العقد الفريد - ج2

- ابن عبد ربه المزيد...
376 /
3

الجزء الثانى‏

كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك‏

فرش كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك‏

قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه:

قد مضى قولنا في الوفود و الوافدات، و مقاماتهم بين يدي نبي اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، و بين يدي الخلفاء و الملوك. و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه و تأييده و تسديده في مخاطبة الملوك، و التزلّف إليهم بسحر البيان، الذي يمازج الرّوح لطافة، و يجري مع النفس رقّة. و الكلام الرقيق مصايد القلوب، و إن منه لما يستعطف المستشيط (1) غيظا، و المندمل حقدا، حتى يطفئ جمرة غيظه، و يسل‏ (2) دفائن حقده.

و إن منه لما يستميل قلب اللئيم، و يأخذ بسمع الكريم و بصره. و قد جعله اللّه تعالى بينه و بين خلقه وسيلة نافعة. و شافعا مقبولا؛ قال تبارك و تعالى: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ فَتََابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ (3) .

و سنذكر في كتابنا هذا إن شاء اللّه تعالى من تخلّص من أنشوطة الهلاك، و تفلّت من حبائل المنيّة، بحسن التنصّل، و لطيف التّوصّل، و لين الجواب، و رقيق الاستعتاب؛ حتى عادت سيئاته حسنات، و عيض بالثواب بدلا من العقاب و حفظ هذا الباب أوجب على الإنسان من حفظ عرضه، و ألزم له من قوام بدنه.

____________

(1) المستشيط غيظا: الذي ازدادت حدّة غضبه.

(2) يسل: ينزع و يستل.

(3) سورة البقرة الآية 37.

4

البيان‏

كنه البيان:

كلّ شي‏ء كشف لك قناع المعنى الخفي حتى يتأدّى إلى الفهم و يتقبّله العقل، فذلك البيان الذي ذكره اللّه في كتابه، و منّ به على عباده؛ فقال تعالى:

اَلرَّحْمََنُ `عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ. `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ (1) .

و سئل النبي صلّى اللّه عليه و سلم: فيم الجمال؟فقال «في اللسان» . يريد البيان.

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: «إنّ من البيان لسحرا» .

و قالت العرب: أنفذ من الرّميّة كلمة فصيحة.

و قال الراجز:

لقد خشيت أن تكون ساحرا # راوية مرّا و مرّا شاعرا (2)

و قال سهل بن هارون: العقل رائد الروح؛ و العلم رائد العقل، و البيان ترجمان العلم.

و قالوا: البيان بصر و العيّ عمى، كما أنّ العلم بصر و الجهل عمى؛ و البيان من نتاج العلم. و العيّ من نتاج الجهل.

و قالوا: ليس لمنقوص البيان بهاء. و لو حكّ بيافوخه‏ (3) عنان السماء.

و قال صاحب المنطق: حدّ الإنسان: الحيّ الناطق المبين.

و قال: الروح عماد البدن، و العلم عماد الروح، و البيان عماد العلم.

تبجيل الملوك و تعظيمهم‏

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» .

____________

(1) سورة الرحمن الآية 1-4.

(2) مرّا: يعني مرّة.

(3) اليافوخ: عظام أعلى الرأس.

5

و قالت العلماء: لا يؤمّ ذو سلطان في سلطانه، و لا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.

و قال زياد بن أبيه: لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين.

و قال يحيى بن خالد بن برمك: مساءلة الملوك عن حالها من سجيّة النّوكى‏ (1) ؛ فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير؟فقل: صبّح اللّه الأمير بالنعمة و الكرامة.

و إذا كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله، فقل: أنزل اللّه على الأمير الشفاء و الرحمة؛ فإن الملوك لا تسأل و لا تشمّت و لا تكيّف. و أنشد:

إن الملوك لا يخاطبونا # و لا إذا ملّوا يعاتبونا

و في المقال لا ينازعونا # و في العطاس لا يشمّتونا

و في الخطاب لا يكيّفونا # يثنى عليهم و يبجّلونا

فافهم وصاتي لا تكن مجنونا

ابن صبيح و الفضل بن يحيى في علته‏

:

اعتلّ الفضل بن يحيى، فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائدا لم يزد على السلام عليه و الدّعاء له، و يخفّف في الجلوس، ثم يلقى حاجبه فيسأله عن حاله و مأكله و مشربه و نومه. و كان غيره يطيل الجلوس. فلما أفاق من علّته قال: ما عادني في علّتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح.

بين معاوية و أصحابه‏

:

و قال أصحاب معاوية له: إنّا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فنريد أن تجعل لنا علامة نعرف بها ذلك فقال: علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم و قيل ذلك ليزيد، فقال: إذا قلت: على بركة اللّه.

و قيل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: إذا وضعت الخيزرانة في يدي.

____________

(1) النّوكى: الحمقى و الجهلة.

6

في خدمة الملوك‏

:

و من تمام خدمة الملوك أن يقرّب الخادم إليه نعليه و لا يدعه يمشي إليهما، و يجعل النعل اليمنى مقابلة الرجل اليمنى، و اليسرى مقابلة اليسرى، و إذا رأى متّكأ يحتاج إلى إصلاح أصلحه قبل أن يؤمر؛ فلا ينتظر في ذلك أمره؛ و يتفقّد الدواة قبل أن يأمره، و ينفض عنها الغبار إذا قرّبها إليه. و إن رأى بين يديه قرطاسا قد تباعد عنه قرّبه و وضعه بين يديه على كسره.

الحجاج و الشعبي:

و دخل الشعبي على الحجاج، فقال له: كم عطاءك؟قال: ألفين. قال: ويحك!كم عطاؤك؟قال: ألفان. قال: فلم لحنت فيما لا يلحن فيه مثلك؟قال: لحن الأمير فلحنت، و أعرب الأمير فأعربت؛ و لم أكن ليلحن الأمير فأعرب أنا عليه، فأكون كالمقرّع‏ (1) له بلحنه، و المستطيل عليه بفضل القول قبله!فأعجبه ذلك منه و وهبه مالا.

قبلة اليد

عبد الرحمن بن أبي ليلى عند عبد اللّه بن عمر، قال: كنا نقبّل يد النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و من حديث وكيع بن سفيان، قال: قبّل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب.

و من حديث الشّعبي قال: لقي النبي عليه الصلاة و السلام جعفر بن أبي طالب فالتزمه و قبّل ما بين عينيه.

قال إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبّل خدّ الحسين.

الشيباني عن أبي الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلا دخل على عليّ بن الحسين في المسجد فقبّل يده و وضعها على عينيه؛ فلم ينهه.

____________

(1) المقرّع: المعنّف.

7

العتبي قال: دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقبّل يده، و قال: يدك يا أمير المؤمنين أحقّ يد بالتقبيل، لعلوّها في المكارم، و طهرها من المآثم؛ و أنك تقلّ التّثريب‏ (1) ، و تصفح عن الذنوب؛ فمن أراد بك سوءا جعله اللّه حصيد سيفك، و طريد خوفك.

بين المنصور و أبي بكر الهجري:

الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجريّ على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض‏ (2) فمي، و أنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت فقبلت رأسك، لعل اللّه يمسك عليّ ما بقي من أسناني. قال: اختر بينها و بين الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين، أيسر عليّ من ذهاب الجائزة ألاّ تبقى في فمي حاكّة. فضحك المنصور و أمر له بجائزة.

بين سليمان و جعفر بن يحيى:

و دخل جعفر بن يحيى في زيّ العامة و كتمان النباهة على سليمان صاحب بيت الحكمة، و معه ثمامة بن أشرس، فقال ثمامة: هذا أبو الفضل. فنهض إليه سليمان فقبّل يده و قال له: بأبي أنت، ما دعاك إلى أن تحمّل عبدك هذه المنّة التي لا أقوم بشكرها، و لا أقدر أن أكافى‏ء عليها.

عبد اللّه بن عباس و زيد بن ثابت:

الشّعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ عبد اللّه بن عبّاس بركابه، فقال له: لا تفعل يا بن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. قال له زيد:

أرني يدك. فأخرج إليه يده، فأخذها و قبّلها، و قال: هكذا أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن نفعل بأهل بيت نبيّنا.

____________

(1) التثريب: اللوم.

(2) نغض فمي: تحرّكت أسنانه و قلقت.

8

أنواع القبل:

و قالوا قبلة الإمام في اليد، و قبلة الأب في الرأس، و قبلة الأخ في الخدّ، و قبلة الأخت في الصدر، و قبلة الزوجة في الفم.

من كره من الملوك تقبيل اليد

هشام و رجل قبل يده:

العتبي قال: دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبّل يده، فقال أفّ له، إن العرب قبّلت الأيدي إلا هلوعا (1) ، و لا فعلته العجم إلا خضوعا.

و استأذن رجل المأمون في تقبيل يده، فقال له: إنّ قبلة اليد من المسلم ذلّة، و من الذّمّيّ خديعة؛ و لا حاجة بك أن تذلّ، و لا بنا أن نخدع.

بين المهدي و أبي دلامة في مثله:

و استأذن أبو دلامة الشاعر المهديّ في تقبيل يده، فقال: أمّا هذه فدعها قال: ما منعت عيالي شيئا أيسر فقدا عليهم من هذه.

حسن التوقيع في مخاطبة الملوك‏

قال هارون الرشيد لمعن بن زائدة: كيف زمانك يا معن؟قال: يا أمير المؤمنين، أنت الزمان؛ فإن صلحت صلح الزمان، و إن فسدت فسد الزمان.

بين الرشيد و ابن سلم في مثله:

و هذا نظير قول سعيد بن سلم، و قد قال له أمير المؤمنين الرشيد: من بيت قيس في الجاهلية؟قال: يا أمير المؤمنين، بنو فزارة. قال: فمن بيتهم في الإسلام؟قال: يا أمير المؤمنين، الشريف من شرّفتموه. قال: صدقت!أنت و قومك.

____________

(1) الهلوع: الخوف.

9

و دخل معن بن زائدة على أبي جعفر، فقال له كبرت يا معن. قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: و إنك لجلد!قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. قال: و إنّ فيك لبقيّة. قال هي لك يا أمير المؤمنين. قال: أي الدولتين أحب إليك أو أبغض، أ دولتنا أم دولة بني أمية؟قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحبّ إليّ، و إن زاد برهم على برك كانت دولتهم أحبّ إليّ. قال: صدقت.

قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح، أ هذا منزلك؟قال: هو لأمير المؤمنين و لي به. قال: كيف ماؤه؟قال: أطيب ماء. قال: فكيف هواؤه؟قال: أصحّ هواء.

قال أبو جعفر المنصور لجرير بن يزيد: إني أردتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين قد أعدّ اللّه لك مني قلبا معقودا بطاعتك، و رأيا موصولا بنصيحتك، و سيفا مشهورا على عدوّك؛ فإذا شئت فقل.

و قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي ابنك عبد اللّه. قال: يا أمير المؤمنين إن مدحته عبته، و إن ذممته اغتبته، و لكنه قدح‏ (1) في كفّ مثقّف ليوم نضال في خدمة أمير المؤمنين.

و أمر بعض الخلفاء رجلا بأمر؛ فقال: أنا أطوع لك من الرّداء، و أذلّ لك من الحذاء.

و قال آخر: أنا أطوع لك من يدك، و أذلّ لك من نعلك.

و هذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات.

و قال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟قال: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا (2) . قال: حسبك أبا أمية.

و قال المأمون ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة!قال: بلى، و لكنّ منابرهم الجذوع.

____________

(1) قدح: زناد يوري النار.

(2) سورة الأنبياء الآية 22.

10

و قال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية. قال: يا أمير المؤمنين، إنه من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى.

الرشيد و ابن صالح:

و قال هارون لعبد الملك بن صالح: صف لي منبج. قال: رقيقة الهواء، لينة الوطاء. قال: فصف لي منزلك بها. قال: دون منازل أهلي، و فوق منازل أهلها. قال:

و لم و قدرك فوق أقدارهم؟قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسّى به، و أقفو أثره، و أحذو مثاله.

المأمون و غلام في الديوان:

و دخل المأمون يوما بيت الديوان، فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟قال: أنا الناشئ في دولتك، و المتقلّب في نعمتك، و المؤمّل لخدمتك، الحسن بن رجاء. قال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول؛ ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.

المتوكل و ابن الجهم في رأس إسحاق بن اسماعيل:

علي بن يحيى قال: إني عند المتوكل حين دخل عليه الرسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر (1) بين يدي المتوكل و يقول:

أهلا و سهلا بك من رسول # جئت بما يشفي من الغليل

برأس إسحاق بن إسماعيل‏

فقال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لئلا يضيع.

و دخل عقّال بن شبّة على أبي عبيد اللّه كاتب المهدي، فقال: يا بن عقّال، لم أرك منذ اليوم!قال: و اللّه إني لألقاك بشوق، و أغيب عنك بتوق‏ (2) .

____________

(1) يخطر: يتمشى بفخر و زهو.

(2) التوق: حبّ اللقاء و اشتياقه.

11

و قال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح-و كان أسود-: يا نصيب هل لك فيما يثمر المحادثة؟يريد المنادمة. فقال: أصلح اللّه الامير، اللون مرمّد، و الشعر مفلفل، و لم أقعد إليك بكريم عنصر، و لا بحسن منظر، و إنما هو عقلي و لساني؛ فإن رأيت ألاّ تفرق بينهما فافعل.

و لما ودّع المأمون الحسن بن سهل عند مخرجه من مدينة السلام، قال له: يا أبا محمد، أ لك حاجة تعهد إليّ فيها؟قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تحفظ عليّ من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك.

و قال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر اللّه إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين من قصده إليّ بحديثه، و إشارته إليّ بطرفه، لكان ذلك من أعظم ما توجبه النّعمة، و تفرضه الصنيعة. قال المأمون: ذلك و اللّه لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت، و حسن الفهم إذا حدّثت، ما لا يجده عند غيرك.

مدح الملوك و التزلف إليهم‏

في سير العجم أن أردشير بن يزدجرد لما استوثق له أمره، جمع الناس فخطبهم خطبة حضّهم فيها على الألفة و الطاعة، و حذّرهم المعصية و مفارقة الجماعة، و صنّف لهم الناس أربعة أصناف، فخروا له سجّدا، و تكلم متكلّمهم، فقال: لا زلت أيها الملك محبوّا من اللّه بعز النصر، و درك الأمل‏ (1) ، و دوام العافية، و تمام النّعمة، و حسن المزيد؛ و لا زلت تتابع لديك المكرمات، و تشفع إليك الذّمامات، حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، و لا تنقطع زهرتها، في دار القرار التي أعدّها اللّه لنظرائك من أهل الزّلفى عنده، و الحظوة لديه، و لا زال ملكك و سلطانك باقيين بقاء الشمس و القمر، زائدين زيادة البحور و الأنهار، حتى تستوى أقطار الأرض كلها في علوّك عليها، و نفاذ أمرك فيها؛ فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الصبح،

____________

(1) درك الأمل: الحصول عليه، و بلوغه.

12

و وصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم: فأصبحت قد جمع اللّه بك الأيادي بعد افتراقها، و ألف بين القلوب بعد تباغضها، و أذهب عنا الإحن و الحسائك‏ (1) بعد توقّد نيرانها، بفضلك الذي لا يدرك بوصف، و لا يحدّ بنعت.

فقال أردشير: طوبى للممدوح إذا كان للمدح مستحقّا، و للداعي إذا كان للإجابة أهلا.

دخل حسّان بن ثابت على الحارث الجفنيّ فقال: أنعم صباحا أيها الملك، السماء غطاؤك، و الأرض وطاؤك و والدي و والدتي فداؤك. أنّى يناوئك المنذر (2) ؟فو اللّه لقذالك أحسن من وجهه، و لأمّك أحسن من أبيه، و لظلّك خير من شخصه، و لصمتك أبلغ من كلامه، و لشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول:

و نبّئت أنّ أبا منذر # يساميك للحدث الأكبر

قذالك أحسن من وجهه # و أمّك خير من المنذر

و يسرى يديك إذا أعسرت كيمنى يديه فلا تمتر (3)

و دخل خالد بن عبد اللّه القسريّ على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال:

يا أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، و من تكون شرّفته فأنت قد شرفتها، و أنت كما قال الشاعر:

و إذا الدّرّ زان حسن وجوه # كان للدّرّ حسن وجهك زينا

فقال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه: أعطي صاحبكم مقولا و لم يعط معقولا.

المأمون و مادح له عند دخوله بغداد:

ذكر ابن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد، فتلقاه وجوه أهلها، فقال له رجل

____________

(1) في بعض الأصول: «الحسائف» و في بعضها الحسائد. و الإحن و الحسائك: هي الحزازات و العداوات.

(2) هو المنذر بن المنذر بن ماء السماء اللخمي.

(3) تمتري: تشك.

13

منهم: يا أمير المؤمنين، بارك اللّه لك في مقدمك، و زاد في نعمتك، و شكرك عن رعيّتك، تقدّمت من قبلك، و أتبعت من بعدك، و آيست أن يعاين مثلك أما فيما مضى فلا نعرفه، و أما فيما بقى فلا نرجوه؛ فنحن جميعا ندعو لك، و نثني عليك.

خصب لنا جنابك، و عذب شرابك. و حسنت نظرتك، و كرمت مقدرتك. جبرت الفقير (1) ، و فككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول:

ما زلت في البذل للنوال و إطلاق لعان بجرمه علق‏ (2)

حتى تمنى البراء أنهم # عندك أسرى في القيد و الحلق‏

بين خالد القسري و بعضهم في مثله:

و دخل رجل على خالد بن عبد اللّه القسري فقال: أيها الأمير، إنك لتبذل ما جلّ، و تجبر ما اعتلّ، و تكثر ما قل، ففضلك بديع، و رأيك جميع.

و قال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك و لا أستقلّ قليلك! قال: و كيف ذلك؟قال: لأنك أكثر من كثيرك، و أنّ قليلك أكثر من قليل غيرك.

و قال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلاّ بقسطه من نظرك و مجلسك، و صلاتك و عداتك، حتى كأنك من كل أحد، أو كأنك لست من أحد! و قال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟قال: يا أمير المؤمنين، المديح كله دون قدرك، و الشعر فيك فوق قدري، و لكني أستحسن قول العتّابي:

ما ذا عسى مادح يثني عليك و قد # ناداك في الوحي تقديس و تطهير

فتّ الممادح إلا أنّ ألسننا # مستنطقات بما تخفي الضّمائير

لابن صفوان في مدح رجل:

مدح خالد بن صفوان رجلا فقال: قريع المنطق، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان،

____________

(1) جبرت الفقير: قوّيته و أعطيته.

(2) العاني: الأسير، و الجرم: الذنب و علق: مأخوذ و محاسب.

14

قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل، كثير الطّلاوة، صموتا قئولا، يهنأ الجرب، و يداوي الدّبر (1) ، و يقلّ المحزّ، و يطبّق المفصل. لم يكن بالزّمر (2) في مروءته، و لا بالهذر (3) في منطقه، متبوعا غير تابع.

كأنه علم في رأسه نار (4)

الرشيد و سهل بن هارون:

دخل سهل بن هارون على الرشيد، فوجده يضاحك ابنه المأمون، فقال: اللهم زده من الخيرات، و ابسط له في البركات، حتى يكون كلّ يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصّرا عن غده. فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه و أجوده، و من الحديث أصحّه و أبلغه، و من البيان أفصحه و أوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه؟قال سهل: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أحدا تقدّمني سبقني إلى هذا المعنى. فقال: بل أعشى همدان حيث يقول:

وجدتك أمس خير بني لؤيّ # و أنت اليوم خير منك أمس

و أنت غدا تزيد الخير ضعفا # كذاك تزيد سادة عبد شمس‏

المأمون و سهل ابن هارون:

و كان المأمون قد استثقل سهل بن هارون، فدخل عليه يوما و الناس عنده على منازلهم، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال: مالكم تسمعون و لا تعون، و تفهمون و لا تعجبون، و تعجبون و لا تصفون؟أما و اللّه إنه ليقول و يفعل في اليوم القصير مثل ما قالت و فعلت بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمهم، و عجمهم كعرب بني تميم؛ و لكن كيف يشعر بالدواء من لا يعرف الداء؟قال: فرجع له المأمون إلى رأيه الأول.

____________

(1) الدّبر: جمع دبرة و هي قرحة الدابة.

(2) الزّمر: قليل المروءة.

(3) الهذر: الثرثار الهاذي.

(4) و صدره: «و إنّ صخرا لتأتمّ الهداة به» و البيت للخنساء في رثاء أخيها صخر.

15

الحجاج و زياد العتكي:

و كان الحجاج بن يوسف يستثقل زياد بن عمرو العتكيّ، فلما أثنى الوفد على الحجاج عند عبد الملك بن مروان، قال زياد: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج سيفك الذي لا ينبو (1) ، و سهمك الذي لا يطيش، و خادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم.

فلم يكن بعد ذلك عند الحجاج أحد أخفّ و لا أحبّ إليه منه.

لابن شيبة في صالح بن المنصور:

حدّث الشّيباني قال: أقام المنصور صالحا ابنه فتكلم في أمر فأحسن؛ فقال شبيب ابن شيبة: تاللّه ما رأيت كاليوم أبين بيانا، و لا أعرب لسانا، و لا أربط جأشا، و لا أبلّ ريقا، و لا أحسن طريقا. و حق لمن كان المنصور أباه، و المهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:

هو الجواد فإن يلحق بشأوهما # على تكاليفه فمثله لحقا (2)

أو يسبقاه على ما كان من مهل # فمثل ما قدّما من صالح سبقا

لابن شيبة في الخلافة:

و خرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما، فقيل له: كيف رأيت الناس؟قال:

رأيت الداخل راجيا، و الخارج راضيا.

لبعض الخلفاء في ابن شيبة:

و قيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام و يستعدّ له، فلو أمرته يصعد المنبر فجأة لافتضح. قال: فأمر رسولا فأخذ بيده فصعده المنبر: فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ثم قال: ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة: فمنها الأسد الخادر (3) ، و البحر الزاخر، و القمر الباهر، و الربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر

____________

(1) ينبو: يخيب.

(2) الشأو: السباق، و المدى.

(3) الخادر: المقيم في خدره أي مأواه.

16

فأشبه منه صولته و مضاءه، و أما البحر الزاخر فأشبه منه جوده و عطاءه، و أما القمر الباهر فأشبه منه نوره و ضياءه، و أما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه و بهاءه. ثم نزل.

بين عبد الملك و ذي حاجة:

قال عبد الملك بن مروان لرجل دخل عليه: تكلم بحاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، بهر (1) الدرجة و هيبة الخلافة يمنعاني من ذلك. قال: فعلى رسلك، فإنا لا نحبّ مدح المشاهدة، و لا تزكية اللقاء. قال: يا أمير المؤمنين، لست أمدحك، و لكن أحمد اللّه على النعمة فيك. قال: حسبك فقد أبلغت.

و دخل رجل على المنصور، فقال له: تكلّم بحاجتك. فقال: يبقيك اللّه يا أمير المؤمنين. قال: تكلّم بحاجتك، فإنك لا تقدر على هذا المقام كل حين. قال و اللّه يا أمير المؤمنين، ما أستقصر أجلك، و لا أخاف بخلك، و لا أغتنم مالك؛ و إنّ عطاءك لشرف، و إن سؤالك لزين، و ما لامرئ بذل وجهه إليك نقص و لا شين. قال:

فأحسن جائزته و أكرمه.

بين المأمون و العماني:

حدّث إبراهيم بن السّندي قال: دخل العمانيّ على المأمون، و عليه قلنسوة طويلة و خف ساذج، فقال له: إيّاك أن تنشدني إلاّ و عليك عمامة عظيمة الكور (2) و خفان رائقان. قال: فغدا عليه في زي الأعراب فأنشده، ثم دنا فقبّل يده و قال: قد و اللّه يا أمير المؤمنين أنشدت يزيد بن الوليد، و إبراهيم بن الوليد، و رأيت وجوههما، و قبّلت أيديهما، و أخذت جوائزهما؛ و أنشدت مروان و قبّلت يده و أخذت جائزته، و أنشدت المنصور و رأيت وجهه و قبّلت يده و أخذت جائزته، و أنشدت المهديّ و رأيت وجهه و قبلت يده و أخذت جائزته، إلى كثير من أشباه الخلفاء، و كبراء الأمراء و السادة الرؤساء، فلا و اللّه يا أمير المؤمنين ما رأيت فيهم أبهى منظرا، و لا أحسن وجها، و لا

____________

(1) البهر: انقطاع النفس و تتابعه من شدّة التعب.

(2) الكور: الالتفاف و الاجتماع.

17

أنعم كفّا، و لا أندى راحة (1) منك يا أمير المؤمنين. قال: فأعظم له الجائزة على شعره، و أضعف له على كلامه و أقبل عليه بوجهه و بشره، فبسطه حتى تمنى جميع من حضره أنهم قاموا مقامه.

عمر بن عبد العزيز و وفد العراق و محمد القرظي:

حدّث العتبي عن سفيان بن عيينة قال: قدم على عمر بن عبد العزيز ناس من أهل العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوّش‏ (2) للكلام، فقال: أكبروا أكبروا. فقال:

يا أمير المؤمنين، إنه ليس بالسنّ، و لو كان الأمر كله بالسنّ لكان في المسلمين من هو أسنّ منك. فقال عمر: صدقت رحمك اللّه، تكلم. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّا لم نأتك رغبة و لا رهبة؛ أما الرغبة فقد دخلت علينا منازلنا و قدمت علينا بلادنا؛ و أما الرهبة فقد أمننا اللّه بعدلك من جورك. قال: فما أنتم؟قال: وفد الشكر. قال: فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبنّ جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ فإن ناسا خدعهم الثناء و غرّهم شكر الناس فهلكوا، و أنا أعيذك باللّه أن تكون منهم. فألقى عمر رأسه على صدره.

التنصل و الاعتذار

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «من لم يقبل من متنصّل‏ (3) عذرا، صادقا كان أو كاذبا، لم يرد عليّ الحوض» .

و قال: «المعترف بالذنب كمن لا ذنب له. و قال: الاعتراف يهدم الاقتراف» (4) .

و قال الشاعر:

إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا # إليك فلم تغفر له فلك الذّنب‏

____________

(1) الراحة: الكف أو باطنها حيث يكون العطاء.

(2) يتحوّش: يتأهب و يستعد.

(3) المتنصّل: المتبرئ المتخلّص.

(4) الاقتراف: الاكتساب للذنوب.

18

و اعتذر رجل إلى إبراهيم بن المهدي. فقال: عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب.

و اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى، فقال: قد أغناك اللّه بالعذر عن الاعتذار، و أغنانا بحسن النية عن سوء الظن.

و قال إبراهيم الموصلي: سمعت جعفر بن يحيى يعتذر إلى رجل من تأخر حاجة ضمنها له، و هو يقول: أحتجّ إليك بغالب القضاء، و أعتذر إليك بصادق النّيّة.

و قال رجل لبعض الملوك: أنا من لا يحاجّك عن نفسه، و لا يغالطك في جرمه، و لا يلتمس رضاك إلا من جهة عفوك، و لا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب، و لا يستميلك إلا بالاعتراف بالزّلّة.

و قال الحسن بن وهب:

ما أحسن العفو من القادر # لا سيّما عن غير ذي ناصر

إن كان لي ذنب و لا ذنب لي # فما له غيرك من غافر

أعوذ بالود الذي بيننا # أن يفسد الأوّل بالآخر

و كتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات:

أبا جعفر، ما أحسن العفو كلّه # و لا سيّما عن قائل ليس لي عذر

و قال آخر:

اقبل معاذير من يأتيك معتذرا # إن برّ عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من أرضاك ظاهره # و قد أجلّك من يعصيك مستترا

خير الخليطين من أغضى لصاحبه # و لو أراد انتصارا منه لانتصرا (1)

و قالت الحكماء: ليس من العدل سرعة العذل‏ (2) .

و قال الأحنف بن قيس: ربّ ملوم لا ذنب له.

____________

(1) الخليط: المخالط و المصاحب و أغض: تحمّل و عفا.

(2) العذل: اللوم.

19

و قال آخر:

لعلّ له عذرا و أنت تلوم‏

و قال حبيب:

البرّ بي منك وطّي العذر عندك لي # فيما أتاك فلم تقبل و لم تلم

و قام علمك بي فاحتجّ عندك لي # مقام شاهد عدل غير متّهم‏

و قال آخر:

إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه # و كلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب‏

و من قولنا في هذا المعنى:

عذيري من طول البكا لوعة الأسى # و ليس لمن لا يقبل العذر من عذر

و قال آخر:

فهبني مسيئا كالّذي قلت ظالما # فعفو جميل كي يكون لك الفضل

فإن لم أكن للعفو عندك للّذي # أتيت به أهلا فأنت له أهل‏

و من الناس من لا يرى الاعتذار، و يقول: إياك و ما يعتذر منه.

و قالوا: ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنبا.

و قال الشاعر محمود الوراق:

إذا كان وجه العذر ليس ببيّن # فإنّ اطّراح العذر خير من العذر

بين عبد الملك و ابن شهاب الزهري:

قال ابن شهاب الزهري: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنا؛ فقال لي: من أنت؟فانتسبت له. فقال: لقد كان أبوك و عمك نعّاقين‏ (1) في فتنة ابن الأشعث. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ مثلك إذا عفا لم

____________

(1) نعّاقين: أي مؤلّبين الناس و محمّسيهم.

20

يعدّد، و إذا صفح لم يثرّب. فأعجبه ذلك، و قال: أين نشأت؟قلت: بالمدينة. قال:

عند من طلبت؟قلت: سعيد بن المسيّب، و سليمان بن يسار، و قبيصة بن ذؤيب.

قال: فأين أنت من عروة بن الزبير، فإنه بحر لا تكدّره الدّلاء. فلما انصرفت من عنده لم أبارح عروة بن الزبير حتى مات.

بين محمد بن سليمان و ابن السماك:

و دخل ابن السماك على محمد بن سليمان بن علي، فرآه معرضا عنه، فقال: مالي أرى الأمير كالعاتب عليّ؟قال: ذلك لشي‏ء بلغني عنك كرهته. قال: إذا لا أبالي.

قال: و لم؟قال: لأنه إذا كان ذنبا غفرته، و إن كان باطلا لم تقبله.

بين المنصور و جرير بن عبد اللّه:

دخل جرير بن عبد اللّه على أبي جعفر المنصور، و كان واجدا عليه، فقال له:

تكلم بحجّتك. فقال: لو كان لي ذنب تكلّمت بعذري، و لكن عفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.

الهادي و مذنب:

و أتي موسى الهادي برجل، فجعل يقرعه بذنوبه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن اعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك، و إقراري به يلزمني ذنبا لم أجنه، و لكن أقول:

فإن كنت ترجو في العقوبة راحة # فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر

بين المأمون و ابن الفارسي:

سعي بعبد الملك بن الفارسي إلى المأمون، فقال له المأمون: إن العدل من عدّله أبو العباس، و قد كان وصفك بما وصف به، ثم أتتني الأخبار بخلاف ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي بلغك عني تحميل عليّ، و لو كان كذلك لقلت: نعم، كما بلغك. فأخذت بحظّي من اللّه في الصدق، و اتكلت على فضل أمير المؤمنين في سعة عفوه. قال: صدقت.

21

المأمون و ابن يوسف في حكاية ضده:

محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء، قال: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات البصرة، فجار فيها و ظلم، فكثر الشاكي له و الداعي عليه، و وافى باب أمير المؤمنين زهاء خمسين رجلا من جلة البصريين: فعزله المأمون، و جلس لهم مجلسا خاصا و أقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم، فكان مما حفظ من كلامه أن قال:

يا أمير المؤمنين، لو أن أحدا ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، قال اللّه عز و جل: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقََاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهََا رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهََا إِذََا هُمْ يَسْخَطُونَ (1) .

فأعجب المأمون جوابه. و استجزل مقاله، و خلّى سبيله، محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: قال لي أبو عبد اللّه أحمد بن أبي داود:

دخلت على الواثق، فقال لي: ما زال قوم في ثلبك و نقصك!فقلت: يا أمير المؤمنين، لكلّ امرئ منهم ما اكتسب من الإثم و الذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم، و اللّه وليّ جزائه، و عقاب أمير المؤمنين من ورائه، و ما ذل من كنت ناصره، و لا ضاع من كنت حافظه، فما ذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟قال: قلت أبا عبد اللّه.

و سعى إليّ بعيب عزّة معشر # جعل الإله خدودهنّ نعالها

قال أبو العيناء: قلت لأحمد بن أبي داود: إن قوما تظافروا عليّ!قال: يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (2) قلت: إنهم عدد و أنا واحد!قال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً (3) قلت: إن للقوم مكرا!قال: وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ (4) .

قال أبو العيناء: فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي داود إلا أنّ القرآن أنزل عليه.

____________

(1) سورة التوبة الآية 58.

(2) سورة الفتح الآية 10.

(3) سورة البقرة الآية 249.

(4) سورة فاطر الآية 43.

22

بين قتيبة بن مسلم و نهار بن توسعة:

قال: وهجا نهار بن توسعة قتيبة بن مسلم، و كان ولي خراسان بعد يزيد بن المهلّب، فقال:

كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها # و كلّ باب من الخيرات مفتوح

فبدّلت بعده قردا نطوف به # كأنما وجهه بالخلّ منضوح‏ (1)

فطلبه فهرب منه، ثم دخل عليه بكتاب أمّه؛ فقال: ويحك!بأي وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ربّي، و ذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك. فقرّبه و وصله و أحسن إليه.

المنصور و ابن فضالة:

و أقبل المنصور يوما راكبا و الفرج بن فضالة جالس عند باب الذّهب، فقام الناس إليه و لم يقم. فاستشاط المنصور غيظا و غضبا، و دعا به فقال: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟قال: خفت أن يسألني اللّه تعالى: لم فعلت؟و يسألك عنه: لم رضيت؟و قد كرهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فسكن غضبه و قرّبه و قضى حوائجه.

المأمون و ابن أكثم:

يحيى بن أكثم، قال: إني عند المأمون يوما، حتى أتي برجل ترعد فرائصه‏ (2) ، فلما مثل بين يديه قال له المأمون: كفرت نعمتي و لم تشكر معروفي!قال: يا أمير المؤمنين، و أين يقع شكري في جنب ما أنعم اللّه بك عليّ؟فنظر إليّ و قال متمثّلا:

فلو كان يستغني عن الشكر ماجد # لكثرة مال أو علوّ مكان

لما ندب اللّه العباد لشكره # فقال اشكروا لي أيها الثّقلان‏ (3)

____________

(1) منضوح: مبلول.

(2) الفرائص: الأعضاء.

(3) الثقلان: الجنّ و الانس.

23

ثم التفت إلى الرجل فقال له: هلاّ قلت كما قال أصرم بن حميد:

رشحت حمدي حتى إنّني رجل # كلّي بكلّ ثناء فيك مشتغل

خوّلت شكري ما خوّلت من نعم # فخرّ شكري لما خوّلتني خول‏ (1)

الاستعطاف و الاعتراف‏

بين المهدي و ابن داود:

لما سخط المهدي على يعقوب بن داود، قال له: يا يعقوب، قال: لبيك يا أمير المؤمنين تلبية مكروب لموجدتك. قال: أ لم أرفع من قدرك إذ كنت وضيعا، و أبعد من ذكرك إذ كنت خاملا، و ألبسك من نعمتي ما لم أجد لك بها يدين من الشكر؛ فكيف رأيت اللّه أظهر عليك و ردّ إليك منك؟قال: إن كان ذلك بعلمك يا أمير المؤمنين فتصديق معترف منيب، و إن كان مما استخرجته دفائن الباغين فعائد بفضلك. فقال: و اللّه لو لا الحنث‏ (2) في دمك بما تقدّم لك، لألبستك منه قميصا لا تشدّ عليه زرّا. ثم أمر به إلى الحبس، فتولّى و هو يقول: الوفاء يا أمير المؤمنين كرم، و المودّة رحم، و أنت بهما جدير.

أخذت الشعراء معنى قوله «ألبستك منه قميصا لا يشدّ عليه زرّا» فقال معلّى الطائي:

طوّقته بحسام طوق داهية # ما يستطيع عليه شدّ أزرار

و قال حبيب:

طوّقته بالحسام طوق ردي # أغناه عن مسّ طوقه بيده‏

و قال:

طوّقته بالحسام منصلتا # آخر طوق يكون في عنقه‏

____________

(1) الخول: العبد.

(2) الحنث: عدم الوفاء بالقسم.

24

ليزيد بن مزيد أمام الرشيد:

و لما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد أذن له بالدخول عليه فلما مثل بين يديه قال:

الحمد للّه الذي سهّل لي سبيل الكرامة بلقائك، و ردّ عليّ النعمة بوجه الرضا منك؛ و جزاك اللّه يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المحسنين المرغبين‏ (1) و في حال رضاك جزاء المنعمين المتطوّلين؛ فقد جعلك اللّه و له الحمد تثبت تحرّجا عند الغضب، و تمتنّ تطوّلا (2) بالنعم، و تستبقي المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو.

المأمون و إبراهيم بن المهدي:

لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي، و هو الذي يقال له ابن شكلة، أمر بإدخاله عليه. فلما مثل بين يديه قال: وليّ الثأر محكم في القصاص، و العفو أقرب للتقوى، [و القدرة تذهب الحفيظة، و من مدّ له الاعتذار في الأمل هجمت به الأناة على التلف‏] (3) ؛ و قد جعل اللّه كلّ ذنب دون عفوك، فإن صفحت فبكرمك، و إن أخذت فبحقّك.

قال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق و العبّاس في قتلك، فأشارا عليّ به.

قال: أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك و لما جرت عليه عادة السياسة، فقد فعلا؛ و لكنك أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عوّدك اللّه. ثم استعبر باكيا.

قال له المأمون: ما يبكيك.

قال: جذلا، إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته. ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنه و إن كان جرمي يبلغ سفك دمي، فحلم أمير المؤمنين و تفضّله يبلغاني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، و حرمة الأب بعد الأب.

____________

(1) المرغب: المعطي غيره ما يرغب فيه.

(2) تطوّلا: إكثارا للإحسان.

(3) زيادة عن نهاية الأرب.

25

قال المأمون: لو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن زلّتك، لبلّغك إليه حسن توصلك و لطف تنصّلك.

فكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق و العباس ألطف في طلب الرضا و دفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما.

المأمون و إسحاق بن العباس:

و قال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبني أغفلت إجلابك مع ابن المهلّب و تأييدك لرأيه و إيقادك لناره.

قال: يا أمير المؤمنين، و اللّه لإجرام قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أعظم من جرمي إليك، و لرحمي أمسّ من أرحامهم، و قد قال كما قال يوسف لإخوته: لاََ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللََّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ (1) و أنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه المنة و ممتثل بها.

قال: هيهات. تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، و جرمك جرم في إسلامك و في دار خلافتك.

قال: يا أمير المؤمنين، فو اللّه للمسلم أحقّ بإقالة العثرة و غفران الزّلة من الكافر، هذا كتاب اللّه بيني و بينك. يقول اللّه تعالى: وَ سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، `اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ (2) فهي للناس يا أمير المؤمنين سنّة دخل فيها المسلم و الكافر، و الشريف و المشروف.

قال: صدقت. اجلس. وريت بك زنادي‏ (3) ، فلا قدح ناري من الغابرين‏ (4) من أهلك أمثالك.

____________

(1) سورة يوسف الآية 92.

(2) سورة آل عمران الآية 133.

(3) وريت بك زنادي: أي تقوّت و أورى النار: أوقدها.

(4) الغابرين: الماضين.

26

العتبي عن أبيه قال: قبض مروان بن محمد بن معاوية بن عمر بن عتبة ما له بالفرسان‏ (1) فقال: إني قد وجدت قطيعة عمك لأبيك «إني أقطعتك بستاني» .

و البستان لا يكون إلا عامرا، و أنا مسلم إليك الغامر (2) و قابض منك العامر. فقال:

يا أمير المؤمنين، إن سلفك الصالح لو شهدوا مجلسنا هذا كانوا شهودا على ما ادعيته، و شفعاء فيما طلبته، يسألونك بإحسانك إليّ مكافأة إحسان سلفي إليهم فشفع فينا الأموات، و أحفظ منا القرابات، و اجعل مجلسك هذا مجلسا يلزم من بعدنا شكره. قال: لا و اللّه، إلا أن أجعلها طعمة مني لك، لا قطيعة من عمك لأبيك.

قال: قد قبلت ذلك. ففعل.

عبد الملك و ابن عتبة و خالد بن يزيد:

العتبي قال: أمر عبد الملك بن مروان بقطع أرزاق آل أبي سفيان و جوائزهم لموجدة وجدها على خالد بن يزيد بن معاوية. فدخل عليه عمرو بن عتبة. فقال: يا أمير المؤمنين. إن أدنى حقّك متعب. و بعضه فادح لنا، و لنا مع حقك علينا حق عليك، بإكرام سلفنا لسلفك. فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليهم، وضعنا بحيث وضعتنا الرّحم منك.

قال عبد الملك: إنما يستحق عطيتي من استعطاها، فأما من ظن أنه يكتفي بنفسه فسنكله إلى نفسه. ثم أمر له بعطيّة.

و بلغ ذلك خالدا فقال: أ بالحرمان يهدّدني؟يد اللّه فوق يده باسطة، و عطاء اللّه دونه مبذول. فأما عمرو فقد أعطى من نفسه أكثر مما أخذ لها.

سليمان بن علي و ابن عتبة إمام المسودة:

العتبي قال: حدثنا طارق بن المبارك، عن عمرو بن عتبة، قال: جاءت دولة

____________

(1) الفرسان قرية من قرى أصبهان.

(2) الغامر: الجدب المقفر.

27

المسوّدة و أنا حديث السنّ كثير العيال متفرّق المال، فجعلت لا أنزل قبيلة من قبائل العرب إلا شهرت فيها. فلما رأيت أمري لا يكتتم، أتيت سليمان بن علي فاستأذنت عليه قرب المغرب، فأذن لي و هو لا يعرفني؛ فلما صرت إليه قلت: أصلحك اللّه! لفظتني البلاد إليك، و دلني فضلك عليك؛ فإما قبلتني غانما، و إما رددتني سالما.

قال: و من أنت؟فانتسبت له؛ فعرفني. و قال: مرحبا، اقعد فتكلم غانما سالما.

قلت: أصلحك اللّه!إن الحرم التي أنت أقرب الناس إليهن معنا، و أولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، و من خاف خيف عليه. قال: فاعتمد سليمان على يديه و سالت دموعه على خديه، ثم قال: يا ابن أخي، يحقن اللّه دمك، و يستر حرمك، و يسلم مالك إن شاء اللّه؛ و لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت. فلم أزل في جوار سليمان آمنا.

و كتب سليمان إلى أبي العباس أمير المؤمنين: أما بعد. يا أمير المؤمنين، فإنا إنما حاربنا بني أمية على عقوقهم و لم نحاربهم على أرحامهم، و قد دفت إليّ منهم دافّة (1) لم يشهروا سلاحا، و لم يكثروا جمعا، و قد أحسن اللّه إليك فأحسن. فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لهم أمانا و يأمر بإنفاذه إليّ فليفعل.

فكتب لهم كتابا منشورا و أنفذه إلى سليمان بن علي، في كل من لجأ إليه من بني أمية، فكان يسميه أبو مسلم: كهف الأبّاق‏ (2) .

الرشيد و عبد الملك بن صالح:

دخل عبد الملك بن صالح يوما على الرشيد، فلم يلبث في مجلسه أن التفت الرشيد فقال متمثّلا:

أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد

____________

(1) الدافّة: الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد.

(2) الأبّاق: الهاربين.

28

ثم قال: أما و اللّه لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع‏ (1) ، و عارضها قد لمع‏ (2) ، و كأني بالوعيد قد وقع، فأقلع عن براجم‏ (3) بلا معاصم، و جماجم بلا غلاصم‏ (4) ، فمهلا مهلا؛ فبي و اللّه يسهل لكم الوعر، و يصفو لكم الكدر، و ألقت إليكم الأمور مقاليد أزمّتها، فالتدارك التدارك قبل حلول داهية، خبوط باليد لبوط بالرّجل.

قال عبد الملك: أ فذّا (5) ما تكلمت أم توأما يا أمير المؤمنين؟قال: بل فذّا.

قال: اتق اللّه في ذي رحمك و في رعيّتك التي استرعاك اللّه، و لا تجعل الكفر مكان الشكر، و لا العقاب موضع الثواب؛ فقد محضت لك النصيحة و أديت لك الطاعة، و شددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم‏ (6) ، و تركت عدوّك سبيلا تتعاوره‏ (7)

الأقدام، فاللّه اللّه في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته؛ إنّ الكتاب لنميمة واش و بغي باغ؛ ينهش اللحم، و يلغ‏ (8) في الدم، فكم ليل تمام فيك كابدته، و مقام ضيق فرّجته، و كنت كما قال الشاعر أخو بني كلاب:

و مقام ضيّق فرّجته # بلساني و مقامي و جدل

لو يقوم الفيل أو فيّاله # زلّ عن مثل مقامي و زحل‏

فرضي عنه و رحّب به، و قال وريت بك زنادي.

الرشيد و عبد الملك بن صالح:

و التفت الرشيد يوما إلى عبد الملك بن صالح فقال: أ كفرا بالنعمة، و غدرا بالإمام؟

____________

(1) الشؤبوب: الدفعة من المطر، و همع: سقط.

(2) العارض: السّحاب المصحوب بالبرق.

(3) البراجم: مفاصل الأصابع.

(4) الغلاصم: جمع غلصمة، و هي رأس الحلقوم و هي الموضع الناتئ في الحلق.

(5) الفذّ: الفرد.

(6) يلملم: جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث.

(7) تتعاوره: تدوسه.

(8) يلغ: ولغ الكلب من الإناء، أي شرب منه.

29

قال: لقد بؤت إذا بأعباء الندم، و سعيت في استجلاب النّقم؛ و ما ذلك يا أمير المؤمنين، إلا بغي باغ نافسني فيك بقديم الولاية، و حقّ القرابة، يا أمير المؤمنين، إنك خليفة اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و سلم في أمته، و أمينه على رعيته، لك عليها فرض الطاعة و أداء النصيحة؛ و لها عليك التثبّت في حادثها، و العدل في حكمها.

فقال له هارون: تضع لي من لسانك، و ترفع عليّ من جنانك بحيث يحفظ اللّه لي عليك!هذا قمامة كاتبك يخبرني بفعلك.

فقال عبد الملك: أ حقا يا قمامة؟ قال: نعم لقد أردت ختل‏ (1) أمير المؤمنين و الغدر به.

فقال عبد الملك: كيف لا يكذب عليّ من خلفي من بهتني‏ (2) في وجهي؟ قال الرشيد: هذا ابنك شاهد عليك.

قال: يا أمير المؤمنين، هو بين مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فمعذور، و إن كان عاقّا فما أخاف من عقوقه أكثر.

و قال له الرشيد يوما و كان معتلا عليه: أ تبقّون بالرّقّة؟قال: نعم، و نبرغث! قال: يا بن الفاعلة!ما حملك على أن سألتك عن مسألة فرددت عليّ في مسألتين؟و أمر به إلى الحبس؛ فلم يزل في حبسه حتى أطلقه الأمين.

لعبد الملك بن صالح بعد خروجه من السجن:

إبراهيم بن السّندي قال: سمعت عبد الملك بن صالح يقول بعد إخراج المخلوع له من الحبس، و ذكر الرشيد و فعله به، فقال: و اللّه إن الملك لشي‏ء ما نويته و لا تمنّيته، و لا نصبت له و لا أردته، و لو أردته لكان إليّ أسرع من الماء إلى الحدور (3) ، و من النار إلى يبس العرفج‏ (4) ؛ و إني لمأخوذ بما لم أجن، و مسئول عما لم أعرف، و لكن حين رآني للملك قمينا (5) ، و للخلافة خطيرا، و رأى لي يدا تنالها إذا مدّت،

____________

(1) الختل: الغدر.

(2) البهت: الافتراء و الكذب.

(3) الحدور: التصبّب و السيلان.

(4) العرفج: نبات سريع الاشتعال.

(5) القمين: الجدير الخليق.

30

و تبلغها إذا بسطت، و نفسا تكمل لخصالها، و تستحقها بفعالها-و إن كنت لم أجن تلك الخصال، و لم أصطنع تلك الفعال، و لم أترشّح لها في السر، و لا أشرت إليها في الجهر-و رآها تحنّ إليّ حنين الوالدة الوالهة، و تميل ميل الهلوك؛ و خاف أن ترغب إلى خير مرغب، و تنزع إلى أخصب منزع، عاقبني عقاب من سهر في طلبها، و جهد في التماسها، فإن كان إنما حسبني أني أصلح لها و تصلح لي، و أليق بها و تليق بي، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه، و لا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه؛ و إن زعم أنه لا صرف لعقابه، و لا نجاة من عذابه، إلا أن أخرج له من حدّ العلم و الحلم و الحزم؛ فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا.

و سواء عليه أ عاقبني على علمي و حلمي، أم عاقبني على نسبي و سني، و سواء عليه عاقبني على جمالي أو عاقبني على محبة الناس لي. و لو أردتها لأعجلته عن التفكير، و شغلته عن التدبير، و لما كان فيها من الخطب إلا اليسير.

ابن مسلم حين بلغه غضب الخليفة على رجاء:

إبراهيم بن السّندي قال: كنت أساير سعد بن سلم، حتى قيل له: إن أمير المؤمنين قد غضب على رجاء بن أبي الضحّاك و أمر بأخذ ماله، فارتاع بذلك و جزع، فقيل له: ما يروعك منه؟فو اللّه ما جعل اللّه بينكما نسبا و لا سببا. فقال: بلى، النّعمة نسب بين أهلها، و الطاعة سبب مؤكّد بين الأولياء.

و بعث بعض الملوك إلى رجل وجد عليه: فقال لما مثل بين يديه: أيها الأمير، إن الغضب شيطان فاستعذ باللّه منه؛ و إنما خلق العفو للمذنب، و التجاوز للمسي‏ء، فلا تضق عما وسع الرعيّة من حلمك و عفوك. فعفا عنه و أطلق سبيله.

و لما اتهم قتيبة بن مسلم أبا مجلز على بعض الأمر، قال: أصلح اللّه الأمير، و أستغفر الرب، أسأل العافية!قال: قد عفونا عنك.

و أرسل بعض الملوك في رجل أراد عقوبته، فلما مثل بين يديه قال: أسألك بالذي‏

31

أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك؛ و هو على عقابك أقدر منك على عقابي، إلا نظرت في أمري نظر من برئى أحبّ إليه من سقمي، و براءتي أحبّ إليه من جرمي.

و قال خالد بن عبد اللّه لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة؛ و أنت تجلّ عن العقوبة و نحن مقرّون بالذنب؛ فإن تعف عنّي فأهل ذلك أنت، و إن تعاقبني فأهل ذلك أنا.

و أمر معاوية بن أبي سفيان بعقوبة روح بن زنباع، فقال له: أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أ لا تضع مني خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض منّي مريرة أنت أبرمتها (1) ، أو تشمت بي عدوّا أنت وقمته‏ (2) ، إلاّ أتى حلمك و صفحك على خطئي و جهلي. فقال معاوية: خلّيا عنه، إذا أراد اللّه أمرا يسّره.

وجد عبد الملك بن مروان على رجل فجفاه و اطّرحه، ثم دعا به ليسأله عن شي‏ء، فرآه شاحبا ناحلا؛ فقال له: مذ متى اعتللت؟فقال:

ما مسّني سقم و لكنّني # جفوت نفسي إذ جفاني الأمير

و آليت ألا أرضى عنها حتى يرضى عني أمير المؤمنين. فأعاده إلى نفسه.

و قعد الحسن بن سهل لنعيم بن حازم، فأقبل إليه حافيا حاسرا و هو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الأرض. فقال له الحسن: على رسلك أيها الرجل، لا بأس عليك، قد تقدمت لك طاعة، و حدثت لك توبة، و ليس للذنب بينهما موضع، و لئن وجد موضعا فما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.

المأمون و هاشمي أذنب:

أذنب رجل من بني هاشم ذنبا إلى المأمون، فعاتبه فيه. فقال: يا أمير المؤمنين، من حمل مثل دالّتي، و لبس ثوب حرمتي، و متّ‏ (3) بمثل قرابتي، اغتفر له فوق زلّتي.

____________

(1) ابرمتها: عقدتها و فتلتها، و المريرة: طاقة الحبل.

(2) وقمته: قهرته و صرفته و أوقفته.

(3) متّ اتصل.

32

قال: صدقت يا بن عمي. و صفح عنه.

و اعتذر رجل إلى المأمون من ذنب فقال له: إني و إن كانت زلتي قد أحاطت بحرمتي فإن فضلك محيط بها. و كرمك موقوف عليها.

أخذه صريع الغواني فقال:

إن كان ذنبي قد أحاط بحرمتي # فأحط بذنبي عفوك المأمولا.

المنصور و يزيد ابن هبيرة:

و دخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أبي جعف المنصور بعد ما كتب أمانه، فقال:

يا أمير المؤمنين، إنّ إمارتكم بكر و دولتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوتها، و جنّبوهم مرارتها، تخفّ على قلوبهم طاعتكم، و تسرع إلى أنفسهم محبّتكم، و ما زلت مستبطئا لهذه الدعوة. فلما قام قال أبو جعفر: عجبا من كل من يأمر بقتل هذا!ثم قتله بعد ذلك غدرا.

المنصور بعد هزيمة عبد اللّه بن علي:

الهيثم بن عدي قال: لما انهزم عبد اللّه بن علي من الشام، قدم على المنصور وفد منهم، فتكلموا عنده، ثم قام الحارث فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لسنا وفد مباهاة، و إنما نحن وفد توبة، ابتلينا بفتنة استخفّت كريمنا، و استفزّت حليمنا، و نحن بما قدّمنا معترفون، و مما سلف منا معتذرون. فإن تعاقبنا فقد أجرمنا و إن تعف عنا فطالما أحسنت إلى من أساء منا.

فقال المنصور للحرسيّ: هذا خطيبهم!و أمر بردّ ضياعه عليه بالغوطة.

لتميم بن جميل بين يدي المعتصم:

قال أحمد بن أبي دواد: ما رأينا رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك و لا أذهله عما كان يحب أن يفعله، إلا تميم بن جميل؛ فإنه كان تغلّب على شاطئ الفرات؛ و أوفى‏

33

به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة، و دخل عليه، فلما مثل بين يديه، دعا بالنّطع و السيف، فأحضرا، فجعل تميم بن جميل ينظر إليها و لا يقول شيئا، و جعل المعتصم يصعّد النظر فيه و يصوّبه، و كان جسيما و سيما، و رأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه و لسانه من منظره. فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به، أو حجة فأدل بها.

فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول: الحمد للّه الذي أحسن كلّ شي‏ء خلقه، و بدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الالسنة، و تصدع الأفئدة، و لقد عظمت الجريرة و كبر الذنب، و ساء الظنّ، و لم يبق إلا عفوك أو انتقامك، و أرجو أن يكون أقربهما منك و أسرعهما إليك أولاهما بامتنانك، و أشبههما بخلائقك. ثم أنشأ يقول:

أرى الموت بين السّيف و النطع كامنا # يلاحظني من حيثما أتلفّت

و أكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي # و أيّ امرئ ممّا قضى اللّه يفلت

و من ذا الذي يدلي بعذر و حجة # و سيف المنايا بين عينيه مصلت‏ (1)

يعزّ على الأوس بن تغلب موقف # يسلّ عليّ السيف فيه و أسكت

و ما جزعي من أن أموت و إنّني # لأعلم أنّ الموت شي‏ء موقّت

و لكنّ خلفي صبية قد تركتهم # و أكبادهم من حسرة تتفتّت

كأني أراهم حين أنعى إليهم # و قد خمشوا تلك الوجوه و صوّتوا

فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة # أذود الرّدى عنهم و إن متّ موّتوا

فكم قائل لا يبعد اللّه روحه # و آخر جذلان يسرّ و يشمت‏

قال: فتبسم المعتصم و قال: كاد و اللّه يا تميم أن يسبق السيف العذل، اذهب، فقد غفرت لك الصبوة (2) ، و تركتك للصبية.

____________

(1) مصلت: مسلول و مشهور.

(2) الصبوة: الجهل و الطيش.

34

المهدي و أبو عبيد اللّه بعد قتل ابنه:

و حكي أن أمير المؤمنين المهدي قال لأبي عبيد اللّه لما قتل ابنه: إنه لو كان في صالح خدمتك و ما تعرّفناه من طاعتك، و فاء يجب به الصفح عن ولدك، ما تجاوز أمير المؤمنين ذلك به إلى غيره؛ و لكنه نكص‏ (1) على عقبيه و كفر بربّه. قال أبو عبيد اللّه: رضانا عن أنفسنا و سخطنا عليها موصول برضاك و سخطك، و نحن خدم نعمتك، تثيبنا على الإحسان فنشكر، و تعاقبنا على الإساءة فنصبر.

المنصور و جعفر ابن محمد:

أبو الحسن المدائني قال: لما حج المنصور مرّ بالمدينة، فقال للربيع الحاجب: عليّ بجعفر بن محمد، قتلني اللّه إن لم أقتله. فمطل‏ (2) به، ثم ألحّ عليه فحضر، فلما كشف الستر بينه و بينه و مثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرّب و سلّم، فقال: لا سلّم اللّه عليك يا عدوّ اللّه، تعمل عليّ الغوائل في ملكي؟قتلني اللّه إن لم أقتلك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ سليمان صلّى اللّه على محمد و عليه، أعطي فشكر، و إن أيوب ابتلي فصبر، و إن يوسف ظلم فغفر؛ و أنت على إرث منهم، و أحقّ من تأسّى بهم. فنكس أبو جعفر رأسه مليا. و جعفر واقف، ثم رفع رأسه فقال: إليّ أبا عبد اللّه، فأنت القريب القرابة، و ذو الرّحم الواشجة (3) السليم الناحية، القليل الغائلة (4) . ثم صافحه بيمينه، و عانقه بشماله، و أجلسه معه على فراشه و انحرف له عن بعضه، و أقبل عليه بوجهه يحادثه و يسائله. ثم قال: يا ربيع، عجّل لأبي عبد اللّه كسوته و جائزته و إذنه.

قال الربيع: فلما حال الستر بيني و بينه أمسكت بثوبه، فقال: ما أرانا يا ربيع إلا و قد حبسنا. فقلت: لا عليك!هذه منّي لا منه. فقال: هذه أيسر، سل حاجتك.

فقلت له: إني منذ ثلاث أدفع عنك و أداري عليك، و رأيتك إذ دخلت همست

____________

(1) نكص: فرّ.

(2) مطل به: أي اختلفت الأسباب لتخلّفه عن الحضور.

(3) الواشجة: القرابة المتصلة المشتبكة.

(4) الغائلة: الشرّ و العناد و الحقد.

35

بشفتيك، ثم رأيت الأمر انجلى عنك، و أنا خادم سلطان و لا غنى لي عنه، فأحبّ منك أن تعلّمنيه. قال: نعم، قلت: «اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، و اكنفني بحفظك الذي لا يرام، و لا أهلك و أنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ لك عندها شكري فلم تحرمني، و كم من بليّة ابتليت بها قلّل عندها صبري فلم تخذلني، بك أدرأ (1) في نحره، و أستعيذ بخيرك من شرّه، فإنك على كل شي‏ء قدير، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و سلّم» .

سليمان بن عبد الملك و يزيد بن راشد:

المدائني قال: لما قام يزيد بن راشد خطيبا، و كان فيمن دعا إلى خلع سليمان بن عبد الملك و البيعة لعبد العزيز بن الوليد. فنذر سليمان قطع لسانه. فلما أفضت الخلافة إليه، دخل عليه يزيد بن راشد، فجلس على طرف البساط مفكرا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، كن كنبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ابتلي فصبر، و أعطي فشكر، و قدر فغفر، قال: و من أنت؟قال: يزيد بن راشد. فعفا عنه.

الرشيد و رجل حبسه:

حبس الرشيد رجلا، فلما طال حبسه كتب إليه: إن كل يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي مثله، و الأمد قريب و الحكم للّه، فأطلقه.

أسد القسري و دهقان يعذب:

و مر أسد بن عبد اللّه القسريّ و هو والي خراسان، بدار من دور الاستخراج، و دهقان‏ (2) يعذّب في حبسه، و حول أسد مساكين يستجدونه. فأمر لهم بدراهم تقسم فيهم. فقال الدهقان: يا أسد، إن كنت تعطي من يرحم فارحم من يظلم فإن السموات تنفرج لدعوة المظلوم. يا أسد، أحذر من ليس له ناصر إلا اللّه، و اتق من

____________

(1) أدرأ: اتقي و احترز.

(2) الدهقان: التاجر، أو رئيس الاقليم.

36

لا جنّة (1) له إلا الابتهال إلى اللّه. إن الظلم مصرعه و خيم، فلا يغترّ بإبطاء الغياث من ناصر متى شاء أن يجيب أجاب، و قد أملى لقوم ليزدادوا إثما. فأمر أسد بالكفّ عنه.

المأمون و رجل من خاصته:

عتب المأمون على رجل من خاصّته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة، و حديث التّوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. فقال: صدقت. و رضي عنه.

ملك من ملوك فارس و صاحب مطبخه:

و كان ملك من ملوك فارس عظيم المملكة شديد النّقمة، و كان له صاحب مطبخ، فلما قرّب إليه طعامه صاحب المطبخ سقطت نقطة من الطعام على يديه، فزوى لها الملك وجهه؛ و علم صاحب المطبخ أنه قاتله، فكفأ الصحفة على يديه. فقال الملك: عليّ به، فلما أتاه قال له: قد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك، فما عذرك في الثانية؟قال: استحييت للملك أن يقتل مثلي في سني و قديم حرمتي في نقطة، فأردت أن أعظم ذنبي ليحسن به قتلي، فقال له الملك: لئن كان لطف الاعتذار ينجيك من القتل ما هو بمنجيك من العقوبة، اجلدوه مائة جلدة و خلّوه.

المأمون و محمد بن عبد الملك:

الشيباني قال: دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم، فقال: يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك بين يديك، ربيب دولتك، و سليل نعمتك؛ و غصن من أغصان دوحتك؛ أ تأذن في الكلام؟قال: نعم قال: نستمنح اللّه حياطة ديننا و دنيانا، و رعاية أدنانا و أقصانا ببقائك؛ و نسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، و في أثرك من آثارنا، و يقيك الأذى بأسماعنا و أبصارنا. هذا مقام العائذ بفضلك، الهارب إلى كنفك و ظلّك، الفقير إلى رحمتك و عدلك. ثم تكلم في حاجته، فقضاها.

____________

(1) الجنّة: الدرع و الحامي.

37

عبيد بن أيوب و الحجاج:

و قال عبيد بن أيوب، و كان يطلبه الحجاج لجناية جناها، فهرب منه و كتب إليه:

أذقني طعم النوم أو سل حقيقة # علي فإن قامت ففصّل بنانيا (1)

خلعت فؤادي فاستطار فأصبحت # ترامى به البيد القفار تراميا (2)

و لم يقل أحد في هذا المعنى أحسن من قول النابغة الذبياني للنّعمان بن المنذر:

أتاني أبيت اللّعن أنك لمتني # و تلك التي تستكّ منها المسامع

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة # من الرّقش من أنيابها السّمّ ناقع‏ (3)

أ كلّفتني ذنب امرئ و تركته # كذي العرّ يكوى غيره و هو راتع‏ (4)

فإنّك كالليل الذي هو مدركي # و إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع‏

و قال فيه أيضا:

و لست بمستبق أخا لا تلمّه # على شعث أي الرجال المهذّب؟ (5)

فإن أك مظلوما فعبد ظلمته # و إن تك ذا عتب فمثلك يعتب

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب

لئن كنت قد بلّغت عنّي جناية # لمبلغك الواشي أغشّ و أكذب

أ لم تر أنّ اللّه أعطاك سورة # ترى كلّ ملك دونها يتذبذب‏ (6)

فإنّك شمس و الملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب‏

و قال ابن الطّثرية:

فهنّي امرأ إمّا بريئا علمته # و إما مسيئا تاب منه و أعتبا

____________

(1) قامت: ثبتت.

(2) استطار: هلع و انخلع من الخوف.

(3) ساورتني: و اثبتني، و الضئيلة: الحيّة الدقيقة اللحم، الرقش: جمع رقشاء و هي المنقطة بنقط سود و بيض و ناقع: مجتمع و كامن.

(4) العرّ: الجرب.

(5) لا تلمّه على شعث: لا تستبقيه على ما فيه من عيوب.

(6) السورة: المنزلة العالية، و يتذبذب: يضطرب.

38

و كنت كذي داء تبغّى لدائه # طبيبا فلمّا لم يجده تطبّبا

و قال الممزّق العبدي لعمرو بن هند:

تروح و تغدو ما يحلّ وضينها # إليك ابن ماء المزن و ابن محرّق‏ (1)

أ حقا أبيت اللّعن إنّ ابن مزننا # على غير إجرام بريقي مشرّقي

فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # و إلاّ فأدركني و لمّا أمزّق

فأنت عميد الناس مهما تقل نقل # و مهما تضع من باطل لا يلحقّ‏

و تمثل بهذه الأبيات عثمان بن عفان في كتابه إلى علي بن أبي طالب يوم الدار.

لابن الزيات يستعطف المتوكل:

و كتب محمد بن عبد الملك الزيات، لما أحسّ بالموت و هو في حبس المتوكل، برقعة إلى المتوكل، فيها:

هي السبيل فمن يوم إلى يوم # كأنّه ما تريك العين في النّوم

لا تعجلن رويدا إنّما دول # دنيا تنقّل من قوم إلى قوم

إنّ المنايا و إنّ أصبحت ذا فرح # تحوم حولك حوما أيّما حوم‏

فلما وصلت إلى المتوكل و قرأها أمر بإطلاقه، فوجدوه ميتا.

و قال عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة للمنصور، و قد أراد عقوبة رجل: يا أمير المؤمنين، إن الانتقام عدل، و التجاوز فضل، و المتفضّل قد جاوز حدّ المنصف، و نحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضي لنفسه أوكس‏ (2) النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجات.

أبو مسلم و بعض قواده:

جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة و قائد من قواده يقال لهم شهرام، كلام، فقال

____________

(1) الوضين للهودج: بمنزلة البطان للقتب.

(2) الأوكس: الأنقص.

39

له قائده كلمة فيها بعض الغلظ، ثم ندم على ما كان منه، فجعل يتضرع و يتنصّل إليه. فقال له أبو مسلم: لا عليك، لسان سبق، و وهم أخطأ، إنما الغضب شيطان، و إنما جرّأتك عليّ لطول احتمالي عنك، فإن كنت للذنب متعمّدا ففقد شاركتك فيه، و إن كنت مغلوبا فإن العذر يسعك، و قد عفونا على كل حال. فقال: أصلح اللّه الأمير، إنّ عفو مثلك لا يكون غرورا. قال: أجل. قال: فإنّ عظم الذنب لا يدع قلبي يسكن. و ألح في الاعتذار. فقال له أبو مسلم: عجبا لك!إنك أسأت فأحسنت، فلما أحسنت أسي‏ء.

المأمون و أبو دلف و قد رضي عنه:

دخل أبو دلف على المأمون، و قد كان عتب عليه ثم أقاله، فقال له و قد خلا مجلسه؛ قل أبا دلف، و ما عسيت أن تقول و قد رضي عنك أمير المؤمنين و غفر لك ما فعلت؟فقال: يا أمير المؤمنين.

ليالي تدني منك بالبشر مجلسي # و وجهك من ماء البشاشة يقطر

فمن لي بالعين التي كنت مرّة # إليّ بها في سالف الدهر تنظر

قال المأمون: لك بها رجوعك الى المناصحة، و إقبالك على الطاعة. ثم عاد له إلى ما كان عليه.

بين المأمون و أبي دلف:

و قال له المأمون يوما: أنت الذي تقول:

إنّي امرؤ كسرويّ الفعال # أصيف الجبال و أشتو العراقا

ما أراك قدّمت لحقّ طاعة، و لا قضيت واجب حرمة!قال له يا أمير المؤمنين إنما هي نعمتك و نحن فيها خدمك، و ما هراقة دمي في طاعتك إلا بعض ما يجب لك.

و دخل أبو دلف على المأمون. فقال: أنت الذي يقول فيك ابن جبلة:

إنّما الدنيا أبو دلف # بين باديه و محتضره‏

40

فإذا ولّى أبو دلف

ولّت الدنيا على أثره‏

فقال: يا أمير المؤمنين، شهادة زور، و كذب شاعر، و ملق مستجد (1) ؛ و لكني الذي يقول فيه ابن أخيه:

ذريني أجوب الأرض في طلب الغنى # فما الكرخ بالدنيا و لا الناس قاسم‏

الكرخ: منزل أبي دلف. و كان اسمه قاسم بن عبد اللّه.

المنصور و معن بن زائدة:

و قال المنصور لمعن بن زائدة: ما أظنّ ما قيل عنك من ظلمك أهل اليمن و اعتسافك عليهم إلا حقا؟قال: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟قال: بلغني عنك أنك أعطيت شاعرا لبيت قاله ألف دينار. و أنشده البيت، و هو:

معن بن زائدة الذي زيدت به # فجرا إلى فجر بنو شيبان‏

قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد أعطيته ألف دينار، و لكن على قوله:

ما زلت يوم الهاشميّة معلما # بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته و كنت وقاءه # من وقع كلّ مهنّد و سنان‏

قال: فاستحيا المنصور و جعل ينكت‏ (2) بالمخصرة، ثم رفع رأسه و قال: اجلس أبا الوليد.

عبد الملك و أعرابي سرق:

أتي عبد الملك بن مروان بأعرابيّ سرق، فأمر بقطع يده، فأنشأ يقول:

يدي يا أمير المؤمنين أعيذها # بعفوك أن تلقى مكانا يشينها

و لا خير في الدنيا و كانت حبيبة # إذا ما شمالي فارقتها يمينها

فأبى إلا قطعه؛ فقالت أمه: يا أمير المؤمنين، واحدي و كاسبي. قال: بئس

____________

(1) الملق: الخداع و المكر.

(2) ينكش: يحفر.

41

الكاسب كان لك، و هذا حدّ من حدود اللّه. قالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من بعض ذنوبك التي تستغفر اللّه منها!فعفا عنه.

تذكير الملوك بذمام متقدم‏

المأمون و ابن أشرس:

قال ثمامة بن أشرس للمأمون لما صارت إليه الخلافة: كان لي أملان: أمل لك و أمل بك، فأمّا أملي لك فقد بلغته، و أما أملي بك فلا أدري ما يكون منك فيه.

قال: يكون أفضل ما رجوت و أمّلت. فجعله من سمّاره و خاصّته.

يزيد بن عبد الملك و الأبرش:

الأصمعي قال: لما مات يزيد بن عبد الملك و صارت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك، خرّ أصحابه سجودا، إلا الأبرش الكلبي. فقال له: يا أبرش، ما منعك أن تسجد كما سجدوا؟قال: يا أمير المؤمنين، لأنك ذهبت عنا و تركتنا: قال: فإن ذهبت بك معي؟قال: أو تفعل يا أمير المؤمنين؟قال: نعم. قال: فالآن طاب السجود، ثم سجد.

أبو جعفر و رجل من إخوانه يهنئه بالخلافة:

و لما صارت الخلافة إلى ابي جعفر كتب إليه رجل من إخوانه:

إنّا بطانتك الألى # كنا نكابد ما تكابد

و نرى فنعرف بالعدا # وة و العباد لمن تباعد

و نبيت من شفق عليـ # ك ربيئة و الليل هاجد (1)

هذا أوان وفاء ما # سبقت به منك المواعد

____________

(1) الربيئة: طليعة الجيش الكشّافة التي ترقب العدو. و هاجد ساكن.

42

لحبيب:

فوقّع أبو جعفر على كل بيت منها: صدقت صدقت. ثم دعا به و ألحقه في خاصته. و قال حبيب الشاعر في هذا المعنى:

و إنّ أولى الموالي أن تواسيه # عند السرور لمن واساك في الحزن

إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا # من كان يألفهم في الموطن الخشن‏

حسن التخلص من السلطان‏

العباس بن سهل و عثمان بن حيان:

أبو الحسن المدائني قال: كان العباس بن سهل والي المدينة لعبد اللّه بن الزبير، فلما بايع الناس عبد الملك بن مروان، ولّى عثمان بن حيّان المرّي و أمره بالغلظة على أهل الظنّة (1) . فعرض يوما بذكر الفتنة و أهلها، فقال له قائل: هذا العباس بن سهل على ما فيه، كان مع الزبير و عمل له. فقال عثمان بن حيّان: ويلي!و اللّه لأقتلنّه.

قال العبّاس: فبلغني ذلك، فتغيّبت حتى أضرّ بي التغيّب، فأتيت ناسا من جلسائه فقلت لهم: مالي أخاف و قد أمّنني عبد الملك بن مروان؟فقالوا: و اللّه ما يذكرك إلا تغيّظ عليك، و قلّما كلّم على طعامه في ذنب إلا انبسط، فلو تنكّرت و حضرت عشاءه و كلمته.

قال: ففعلت، و قلت على طعامه، و قد أتي بجفنة ضخمة ذات ثريد و لحم: «و اللّه لكأني أنظر إلى جفنة حيّان بن معبد، و الناس يتكاوسون‏ (2) عليها، و هو يطوف في حاشيته يتفقّد مصالحها، يسحب أردية الخزّ، حتى إن الحسك ليتعلق به فما يميطه‏ (3) ، ثم يؤتى بجفنة تهادى بين أربعة ما يستقلّون بها إلا بمشقّة و عناء، و هذا بعد ما يفرغ الناس من الطعام و يتنحّون عنه، فيأتي الحاضر من أهله، و الطارئ من أشراف

____________

(1) الظنّة: التهمة.

(2) يتكاوسون: يتراكمون و يتزاحمون.

(3) يميطه: يزيله و يبعده.

43

قومه، و ما بأكثرهم من حاجة إلى الطعام، و ما هو إلا الفخر بالدنوّ من مائدته و المشاركة ليده.

قال: هيه!أنت رأيت ذلك؟قلت: أجل و اللّه. قال لي: من أنت؟قلت: و أنا آمن؟قال: نعم. قلت: العباس بن سهل بن سعد الأنصاري. قال: مرحبا و أهلا، أهل الشرف و الحق. قال: فلقد رأيتني بعد ذلك و ما بالمدينة رجل أوجه مني عنده.

فقيل له بعد ذلك: أنت رأيت حيّان بن معبد يسحب أردية الخز و يتكاوس الناس على مائدته؟فقال: و اللّه لقد رأيته و نزلنا ذلك الماء و غشينا و عليه عباءة ذكوانيّة، فلقد جعلنا نذوده عن رحلنا مخافة أن يسرقه.

بين المختار و سراقة:

أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة بن مرداس البارقي أسيرا يوم جبّالة السّبيع، فقدّم في الأسرى إلى المختار؛ فقال سراقة:

امنن عليّ اليوم يا خير معدّ # و خير من لبّى و صلّى و سجد

فعفا عنه المختار و خلّى سبيله.

ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث فأتي به المختار أسيرا. فقال له: أ لم أعف عنك ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث فأتي به المختار أسيرا. فقال له: أ لم أعف عنك و أمن عليك؟أما و اللّه لأقتلنّك. قال: لا و اللّه لا تفعل إن شاء اللّه. قال: و لم؟قال:

لأنّ أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا و أنا معك، ثم أنشده:

ألا أبلغ أبا إسحاق أنّا # حملنا حملة كانت علينا

خرجنا لا نرى الضّعفاء منّا # و كان خروجنا بطرا و حينا (1)

تراهم في مصفّهم قليلا # و هم مثل الدّبى لما التقينا (2)

____________

(1) البطر: التمرّد على النعمة. و الحين: الهلاك.

(2) الدّبى: الجراد.

44

فأسجح إذ قدرت فلو قدرنا # لجرنا في الحكومة و اعتدينا (1)

تقبّل توبة منّي فإني # سأشكر إن جعلت النّقد دينا

قال: فخلّى سبيله.

ثم خرج إسحاق بن الأشعث و معه سراقة، فأخذ أسيرا و أتي به المختار، فقال:

الحمد للّه الذي أمكنني منك يا عدوّ اللّه. هذه ثالثة. فقال سراقة: أمّا و اللّه ما هؤلاء الذين أخذوني!فأين هم... لا أراهم؟إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض، و تحتهم خيل بلق‏ (2) تطير بين السماء و الأرض.

فقال المختار خلوا سبيله ليخبر الناس.

ثم دعا لقتاله فقال:

ألا من مبلغ المختار عنّي # بأنّ البلق دهم مصمتات‏ (3)

أرى عينيّ ما لم ترأياه # كلانا عالم بالتّرّهات‏ (4)

كفرت بوحيكم و جعلت نذرا # عليّ قتالكم حتى الممات‏

معن بن زائدة و بعض الأسرى:

كان معن بن زائدة قد أمر بقتل جماعة من الأسرى، فقام إليه أصغر القوم فقال له: يا معن، أ تقتل الأسرى عطاشا؟فأمر لهم بالماء؛ فلما سقوا قال: يا معن: أ تقتل ضيفانك؟فأمر معن بإطلاقهم.

عمر بن الخطاب و الهرمزان:

لما أتي عمر بن الخطاب بالهرمزان أسيرا، دعاه إلى الإسلام، فأبى عليه. فأمر

____________

(1) أسجح: أحسن العفو.

(2) البلق: التي في لونها سواد و بياض.

(3) في بعض الأصول «مضمرات» و مصمتات: أي لا يخالط لونها لون آخر.

(4) التّرّهات: الأقوال التي ليس وراءها طائل أو نفع، و الباطل من القول.

45

بقتله، فلما عرض عليه السيف قال: لو أمرت لي يا أمير المؤمنين بشربة من ماء، فهو خير من قتلي على الظمأ. فأمر له بها؛ فلما صار الإناء بيده قال: أنا آمن حتى أشرب؟ قال: نعم. فألقى الإناء من يده و قال: الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج. قال: لك التوقّف حتى أنظر في أمرك، ارفعا عنه السيف. فلما رفع عنه قال: الآن أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمدا عبده و رسوله. فقال له عمر: ويحك! أسلمت خير إسلام، فما أخّرك؟قال: خشيت يا أمير المؤمنين أن يقال إن إسلامي إنما كان جزعا من الموت. فقال عمر: إن لفارس حلوما بها استحقّت ما كانت فيه من الملك. ثم كان عمر يشاوره بعد ذلك في إخراج الجيوش إلى أرض فارس و يعمل برأيه.

الحجاج و بعض من أسر مع ابن الأشعث:

لما أتي الحجاج بالأسرى الذين خرجوا مع ابن الأشعث، أمر بقتلهم؛ فقال رجل أصلح اللّه الأمير، إن لي حرمة. قال: و ما هي؟قال: ذكرت في عسكر ابن الأشعث فشتمت في أبويك، فعرضت دونهما؛ فقلت: لا و اللّه ما في نسبه مطعن، فقولوا فيه و دعوا نسبه. قال و من يعلم ما ذكرت؟[قال‏]فالتفتّ إلى أقرب الأسرى إليّ فقلت: هذا يعلمه. قال له الحجاج: ما تقول فيما يقول؟قال: صدق-أصلح اللّه الأمير-و برّ. قال: خليا عن هذا لنصرته، و عن هذا لحفظ شهادته.

روح بن حاتم و بعض المتلصصين:

عمرو بن بحر الجاحظ قال: أتي روح بن حاتم برجل كان متلصّصا في طريق الرّقاق، فأمر بقتله؛ فقال: أصلح اللّه الأمير، لي عندك يد بيضاء. قال: و ما هي؟ قال: إنك جئت يوما إلى مجمع موالينا بني نهشل و المجلس محتفل، فلم يتحفّز لك أحد فقمت من مكاني حتى جلست فيه، و لو لا محض كرمك، و شرف قدرك.

و نباهة أوّليّتك، ما ذكّرتك هذه عند مثل هذا. قال ابن حاتم: صدق، و أمر بإطلاقه و ولاه تلك الناحية و ضمّنه إياها.

46

و لما ظفر المأمون بأبي دلف، و كان يقطع في الجبال، أمر بضرب عنقه؛ فقال: يا أمير المؤمنين دعني أركع ركعتين. قال: افعل. فركع و حبّر أبياتا، ثم وقف بين يديه فقال:

بع بي النّاس فإنّي # خلف ممّن تبيع

و اتّخذني لك درعا # قلصت عنه الدّروع‏ (1)

و ارم بي كلّ عدوّ # فأنا السّهم السّريع‏

فأطلقه و ولاّه تلك الناحية، فأصلحها.

معاوية و أسير من أهل العراق:

أتي معاوية يوم صفّين بأسير من أهل العراق، فقال: الحمد للّه الذي أمكنني منك!قال: لا تقل ذلك يا معاوية، فإنها مصيبة!قال: و أي نعمة أعظم من أن أمكنني اللّه من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة واحدة؟اضرب عنقه يا غلام! فقال الأسير: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، و لا لأنك ترضى بقتلي: و إنما يقتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا؛ فإن فعل فافعل به ما هو أهله، و إن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله.

قال له: ويحك!لقد سببت فأبلغت، و دعوت فأحسنت؛ خلّيا عنه.

مصعب بن الزبير و رجل من أصحاب المختار:

أمر مصعب بن الزبير برجل من أصحاب المختار أن تضرب عنقه، فقال أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، و وجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك و أقول: أي ربّ، سل هذا فيم قتلني؟قال:

أطلقوه. قال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال

____________

(1) قلصت: تقلصت و ابتعدت.

47

الأسير: بأبي أنت و أمي، أشهد أن لقيس الرّقيات منها خمسين ألفا. قال: و لم؟قال:

لقوله فيك:

إنّما مصعب شهاب من اللّه # تجلّت عن وجهه الظّلماء

ملكه ملك رحمة ليس فيه # جبروت يخشى و لا كبرياء

يتّقي اللّه في الأمور و قد أف # صلح من همه الاتّقاء

فضحك مصعب و قال: أرى فيك موضعا للصنيعة. و أمر بلزومه و أحسن إليه؛ فلم يزل معه حتى قتل.

عبد الملك و رجل أمر بقتله:

أمر عبد الملك بقتل رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى اللّه. فعفا عنه.

الحجاج و أسرى من الخوارج:

أتي الحجاج بأسرى من الخوارج، فأمر بضرب أعناقهم فقدم فيهم شاب فقال:

و اللّه يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو. فقال: أفّ لهذه الجيف.

ما كان فيهم من يقول مثل هذا؟و أمسك عن القتل.

و أتي الحجاج بأسرى، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك اللّه يا حجاج عن السّنّة خيرا؛ فإن اللّه تعالى يقول: فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ حَتََّى إِذََا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً (1) . فهذا قول اللّه في كتابه.

و قد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:

و ما نقتل الأسرى و لكن نفكّهم # إذا أثقل الأعناق حمل القلائد

فقال الحجاج: ويحكم !أ عجزتم أن تخبروني بما أخبرني هذا المنافق؟و أمسك عمن بقي.

____________

(1) سورة محمد الآية 4.

48

الحجاج و حرورية:

الهيثم بن عدي قال: أتي الحجاج بحروريّة، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذه؟ قالوا: اقتلها. أصلح اللّه الأمير، و نكّل بها غيرها!فتبسّمت الحرورية. فقال لها: لم تبسّمت؟فقالت: لقد كان وزراء أخيك فرعون خير من وزرائك يا حجاج:

استشارهم في قتل موسى فقالوا: أرجه و أخاه، و هؤلاء يأمرونك بتعجيل قتلي، فضحك الحجاج و أمر بإطلاقها.

قال معاوية ليونس الثقفي: اتق اللّه؛ لأطيرنّك طيرة بطيئا وقوعها، قال: أ ليس بي و بك المرجع إلى اللّه؟قال: نعم. قال: فأستغفر اللّه.

و دخل رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان، و كان زبيريا، فقال له عبد الملك: أ ليس اللّه قد ردّك على عقبيك؟قال: و من ردّ إليك يا أمير المؤمنين فقد ردّ على عقبيه، فسكت عبد الملك و علم أنه أخطأ.

دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك؛ فقال له سليمان: على امرئ أمّرك و جرّأك و سلّطك على الأمة لعنة اللّه، أ تظن الحجاج استقرّ في قعر جهنم أم هو يهوي فيها؟قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أخيك و أبيك، فضعه من النار حيث شئت.

قال عبيد اللّه بن زياد لقيس بن عباد: ما تقول فيّ و في الحسين؟قال: أعفني عافاك اللّه. قال: لا بدّ أن تقول. قال: يجي‏ء أبوه يوم القيامة فيشفع له، و يجي‏ء أبوك فيشفع لك.

قال: قد علمت غشّك و خبثك، لئن فارقتني يوما لأضعنّ أكثرك شعرا بالأرض.

الحجاج و ابن يعمر في الحسين:

الأصمعي قال: بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول إنّ‏

49

الحسين بن علي ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ابن رسول اللّه؟لتأتينّي بالمخرج مما قلت أو لأضربنّ عنقك!فقال له ابن يعمر: و إن جئت بالمخرج فأنا آمن؟قال: نعم. قال:

اقرأ: وَ تِلْكَ حُجَّتُنََا آتَيْنََاهََا إِبْرََاهِيمَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ `وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنََا وَ نُوحاً هَدَيْنََا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ، `وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ (1) فمن أبعد (2) : عيسى من إبراهيم، أو الحسين من محمد صلّى اللّه عليه و سلم؟ و إنما هو ابن بنته، فقال له الحجاج: و اللّه لكأني ما قرأت هذه الآية قط، و ولاه قضاء بلده، فلم يزل بها قاضيا حتى مات.

الحجاج و ابن أبي ليلى:

أبو بكر ابن شيبة بإسناده قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ليلى على الحجاج، فقال لجلسائه: إن أردتم أن تنظروا إلى رجل يسبّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان فهذا عندكم، يعني عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: معاذ اللّه أيها الأمير أن أكون أسبّ أمير المؤمنين، إنه ليحجزني عن ذلك ثلاث آيات في كتاب اللّه: قال اللّه تعالى:

لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ (3) فكان عثمان منهم. ثم قال: وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدََّارَ وَ اَلْإِيمََانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ، وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (4) فكان أبي منهم. ثم قال: وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ وَ لاََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنََا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنََا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (5) فكنت أنا منهم. فقال: صدقت.

____________

(1) سورة الأنعام الآية 83.

(2) في بعض الأصول «أقرب» .

(3) سورة الحشر الآية 8.

(4) سورة الحشر الآية 9.

(5) سورة الحشر الآية 10.

50

الحجاج و عاصم بن أبي وائل:

أبو عوانة عن عاصم بن أبي وائل قال: بعث إليّ الحجاج فقال لي: ما اسمك؟ قلت: ما أرسل إليّ الأمير حتى عرف اسمي!قال: متى هبطت هذا البلد؟قلت:

حين هبط أهله. قال: ما تقرأ من القرآن؟قلت: أقرأ منه ما إذا تبعته كفاني. قال:

إني أريد أن أستعين بك في عملي. قلت: إن تستعين بي تستعن بكبير أخرق‏ (1) ، ضعيف يخاف أعوان السوء؛ و إن تدعني فهو أحبّ إليّ، و إن تقحمني أتقحّم. قال:

إن لم أجد غيرك أقحمتك، و إن وجدت غيرك لم أقحمك. قلت؛ و أخرى أكرم اللّه الأمير: إني ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك و اللّه إني لأتعارّ (2) من الليل فما يأتيني النوم من ذكرك حتى أصبح؛ هذا و لست لك على عمل. قال: هيه!كيف قلت؟فأعدت عليه؛ فقال: إني و اللّه لا أعلم على وجه الأرض خلقا هو أجرأ على دم مني، انصرف. قال: فقمت فعدلت عن الطريق كأني لا أبصر؛ فقال: أرشدوا الشيخ.

الحجاج و أسرى الجماجم:

لما أتي الحجاج بأسرى الجماجم، أتي فيهم بعامر الشّعبي، و مطرّف بن عبد اللّه الشّخّير و سعيد بن جبير، و كان الشعبي و مطرّف يريان التّقيّة، و كان سعيد بن جبير لا يراها، و كان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم، أن يعرضهم على السيف. فمن أقرّ منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلّي سبيله، و من زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه. فقال الحجاج للشعبي: و أنت ممن ألّب علينا مع ابن الأشعث؟اشهد على نفسك بالكفر. فقال: أصلح اللّه الأمير، نبا (3) بنا المنزل، و أحزن بنا الجناب، و استحلسنا (4) الخوف، و اكتحلنا السهر، و خبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، و لا فجرة أقوياء. قال: للّه أبوك!لقد صدقت: ما بررتم بخروجكم علينا و لا قويتم، خلّوا سبيل الشيخ.

____________

(1) الأخرق: الأحمق الضعيف الرأي.

(2) التعارّ: السهر و التقلّب على الفراش ليلا.

(3) نبا: بعد.

(4) استحلسنا الخوف: لزمنا

51

ثم قال للمطرّف: أ تقر على نفسك بالكفر؟قال: أصلح اللّه الأمير، إن من شق العصا، و سفك الدماء، و نكث البيعة، و فارق الجماعة، و أخاف المسلمين لجدير بالكفر. فخلّى سبيله.

ثم قال لسعيد بن جبير: أ تقرّ على نفسك بالكفر؟قال: ما كفرت منذ آمنت باللّه. فضرب عنقه.

ثم استعرض الأسرى، فمن أقرّ بالكفر خلّى سبيله، و من أبى قتله، حتى أتي بشيخ و شاب، فقال للشاب: أ كافر أنت؟قال: نعم، قال: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر. فقال له الشيخ: أ عن نفسي تخادعني يا حجاج؟و اللّه لو علمت أعظم من الكفر لقلته. فضحك الحجاج و خلّى سبيله.

فلما مات الحجاج و قام سليمان، قال الفرزدق:

لئن نفّر الحجّاج آل معتّب # لقوا دولة كان العدوّ يدالها

لقد أصبح الأحياء منهم أذلة # و موتاهم في النّار كلحا سبالها (1)

و كانوا يرون الدائرات بغيرهم # فصار عليهم بالعذاب انفتالها

ألكني إلى من كان بالصّين أو رمى # به الهند ألواح عليها جلالها (2)

هلمّ إلى الإسلام و العدل عندنا # فقد مات عن أهل العراق خبالها (3)

سليمان بن عبد الملك و ابن الرقاع:

لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالأردن: اجمع يدي عديّ بن الرقاع إلى عنقه، و ابعث به إليّ على قتب بلا وطاء، و وكّل به من ينخس به ففعل ذلك.

فلما انتهى إلى سليمان بن عبد الملك ألقى بين يده إلقاء لا روح فيه، فتركه حتى ارتدّ إليه روحه، ثم قال له: أنت أهل لما نزل بك. أ لست القائل في الوليد:

____________

(1) السبال: الشارب.

(2) ألكني: أرسلني. و يريد بالأمواج: السفن، و الجلال: الشّرع.

(3) الخبال: الفساد في الرأي.

52

معاذ ربّي أن نبقى و نفقده # و أن نكون لراع بعده تبعا

قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، ما هكذا قلت، و إنما قلت:

معاذ ربّي أن نبقى و نفقدهم # و أن نكون لراع بعدهم تبعا

فنظر إليه سليمان و استضحك، فأمر له بصلة و خلّى سبيله.

شريك و الربيع بين يدي المهدي:

العتبي قال: كان بين شريك القاضي و الربيع حاجب المهدي، معارضة؛ فكان الربيع يحمل عليه المهديّ فلا يلتفت إليه، حتى رأى المهديّ في منامه شريكا القاضي مصروفا وجهه عنه، فلما استيقظ من نومه دعا الربيع و قصّ عليه رؤياه. فقال: يا أمير المؤمنين، إن شريكا مخالف لك و إنه فاطميّ محض. قال المهدي: عليّ به؛ فلما دخل عليه قال له: يا شريك، بلغني أنك فاطميّ. قال له شريك: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمي، إلا أن تعني فاطمة بنت كسري. قال: و لكني أعني فاطمة بنت محمد صلّى اللّه عليه و سلم. قال: أ فتلعنها يا أمير المؤمنين؟قال: معاذ اللّه!قال: فما ذا تقول فيمن يلعنها؟قال: عليه لعنة اللّه. قال: فالعن هذا-يعني الربيع-فإنه يلعنها، فعليه لعنة اللّه. قال الربيع: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، ما ألعنها. قال له شريك: يا ماجن، فما ذكرك لسيدة نساء العالمين و ابنة سيّد المرسلين في مجالس الرجال؟قال المهدي: دعني من هذا، فإني رأيتك في منامي كأنّ وجهك مصروف عنّي و قفاك إليّ، و ما ذلك إلا بخلافك عليّ، و رأيت في منامي كأني أقتل زنديقا. قال شريك:

إن رؤياك يا أمير المؤمنين ليست برؤيا يوسف الصّدّيق صلوات اللّه على محمد و عليه، و إن الدماء لا تستحل بالأحلام، و إنّ علامة الزندقة بيّنة. قال: و ما هي؟قال:

شرب الخمر، و الرّشا في الحكم، و مهر البغيّ. قال: صدقت و اللّه أبا عبد اللّه!أنت و اللّه خير من الذي حملني عليك.

و دخل شريك القاضي على المهديّ، فقال له الربيع: خنت مال اللّه و مال أمير المؤمنين. قال: لو كان ذلك لأتاك سهمك.