ شي‏ء عليه الدهر مقصور

2024-[أمنيّة بشر أخي بشار]

و قال بشر أخو بشّار-و كانوا ثلاثة[لأمّ‏] (5) ، واحد حنفيّ، و واحد سدوسيّ، و بشّار عقيليّ، و إنما نزل في بني سدوس لسبب أخيه-و قد كان قيل لأخيه: لو خيّرك اللّه أن تكون شيئا من الحيوان أيّ شي‏ء كنت تتمنى أن تكون؟قال: عقاب.

قيل: و لم تمنّيت ذلك؟قال: لأنّها تبيت حيث لا ينالها سبع ذو أربع، و تحيد عنها سباع الطّير.

و هي لا تعاني الصّيد إلاّ في الفرط، و لكنّها تسلب كلّ صيود صيده. و إذا جامع صاحب الصقر و صاحب الشّاهين و صاحب البازي صاحب العقاب، لم يرسلوا أطيارهم خوفا من العقاب. و هي طويلة العمر، عاقّة بولدها. و هي لا تحمل على نفسها في الكسب، و هي إن شاءت كانت فوق كلّ شي‏ء، و إن شاءت كانت بقرب كلّ شي‏ء، و تتغدّى بالعراق و تتعشّى باليمن. و ريشها الذي عليها هو فروها في الشتاء، و خيشها في الصّيف. و هي أبصر خلق اللّه.

____________

(1) الفاشكار: من «بشكاري» الفارسية بمعنى الزراعة و الفلاحة، انظر معجم استينجاس 189.

(2) ربيع الأبرار 5/425.

(3) الفدرة: القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة.

(4) الأبلاء: جمع بلو، أي قوي.

(5) انظر ربيع الأبرار 5/453، و ثمار القلوب (655) حيث ورد الخبر.

22

هذا قول صاحب المنطق في عقوق العقاب و جفائها بأولادها، فأمّا أشعار العرب فهي تدلّ على خلاف ذلك، قال دريد بن الصّمّة (1) : [من الطويل‏]

و كلّ لجوج في العنان كأنّها # إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر (2)

لها ناهض في الوكر قد مهدت له # كما مهدت للبعل حسناء عاقر (3)

2025-[المحمق من الحيوان‏]

و الحيوان المحمّق الرّخمة و الحبارى. قال عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه‏ (4) :

«كلّ شي‏ء يحبّ ولده حتّى الحبارى» .

و أنثى الذئاب، و هي التي تسمّى جهيزة، و الضبع، و النّعجة، و العنز، هذه من الموصوفات بالموق جدّا.

قال: و من الحيوان ما ليس عنده إلا الجمال و الحسن كالطاوس؛ و هو من الطير المحمّق، و كذلك التّدرج‏ (5) مع جماله و حسنه و عجيب وشيه، و الزرافة، و هي أيضا موصوفة بالموق، و ليس عندها إلا طرافة الصّورة و غرابة النّتاج. و هي من الخلق العجيب مواضع الأعضاء، و يتنازعها أشباه كثيرة.

2026-[القبيح من الحيوان‏]

و الفيل عجيب ظريف، و لكنه قبيح مسيخ‏ (6) ، و هو في ذلك بهيّ نبيل، و العين لا تكرهه. و الخنزير قبيح مسيخ، و العين تكرهه. و القرد قبيح مليح.

____________

(1) البيتان لدريد بن الصمة في ملحق ديوانه 117، و هما لمعقر بن حمار في قصائد جاهلية نادرة 110، و النقائض 677، و الأغاني 11/162، و الأول في الأنوار 1/290، و المعاني الكبير 1/13، و الحماسة البصرية 1/76، و الثاني في المعاني الكبير 1/282، و المزهر 2/438، و معجم الشعراء 9، و نسب لوعلة الجرمي في العقد الفريد 2/358، و الأول بلا نسبة في اللسان و التاج (جحشر) ، و التهذيب 5/311. و في المزهر و الأغاني و النقائض بعد إنشاد البيت الثاني: «و بهذا البيت سمي معقّرا؛ و اسمه سفيان بن أوس. و إنما خص العاقر لأنها أقل دلاّ على الزوج من الولود فهي تصنع له و تداريه» .

(2) اللجوج: أراد به الفرس. الفتخاء: العقاب. الكاسر: المنقضة.

(3) الناهض: فرخ العقاب.

(4) الحديث في النهاية 1/328، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/146، و المستقصى 2/227، و تقدم في 1/128-129، 5/84، 238.

(5) التدرج: طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يكون بأرض خراسان و غيرها من بلاد فارس. حياة الحيوان 1/230.

(6) المسيخ: الذي لا حلاوة له.

23

2027-[فطنة بعض الطيور]

و عند الببغاء و المكّاء و العندليب و ابن تمرة (1) مع صغر أجرامها و لطافة شخوصها، و ضعف أسرها (2) ، من المعرفة و الكيس و الفطنة و الخبث ما ليس عند الزّرافة و الطاوس و الببغاء عجيب الأمر. و يقولون: عندليب و عندبيل، و هو من أصغر الطير.

2028-[ما قيل في حمق الأجناس المائية و فطنتها]

فأما الأجناس المائية من أصناف السّمك، و الأجناس التي تعايش السّمك، فإنّ جماعتها موصوفة بالجهل و الموق و قلّة المعرفة، و ليس فيها خلق مذكور، و لا خصلة من خصال الفطن، إلا كنحو ما يروى من صيد الجرّيّ للجرذان، و حمل تلك الدابة (3)

للغرقى حتى تؤدّيهم إلى الساحل.

2029-[شدة بدن السمكة و الحية]

و السمكة شديدة البدن، و كذلك الحيّة. و كلّ شي‏ء لا يستعين بيد و لا رجل و لا جناح، و إنما يستعمل أجزاء بدنه معا فإنه يكون شديد البدن.

2030-[حيلة الشبوط في التخلص من الشبكة]

و خبّرني‏ (4) بعض الصيّادين أنّ الشبوطة تنتهي في النهر إلى الشّبكة فلا تستطيع النفوذ منها، فتعلم أنها لا ينجيها إلا الوثوب فتتأخّر قدر قاب رمح، ثم تتأخّر جامعة لجراميزها (5) حتّى تثب، فربّما كان ارتفاع و ثبتها في الهواء أكثر من عشر أذرع. و إنما اعتمدت على ما وصفنا. و هذا العمل أكثر ما رووه من معرفتها، و ليس لها في المعرفة نصيب مذكور.

2031-[ما يغوص من السمك في الطين‏]

و أنواع من السمك يغوص في الطّين، و ذلك أنها تنخر و تتنفّس في جوفه، و تلزم أصول النبات إذا لم يرتفع، و تلتمس الطّعم و السّفاد.

____________

(1) ابن تمرة: أصغر ما يكون من الطير، يجرس الزهر و الشجر، كما تجرس النحل و الدبر. المخصص 8/165.

(2) الأسر: القوة.

(3) هذه الدابة هي الدخس: و هي تعرض للفريق و تدنو منه حتى يضع الفريق يده على ظهره و يسبح به. ثمار القلوب (818) ، و ربيع الأبرار 5/440، و انظر ما سيأتي ص 76.

(4) الخبر في ربيع الأبرار 5/439.

(5) الجراميز: الجسد و الأعضاء.

24

و نحن لم نر قطّ في بطن دجلة و الفرات و جميع الأودية و الأنهار، عند نضوب الماء، و انكشاف الأرض، و ظهور وجه الطين، و عند الجزر و النّقصان في الماء في مواخر (1) الصّيف و أيّام مجاورة الأهلّة و الأنصاف‏ (2) جحرا قطّ، فضلا على ما يقولون، أنّ لها في بطون الأنهار بيوتا.

2032-[جحرة الوحش‏]

و رأيت عجبا آخر، و هو أنّي في طول ما دخلت البراريّ، و دخلت البلدان، في صحارى جزيرة العرب و الرّوم و الشّام و الجزيرة و غير ذلك، ما أعلم أني رأيت على لقم طريق‏ (3) أو جادة، أو شرك مصاقب ذلك‏ (4) أو إذا جانبت الطّرق، و أمعنت في البراري، و ضربت إلى الموضع الوحشي-جحرا واحدا يجوز أن يدخله ضبع أو تيس ظباء، أو بعض هذه الأجناس الوحشيّة. و ما أكثر ما أرى الجحرة، و لكني لم أر شيئا يتسع للثّعلب و ابن آوى، فضلا على هذه الوحوش الكبار مما هو مذكور بالتّولج و الوجار، و بالكناس و العرين.

و جحر الضبّ يسمّى عرينا، و هو غير العرين الذي يضاف إلى الشّجر.

2033-[حيلة الضب و اليربوع‏]

و أمّا حفظ الحياة و البصر بالكسب، و الاحتراس من العدوّ و الاستعداء بالحيل، فكما أعدّ الضبّ و اليربوع‏ (5) .

2034-[علة اختفاء الفهد و الأيل‏]

و الفهد إذا سمن عرف أنه مطلوب، و أنّ حركته قد ثقلت، فهو يخفي نفسه بجهده حتى ينقضي ذلك الزمان الذي تسمن فيه الفهود، و يعلم أنّ رائحة بدنه شهيّة إلى الأسد و النّمر. و هو ألطف شمّا لأراييح السباع القويّة من شمّ السباع للرائحة الشهيّة، فهي لا تكاد تكون إلاّ على علاوة الريح.

و الأيّل ينصل قرنه في كلّ عام، فيصير كالأجمّ، فإذا كان ذلك الزمان استخفى

____________

(1) مواخر: جمع مؤخر؛ بالتسهيل.

(2) الأنصاف: أي أنصاف الشهور. انظر ما تقدم في 1/37، 5/254.

(3) لقم الطريق: متنه و وسطه و معظمه.

(4) شرك الطريق: جواده، جمع جادة. المصاقب: المجاور.

(5) الضب يعد لمحترشه عقربا، انظر 6/45، 58. و اليربوع يحتال بالنافقاء، انظر 5/149-150- 239.

25

و هرب و كمن، فإذا نبت قرنه عرّضه للرّيح و الشّمس في الموضع الممتنع، و لا يظهر حتى يصلب قرنه و يصير سلاحا يمتنع به. و قرنه مصمت، و ليس في جوفه تجويف، و لا هو مصمت الأعلى أجوف الأسفل.

2035-[معرفة الإبل بما يضرها و ما ينفعها]

و البعير يدخل الرّوضة و الغيضة، و في النبات ما هو غذاء، و منه ما هو سمّ عليه خاصة، و منه ما يخرج من الحالين جميعا، و من الغذاء ما يريده في حال و لا يريده في حال أخرى، كالحمض و الخلّة، و منه ما يغتذيه غير جنسه فهو لا يقربه و إن كان ليس بقاتل و لا معطب. فمن تلك الأجناس ما يعرفه برؤية العين دون الشمّ، و منها ما لا يعرفه حتّى يشمّه، و قد تغلط في البيش فتأكله، كصنع الحافر في الدّفلى‏ (1) .

2036-[معرفة الإبل بالزجر]

و الناقة تعرف قولهم: حل، و الجمل يعرف قولهم: جاه. قال الراجز و هو يحمّق رجلا هجاه‏ (2) : [من الرجز]

يقول للناقة قولا للجمل # يقول جاه يثنيه بحل‏

2037-[قدرة الحيوان على رفع اللبن و إرساله‏]

و ممّا فضلت به السّباع على بني آدم أنّ اللّه جعل في طباع إناث السباع و البهائم، من الوحشيّة و الأهلية، رفع اللّبن و إرساله عند حضور الولد، و المرأة لا تقدر أن تدرّ على ولدها و ترفع لبنها في صدرها إذا كان ذلك المقرّب منها غير ولدها.

و الذي أعطى اللّه البهائم من ذلك مثل ما تعرف به المعنى و تتوهّمه.

اعلم أنّ اللّه تعالى قد أقدر الإنسان على أن يحبس بوله و غائطه إلى مقدار، و أن يخرجهما، ما لم تكن هناك علّة من حصر و أسر، و إنما يخرج منه بوله و رجيعه بالإرادة و التوجيه و التهيؤ لذلك. و قد جعل اللّه حبسه و إخراجه و تأخيره و تقديمه على ما فسّرنا. فعلى هذا الطريق طوق‏ (3) إناث السّباع و البهائم، في رفع اللّبن.

2038-[حشر الحيوان في اليوم الآخر]

و قد قال اللّه جل ثناؤه: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ إِلاََّ أُمَمٌ

____________

(1) انظر ما تقدم في 5/167-168.

(2) الرجز بلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/274، و اللسان (عوج) و التهذيب 3/50.

(3) الطوق: القدرة.

26

أَمْثََالُكُمْ مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (1) . فالكلمة في الحشر مطلقة عامّة، و مرسلة غير مستثنى منها. فأوجب في عموم الخبر على الطّير الحشر، و الطير أكثر الخلق. و الحديث: «إنّ أكثر الخلق الجراد» .

2039-[ما يطرأ عليه الطيران‏]

و من العقارب طيّارة قاتلة. و زعم صاحب المنطق أنّ بالحبشة حيات لها أجنحة.

و أشياء كثيرة تطير بعد أن لم تكن طيّارة، مثل الدعاميص، و النّمل، و الأرضة، و الجعلان.

و الجراد تنتقل في حالات قبل نبات الأجنحة.

قالوا: و حين عظّم اللّه شأن جعفر بن أبي طالب، خلق له جناحين يطير بهما في الجنّة، كأنه تعالى ألحقه بشبه الملائكة في بعض الوجوه‏ (2) .

2040-[ما يطير و لا يسمى طيرا]

و ذكر اللّه الملائكة فقال: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ (3) .

و لا يقال للملائكة طير، و لا يقال إنها من الطّير، رفعا لأقدارها.

و لا يقال للنمل و الدعاميص و الجعلان و الأرضة إذا طارت: من الطّير، كذلك لا يقال للجرجس و البعوض و أجناس الهمج إنها من الطير، وضعا لأقدارها عن أقدار ما يسمّى طيرا. فالملائكة تطير و لا يسمّونها طيرا لرفع أقدارها عن الطير. و الهمج يطير و لا يسمّى طيرا لوضع أقدارها عن الطّير.

2041-[ملائكة العرش‏]

و في الرواية أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم أنشد قول أميّة بن أبي الصّلت‏ (4) : [من الكامل‏]

رجل و ثور تحت رجل يمينه # و النّسر للأخرى و ليث مرصد

فقال: «صدق» . و قوله «نسر» يعني في صورة نسر، لأنّ الملك لا يقال له نسر و لا صقر و لا عقاب و لا باز.

____________

(1) . 38/الأنعام: 6.

(2) انظر ما تقدم في 3/112، 6/431.

(3) . 1/فاطر: 35.

(4) ديوان أمية بن أبي الصلت 365، و تقدم في 6/431.

27

2042-[ما جاء فيه الأثر من الطير]

و ذكروا غراب نوح‏ (1) . و حمامة نوح‏ (2) ، و هدهد سليمان‏ (3) ، و النحل و الدرّاج، و ما جاء من الأثر في ذلك الديك الذي يكون في السماء (4) .

و قال الناس: غراب نوح، و هدهد سليمان، و حمامة نوح. و رووا في الخطاف و الصّرد.

2043-[أشرف الخيل و الطير]

و لا نعرف شيئا من الحيوان أشرف اسما من الخيل و الطّير، لأنّهم يقولون: فرس جواد، و فرس كريم، و فرس و سيم، و فرس عتيق، و فرس رائع.

و قالوا في الطير لذوات المخالب المعقّفة، و المناسر المحدّبة: أحرار، و مضرحيّات‏ (5) ، و عتاق؛ و كواسب، و جوارح. و قال لبيد بن ربيعة (6) : [من الرمل‏]

فانتضلنا و ابن سلمى قاعد # كعتيق الطّير يغضي و يجلّ‏ (7)

و قال الشّاعر: [من الكامل‏]

حرّ صنعناه لتحسن كفّه # عمل الرفيقة و استلاب الأخرق‏ (8)

و لو لا أنا قد ذكرنا شأن الهدهد و الغراب و النمل و ما ذكرها به القرآن، و الخصال التي فيها من المعارف و من القول و العمل، لذكرناه في هذا الموضع.

____________

(1) انظر ما تقدم في 2/421، الفقرة (497) .

(2) انظر ما تقدم في 3/97. و الحاشية السابقة.

(3) انظر ما تقدم في 1/65-66.

(4) انظر ما تقدم في 2/387.

(5) المضرحيات: أصل معناه في الناس: السيد الكريم و الطويل.

(6) ديوان لبيد 195، و اللسان و التاج (عتق، نضل، جلا) ، و التهذيب 1/211، 8/156، 12/39، و المقاييس 4/220، 5/436، و الأساس (عتق) ، و العين 7/43، و بلا نسبة في المخصص 8/150، و اللسان (غضا) ، و ديوان الأدب 4/116.

(7) ابن سلمى: هو النعمان بن المنذر.

(8) الرفيقة: الحسنة الصنعة، و سيعاد البيت ص 32.

28

ما جاء في ذكر الطير

قال اللّه جلّ ثناؤه: وَ رَسُولاً إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللََّهِ (1) . و قال اللّه: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهََا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ اَلْمَوْتى‏ََ بِإِذْنِي (2) . و قال: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ََ وَ مَنْ مَعَهُ أَلاََ إِنَّمََا طََائِرُهُمْ عِنْدَ اَللََّهِ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ (3) .

و قال اللّه: أَمََّا أَحَدُكُمََا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا اَلْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ (4) . و قال: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ اَلْفِيلِ. `أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، `وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبََابِيلَ. `تَرْمِيهِمْ بِحِجََارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (5) . و قال اللّه:

وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ وَ قََالَ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ (6) .

و لم يذكر منطق البهائم و السباع و الهمج و الحشرات.

و قال اللّه: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ (7) ؛ لأنك حيثما تجد المنطق تجد الرّوح و العقل و الاستطاعة.

و قالوا: الإنسان هو الحيّ الناطق. و قال اللّه: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ فَقََالُوا هََذََا إِلََهُكُمْ وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ (8) . و قال: أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَلاََّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً (9) ، ثم قال: وَ حُشِرَ لِسُلَيْمََانَ جُنُودُهُ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ وَ اَلطَّيْرِ (10) و لم يذكر شيئا من جميع الخلق. و قد كان اللّه سخّر له جميع ذلك. ثم قال: وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ (11) .

و لم يتفقد شيئا ممّا سخّر له، و لا دلّ سليمان على ملكة سبأ إلاّ طائر.

و قال اللّه: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَكَأَنَّمََا خَرَّ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ (12) .

____________

(1) . 49/آل عمران: 3.

(2) . 110/المائدة: 5.

(3) . 131/آل عمران: 3.

(4) . 41/يوسف: 12.

(5) سورة الفيل: 105.

(6) . 16/النمل: 27.

(7) . 63/الأنبياء: 21.

(8) . 88/طه: 20.

(9) . 89/طه: 20.

(10) . 17/النمل: 27.

(11) . 20/النمل: 27.

(12) . 31/الحج: 22.

29

و قال اللّه: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لََكِنْ لاََ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (1) . فلما ذكر داود قال: وَ سَخَّرْنََا مَعَ دََاوُدَ اَلْجِبََالَ يُسَبِّحْنَ وَ اَلطَّيْرَ (2) . و قال اللّه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (3) . و قال: وَ قََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا قََالُوا أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (4) .

و قالوا: «منطق الطير» ، على التشبيه بمنطق الناس، ثم قالوا بعد: الصّامت و الناطق، ثم قالوا بعد للدار: تنطق.

و قال اللّه: يََا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. `قََالُوا اِطَّيَّرْنََا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قََالَ طََائِرُكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (5) .

و قال اللّه: وَ إِذََا وَقَعَ اَلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنََا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ اَلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ اَلنََّاسَ كََانُوا بِآيََاتِنََا لاََ يُوقِنُونَ (6) .

و كان عبد اللّه بن عبّاس يقول: ليس يعني بقوله: تُكَلِّمُهُمْ من الكلام، و إنما هو من الكلم و الجراح. و جمع الكلم كلوم، و لم يكن يجعله من المنطق، بل يجعله من الخطوط و الوسم، كالكتاب و العلامة اللذين يقومان مقام الكلام و المنطق.

و قال الآخرون: لا ندع ظاهر اللفظ و العادة الدالّة في ظاهر الكلام، إلى المجازات، قالوا: فقد ذكر اللّه الدابّة بالمنطق، كما ذكروا في الحديث كلام الذئب لأهبان بن أوس‏ (7) . و قول الهدهد مسطور في الكتاب بأطول الأقاصيص، و كذلك شأن الغراب‏ (8) .

و قال اللّه: وَ قََالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا قََالُوا أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (9) ، و جعل اللّه مقالة النملة قرآنا، و قال: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ، وَ لاََ طََائِرٍ

____________

(1) . 44/الإسراء: 17.

(2) . 79/الأنبياء: 27.

(3) . 24/النور: 11.

(4) . 21، 50/فصلت: 41.

(5) . 47/النمل: 27.

(6) . 82/النمل: 27.

(7) انظر 1/197.

(8) انظر لكلام الغراب مع الديك ما تقدم في شعر أمية 2/424.

(9) . 21/فصلت: 41.

30

يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ إِلاََّ أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ (1) . و قال في مكان آخر: وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمََّا يَشْتَهُونَ (2) . و قال: وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوََّابٌ (3) .

و ذكر الملائكة فقال: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ (4) .

و أنشدوا النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قول أميّة بن أبي الصّلت‏ (5) : [من الكامل‏]

رجل و ثور تحت رجل يمينه # و النّسر للأخرى و ليث مرصد

فقال: «صدق» .

و خلق اللّه لجعفر جناحين في الجنّة، عوضا من يديه المقطوعتين في سبيل اللّه‏ (6) . قالوا: و لو كانت في الأرض يد تفضل الجناح لجعلها اللّه بدل الجناح.

و سمّاه المسلمون «الطيّار» .

و يقال: «ما هو إلا طائر» ، إذا أرادوا مديح الإنسان في السّرعة. و قال الفرزدق‏ (7) : [من البسيط]

جاءوا مع الرّيح أو طاروا بأجنحة # و خلّفوا في جؤاثا سيّدي مضرا (8)

و الأمم كلّها تضرب المثل بعنقاء مغرب. و قد جاء في نسر لقمان ما قد جاء من الآثار و الأخبار. و قال الخزرجي‏ (9) : [من المنسرح‏]

إنّ معاذ بن مسلم رجل # قد ضجّ من طول عمره الأبد

قد شاب رأس الزّمان و اختضب الـ # دّهر و أثواب عمره جدد

يا نسر لقمان كم تعيش و كم # تسحب ذيل الحياة يا لبد

قد أصبحت دار آدم خربت # و أنت فيها كأنّك الوتد

تسأل غربانها إذا حجلت # كيف يكون الصّداع و الرّمد

____________

(1) . 38/الأنعام: 6.

(2) . 21/الواقعة: 56.

(3) . 19/ص: 38.

(4) . 1/فاطر: 35.

(5) ديوان أمية 365، و تقدم ص 26.

(6) انظر الحاشية رقم (2) ص 26.

(7) البيت ملفق من بيتين، انظره في ديوانه 386.

(8) جؤاثا: موضع بالبحرين.

(9) الأبيات في ربيع الأبرار 3/90، و تقدمت مع تخريج واف 3/102، الفقرة (844) ، كما وردت في 6/486.

31

و قال النابغة (1) : [من البسيط]

أضحت خلاء و أضحى أهلها احتملوا # أخنى عليها الذي أخنى على لبد

و قال اللّه: وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً (2) لأن ذلك الصنم كان على صورة النّسر.

و قالوا: أحرار فارس، و أحرار الرّياحين، و أحرار البقول، و أحرار الطير، و هي الأحرار، و العتاق، و الكواسب، و الجوارح، و المضرحيّات.

و قال اللّه: وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قََالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً (3) .

أسماء ما في النجوم و البروج و الفرس و النّاس و غير ذلك، من أسماء الطير

مما يعدّ في الفرس من أسماء الطير (4) : الفراش: و هو المنخر (5) . و الذّباب:

و هو ذباب العين‏ (6) . و الصّلصل: و هو الدائرة في الجبهة (7) . و العصفور: و هو الجلدة تحت الناصية (8) و الحدأة: و هو أصل الأذن. و الهامة: و هو الجلدة التي فيها الدماغ‏ (9)

و الفرخ: موضع الفهقة (10) . و النّاهضان: في المنكبين‏ (11) . و الصّرد: عرق تحت اللسان.

____________

(1) تقدم البيت مع شرحه و تخريجه في 6/485.

(2) . 23/نوح: 71.

(3) . 260/البقرة: 2.

(4) انظر أمالي القالي 2/252-255، و كتاب الخيل لأبي عبيدة 46.

(5) في الأمالي: «الفراش: العظام الرقاق في أعلى الخياشيم و هي تسمى الخشارم.

(6) في الأمالي: «الذبابة: النكيتة الصغيرة التي في إنسان العين فيها البصر» .

(7) الصلصل: طائر تسميه العجم الفاختة.

(8) في الأمالي: «العصفور: العظم الذي تنبت عليه الناصية» .

(9) في الأمالي: «الهامة: العظم الذي في أعلى رأسه، و فيه الدماغ، و يقال لها أم الدماغ أيضا» .

(10) الفهقة: عظم عند مركب العنق، و في الأمالي: «الفرخ: هو الدماغ و جمعه فروخ» .

(11) في الأمالي: «الناهض: العظم الذي على أعلى العضد؛ و الجمع نواهض و أنهض» .

32

و السّمامة (1) : الدائرة في عرض العنق. و القطاة: موضع الرّدف. و الغرابان: العظمان الناتئان بين الوركين؛ و يقال الغراب طرف الورك. و الساق: ساق الفرس، و هو ذكر الحمام. و الخطّاف: موضع الرّكاب من جنبه. و الرّخمة: البضعة الناتئة في ظهر الفخذ. و الأصقع‏ (2) : الأبيض الناصية.

و قال اللّه: وَ لَقَدْ آتَيْنََا دََاوُدَ مِنََّا فَضْلاً يََا جِبََالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ وَ أَلَنََّا لَهُ اَلْحَدِيدَ (3) .

و في السماء النّسر الطائر، و النّسر الواقع.

و في الأوثان القديمة وثن كان يسمّى نسرا، و يزعمون أنه كان على صورة نسر.

و قال اللّه: وَ لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً `وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً (4) .

و قال: وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوََّابٌ. `إِنََّا سَخَّرْنَا اَلْجِبََالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرََاقِ. `وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوََّابٌ (5) .

و في أسماء الناس‏ (6) : غراب، و صرد. و في أسماء النساء: فاختة و حمامة. و في أسماء الناس: يمام و يمامة، و سمامة، و شاهين. و في أسماء النّساء: عقاب، و قطاة، و قطيّة، و دجاجة يكون للرّجال و النساء. و يسمّون بعصفور، و نقّاز، و حجل، و يسمّون الرجال بقطاميّ، مثل أبي الشرقيّ بن القطامي الشاعر (7) . و إذا كانت امرأة قالوا قطام مثل حذام. و قال امرؤ القيس بن حجر (8) : [من الكامل‏]

و أنا الذي عرفت معدّ فضله # و نشدت حجرا ابن أمّ قطام‏

و يسمون بمضرحيّ. و كبار الطير هي المضرحيّة؛ و أكثر ما يستعمل ذلك في عتاق الطير و أحرارها، و يسمون بحرّ، و ليس الحر من الطير إلاّ العقيق. و قال الشاعر (9) : [من الكامل‏]

حرّ صنعناه لتحسن كفّه # عمل الرّفيقة و استلاب الأخرق‏

____________

(1) السمامة: ضرب من الطير نحو السمانى دون القطا في الخلقة.

(2) الأصقع: طائر كالعصفور؛ في ريشه و رأسه بياض.

(3) . 10/سبأ: 34.

(4) . 23/نوح: 71.

(5) . 18-19/ص: 38.

(6) انظر أدب الكاتب 72.

(7) في أدب الكاتب: «هوذة القطاة، و بها سمي الرجل القطامي بضم القاف و فتحها: الصقر، و هو مأخوذ من القطم، و هو الشهوان للحم و غيره، يقال فحل قطم إذا كان يشتهي الضراب» .

(8) ديوان امرئ القيس 118، و الجمهرة 924.

(9) تقدم البيت ص 27.

33

و يسمّون صعوة و سمنانى، و سمامة، و يسمّون بجناح، و يلقّبون بمنقار، و يسمون بفرخ و فريخ، و صقر و صقير و أبي الصّقر، و طاوس و طويس. و في الألقاب يؤيؤ و زرّق.

و في الأسماء حيقطان و هو الدّرّاج الذّكر، و يسمّون بحذف‏ (1) و حذيفة، و أبي حذيفة، و في الألقاب أبو الكراكيّ، و في الصفات الغرانيق و الغرنوق‏ (2) .

2044-[نطق الطير]

و قال أميّة أبي الصّلت‏ (3) : [من الكامل‏]

فاسمع لسان اللّه كيف شكوله # عجب و ينبيك الذي تستشهد

و الوحش و الأنعام كيف لغاتها # و العلم يقسم بينهم و يبدّد

و قال اللّه عزّ و جلّ مخبرا عن سليمان أنّه قال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ (4) . و قال الشاعر (5) : [من البسيط]

يا ليلة لي بحوّارين ساهرة # حتّى تكلّم في الصّبح العصافير

و قال الشاعر: [من المنسرح‏]

و غنّت الطّير بعد عجمتها # و استوفت الخمر حولها كملا

و قال الكميت‏ (6) : [من مجزوء الكامل‏]

كالناطقات الصادقا # ت الواسقات من الذّخائر

2045-[تدبير الحيوان‏]

قال: و لكلّ جنس من أجناس الحيوان احتراف و تكسّب، و روغان من الباغي عليه، و احتيال لما أراد صيده؛ فهو يحتال لما هو دونه، و يحتال في الامتناع مما فوقه، و يختار الأماكن الحصينة ما احتملته، و الاستبدال بها إذا أنكرها.

____________

(1) الحذف: طائر أو بط صغار، و غنم سود صغار حجازية أو جرشية بلا أذناب و لا آذان. و الزاغ الصغير الذي يؤكل.

(2) الغرنوق: الشاب الأبيض الجميل. و هو اسم طائر من طيور الماء.

(3) ديوان أمية بن أبي الصلت 352.

(4) . 16/النمل: 27.

(5) البيت لكلثوم بن عمرو العتابي كما تقدم في 2/407، 5/126. و انظر البيت في معجم البلدان 2/315 (حوارين) ، و العمدة 1/267، و الموشح 293.

(6) ديوان الكميت 1/238، و العمدة 2/27، و أساس البلاغة (أبي) .

34

2046-[منطق الطير]

و لها منطق تتفاهم بها حاجات بعضها إلى بعض. و لا حاجة بها إلى أن يكون لها في منطقها فضل لا تحتاج إلى استعماله. و كذلك معانيها في مقادير حاجاتها.

2047-[بعض ما قيل في العقل‏]

و قيل لرجل من الحكماء: متى عقلت؟قال: ساعة ولدت. فلما رأى إنكارهم لكلامه قال: أمّا أنا فقد بكيت حين خفت، و طلبت الأكل حين جعت، و طلبت الثّدى حين احتجت، و سكتّ حين أعطيت. يقول هذه مقادير حاجاتي، و من عرف مقادير حاجاته إذا منعها، و إذا أعطيها، فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل. و لذلك قال الأعرابيّ‏ (1) : [من الطويل‏]

سقى اللّه أرضا يعلم الضّبّ أنّها # بعيد من الآفات طيبة البقل

بني بيته منها على رأس كدية # و كلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل‏

2048-[منطق الطير و عقله‏]

فإن قال قائل: ليس هذا بمنطق، قيل له: أما القرآن فقد نطق بأنّه منطق، و الأشعار قد جعلته منطقا، و كذلك كلام العرب، فإن كنت إنما أخرجته من حدّ البيان، و زعمت أنّه ليس بمنطق لأنك لم تفهم عنه، فأنت أيضا لا تفهم كلام عامّة الأمم؛ و أنت إن سمّيت كلامهم رطانة و طمطمة فإنّك لا تمتنع من أن تزعم أنّ ذلك كلامهم و منطقهم، و عامّة الأمم أيضا لا يفهمون كلامك و منطقك، فجائز لهم أن يخرجوا كلامك من البيان و المنطق. و هل صار ذلك الكلام منهم بيانا و منطقا إلاّ لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض، و لأنّ ذلك كان صوتا مؤلّفا خرج من لسان و فم، فهلاّ كانت أصوات أجناس الطير و الوحش و البهائم بيانا و منطقا إذ قد علمت أنّها مقطعة مصوّرة، و مؤلّفة منظمة، و بها تفاهموا الحاجات، و خرجت من فم و لسان، فإن كنت لا تفهم من ذلك إلاّ البعض، فكذلك تلك الأجناس لا تفهم من كلامك إلاّ البعض.

و تلك الأقدار من الأصوات المؤلّفة هي نهاية حاجاتها و البيان عنها، و كذلك أصواتك المؤلّفة هي نهاية حاجاتك و بيانك عنها. و على أنّك قد تعلّم الطّير الأصوات فتتعلّم، و كذلك يعلّم الإنسان الكلام فيتكلّم، كتعليم الصبيّ و الأعجميّ. و الفرق

____________

(1) تقدم البيتان في 3/40، 6/345. و هما في ربيع الأبرار 5/469.

35

بين الإنسان و الطير أنّ ذلك المعنى معنى يسمّى منطقا و كلاما على التشبيه بالنّاس، و على السبب الذي يجري، و النّاس ذلك لهم على كلّ حال.

و كذلك قال الشاعر الذي وصفها بالعقل، و إنما قال ذلك على التّشبيه، فليس للشاعر إطلاق هذا الكلام لها، و ليس لك أن تمنعها ذلك من كلّ جهة و في كلّ حال.

فافهم فهّمك اللّه، فإنّ اللّه قد أمرك بالتفكّر و الاعتبار، و بالتعرّف و الاتّعاظ.

و قد قال اللّه عزّ و جلّ مخبرا عن سليمان: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ (1) نجعل ذلك منطقا، و خصّ اللّه سليمان بأن فهّمه معاني ذلك المنطق، و أقامه فيه مقام الطّير؛ و كذلك لو قال علّمنا منطق البهائم و السّباع، لكان ذلك آية و علامة.

و قد علّم اللّه إسماعيل منطق العرب بعد أن كان ابن أربع عشرة سنة، فلما كان ذلك على غير التلقين و التأديب و الاعتياد و الترتيب و المنشأ، صار ذلك برهانا و دلالة و أعجوبة و آية.

و قال ابن عبّاس-و ذكر عمر بن الخطاب فقال-: «كان كالطائر الحذر» ؛ فشبّه عزم عمر و تخوّفه من الخطأ، و حذره من الخدع بالطائر.

2049-[ما قيل في تجاوب الأصداء و الديكة]

و قال ابن مقبل‏ (2) : [من البسيط]

فلا أقوم على المولى فأشتمه # و لا يخرّقه نابي و لا ظفري

و لا تهيّبني الموماة أركبها # إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر

فجعلها تتجاوب. و قال الطرمّاح بن حكيم-و ذكر تجاوب الدّيكة كما ذكر ابن مقبل تجاوب الأصداء-فقال‏ (3) : [من الطويل‏]

فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعدا # ببمّ و نبّه ذا العفاء الموشّح

إذا صاح لم يخذل و جاوب صوته # حماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح‏

____________

(1) . 16/النمل: 27.

(2) ديوان ابن مقبل 79، و الثاني في اللسان (هيب) ، و شرح شواهد المغني 2/971، و المعاني الكبير 1264، و مغني اللبيب 2/695، و بلا نسبة في اللسان و التاج (ألك) ، و الجمهرة 496.

(3) ديوان الطرماح 97 (94) ، و ربيع الأبرار 5/444، و تقدم البيتان مع تخريج أوفى في 2/384، الفقرة (446) .

36

2050-[ما قيل في ضبحة الثعلب و قبعة القنفذ و القرنبى‏]

و حدّث أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: خطب ابن الزبير خطبة فاعترض له رجل فآذاه بكلمة، ثم طأطأ الرّجل رأسه، فقال ابن الزّبير: أين المتكلم؟فلم يجبه فقال: «قاتله اللّه، ضبح ضبحة الثّعلب و قبع قبعة القنفذ» (1) . و قال ابن مقبل‏ (2) :

[من الطويل‏]

و لا أتبع الجارات باللّيل قابعا # قبوع القرنبى أخلفته مجاعره‏ (3)

باب ما جاء في الشعر من إحساس الطّير و غير ذلك من الحيوان‏

2051-[الحبارى‏]

قال أبو عبيدة (4) : تسلح الحبارى على الصّقر، و ذلك من أحدّ سلاحها، و هي تعلم أنّها تدبّق جناحيه و تكتفه، حتى تجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة، فيموت الصّقر.

و الحبارى إذا تحسّرت فأبطأ نبت ريشها، و هي لا تنهض بالشّكير (5) ، فربّما طار صويحباتها إذا تقدّم نبت ريشها قيل نبت ريش تلك الحبارى، فعند ذلك تكمد حزنا حتى تموت كمدا؛ و لذلك قال أبو الأسود الدّؤليّ‏ (6) : [من الوافر]

و زيد ميّت كمد الحبارى # إذا ظعنت مليحة أو تلمّ‏

____________

(1) ربيع الأبرار 5/474، و اللسان 2/523 (ضبح) ، و النهاية 3/71.

(2) ديوان ابن مقبل 154، و اللسان و التاج (قبع) ، و التهذيب 1/283، و تقدم في 1/155، 209.

(3) المجاعر: جمع مجعر؛ و هو الدبر. القرنبى: دويبة تتبع الناس إلى الغائط.

(4) انظر ما تقدم في 1/162، س 7-8، 5/238.

(5) الشكير: ما نبت من صغار الريش بين كباره.

(6) ديوان أبي الأسود الدؤلي 188، و ثمار القلوب (705) ، و اللسان و التاج (حبر) ، و التهذيب 5/36، و بلا نسبة في الجمهرة 168، و تقدم في 5/237.

37

و ليس في الطّير أسرع طيرانا منها، لأنها تصاد عندنا بظهر البصرة، فيوجد في حواصلها حبّة الخضراء غضّة طريّة، و بينها و بين مواضع ذلك الحبّ بلاد و بلاد.

و لذلك قال بشر بن مروان‏ (1) ، في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد: [من الطويل‏]

كأنّ بني مروان إذ يقتلونه # بغاث من الطّير اجتمعن على صقر

2052-[بغاث الطير]

و بغاث الطّير ضعاف الطير و سفلتها من العظام الأبدان، و الخشاش مثل ذلك إلا أنها من صغار الطّير، و أنشد أبو عبيدة قول الشاعر (2) : [من الوافر]

سألت النّاس عن أنس فقالوا # بأندلس و أندلس بعيد

كأنّي بعد سكن مضرحيّ # أصاب جناحه عنت شديد

فقد طمعت عتاق الطّير فيه # و كانت عن عقيرته تحيد (3)

و قال الذّكوانيّ: [من الوافر]

بغاث الطّير تعرف قانصيها # و كلّ مكبّد منها لهيد (4)

يقول: لكلّ جنس من الجوارح ضرب من الصيد، و ضرب من الطلب، فالمصيد منها يعرف ذلك، فيجعل المهرب من الآخر، ثم ذلك أنها تعرف الصائد المعتلّ من الصحيح. و هو معنى الخريمي حيث يقول‏ (5) : [من الطويل‏]

و يعلم ما يأتي و إن كان طائرا # و يعلم أقدار الجوارح و البغث‏

و قوله البغث يريد به جمع أبغث، و قال الأوّل‏ (6) : [من الوافر]

____________

(1) البيت بلا نسبة في ثمار القلوب (237) ، و تقدم في 6/480. منسوبا إلى بعض بني مروان.

(2) البيت الأول بلا نسبة في معجم البلدان 1/262 (الأندلس) .

(3) العقيرة: الصوت.

(4) اللهيد: أصله في الإبل أن يصيب جنبها ضغطة من حمل ثقيل فتورثها داء يفسد عليها رئتها.

(5) ديوان الخريمي 21.

(6) البيت للعباس بن مرداس في ديوانه 173، و اللسان (بغث) ، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1153، و شرحه للتبريزي 3/89، و فيه: «هذا الشعر لمعاوية بن مالك معود الحكماء» ، و الجمهرة 260، 711، و التنبيه و الإيضاح 1/180، و لكثير عزة في ملحق ديوانه 530، و أمالي القالي 1/47، و اللسان و التاج (قلت، نزر) ، و العين 5/128، 7/360، و لمحمد بن مناذر في الأغاني 18/205، و لمعود الحكماء في معجم الشعراء 9، و أشعار العامريين 57، و سمط اللآلي 190، و لمعاوية بن أبي سفيان في الأغاني 13/262، و بلا نسبة في أمالي ابن الشجري 2/289، و المقاييس 5/419، و المخصص 8/144، و التمثيل و المحاضرة 363.

38

بغاث الطّير أكثرها فروخا # و أمّ الباز مقلات نزور (1)

و أنشدني ابن يسير: [من الطويل‏]

و بالجدّ طورا ثم بالجدّ تارة # كذاك جميع الناس في الجدّ و الطّلب‏

و الجدّ مفتوح الجيم. يقول: الطير كالناس، فمرّة تصيد بالحظّ و بما يتفق لها، و مرّة بالحيلة و الطّلب. و قال بشّار بن برد: [من الكامل‏]

و بجدّه يتقلّب العصفور

2053-[العصفور]

قال: و قال زاهر لصبيانه: «يرزقكم الذي يرزق عصافير الدوّ» . و قال صالح المرّيّ: «تغدو الطّير خماصا و تروح شباعا، واثقة بأنّ لها في كلّ غدوة رزقا لا يفوتها. و الذي نفسي بيده أن لو غدوتم على أسواقكم على مثل إخلاصها، لرحتم و بطونكم أبطن من بطون الحوامل» .

و قال أعشى همدان: [من البسيط]

قالت تعاتبني عرسي و تسألني # أين الدّراهم عنّا و الدّنانير

فقلت أنفقتها و اللّه يخلفها # و الدّهر ذو مرّة عسر و ميسور

إن يرزق اللّه أعدائي فقد رزقت # من قبلهم في مراعيها الخنازير

قالت: فرزقك رزق غير متّسع # و ما لديك من الخبرات قطمير

و قد رضيت بأن تحيا على رمق # يوما فيوما، كما تحيا العصافير

و إنما خصّ العصافير بقلّة الرّزق، لأنها لا تتباعد في طلب الطعم؛ و إلا فإنّ السّباع و وحش الطّير كلّها تغدو خماصا و تروح بطانا.

و قال لبيد (2) : [من الطويل‏]

فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا # عصافير من هذا الأنام المسحّر

و قال‏ (3) : [من الوافر]

____________

(1) الفروخ: جمع فرخ. المقلات: التي لا يبقى لها ولد.

(2) البيت للبيد في ديوانه 56، و لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 550، و انظر ما تقدم من تخريج البيت في 5/126.

(3) البيت لامرئ القيس في ديوانه 97، و تقدم في 5/127 منسوبا إلى لبيد.

39

عصافير و ذبّان و دود # و أجرأ من مجلّحة الذئاب‏

و لو لا أنّ تفسير هذا قد مرّ في باب القول في العصافير في كتاب الحيوان لقلنا في ذلك.

باب ذكر اختلاف طبائع الحيوان و ما يعتريها من الأخلاق‏

الذئب لا يطمع فيه صاحبه، فإذا دمي وثب عليه صاحبه فأكله‏ (1) ، و إذا عضّ الذّئب شاة فأفلتت منه بضرب من الضروب، فإنّ عادة الغنم إذا وجدت ريح الدّم أن تشمّ موضع أنياب الذئب، و ليس عندها عند ذلك إلاّ أن ينضمّ بعضها إلى بعض؛ و لذلك قال جرير (2) لعمر بن لجأ التّيميّ: [من الطويل‏]

فلا يضغمنّ اللّيث تيما بغرّة # و تيم يشمّون الفريس المنيّبا

فذكر أنّهم كالغنم في العجز و الجبن. و إذا دمي الحمار ألقى نفسه إلى الأرض و امتنع ممن يريده بالعضّ و بكلّ ما قدر عليه، غير أنه لا ينهض و لا يبرح مكانه. و إذا أصاب الأسد خدش أو شحطة (3) بعد أن يدمى مكانه فإنّ ذبّان الأسد تلحّ عليه، و لا تقلع عنه أبدا حتى تقتله.

و للأسود ذبّان على حدة، و كذلك الكلاب، و كذلك الحمير، و كذلك الإبل، و كذلك الناس.

و إذا دمي الإنسان و شمّ الذئب منه ريح الدّم فما أقلّ من ينجو منه‏ (4) ؛ و إن كان أشدّ الناس بدنا و قلبا، و أتمّهم سلاحا، و أثقفهم ثقافة.

و إذا دمي الببر استكلب فخافه كلّ شي‏ء كان يسالمه من كبار السّباع كالأسود و النّمور، و الببر على خلاف جميع ما حكينا.

____________

(1) ربيع الأبرار 5/417، و انظر ما تقدم في 6/471.

(2) ديوان جرير 13 (الصاوي) ، 611 (نعمان طه) ، و الجمهرة 718. و البيان 3/223.

(3) الشحطة: أثر سحجة يصيب جنبا أو فخذا.

(4) ربيع الأبرار 5/417، و انظر ما تقدم في 6/471.

40

و إذا أصاب الحية خدش فإنّ الذرّ يطالبه أشدّ الطلب، فلا يكاد ينجو، و لا يعرف ذلك إلا في الفرط.

و إذا عضّ الإنسان الكلب الكلب فإنّ الفأر يطالبه ليبول عليه، و فيه هلكته، فهو يحتال له بكلّ حيلة.

و ربما أغدّ البعير فلا يعرف ذلك الجمّال حتى يرى الذّبّان يطالبه.

و إذا وضعت الذّئبة جروها فإنه يكون حينئذ ملتزق الأعضاء أمعط كأنه قطعة لحم، و تعلم الذّئبة أنّ الذرّ يطالبه، فلا تزال رافعة له بيديها، و محوّلة له من مكان إلى مكان، حتى تفرج الأعضاء، و يشتدّ اللحم.

و إذا وضعت الهرّة جروها فإن طرحوا لها لحما من ساعتها أو روبة (1) أو بعض ما يشبه ذلك فأكلته، لم تكد تأكل أجراءها، لأنّ الهرة يعتريها عند ذلك جوع و جنون و خفّة.

و الأجناس التي تحدث لها قوّة على غير سبب يعرف في تقدير الرأي منها الذّئب الضعيف الواثب على الذّئب القويّ إذا رأى عليه دما، و الهرّة إذا سفدها الهرّ، فإنها عند ذلك تشدّ عليه و هي واثقة باستخذائه لها، و فضل قوّتها عليه، و الجرذ إذا خصي فإنّه يأكل الجرذان أكلا ذريعا و لا يقوم له شي‏ء منها (2) .

فأمّا الفيل و الكركدن و الجمل، عند الاغتلام و طلب الضّراب، فإنها و إن تركت الشّرب و الأكل الأيّام الكثيرة فإنّه لا يقوم لشي‏ء منها شي‏ء من ذلك الجنس و إن كان قويّا شابا آكلا شاربا.

و أمّا الغيران و الغضبان و السّكران و المعاين للحرب، فهم يختلفون في ذلك على علل قد ذكرناها في القول في فضيلة الملك على الإنسان. و الإنسان على الجانّ. فإن أردته فالتمسه هناك. فإنّ إعادة الأحاديث الطوال و الكلام الكثير مما يهجر في السّماع، و يهجّن الكتب.

____________

(1) الروبة: القطعة من اللحم.

(2) ربيع الأبرار 5/471.

41

باب ما يستدل به في شأن الحيوان على حسن صنع اللّه‏

و إحكام تدبيره، و أن الأمور موزونة مقدرة. قالوا: الأشياء البيّاضة طائر، و مشترك، و ذو أربع، و منساح. فمنها ما يبيض في صدوع الصّخر و أعالي الهضاب.

و منها ما يعيش في الجحرة كسائر الحيات.

و أما الدّسّاس منها فإنّها تلد و لا تبيض، و هي لا ترضع و لا تلقم، و الخفّاش تلد و لا تبيض و ترضع، و هذا مختلف.

و الدّجاج و الحجل و القطا و أشباه ذلك من الدّراريج و غيرها أفاحيصها في الأرض.

و الحمام منها طورانيّ جبليّ، و منها ألوف أهليّ. فالجبليّ تبيض في أوكار لها في عرض مقاطع الجبال، و الأهليّ منها يبيض في البيوت. و العصافير بيوتها في أصول أجذاع السّقف. و الخطاطيف تتّخذ بيوتها، في باطن السقف في أوثق ذلك و أمنعه.

و الرّخم لا ترضى من الجبال إلا بالوحشيّ منها، و من البعيد في أسحقها و أبعدها عن مواضع أعدائها، ثم من الجبال إلاّ في رءوس هضابها، ثم من الهضاب إلا في صدوع صخورها. و لذلك يضرب بامتناع بيضها المثل.

و أما الرّقّ و الضّفدع و السّلحفاة و التمساح، و هذه الدوابّ المائية، فإنها تبيض في الأرض و تحضن. و أمّا السّراطين فإنّ لها بيوتا في عرض شطوط الأنهار و السّواقي، تمتلئ مرة ماء و تخلو مرة.

و من الحيوان ما لا يجثم، كالضبّة فإنها لا تجثم على بيضها، و لكن تغطّيها بالتراب و تنتظر أيّام انصداعها.

2054-[أسماء مواضع الفراخ و البيض‏]

فإذا كان مواضع الفراخ و البيض من القطا و أشباه القطا فهو أفحوصة، و إذا كان من الطير الذي يهيئ ذلك المجثم من العيدان و الرّيش و الحشيش فهو عشّ، و إذا كان من الظّليم فهو أدحيّ. ذكر ذلك أبو عبيدة و الأصمعي. و كلّها و كور و وكون، و وكنات و وكرات.

42

2055-[أكثر الحيوان بيضا و أقله‏]

فالذي يبيض الكثير من البيض الذي لا يجوزه شي‏ء في الكثرة السّمك، ثم الجراد، ثم العقارب، ثم الضّبة، لأن السّمك لا تزقّ و لا تلقم و لا تلحم و لا تحضن و لا ترضع، فحين كانت كذلك كثّر اللّه تعالى ذرءها و عدد نسلها، فكان ذلك على خلاف شأن الحمام الذي يزاوج أصناف الحمام و مثل العصافير و النّعام، فإنها لا تزاوج.

فأما الحمام فلما جعله اللّه يزق و يحضن، و يحتاج إلى ما يغتذيه و يغذو به ولده، و يحتاج إلى الزّق، و هو ضرب من القي‏ء، و فيه عليها وهن و شدّة، و لذلك لا يزجل إذا كان زاقّا. فلما أن كان كذلك لم يحمل عليها أكثر من فرخين و بيضتين.

و لما كانت الدّجاجة تحضن و لا تزقّ، و هي تأكل الحبّ و كلّ ما دبّ و درج، زاد اللّه في بيضها، و عدد فراريجها، و لم يجعل ذلك في عدد أولاد السّمك و العقارب و الضّباب التي لا تحضن البتة و لا تزقّ و لا تلقم.

و لما جعل اللّه أولاد الضبّ لها معاشا، زاد في عدد بيضها و فراخها، و صار ما يسلم كثيرا غير متجاوز للقدر.

و كذلك الظّليم، لما كان لا يزق و لا يحضن اتسع عليه مطلب الرّزق من الحبوب و أصول الشّجر.

و جعلها تبيض ثلاثين بيضة و أكثر. و قال ذو الرمة (1) : [من البسيط]

أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه # أبو ثلاثين أمسى فهو منقلب‏

و بيضها كبار، و ليس في طاقتها أن تشتمل و تجثم إلاّ على القليل منها.

و كذلك الحيّة تضع ثلاثين بيضة، و لها ثلاثون ضلعا، و بيضها و أضلاعها عدد أيام الشّهر، و لذلك قويت أصلابها لكثرة عدد الأضلاع، و حمل عليها في الحضن بعض الحمل إذ كانت لا ترضع.

2056-[أثر الإلقام و الزق في الحيوان‏]

و الطائر الذي يلقم فرخه يكون أقوى من الطائر الزاقّ، و كذلك من البهائم المرضعة.

____________

(1) ديوان ذي الرمة 114، و اللسان (خضب، سوا) ، و شرح شواهد الإيضاح 427.

43

و لما كانت العصافير تصيد الجراد و النمل و الأرضة إذا طارت، و تأكل الحبّ و اللّحم، و كانت مع هذا تلقم، لم تكثّر من البيض كتكثير الدجاج و لم تقلّل كتقليل الحمام.

2057-[ما يزاوج من الحيوان‏]

و للعصافير فيها زواج، و كذلك النّعام، و ليس في شي‏ء من ذوات الأربع زواج، و إنما الزّواج في اللاتي تمشي على رجلين، كالإنسان و الطّير و النّعام، و ليس هو في الطير بالعامّ، و هو في الحمام و أصناف الحمام من هذه المغنيات و النوائح عامّ. و سبيل الحجل و القبج سبيل الدّيكة و الدّجاج.

و الدّجاجة تمكن كلّ ديك، و الدّيك يثب على كلّ دجاجة. و ربّما غبر الحمام الذّكر حياته كلّها لا يقمط غير أنثاه، و كذلك الأنثى لا تدعو إلا زوجها، و ربّما أمكنت غيره، و في الحمام في هذا الباب من الاختلاف ما في النساء و الرجال.

فأما الشّفنين‏ (1) فإنّه لا يقمط غير أنثاه، و إن هلكت الأنثى لم يزاوج أبدا، و كذلك الأنثى للذكر.

2058-[عجائب البيض‏]

فأمّا العلة في وضع القطا بيضها أفرادا، و خروج البضة من جهة أوسع الرّأسين، و استدارة بيض الرّقّ، و استطالة بيض الحيات، و ما يكون منها أرقط و أخضر و أصفر و أبيض و أكدر و أسود، فإنّي لم أرض لهم في ذلك جوابا فأحكيه لك.

2059-[معارف في البيض‏]

قالوا: و إنما يعظم البيض على قدر جثّة البيّاضة. و بيض الأبكار أصغر. فأمّا كثرة العدد فقالوا إنه كلما كان أكثر سفادا كان أكثر عددا. و ليس الأمر كذلك، لأنّ العصفور أكثر سفادا من أجناس كثيرة هي أقلّ بيضا منه.

و الجراد و السّمك لا حضن و لا زقّ و لا رضاع و لا تلقيم عليهن، فحين جعل الفراخ كثيرة العدد، و كانت الأمّهات و الآباء عاجزة عنها، لم يجعلها محتاجة إلى الأمّهات و الآباء.

فتفهّم هذا التدبير اللطيف، و الحكمة البالغة.

____________

(1) الشفنين: هو اليمام، و انظر الخبر في 3/251، الفقرة (921) .

44

2060-[أقل الحيوان نسلا و أكثره‏]

قالوا: و الأقلّ في ذلك البازي، و الأكثر في ذلك الذّرّ و السّمك.

قال الشاعر (1) : [من الوافر]

بغاث الطّير أكثرها فروخا # و أمّ الباز مقلات نزور

و قال صاحب المنطق: نسل الأسد أقلّ لأنه يجرح الرحم فيعقم، قالوا: و الفيلة تضع في سبع سنين، و أقلّ الخلق عددا و ذرءا الكركدن، لأنّ الأنثى تكون نزورا، و أيام حملها كثيرة جدّا (2) ، و هي من الحيوان الذي لا يلد إلاّ واحدا، و كذلك عظام الحيوان. و هي مع ذلك تأكل أولادها، و لا يكاد يسلم منها إلاّ القليل، لأنّ الولد يخرج سويّا نابت الأسنان و القرن، شديد الحافر.

بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه، و صلى اللّه على سيدنا محمد خاصّة و على أنبيائه عامّة، و نسأله التأييد و العصمة، و نعوذ به من كلّ سبب جانب الطّاعة، و دعا إلى المعصية، إنه قريب مجيب، فعّال لما يريد.

قد قلنا في أول هذا الجزء، و هو الجزء السابع، من القول في الحيوان في إحساس أجناسها المجعولة فيها، و في معارفها المطبوعة عليها، و في أعاجيب ما ركّبت عليه من الدّفع عن أنفسها، و التقدّم فيما يحييها و في تحسّسها عواقب أمورها و كلّ ما خوّفت من حوادث المكروه عليها بقدر ما ينوبها من الآفات، و يعتريها من الحادثات و أنّها تدرك ذلك بالطّبع من غير رويّة، و بحسّ النّفس من غير فكرة، ليعتبر معتبر، و يفكر مفكّر، و لينفي عن نفسه العجب، و يعرف مقداره من العجز، و نهاية قوّته، و مبلغ نفاذ بصره، و أنه مخلوق مدبّر و مصرّف و ميسّر، و أنّ الأعجم من أجناس الحيوان، و الأخرس من تلك الأشكال، يبلغ في تدبير معيشته، و مصلحة شأنه، و في

____________

(1) تقدم البيت ص 38 مع تخريج واف.

(2) في ربيع الأبرار 5/434: «و أيام حملها كأيام حمل الفيلة» ، أي سبع سنين كما تقدم في السطر السابق.

45

كلّ ما هو بسبيله، ما لا يبلغه ذو الرّويّة التامّة، و المنطق البليغ، و أنّ منها ما يكون ألطف مدخلا، و أدقّ مسلكا، و أصنع كفّا، و أجود حنجرة، و أطبع على الأصوات الموزونة، و أقوم في حفظ ما يعيشه طريقة، إلاّ أنّ ذلك منها مفرّق غير مجموع، و منقطع غير منظوم.

و الإنسان ذو العقل و الاستطاعة، و التصرّف و الرويّة، إذا علم علما غامضا، و أدرك معنى خفيا، لم يكد يمتنع عليه ما دونه إذا قاس بعض أمره على بعض.

و أجناس الحيوان قد يعلّم بعضها علما، و يصنع بكفّه صنعة يفوق بها الناس، و لا يهتدي إلى ما هو دون ذلك بطبع و لا رويّة، و على أنّ الذي عجز عنه في تقدير العقول دون الذي قدر عليه.

[ما جاء في الفيلة]

و أنا ذاكر إن شاء اللّه، ما جاء في الفيلة من عجيب التركيب، و غريب التأليف، و المعارف الصّحيحة، و الأحساس اللطيفة، و في قبولها التّثقيف و التّأديب، و سرعتها إلى التلقين و التّقويم، و ما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، و الأجزاء الشريفة، و كم مقدار منافعها، و مبلغ مضارّها، و بكم فضلت أجناس الحيوان، و فاقت تلك الأجناس.

و ما جعل اللّه تعالى فيها من الآيات و البرهانات، و العلامات النيّرات، التي جلاها لعيون خلقه و عرّف بينها و بين عقول عباده، و قيّدها عليهم، و حفظها لهم ليكثّر لهم من الأدلة، و يزيدهم في وضوح الحجّة، و يسخّرهم لتمام النّعمة، و الذي ذكرها اللّه به في الكتاب الناطق، و الخبر الصادق، و ما في الآثار المعروفة، و الأمثال المضروبة، و التجارب الصحيحة.

و ما قالت فيها الشعراء، و نطقت به الخطباء، و ميّزته العلماء، و عجّبت منه الحكماء، و حالها عند الملوك و موضع نفعها في الحروب، و مهابتها في العيون، و جلالتها في الصّدور، و في طول أعمارها، و قوّة أبدانها، و في اعتزامها و تصميمها، و أحقادها، و شدّة اكتراثها، و طلبها بطوائلها، و ارتفاعها عن ملك السّقّاط و الحشوة، و عن اقتناء الأنذال و السّفلة، و عن ارتخاصها في الثمن و ارتباطها على الخسف، و ابتذالها و إذالتها، و عن امتناع طبائعها، و تمنّع غرائزها أن تصلح أبدانها، و تنبت أنيابها، و تعظم جوارحها، و تتسافد و تتلاقح إلاّ في معادنها و بلادها، و في منابتها و مغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، حتى أعجزت الحيل، و خرجت من حدّ الطّمع.

46

و عن الإخبار عن حملها و وضعها، و مواضع أعضائها، و الذي خالفت فيه الأشكال الأربعة التي تحيط بالجميع مما ينساح أو يعوم، أو يمشي أو يطير، و جميع ما ينتقل عن أوّليّة خلقه، و ما يبقى على الطّبائع الأول من صورته و عمّا يتنازعه من شبه الحيوان، أو ما يخالف فيه جميع الحيوان، و عن القول في شدّة قلبه و أسره، و في جرأته، على ما هو أعظم بدنا و أشدّ كلبا، و أحدّ أظفارا، و أذرب أنيابا، و هربه ممّا هو أصغر منه جرما و أكلّ حدّا، و أضعف أسرا، و أخمل ذكرا.

و عن الإخبار عن خصاله المذمومة، و أموره المحمودة و عن القول في لونه و جلده و شعره، و لحمه و شحمه و عظمه، و بوله و نجوه، و عن لسانه و فمه، و عن أذنه و عينه، و عن خرطومه و غرموله، و عن مقاتله و موضع سلاحه، و عن أدوائه و دوائه، و عن القول في أنيابه و سائر أسنانه، و سائر عظامه، و فرق ما بين عظامه و عظام غيره، و عن مواضع عجزه و قوّته، و القول في ألبانها و ضروعها، و عدد أخلافها و أماكن ذلك منها، و عن سياحتها و مشيها و حضرها و سرعتها، و خفّة وطئها و لين ظهورها، و إلذاذ راكبها، و عن ثبات خفّها في الوحل و الرّمل، و في الحدر و الصّعداء، و عن أمن راكبها من العثار.

و كيف حالها عند اهتياجها و اغتلامها، و عن سكونها و انقضاء هيجانها عند حملها، و عن طربها و طاعتها لسوّاسها، و فهمها لما يراد منها، و كيف حدّة نظرها و الفهم الذي يرى في طرفها، مع الوقار و النّبل، و الإطراق و السّكون، و لم اجتمعت الملوك عربها و عجمها و أحمرها و أسودها على اقتنائها و التزيّن بها، و الفخر بكثرة ما تهيّأ لهم منها، حتى صارت عندهم من أكرم الهدايا، و أشرف الألطاف، و حتى صار اتخاذها مروءة و عتادا و عدّة، و دليلا على أنّ مقتنيها صاحب حرب.

و في تفضيل خصال الفيل على خصال البعير، و في أيّ مكان يكون أنفع في الحرب من الفرس، و أصبر عند القتال من النّمر، و أقتل للأسد من الجاموس، و أكلب من الببر إذا تعرّم‏ (1) ، و أشدّ من الكركدّن إذا اغتلم، حتى لا يبلغه مقدار ما يكون من تماسيح الخلجان، و خيل النّيل، و عقبان الهواء، و أسد الغياض.

2061-[قصيدة هاورن مولى الأزد في الفيل‏]

و قد جمع هاورن مولى الأزد الذي كان يردّ على الكميت و يفخر بقحطان،

____________

(1) تعرم: صار عرما، أي شرسا شديدا.

47

و كان شاعر أهل المولتان‏ (1) ، و لا أعرف من شأنه أكثر من اسمه و صناعته. و قد قال في صفات الفيل أشعارا كثيرة، ذكر فيها كثيرا ممّا قدّمنا ذكره، فمن ذلك قوله‏ (2) :

[من المتقارب‏]

أ ليس عجيبا بأن خلقة # له فطن الإنس في جرم فيل‏

و أنشدني هذا البيت صفوان بن صفوان الأنصاريّ، و كان من رواة داود بن مزيد: [من المتقارب‏]

«أ ليس عجيبا بأن خلقة # له فطن الإنس في جرم فيل»

و أظرف من قشّة زولة # بحلم يجلّ عن الخنشليل‏ (3)

و أوقص مختلف خلقه # طويل النّيوب قصير النّصيل‏ (4)

و يلقى العدوّ بناب عظيم # و جوف رحيب و صوت ضئيل

و أشبه شي‏ء إذا قسته # بخنزير برّ و جاموس غيل

تنازعه كلّ ذي أربع # فما في الأنام له من عديل

و يخضع للّيث ليث العرين # بأن ناسب الهرّ، من رأس ميل‏ (5)

و يعصف بالببر بعد النّمور # كما تعصف الرّيح بالعندبيل

و شخص ترى يده أنفه # فإن و صلوه بسيف صقيل

و أقبل كالطّود هادي الخميس # بهول شديد أمام الرّعيل‏ (6)

و مرّ يسيل كسيل الأتيّ # بخطو خفيف و جرم ثقيل‏ (7)

فإن شمته زاد في هوله # شناعة أذنين في رأس غول‏ (8)

و قد كنت أعددت هرّا له # قليل التهيّب للزّندبيل‏

____________

(1) المولتان: بلد من بلاد الهند على سمت عزنة.

(2) نهاية الأرب 9/311. و مروج الذهب 2/117.

(3) القشة: الأنثى من القرود. الزولة: الطريفة. الخنشليل: الماضي و المسن القوي.

(4) الأوقص: القصير العنق. النصيل: ما تحت العين إلى الخطم.

(5) أي هو يخشى الأسد لأنه يشبه الهر.

(6) الهادي: المتقدم. الخميس: الحيش.

(7) الأتي: السيل لا يدرى من أين أتى.

(8) شمته: رأيته.

48

فلما أحسّ به في العجاج # أتانا الإله بفتح جميل

فطار و راغم فيّاله # بقلب نجيب و جسم نبيل

فسبحان خالقه وحده # إله الأنام و ربّ الفيول‏

2062-[احتيال هارون بالهر لهزيمة الفيل‏]

و ذكر صفوان بن صفوان أنّ هارون هذا خبّأ معه هرّا تحت حضنه، و مشى بسيفه إلى الفيل، و في خرطومه السّيف، و الفيالون يذمرونه، فلما دنا منه رمى بالهرّ في وجهه، فأدبر هاربا، و تساقط كلّ من كان فوقه، و كبّر المسلمون، و كان ذلك سبب الهزيمة (1) .

و سنذكر الهرّ في هذا الشّعر كما كتبته لك.

2063-[استطراد لغوي‏]

و أمّا قوله: [من المتقارب‏]

بحلم يجلّ عن الخنشليل‏

فقد قال الأنصاريّ‏ (2) في صفة النّخل: [من المتقارب‏]

تليص العشاء بأذنابها # و في مدر الأرض عنها فضول‏ (3)

و يشبعها المصّ مصّ الثّرى # إذا جاعت الشّاة و الخنشليل‏ (4)

و هذا غير قوله‏ (5) : [من الرجز]

قد علمت جارية عطبول # أنّي بنصل السيف خنشليل‏

2064-[العندبيل‏]

و أما العندبيل فهو طائر صغير جدّا، و لذلك قال الشاعر: [من الطويل‏]

و ما كان يوم الرّيح أوّل طائر # يروح كروح العندبيل إلى الوكر

____________

(1) الخبر في ربيع الأبرار 5/429.

(2) الأبيات للأنصاري في مروج الذهب 2/118. و البيت الأول بلا نسبة في المخصص 12/225.

(3) تليص بذنبها: تحركه. المدر: قطع الطين اليابس.

(4) الخنشليل من الإبل: المسن.

(5) الرجز بلا نسبة في اللسان (خنشل، نصل) ، و التاج (نصل) ، و التهذيب 7/648، و الجمهرة 1218، و المخصص 6/16.

49

لأنّ الرّيح تعصف به من صغره، فهو يعرف ذلك من نفسه، فإذا قويت الرّيح دخل جحره، و يقولون عندليب و عندبيل و كلّ صواب، و لذلك قال هارون: [من المتقارب‏]

و يعصف بالببر بعد النمور # كما تعصف الرّيح بالعندبيل‏

و سنخبر عن تقرير ما في هذه القصيدة مفرّقا، إذ لم نقدر عليه مجموعا متّصلا، و لو أمكن ذلك لكان أحسن للكتاب، و أصحّ لمعناه، و أفهم لمن قرأه.

باب ما يدخل في ذكر الفيل و فيه أخلاط من شعر و حديث و غير ذلك‏

قال رؤبة (1) في صفة الفيل: [من الرجز]

أجرد كالحصن طويل النّابين # مشرّف اللّحي صغير الفقمين

عليه أذنان كفضل الثّوبين‏

و أنشد ابن الأعرابيّ‏ (2) : [من البسيط]

هو البعوضة إن كلّفته كرما # و الفيل في كلّ أمر أصله لوم‏

و قال أعرابيّ و وصف امرأة له‏ (3) : [من الرجز]

لو أكلت فيلين لم تخش البشم‏

و قال أعرابيّ يصف الأكرياء (4) : [من الرجز]

لو تركب البختيّ ميلا لأنحطم # أو تركب الفيل بها الفيل رزم‏ (5)

____________

(1) لم يرد الرجز في ديوان رؤبة.

(2) البيت في ربيع الأبرار 5/430، و رواية عجزه فيه.

(و الفيل في كل أمر خالط اللوما)

.

(3) الرجز بلا نسبة في أساس البلاغة (أبب) .

(4) الأكرياء: جمع كرى، و هو المكاري الذي يكريك دابته.

(5) رزم البعير: إذا كان لا يقدر على النهوض رزاحا و هزالا.

50

و حمل ناس أبا الحلال الهدادي على الفيل أيّام الحجّاج، فتمنّع و أنشأ يقول:

[من الطويل‏]

أ أركب شيطانا و مسخا و هضبة # إلا إنّ رأيي قبل ذاك مضلّل‏

فقالوا له: لو علوته ما كان عندك إلاّ كالبغل!فلما علاه صاح: الأرض الأرض! فلما خافوا أن يرمي بنفسه و هو شيخ كبير، أنزلوه، فقال بعد ذلك في كلمة له‏ (1) :

[من الطويل‏]

و ما كان تحتي يوم ذلك بغلة # و لكنّ جلبا من رفيع السّحائب‏

و قال بعض المتحدثين و المملّحين في بعض النساء (2) : [من الهزج‏]

أرادت مرّة بيتا # لها فيه تماثيل

فلما أبصرت سترا # لوجهيه تهاويل

و فيه الفيل منقوشا # و في مشفره طول

قالت: انزعوا الستر # فلا يأكلني الفيل‏

و قال خلف بن خليفة الأقطع، حين ذكر الأشراف الذين يدخلون على ابن هبيرة: [من المتقارب‏]

و قامت قريش قريش البطاح # مع العصب الأول الدّاخله

يقودهم الفيل و الزّندبيل # و ذو الضّرس و الشّفة المائلة

الفيل و الزّندبيل: أبان و الحكم، ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان، و ذو الضّرس: خالد بن سلمة المخزومي الخطيب، و هو ذو الشّفة، قتل مع يزيد بن عمر ابن هبيرة فيمن قتل.

و قد فصل خلف بن خليفة الفيل من الزّندبيل، و لم يفسّر. و قد اختلفوا في ذلك، و سنذكره إذا جرّ سببه إن شاء اللّه تعالى.

الفيل، المعروف بهذا الاسم. و يقال رجل فيل إذا كان في رأيه فيالة، و الفيالة:

____________

(1) الخبر في ربيع الأبرار 5/430، و فيه أنه أنشد:

(و ما كنت يوم الفيل فوق مطية # و لكن على وطفاء جون ربابها)

(2) الأبيات في ربيع الأبرار 5/430.

51

الخطأ و الفساد. و يسمّون أيضا الرّجل بفيل، منهم فيل مولى زياد و حاجبه، و في أنهار الفرات بالبصرة نهر يقال له فيل بانان و موضع آخر يقال له فيلان.

و قد يعرض بقدم الإنسان ورم جاس حتّى تعظم له قدمه و ساقه، و صاحبه لا يبرأ منه، و يسمّى ذلك الورم داء الفيل.

و يسمّى الرّجل بدغفل، و هو ولد الفيل، و لا يسمّون بزندبيل. و بعض العرب يقول للذّكر من الفيلة فيل و للأنثى فيلة. كما يقولون أسد و أسدة، و ذئب و ذئبة، و لا يقولون مثل ذلك في ثعلب و ضبع، و أمور غير ذلك، إلاّ أن يكون اسما لإنسان.

و بعث رجل من العرب بديلا مكانه في بعض البعوث، و أنشأ يقول: [من الوافر]

إذا ما اختبّت الشّقراء ميلا # فهان عليّ ما لقي البديل‏ (1)

يشنّفها و يحسبها بعيرا # قليل علمه بالخيل فيل‏ (2)

و أنشدنا الأصمعيّ‏ (3) : [من الطويل‏]

يفرّون و الفيل الجبان كأنّه # أزبّ خصيّ نفّرته القعاقع‏

قال سلمة بن عيّاش: قال لي رؤبة (4) : «ما كنت أحب أن أرى في رأيك فيالة» .

و بالكوفة باب الفيل، و بواسط باب الفيل.

و منهم فيلويه، و هو أبو حاتم بن فيلويه، و كان أبو مسلم ربّى أبا حاتم حتّى اكتهل، و هما سقيا أبا مسلم السمّ حتى عولج بالترياق فأفاق، فقتلهما أبو مسلم بعد ذلك، و كانا على شبيه بدين الخرّميّة.

و يقولون عنبسة الفيل، و هو النحويّ، و هو أحد قدماء النحويّين الحذّاق. و هو عنبسة بن معدان، و كان معدان يروض فيلا لزياد، فلما أنشد عنبسة بن معدان هجاء جرير للفرزدق قال الفرزدق‏ (5) : [من الطويل‏]

لقد كان في معدان و الفيل زاجر # لعنبسة الرّاوي عليّ القصائدا

____________

(1) اختبت: سارت الخبب، و هو ضرب من العدو.

(2) أراد بالفيل هنا: ضعف الرأي.

(3) البيت لطفيل في كتاب الجيم 3/41، و لم يرد في ديوان طفيل الغنوي.

(4) ورد قول رؤبة في ديوان كعب بن زهير 20، و فيه «قال سلمة بن عياش: أنشدني رؤبة شيئا فعبته عليه، فقال لي... » .

(5) البيت للفرزدق في اللسان و التاج (روى) ، و بغية الوعاة 368، و ربيع الأبرار 5/433، و ليس في ديوانه.

52

فلمّا تناشد النّاس بعد ذلك هذا الشعر قال عنبسة: إنّما قال الفرزدق:

لقد كان في معدان و اللّؤم زاجر

فقالوا: إنّ شيئا فررت منه إلى اللّؤم لناهيك به قبحا!فعند ذلك سمّي «عنبسة الفيل» (1) .

و غيلان الراجز كان يقال له «غيلان راكب الفيل» كان الحجّاج بن يوسف ربّما حمله على الفيل‏ (2) .

و سعدويه الطّنبوريّ، و كان يقال له: «سعدويه عين الفيل» (3) .

قال أبو عبيدة: حدّثني يونس قال: لما بنى فيل مولى زياد داره و حمّامه بالسّبابجة، عمل طعاما لأصحاب زياد، و دعاهم إلى داره، و أدخلهم حمّامه، فلمّا خرجوا منه غدّاهم، ثم ركب و غبّر في وجوههم، فقال أبو الأسود الدّؤلي‏ (4) : [من الوافر]

لعمر أبيك ما حمّام كسرى # على الثّلثين من حمّام فيل‏

و قال الجارود بن أبي سبرة: [من الوافر]

و ما إرقاصنا خلف الموالي # كسنّتنا على عهد الرسول‏

و أنشد الأصمعي و غيره‏ (5) : [من الطويل‏]

خلافا علينا من فيالة رأيه # كما قيل قبل اليوم خالف فتذكرا

و يقال للرّجل إذا عنّف عند الرأي يراه: لم تفيّل رأيك؟و قد فال رأي فلان.

و حدّثنا عبد اللّه بن بكر، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لمّا انتهيت إلى السّدرة إذا ورقها أمثال آذان الفيلة، و إذا ثمرها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر اللّه ما غشيها تحوّلت ياقوتا» (6) .

و قال صاحب الكيمياء في جرير بن يزيد: [من السريع‏]

مهلا أبا العبّاس رفقا و لا # تكن خصيم المعشر الخون‏

____________

(1) انظر الخبر في بغية الوعاة، و ربيع الأبرار.

(2) ربيع الأبرار 5/434.

(3) ربيع الأبرار 5/434.

(4) ديوان أبي الأسود الدؤلي 99.

(5) البيت بلا نسبة في المقاصد النحوية 4/345، و شرح الأشموني 2/505، و البيان 2/187، و مجمع الأمثال 1/232، و الفاخر 212.

(6) أخرجه البخاري من حديث طويل في بدء الخلق، برقم 3035، و مسلم في الإيمان برقم 164.