العقد الفريد - ج3

- ابن عبد ربه المزيد...
365 /
3

الجزء الثالث‏

كتاب الجوهرة في الامثال‏

قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه:

قد مضى قولنا في العلم و الأدب و ما يتولّد منهما و ينسب إليهما من الحكم النادرة، و الفطن البارعة.

و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في الأمثال، التي هي وشي الكلام و جوهر اللفظ، و حلى المعاني، و التي تخيّرتها العرب، و قدّمتها العجم، و نطق بها كلّ زمان و على كل لسان. فهي أبقى من الشّعر، و أشرف من الخطابة، لم يسر شي‏ء مسيرها، و لا عمّ عمومها، حتى قيل: أسير من مثل.

و قال الشاعر:

ما أنت إلا مثل سائر # يعرفه الجاهل و الخابر (1)

و قد ضرب اللّه عز و جل الأمثال في كتابه، و ضربها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في كلامه.

قال اللّه عزّ و جلّ: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ (2) و قال: وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ (3) . و مثل هذا كثير في آي القرآن.

فأول ما نبدأ به: أمثال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، ثم أمثال العلماء، ثم أمثال أكثم بن صيفي

____________

(1) الخابر: رجل خابر أي عالم بالخبر.

(2) سورة المؤمنون الآية 51.

(3) سورة النحل الآية 76.

4

و بزرجمهر الفارسي؛ و هي التي كان يستعملها جعفر بن يحيى في كلامه؛ ثم أمثال العرب التي رواها أبو عبيد، و ما أشبهها من أمثال العامة: ثم الأمثال التي استعملها الشعراء في أشعارهم في الجاهلية و الإسلام.

أمثال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم‏

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: ضرب اللّه مثلا صراطا مستقيما، و على جنبي الصراط أبواب مفتحة، و على الأبواب ستور مرخيّة، و على رأس الصراط داع يقول: ادخلوا الصراط و لا تعوّجوا. فالصراط الإسلام، و السوران: حدود اللّه، و الأبواب المفتحة: محارم اللّه، و الداعي القرآن.

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: مثل المؤمن كالخامة (1) من الزرع: يقلبها الريح مرة كذا و مرة كذا.

و مثل الكافر مثل الأرزة (2) المجذية على الأرض، يكون انجعافها بمرّة.

و سأله حذيفة: أبعد هذا الشر خير يا رسول اللّه؟فقال: جماعة على أقذاء، و هدنة على دخن.

و قوله حين ذكر الدنيا و زينتها، فقال: إن ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلمّ‏ (3) .

و قال لأبي سفيان: أنت أبا سفيان كما قالوا: كلّ الصيد في جوف الفرا (4) .

و قال حين ذكر الغلو في العبادة: إن المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى.

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: إياكم و خضراء الدّمن. قالوا: و ما خضراء الدمن؟قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء.

____________

(1) الخامة: القصبة الرطبة من الزرع.

(2) الأرزة: كشجر الصنوبر.

(3) أو يلم: أو يقرب من ذلك.

(4) الفرا: الحمار الوحشي.

5

و ذكر الرّبا في آخر الزمان، و افتتان الناس به، فقال: من لم يأكله أصابه غباره.

و قال: الإيمان قيد الفتك.

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: الولد للفراش و للعاهر الحجر.

و قال في فرس: وجدته بحرا.

و قال: إن من البيان لسحرا.

و قال: لا ترفع عصاك عن أهلك.

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: لا يلدغ المؤمن من جحر (1) مرتين.

و قال: الحرب خدعة.

و له صلّى اللّه عليه و سلم: أمثال كثيرة غير هذه، و لكنّا لم نذهب في كل باب إلى استقصائه، و إنما ذهبنا إلى أن نكتفي بالبعض، و نستدل بالقليل على الكثير، ليكون أسهل مأخذا للحفظ، و أبرأ (2) من الملالة و الهرب. و تفسيرها:

أما المثل الأوّل، فقد فسّره النبي صلّى اللّه عليه و سلم.

و أما قوله: «المؤمن كالخامة و الكافر كالأرزة، فإنه شبّه المؤمن في تصرف الأيام به و ما يناله من بلائها، بالخامة من الزرع يقلبها الرّيح مرة كذا و مرة كذا-و الخامة في قول أبي عبيد: القصبة الرطبة في الزرع؛ و الأرزة: واحدة الأرز، و هو شجر له ثمر يقال له الصنوبر. و المجذبة: الثابتة، و فيها لغتان: جذا يجذو، و أجذى يجذى.

و الانجعاف: الانقلاع، يقال جعفت الرجل، إذا قلعته و صرعته و ضربت به الأرض.

و قوله لحذيفة: هدنة على دخن و جماعة على أقذاء (3) . أراد ما تنطوي عليه القلوب من الضغائن و الأحقاد، فشبّه ذلك بإغضاء الجفون على الأقذاء. و الدخن: مأخوذ من الدخان، جعلا مثله لما في الصدور من الغل.

و قوله: إنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم. فالحبط-كما ذكر أبو عبيدة عن

____________

(1) جحر: مكان تحفره السباع و الهوام لأنفسها.

(2) أبرأ: أشفى.

(3) أقذاء: جمع قذى، و هو التراب المدمق.

6

الأصمعي: أن تأكل الدابة حتى ينتفخ بطنها و تمرض منه، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطا. و قوله: أو يلم. معناه: أو يقرب من ذلك. و منه قوله: إذ ذكر أهل الجنة فقال: إن أحدهم إذا نظر إلى ما أعدّ اللّه له في الجنة فلو لا أنه شي‏ء قضاه اللّه له لألّم أن يذهب بصره، يعني لما يرى فيها. يقول: لقرب أن يذهب بصره.

و قوله لأبي سفيان: كل الصيد في جوف الفرا. فمعناه أنك في الرجال كالفرا في الصيد، و هو الحمار الوحشي، و قال له ذلك يتألّفه على الإسلام.

و قوله حين ذكر الغلو في العبادة: إن المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى. يقول:

إن المغذّ (1) في السير إذا أفرط الإغذاذ عطبت راحلته من قبل أن يبلغ حاجته أو يقضي سفره، فشبّه بذلك من أفرط في العبادة حتى يبقى حسيرا.

و قوله في الربا: من لم يأكله أصابه غباره. إنما هو مثل لما ينال الناس من حرمته، و ليس هناك غبار.

و قوله: الإيمان قيّد الفتك. أي منع منه كأنه قيد له. و في حديث آخر: لا يفتك مؤمن.

و قوله في فرس: وجدته بحرا. و إن من البيان لسحرا؛ إنما هو تمثيل لا على التحقيق.

و كذلك قوله: الولد للفراش و للعاهر الحجر. معناه أنه لا حق له في نسب الولد.

و قوله صلّى اللّه عليه و سلم: لا ترفع عصاك عن أهلك. إنما هو الأدب بالقول، و لم يرد ألا ترفع عنها العصا.

و قوله: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. معناه أن لدغ مرة يحفظ من أخرى.

و قوله: الحرب خدعة. يريد أنها بالمكر و الخديعة.

____________

(1) المغذ في السير: المسرع.

7

أمثال روتها العلماء

ابن بشير على منبر الكوفة:

خطب النعمان بن بشير على منبر بالكوفة فقال: يأهل الكوفة، إني وجدت مثلي و مثلكم كالضّبع و الثعلب أتيا الضبّ في جحره، فقالا: أبا حسل‏ (1) . قال: أجبتكما قالا: جئناك نختصم. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت الضبع: فتحت عيبتي، قال:

فعل النساء فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: حلوا جنيت. قالت: فاختطفها ثعالة.

قال: نفسه بغى ثعالة اسم الثعلب، الذكر و الأنثى قالت: فلطمته لطمة. قال: حقا قضيت. قالت: فلطمني أخرى. قال: كان حرّا فانتصر. قالت: فاحكم الآن بيننا.

قال: حدّث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة.

ابن الزبير و أهل العراق:

و قال عبد اللّه بن الزبير لأهل العراق: وددت و اللّه لو أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم. قال له رجل منهم: أ تدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا و مثلكم و مثل أهل الشام؟قال: و ما ذلك؟قال: ما قاله أعشى بكر حيث يقول:

علّقتها (2) عرضا و علقت رجلا غيري و علّق أخرى غيرها الرجل.

أحببناك نحن، و أحببت أنت أهل الشام، و أحب أهل الشام عبد الملك بن مروان.

مثل في الرياء (3)

فخ الإسرائيلي و العصفورة:

يحيى بن عبد العزيز: قال: حدّثني نعيم عن إسماعيل عن رجل من ولد أبي بكر الصدّيق رضوان اللّه عليه، عن وهب بن منبه قال: نصب رجل من بني إسرائيل

____________

(1) أبا حسل: ولد الضب.

(2) علقتها: أحببتها.

(3) الرياء: إظهار عكس ما يبطن.

8

فخّا، فجاءت عصفورة فنزلت عليه، فقالت: ما لي أراك منحنيا؟قال: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية (1) عظامك؟قال: لكثرة صيامي بدت عظامي.

قالت: فمالي أرى هذا الصّوف عليك؟قال: لزهادتي في الدنيا لبست الصوف.

قالت: فما هذه العصا عندك؟قال: أتوكّأ عليها و أقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبّة في يدك؟قال: قربان إن مرّ بي مسكين ناولته إياه. قالت: فإني مسكينة!قال:

فخذيها. فدنت فقبضت على الحبة، فإذا الفخ في عنقها. فجعلت تقول: قعي قعي.

تفسيره: لا غرّني ناسك مراء بعدك أبدا.

اسرائيلي و قبرة:

داود بن أبي هند عن الشّعبي: أن رجلا من بني إسرائيل صاد قبّرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟قال: أذبحك فآكلك!قالت: و اللّه ما أشفي من قرم‏ (2) و لا أغني من جوع، و لكني أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي: أما الواحدة فأعلمكها و أنا في يدك، و الثانية إذا صرت على هذه الشجرة، و الثالثة إذا صرت على الجبل.

فقال: هات الأولى، قالت: لا تتلهفن على ما فاتك. فخلّى عنها؛ فلما صارت فوق الشجرة قال: هات الثانية. قالت: لا تصدّقن بما لا يكون أنه يكون. ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت: يا شقيّ!لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّة فيها زنة عشرين مثقالا. قال: فعضّ على شفتيه و تلهّف ثم قال: هات الثالثة. قالت له: أنت قد نسيت الاثنتين، فكيف أعلّمك الثالثة؟أ لم أقل لك لا تتلهفنّ على ما فاتك؟فقد تلهفت عليّ إذ فتّك، و قلت لك. لا تصدقن بما لا يكون، أنه يكون!فصدقت!أنا و عظمي و ريشي لا أزن عشرين مثقالا، فكيف يكون في حوصلتي ما يزنها؟

من أمثال الهند:

و في كتاب للهند: مثل الدنيا و آفاتها و مخاوفها و الموت و المعاد الذي إليه مصير الإنسان:

____________

(1) بادية: واضحة.

(2) قرم: شدة شهوة اللحم.

9

قال الحكيم: وجدت مثل الدنيا و المغرور بالدنيا المملوءة آفات، مثل رجل ألجأه خوف إلى بئر تدلّى فيها و تعلق بغصنين نابتين على شفير البئر، و وقعت رجلاه على شي‏ء فمدّهما. فنظر فإذا بحيّات أربع قد أطلعن رءوسهنّ من جحورهنّ، و نظر إلى أسفل البئر فإذا بثعبان فاغر فاه نحوه، فرفع بصره إلى الغصن الذي يتعلق به فإذا في أصله جرذان أبيض و أسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران؛ فبينما هو مغتم بنفسه و ابتغاء الحيلة في نجاته، إذ نظر فإذا بجانب منه جحر نحل قد صنعن شيئا من عسل، فتطاعم منه فوجد حلاوته، فشغلته عن الفكر في أمره و التماس النجاة لنفسه، و لم يذكر أن رجليه فوق أربع حيات لا يدري من تساوره منهنّ، و أن الجرذين دائبان في قرض الغصن الذي يتعلق به، و أنهما إذا قطعاه وقع في لهوة (1) التنين. و لم يزل لاهيا غافلا حتى هلك.

قال الحكيم: فشبهت الدنيا المملوءة آفات و شرورا و مخاوف بالبئر؛ و شبهت الأخلاط التي بني جسد الإنسان عليها، من المرّتين و البلغم و الدم بالحيات الأربع و شبهت الحياة بالغصنين اللذين تعلق بهما و شبهت الليل و النهار و دورانهما في إفناء الأيام و الأجيال بالجرذين الأبيض و الأسود اللذين يقرضان الغصن دائبين لا يفتران؛ و شبهت الموت الذي لا بد منه بالتنين الفاغر (2) فاه؛ و شبهت الذي يرى الإنسان و يسمع و يطعم و يلبس فيلهيه ذلك عن عاقبة أمره و ما إليه مصيره بالعسيلة التي تطاعمها.

من ضرب به المثل من الناس‏

قالت العرب: أسخى من حاتم، و أشجع من ربيعة بن مكدّم، و أدهى من قيس ابن زهير. و أعزّ من كليب بن وائل. و أوفى من السّموأل. و أذكى من إياس بن معاوية. و أسود من قيس بن عاصم. و أمنع من الحارث بن ظالم. و أبلغ من سحبان ابن وائل. و أحلم من الأحنف بن قيس و أصدق من أبي ذرّ الغفاريّ. و أكذب من

____________

(1) لهوة: جمع لهى، و هي ما يلقيه الطاحن من الحب في فم الرحى بيده‏

(2) الفاغر: الفاتح.

10

مسيلمة الحنفي. و أعيا من باقل‏ (1) . و أمضى من سليك‏ (2) المقانب. و أنعم من خريم الناعم. و أحمق من هبنّقة. و أفتك من البرّاض‏ (3) .

من يضرب به المثل من النساء

يقال: أشأم من البسوس. و أحمق من دغة. و أمنع من أمّ قرفة و أقود من ظلمة، و أبصر من زرقاء اليمامة.

البسوس: جارة جسّاس بن مرة بن ذهل بن شيبان، و لها كانت الناقة التي قتل من أجلها كليب بن وائل، و بها ثارت الحرب بين بكر بن وائل و تغلب، التي يقال لها حرب البسوس.

و أم قرفة: امرأة مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري، و كان يعلّق في بيتها خمسون سيفا كل سيف منها لذي محرم لها.

و دُغة: امرأة من عجل بن لجيم: تزوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم.

و زرقاء بني نمير: امرأة كانت باليمامة تبصر الشّعرة البيضاء في اللبن، و تنظر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام، و كانت تنذر قومها الجيوش إذا غزتهم، فلا يأتيهم جيش إلا و قد استعدوا له، حتى احتال لها بعض من غزاهم، فأمر أصحابه فقطعوا شجرا أمسكوه أمامهم بأيديهم، و نظرت الزرقاء فقالت: إني أرى الشجر قد أقبل إليكم. قالوا لها: قد خرفت ورق عقلك و ذهب بصرك. فكذبوها، و صبّحتهم الخيل و أغارت عليهم و قتلت الزرقاء. قال: فقوّروا عينيها فوجدوا عروق عينيها قد غرقت في الإثمد من كثرة ما كانت تكتحل به.

و ظلمة: امرأة من هذيل زنت أربعين عاما، فلما عجزت عن الزنا و القود اتخذت

____________

(1) باقل: رجل من ربيعة.

(2) هو سليك بن سلكة.

(3) هو البراض بن قيس الكناني.

11

تيسا و عنزا، فكانت تنزي‏ (1) التيس على العنز، فقيل لها، لم تفعلين ذلك؟قالت:

حتى أسمع أنفاس الجماع.

ما تمثلوا به من البهائم‏

قالوا: أشجع من أسد. و أجبن من الصّافر. و أمضى من ليث عفرّين‏ (2) . و أحذر من غراب. و أبصر من عقاب. و أزهى من ذباب. و أذلّ من قراد بمنسم‏ (3) . و أسمع من فرس. و أنوم من فهد. و أعمر من ضبّ. و أجبن من صفرد (4) . و أحقد من جمل. و أضرع من سنّور. و أسرق من زبابة. و أصبر من عود و أظلم من حيّة. و أحنّ من ناب‏ (5) . و أكذب من فاختة. و أعزّ من بيض الأنوق. و أجوع من كلبة حومل‏ (6) .

و أعزّ من الأبلق‏ (7) العقوق‏ (8) .

الصفار: ذو الصفير من الطير. العود: المسن من الجمال. الأنوق: طير يقال إنه يبيض في الهواء، و الزّبابة: الفأرة تسرق دود الحرير، و فاختة: طير يطير بالرطب في غير أيامه.

ما يضرب به المثل من غير الحيوان‏

قالوا: أهدى من النّجم. و أجود من الدّيم. و أصبح من الصّبح. و أسمح من البحر. و أنور من النهار. و أسود من اللّيل. و أمضى من السّيل. و أحمق من رجلة (9) .

و أحسن من دمية. و أنزه من روضة. و أوسع من الدّهناء (10) . و آنس من جدول.

____________

(1) النزو: الشهوة.

(2) عفرين: موضع.

(3) منسم: خف البعير.

(4) صفرد: طائر يألف البيوت.

(5) الناب: الناقة المسنة.

(6) امرأة من العرب.

(7) من صفات الذكور.

(8) الحامل من النوق.

(9) رجلة: بقلة تسميها العامة الحمقاء

(10) الدهناء: من ديار بني تميم، و هي سبعة أجبل من الرمال.

12

و أضيق من قرار حافر. و أوحش من مفازة. و أثقل من جبل. و أبقى من الوحي‏ (1)

في صمّ الصّلاب. و أخفّ من ريش الحواصل.

و مما ضربوا به المثل‏

قولهم: قوس حاجب. و قرط مارية. و حجّام‏ (2) ساباط. و شقائق النعمان. و ندامة الكسعيّ. و حديث خرافة. و كنز النّطف. و خفّا حنين. و عطر منشم.

أما قوس حاجب. فقد فسرنا خبره في كتاب الوفود.

و أما قرط مارية فإنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الكندي و أختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار. و ابنها الحارث الأعرج الذي ذكره النابغة بقوله:

و الحارث الأعرج خير الأنام‏

و إيّاها يعني حسان بن ثابت بقوله:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل و أما حجّام ساباط، فإنه كان يحجم الجيوش بنسيئة إلى انصرافهم، من شدة كساده؛ و كان فارسيّا. و ساباط. هو ساباط كسرى.

و نسب شقائق النعمان إليه، لأن النعمان بن المنذر أمر بأن تحمى و تضرب قبته فيها استحسانا لها، فنسبت إليه، و العرب تسميها الشّقر.

و أما خرافة؛ فإنّ أنس بن مالك يروي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال لعائشة رضي اللّه عنها: إنّ من أصدق الأحاديث حديث خرافة، و كان رجلا من بني عذرة سبته الجن، و كان معهم، فإذا استرقوا السمع أخبروه، فيخبر به أهل الأرض فيجدونه كما قال.

____________

(1) الوحي: الكتابة.

(2) حجام: محترف الحجامة.

13

و أما كنز النّطف، فهو رجل من بني يربوع كان فقيرا يحمل الماء على ظهره فينطف، أي يقطر؛ و كان أغار على مال بعث به باذان من اليمن إلى كسرى، فأعطى منه يوما حتى غربت الشمس، فضربت به العرب المثل في كثرة المال.

و أما خفّا (1) حنين، فإنه كان إسكافا من أهل الحيرة، ساومه أعرابيّ بخفين فاختلفا حتى أغضبه، فأراد أن يغيظ الأعرابيّ، فلما ارتحل أخذ أحد الخفين فألقاه في طريق الأعرابي، ثم ألقى الآخر بموضع آخر على طريقه. فلما مر الأعرابي، بالخف الأول، قال ما أشبه هذا بخف حنين!لو كان معه صاحبه لأخذته. فلما مرّ بالآخر ندم على ترك الأول فأناخ راحلته، و انصرف إلى الأول و قد كمن له حنين، فوثب على راحلته و ذهب بها؛ و أقبل الأعرابيّ ليس معه غير خفى حنين. فذهبت مثلا.

و أما عطر منشم، فإنها كانت امرأة تبيع الحنوط (2) في الجاهلية، فقيل للقوم إذا تحاربوا: دقّوا عطر منشم. يراد بذلك طيب الموتى.

و أما ندامة الكسعي، فإنه رجل رمى فأصاب، فظن أنه أخطأ فكسر قوسه، فلما علم ندم على كسر قوسه. فضرب به المثل.

أمثال أكثم بن صيفي و بزرجمهر الفارسي‏

العقل بالتّجارب. الصاحب مناسب. الصديق من صدّق عينيه. الغريب من لم يكن له حبيب، ربّ بعد أقرب من قريب. القريب من قرب نفعه. لو تكاشفتم ما تدافنتم‏ (3) . خير أهلك من كفاك. و خير سلاحك ما وقاك. خير إخوانك من لم تخبره. ربّ غريب ناصح الجيب‏ (4) ؛ و ابن أب متهم الغيب. أخوك من صدقك.

الأخ مرآة أخيه. إذا عزّ أخوك فهن. مكره أخوك لا بطل. تباعدوا في الديار

____________

(1) الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق.

(2) الحنوط: كل ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى و أجسامهم خاصة.

(3) تدافنتم: تكاتمتم.

(4) الجيب: القميص و الدرع.

14

و تقاربوا في المحبة. أيّ الرجال المهذّب. من لك بأخيك كلّه. إنك إن فرّجت لاق فرجا. أحسن يحسن إليك. ارحم ترحم. كما تدين تدان. من ير يوما ير به، و الدهر لا يغترّ به. عين عرفت فذرفت. في كلّ خبرة عبرة. من مأمنه يؤتى الحذر.

لا يعدو المرء رزقه و إن حرص. إذا نزل القدر عمي البصر: و إذا نزل الحين نزل بين الأذن و العين. الخمر مفتاح كلّ شرّ. الغناء رقية الزّناء. القناعة مال لا ينفد.

خير الغنى غنى النفس. منساق إلى ما أنت لاق. خذ من العافية ما أعطيت، ليس الإنسان إلا القلب و اللسان. إنما لك ما أمضيت. لا تتكلف ما كفيت. القلم أحد اللسانين. قلّة العيال أحد اليسارين. ربما ضاقت الدنيا باثنين. لن تعدم الحسناء ذامّا.

لم يعدم الغاوي لائما. لا تك في أهلك كالجنازة. لا تسخر من شي‏ء فيحور بك.

أخّر الشرّ فإن شئت تعجّلته. صغير الشرّ يوشك أن يكبر. يبصر القلب ما يعمى عنه البصر. الحرّ حرّ و إن مسّه الضرّ (1) . العبد عبد و إن ساعده جد. من عرف قدره استبان أمره. من سرّه بنوه ساءته نفسه. من تعظّم على الزمان أهانه. من تعرّض للسلطان أذراه و من تطامن‏ (2) له تخطّاه. من خطا يخطو. كلّ مبذول مملول. كلّ ممنوع مرغوب فيه. كل عزيز تحت القدرة ذليل. لكلّ مقام مقال. لكلّ زمان رجال. لكل أجل كتاب. لكل عمل ثواب. لكل نبإ مستقر. لكل سرّ مستودع.

قيمة كلّ إنسان ما يحسن. اطلب لكل غلق مفتاحا. أكثر في الباطل يكن حقا.

عند القنط (3) يأتي الفرج. عند الصباح يحمد السّرى. الصدق منجاة و الكذب مهواة. الاعتراف يهدم الاقتراف. ربّ قول أنفذ من صول. ربّ ساعة ليس بها طاعة. ربّ عجلة تعقب ريثا. بعض الكلام أقطع من الحسام. بعض الجهل أبلغ من الحلم. ربيع القلب ما اشتهى. الهوى شديد العمى. الهوى الإله المعبود. الرأي نائم و الهوى يقظان، غلب عليك من دعا إليك. لا راحة لحسود، و لا وفاء لملول. لا سرور كطيب النفس. العمر أقصر من أن يحتمل الهجر. أحق الناس بالعفو أقدرهم

____________

(1) الضر: الضرر.

(2) تطامن: سكن و انخفض.

(3) القنط: اليأس الشديد.

15

على العقوبة. خير العلم ما نفع. خير القول ما اتّبع. البطنة (1) تذهب الفطنة. شرّ العمى عمى القلب. أوثق العرى كلمة التقوى. النساء حبائل الشيطان. الشباب شعبة من الجنون، الشقيّ من شقي في بطن أمّه. السعيد من وعظ بغيره. لكل امرئ في بدنه شغل. من يعرف البلاء يصبر عليه. المقادير تريك ما لا يخطر ببالك. أفضل الزّاد ما تزوّد للمعاد. الفحل أحمى للشول‏ (2) . صاحب الحظوة غدا من بلغ المدى.

عواقب الصبر محمودة. لا تبلغ الغايات بالأماني. الصريمة على قدر العزيمة. الضعيف يثني أو يذمّ. من تفكر اعتبر. كم شاهد لك لا ينطق، ليس منك من غشّك. ما نظر لامرئ مثل نفسه. ما سدّ فقرك إلا ملك يمينك. ما على عاقل ضيعة. الغنى في الغربة وطن. و المقلّ في أهله غريب. أول المعرفة الاختبار. يدك منك و إن كانت شلاّء. أنفك منك و إن كان أجدع. من عرف بالكذب لم يحز صدقه، و من عرف بالصدق جاز كذبه. الصحة داعية السّقم. الشباب داعية الهرم. كثرة الصياح من الفشل. إذا قدمت المصيبة تركت التعزية. إذا قدم الإخاء سمج الثناء. العادة أملك من الأدب. الرفق يمن و الخرق شؤم. المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة (3) . الدّالّ على الخير كفاعله. المحاجزة قبل المناجزة. قبل الرماية تملأ الكنائن. لكل ساقطة لاقطة.

مقتل الرجل بين فكّيه. ترك الحركة غفلة. الصّمت حبسة. من خير خبر أن يسمع بمطر. كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. قيّدوا النّعم بالشكر. من يزرع المعروف يحصد الشكر. لا تغترّ بمودّة الأمير إذا غشّك الوزير. أعظم من المصيبة سوء الخلف منها. من أراد البقاء فليوطّن نفسه على المصائب. لقاء الأحبّة مسلاة للهم. قطيعة الجاهل كصلة العاقل. من رضي على نفسه كثر الساخط عليه. قتلت أرض جاهلها، و قتل أرضا عارفها. أدوأ الداء الخلق الدّنيّ و اللسان البذيّ. إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربّا. احذر الأمين و لا تأمن الخائن. عند الغاية يعرف السبق. عند الرّهان يحمد المضمار. السؤال و إن قلّ أكثر من النوال و إن جل. كافئ المعروف

____________

(1) البطنة: الامتلاء الشديد من الطعام.

(2) الشول: النوق التي جفّ لبنها.

(3) قهرمانة: مدبرة البيت و متولية شئونه.

16

بمثله أو انشره. لا خلة (1) مع عيلة (2) . لا مروءة مع ضر. و لا صبر مع شكوى. ليس من العدل سرعة العذل. عبد غيرك حر مثلك. لا يعدم الخيار من استشار. الوضيع من وضع نفسه. المهين من نزل وحده. من أكثر أهجر (3) . كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع. كل إناء ينضح بما فيه. العادة طبع ثان.

و من أمثال العرب‏

مما روى أبو عبيد

جرّدناها من الآداب التي أدخل فيها أبو عبيد إذ كنا قد أفردنا للأدب و المواعظ كتبا غير هذا، و ضممنا إلى أمثلة العرب القديمة ما جرى على ألسنة العامة من الأمثال المستعملة، و فسرنا من ذلك ما احتاج إلى التفسير. فمن ذلك قولهم:

في حفظ اللسان‏

لعمر بن عبد العزيز: التقيّ ملجم.

لأبي بكر الصدّيق: إن البلاء موكّل بالمنطق.

لابن مسعود: ما شي‏ء أولى بطول سجن من لسان.

لأنس بن مالك: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحترز من لسانه و لسان غيره. احذر لسانك لا يضرب عنقك. جرح اللسان جرح اليد. رب كلام أقطع من حسام.

القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر.

قال الشاعر:

و قد يرجى لجرح السيف برء (4) # و لا برء لما جرح اللسان‏

اجتلبنا هذا البيت لأنه قد صار مثلا سائرا للعامة. و جعلنا لأمثال الشعراء في آخر كتابنا هذا بابا.

____________

(1) الخلة: الصداقة.

(2) العيلة: الفقر.

(3) أهجر: أفحش في كلامه.

(4) برء: شفاء.

17

و قال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكّيه.

و قال: ربما أعلم فأذر. يريد أنه يدع ذكر الشي‏ء و هو به عالم؛ لما يحذر من عاقبته.

إكثار الكلام و ما يتقى منه‏

قالوا: من ضاق صدره اتّسع لسانه. من أكثر أهجر-أي خرج إلى الهجر، و هو القبيح من القول.

و قالوا: المكثار كحاطب ليل، و حاطب الليل ربما نهشته الحية أو لسعته العقرب في احتطابه ليلا.

و قالوا: أوّل العييّ الاختلاط، (1) و أسوأ القول الإفراط.

في الصمت‏

قالوا: الصّمت حكم‏ (2) و قليل فاعله.

و قالوا: عيّ صامت خير من عيّ ناطق، و الصمت يكسب أهله المحبّة.

و قالوا: استكثر من الهيبة الصّموت؛ و الندم على السّكوت خير من الندم على الكلام.

و قالوا: السّكوت سلامة.

القصد في المدح‏

منه قولهم: من حفّنا (3) أو رفّنا (4) فليقتصد. يقولون: من مدحنا فلا يغلون في ذلك.

و قولهم: لا تهرف بما لا تعرف و الهرف: الإطناب في المدح و الثناء.

و منه قولهم: شاكه أبا يسار من دون ذا ينفق الحمار.

أخبرنا أبو محمد الأعرابي عن رجل من بني عامر بن صعصعة قال: لقي أبو يسار رجلا بالمربد يبيع حمارا و رجل يساومه؛ فجعل أبو يسار يطرى الحمار؛ فقال المشتري:

____________

(1) الاختلاط: الغضب.

(2) حكم: حكمة

(3) الحفّ: إزالة شعر الوجه.

(4) الرفّ: التناول.

18

أعرفت الحمار؟قال: نعم. قال: كيف سيره؟قال: يصطاد به النّعام معقولا. قال له البائع: شاكه أبا يسار، من دون ذا ينفق الحمار. و المشاكهة: المقاربة و القصد.

صدق الحديث‏

منه قولهم: من صدق اللّه نجا.

و منه قولهم: سبّني و اصدق.

و قالوا: الكذب داء و الصّدق شفاء.

و قولهم: لا يكذب الرائد أهله معناه أن الذي يرتاد لأهله منزلا لا يكذبهم فيه.

و قولهم: صدقني سنّ بكره. أصله أنّ رجلا ابتاع من رجل بعيرا، فسأله عن سنّه.

فقال له: إنه بازل‏ (1) . فقال له: أنخه. فلما أناخه قال: هدع هدع. و هذه لفظة تسكّن بها الصغار من الإبل. فلما سمع المشتري هذه الكلمة قال: صدقني سنّ بكره.

و منه قولهم: القول ما قالت حذام. و هي امرأة لجيم بن صعب، والد حنيفة و عجل، ابني لجيم، و فيها قال:

إذا قالت حذام فصدّقوها # فإنّ القول ما قالت حذام‏

من أصاب مرة و أخطأ مرة

منه قولهم: شخب في الإناء. و شخب‏ (2) في الأرض. شبّه بالحالب الجاهل الذي يحلب شخبا في الإناء و شخبا في الأرض.

و قولهم: يشج‏ (3) مرة و يأسو (4) أخرى.

و قولهم: سهم لك و سهم عليك.

____________

(1) بازل: البعير في سن الثامنة أو التاسعة.

(2) شخب: ما خرج من اللبن من الضرع إذا احتلب.

(3) يشج: يشق جلد الرأس أو الوجه.

(4) يأسو: يصلح.

19

و قولهم: اطرقي و ميشي. و الميش أن يخلط الشعر بالصوف. و المطراقة: العود الذي يضرب به بين ما خلط.

سوء المسألة و سوء الاجابة

قالوا: أساء سمعا فأساء جابة. هكذا تحكى هذه الكلمة، «جابة» بغير ألف، و ذلك أنه اسم موضوع يقال: أجابني فلان جابة حسنة، فإذا أرادوا المصدر قالوا:

إجابة، بالألف.

و قالوا: حدّث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة. كذا في الأصل؛ و الذي أحفظ:

فاربع، أي أمسك.

و قولهم: إليك يساق الحديث.

من صمت ثم نطق بالفهاهة

قالوا: سكت ألفا و نطق خلفا. الخلف من كل شي‏ء: الردي‏ء.

المعروف بالكذب يصدق مرة

قولهم: من الخواطئ سهم صائب. و ربّ رمية من غير رام.

و قولهم: قد يصدق الكذوب.

المعروف بالصدق يكذب مرة

قالوا: لكلّ جواد كبوة، (1) و لكلّ صارم نبوة (2) ، و لكلّ عالم هفوة (3) ، و قد يعثر الجواد، و من لك بأخيك كلّه، و أيّ الرجال المهذب.

____________

(1) كبوة: عثرة.

(2) نبوة: تجاف عن الضريبة.

(3) هفوة: زلة.

20

كتمان السر

قالوا: صدرك أوسع لسرّك.

و قالوا: لا تفش سرّك إلى أمة، و لا تبل على أكمة. يقول لا نفش سرك إلى امرأة فتبديه، و لا تبل على مكان مرتفع فتبدو عورتك.

و يقولون إذا أسروا إلى الرجل: اجعل هذا في وعاء غير سرب‏ (1) .

و قولهم سرّك من دمك.

و قيل لأعرابي: كيف كتمانك السر؟فقال: ما صدري إلا قبر.

انكشاف الأمر بعد اكتتامه‏

قولهم: حصحص‏ (2) الحقّ.

و قولهم: أبدى الصريح عن الرّغوة. و في الرغوة ثلاث لغات: فتح الراء، و ضمها، و كسرها.

و قولهم: صرح‏ (3) المحض‏ (4) عن الزّبد.

و قالوا: أفرخ القوم بيضتهم. أي أخرجوا فرختها، يريدون أظهروا سرهم.

و قولهم: برح‏ (5) الخفاء و كشف الغطاء.

إبداء السر

قالوا: أفضيت إليك بشقوري. أي أخبرتك بأمري، و أطلعتك على سري.

و قولهم: أخبرتك بعجري و بجري. أي أطلعتك على معايبي، و العجر: العروق المتعقدة، و أما البجر فهي في البطن خاصة.

و تقول العامة: لو كان في جسدي برص ما كتمته.

____________

(1) أي غير سرب ماؤه.

(2) حصحص: ظهر بعد خفاء.

(3) صرح: بين.

(4) المخض: اللبن الخالص.

(5) برح: زال.

21

الحديث يتذكر به غيره‏

قالوا: الحديث ذو شجون: و هذا المثل لضبّة بن أدّ و كان له ابنان: سعد و سعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد و لم يرجع سعيد، فكان ضبه كلما رأى رجلا مقبلا قال: أسعد أم سعيد، فذهبت مثلا. ثم إن ضبة بينما هو يسير يوما و معه الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ أتى على مكان، فقال له الحارث: أ ترى هذا الموضع!فإني لقيت فتى هيئته كذا و كذا، فقتلته و أخذت منه هذا السيف. فإذا بصفة سعيد، فقال له ضبة: أرني السيف أنظر إليه. فناوله إياه فعرفه فقال له: إن الحديث ذو شجون. ثم ضربه به حتى قتله. فلامه الناس في ذلك، و قالوا: أ قتلت في الشهر الحرام؟قال: سبق السيف العذل. فذهبت مثلا.

و منه: ذكّرتني الطّعن و كنت ناسيا. و أصل هذا أن رجلا حمل ليقتل رجلا، و كان بيد المحمول عليه رمح، فأنساه الدهش و الجزع ما في يده، فقال له الحامل:

ألق الرمح. قال الآخر: فإن رمحي لمعي، ذكّرتني الطعن و كنت ناسيا. ثم كز (1) على صاحبه فهزمه أو قتله. و يقال: إن الحامل: صخر بن معاوية السلمي أخو الخنساء و المحمول عليه: يزيد بن الصّعق.

العذر يكون للرجل و لا يمكن أن يبديه‏

منه قولهم: ربّ سامع خبري لم يسمع عذري. و ربّ ملوم لا ذنب له. و لعلّ له عذرا و أنت تلوم.

و قولهم: المرء أعلم بشأنه.

الاعتذار في غير موضعه‏

منه قولهم: ترك الذنب أيسر من التماس العذر، و ترك الذنب أيسر من طلب التوبة.

____________

(1) كزّ: ضيّق.

22

التعريض بالكناية

و منه قولهم: أ عن صبوح‏ (1) ترقق‏ (2) .

و منه قولهم: إياك أعني و اسمعي يا جارة.

المنّ بالمعروف‏

قالوا: شوى أخوك حتى إذا أنضج رمّد.

و قولهم: فضل القول على الفعل دناءة، و فضل الفعل على القول مكرمة.

الحمد قبل الاختبار

لا تحمدن أمة عام اشترائها و لا حرّة عام بنائها (3) .

و قولهم: لا تهرف قبل أن تعرف. يقول: لا تمدح قبل أن تختبر.

و قولهم: أول المعرفة الاختبار.

إنجاز الوعد

قالوا: أنجز حرّ ما وعد.

و قولهم: العدة عطيّة.

و قولهم: من أخّر حاجة فقد ضمنها.

و قالوا: وعد الحرّ فعل، و وعد اللّئيم تسويف.

و قالت العامة: الوعد من العهد.

التحفظ من المقالة القبيحة و إن كانت باطلا

حسبك من شرّ سماعه. و ما اعتذارك من شي‏ء قيل.

____________

(1) الصبوح: شراب الصباح.

(2) ترفق: تزين الكلام و تحسنه.

(3) بنائها: تزويجها.

23

بالخير

منه قولهم للقادم من سفره: خير ما ردّ في أهل و مال؛ أي جعلك اللّه كذلك.

و قولهم: بلغ اللّه بك أكلأ العمر. أي أقصاه.

و قولهم: نعم عوفك. أي نعم بالك.

و قولهم في النكاح: على بدء الخير و اليمن.

و قولهم: بالرّفاء و البنين. يريد بالرفاء: الكثرة، يقال منه: رفأته، إذا دعوت له بالكثرة.

و قولهم: هنّئت و لا تنكه. أي أصابك خير و لا أصابك ضر.

و قولهم: هوت‏ (1) أمّه، و هبلته‏ (2) أمّه. يدعون عليه و هم يريدون الحمد له.

و نحوه قاتله اللّه، و أخزاه اللّه، إذا أحسن. و منه قول امرئ القيس:

ما له لا عدّ من نفره‏

تعيير الإنسان صاحبه بعيبه‏

قالوا: رمتني بدائها و انسلّت.

و قولهم: عيّر بجير بجره، (3) نسي بجير خبره.

و قولهم: محترس من مثله و هو حارس.

و قولهم: تبصر القذى في عين أخيك و لا تبصر الجذع في عينك.

الدعاء على الإنسان‏

منه قولهم: فاها لفيك. يريد: الأرض لفيك.

و قولهم: بفيك الحجر، و بفيك الأثلب‏ (4) .

و قولهم: لليدين و للفم.

____________

(1) هوت: سقطت.

(2) هبلته: شكلته.

(3) بجير و بجرة: كانا أخوين في الزمن القديم.

(4) الأثلب: التراب و الحجارة أو فتاتها.

24

و لما أتي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بسكران في رمضان، و قال له: لليدين و للفم؛ أ ولداننا صيام و أنت مفطر. و ضربه مائة سوط.

و منه قولهم: لجنبه فليكن الوجه. يريد الصرعة.

و منه قولهم: من كلا جانبيك لا لبّيك، أي لا كانت لك تلبية و لا سلامة من كلا جانبيك. و التلبية: الإقامة بالمكان.

و قولهم: بك لا بظبي. و قال الفرزدق:

أقول له لمّا أتاني نعيه # به لا بظبي بالصّريمة أعفرا (1)

و منه قولهم: جدع اللّه مسامعه.

و قولهم: عقرا حلقا، يريد عقره اللّه و حلقه.

و منه قولهم: لا لعا (2) له: أي لا أقامه اللّه.

قال الأخطل:

و لا لعا لبني ذكوان إذ عثروا

و لحبيب:

صفراء صفرة صحّة قد ركّبت # جثمانه في ثوب سقم أصفر

قتلته سرّا ثمّ قالت جهرة # قول الفرزدق لا بظبي أعفر

رمى الرجل غيره بالمعضلات‏

منه قولهم: رماه بأقحاف‏ (3) رأسه، و رماه بثالثة الأثافي، يريد قطعة من الجبل يجعل إلى جنبها أثفيّتان و تكون هي الثالثة.

و منه: يا للعضيهة (4) و الأفيكة (5) ، إذا رماه بالبهتان.

و قولهم: كأنما أفرغ عليه ذنوبا (6) ، إذا كلمه كلمة يسكته بها.

____________

(1) الأعفر: الذي يعلو بياضه حمرة.

(2) لا لعا: يدعو عليهم بالتعس.

(3) الأقحاف: جمع قحف، و هو ما يعلو الدماغ من الرأس.

(4) العضيهة: البهتان.

(5) الأفيكة: الإفك: الكذب و الافتراء.

(6) الذنوب: الدلو.

25

المكر و الخلابة

منه قولهم: فتل في ذروته، أي خادعه حتى أزاله عن رأيه.

قال أبو عبيد: و يروى عن الزبير حين سأل عائشة الخروج إلى البصرة فأبت عليه:

فما زال يفتل في الذّروة و الغارب حتى أجابته.

و قولهم: ضرب‏ (1) أخماسا لأسداس، يريدون المناكرة.

و قال آخر:

إذا أراد امرؤ مكرا جنى عللا # و ظلّ يضرب أخماسا لأسداس‏

و منه قولهم: الذّئب يأدو للغزال، أي يختله ليوقعه.

اللهو و الباطل‏

منه قولهم: جاء فلان بالتّره‏ (2) . و جري فلان السّمّه‏ (3) ، و هما من أسماء الباطل.

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: ما أنا من دد و لا دد منّي، و فيه ثلاث لغات: دد، و ددا: مثل قفا.

و ددن: مثل حزن.

خلف الوعد

منه قولهم: ما وعده إلا برق خلّب، و هو الذي لا مطر معه.

و منه ما وعده إلا وعد عرقوب. و هو رجل من العماليق أتاه أخوه يسأله فقال:

إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فأتاه للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحا. فلما أبلحت قال: دعها حتى تصير رطبا. فلما أرطبت قال: دعها حتى تصير تمرا. فلما أتمرت عمد إليها عرقوب فجزها و لم يعط أخاه شيئا، فصارت مثلا سائرا في الخلف.

قال الأعشى:

____________

(1) ضرب: بين و أظهر.

(2) التره: الطريق الصغيرة.

(3) السمة: جمع سامة، و السامة: الفرس يجري جريا لا يعرف الإعياء.

26

وعدت و كان الخلف منك سجيّة # مواعيد عرقوب أخاه بيثرب‏

اليمين الغموس‏

منه قولهم: جذّها جذّ العير الصّليانة (1) . و ذلك أن العير ربما اقتلع الصّليانة إذا ارتعاها.

و منه الحديث المرفوع: اليمين الغموس تدع الدّيار بلاقع. قال أبو عبيد: اليمين الغموس هي المصبورة (2) التي يوقف عليها الرجل فيحلف بها؛ و سميت غموسا لغمسها حالفها في المأثم.

و منه قولهم: اليمين حنث أو مندمة.

و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: من كان حالفا فليحلف باللّه.

أمثال الرجال و اختلاف نعوتهم‏

في الرجل المبرّز في الفضل‏

قولهم: ما يشقّ غباره، و أصله السابق من الخيل.

و قولهم: جري المذكي حسرت‏ (3) عنه الحمر، أي كما يسبق الفرس القارح الحمر.

و قولهم: جري المذكّيات غلاء (4) أو غلاب‏ (5) .

و قولهم: ليست له همّة دون الغاية القصوى.

الرجل النبيه الذكر

قولهم: ما يحجر فلان في العكم: الجوالق، يريد أنه لا يخفي مكانه.

و قولهم: ما يوم حليمة بسر و كانت فيه وقعة مشهورة قتل فيها المنذر بن ماء السماء، فضربت مثلا لكل أمر مشهور.

____________

(1) الصليان: البقل.

(2) المصبورة: التي تصبر.

(3) حسرت: أعيت.

(4) غلاء: جمع غلوة، أي بعيدا.

(5) غلاب: المغالبة.

27

و قولهم: أشهر من أبلق‏ (1) .

و قولهم: و هل يخفى على الناس النهار.

و مثله: و هل يخفى على الناظر الصبح.

و قولهم: و هل يجهل فلانا إلا من يجهل القمر.

الرجل العزيز يعز به الدليل‏

منه قولهم: إنّ البغاث بأرضنا تستنسر. البغاث؛ صغار الطير، تستنسر: تصير نسورا.

و قولهم: لا حر بوادي عوف. يريدون عوف بن محلّم الشيباني، و كان منيعا.

و قولهم: تمرّد مارد و عزّ الأبلق. مارد: حصن بدومة الجندل، و الأبلق: حصن السموأل.

و قولهم: من عزّ بزّ (2) ، و من قلّ ذلّ. و من أمر فلّ‏ (3) . أمر: كثر.

الرجل الصعب‏

منه قولهم: فلان ألوى بعيد المستمرّ.

و قولهم: ما بللت منه بأفوق ناصل. و أصله السهم المكسور الفوق الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك.

و قولهم: ما يقعقع‏ (4) لي بالشنان‏ (5) .

و قولهم: ما يصطلى بناره.

و قولهم: ما تقرن به الصّعبة (6) .

____________

(1) الأبلق: الذي فيه سواد و بياض.

(2) بزّ: غلب.

(3) فل: ذهب عقله.

(4) يقعقع: القعقعة تحريك الشي‏ء اليابس الصلب مع صوت.

(5) الشنان: جمع شن، و هي القربة البالية.

(6) الصعبة: الناقة الصعبة.

28

النجد يلقى قرنه‏

منه قولهم:

إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا

و الحديد بالحديد يفلح. و الفلح: الشق. و لا يفل الحديد إلا الحديد. و النّبع يقرع بعضه بعضا. و رمي فلان بحجره، أي قرن بمثله.

الأريب الداهي‏

هو هتر (1) أهتار، و صلّ أصلال. أصله من الحيات، شبه الرجل بها.

و مثله: حية ذكر، و حية واد.

و قولهم: هو عضلة (2) من العضل. و هو باقعة (3) من البواقع. و حوّل قلّب. و مؤدم مبشر. يقول: فيه لين الأدمة، و خشونة البشرة.

و فلان يعلم من حيث تؤكل الكتف.

التنبيه بلا منظر و لا سابقة

قال أبو عبيد: هو الذي تسميه العرب الخارجيّ، يريدون: خرج من غير أولية كانت له، قال الشاعر:

ألا يا مرو لست بخارجيّ # و ليس قديم مجدك بانتحال‏

و قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. و هو تصغير رجل منسوب إلى معد.

و قالوا:

نفس عصام سوّدت عصاما

____________

(1) هتر: داهية.

(2) عضلة: داهية.

(3) باقعة: داهية.

29

الرجل العالم النحرير

قالوا: إنه لنقّاب. و هو الفطن الذكيّ.

و قالوا: إنه لعض. و هو العالم النّحرير.

و قولهم: أنا جذيلها المحكك، و عذيقها المرجّب.

قال الأصمعي: الجذيل: تصغير الجذل، و هو عود ينصب للإبل الجرباء، لتحتك به من الجرب، فأراد أن يشفى برأيه. و العذيق: تصغير عذق، و العذق-بالفتح- النخلة نفسها، فإذا مالت النخلة الكريمة بنوا من جانبها المائل بناء مرتفعا يدعمها لكيلا تسقط، فذلك الترجيب، و صغرهما للمدح.

و مثله قولهم: إنه لجذل حكاك.

و منه قولهم: عنيّته تشفى الجرب. و العنية: شي‏ء تعالج به الإبل إذا جربت.

و قولهم: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا.

و أول من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني، ثم قرعت لعامر بن الظرب العدواني، و كان حكم في الجاهلية فكبر حتى أنكر عقله، فقال لبنيه: إذا أنا زغت‏ (1)

فقوموني. كان إذا زاغ قرعت له العصا، فينزع عن ذلك.

و منه قولهم: إنه لألمعيّ. و هو الذي يصيب بالظن.

و قولهم: ما حككت قرحة إلا أدميتها.

و قولهم: الأمور تشابه مقبلة و تظهر مدبرة. و لا يعرفها مقبلة إلا العالم النّحرير (2) ، فإذا أدبرت عرفها الجاهل و العالم.

الرجل المجرب‏

منه قولهم: إنه لشراب بأنقع‏ (3) . أي معاود للخير و الشر.

____________

(1) زغت: ملت عن المقصد.

(2) النحرير: العالم الحاذق في علمه.

(3) أنقع: جمع نقع، و هو الماء الفاقع أو الأرض التي يجتمع فيها الماء.

30

و قولهم: إنه لخرّاج ولاّج.

و قولهم: حلب الدّهر أشطره. و شرب أفاويقه. أي اختبر من الدهر خيره و شره.

فالشطر هو شطر الحلبة. و الفيقة: ما بين الحلبتين.

و قولهم: رجل منجّذ. و هو المجرب، و أصله من النواجذ؛ يقال: قد عضّ على ناجذه، إذا استحكم.

و قولهم: أوّل الغزو أخرق.

و قولهم: لا تعدو إلا بغلام و قد غذا.

و قولهم: زاحم بعود أو دع.

و قولهم: العوان‏ (1) لا تعلّم الخمرة.

و قالت العامة: الشارف‏ (2) لا يصفّر له.

الذب‏ (3) عن الحرم‏

قالوا: الفحل يحمي شوله. و الخيل تجري على مساويها. يقول: إن الخيل و إن كانت لها عيوب فإن كرمها يحملها على الجرى.

و قولهم: النساء لحم على وضم‏ (4) إلا ما ذبّ عنه.

و قولهم: النساء حبائل الشيطان.

و قولهم: كلّ ذات صدار (5) خالة. يريد أنه يحميها كما يحمي خالته.

الصلة و القطيعة

منه قولهم: لا خير لك فيمن لا يرى لك ما يرى لنفسه.

و قولهم: إنما يضنّ بالضّنين.

و قولهم: خلّ سبيل من و هي سقاؤه.

____________

(1) العوان: المتوسطة في العمر بين الصغر و الكبر من النساء و البهائم.

(2) الشارف: المسن الهرم.

(3) الذب: الدفاع عن.

(4) و ضم: ما وقي به اللحم من الأرض.

(5) الصدار: قميص تلبسه المرأة.

31

و قولهم: ألق حبله على غاربه.

و قولهم: لو كرهتني يدي قطعتها.

الرجل يأخذ حقه قسرا

منه قولهم: يركب الصّعب من لا ذلول له.

و قولهم: مجاهرة إذا لم أجد مختلا. يقول: آخذ حقي قسرا علانية إذا لم أصل إليه بالستر و العافية.

و قولهم: حلبتها بالسّاعد الأشدّ. يقول: أخذتها بالقوّة و الشدّة إذا لم أقدر عليها بالرفق.

و قولهم: التجلّد خير من التبلّد، و المنيّة خير من الدّنيّة، و من عزّ برّ.

الإطراق حتى تصاب الفرصة

منه قولهم: مخرنبق لينباع. مخرنبق: مطرق. لينباع: لينبعث. يقول: سكت حتى يصيب فرصته فيثب عليها.

و قولهم: تحسبها حمقاء و هي باخس.

و قولهم: خيره في صدره.

و قولهم: أحمق بلغ. يقول: مع حمقه يدرك حاجته‏

الرجل الجلد المصحح‏

أطرّي فإنك ناعلة. أصله أن رجلا قال لراعية له كانت ترعى في السهولة و تترك الحزونة، فقال لها: أطرّي. أي: خذي طرر الوادي. و هي نواحيه. فإنك ناعلة.

يريد: فإن عليك نعلين.

و قولهم: به داء ظبي. معناه أنه ليس بالظبي داء و قالوا: الشجاع موقّى.

32

الذل بعد العز

منه قولهم: كان جملا فاستنوق. أي صار ناقة.

و قولهم: كان حمارا فاستأتن. أي صار أتانا.

و قولهم: الحور (1) بعد الكور (2) .

و قولهم: ذل لو أجد ناصرا. أصله أن الحارث بن أبي شمر الغساني، سأل أنس بن أبي الحجير عن بعض الأمر، فأخبره؛ فلطمه الحارث، فقال أنس: ذل لو أجد ناصرا. فلطمه ثانية، فقال: لو نهيت الأولى لم تلطم الثانية. فذهبتا مثلين.

الانتقال من ذل إلى عز

منه قولهم: كنت كراعا فصرت ذراعا.

و قولهم: كنت عنزا فاستتيست.

و قولهم: كنت بغاثا (3) فاستنسرت. أي صرت نسرا.

تأديب الكبير

قالوا: ما أشدّ فطام الكبير.

و قولهم: عود يقلّح. أي جمل مسنّ تنقى أسنانه.

و قالوا: من العناء رياضة الهرم.

قال الشاعر:

و تروض عرسك بعد ما هرمت # و من العناء رياضة الهرم‏

و قولهم: أعييتني بأشر (4) ، فكيف بدردر. يقول أعييتني و أنت شابة، فكيف إذا بدت درادرك، و هي مغارز الأسنان.

____________

(1) الحور: النقصان.

(2) الكور: الزيادة.

(3) بغاث: طائر بطي‏ء الطيران.

(4) أشر: حدة ورقة في أطراف الأسنان.

33

الذليل المستضعف‏

منه قولهم: فلان لا يعوي، و لا ينبح من ضعفه. يقول: لا يتكلم بخير و لا شر.

و قولهم: أهون مظلوم سقاء مروّب. و هو السقاء الذي يلفّ حتى يبلغ أوان المخض.

و قالوا: أهون مظلوم عجوز معقومة.

و قولهم: لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب.

الذليل يستعين بأذل منه‏

قالوا: عبد صريخه أمة.

و قولهم: مثقل استعان بذقنه. و أصله: البعير يحمل عليه الحمل الثقيل فلا يقدر على النهوض به، فيعتمد على الأرض بذقنه.

و قولهم: العبد من لا عبد له.

الأحمق المائق‏

قالوا: عدوّ الرجل حمقه، و صديقه عقله.

و قولهم: خرقاء عيّابة. و هو الأحمق الذي يعيب الناس.

و قالوا في الرجل إذا اشتدّ حمقه جدا: ثأطة مدّت بماء. الثأطة الحمأة، فإذا أصابها الماء ازدادت فسادا و رطوبة.

الذي تعرض له الكرامة فيختار الهوان‏

منه قولهم: تجنّب روضة و أحال يعدو. يقول: ترك الخصب و اختار الشقاء.

و قولهم: لا يخلو مسك السوء من عرف السوء. يقول: لا يكن جلد رذل إلا و الريح المنتنة موجودة فيه.

و منه قول العامة: قيل للشقيّ هلمّ إلى السعادة. قال: حسبي ما أنا فيه. و منه قول العامة:

إن الشقيّ بكلّ حبل يختنق‏

و قولهم: لا يعدم الشقيّ مهيرا. أي لا يعدم الشقي رياضة مهر.

34

الرجل تريد إصلاحه و قد أعياك أبوه قبله‏

منه قولهم: لا تقتن من كلب سوء جروا.

و قال الشاعر:

ترجو الوليد و قد أعياك والده # و ما رجاؤك بعد الوالد الولدا

الواهن العزم الضعيف الرأي‏

منه قولهم: ما له أكل و لا صيّور. أي ليس له رأي و لا قوّة.

قال الأصمعي: طلب أعرابي ثوبا من تاجر، فقال: أعطني ثوبا له أكل. يعني قوة و حصافة (1) .

و منه قولهم: هو إمّعة. و هو إمّرة. قال أبو عبيد: هو الرجل الذي لا رأي له و لا عزم، فهو يتابع كل أحد على رأيه، و لا يثبت على شي‏ء، و كذلك الإمّرة، الذي يتابع كل أحد على أمره.

و منه قولهم: بنت الجبل. و معناه الصدى يجيبك من الجبل، أي هو مع كل متكلم يجيبه بمثل كلامه.

الذي يكون ضارا و لا نفع عنده‏

منه قولهم: المغزى تبهى و لا تبنى. قال أبو عبيد: معناه أن المعزى لا تكون منها الأبنية، و هي بيوت الأعراب، و إنما تكون من وبر الإبل، و صوف الضأن، و لا تكون من الشعر، و ربما صعدت المعزى إلى الخباء فخرقته، فذلك قولهم تبهى، يقال:

أبهيت البيت، إذا خرقته، فإذا انخرق قيل بيت باه.

الرجل يكون ذا منظر و لا خير فيه‏

و منه قولهم: ترى الفتيان كالنخل، و ما يدريك ما الدخل.

و قال الحجاج لعبد الرحمن بن الأشعث: إنك لمنظراني. قال: نعم و مخبراني.

____________

(1) حصافة: محكم لا خلل فيه.

35

أمثال الجماعات و حالاتهم من اجتماع الناس و افتراقهم‏

قال الأصمعي: و يقال: لن يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا قال أبو عبيد: معناه أن الغالب على الناس الشر، و الخير في القليل من الناس فإذا كان التساوي فإنما هو من الشر.

و من أشد العجائب قول القائل: سواسية كأسنان الحمار.

و منه قولهم: الناس سواء كأسنان المشط.

و قولهم: الناس أشباه و شتى في الشيم‏ (1) .

و قولهم: الناس أخياف. أي مفترقون في أخلاقهم، و كلّهم يجمعه بيت الأدم.

و الأخيف من الخيل: الذي إحدى عينيه زرقاء، و الأخرى كحلاء.

و منه قولهم: بيت الإسكاف فيه من كلّ جلد رقعة.

المتساويان في الخير و الشر

هما كفرسي رهان. و كركبتي بعير. و هما زندان‏ (2) في وعاء. و هذا في الخير و أما في الشر؛ فيقال: هما كحماري العباديّ. حين قال له: أيّ حماريك شر؟ قال: هذا ثم هذا.

الفاضلان و أحدهما أفضل‏

منه قولهم: مرعى و لا كالسّعدان‏ (3) .

و قولهم: ماء و لا كصدّاء: ركية ذات ماء عذب.

و قولهم: فتى و لا كمالك‏ (4) .

و قولهم: في كلّ الشجر نار و استمجد (5) المرخ و العفار (6) . و هما أكثر الشجر نارا.

____________

(1) الشيم: الصفات.

(2) زندان: الأعلى و الأسفل من عمودي الاقتداح.

(3) السعدان: نبت أختر العشب لينا.

(4) أي مالك بن نويرة.

(5) استمجد: استكثر من النار.

(6) المرخ و العفار: شجر يقدح بهما.

36

الرجل يرى لنفسه فضلا على غيره‏

منه قولهم: كلّ مجر بالخلاء يسرّ. و أصله: الذي يجري فرسه في المكان الخالي فهو يسر بما يرى منه.

المكافأة

منه قولهم: سنة بتلك.

و قولهم: أضي‏ء لي، أقدح لك. أي كن لي أكن لك.

و قولهم: اسق رقاش‏ (1) سقاية. يقول: أحسنوا لها إنها محسنة.

الأمثال في القربى‏

التعاطف بين ذوي الأرحام‏

قال الكلبي: منه قولهم: يا بعضي دع بعضا. و أصل هذا أن زرارة بن عدس زوّج ابنته من سويد بن ربيعة، فكان له منها تسعة بنين. و أن سويدا قتل أخا صغيرا لعمرو بن هند الملك و هرب و لم يقدر عليه ابن هند؛ فأرسل إلى زرارة أن ائتني بولده من ابنتك؛ فجاء بهم، فأمر عمرو بقتلهم، فتعلقوا بجدهم زرارة؛ فقال: يا بعضي دع بعضا. فذهبت مثلا.

و من أمثالهم في التحنن على الأقارب‏

قولهم: لكن على بلدح‏ (2) قوم عجفي.

و قولهم: لكنّ بالاثلات لحم لا يظلّل.

و أصل هذا أن بيهسا الذي يلقّب بنعامة كان بين أهل بيته و بين قوم حرب، فقتلوا سبعة إخوة لبيهس و أسروا بيهسا، فلم يقتلوه و ارتحلوا به، فنزلوا منزلا في سفرهم و نحروا جزورا في يوم شديد الحر، فقال بعضهم: ظللوا لحم جزوركم لئلا يفسد. فقال بيهس: لكن بالأثلاث لحم لا يظلل. يعني لحم إخوته القتلى. ثم ذكروا

____________

(1) رقاش: اسم امرأة.

(2) بلدح: موضع.

37

كثرة ما غنموا، فقال بيهس: لكن على بلدح قوم عجفي. ثم إنه أفلت، أو خلوا سبيله، فرجع إلى أمه، فقالت: أ نجوت من بينهم؟و كانت لا تحبه؛ فقال لها: لو خيّرت لاخترت فلما لم يكن لها ولد غيره رقت له و تعطفت عليه. فقال بيهس:

الثّكل أرأمها (1) .

فذهبت كلماته هذه الأربع كلها أمثالا.

و منه قولهم: لا يعدم الحوار (2) من أمّه حنّة.

و قولهم: لا يضرّ الحوار ما وطئته أمّه.

و قولهم: بأبي أوجه اليتامى.

حماية القريب و إن كان مبغضا

من ذلك قولهم: آكل لحمي و لا أدعه يؤكل.

و منه: لا تعدم من ابن عمّك نصرا.

و قولهم: الحفائظ (3) تحلّل الأحقاد..

و قولهم في ابن العم: عدوّك و عدوّ عدوّك.

و قولهم: كفّك منك و إن كانت شلاء.

و قولهم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما.

إعجاب الرجل بأهله‏

منه قولهم: كلّ فتاة بأبيها معجبة.

و قولهم: القرنبى‏ (4) في عين أمها حسنة.

و قولهم: زيّن في عين والد ولده.

و قولهم: حسن في كلّ عين من تودّ.

و قولهم: من يمدح العروس إلاّ أهلها.

____________

(1) أرأمها: عطّفها.

(2) الحوار: ولد الناقة من وقت ولادته إلى أن يفطم و يفصل.

(3) الحفائظ: جمع حفيظة، و هي الغضب.

(4) القرنبى: دويبة مثل الخنفس طويلة القوائم.

38

تشبيه الرجل بأبيه‏

منه قولهم: من أشبه أباه فما ظلم.

و قولهم: العصيّة من العصا.

و قولهم: ما أشبه حجل الجبال بألوان صخرها.

و قولهم: ما أشبه الحول‏ (1) بالقبل‏ (2) . و ما أشبه الليلة بالبارحة.

و قولهم: شنشنة (3) أعرفها من أخزم. يقال هذا في الولد إذا كان فيه طبيعة من أبيه.

قال زهير:

و هل ينبت الخطّيّ‏ (4) إلا وشيجه‏ (5) # و تغرس إلاّ في منابتها النخل‏

و منه قول العامة: لا تلد الذئبة إلاّ ذئبا.

و قولهم: حذو النعل بالنعل. و حذو القذّة بالقذّة، و القذة: الريشة من ريش السهم تحذى على صاحبتها.

تحاسد الأقارب‏

من ذلك قولهم: الأقارب هم العقارب.

و قال عمر: تزاوروا و لا تجاوروا.

و قال أكثم: تباعدوا في الدّيار تقاربوا في المحبة.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لأبي هريرة: زر غبّا (6) تزدد حبا.

و منه قولهم: فرّق بين معد تحابّ. يريد أن ذوي القربى إذا تدانوا تحاسدوا و تباغضوا.

____________

(1) الحول: إقبال الحدقة على الأنف.

(2) القبل: مثل الحول.

(3) الشنشنة: الطبيعة.

(4) الحظي: مرفأ السفن بالبحرين.

(5) لوشيج: شجر الرماح.

(6) الغب: ان تزور يوما و تدع يوما.

39

قولهم في الأولاد

قالوا: من سرّه بنوه ساءته نفسه. أي من يرى فيهم ما يسره يرى في نفسه ما يسوؤه.

و قولهم:

إنّ بنيّ صبية صيفيون # أفلح من كان له ربعيّون‏

الولد الصيفي: الذي يولد للرجل و قد أسن. و الربعى: الذي يولد له في عنفوان شبابه؛ أخذ من ولد البقرة الربعي و الصيفي.

و يقال للمرأة إذا تبنّت غير ولدها: ابنك من دمي عقبيك.

الرجل يؤتى من حيث أمن‏

قالوا: من مأمنه يؤتى الحذر.

و قال عديّ بن زيد العبادي:

لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصّان بالماء اعتصاري‏ (1)

قال الأصمعي: هذا من أشرف أمثال العرب. يقول: إن كل من شرق بالماء لا مستغاث له.

و قال الآخر:

كنت من كربتي‏ (2) أفرّ إليهم # فهم كربتي فأين الفرار

و مثله قول عباس بن الأحنف:

قلبي إلى ما ضرّني داع # يهيج أحزاني و أوجاعي

كيف احتراسي من عدوّي إذا # كان عدوي بين أضلاعي‏

و قال آخر:

____________

(1) يعتصر بالماء: أي يشربه قليلا قليلا.

(2) الكربة: الحزن و الغم يأخذ بالنفس.

40

من غصّ داوى بشرب الماء غصته # فكيف يصنع من قد غص بالماء

الأمثال في مكارم الأخلاق‏

الحلم‏

قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحلم: إذا نزا (1) بك الشّرّ فاقعد. أي فاحلم و لا تسارع إليه.

و منه قول الآخر: الحليم مطيّة الجهول.

و قولهم: لا ينتصف حليم من جاهل.

و قولهم: أخّر الشّرّ فإن شئت تعجّلته.

و قولهم في الحليم: إنه لواقع الطّير، و لساكن الرّيح.

و قولهم في الحلماء: كأنما على رءوسهم الطّير.

و منه قولهم: ربما أسمع فأذر.

و قولهم: حلمي أصمّ و أذني غير صمّاء.

العفو عند المقدرة

منه قولهم: ملكت فأسجح. و قد قالته عائشة رضوان اللّه عليها لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه يوم الجمل حين ظهر على الناس فدنا من هودجها و كلّمها فأجابته ملكت فأسجح. أي ظفرت فأحسن. فجهزها بأحسن الجهاز. و بعث معها أربعين امرأة-و قال بعضهم: سبعين-حتى قدمت المدينة.

و منه قولهم: إن المقدرة تذهب الحفيظة.

و قولهم: إذا ارجحنّ شاصيا فارفع يدا. يقول: إذا رأيته قد خضع و استكان فاكفف عنه. و الشاصي: الرافع رجله.

____________

(1) نزا: أغرى.

41

المساعدة و ترك الخلاف‏

من ذلك قولهم إذا عز أخوك فهن.

و قولهم: لو لا الوئام هلك اللّئام. الوئام: المباهاة. يقول: لو لا المباهاة لم يفعل الناس خيرا.

مداراة الناس‏

قالوا: إذا لم تغلب فاخلب. يقول: إذا لم تغلب فاخدع و دار و ألطف.

و قولهم: إلاّ حظيّة فلا أليّة. معناه: إن لم يكن حظوة فلا تقصير. و ألا يألوا، و يأتلي: أي يقصّر. و منه قول اللّه عز و جل: وَ لاََ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ (1) .

و قولهم: سوء الاستمساك خير من حسن الصّرعة.

و منه قول أبي الدرداء: إنّا لنبشّ في وجوه قوم و إنّ قلوبنا لتلعنهم.

و منه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «شرار النّاس من داراه الناس لشرّه» .

و منه قول شبيب بن شيبة في خالد بن صفوان: ليس له صديق في السّرّ و لا عدو في العلانية. يريد أن الناس يدارونه لشرّه، و قلوب الناس تبغضه.

مفاكهة (2) الرجل أهله‏

منه قولهم: كلّ امرئ في بيته صبي. يريد حسن الخلق و المفاكهة.

و منه قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إنّا إذا خلونا قلنا.

و منه قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «خياركم خيركم لأهله» .

و منه قول معاوية: انهنّ يغلبن الكرام و يغلبهنّ اللئام.

____________

(1) سورة النور الآية 22.

(2) مفاكهة: ممازحة.

42

اكتساب الحمد و اجتناب الذم‏

قالوا: الحمد مغنم و الذّمّ مغرم.

و قولهم: إن قليل الذّمّ غير قليل.

و قولهم: إنّ خيرا من الخير فاعله، و إنّ شرا من الشرّ فاعله.

و قولهم:

الخير يبقى و إن طال الزّمان به # و الشرّ أخبث ما أوعيت من زاد (1)

الصبر على المصائب‏

من ذلك قولهم:

هوّن عليك و لا تولع بإشفاق‏

و قولهم: من أراد طول البقاء فليوطّن‏ (2) نفسه على المصائب.

و قولهم: المصيبة للصّابر واحدة و للجازع اثنتان.

و قال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصّبر.

و ذكروا عن بعض الحكماء أنه أصيب بابن له، فبكى حولا ثم سلا، فقيل له:

مالك لا تبكي؟قال: كان جرحا فبري‏ء.

قال أبو خراش الهذلي:

بلى إنها تعفو الكلوم‏ (3) و إنما # توكّل بالأدنى و إن جلّ ما يمضي‏

و منه قولهم: لا تلهّف على ما فات.

الحض على الكرم‏

منه قولهم: اصطناع المعروف يقي مصارع السوء.

و قولهم: الجود محبّة و البخل مبغضة.

____________

(1) أوعيت: ادخرت.

(2) فليوطن: فليحمل نفسه على المصائب.

(3) الكلوم: الجروح.

43

و قول الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين اللّه و الناس‏

الكريم لا يجد

منه قولهم: بيتي يبخل لا أنا.

و قولهم: بالساعد تبطش الكفّ.

و قولهم:

ما كلّف اللّه نفسا فوق طاقتها # و لا تجود يد إلا بما تجد

و قال آخر:

يرى المرء أحيانا إذا قلّ ماله # من الخير تارات و لا يستطيعها

متى ما يرمها قصّر الفقر كفّه # فيضعف عنها و الغنيّ يضيعها

القناعة و الدعة

منه قولهم:

و حسبك من غنى شبع و ريّ‏

و قولهم: يكفيك ما بلّغك المحلّ.

و قال الشاعر:

من شاء أن يكثر أو يقلاّ # يكفيه ما بلّغه المحلاّ

الصبر على المكاره تحمده العواقب‏

قالوا: عواقب المكاره محمودة.

و قالوا: عند الصباح يحمد القوم السّرى‏ (1) .

____________

(1) السّرى: سير عامة الليل.

44

و قولهم: لا تدرك الراحة إلا بالتعب.

أخذه حبيب فقال:

على أنني لم أحو مالا مجمّعا # ففزت به إلا بشمل مبدّد

و لم تعطني الأيام نوما مسكّنا # ألذّ به إلا بنوم مشرّد

و أحسن منه قوله أيضا:

بصرت بالراحة العليا فلم ترها # تنال إلا على جسر من التعب‏

الانتفاع بالمال‏

قالوا: خير مالك ما نفعك، و لم يضع من مالك ما وعظك.

و نظر ابن عباس إلى درهم بيد رجل، فقال: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك.

و قولهم: تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره.

قال الشاعر:

أنت للمال إذا أمسكته # فإذا أنفقته فالمال لك‏

المتصافيان‏

منه قولهم: هما كندماني جذيمة.

قال الكلبي: هو جذيمة الأبرش الملك، و نديماه رجلان من بلقين يقال لهما: مالك، و عقيل. بلقين: يريد من بني القين.

و قولهم:

و كلّ أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان‏

و منه قولهم: هما أطول صحبة من ابني شمام. و هما جبلان.

خاصة الرجل‏

منه قولهم: عيبة الرجل. يريدون خاصته و موضع سره.

و منه الحديث في خزاعة: كانوا عيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. مؤمنهم و كافرهم.

45

من يكسب له غيره‏

منه قولهم: ليس عليك غزله فاسحب و جر.

و قولهم: ربّ ساع لقاعد.

و قولهم: خير المال عين ساهرة لعين نائمة.

المروءة مع الحاجة

منه قولهم: تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها.

و قولهم: شرّ الفقر الخضوع، و خير الغنى القناعة.

و منه الحديث المرفوع: «أجملوا في الطّلب» .

قال الشاعر:

فإذا افتقرت فلا تكن # متخشّعا و تجمّل‏ (1)

و منه قول هدبة العذري:

و لست بمفراح إذا الدهر سرّني # و لا جازع من صرفه المتقلّب

و لا أتمنى الشر و الشرّ تاركي # و لكن متى أحمل على الشرّ أركب‏

المال عند من لا يستحقه‏

منه قولهم: خرقاء وجدت صوفا. عبد ملك عبدا فأولاه تبّا (2) .

و قولهم: من يطل ذيله يتمنطق به. و مرعى و لا أكولة (3) . و عشب و لا بعير. يعني مال و لا منفق.

الحض على الكسب‏

منه قولهم: اطلب تظفر.

و قولهم: من عجز عن زاده اتّكل على زاد غيره.

____________

(1) تجمل: اتأد و اعتدل.

(2) التبّ: الخسار و الهلاك.

(3) أكولة: شاة تعزل للأكل فتسمن.

46

و قولهم: من العجز نتجت الفاقة.

و قولهم: لا يفترس الليث الظبي و هو رابض.

و قول العامة: كلب طواف خير من أسد رابض.

و قولهم:

أوردها سعد و سعد مشتمل # يا سعد لا تروى على ذاك الإبل‏ (1)

الخبير بالأمر البصير به‏

منه قولهم: على الخبير سقطت.

و قولهم: كفى قوما بصاحبهم خبيرا.

و قولهم: لكل أناس في جملهم خبر.

و قولهم: على يديّ دار الحديث.

و قولهم: تعلّمني بضبّ أنا حرشته‏ (2) . يقول: أ تخبرني بأمر أنا وليته.

و قولهم: ولّ القوس باريها.

و قولهم: الخيل أعلم بفرسانها.

و قولهم: كل قوم أعلم بصناعتهم.

و قولهم: قتل أرضا عالمها، و قتلت أرض جاهلها.

الاستخبار عن علم الشي‏ء و تيقنه‏

من ذلك قولهم: ما وراءك يا عصام. أول من تكلم به النابغة الذبياني لعصام صاحب النعمان، و كان النعماني مريضا فكان إذا لقيه النابغة قال له: ما وراءك يا عصام؟ و قولهم:

سيأتيك بالاخبار من لم تزوّد

____________

(1) مشتمل: مديرا ثوبه على جسده كله.

(2) حرشته: صدته.

47

و قولهم: إليك يساق الحديث.

انتحال العلم بغير آلته‏

منه قولهم: لكالحادي و ليس له بعير.

و قال الحطيئة:

لكالماشي و ليس له حذاء

و قولهم: إنباض‏ (1) بغير توتير (2) . و كقابض على الماء.

أخذه الشاعر فقال:

و من يأمن الدنيا يكن مثل قابض # على الماء خانته فروج الأصابع‏

و خرقاء ذات نيقة (3) . يضرب للرجل الجاهل بأمر يدّعي معرفته.

من يوصي غيره و ينسى نفسه‏

يا طبيب طبّ لنفسك.

و منه: لا تعظيني و تعظعظي‏ (4) . أي: لا توصيني و أوصي نفسك.

الأخذ في الأمور بالاحتياط

منه قولهم: أن ترد الماء بماء أكيس.

و قول العامة: لا تصبّ ماء حتى تجد ماء.

و قولهم: عش و لا تغترّ. يقول: عش إبلك، و لا تغتر بما تقدم عليه.

و يروى عن ابن عباس و ابن عمر و ابن الزبير أن رجلا أتاهم، فقال: كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع الإيمان تقصير. فكلهم قال: عش و لا تغترّ.

____________

(1) الإنباض: تحريك وتر القوس لترن.

(2) التوتير: شد الوتر.

(3) نيقة: التأنق في الأمر.

(4) تعظعظي: كفي و ارتدي عن وعظك إياي.

48

و قولهم: ليس بأوّل من غرّه السّراب.

و قولهم: اشتر لنفسك و للسّوق.

و منه الحديث المرفوع عن الرجل الذي قال: أرسل ناقتي و أتوكل. قال: «اعقلها و توكّل» .

الاستعداد للأمر قبل نزوله‏

منه قولهم: قبل الرمي يراش السهم.

و قولهم: قبل الرّماية تملأ الكنائن‏ (1) .

و قولهم: خذ الأمر بقوابله. أي: باستقباله قبل أن يدبر.

و قولهم: شرّ الرّأي الدبريّ‏ (2) .

و قولهم: المحاجزة قبل المناجزة.

و قولهم: التقدم قبل التندّم.

و قولهم: يا عاقد اذكر حلاّ.

و قولهم: خير الأمور أحمدها مغبّة.

و قولهم: ليس للدهر بصاحب. من لم ينظر في العواقب.

طلب العافية بمسالمة الناس‏

قولهم: من سلك الجدد (3) أمن العثار. و احذر تسلم.

و منه قولهم: جرّ له الخطير ما انجرّ لك. الخطير: زمام الناقة.

و منه قولهم: لا تكن أدنى العيرين إلى السهم. يقول: لا تكن أدنى أصحابك إلى موضع التلف، و كن ناحية أو وسطا.

قال كعب: إنّ لكل قوم كلبا فلا تكن كلب أصحابك.

و تقول العامة: لا تكن لسان قوم.

____________

(1) الكنائن: جمع كنانة: و هي جعبة صغيرة للنبل.

(2) الدبري: الذي يأتي بعد فوات الأمر.

(3) الجدد: الأرض المستوية.

49

توسط الأمور

من ذلك قولهم: لا تكن حلوا فتسترط، و لا مرا فتعقى. أي تلفظ. يقال: أعقى الشي‏ء، إذا اشتدّت مرارته. قال الشاعر

و لا تك آنيا حلوا فتحسى # و لا مرا فتنشب في الحلاق‏

و تقول العامة: لا تكن حلوا فتؤكل، و لا مرا فتلفظ. و توسّط الأمور أدنى إلى السلامة.

و منه قول مطرّف بن عبد اللّه بن الشخّير: الحسنة بين السيئتين. و خير الأمور أوساطها، و شرّ السير الحقحقة (1) . قوله: بين السيئتين؛ يريد بين المجاوزة و التقصير.

و منه قولهم: بين الممخّة (2) و العجفاء، يريد بين السمين و المهزول.

و منه قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: خير الناس هذا النّمط الأوسط، يلحق بهم التالي و يرجع إليهم الغالي.

الإنابة بعد الإجرام‏

منه قولهم: أقصر لمّا أبصر.

و منه: أتبع السيئة الحسنة، و التائب من الذنب كمن لا ذنب له، و الندم توبة، و الاعتراف يهدم الاقتراف.

مدافعة الرجل عن نفسه‏

جاحش فلان عن خيط رقبته. و خيط الرقبة: النخاع، يقول: دافع عن دمه و مهجته.

و قالت العامة:

و أيّة نفس بعد نفسك تنفع‏

____________

(1) الحقحقة: أرفع للسير و اتعبه للظهر.

(2) الممخّة: الشاة بدا في عظامها المخ.

50

و منه: أدفع عن نفسي إذا لم يكن عنها دافع.

قولهم في الانفراد

الذئب خاليا أسد، يقول: إذا وجدك خاليا اجترأ عليك.

و منه الحديث المأثور: الوحيد شيطان.

و في الحديث الآخر: عليكم بالجماعة: فإن الذئب إنما يصيب من الغنم الشاردة.

من ابتلى بشي‏ء مرة مخافة أخرى‏

منه الحديث المرفوع: لا يلسع المؤمن من جحر مرتين. يريد أنه إذا لسع مرة تحفظ أخرى.

و قولهم: من لدغته الحية يفرق من الرّسن‏ (1) .

و قولهم:

من يشتري سيفي و هذا أثره‏

يضرب هذا المثل للذي قد اختبر و جرّب.

و قولهم:

كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع‏

الوقع: الذي يمشي في الوقع، و هي الحجارة. قال أعرابي:

يا ليت لي نعلين من جلد الضبع # كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع‏

اتباع الهوى‏

قال ابن عباس: ما ذكر اللّه الهوى في شي‏ء إلا ذمه.

قال الشّعبي: قيل له هوى؛ لأنه يهوى به.

____________

(1) الرسن: الحبل.

51

و من أمثالهم فيه: حبّك الشي‏ء يعمي و يصم.

و قالوا: الهوى إله معبود.

الحذر من العطب‏

قالوا: إنّ السلامة منها ترك ما فيها.

و قولهم: أعور عينك و الحجر.

و قولهم: الليل و أهضام الوادي. و أصله أن يسير الرجل ليلا في بطون الأودية.

حذّره ذلك.

و قولهم: دع خيرها لشرّها.

و قولهم: لا تراهن على الصّعبة.

و قولهم: أعذر من أنذر.

حسن التدبير و النهي عن الخرق‏

الرّفق يمن و الخرق شؤم. و ربّ أكلة تحرم أكلات.

و قولهم: قلب الأمر ظهرا لبطن.

و قولهم: ضرب وجه الأمر و عينه، و أجر الأمور على أذلالها. أي على وجوهها.

و قولهم: وجّه الحجر وجهة ما له.

و قولهم: ولي حارّها من ولي قارّها (1) .

المشورة

قالوا: أوّل الحزم المشورة.

و منه لا يهلك امرؤ عن مشورة.

قال ابن المسيّب: ما استشرت في أمر و استخرت و أبالي على أيّ جنبيّ سقطت.

____________

(1) قارها: بردها.

52

الجد في طلب الحاجة

أبل عذرا و خلاك ذمّ. يقول: إنما عليك أن تجتهد في الطلب و تعذر، لكيلا تذم فيها و إن لم تكن تقضى الحاجة.

و منه:

هذا أوان الشّدّ فاشتدّي زيم‏ (1)

و قولهم: درّب عليه جروتك. أي وطّن عليه نفسك.

و منه اجمع عليه جراميزك‏ (2) ، و اشدد له حيازيمك‏ (3) .

و قولهم: شمّر ذيلا، و ادّرع ليلا.

و منه: ايت به من حسّك و بسّك‏ (4) .

و منه قول العامة: جي‏ء به من حيث أيس و ليس. و الأيس: الموجود. و الليس:

المعدوم.

التأني في الأمر

من ذلك قولهم: ربّ عجلة تعقب ريثا.

و قولهم: المنبتّ‏ (5) لا أرضا قطع و لا ظهرا (6) أبقى.

و قال القطامي:

قد يدرك المتأني بعض حاجته # و قد يكون مع المستعجل الزّلل‏

و منه: ضحّ رويدا. أي لا تعجل. و الرّشف أنقع. أي أروى يقال: شرب حتى نقع.

و منه: لا يرسل السّاق إلا ممسكا ساقا.

____________

(1) زيم: اسم فرس.

(2) جراميز: الجسد و الأعضاء.

(3) حيازيم: مفردها حيزوم و هو الصدر.

(4) بسّ: رفق بالناقة عند الحلب.

(5) المنبت: المنقطع به.

(6) الظهر: الدابة.