ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - ج1

- ابو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المزيد...
477 /
5

الجزء الاول‏

المقدمة

:

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الزمخشري (467-538 هـ)

نسبه:

هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، أبو القاسم، الإمام الكبير في التفسير و الحديث و النحو و اللغة و علم البيان.

ولد يوم الأربعاء السابع و العشرين من رجب سنة 467 هـ بزمخشر من قرى خوارزم في عهد السلطان جلال الدين و الدنيا أبي الفتح ملكشاه، الذي ازدهرت في عهده التجارة و الصناعة، و زهت الآداب و الفنون، و كان يعاونه في إدارة شئون المملكة نظام الملك (قتل سنة 485 هـ) . و هو أقدر وزراء الإسلام في عصره.

عصره:

عاش الزمخشري في فترة ضعف الخلافة العباسية و انحلالها، و عاصر من الخلفاء العباسيين:

1-عبد اللّه المقتدي باللّه ابن محمد بن القائم (467-487 هـ) .

2-أحمد المستظهر باللّه ابن المقتدي (487-512 هـ) .

3-الفضل المسترشد باللّه ابن المستظهر (529 هـ) .

4-المنصور الراشد باللّه ابن المسترشد (529 هـ) .

6

5-محمد المقتفي باللّه ابن المستظهر (529-555 هـ) .

و تعاقب في الاستيلاء على السلطة و النفوذ في بغداد كل من آل بويه و الأتراك السلاجقة، و ظهرت دولة الخوارزمية، من خراسان إلى ما وراء النهر، ثم الدولة الفاطمية في مصر و الشام (297-567 هـ) و دولة المرابطين في المغرب و الأندلس (448-541 هـ) ثم كانت الحملة الصليبية التي انتهت بسقوط مدينة القدس سنة 492 هـ.

عاش الزمخشري في مجتمع يسوده الدين الإسلامي و تسيطر فيه اللغة العربية لكنه لم يخل من أقليات غير إسلامية لم تتخلّ عن تراثها الخاص و شخصيتها التقليدية و مزاجها المختلف ممّا أدّى إلى ظهور عادات لم يألفها المسلمون كانت سبقتها مناخات أسهمت في خلقها حركة الترجمة و التيارات الثقافية التي انعكست بمجملها على الفكر الديني في الإسلام و خروجه من بيئته الحضارية الخاصة و اشتباكه بحضارات مجاورة كان لها تأثيرها المتفاوت في ظهور العديد من الفرق الإسلامية ممّا أدّى إلى كثير من الفتن و المحن التي أضعفت حركة التجارة و هدّدت الأمن و الاستقرار فانتشرت الفوضى و عمّ الاضطراب الاجتماعي.

و على الرغم من هذه الحالة المزرية التي عاشها الزمخشري كانت تلوح في الأفق حركات علمية و نهضات أدبية تجلّت في بناء المدارس بتشجيع من بعض الملوك و الأمراء و الوزراء، و الاهتمام بالكتب و المكتبات، و الانصراف إلى حلقات التدريس في المساجد و مجالس الجدل و المناظرات، و ظهور علماء و أدباء أفذاذ كانوا أئمة في العلوم النقلية و العقلية، في القراءات و التفسير و الحديث و علوم التاريخ و اللغة و الجغرافيا و الرحلات و الفلسفة و الشعر و الأدب و المنطق ناهيك عن الفقه و الفقهاء الذين كان لهم دور كبير في تفصيل المذاهب و تطويرها و تهذيبها.

اسرته:

نشأ الزمخشري في عصر ازدهرت فيه الآداب و العلوم حيث بسط فيه‏

7

نظام الملك حمايته و رعايته للعلماء و الأدباء و أهل الفضل-في قرية زمخشر ضمن عائلة فقيرة تقية ورعة نالت قسطاً من العلم و الأدب على ما يظهر لنا من أبيات الزمخشري الآتية التي يرثي بها أباه:

فقدته فاضلاً فاضت مآثره # العلم و الأدب المأثور و الورع

لم يأل ما عاش جداً في تقاه يرى # إنّ الحريص على دنياه منخدع

صام النهار و قام الليل و هو شج # من خشية اللّه كابي اللون ممتقع

من المروءة في علياء متّسع # صدراً و إن لم يكن في المال متّسع‏

و في وفيات الأعيان، أن إحدى رجليّ الزمخشري كانت ساقطة بسبب قساوة الثلج و شدّة البرد، و في أنباه الرواة أنه لما دخل بغداد و اجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن سبب قطع رجله فقال: «دعاء الوالدة، و ذلك إني في صباي أمسكت عصفوراً و ربطته بخيط في رجله، و أفلت من يدي، فأدركته و قد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك و قالت: قطع اللّه رجل الأبعد كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي و عملت عليّ عملاً أوجب قطعها» .

و على الإجمال فأسرة الزمخشري كانت أسرة متدينة ملتزمة بآداب الشرع و تعاليمه و هو ما أشاد به هو نفسه في الأبيات التالية:

هات التي شبهت ظلماً بشمس ضحى # لو عارضتها لغطّتها بإشراق

استغفر اللّه أني قد نسبت بها # و لم أكن لحميّاها بذوّاق

و لم يذقها أبي قبلاً و لا أحداً # من أسرتي و اتفاق الناس مصداقي‏

مراحل حياته:

إذا كانت كتب التاريخ الأدبي قد أهملت أخبار الزمخشري ببعض مراحل حياته، فهو نفسه قد سدّ هذا النقص و سجّل بشعره أحداث حياته و منها نعرف أنه نشأ فقيراً في قريته زمخشر ثم انتقل إلى بخارى أو خوارزم لطلب العلم عند ما بلغ سنّ الطلب فأخذ علوم عصره من منابعها الوافرة

8

الصافية، و نعرف من شعره أنه فقد، في مرحلة التحصيل العلمي هذه، والده الذي كان يعينه فقال من قصيدة:

و إن ممّا قراني حسرة و أسى # و ضاقني الكرب من جرّاه و الوجع

أن عاقني شحط دار عن تفقّده # حتى مضى و هو عن ذكراي ملتذع

يا حسرتا إنني لم أرو غلّته # و غلّتي بزمان فيه نجتمع

قد كنت أشكو فراقاً قبل منقطعاً # و كيف لي بعده بالعيش منقطع‏

هذه المرحلة، مرحلة التحصيل العلمي، كانت من أهم مراحل حياته العلمية الحافلة، حيث نضج فيها عقله، و قويت ملكاته، و وضحت شخصيته، و حصّل الكثير من العلوم الإسلامية فنبغ في الأدب: شعره و نثره حيث طارت فيها شهرته، فاتّصل بالملوك و الوزراء و رجالات الدولة يمدحهم و يتقرّب إليهم لينال منصباً يضمن له المال و الجاه لكنه مني بالخيبة و تحسّر من هذه الدنيا التي تضع العالم و ترفع الجاهل فقال:

يا حسرتا من لي بصفقة رابح # في متجر و الفضل رأس المال

يا ويح أهل العلم كيف تأخروا # و السّبق كل السّبق للجهّال

فإلى إلهي المشتكى و بصنعه # دون الأنام منوطة آمالي‏

بعد أن تكاملت شخصية الزمخشري العلمية، بدأ بتطوير صلاته الاجتماعية التي بدأها بالتقرب من رجالات الدولة ثم أتبعها برحلاته إلى مكة و اليمن و أكثر أنحاء الجزيرة و الشام ليعود بعدها إلى وطنه و قد استفاد من أهل العلم و الفضل و أفاد، و نستخلص من شعره أنه عاش في هذه الفترة حياة استقرار نسبي فتزوّج، غير أنه لم يوفّق في زواجه فقال:

تزوّجت لم أعلم و أخطأت لم أصب # فيا ليتني قد متّ قبل التزوّج

فو اللّه ما أبكي على ساكني الثرى # و لكنني أبكي على المتزوّج‏

و قد استبدل مكتبه و تلاميذه بالحياة الزوجية فقال:

و حسبي تصانيفي و حسبي رواتها # بنين بهم سيقت إليّ مطالبي‏

9

و لعلّ الزمخشري لم يجد في وطنه ما تتوق إليه نفسه فتوجه ثانية، نحو سنة 516 هـ إلى بيت اللّه الحرام ليؤدي فريضة الحج و ليقضي البقية الباقية من عمره بجوار بيت اللّه، و في طريقه إليه نظم قصيدته الرائيّة التي تنضح بالزهد و التقوى و التنسّك و التمسّك بحبل اللّه فقال من قصيدة:

سيري تماضر حيث شئت و حدّثي # إني إلى بطحاء مكة سائر

حتى أنيخ و بين أطماري فتىً # للكعبة البيت الحرام مجاور

و اللّه أكبر رحمةٍ، و اللّه أكـ # ثر نعمةٍ، و هو الكريم القادر

يا من يسافر في البلاد منقباً # إني إلى البلد الحرام مسافر

إن هاجر الإنسان عن أوطانه # فاللّه أولى من إليه يهاجر

سأروح بين وفود مكّة وافداً # حتى إذا صدروا فما أنا صادر

حسبي جوار اللّه حسبي وحده # عن كل مفخرةٍ يعدّ الفاخر

لقد استقرّ الزمخشري في مكة يصنف و يؤلف الكتب و يدرّس بين زمزم و المقام؛ و الحقيقة أن هذه المرحلة من حياته تعدّ مرحلة عطاء و إنتاج حيث كتب أشهر مؤلفاته و أنفعها، بعد أن تغيّرت نفسيته الطموحة الحاقدة الثائرة إلى نفس مطمئنة راضية قد انبسط عليها سلطان الدين الإسلامي و نقّى طبيعتها و صفّى مزاجها من كل حقدٍ و غيّ و تهالكٍ على المجد معتبراً نفسه بأنه لم يخلق إلاّ للدين الإسلامي و لم يعش إلاّ لخدمته، فتحلّق حوله فتيان مكة و رحّب به الأمير أبو الحسن علي بن حمزة بن وهاس و مدّ له يد العون بعد أن عرف قدره، و قصده طلاب العلم من أرجاء العالم الإسلامي يأخذون عنه حتى قال قائلهم:

أ مكّة هل تدرين ما ذا تضمّنت # بمقدم جار اللّه منك الأباطح

به و إليه العلم ينمي و ينتهي # و فيه لأرباب العلوم المناجح

محطّ رحال الفاضلين فلم يزل # يحطّ إليه الرّحل غاد و رائح‏

و لكن، على الرغم من الهدوء النفسي، و على الرغم من مجاورته بيت اللّه، و أمنه عاديات الزمن، و ما حقّقه من آمال بمكة، بقي الزمخشري‏

10

يحن إلى وطنه و يرغب في العودة إليه، فقد نسي ما لاقاه من مرّ العيش، فوطنه الذي لم تتفتّح فيه برعمة واحدة من أماليه و أمانيه، هو وطنه الذي تتوق إليه نفسه و يخلد فيه إلى الراحة و السكينة. و تخبرنا كتب التراجم أن الزمخشري بعد أن طالت إقامته بمكة من رحلته الثانية عاود الحنين إلى وطنه مرّة أخرى، و لكن هذه المرّة عاد إليه شيخاً كهلاً ليصبح فخر خوارزم و مرجع العلماء بعد أن علت شهرته في أنحاء العالم الإسلامي.

وفاته:

أقام الزمخشري بخوارزم بعد رجوعه من مكة المكرّمة إلى أن توفّاه اللّه ليلة عرفة سنة 538 هـ بجرجانية، و كان قد أوصى بأن تكتب على قبره هذه الأبيات:

يا من يرى مدّ البعوض جناحها # في ظلمة الليل البهيم الأليل

و يرى عروق نياطها في نحرها # و المخّ في تلك العظام النّحّل

اغفر لعبدٍ تاب من فرطاته # ما كان منه في الزمان الأول‏

شيوخه:

تتلمذ الزمخشري على أعلام مشهورين في الفكر الإسلامي استقى من مناهلهم، و لم يأنف، حتى و هو شيخ، أن يجلس جلسة الطالب المستزيد مع ما وصل إليه من مكانة علمية عظيمة. و كان من أبرز شيوخه:

-محمود بن جرير الضبي الأصفهاني: درس عليه النحو و الأدب.

-الشيخ أبو الحسن علي بن المظفّر النيسابوري الضرير: أخذ عنه الأدب.

-الشيخ السديد الخياطي: أخذ عنه الفقه.

-ركن الدين محمد الأصولي: أخذ عنه الأصول.

-شيخ الإسلام أبو منصور نصر الحارث، و أبو سعد الشقاني النيسابوري، و المحدث أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد اللّه البطر: أخذ عنهم الحديث.

11

و نعلم من كتب التراجم أن الزمخشري قد تنقّل في بلاد كثيرة يتلقّى العلم و الأدب حتى أصبح إماماً في التفسير و النحو و اللغة و الأدب متفنّناً في علوم شتّى حتى طارت شهرته في الآفاق، و لكن هذه الكتب لا تذكر الشيوخ الذين درس عليهم في هذه البلاد الكثيرة التي تنقل فيها. لكن بعض هذه الكتب ذكرت أنه قرأ في مكة كتاب سيبويه على عبد اللّه بن طلحة بن محمد بن عبد اللّه اليابري المتوفّى سنة 518 هـ. و بعضها الآخر ذكر أنه قرأ بعض كتب اللغة، حين مروره ببغداد سنة 533 هـ و هو عائد إلى وطنه في رحلته الثانية إلى مكة، على أبي منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد الجواليقي المتوفّى سنة 539 هـ، و هو من أقران الزمخشري. و استفاد كذلك من الشريف أبي الحسن علي بن عيسى بن حمزة بن وهاس العلوي الذي بنى له منزلاً على «باب أجياد» و لقي منه ترحيباً و حفاوة و رعاية و إكراماً، كما استفاد هو الآخر من الزمخشري أيضاً.

تلامذته:

ذكر السمعاني أن كثيرين من طلاب العلم تتلمذوا على الإمام الزمخشري و أصبحوا بعد ذلك أئمة في اللغة و الأدب و علوم الدين، فقد روى عنه: أبو المحاسن إسماعيل بن عبد اللّه الطويلي بطبرستان و عبد الرحيم البزار بابيورد، و أبو عمر عامر بن الحسن السمار بزمخشر، و أبو سعيد أحمد بن محمود الشاشي بسمرقند، و أبو طاهر سامان بن عبد الملك الفقيه بخوارزم.

و من تلاميذه: علي بن محمد العمراني الخوارزمي، و محمد بن أبي القاسم بايجوك، و أبو يوسف يعقوب بن علي بن محمد بن جعفر البلخي أحد الأئمة في النحو و الأدب.

و كان ممن استجازه، أو أجازهم لرواية كتبه:

الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفي و كان حافظاً مكثراً لم يكن في آخر عمره في عصره مثله و محمد بن عبد الملك البلخي، و هو

12

المعروف بالأديب رشيد الوطواط، كان بارعاً في النظم و النثر و أبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، و السيدة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعري.

عقيدته و مذهبه:

نشأ الزمخشري متحمساً للاعتزال، مجاهراً به، فقد كان إذا قصد صاحباً له و استأذن عليه في الدخول، يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له:

أبو القاسم المعتزلي بالباب. و في ديوان الأدب، أنه كان حنفي المذهب معتزاً بمذهبه و لذلك نراه حين تقدّم به الزمن و غمرته موجة اليأس و الزهد و القناعة ينقل كتبه كلها إلى مشهد أبي حنيفة و يقفها عليه و لا يبقي معه إلاّ كتاب اللّه المبين:

و أسند ديني و اعتقادي و مذهبي # إلى حنفاء اختارهم و حنائفا

حنيفية أديانهم، حنفيّة # مذاهبهم لا يبتغون الزعانفا

و يختلف الزمخشري الحنفي عن الزمخشري المعتزلي، فهو متسامح مع مخالفيه في مسائل الفقه، و لم يمنعه كونه حنيفاً أن يتقبّل مذاهب الآخرين، و على العكس مع مخالفيه في العقيدة حيث سلك معهم أسلوب التقريع و التسفيه و التجريح.

أخلاقه:

كان الزمخشري أبيّ النفس شديد الإعجاب بها، يأنف الضيم، و يدافع عن آرائه و معتقداته، و كان متواضعاً جمّ الأدب، على حظ كبير من التدين و الزهد و البعد عن الشبهات و العزوف عن الدنيا حتى أن بعض مؤرخيه لم يجدوا فيه مطعناً إلاّ الاعتزال، اضطرته ظروفه المعيشية الصعبة في فترة حياته الأولى إلى التكسّب بشعره فمدح و استمنح بعض الملوك و الأمراء، لكنه حين وعى مغبّة صنعه آثر العزلة و أخذ على نفسه الميثاق بأن لا يطأ عتبة سلطان.

و كان الزمخشري لفضله و دينه شديد الحب للعرب يرى أنهم خير أمّة

13

أخرجت للناس و يجهر بتفضيلهم على سائر الأمم، عظيم الإنكار على الشعوبيين يردّ عليهم و يسفّه آراءهم.

ثناء العلماء عليه:

-قال القفطي: كان الزمخشري ممن يضرب به المثل في علم الأدب و النحو و اللغة، صنّف التصانيف في التفسير و غريب الحديث و النحو و غير ذلك، و دخل خراسان و ورد العراق، و ما دخل بلداً إلا اجتمعوا عليه و تلمذوا له و استفادوا منه، و كان علاّمة الأدب و نسّابة العرب، أقام بخوارزم تضرب إليه أكباد الإبل و تحطّ بفنائه رحال الرجال و تحدى باسمه مطايا الإبل.

-و قال الإمام أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي: كان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، و أكثرهم اكتساباً و اطلاعاً على كتبها، و به ختم فضلاؤهم.

-و قال ابن خلكان في ترجمته: هو الإمام الكبير في التفسير و الحديث و النحو و اللغة و علم البيان، كان إمام عصره من غير مدافع، تشدّ إليه الرحال في فنونه.

-و قال السيوطي: كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء و جودة القريحة متفنّناً في كل علم.

مصنّفاته:

قدم الزمخشري للمكتبة الإسلامية مؤلفات قيمة غلب عليها النحو و اللغة و الأدب و الأمثال و المواعظ مع مصنّف واحد في كل من التفسير و الحديث و الفرائض و الفقه و الأصول. و قد ذكرت له المصادر اثنين و خمسين مصنفاً ذكر منها ياقوت تسعة و أربعين أتبعها بقوله: و غير ذلك.

و قد وصل إلينا كثير من هذه المصنفات، طبع بعضها و لا يزال البعض الآخر منها غير مطبوع. و من هذه المصنفات:

-أساس البلاغة. و هو معجم يهتم بالاستعارة و المجاز.

14

-أطواق الذهب (أو النصائح الصغار) و هو مائة مقالة في الوعظ و النصائح و الحكم.

-أعجب العجب في شرح لامية العرب.

-الأمالي في كل فن.

-الأمكنة و الجبال و المياه و البقاع المشهورة في أشعار العرب.

-الأنموذج. و هو كتاب صغير في النحو اختصره من المفصّل.

-تسلية الضرير.

-تعليم المبتدئ و إرشاد المهتدي. و هو عبارة عن جمل مفردة عربية و ترجمتها بالفارسية للناشئين.

-جواهر اللغة.

-خصائص العشرة الكرام البررة.

-ديوان التمثيل.

-ديوان الرسائل.

-ديوان الزمخشري.

-ديوان الشعر.

-رءوس المسائل (في الفقه الخلافي بين المذهبين الحنفي و الشافعي) .

-ربيع الأبرار و نصوص الأخبار (هذا هو الكتاب الذي بين أيدينا و سيأتي الكلام عنه) .

-الرسالة الناصحة.

-سوائر الأمثال.

-شافي العي (من كلام الشافعي رحمه اللّه تعالى) .

-شرح أبيات كتاب سيبويه.

-شرح بعض مشكلات المفصل.

-شرح مقامات الزمخشري (و هو كتاب النصائح الكبار) .

-شقائق النعمان في حقائق النعمان (مناقب أبي حنيفة رحمه اللّه) .

15

-صميم العربية.

-ضالة الناشد في علم الفرائض.

-الفائق (في غريب الحديث) .

-القسطاس.

-القصيدة البعوضية (و أخرى في مسائل الغزالي) .

-الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل (في التفسير) ، و قد بلغ هذا التفسير في نفوس العلماء مبلغاً عظيماً حتى وصلت شروحه و تعليقاته و مختصراته و الردود عليه بما يربو على ستة و ثلاثين مصنفاً.

-الكشف في القراءات.

-متشابه أسامي الرواة.

-المحاجاة في الأحاجي و الاغلوطات.

-مختصر الموافقة بين أهل البيت و الصحابة.

-مسألة في حكمة الشهادة.

-المستقصى (في أمثال العرب) .

-معجم الحدود (في الفقه) .

-المفرد و المركب أو المؤلف.

-المفصل في تعليم النحو.

-مقامات الزمخشري.

-مقدمة الأدب (معجم عربي فارسي) .

-المنهاج (في أصول الفقه) .

-نزهة المستأنس.

-النصائح الصغار و البوالغ الكبار.

-نكت الأعراب في غريب الإعراب (في غريب إعراب القرآن) .

-نوابغ الكلم (مجموعة حكم و أقوال) .

16

كتاب ربيع الأبرار:

صنّف الزمخشري كتاب «ربيع الأبرار» بعد أن صنّف كتابه «الكشاف عن حقائق التنزيل» الذي فرغ منه بمكة المكرمة سنة 528 هـ. قال الزمخشري في مقدمة كتاب ربيع الأبرار:

«هذا كتاب قصدت به إجمام خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل، و ترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه و خباياه، و التنفيس عن أذهانهم المكدودة باستيضاح غوامضه و خفاياه، و أن تكون مطالعته ترفيهاً لمن ملّ، و النظر فيه إحماضاً لمن اختلّ، فأخرجته لهم روضةً مزهرة، و حديقةً مثمرة، متبرّجةً بزخارفها، ميّاسةً برفارفها، تمتّع برائع زهرها، و تلهي بيانع ثمرها، و تقرّ العيون بآنف مرآها، و تفعم الأنوف بعبق ريّاها، و تلذّ الأفواه بطيب جناها، و تستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، و تطبى النفوس إلى برد ظلّها الفضفاض، و تميل الأعطاف بغصونها الأماليد، و طيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، و نهزة المقتبس، من خلا به استغنى عن كل جليس، و من أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه نديماً مالك و عقيل، و أين من دلّ غزله كثيّر عزّة و جميل؛ إن أردت السمر فيا له من سمير، و إن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، و إن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق بالدمع أجفانك، أو الملح المضحكة ففيه ما يفرّ بضاحكة أسنانك» .

و الكتاب مرتب على ثمان و تسعين بابا، في موضوعات مختلفة كان الزمخشري يجمع ما يتصل بكل موضوع من أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم ما ورد عنه في أقوال الصحابة و يتبعه بأقوال التابعين و العباد و الزهاد و النساك، و الحكماء من العرب و الفرس، و الشعراء إن وجد شعرا بمعناه، و أقوال أنبياء بني إسرائيل و غيرهم، و كان يسرد قصصا مسلّية و أخبارا متّصلة بتاريخ العرب و ملوكهم و خلفائهم و أمرائهم و قوادهم و مغنّيهم و شعرائهم تجمل بالمتأدبين معرفتها و الاطلاع عليها إذ كانت منتخلة من غرر الأخبار و منتقاة من عيونها و مأخوذة من مظانّها، و منقولة عن أهل الخبرة بها. و باختصار فإن‏

17

ما جاء في هذه الأبواب من موضوعات مهمة يعتبر ذخيرة من الأخبار عن جميع منامي حياة العرب الاجتماعية تقريبا استطاع الزمخشري أن ينتقيها لنا في دقّة الوصف و بساطة التعبير و سهولة الصياغة و روعة التصوير، خالية من كل فحش و سخف، فإذا هي صورة صادقة عن أساليب الحياة المعيشية عند العرب في عصري الجاهلية و الإسلام، و هي، بهذا-التنوّع في الموضوعات، تدلّ دلالة واضحة على سعة ثقافة الزمخشري و اطلاعه الواسع الشامل على ثقافة العرب و غيرهم من الأمم.

و لا بدّ من الإشارة إلى أن الزمخشري نقل في هذا الكتاب عن بعض كتبه و بخاصة ديوان المنظوم، و ديوان المنثور اللذين لا نعرف إذا كانا كتابين مستقلّين أم أن ديوان المنظوم هو ديوان شعره، و ديوان المنثور هو ديوان الرسائل؟و كذلك فقد نقل في هذا الكتاب عن كتبه: الرسالة الناصحة، و النصائح الصغار، و نوابغ الكلم و غيرها، و عند ما ينقل من هذه الكتب يقول: قال جار اللّه، و قال الفقير إليه، و قال ابن أخت خالتي، و قال عبد اللّه الفقير إليه، و قال المصنّف... و غيرها من العبارات التي يريد بها نفسه.

و قد ذكر كتاب ربيع الأبرار في كثير من كتب المؤرخين و أصحاب التراجم، فهو في وفيات الأعيان: ربيع الأبرار و نصوص الأخبار، و هو في إرشاد الأديب لياقوت: ربيع الأبرار في الأدب و المحاضرات، و هو في تاريخ الأدب العربي لـ بروكلمان: ربيع الأبرار، و في تكملته: ربيع الأبرار فيما يسرّ الخواطر و الأفكار.

و لربيع الأبرار مختصرات و منتخبات. فقد اختصره المولى محي الدين بن الخطيب قاسم بن يعقوب المتوفى سنة 940 هـ. و سمّاه: روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار و رتّبه على خمسين روضة، كما انتخبه آخر و سماه: أنوار الربيع، و اختصره غيره و سماه: نفحات أزهار ربيع الأبرار.

و على الإجمال فربيع الأبرار من الكتب المهمة التي تتناول الشعر

18

و التاريخ و الأدب و كل أصناف العلوم، و مطالبتنا لمؤلفه بأن يذهب أبعد ممّا ذهب إليه في تنظيم موسوعته و في تيسير تناولها قد لا تكون في محلّها لأن ربيع الأبرار تجربة رائدة قصد منها الزمخشري تهذيب النفوس و الإفادة من التراث الصالح للسلّف الصالح.

لقد آثرت عدم ذكر المراجع التي أخذت عنها و أفدت منها أثناء شرح هذا الكتاب، فأهل العلم و التحقيق و التدقيق أقدر منّي على استيعاب ما يشاءون من المصادر و المراجع، و هم لذلك في غنى عن إدلالي عليهم بكثرة مراجعي و تنوعها، و إذا كان لا بدّ من ذكر أهمها فهي نسخة وزارة الأوقاف و الشئون الدينية العراقية المطبوعة من هذا الكتاب التي كانت أهدتنا إياها مشكورة مؤسسة الأعلمي و كلّفتنا شرحها و ترجمة أعلامها، هذه المؤسسة التي ما زالت رائدة في اكتشاف كنوز المسلمين و إحياء تراثهم المجيد و نشره بأفضل الطرق و أقلّ التكاليف.

آملا أن أكون وفّقت في شرح هذا الكتاب، و اللّه الموفّق و المستعان.

عبد الأمير علي مهنا بيروت 1992

19

مقدمة المؤلف:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هو حسبي و نعم الوكيل الحمد للّه الذي استحمد إلى عباده بموجبات المحامد، مما أسبغ عليهم من نعمه البوادي العوائد، حمدا مل‏ء ذات الرجع‏ (1) ، و طلاع ذات الصدع‏ (2) ، إلى أن يبلغ رضاه، و يقضي موجب حقه و مقتضاه.

و الصلاة على النبي المرسل رحمة للعالمين المبتعث قدوة للعالمين أدحض‏ (3) بآياته حجج المبطلين، و محق بمعجزاته شبه المعطلين‏ (4) ،

____________

(1) الرجع: المطر لأنه يرجع مرّة بعد مرّة. و في التنزيل العزيز: و السماء ذات الرجع.

و يقال: ذات النفع، و الأرض ذات الصّدع.

قال ثعلب: ترجع بالمطر سنة بعد سنة. و قيل: ذات الرجع ذات المطر لأنه يجي‏ء و يرجع و يتكرّر.

راجع اللسان مادة رجع.

(2) الصدع: الشقّ في الشي‏ء الصلب و جمعه صدوع. و في التنزيل العزيز: و الأرض ذات الصدع؛ قال ثعلب: هي الأرض تنصدع بالنبات. و تصدّعت الأرض بالنبات:

تشقّقت. و انصدع الصبح: انشقّ عنه الليل.

راجع اللسان مادة صدع.

(3) أدحض الحجة: أبطلها. قال تعالى: حجّتهم داحضة.

(4) المعطلون: هم الدهريون، الذين عطّلوا المصنوعات عن صانعها و قالوا ما حكاه اللّه عنهم: مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ .

و معطّلة العرب على أصناف:

منهم صنف أنكروا الخالق و البعث و الإعادة و قالوا بالطبع المحيي و الدهر المفني.

و منهم صنف أقروا بالخالق و ابتداء الخلق و الإبداع، و أنكروا البعث و الإعادة.

و منهم صنف أقروا بالخالق و ابتداء الخلق و نوع من الإعادة. و أنكروا الرسل و عبدوا الأصنام و زعموا أنهم شفعاؤهم عند اللّه في الدار الآخرة، و حجّوا إليها و نحروا لها الهدايا و قرّبوا القرابين و تقرّبوا إليها بالمناسك و المشاعر و أحلّوا و حرّموا، و هم الدّهماء من العرب.

20

و الرضوان على من طاب و طهر من عشيرته و أهل قرابته، و هاجر و نصر من أحبته و صحابته، و من كاشف دونه العجم و العرب، حتى كشف عن وجهه الكرب، و الرحمة على من ابتعهم بإحسان، و على علماء الملة الحنيفية (1)

في كل زمان.

و هذا كتاب قصدت به إجمام‏ (2) خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل‏ (3) ، و ترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه و خباياه، و التنفيس عن أذهانهم المكدودة (4) باستيضاح غوامضه و خفاياه، و أن تكون مطالعته ترفيها لمن ملّ، و النظر فيه إحماضا (5) لمن راجع الملل و النحل للشهرستاني (بتحقيقنا) 2: 582-583 طبعة دار المعرفة.

____________

(1) الحنيف: المسلم الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ملّة إبراهيم عليه السّلام. و قيل: من كان على دين إبراهيم فهو حنيف عند العرب، و كان عبدة الأوثان في الجاهلية يقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم، فلما جاء الإسلام سمّوا المسلم حنيفا، و معنى الحنيفيّة في اللغة الميل و المعنى أن إبراهيم حنف إلى دين اللّه و دين الإسلام، و إنما أخذ الحنف من قولهم رجل أحنف و رجل حنفاء، و هو الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها بأصابعها.

(2) إجمام: إراحة. و الجمام: (بالفتح) الراحة. يقال: أجمّ نفسك يوما أو يومين أي أرحها.

(3) الكشاف عن حقائق التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل: هو كتاب في تفسير القرآن الكريم للزمخشري. ألّفه في مكة المكرّمة و هو مطبوع و من أشهر كتبه، لا تزال نسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني.

(4) المكدودة: المتبعة.

(5) الإحماض: الإفاضة في ما يؤنس من حديث. الانتقال من الجدّ إلى الهزل.

و سيرد، بعد قليل، عن ابن عباس أنه كان يقول عند ملله: أحمضوا. فيخوضون عند ذلك في الأخبار و الأشعار.

21

اختلّ، فأخرجته لهم روضة مزهرة، و حديقة مثمرة، متبرجة بزخارفها، مياسة برفارفها (1) ، تمتع برائع زهرها، و تلهي بيانع ثمرها، و تقر العيون بآنق مرآها، و تفعم الأنوف بعبق رياها، و تلذ الأفواه بطيب جناها، و تستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، و تطبى‏ (2) النفوس إلى برد ظلها الفضفاض، و تميل الأعطاف بغصونها الأماليد (3) ، و طيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، و نهزة (4) المقتبس‏ (5) ، و من خلا به استغنى عن كل جليس، و من أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه‏ (6) نديما مالك و عقيل‏ (7) ، و أين من دلّ غزله كثير عزة (8) و جميل‏ (9) . إن أردت

____________

(1) رفّ النبات رفا و رفيفا و ارتفّ: اهتزّ نضاره.

(2) تطبي النفوس: تستميلها.

(3) الغصون الأماليد: الناعمة. و رجل أملود، و امرأة أملود و أملودة و ملداء: ناعمة و الملدان: اهتزاز الغصن و نعمته.

(4) النّهزة: الفرصة تجدها من صاحبك. يقال: فلان نهزة المختلس، أي هو صيد لكل أحد. و منه حديث الدحداح: و انتهز الحقّ إذا الحقّ وضح. أي قبله و أسرع إلى تناوله. و المناهزة: المبادرة.

(5) المقتبس: المستفيد.

(6) الندام: جمع نديم و هو الصاحب و الرفيق على الشراب، و تجمع لفظة نديم أيضا على ندماء و ندمان.

(7) مالك و عقيل: أخوان و هما ابنا فارج بن مالك بن كعب. كانا من خاصة ملك الحيرة جذيمة الأبرش و كانت منازله ما بين الأنبار وهيت و عين التمر و أطراف البرّ و القطقطانة. يضرب بهما المثل في طول الصحبة لأنهما، على ما قيل، نادما الملك أربعين سنة في خبر طويل رواه صاحب الأغاني (15: 302) بتحقيقنا) طبعة دار الكتب العلمية.

قال متمم بن نويرة يرثي أخاه:

و كنّا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا

فلمّا تفرّقنا كأني و مالكا # لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

و البيتان من قصيدة مطلعها:

لعمري و ما دهري بتأبين مالك # و لا جزع ممّا أصاب فأوجعا

و قد ورثت بهما السيدة عائشة عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبيش و هو جبل بأسفل مكة، و قيل إنه اسم موضع.

راجع: زوجات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أولاده (ص 145 و هو من تأليفنا) .

(8) كثير عزّة:

هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر الخزاعي، أبو صخر: شاعر، متيّم مشهور. من أهل المدنية. أكثر إقامته بمصر. وفد على عبد الملك بن مروان فرفع مجلسه، كان في نفسه شمم و ترفّع. يقال له ابن أبي جمعة و كثير عزّة و الملحي نسبة إلى بني مليح و هم قبيلته. كان شاعر أهل الحجاز في الإسلام و في المؤرخين من يذكر أنه من غلاة الشيعة. أخباره مع عزّة بنت حميل الضمرية كثيرة. كان عفيفا في حبه و توفي بالمدينة سنة 105 هـ. راجع الأعلام للزركلي 5: 219 و فيه مصادر ترجمته.

(9) جميل: 82 هـ-701 م.

هو جميل بن عبد اللّه بن معمر العذري القضاعي، أبو عمرو: شاعر، من عشاق العرب افتتن ببثينة، من فتيات قومه فتناقل الناس أخبارهما. شعره يذوب رقّة أقلّ ما فيه المدح، و أكثره في النسيب و الغزل و الفخر. قصد عبد العزيز بن مروان في مصر فأكرمه و أمر له بمنزل أقام فيه قليلا و مات سنة 82 هـ. راجع الأعلام 2: 138 و الوفيات: 1: 115 و ابن عساكر: 3: 395.

22

السمر فيا له من سمير، و إن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، و إن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق‏ (1) بالدمع أجفانك أو الملح‏ (2)

المضحكة ففيه ما يفر (3) بضاحكه أسنانك.

مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، فساعة فيها يناجي ربه، و ساعة فيها يحاسب نفسه، و ساعة فيها يفضي إلى إخوانه الذين يصدقونه عن عيوب نفسه، و ساعة يخلي فيها بين نفسه و بين لذاتها فيما يحل و يجمل، فإن في هذه الساعة عونا لتلك الساعات و إجماما للقلوب.

____________

(1) يشرق بالدمع أجفانك: يملأها.

(2) الملحة: الكلمة المليحة و الجمع ملح.

(3) يفر: يكشف. و افترّ: تلألأ. و الفرّة: الابتسام. و الأفرّ: الحسن الثغر و الابتسام.

23

و عن علي‏ (1) رضي اللّه عنه: اجموا هذه القلوب و ابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان، و في رواية: إن هذه النفوس تمل، و هذه القلوب تدثر، فابتغوا لها طرائف الحكم و ملاهيها.

و عن ابن عباس‏ (2) إنه كان يقول عند ملله: أحمضوا فيخوضون عند ذلك في الأخبار و الأشعار.

و عن قسامة بن زهير (3) : روحوا القلوب تع‏ (4) الذكر.

و عن سلمان الفارسي‏ (5) : أنا احتسب نومتي كما أحتسب قومتي‏ (6)

____________

(1) علي: هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي. 40 هـ 661 م.

أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، و أحد العشرة المبشرين، و ابن عم النبي و صهره و أحد الشجعان الأبطال، و من أكابر الخطباء و العلماء بالقضاء و أول الناس إسلاما بعد خديجة.

(2) ابن عباس. هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس:

حبر الأمة، الصحابي الجليل. ولد بمكة و نشأ في عصر النبوّة فلازم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و روى عنه الأحاديث الصحيحة، و شهد مع الإمام علي الجمل و صفّين و كفّ بصره في آخر عمره فسكن الطائف و توفي بها سنة 68 هـ. له في الصحيحين و غيرهما 1160 حديثا.

قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال و الحرام و العربية و الأنساب و الشعر.

راجع الأعلام 4: 95.

(3) قسامة بن زهير: من رواة الحديث. روى عن أبي موسى الأشعري و روى عنه قتادة و الجريري و البصريون. قيل إنه من الصحابة، و قيل إنه من تابعي أهل البصرة، اشترك مع عتبة بن غزوان في فتح الأبلة سنة 13 هـ. كنيته أبو المنهال. قال عنه ابن حجر في الإصابة (الترجمة 1097) : غير منسوب... ذكره أبو معشر الدولابي في الصحابة و لم يخرج له شيئا. راجع الطبري 1: 2384 و تاج العروس مادة: قسم.

(4) وعى الحديث: قبله و تدبّره و حفظه و فهمه. و تع جواب الطلب مجزوم بحذف حرف العلة من آخره.

(5) سلمان الفارسي: توفي سنة 36 هـ.

صحابي، من مقدميهم. كان يسمي نفسه سلمان الإسلام. قصد بلاد العرب فلقيه ركب من بني كلب فاستخدموه ثم استعبدوه و باعوه فاشتراه رجل من قريظة فجاء به إلى المدينة. علم بخبر الإسلام فقصد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقباء و سمع كلامه و لازمه أياما. أعانه المسلمون على شراء نفسه من صاحبه فأظهر إسلامه. كان قوي الجسم صحيح الرأي عالما بالشرائع و غيرها. و هو الذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب حتى اختلف عليه المهاجرون و الأنصار كلاهما يقول: سلمان منّا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سلمان منّا أهل البيت. و سئل عنه الإمام علي فقال: امرؤ منّا و إلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم، علم العلم الأول و العلم الآخر، و قرأ الكتاب الأول و الكتاب الآخر، و كان بحرا لا ينزف. و جعل أميرا على المدائن فأقام فيها إلى أن توفي. كان إذا خرج عطاؤه تصدّق به، ينسج الخوص و يأكل خبز الشعير من كسب يده. له ستون حديثا. راجع الأعلام 3: 111-112.

(6) و يقال: أنا احتسب نومتي من قومتي.

24

و عن أردشير بن بابك‏ (1) : إن للآذان مجة، و للقلوب ملة، ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما.

و عن بعض العرب: روحوا الأذهان كما تروحون الأبدان.

و عن آخر: نفسك راحلتك، إن رفهتها اضطلعت‏ (2) و إن نفهتها (3)

انقطعت.

أسأل اللّه أن يجعل جميع ما تصوره أفكارنا في النفوس، و تسطره أيدينا في الطروس‏ (4) ، مبتغي به وجهه، متوخي فيه رضوانه، مأمونا معه سخطه، مرجوا عنده غفرانه، إنه المولى المولي‏ (5) كل حظ جسيم، الموري زناد كل خير عميم.

____________

(1) أردشير بن بابك: مؤسس الدولة الساسانية، ملك من سنة 226 م إلى سنة 241.

كان محمود السيرة مظفرا في حروبه منصورا لا تردّ له راية. مدّن المدن و كوّر الكور، و رتّب المراتب و عمّر البلاد. دان له أهل الحيرة و الأنبار. أخبار حروبه كثيرة في كتب الأدب و له ترجمة طويلة في تاريخ ابن الأثير 1: 380.

(2) اضطلعت: قويت.

(3) نفهتها: أتعبتها.

(4) الطروس: الصحائف و الكتب.

(5) المولي كل حظ: المعطي كل نصيب.

25

الباب الأول الأوقات و ذكر الدنيا و الآخرة

1-الحسن‏ (1) : يا ابن آدم إلى متى هذا التسويف، فإنك ليومك و لست لغدك، فإن يكن غد لك فكس‏ (2) ، كما كست في يومك، و إن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطته في يومك. لقد أدركت أقواما ما كان أحدهم أشح‏ (3) على عمره منه على درهمه و لا ديناره.

2-[شاعر]:

____________

(1) الحسن:

هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد سيرد كثيرا في أجزاء هذا الكتاب تحت هذا الاسم و هو تابعي، كان إمام أهل البصرة، و حبر الأمة في زمنه. و هو أحد العلماء الفقهاء النسّاك. ولد بالمدينة و شبّ في كنف الإمام علي بن أبي طالب. كان يدخل على الولاة فيأمرهم و ينهاهم لا يخاف في الحقّ لومة. له مع الحجاج بن يوسف مواقف. و لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه: إني قد ابتليت بهذا الأمر فانظر لي أعوانا يعينونني عليه. فأجابه الحسن: أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، و أما أبناء الآخرة، فلا يريدونك، فاستعن باللّه. أخباره كثيرة، و له كلمات سائرة توفي سنة 110 هـ. راجع الأعلام 2: 226.

(2) كاس يكيس كيسا و كياسة: عقل و فطن و ظرف. و الكياسة هي تمكين النفس من استنباط ما هو أنفع. و كس فعل أمر.

(3) أشح: أبخل، و الشحّ: البخل.

26

و لا تزج‏ (1) فعل الصالحات إلى غد # لعلّ غدا يأتي و أنت فقيد

3-فرعون التميمي‏ (2) : قل من احتلب خلف‏ (3) الزمان إلا رمح‏ (4)

بقدم الحدثان‏ (5) .

4-نزل النعمان بن المنذر (6) : تحت شجرة ليلهو، فقال له عدي‏ (7) : أيها الملك أ تدري ما تقول هذه الشجرة، ثم أنشأ يقول:

رب ركب قد أناخوا عندنا # يشربون الخمر بالماء الزلال

ثم أضحوا عصف الدهر بهم # و كذاك الدهر حالا بعد حال‏ (8)

____________

(1) لا تزج: لا تؤخّر. و الفعل مجزوم بلا الناهية.

(2) فرعون التميمي: لم نعثر في المراجع التي بين أيدينا على علم بهذا الاسم.

(3) الخلف: حلمة ضرع الناقة.

(4) رمحته الدابة: رفسته. و رمحه يرمحه رمحا: طعنه بالرّمح فهو رامح. و رمح الفرس و البغل و الحمار و كل ذي حافر: ضرب برجله، و قيل: ضرب برجليه جميعا، و الاسم الرّماح.

(5) الحدثان: كناية عن الليل و النهار. و حدثان الدهر: صروفه و نوائبه.

(6) النعمان بن المنذر: 608 م. هو النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان بن عدي بن نصر اللخمي من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية. كنيته أبو قابوس، و هو ممدوح النابغة الذبياني، و حسّان بن ثابت، و حاتم الطائي، و صاحب قصة وفود العرب على كسرى، و صاحب يومي البؤس و النعيم، و قاتل عبيد بن الأبرص الشاعر في يوم بؤسه، و قاتل عديّ بن زيد.

(7) عديّ: هو عديّ بن زيد بن حماد بن زيد العبادي التميمي شاعر، من دهاة الجاهليين. هو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، اتخذه في خاصته و جعله ترجمانا بينه و بين العرب فسكن المدائن. تزوج هندا بنت النعمان بن المنذر و وشى به أعداء له إلى النعمان بما أوغر صدره فسجنه و قتله في سجنه بالحيرة سنة 35 ق. هـ. راجع ترجمته في الأعلام 4: 220 و خزانة الأدب 1: 184-186 و النجوم الزاهرة 1: 249.

(8) البيتان، ضمن أبيات، في الأغاني وردت في قصة تنصر النعمان. قال أبو الفرج:

خرج النعمان يتنزّه بظهر الحيرة و معه عديّ بن زيد، فمرّ على المقابر من ظهر الحيرة و نهرها، فقال له عديّ بن زيد: أبيت اللعن أ تدري ما تقول هذه المقابر؟قال:

لا، ... فانصرف و قد دخلته رقة، فمكث بعد ذلك يسيرا، ثم خرج خرجة أخرى فمرّ على تلك المقابر و معه عديّ، فقال له: أبيت اللّعن، أ تدري ما تقول هذه المقابر؟قال: لا، قال: فإنها تقول:

من رآنا فليحدّث نفسه # أنه موف على قرن زوال

و صروف الدهر لا يبقى لها # و لما تأتي به صمّ الجبال

ربّ ركب قد أناخوا عندنا # يشربون الخمر بالماء الزلال

و الأباريق عليها فدم # و جياد الخيل تردي في الحلال

عمروا دهرا بعيش حسن # آمني دهرهم غير عجال

ثم أضحوا عصف الدهر بهم # و كذاك الدهر يودي بالرجال

و كذاك الدهر يرمي بالفتى # في طلاب العيش حالا بعد حال‏

قال الصولي في خبره: فرجع النعمان فتنصّر. غير أن صاحب الأغاني انتقد الخبر و قال عنه إنه مختلط. راجع الأغاني 2: 126 (بتحقيقنا) دار الكتب العلمية.

27

فتنغص على النعمان يومه.

5-قيل لبعضهم أيما أطيب الخريف أم الربيع؟قال: الربيع للعين و الخريف للفم.

6-أنشد ابن الأعرابي‏ (1) :

يا سبعة كلهم أخوان # ليسوا يموتون و هم شبان

لم يرهم في موضع إنسان‏

هي أيام الجمعة (2) .

7-الخليل‏ (3) : الأيام ثلاثة، معهود، و مشهود، و موعود. أراد

____________

(1) ابن الأعرابي: هو محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي، أبو عبد اللّه: راوية، ناسب. علاّمة باللغة، من أهل الكوفة. كان أحول. أبوه مولى للعباس بن محمد ابن علي الهاشمي. و ابن الأعرابي ربيب المفضّل بن محمد صاحب المفضليات.

مات بسامراء سنة 231 هـ له تصانيف كثيرة. راجع ترجمته في الأعلام 6: 131 و وفيات الأعيان 1: 492 و تاريخ بغداد 5: 288.

(2) أيام الجمعة: أي أيام الأسبوع السبعة.

(3) الخليل: هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن من أئمة اللغة و الأدب، و واضع علم العروض، أخذه من الموسيقى و كان عارفا بها، و هو أستاذ سيبويه النحوي. ولد و مات بالبصرة و عاش فقيرا صابرا.

له كتاب «العين» في اللغة و غيره كثير. توفي سنة 170 هـ. راجع ترجمته في وفيات الأعيان: 1: 172 و نزهة الجليس 1: 80.

28

الأمس و اليوم و الغد.

8-أعرابي: من أفاده الدهر أفاد منه.

9-ابن السماك‏ (1) : الدنيا من نالها مات منها، و من لم ينلها مات عليها.

10-موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي‏ (2) .

إذا أنا لم أقبل من الدهر كلما # تكرهت منه طال عتبي على الدهر

11-قيل لابن جريج‏ (3) كم صيفكم بمكة؟قال ثلاثة عشر شهرا.

____________

(1) ابن السماك: 183 هـ.

هو محمد صبيح بن السماك مولى بني عجل. كان راوية للحديث و واعظا. قيل إنه وعظ الرشيد مرّة فغشي عليه. روى عن هشام بن عروة و طبقته، و روى عنه أحمد، و ابن نمير. راجع حلية الأولياء 8: 204.

(2) موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن من شعراء الطالبيين، له رواية للحديث، من سكان المدنية و هو القائل:

تولّت بهجة الدنيا # فكل جديدها خلق

و خان الناس كلّهم # فما أدري بمن أثق

رأيت معالم الخيرا # ت سدّت دونها الطرق

فلا حسب و لا نسب # و لا دين و لا خلق‏

و هو أخو محمد و إبراهيم ابني عبد اللّه، قتلهما أبو جعفر المنصور، و ظفر به، فضربه و عفا عنه. سكن بغداد و عاش إلى أيام الرشيد، و له خبر معه، و نسله كثير.

توفي نحو سنة 180 هـ. راجع مقاتل الطالبيين 390-397 و لسان الميزان 6: 123 و تاريخ بغداد 12: 25.

(3) ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد و أبو خالد فقيه الحرم المكي. كان إمام أهل الحجاز في عصره. و هو أول من صنّف التصانيف في العلم بمكة. رومي الأصل من موالي قريش، مكي المولد و الوفاة. قال الذهبي: كان ثبتا لكنه يدلّس. توفي سنة 150 هـ. راجع ترجمته في صفة الصفوة 2: 122 و ابن خلكان 1: 286.

29

12-[شاعر]:

و إني رأيت الدهر منذ صحبته # محاسنه مقرونة بمعايبه

إذا سرني في أول الأمر لم أزل # على حذر من غمه في عواقبه‏

13-عن علي رضي اللّه عنه: من وسع عليه في دنياه و لم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع.

14-حكيم: الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: للغنى، و العز، و الراحة، فمن زهد فيها عز، و من قنع استغنى، و من قل سعيه استراح.

15-قال الحسن‏ (1) لعلي: أما ترى حب الناس للدنيا، قال: هم أولادها، أ فيلام المرء على حب والدته؟.

16-علي رضي اللّه عنه: الدنيا و الآخرة كالمشرق و المغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت من الآخر.

و عن علي رضي اللّه عنه: من وسع عليه في دنياه و لم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله.

17-بكر بن عبد اللّه المزني‏ (2) : المستغني عن الدنيا بالدنيا

____________

(1) الحسن: هو الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو محمد (50 هـ- 670 م) خامس الخلفاء الراشدين و آخرهم و ثاني الأئمة الاثني عشر عند الإمامية. ولد في المدينة المنورة و أمه فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو أكبر أولادها و أوّلهم. كان عاقلا حليما محبا للخير فصيحا من أحسن الناس منطقا و بديهة. قيل:

كان معاوية يوصي أصحابه باجتناب محاورة رجلين هما: الحسن بن علي و عبد اللّه بن عباس لقوة بداهتهما. حجّ عشرين حجة ماشيا. توفي مسموما. كانت مدة خلافته ستة أشهر و خمسة أيام و إليه نسبة الحسنيين كافة. كان نقش خاتمه: «اللّه أكبر و به أستعين» توفي منه 50 هـ راجع ترجمته في تهذيب التهذيب 2: 295.

(2) بكر بن عبد اللّه المزني:

كان من خيار التابعين يعيش عيش الأغنياء و يجالس الفقراء و المساكين. روى الحديث و سمع من أنس بن مالك و ابن عمر و جابر بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن معقل، و معقل بن يسار. حلية الأولياء 2: 422.

30

كالمطفي النار بالتبن.

18-إبراهيم بن اسماعيل‏ (1) : العجب لمن يغتر بالدنيا و إنما هي عقوبة ذنب.

19-الأصمعي‏ (2) : سمعت أبا عمرو بن العلاء (3) يقول: كنت أدور في ضيعة لي سمعت من يقول:

و إن امرأ دنياه أكبر همّه # لمستمسك منها بحبل غرور (4)

فجعلته نقش خاتمي.

20-ناسك: صاحب الدنيا مسكين يأكلها لمّا، و يوسعها ذما.

21-الحسن: قال: لرجل كيف طلبك للدنيا؟قال: شديد.

قال: فهل أدركت منها ما تريد؟قال: لا. قال: فهذه التي تطلبها لم

____________

(1) إبراهيم بن إسماعيل:

ذكر في تذكرة الحفاظ 2: 243 و اللباب 1: 73 على أنه من حفاظ الحديث توفي في طوس نحو سنة 290 هـ و له مسند كبير. و هناك أكثر من علم بهذا الاسم.

(2) الأصمعي:

هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد راوية العرب و أحد أئمة العلم باللغة و الشعر و البلدان. نسبته إلى جدّه أصمع. مولده و وفاته في البصرة.

كان كثير التطواف في البوادي يقتبس علومها و يتلقى أخبارها و يتحف بها الخلفاء فيكافأ عليها بالعطايا الوافرة. كان الرشيد يسمّيه شيطان الشعر. تصانيفه كثيرة. توفي سنة 216 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 4: 162 و ابن خلكان 1: 288.

(3) أبو عمرو بن العلاء:

هو زبّان بن عمار التميمي المازني البصري. من أئمة اللغة و الأدب و أحد القرّاء السبعة. ولد بمكة و نشأ بالبصرة و مات بالكوفة. قال الفرزدق:

ما زلت أغلق أبوابا و أفتحها # حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار

قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالأدب و العربية و القرآن و الشعر، و كانت عامة أخباره عن أعراب أدركوا الجاهلية. توفي سنة 154 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 3: 41 و فوات الوفيات 1: 164 و ابن خلكان: 1: 386 و الذريعة 1: 318.

(4) و في نسخة:

و إن الذي يعطي رياء و سمعة # كمثل الذي صلّى بغير طهور

31

تدرك منها ما تريد فكيف التي لم تطلبها؟ (1) .

22-أعرابي: أطيب الزمان ما قرت به العينان.

23-وهب‏ (2) : بينما ركب يسيرون هتف بهم هاتف‏ (3) :

ألا إنما الدنيا مقيل لرائح # قضى وطرا من حاجة ثم هجرا

24-قيل لحكيم: ما مثل الدنيا؟قال: هي أقل من أن يكون لها مثل.

25-أعرابي: خرجت في ليلة حندس‏ (4) قد ألقت على الأرض أكارعها (5) ، فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالأذان، فسرنا حتى أخذ الليل ينفض ضبعيه‏ (6) .

26-قال رجل:

تطاول الليل لا تسرى كواكبه # أم حار حتى رأيت النجم حيرانا

____________

(1) في نسخة:

و منه أخذ أبو هلال العسكري:

أراك تطلب دنيا لست تدركها # فكيف تدرك أخرى لست تطلبها

و الحسن هو الحسن البصري الذي تقدّمت ترجمته.

(2) وهب:

هو وهب بن منبه الأبناوي الصنعاني الذماري، أبو عبد اللّه مؤرخ، كثير الأخبار عن الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين و لا سيما الإسرائليات. يعد في التابعين.

أصله من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن. أمّه من حمير. ولد و مات بصنعاء و ولاّه عمر بن عبد العزيز قضاءها. و في «طبقات الخواص» أنه صحب ابن عباس و لازمه ثلاث عشرة سنة. توفي سنة 114 هـ. راجع ترجمته في شذرات الذهب 1: 150 و ابن سعد 5: 395 و الأعلام 8: 125.

(3) كانت الهواتف قد كثرت في العرب، و كان أكثرها أيام ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إن من حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع و جسم غير مرئي. راجع أخبار الهواتف عند العرب في المستطرف للأبشيهي الباب التاسع و الخمسون.

(4) ليلة حندس: ليلة شديدة الظلام.

(5) الأكارع: الأطراف.

(6) الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد و هما ضبعان.

32

فأجابه آخر:

ما طال ليل و لا حارت كواكبه # ليل المحب طويل كيف ما كانا

27-[قال شاعر]:

كأنما الليل الطويل بها # قصرا و طيبا قبلة الخلس‏ (1)

28-علي بن عبيدة (2) : عين الدهر تطرف بالمكاره و الخلائق بين أجفانه.

29-قيل لراهب: متى عيدكم؟قال: كل يوم لا أعصي اللّه فيه فهو يوم عيد.

[و]قيل لزاهد: أي خلق اللّه أصغر؟قال: الدنيا إذ كانت لا تعدل عنده جناح بعوضة. فقال السائل: و من عظم هذا الجناح كان أصغر منه.

30-أراد بعض الأعراب السفر في أول السنة فقال: إن سافرت في المحرم كنت جديرا أن أحرم، و إن رحلت في صفر خشيت على يدي أن تصفر، فأخر السفر إلى شهر ربيع. فلما سافر مرض و لم يحظ بطائل، فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربع‏ (3) الأمراض.

31-[شاعر]:

و إن امرأ قد جرب الدهر لم يخف # تقلّب عصريه لغير لبيب‏

____________

(1) خلس الشي‏ء خلسا: سلبه بمخاتلة و عاجلا. و الخلسة: الفرصة المناسبة.

(2) علي بن عبيدة:

هو علي بن عبيدة الريحاني، كاتب من البلغاء الفصحاء. كان له اختصاص بالمأمون العباسي. صنّف كتبا سلك بها نهج الحكمة و اتهم بالزندقة. له مع المأمون أخبار. من كتبه «المعاني» و «الخصال» و «صفة العلماء» و «الأجواد» . توفي سنة 219 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 4: 310 و النجوم الزاهرة 2: 231.

(3) ربع الأمراض: هي ما نسميه اليوم مرض الملاريا. و الرّبع في الحمى: إتيانها في اليوم الرابع، و ذلك أن يحمّ يوما و يترك يومين لا يحمّ و يحمّ في اليوم الرابع، و هي حمى ربع و قد ربع الرجل فهو مربوع و مربع. اللسان مادة ربع.

33

32-[آخر]:

الآن أدبني الزمان و من يكن # مستمليا أخباره يتأدب‏

33-[آخر]:

الدهر لم تركد رحاه ساعة # متلون ذو ألسن و وجوه‏

34-[آخر]:

يقولون إن العام أخلف نوءه‏ (1) # و ما كل عام روضة و غدير

35-عن أبي زيد الأنصاري‏ (2) : دخلت على أبي الدقيش‏ (3) و هو مريض، فقلت: كيف تجدك؟قال: أجد ما لا أشتهي، و أشتهي ما لا

____________

(1) النوء: النوء سقوط نجم في المغرب مع الفجر و طلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق. و الأنواء ثمانية و عشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلّها. يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر و يطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته و كلاهما معلوم مسمّى. و انقضاء هذه الثمانية و العشرين كلها مع انقضاء السنة. ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة. و كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم و طلع آخر قالوا: لا بدّ من أن يكون عند ذلك مطر أو رياح فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم فيقولون مطرنا بنوء الثريا أو الدبران أو السماك...

و هذه الأنواء هي منازل القمر ينزل كل ليلة في منزلة منها و هي السرطان، و البطين، و النجم، و الدبران، و الهقعة، و الهنعة، و الذراع، و النثرة، و الطّرف، و الجبهة، و الخراثان، و الصرفة، و العواء، و السماك، و الغفر، و الزبانى، و الاكليل، و القلب، و الشولة و النعائم، و البلدة، و سعد الذبائح، و سعد بلع، و سعد السعود، و سعد الأخبية، و فرغ الدلو المقدم، و فرغ الدلو المؤخر، و الحوت. و كما يقال مطرنا بنوء كذا، يقال: سقينا بنوء كذا.

(2) أبو زيد الأنصاري: هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري (215 هـ-830 م) أحد أئمة الأدب و اللغة، من أهل البصرة و وفاته بها. كان يرى رأي القدرية و هو من ثقات اللغويين. الأعلام 3: 92.

(3) أبو الدقيش: من الأعراب الذين كانوا يقصدون البصرة و يتصلون بعلماء اللغة فيسألهم هؤلاء عن غريبها. راجع تاج العروس مادة دقش.

34

أجد، و أنا في زمان سوء من وجد لم يجد، و من جاد لم يجد.

36-قيل للحسن‏ (1) : يا أيا سعيد أ ما رويت عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: لا يزداد الزمان إلا شدة، و لا تقوم الساعة إلا على شرار خلقه؟قال: بلى قيل فما بال زمن عمر بن عبد العزيز (2) ؟قال: لا بد للناس من تنفيس.

37-[شاعر]:

قد اغتدي و الليل في حريمه # معكسرا في الغر من نجومه‏ (3)

و الصبح قد نشم في أديمه # يدعه بضفتي حيزومه‏ (4)

دع الوصي في قفا يتيمه‏

38-الجاحظ (5) : يوم النيروز (6) أسن من يوم المهرجان‏ (7) بعمر طويل، لأن النيروز قبل الطوفان في ملك جم‏ (8) ، و هو اليوم الذي ابتدأ فيه

____________

(1) الحسن: هو الحسن البصري، تقدمت ترجمته.

(2) عمر بن عبد العزيز أبو حفص، الخليفة الصالح، و الملك العادل، من ملوك الدولة المروانية الأموية بالشام. ولي الخلافة بعهد من سليمان سنة 99 هـ و سكن الناس في أيامه، فمنع سبّ الإمام علي بن أبي طالب (و كان من تقدمه من الأمويين يسبونه على المنابر) . توفي سنة 101 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 5: 50 و فوات الوفيات 2: 105 و الشذرات 1: 119.

(3) النجوم الغر: المتلألئة. و الأغر: الأبيض الوجه.

(4) يقال: نشم الثور أي كان فيه نقط سود و نقط بيض فهو نشم. و أديم الليل. ظلمته.

و الحيزوم: وسط الصدر و الجمع حيازم و حيازيم.

(5) الجاحظ: هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ توفي سنة 255 هـ كبير أئمة الأدب و رئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة.

مات و الكتاب على صدره. الأعلام 5: 74.

(6) النيروز و النوروز عند الفرس: أول يوم من السنة الشمسية و هو يوم الفرح عموما. من عادة عوام الفرس فيه رفع النار في ليلته ورش الماء في صبيحته و للملوك فيه عادات.

(7) المهرجان: اسم عيد من أعياد الفرس، يقع في السادس و العشرين من تشرين الأول من شهور السريان، و في السادس عشر من شهور الفرس، و هذا الأوان وسط زمان الخريف و هو ستة أيام و يسمون اليوم السادس المهرجان الأكبر.

(8) جم: أحد ملوك الفرس الأوائل.

35

في كيس موضع بأصبهان‏ (1) كان عميقا جدا، كل من وقع فيه لم يقدر على الخروج منه، و المهرجان في زمان أفريدون‏ (2) ، و هو اليوم الذي قيد فيه الضحاك‏ (3) في جبل دنباوند فاتخذه عيدا.

39-أبو السمط (4) في المتوكل‏ (5) :

____________

(1) أصبهان: مدينة من مدن فارس المشهورة. منهم من يفتح الهمزة، و منهم من يكسرها. راجع معجم البلدان 4: 206.

(2) أفريدون: هو أفريدون بن أثفيان، و هو من ولد جمشيد. و قد زعم بعض نسّابة الفرس أن نوحا هو أفريدون الذي قهر الضحّاك و سلبه ملكه، و زعم بعضهم أن أفريدون هو ذو القرنين صاحب إبراهيم الذي ذكره اللّه في كلامه العزيز. أمّا باقي نسّابة الفرس فإنهم ينسبون أفريدون إلى جمشيد الملك، و كان بينهما عشرة آباء كلهم يسمّى أثفيان خوفا من الضحاك. و أفريدون أول من ذلّل الفيلة و امتطاها و نتج البغال و اتخذ الإوزّ و الحمام و عمل الترياق و ردّ المظالم و أمر الناس بعبادة اللّه و الإنصاف و الإحسان و ردّ على الناس ما كان الضحاك غصبه من الأرض، و هو أول من نظر في علم الطبّ. و لم يزل أفريدون يتبع من بقي بالسواد من آل نمرود و النبط و غيرهم حتى أتى على وجودهم و محا أعلامهم و كان ملكه خمسمائة سنة.

(3) الضحّاك: هو بيوراسب و هو الازدهاق الذي يسميه العرب الضحاك. و أهل اليمن يدّعون أن الضحاك منهم. و أنه أول الفراعنة، كان ملك مصر لما قدمها إبراهيم الخليل، و الفرس تذكر أنه منهم. زعم أهل الأخبار أنه كان ساحرا فاجرا. قال هشام ابن الكلبي: ملك الضحاك بعد جم فيما يزعمون، و اللّه أعلم، ألف سنة نزل السواد في قرية يقال لها برس قرب الكوفة و سار بالجور و العسف، و بسط يده في القتل، و كان أول من سنّ الصلب و القطع، و أول من وضع العشور و ضرب الدراهم و أول من تغنى و غنّي له. قال: و بلغنا أن الضحاك هو نمرود، و أن إبراهيم، عليه السّلام، ولد في زمانه. و تزعم الفرس أن الضحاك كان غاصبا، غصب أهل الأرض بسحره و خبثه و هوّل عليهم بالحيّتين اللّتين كانتا على منكبيه، قيل إنهما لحمتان طويلتان كانتا تضطربان فيذبح من أجلهما الصبيان فتسكنان. راجع أخباره في الكامل في التاريخ لابن الأثير 1: 74.

(4) أبو السمط:

هو مروان بن يحيى (أبي الجنوب) بن مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة توفي نحو 240 هـ-وال، من الشعراء. يلقّب غبار العسكر لبيت قاله، و يعرف بمروان الأصغر تمييزا له عن جدّه. قال المرزباني: سلك سبيل جدّه في الطعن على آل الإمام علي بن أبي طالب مع قلّة حظه من جيّد الشعر. حسنت حاله عند المتوكل فنادمه و قلّده المتوكل اليمامة و البحرين و طريق مكة. مدح المأمون و المعتصم و الواثق. الأعلام 7: 209 و المزرباني 399 و ابن خلكان 2: 90.

(5) المتوكل: هو جعفر (المتوكل على اللّه) بن محمد (المعتصم باللّه) بن هارون الرشيد أبو الفضل توفي سنة 247 هـ خليفة عباسي. بويع بعد وفاة أخيه الواثق سنة 232 هـ.

الأعلام 2: 127.

36

بدولة جعفر حسن الزمان # لنا في كل يوم مهرجان

جعلت هويتي لك فيه وشيا # و خير الوشي ما نسج اللسان‏

40-جحظة البرمكي‏ (1) :

و ليل في كواكبه حران # فليس لطول مدته انتهاء (2)

عدمت تبلج الإصباح فيه # كأن الصبح جود أو وفاء (3)

41-النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: من أصبحت الدنيا همه و سدمه‏ (4) نزع اللّه الغنى من قلبه، و صيّر الفقر بين عينيه، و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. و من أصبحت الآخرة همه و سدمه نزع اللّه الفقر من قلبه، و صير الغنى نصب عينيه، و أتته الدنيا و هي راغمة.

42-مثل الدنيا و الآخرة مثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.

43-المسيح عليه السّلام: أنا الذي كفأت الدنيا على وجهها، فليس لي

____________

(1) جحظة البرمكي:

هو أحمد بن جعفر بن موسى بن الوزير يحيى بن خالد بن برمك، أبو الحسن توفي سنة 324 هـ-: نديم أديب مغن، من بقايا البرامكة، من أهل بغداد، كان في عينيه نتوء فلقبه ابن المعتز بجحظة فلزمه اللقب. كان كثير الرواية للأخبار متفننا في فنون العلم. الأعلام 1: 107 و معجم الأدباء 1: 383 و ابن خلكان 1: 41.

(2) حرن بالمكان: لزمه و لم يفارقه. و حرن البغل: وقف و لم ينقد، و حران الكواكب:

كناية عن طول الليل.

(3) بلج الصبح: أشرق و أضاء.

(4) السّدم: الحزن و الهمّ.

37

زوج تموت، و لا بيت يخرب.

44-وهب بن منبه: الدنيا غنيمة الأكياس‏ (1) ، و حسرة الحمقى.

45-يحيى بن معاذ (2) : الدنيا حانوت الشيطان، فلا تسرق من حانوته شيئا فيجي‏ء في طلبك فيأخذك.

و عنه: الدنيا دار خراب، و أخرب منها قلب من يعمرها، و الآخرة دار عمران، و أعمر منها قلب من يطلبها.

46-النبي عليه السّلام: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، و لا الآخرة للدنيا، و لكن خيركم من أخذ من هذه و هذه.

47-علي بن الحسين السجاد (3) : الدنيا سبات‏ (4) ، و الآخرة يقظة، و نحن بينهما أضغاث‏ (5) .

____________

(1) كاس يكيس كيسا و كياسة: ظرف و فطن. الكيس: العقل و الظرف و الفطنة.

(2) يحيى بن معاذ: أبو زكريا، واعظ، زاهد، من أهل الريّ. أقام ببلخ و مات في نيسابور سنة 258 هـ من كلماته السائرة:

اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس: العلماء الغافلين، و القراء المداهنين، و المتصوّفة الجاهلين. الأعلام 8: 172 و صفة الصفوة 4: 71 و طبقات الصوفية 107-114.

(3) علي بن الحسين السجّاد:

هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الملقب بزين العابدين:

رابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، يضرب به المثل في الحلم و الورع. أحصي بعد موته عدد من كان يقوتهم سرا، فكانوا نحو مائة بيت. قال أهل المدينة: ما فقدنا صدقة السرّ إلاّ بعد موت زين العابدين. و قال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين معاشهم و مآكلهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ليلا إلى منازلهم توفي سنة 94 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 4: 277 و الوفيات: 1: 320 و ابن سعد 5: 156 و صفة الصفوة 2: 52.

(4) السبات: النوم أو أوّله.

(5) الضغث من الخبر و الأمر: ما كان مختلطا لا حقيقة له و الجمع أضغاث. و أضغاث أحلام: أي أحلام مختلطة ملتبسة لا يصحّ تأويلها لاختلاطها. و كلام ضغث: لا خير فيه.

38

48-كان الحسن‏ (1) يتمثل كثيرا بقول نهشل بن حري‏ (2) :

و ما الدنيا بباقية لحي # و لا حي على الحدثان باقي‏

49-قيل لمحمد بن واسع‏ (3) إنك لترضى بالدون‏ (4) . قال إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا.

50-فرقد (5) : اتخذوا الدنيا ظئرا (6) ، و اتخذوا الآخرة أما، أ لم تروا إلى الصبي إذا ترعرع و عقل رمى بنفسه على أمه، و ترك ظئره.

51-هرم بن حبّان‏ (7) : ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم، و لا عصى

____________

(1) الحسن: هو الحسن البصري:

(2) نهشل بن حري: نحو 45 هـ نحو 665 م.

هو نهشل بن حري بن ضمرة الدارمي، شاعر مخضرم. أسلم و لم ير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صحب الإمام علي في حروبه. كان من خير بيوت بني دارم. الأعلام 8: 49.

(3) محمد بن واسع: 132 هـ-741 م.

هو محمد بن واسع بن جابر الأزدي، أبو بكر: فقيه ورع من الزهاد، من أهل البصرة، عرض عليه قضاؤها فأبى. من ثقات أهل الحديث. قال الأصمعي: لما صافّ قتيبة بن مسلم الترك و هاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو ذاك في الميمنة ينضنض بإصبعه نحو السماء، قال: تلك الأصبع أحب إليّ من مائة ألف سيف. توفي سنة 123 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 7: 133 و تهذيب التهذيب 9: 499 و تاريخ الإسلام للذهبي 5: 159-161.

(4) الدون: القليل.

(5) فرقد:

هو فرقد السبخي، أبو يعقوب، من رواة الحديث الزهّاد. كان معاصرا للحسن البصري، يحسن قراءة التوراة توفي سنة 131 هـ. راجع ميزان الاعتدال 3: 345.

(6) الظئر: المرضعة العاطفة على ولد غيرها و الجمع أظؤر و ظؤار...

(7) هرم بن حبان: بعد 26 هـ-بعد 647 م.

هو هرم بن حبان العبدي الأزدي، من بني عبد القيس، قائد، فاتح، من كبار النسّاك من التابعين. كان أمير بني عبد القيس في الفتوح. ولي بعض الحروب في أيام عمر و عثمان بأرض فارس. حاصر «بوشهر» سنة 18 و دخلها. بعثه عثمان بن أبي العاص أمير البحرين إلى قلعة بجرة (قلعة الشيوخ) فافتتحها عنوة سنة 26. مات في إحدى غزواته توفي بعد سنة 26 هـ. راجع الأعلام 8: 82.

39

اللّه كريم.

52-[شاعر]:

و لم أر مثل الليل جنّة فاتك # إذا هم أمضى أو غنيمة ناسك‏ (1)

53-[آخر]:

ما ذا يريني الليل من أهواله # أنا ابن عم الليل و ابن خاله‏ (2)

إذا دجا دخلت في سرباله # لست كمن يغرق من خياله‏ (3)

54-يزيد الرقاشي‏ (4) : أيامك ثلاثة، يومك الذي ولدت فيه، و يوم نزولك قبرك، و يوم خروجك إلى ربك، فيا له من يوم قصير خبئ له يومان طويلان.

55-اجتمعت عند رابعة (5) : عدة من الفقهاء و الزهاد، فذموا الدنيا، و هي ساكتة، فلما فرغوا قالت لهم: من أحب شيئا أكثر من ذكره، إمّا بحمد و إما بذم، فإن كانت الدنيا في قلوبكم لا شي‏ء فلم تذكرون لا شي‏ء؟.

56-[شاعر]:

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه # فما فاته منها فليس بضائر (6)

____________

(1) الجنّة: السّترة و الجمع جنن.

(2) قوله: أنا ابن عم الليل و ابن خاله: كناية عن شدة بأسه و اعتداده بنفسه.

(3) دجا الليل: أظلم.

(4) يزيد الرقاشي: 161 هـ.

هو يزيد بن أبان الرقاشي البصري، أبو عمرو، من زهاد البصرة و يعدّ من التابعين.

راو عابد. ميزان الاعتدال 4: 418.

(5) رابعة:

هي رابعة بنت إسماعيل العدوية، أم الخير، مولاة آل عتيك، البصرية: صالحة مشهورة. لها أخبار في العبادة و النسك و لها شعر. توفيت بالقدس سنة 135 هـ. قال ابن خلّكان: و قبرها يزار و هو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور الأعلام 3: 10 و وفيات الأعيان 1: 182 و الدرّ المنثور 202.

(6) ضاره الأمر يضيره ضيرا: أضرّ به.

40

57-كان زبيد اليامي‏ (1) و علقمة (2) و جماعة من الزهاد إذا كان يوم النيروز أو المهرجان اعتكفوا في مساجدهم، و قالوا: اللهم إن هؤلاء اعتكفوا على كفرهم و جورهم، اللهم و إنا اعتكفنا على إيماننا فاغفر لنا.

58-أهدى النعمان بن المرزبان جد أبي حنيفة الفالوذج إلى علي رضي اللّه عنه يوم النيروز، فقال: نورزونا كل يوم. و قيل يوم المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم.

59-داود الطائي‏ (3) : إنما الليل و النهار مراحل ينزلها الناس مرحلة بعد مرحلة، حتى تنتهي بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب، و الأمر أعجل من ذاك، و كأنك قد بغتك.

و عنه: لا تمهر الدنيا دينك، فأن من أمهر الدنيا دينه زفت إليه الندم.

و سأله رجل أراد أن يتعلم الرمي، فقال: إن الرمي حسن، و لكنها أيامك فانظر بم تقطعها.

____________

(1) زبيد اليامي:

هو زبيد بن الحارث اليامي. تابعي، محدّث ثقة، فيه تشيّع توفي سنة 126 هـ.

راجع ميزان الاعتدال 2: 66.

(2) علقمة:

هو علقمة بن قيس بن عبد اللّه بن مالك النخعي الهمداني. تابعي، كان فقيه العراق. ولد في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و روى الحديث عن الصحابة و رواه عنه كثيرون.

توفي بالكوفة سنة 62 هـ راجع ترجمته في تهذيب التهذيب 7: 276 و تذكرة الحفاظ 1: 45.

(3) داود الطائي:

هو داود بن نصير الطائي، أبو سليمان، من أئمة المتصوفين. كان في أيام المهدي العباسي. أصله من خراسان و مولده بالكوفة. أخذ عن أبي حنيفة و غيره. اعتزل في آخر أيامه الناس و لزم العبادة إلى أن مات سنة 165 هـ. له أخبار مع أمراء عصره و علمائه. الأعلام 2: 335 و وفيات الأعيان 1: 177. و حلية الأولياء 7: 335.

41

60-الثوري‏ (1) : إذا أردت أن تعرف الدنيا، فانظر في يد من هي.

61-عمر بن ذر الهمداني‏ (2) : أمس و اليوم أخوان نزل بك أحدهما، فأسأت نزله و قراه‏ (3) فرحل عنك و هو ذام، ثم نزل بك أخوه، فقال: امح إساءتك إلى أخي بإحسان إلي، فما أخلقك إن ألحقتني في الإساءة بأخي إن تعطب بشهادتنا عليك.

62-محمد بن سوقة (4) : مثل الدنيا و الآخرة ككفتي الميزان بقدر ما ترجح إحداهما تخف الأخرى.

63-[شاعر]:

صبحتهم و الفجر ينفض رأسه # قد همّ بالأسفار أو لم يسفر

و الليل منهزم الظلام يشلّه # ضوء كناصية الحصان الأشقر (5)

64-البعيث‏ (6) :

____________

(1) الثوري:

هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللّه. أمير المؤمنين في الحديث.

كان سيد أهل زمانه في علوم الدين و التقوى. راوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى. ثم طلبه المهدي فتوارى. مات في البصرة مستخفيا سنة 161 هـ. من كلامه: ما حفظت شيئا فنسيته. راجع الأعلام 3: 104 و ابن النديم 1: 225 و ابن سعد 6: 257.

(2) عمر بن ذر الهمداني:

هو عمر بن ذر بن عبد اللّه بن زرارة الهمداني المرهبي، من رجال الحديث، من أهل الكوفة. كان رأسا في الإرجاء فاختلفوا في صحة حديثه. توفي سنة 153 هـ راجع ترجمته في تهذيب التهذيب 7: 444 و الأعلام 5: 46.

(3) القرى: طعام الضيف.

(4) محمد بن سوقة: من أتباع التابعين في الكوفة. كان تاجرا يبيع الخزّ. راجع تاج العروس مادة سوق، و حلية الأولياء 5: 3.

(5) الناصية: شعر مقدّم الرأس إذا طال جمع نواص و ناصيات. و نواصي الناس:

أشرافهم.

(6) البعيث:

هو خداش بن بشر بن خالد، أبو زيد التميمي، خطيب، شاعر، من أهل البصرة. كانت بينه و بين جرير مهاجاة دامت نحو أربعين سنة. توفي بالبصرة سنة 134 هـ. راجع الأعلام 2: 302.

42

تطاول هذا الليل حتى كأنه # إذا ما مضى تثنى عليه أوائله‏

65-ابن الدمينة (1) :

نهاري نهار الناس حتى إذا دنا # لي الليل هزتني إليك المضاجع

أقضي نهاري بالأحاديث و المنى # و يجمعني و الهم بالليل جامع‏ (2)

66-ابن دريد (3) :

يا ليل لا تبح الإصباح حوزتنا # و لتحم جانبه أعناقك السود (4)

67-بنى ملك من بني إسرائيل مدينة فتنوّق‏ (5) في بنائها، ثم صنع

____________

(1) ابن الدمينة:

هو عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أحمد، من بني عامر بن تيم اللّه، من خثعم، أبو السريّ، و الدمينة أمّه، شاعر بدوي من أرق الناس شعرا. أكثر شعره الغزل و النسيب و الفخر، و هو من شعراء العصر الأموي. اغتاله مصعب بن عمرو السلولي و هو عائد من الحج في تبالة سنة 130 هـ. له ديوان شعر. الأعلام 4: 102.

(2) البيتان من قصيدة مطلعها:

أقمت على زمّان يوما و ليلة # لأنظر ما واشي أميمة صانع‏

و البيت الثاني جاء أولا في الأغاني و روايته:

أقضّي نهاري بالحديث و بالمنى # ........................

و رواية البيت الأول في الأغاني:

نهاري نهار الناس حتى إذا دنا # لي الليل هزّتني إليك المضاجع‏

راجع الأغاني 17: 105.

(3) ابن دريد:

هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، أبو بكر، من أئمة اللغة و الأدب. كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء و أعلم الشعراء. و هو صاحب المقصورة التي مدح بها آل ميكال. اتصل بالمقتدر العباسي فأجرى عليه في كل شهر خمسين دينارا فأقام في بغداد إلى أن توفي سنة 321 هـ. الأعلام 6: 80.

(4) الحوزة: الناحية.

(5) تنوّق في ملبسه أو مطعمه أو أموره: تجوّد فيها و تأنّق.

43

للناس طعاما، و نصب على باب المدينة من يسأل عنها، فلم يعبها أحد، إلا ثلاثة عليهم الأكسية، فأنهم قالوا: رأيا عيبين، فسألهم، فقالوا:

تخرب و يموت صاحبها. فقال: هل تعلمون دارا تسلم من هذين العيبين؟ قالوا: نعم، الآخرة، فخلى ملكه و تعبد معهم زمانا، ثم ودعهم، فقالوا: هل رأيت منا ما تكرهه؟قال: لا، و لكن عرفتموني فأنتم تكرمونني، فأصحب من لا يعرفني.

68-ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.

69-مجاهد (1) : ما من يوم من أيام الدنيا يمضي إلا قال: الحمد للّه أراحني من الدنيا و أهلها، ثم يطوى و يختم حتى يكون اللّه هو الذي يفض خاتمه.

70-النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: إذا عظمت أمتي الدنيا نزع منها هيبة الإسلام.

71-الفضيل‏ (2) : لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة، لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها، يخاف أن تعيب ثوبه.

-و عنه: تجي‏ء الدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها و بهجتها، فتقول:

يا رب اجعلني لأخس عبادك. فيقول: لا أرضاك له دارا، لست بشي‏ء، فكوني هباء منثورا.

____________

(1) مجاهد: 104 هـ 722 م.

هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم، تابعي مفسّر من أهل مكة، أخذ التفسير عن ابن عباس. يقال إنه مات و هو ساجد. الأعلام 5: 278.

(2) الفضيل:

هو الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، أبو علي. شيخ الحرم المكي، من أكابر العباد الصلحاء. كان ثقة في الحديث، أخذ عنهم خلق منهم الإمام الشافعي، توفي بمكة سنة 187 هـ. من كلامه: من عرف الناس استراح.

الأعلام 5: 153.

44

-و عنه: لو كانت لك، فقيل: دعها و يوسع لك في قبرك أ ما كنت فاعلا؟أو قيل لك: دعها و تسقى شربة في عطش يوم القيامة، أ ما كنت فاعلا؟.

-و عنه: جمع الخير كله في بيت، جعل مفتاحه الزهد في الدنيا.

و جمع الشر كله في بيت، و جعل مفتاحه حب الدنيا.

-و عنه: لأن أطلب الدنيا بالطبل و المزمار أحب إلي من أن أطلبها بديني.

-و عنه: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن يطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة.

72-في الحديث: قال اللّه تعالى يا دنيا مرّي لعبدي المؤمن، و لا تحلولي‏ (1) له.

73-كان ابن عيينة (2) يتمثل بهذين البيتين:

دنيا تناولها العباد ذميمة # شيبت بأكره من نقيع الحنظل‏ (3)

و بنات دهر لا تزال صروفها # فيها وقائع مثل وقع الجندل‏ (4)

74-احتضر عابد فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان و الهموم

____________

(1) أحلولى الشي‏ء و تحلّى و استحلى: وجده حلوا. و احلولى الشي‏ء: صار حلوا.

(2) ابن عيينة: 198 هـ-184 م.

هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد، محدّث الحرم المكي، من الموالي. كان حافظا ثقة، واسع العلم، كبير القدر. كان أعور و حجّ سبعين سنة. له «الجامع» في الحديث، و كتاب في التفسير. الأعلام 3: 105.

(3) الحنظل: نبات يمتد على الأرض كالبطيخ و ثمره يشبه ثمر البطيخ لكنه أصغر منه جدا، و يضرب المثل بمرارته.

(4) بنات الدهر: كناية عن المصائب. قال المتنبي في وصف الحمّى:

أبنت الدهر عندي كلّ بنت # فكيف وصلت أنت من الزحام‏

و صروف الدهر: نوائبه. و الجندل: الصخر القاسي.

45

و الخطايا و الذنوب، و إنما تأسّفي على ليلة نمتها، و يوم أفطرته، و ساعة غفلت فيها عن ذكر اللّه.

75-إبراهيم بن أدهم‏ (1) : فرغ قلبك من ذكر الدنيا، يفرغ عليك الرضا إفراغا.

76-[شاعر]:

هذه الدنيا و إن سرّ # ت قليلا من قليل

إنما العيش جوار اللـ # ه في ظل ظليل

حيث لا تسمع ما يؤ # ذيك من قال و قيل‏

77-كفاك منغصا (2) للدنيا أن اللّه يعصى فيها.

78-وقفت أعرابية على قوم فقالت: تيسروا للقاء اللّه فإن هذه الأيام تدرجنا أدارجا (3) .

79-إسماعيل بن عبد اللّه القسري: اعتذر إليّ رجل في آخر يوم من شعبان فقال: و اللّه فإني في غبرة (4) يوم عظيم، و تلقاء ليلة تغبر على أيام عظام، ما كان ما بلغك.

____________

(1) إبراهيم بن أدهم:

هو إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي أبو إسحاق، زاهد مشهور. كان يلبس في الشتاء فروا لا قميص تحته و لا يتعمّم في الصيف و لا يحتذي، يصوم في السفر و الإقامة و ينطق بالعربية الفصحى لا يلحن. كان إذا حضر مجلس سفيان الثوري و هو يعظ أوجز سفيان في كلامه مخافة أن يزل. أخباره كثيرة فيها اضطراب.

توفي سنة 161 هـ. راجع ترجمته في تهذيب ابن عساكر 2: 197 و البداية و النهاية 10: 135 و الأعلام 1: 31.

(2) نغّص اللّه عليه العيش، و نغّص عيشه: كدّر عيشه. و النغصة: ما يمنع من تتميم المراد.

(3) درج القوم و اندرجوا: انقرضوا و ماتوا. و يقال: درج و درّج و أدرج الكتاب: طواه و لفّه.

(4) الغبر، جمع غبرات: البقية من الشي‏ء.

46

80-الموصلي‏ (1) : قال لي جعفر بن يحيى البرمكي‏ (2) : بكرّ عليّ فقلت: أنا و الصبح فرسا رهان‏ (3) .

81-المستورد (4) : عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع.

82-خطب الحجاج‏ (5) فقال: إن اللّه أمرنا بطلب الآخرة، و كفانا مئونة الدنيا، فليته كفانا مئونة الآخرة، و أمرنا بطلب الدنيا، فقال الحسن‏ (6) : ضآلة المؤمن عند فاسق فليأخذها.

____________

(1) الموصلي:

هو إبراهيم بن ماهان (أو ميمون) بن بهمن. الموصلي التميمي بالولاء، أبو إسحاق النديم. أوحد زمانه في الغناء و اختراع الألحان. شاعر، من ندماء الخلفاء. فارسي الأصل من بيت كبير في العجم. جعله هارون الرشيد من ندمائه و خاصته. مرض في بغداد فعاده الرشيد. أخباره كثيرة في كتب الأدب و خاصة في الأغاني. كان ينظم الأبيات و يلحّنها و يغنّيها توفي سنة 188 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 1: 58.

(2) جعفر بن يحيى البرمكي:

هو جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، أبو الفضل، وزير الرشيد العباسي، واحد مشهوري البرامكة و مقدميهم. كان هارون الرشيد يدعوه: أخي. فانقادت له الدولة يحكم بما يشاء فلا ترد أحكامه إلى أن نقم الرشيد على البرامكة نقمته المشهورة فقتله في مقدمتهم سنة 187 هـ ثم أحرق جثّته بعد سنة. الأعلام 2: 130 و راجع مقدمة كتابنا «الطرب و النشيد في مجالس هارون الرشيد» طبعة دار الفكر اللبناني.

(3) قوله: أنا و الصبح فرسا رهان: كناية عن السرعة. أي أنه سيبكّر عليه قبل طلوع الصباح.

(4) المستورد:

هو المستورد بن شداد بن عمرو القرشي الفهري: صحابي، من أهل مكة، سكن الكوفة مدّة و شهد فتح مصر و توفي بالإسكندرية، له سبعة أحاديث منها حديثان في صحيح مسلم. توفي سنة 45 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 7: 215 و الإصابة ت 7930.

(5) الحجاج:

هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد: قائد، داهية، سفّاك، خطيب. كان في شرطة روح بن زنباع ثم ولاّه عبد الملك بن مروان أمر عسكره فقتل عبد اللّه بن الزبير ثم ولاّه عبد الملك على مكة و المدينة و الطائف ثم أضاف إليها العراق و الثورة قائمة فيه فقمع الثورة و ثبتت له الإمارة عشرين سنة. بنى مدينة واسط و مات فيها. أخباره كثيرة متفرقة في كتب الأدب و التاريخ توفي سنة 95 هـ. راجع ترجمته في الأعلام 2: 168 و ابن عساكر 4: 48 و المسعودي 2: 103-119.

(6) الحسن: هو الحسن البصري. تقدمت ترجمته.

47

83-أبو العتاهية (1) :

أصبحت و اللّه في مضيق # هل من دليل على الطريق

أف لدنيا تلعّبت بي # تلعّب الموج بالغريق‏

84-كان علي رضي اللّه عنه يتمثل:

و من يصحب الدنيا يكن مثل قابض # على الماء خانته فروج الأصابع‏ (2)

85-أنس‏ (3) رضي اللّه عنه: إن اللّه جعل الدنيا دار بلوى، و الآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا، و ثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي و يبتلي‏ (4) ليجزي.

____________

(1) أبو العتاهية:

هو إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي (من قبيلة عنزة) بالولاء، أبو إسحاق: شاعر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع. يعدّ من مقدمي المولدين، من طبقة بشار و أبي نواس و أمثالهما. أشتهر في الزهد و الحكمة. اتصل بالخلفاء و علت مكانته عندهم. توفي سنة 211 هـ. راجع ترجمته في الشعر و الشعراء 309 و الذريعة 1: 318.

(2) فرج الشي‏ء فرجا و فرّجه: فتحه. و الفروجة الواحدة منها التفرجة: الفتحة بين الإصبعين. و فروج الأصابع: فتحاتها.

(3) أنس:

هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري، أبو ثمامة أو أبو حمزة. صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خادمه. روى عنه رجال الحديث 2286 حديثا و هو آخر من مات بالبصرة من الصحابة. توفي سنة 93 هـ-. راجع ترجمته في طبقات ابن سعد 7: 10.

(4) يبتلي: يختبر.

48

86-الحسن: أهينوا الدنيا فأنها أهنأ ما تكون لكم أهون ما تكون عليكم.

87-ابن عيينة (1) : أوحى اللّه إلى الدنيا: من خدمك فأتعبيه، و من خدمني فاخدميه.

88-قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إذا جعت ضعفت، و إذا شبعت وقع على البهر (2) فقال: يا ابن أخي، هذه دار ليست توافقك، فاطلب دارا غيرها.

89-علي رضي اللّه عنه: الدنيا دار ممر إلى دار مقر، و الناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها (3) ، و رجل ابتاعها فأعتقها (4) .

-و عنه: أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل‏ (5) فيه المنايا، مع كل جرعة شرق‏ (6) ، و في كل أكلة غصص، لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى.

90-أنس، رفعه‏ (7) : إن اللّه يعطي الدنيا على نية الآخرة و لا يعطي الآخرة على نية الدنيا...

91-علي بن الحسين: من هوان الدنيا على اللّه أن يحيى بن

____________

(1) ابن عيينة: هو سفيان بن عيينة. تقدمت ترجمته.

(2) بهر و انبهر: انقطع نفسه من السعي الشديد فهو بهير و مبهور. و البهر: انقطاع النفس من الاعياء و يقال: بهرا له: أي نفسا له.

(3) أوبق النفس: أهلكها. يقال: فلان يركب الموبقات: أي المهالك. و يفعل الموبقات: أي المعاصي.

(4) أعتق النفس: أصلحها و أخرجها من الرق و العبودية.

(5) تنتضل: تتبارى. و نضله نضلا: سبقه و غلبه في النضال و باراه في رمي السهام.

(6) شرق: غصّة.

(7) قوله: أنس، رفعه: أراد أنس بن مالك، و رفعه: أي رفع الحديث و نسبه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

49

زكريا (1) أهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل في طست‏ (2) من ذهب. فيه‏ (3) تسلية لحر فاضل يرى الناقص الدني‏ء يظفر من الدنيا بالحظ السني، كما أصابت تلك الفاجرة تلك الهدية العظيمة.

92-سئل زاهد عن الدنيا فقال: جمة (4) المصائب، رنقة (5)

المشارب، لا تمتع صاحبا بصاحب.

93-علي رضي اللّه عنه: و إن جانب منها اعذوذب‏ (6) وحلا، أمر منها جانب فأوبأ (7) .

94-ثابت بن معبد (8) : الدنيا كذنب العقرب في آخرها سمها و حمتها (9) .

95-المأمون‏ (10) : لو سئلت الدنيا عن نفسها، لما وصفتها إلا بما قال أبو نواس‏ (11) :

____________

(1) يحيى بن زكريا، و النصارى تسميه يوحنّا المعمدان: هو النبي يحيى بن زكريا عليه السّلام.

(2) الطست: إناء من نحاس لغسل الأيدي و الجمع طسوت.

(3) قوله «فيه» : الضمير يعود على الخبر المروي.

(4) جمة المصائب: كثيرتها.

(5) رنقة المشارب: كدرتها. يقال: رنق الماء أي كدر فهو رنق و رنق.

(6) اعذوذب: صار عذبا.

(7) أوبأ: صار وبئا. و الوباء جمع أوبئة: كل مرض عام.

(8) ثابت بن معبد:

هو ثابت بن معبد المحاربي حدّث عن مسعر. ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1: 367.

(9) حمة العقرب: إبرتها التي تلسع فيها و تقذف منها السمّ.

(10) المأمون: 218 هـ-833 م.

هو عبد اللّه بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، أبو العباس: سابع الخلفاء من بني العباس في العراق. الأعلام 4: 142.

(11) أبو نواس: 198 هـ-814 م.

هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي بالولاء. شاعر العراق في عصره. الأعلام 2: 225.

50

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق‏ (1)

96-عيسى عليه السّلام: من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا.

97-محمد بن يحيى الواسطي‏ (2) : ما عرف اللّه حق معرفته من آثر طاعة الشيطان على طاعته، و ما عرف الآخرة حق معرفتها من آثر الدنيا عليها.

98-بشر بن الحارث‏ (3) : اجعل الآخرة رأس مالك، فما أتاك من الدنيا فهو ربح.

99-ابن مسعود (4) : عنه عليه السّلام: لا تسبوا الدنيا، فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، و بها ينجو من الشر.

____________

(1) من قصيدة له في الزهد:

أيا ربّ وجه في التراب عتيق # و يا ربّ حسن في التراب رقيق‏

و فيها يقول:

أرى كل حيّ هالكا و ابن هالك # و ذا نسب في الهالكين عريق

فقل لقريب الدار إنك ظاعن # إلى منزل نائي المحل سحيق‏

راجع ديوانه ص 621 طبعة دار الكتاب العربي.

(2) محمد بن يحيى الواسطي: من رجال القرن الثالث الهجري ذكره صاحب تاريخ واسط ص 60 و قال: هو محمد بن يحيى بن ضريس. كان من رجال الحديث رواه بسنده عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

(3) بشر بن الحارث: 227 هـ-841 م.

هو بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي، أبو نصر المعروف بالحافي: من كبار الصالحين. له في الزهد و الورع أخبار، من أهل مرو. سكن بغداد و توفي فيها. الأعلام 2: 54.

(4) ابن مسعود: هو عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن:

صحابي من أكابرهم فضلا و عقلا و قربا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و هو من السابقين إلى الإسلام و أول من جهر بقراءة القرآن بمكة. و كان خادم رسول اللّه الأمين و صاحب سرّه. توفي سنة 32 هـ. راجع ترجمته في الإصابة ت 4955 و صفة الصفوة 1: 154 و حلية الأولياء 1: 124.

51

-و عنه عليه السّلام: إذا قال الرجل لعن اللّه الدنيا، قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه.

100-و منه (قول الشعر) :

يقولون الزمان زمان سوء # و هم فسدوا و ما فسد الزمان‏

101-ابن الرومي‏ (1) :

انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته # في مطمح النسر أو في مسبح النون‏ (2)

102-محمد بن بشير (3) :

أرى كل مغرور تمنّيه نفسه # إذا ما مضى عام سلامة قابل‏ (4)

103-الحسن: لقد وقذتني‏ (5) كلمة سمعتها من الحجاج، قيل:

و إن كلام الحجاج ليوقذك؟قال: نعم، سمعته يقول على هذه الأعواد:

إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن يطول عليها حزنه.

104-أنس: عنه عليه السّلام: عرضت علي الأيام، فإذا يوم الجمعة كهيئة المرآة، و إذا فيها نكتة (6) سوداء، فقلت لجبريل: ما هذه؟قال:

____________

(1) ابن الرومي: هو علي بن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن:

شاعر كبير من طبقة بشار و المتنبي. قيل: إن القاسم بن عبد اللّه (وزير المعتضد) دسّ له السمّ فمات فيه سنة 283 هـ. راجع مقدمة ديوانه (من تحقيقنا) طبعة دار الهلال.

(2) النون: الحوت.

(3) في الأغاني شاعران بهذا الاسم أحدهما من شعراء الدولة الأموية و الثاني من الشعراء المحدثين.

(4) القابل: اسم للعام الذي بعد العام الحاضر.

(5) وقذتني الكلمة: تركتني عليلا. و الوقذ في الأصل: شدّة الضرب. يقال: وقذه يقذه و قذا: ضربه حتى استرخى و أشرف على الموت. و الوقيذ و الموقوذ: الشديد المرض و الغم. راجع اللسان مادة وقذ.

(6) النكتة: النقطة السوداء في الأبيض أو البيضاء في الأسود. و النكتة هنا شبه الوسخ في المرآة و الجمع نكت و نكات.

52

هي الساعة تقوم يوم الجمعة.

105-في حديث عبد الرحمن الأنصاري‏ (1) : إن من اقتراب الساعة كثرة المطر و قلة النبات، و كثرة القراء و قلة الفقهاء، و كثرة الأمراء و قلة الأمناء. و في حديث أنس: و أن تتخذ المساجد طرقا.

106-و في حديث أبي هريرة (2) : لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة و تسعون، و يقول كل رجل منهم: لعلي الذي أنجو.

107-الحسن: ما ظنك بأقوام قاموا للّه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، و لم يشربوا فيها شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشا، و احترقت أجوافهم جوعا، صرف بهم إلى النار، فسقوا من عين آنية، قد أنى‏ (3) مرها، و اشتد نضجها.

108-و عن الخدري‏ (4) : أنه قال: ما أطوله‏ (5) ؟فقال عليه السّلام:

____________

(1) عبد الرحمن الأنصاري: ذكره الطبراني في المعجم الكبير و سمّى أباه و لكنه لمّا ساق حديثه لم يقع فيه إلاّ عن عبد الرحمن الأنصاري. أما ابن الأثير فزاد على الطبراني أن ذكر اسم جدّه فقال عبد الرحمن بن عمرو بن غزية (ظنّه غيره) . راجع الإصابة الترجمة 5176 طبعة دار الفكر.

(2) أبو هريرة: هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الملقب بأبي هريرة. صحابي، حافظ للحديث راو له. قدم المدينة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخيبر فأسلم سنة 7 هـ.

قيل إنه روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 5374 حديثا. ولي إمرة المدينة مرة، ثم ولاّه عمر على البحرين و عزله. توفي في المدينة سنة 59 هـ. راجع الكنى ت 1179 و صفة الصفوة 1: 285

(3) أني مرها: دنا و قرب و حضر.

(4) الخدري: هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد:

صحابي، كان من ملازمي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. غزا اثنتي عشرة غزوة. قال الزركلي: له 1170 حديثا. توفي سنة 74 هـ. راجع تهذيب التهذيب 3: 479 و ابن عساكر 6: 108.

(5) قوله: ما أطوله: الضمير كناية عن يوم القيامة.

53

و الذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاته المكتوبة.

109-و عن أبي هريرة، رفعه‏ (1) : يهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى أن تغرب.

110-داود بن أبي هند (2) : للعبد من اللّه يوم القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة.

111-إن الليل و النهار خزانتان ما اودعتهما ادتاه، و إنهما يعملان فيك، فاعمل فيهما.

112-علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: ساهل الدهر ما ذل قعوده‏ (3) .

-و عنه رضي اللّه عنه: الدنيا قد نعت إليك نفسها، و تكشفت لك عن مساوئها، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها، و تكالبهم عليها، فإنهم كلاب عاوية، و سباع ضارية، يهر (4) بعضها على بعض، و يأكل عزيزها ذليلها، و يقهر كبيرها صغيرها، نعم معقلة، و أخرى مهملة، قد أضلت عقولها، و ركبت مجهولها.

113-كتب عبد الملك إلى الحجاج أن صف لي الدهر، فكتب إليه: أمس كأن لم يكن، و غد كأن قد (5) ، و يوم يستطيله البطالون

____________

(1) قوله: «رفعه» الضمير يعود إلى الحديث. أي رفع الحديث و نسبه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

(2) داود بن أبي هند و يعرف بداود القارئ. مفتي البصرة. كان راوية. حلية الأولياء 3: 92.

(3) القعود من الإبل: ما أمكن أن يركب و أدناه أن تكون له سنتان ثم هو قعود إلى أن يثني فيدخل في السنة السادسة ثم هو جمل. و في حديث أبي رجاء: لا يكون الرجل متّقيا حتى يكون أذل من قعوده.

(4) هرّ الكلب: صات دون نباح. و هر الكلب الضيف: نبحه.

(5) قوله: كأن قد: أي كأنه قد تحقّق ثم أصبح كأن لم يكن.

54

فيقصرونه بالملاهي و فيه يتزود العاقل لمعاده.

114-عيسى عليه السّلام: إني أرى الدنيا في صورة عجوز هتماء (1) ، عليها من كل زينة، قيل لها: كم تزوجت؟قالت: لا أحصيهم كثرة، قيل: أماتوا عنك أم طلقوك؟قالت: بل قتلتهم كلهم، قيل: فتعسا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف لا يكونون منك على حذر!!.

115-ابن أبي عيينة (2) :

ما راح يوم على حي و لا ابتكرا # إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا (3)

116-كان الحسن بن علي عليه السّلام كثيرا ما ينشد:

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها # إن اغترارا بظل زائل حمق‏

117-النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الدنيا دار من لا دار له، و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و يطلب شهواتها من لا فهم له، و عليها يعادي من لا علم له، و عليها يحسد من لا فقه له، و لها يسعى من لا يقين له.

118-مالك بن دينار (4) : اتقوا السحّارة (5) ، فأنها تسحر قلوب العلماء.

____________

(1) هتم فاه يهتمه هتما: ألقى مقدّم أسنانه. و الهتم: انكسار الثنايا من أصولها خاصة و الهتماء من النساء: التي انكسرت أسنانها.

(2) ابن أبي عيينة: هو محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة. قال صاحب الأغاني: شاعر مطبوع ظريف غزل، أكثر أشعاره في هجاء ابن عمه خالد. من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة. راجع الأغاني (بتحقيقنا) 20: 85 طبعة دار الكتب العلمية.

(3) ابتكر فلانا: أتاه بكرة. و بكر بكرا إلى الشي‏ء: عجل.

(4) مالك بن دينار: 131 هـ-748 م. هو مالك بن دينار البصري، أبو يحيى. من رواة الحديث. كان ورعا يأكل من كسبه و يكتب المصاحف بالأجرة. توفي بالبصرة سنة 131 هـ-. راجع الأعلام 5: 260.

(5) السحّارة: التي تسحر بمفاتنها و هي هنا كناية عن الدنيا.