العقد الفريد - ج5

- ابن عبد ربه المزيد...
388 /
3

الجزء الخامس‏

كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء و تواريخهم و أيامهم‏

قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه رحمه اللّه: قد مضى قولنا في التوقيعات و الفصول و الصدور و الكتابة؛ و هذا كتاب ألفناه في أخبار الخلفاء و تواريخهم و أيامهم و أسماء كتّابهم و حجّابهم.

المصطفى صلّى اللّه عليه و سلم‏

نسب المصطفى صلّى اللّه عليه و سلم‏

روى أبو الحسن علي بن محمد بن عبد اللّه بن أبي سيف عن أشياخه: هو محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ابن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

و أمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب.

مولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم‏

قالوا: ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ و قال بعضهم: لليلتين خلتا منه؛ و قال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين يوما؛ فهذا جمع ما اختلفوا في مولده.

و أوحى اللّه إليه و هو ابن أربعين عاما، و أقام بمكة عشرا و بالمدينة عشرا؛ و قال ابن عباس: أقام بمكة خمس عشرة، و بالمدينة عشرا؛ و المجمع عليه أنه أقام بمكة ثلاث عشرة و بالمدينة عشرا.

4

اليوم و الشهر الذي هاجر فيه صلّى اللّه عليه و سلم‏

هاجر إلى المدينة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول.

مات يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول، اليوم و الشهر الذي هاجر فيه، صلّى اللّه عليه و سلم، و جعلنا ممن يرد حوضه، و ينال مرافقته في أعلى عليين من درجات الفردوس، و أسأل اللّه الذي جعلنا من أمّته و لم نره أن يتوفانا على ملته، و لا يحرمنا رؤيته في الدنيا و الآخرة.

صفة النبي صلّى اللّه عليه و سلم‏

ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أبيض مشربا حمرة، ضخم الرأس، أزج‏ (1) الحاجبين، عظيم العينين، أدعج‏ (2) ، أهدب، شثن‏ (3) الكفين و القدمين، إذا مشى تكفأ كأنما ينحطّ في صبب و يمشي في صعد كأنما يتقلّع من صخر، إذا التفت التفت جميعا، ليس بالجعد (4) القطط و لا السّبط؛ ذا وفرة إلى شحمة أذنيه، ليس بالطويل البائن و لا بالقصير المتطامن، عرفه أطيب من ريح المسك الأذفر، لم تلد النساء قبله و لا بعده مثله، بين كتفيه خاتم النّبوّة كبيض الحمام، لا يضحك إلا تبسّما، في عنفقته شعرات بيض لا تكاد تبين.

و قال أنس بن مالك: لم يبلغ الشيب الذي كان برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عشرين شعرة؛ و قيل له: يا رسول اللّه، عجل عليك الشيب!قال: «شيبتي هود و أخواتها» .

هيئة النبي صلّى اللّه عليه و سلم‏

كان صلّى اللّه عليه و سلم يأكل على الأرض، و يجلس على الأرض، و يمشي في الأسواق، و يلبس

____________

(1) أزج: يقال زجّ الحاجب، أي دقّ في طول و تقوس.

(2) أدعج، أسود العين واسعها.

(3) شثن: غليظ.

(4) الجعد: القصير.

5

العباءة، و يجالس المساكين، و يقعد القرفصاء و يتوسّد يده، و يلعق أصابعه و يقضي من نفسه، و لا يأكل متكئا، و لم ير قط ضاحكا مل‏ء فيه و كان يقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، و أشرب كما يشرب العبد، و لو دعيت إلى ذراع‏ (1) لأجبت، و لو أهدي إليّ كراع‏ (2) لقبلت» .

شرف بيت النبي صلّى اللّه عليه و سلم‏

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «أنا سيّد البشر و لا فخر، و أنا أفصح العرب، و أنا أوّل من يقرع باب الجنة، و أنا أوّل من ينشقّ عنه التراب؛ دعا لي إبراهيم، و بشّر بي عيسى، و رأت أمّي حين وضعتني نورا أضاء لها ما بين المشرق و المغرب» .

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، و جعلهم أفراقا فجعلني في خيرهم فرقة، و جعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، و جعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت؛ فأنا خيركم بيتا و خيركم نسبا» .

و قال صلّى اللّه عليه و سلم: «أنا ابن الفواطم و العواتك من سليم، و استرضعت في بني سعد بن بكر» .

و قال: «نزل القرآن بأعرب اللغات، فلكل العرب فيه لغة و لبني سعد بن بكر سبع لغات» .

و بنو سعد بن بكر بن هوازن أفصح العرب، فهم من الأعجاز، و هي قبائل من مضر متفرّقة، و كانت ظئر (3) النبي صلّى اللّه عليه و سلم التي أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب من بني ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن.

و إخوته من الرضاعة: عبد اللّه بن الحارث، و أنيسة بنت الحارث، و خذامة بنت

____________

(1) الذراع: ما فوق الكراع.

(2) الكراع: من البقر و الغنم: مستدق الساق العاري من اللحم.

(3) الظئر: المرضعة لغير ولدها.

6

الحارث، و هي التي أتي بها النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم في أسرى حنين فبسط لها رداءه و وهب لها أسرى قومها.

و العواتك من سليم ثلاث: عاتكة بنت مرة بن هلال ولدت هاشما و عبد شمس و نفلا؛ و عاتكة بنت الأوقص بن هلال، ولدت وهب بن عبد مناف بن زهرة؛ و عاتكة بنت هلال بن فالج.

و قال عليّ للأشعث إذ خطب إليه: أغرك ابن أبي قحافة إذ زوّجك أمّ فروة؟ و إنها لم تكن من الفواطم من قريش و لا العواتك من سليم.

أبو النبي صلّى اللّه عليه و سلم‏

عبد اللّه بن عبد المطلب، و لم يكن له ولد غيره صلّى اللّه عليه و سلم، و توفى و هو في بطن أمه، فلما ولد كفله جدّه عبد المطلب إلى أن توفى فكفله عمّه أبو طالب، و كان أخا عبد اللّه لأمه و أبيه، فمن ذلك كان أشفق أعمام النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و أولاهم به.

أعمامه و عماته‏

و أما أعمام النبي صلّى اللّه عليه و سلم و عماته، فإن عبد المطلب بن هاشم كان له من الولد لصلبه عشرة من الذكور و ستّ من الإناث، و أسماء بنيه: عبد اللّه، والد النبي عليه الصلاة و السلام؛ و الزبير؛ و أبو طالب، و اسمه عبد مناف؛ و العباس؛ و ضرار؛ و حمزة؛ و المقوّم؛ و أبو لهب، و اسمه عبد العزى؛ و الحارث و الغيداق، و اسمه حجل، و يقال نوفل.

أسماء بناته عمات النبي صلّى اللّه عليه و سلم: عاتكة، و البيضاء، و هي أم حكيم و برّة؛ و أميمة؛ و أروى؛ و صفية.

7

ولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم‏

ولد له من خديجة: القاسم، و الطيب، و فاطمة، و زينب، و رقية، و أم كلثوم.

و ولد له من مارية القبطية: إبراهيم، فجميع ولده من خديجة، غير إبراهيم.

أزواجه صلّى اللّه عليه و سلم‏

و أزواجه صلّى اللّه عليه و سلم: أوّلهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، و لم يتزوج عليها حتى ماتت؛ ثم تزوّج سودة بنت زمعة، و كانت تحت السكران بن عمرو، و هو من مهاجرة الحبشة، فمات و لم يعقب فتزوّجها النبي صلّى اللّه عليه و سلم بعده، ثم تزوج عائشة بنت أبي بكر بكرا، و لم يتزوج بكرا غيرها، و هي ابنة ست، و ابتنى عليها و هي ابنة تسع، و توفى عنها و هي ابنة ثمان عشرة سنة، و عاشت بعده إلى أيام معاوية، و ماتت سنة ثمان و خمسين و قد قاربت السبعين، و دفنت ليلا بالبقيع و أوصت إلى عبد اللّه بن الزبير، و تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، و كانت تحت خنيس بن حذافة السهمي و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أرسله إلى كسرى، و لا عقب له، ثم تزوج زينب بنت خزيمة، من بني عامر بن صعصعة، و كانت تحت عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، أول شهيد كان ببدر، ثم تزوّج زينب بنت جحش الأسدية، و هي بنت عمة النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و هي أول من مات من أزواجه في خلافة عمر، ثم تزوّج أم حبيبة-و اسمها رملة- ابنة أبي سفيان، و هي أخت معاوية و كانت تحت عبيد اللّه بن جحش الأسدي، فتنصر و مات بأرض الحبشة، و تزوّج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، و كانت تحت أبي سلمة، فتوفى عنها و له منها أولاد، و بقيت إلى سنة تسع و خمسين و تزوّج ميمونة بنت الحارث من بني عامر بن صعصعة، و كانت تحت أبي سبرة بن أبي رهم العامري، و تزوّج صفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضرية، و كانت تحت رجل من يهود خيبر، يقال له كنانة فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عنقه و سبى أهله، و تزوّج جويرية بنت الحارث، و كانت من سبى بني المصطلق، و تزوّج خولة بنت حكيم، و هي التي وهبت نفسها للنبي صلّى اللّه عليه و سلم، و تزوّج امرأة يقال لها عمرة، فطلقها و لم يبن بها، و ذلك‏

8

أن أباها قال له: و أزيدك أنها لم تمرض قط!فقال: ما لهذه عند اللّه من خير! فطلقها، و تزوّج امرأة يقال لها: أميمة بنت النعمان، فطلقها قبل أن يطأها، و خطب امرأة من بني مرة بن عوف، فرده أبوها و قال: إن بها برصا!فلما رجع إليها وجدها برصاء!

كتاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم و خدّامه‏

كتاب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: زيد بن ثابت، و معاوية بن أبي سفيان، و حنظلة بن ربيعة الأسدي، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، ارتد و لحق بمكة مشركا.

و حاجبه: أبو أنسة مولاه.

و خادمه: أنس بن مالك الأنصاري، و يكنى أبا حمزة.

و خازنه على خاتمه: معيقيب بن أبي فاطمة.

و مؤذّناه: بلال، و ابن أم مكتوم.

و حراسه: سعد بن زيد الأنصاري، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي وقاص.

و خاتمة فضة، و فصه حبشي، مكتوب عليه: محمد رسول اللّه، في ثلاثة أسطر:

محمد، سطر؛ و رسول؛ سطر؛ و اللّه، سطر.

و في حديث أنس بن مالك خادم النبي صلّى اللّه عليه و سلم: و به تختّم أبو بكر و عمر، و تختم به عثمان ستة أشهر، ثم سقط منه في بئر ذي أروان‏ (1) ، فطلب فلم يوجد.

وفاة النبي صلّى اللّه عليه و سلم و سنه‏

توفي صلّى اللّه عليه و سلم يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، و حفر له تحت فراشه في بيت عائشة، و صلّى عليه المسلمون جميعا بلا إمام الرجال ثم النساء ثم الصبيان، و دفن ليلة الأربعاء في جوف الليل، و دخل القبر عليّ، و الفضل و قثم ابنا

____________

(1) ذو أروان: بئر بالمدينة.

9

العباس، و شقران مولاه، و يقال: أسامة بن زيد: و هم تولوا غسله و تكفينه و أمره كلّه، و كفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (1) ليس فيها قميص و لا عمامة؛ و اختلف في سنّه. فقال عبد اللّه بن عباس و عائشة، و جرير بن عبد اللّه، و معاوية: توفي و هو ابن ستين سنة. و قال عروة ابن الزبير و قتادة: اثنتين و ستين سنة.

أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه‏

نسب أبي بكر الصدّيق و صفته رضي اللّه عنه‏

هو عبد اللّه بن أبي قحافة، و اسم أبي قحافة: عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة.

و أمّه أمّ الخير ابنة صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.

و كاتبه عثمان بن عفان؛ و حاجبه: رشيد مولاه، و قيل كتب له زيد بن ثابت أيضا؛ و على أمره كله و على القضاء عمر بن الخطاب، و على بيت المال أبو عبيدة بن الجراح ثم وجهه إلى الشام؛ و مؤذنه سعد القرظ مولى عمار بن ياسر.

قيل لعائشة: صفي لنا أباك. قالت: كان أبيض، نحيف الجسم، خفيف العارضين، أجنأ (2) ، لا يستمسك إزاره، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع، أفرع.

و كان عمر بن الخطاب أصلع، و كان أبو بكر يخضب بالحناء و الكتم.

و قال أبو جعفر الأنصاري: رأيت أبا بكر كأن لحيته و رأسه جمر الغضى.

و قال أنس بن مالك: قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم المدينة و ليس في أصحابه أشمط (3)

غير أبي بكر، فغلفها بالحناء و الكتم‏ (4) .

____________

(1) سحولية: نسبة الى سحول، و هي قرية باليمن.

(2) الأجنأ: الأحدب، و الذي في كاهله انحناء على صدره.

(3) الأشمط: الذي يخالط بياض رأسه سواد.

(4) الكتم: نبت يخلط بالحناء و يخضب به الشعر فيبقى لونه.

10

و توفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ، فكانت خلافته سنتين و ثلاثة أشهر و عشر ليال، و كان نقش خاتم أبي بكر:

نعم القادر اللّه.

خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه‏

شعبة بن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال في مرضه:

«مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول اللّه، إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر. ففعلت حفصة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: مه!إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» .

أبو جعدة عن الزبير قال: قالت حفصة يا رسول اللّه، إنك مرضت فقدمت أبا بكر. قال: لست الذي قدّمه، و لكن اللّه قدمه.

أبو سلمة عن إسماعيل بن مسلم عن أنس قال: صلّى أبو بكر بالناس و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم مريض ستة أيام.

النضر بن إسحاق عن الحسن قال: قيل لعلي: علام بايعت أبا بكر؟فقال: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لم يمت فجأة، كان يأتيه بلال في كل يوم في مرضه يؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي الناس، و قد تركني و هو يرى مكاني؛ فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم رضي المسلمون لدنياهم من رضيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لدينهم، فبايعوه و بايعته.

و من حديث الشعبي قال: أوّل من قدم مكة بوفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و خلافة أبي بكر: عبد ربّه بن قيس بن السائب المخزومي؛ فقال له أبو قحافة: من ولي الأمر بعده؟قال: أبو بكر ابنك. قال: فرضي بذلك بنو عبد مناف؟قال: نعم. قال: لا مانع لما أعطى اللّه، و لا معطي لما منع اللّه!

11

جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فلما انصرف لقي رجلا في بعض طريقه مقبلا من المدينة، فقال له: مات محمد؟قال: نعم، قال: فمن قام مقامه؟قال: أبو بكر. قال أبو سفيان: فما فعل المستضعفان: عليّ و العباس؟قال: جالسين. قال: أما و اللّه لئن بقيت لهما لأرفعنّ من أعقابهما؛ ثم قال إني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم!فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقّتها و يقول:

بني هاشم لا تطمع الناس فيكم # و لا سيّما تيم بن مرّة أو عديّ

فما الأمر إلا فيكم و إليكم # و ليس لها إلا أبو حسن عليّ‏

فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قد قدم، و هو فاعل شرا، و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و سلم يتألّفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة!ففعل، فرضي أبو سفيان و بايعه.

سقيفة بني ساعدة

أحمد بن الحارث عن أبي الحسن عن أبي معشر عن المقبري: أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و قد قبضه اللّه إليه، إذ جاء معن بن عديّ و عويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة إن يغلقه اللّه بك؛ هذا سعد بن عبادة و الأنصار يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر و عمر و أبو عبيدة، حتى جاءوا سقيفة بني ساعدة، و سعد على طنفسة (1) متكئا على وسادة، و به الحمّى، فقال له أبو بكر: ما ذا ترى أبا ثابت؟قال: أنا رجل منكم. فقال حباب بن المنذر: منا أمير و منكم أمير، فإن عمل المهاجريّ في الأنصاري شيئا رد عليه، و إن عمل الأنصاري في المهاجري شيئا ردّ عليه، و إن لم تفعلوا، فأنا جذيلها (2) المحكّك و عذيقها (3)

المرجّب، لنعيدنّها جذعة (4) !قال عمر: فأردت أن أتكلم، و كنت زوّرت كلاما في

____________

(1) الطنفسة: البساط.

(2) الجذيل: يقال جذيلها المحكك: لمن يستشفى برأيه.

(3) العذيق: اللبق الحاذق بما عمل.

(4) الجذعة: الصغيرة.

12

نفسي، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فما ترك كلمة كنت زوّرتها في نفسي إلا تكلم بها، و قال:

نحن المهاجرون؛ أوّل الناس إسلاما، و أكرمهم أحسابا، و أوسطهم دارا، و أحسنهم وجوها، و أمسّهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم رحما؛ و أنتم إخواننا في الإسلام، و شركاؤنا في الدين، نصرتم و واسيتم، فجزاكم اللّه خيرا؛ فنحن الأمراء و أنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم اللّه به؛ فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: الأئمة من قريش. و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. يعني عمر بن الخطاب، و أبا عبيدة بن الجراح.

فقال عمر: يكون هذا و أنت حي؟ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

ثم ضرب على يده فبايعه، و بايعه الناس و ازدحموا على أبي بكر، فقال الأنصار:

قتلتم سعدا!فقال عمر: اقتلوه قتله اللّه فإنه صاحب فتنة! فبايع الناس أبا بكر، و أتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العباس و على التكبير في المسجد و لم يفرغوا من غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقال علي: ما هذا؟قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط ما قلت لك.

و من حديث النعمان بن بشير الأنصاري: لما ثقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تكلم الناس فيمن يقوم بالأمر بعده، فقال قوم: أبو بكر، و قال قوم: أبي بن كعب. قال النعمان بن بشير: فأتيت أبيا فقلت: يا أبيّ، الناس قد ذكروا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يستخلف أبا بكر أو إياك، فانطلق حتى تنظر في هذا الأمر، فقال: إن عندي في هذا أمر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم شيئا ما أنا بذاكره حتى يقبضه اللّه إليه. ثم انطلق و خرجت معه حتى دخلنا على النبي صلّى اللّه عليه و سلم بعد الصبح، و هو يحسو حسوا في قطعة مشعوبة (1) ، فلما فرغ

____________

(1) المشعوبة: التي أصلحت.

13

أقبل على أبيّ فقال: هذا ما قلت لك قال: فأوص بنا. فخرج يخط برجليه حتى صار على المنبر ثم قال:

يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون، و أصبحت الأنصار كما هي لا تزيد، ألا و إن الناس يكثرون و تقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فمن ولي من أمرهم شيئا فليقبل من محسنهم و يعف عن مسيئهم.

ثم دخل، فلما توفي، قيل لي: هاتيك الأنصار مع سعد بن عبادة يقولون: نحن أولى بالأمر. و المهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم!فأتيت أبيا فقرعت بابه، فخرج إليّ ملتحفا، فقلت: ألا أراك قاعدا ببيتك مغلقا عليك بابك، و هؤلاء قومك في بني ساعدة ينازعون المهاجرين، فأخرج إلى قومك فخرج، فقال:

إنكم و اللّه ما أنتم من هذا الأمر في شي‏ء، و إنه لهم دونكم؛ يليها من المهاجرين رجلان، ثم يقتل الثالث، و ينزع الأمر فيكون هاهنا-و أشار إلى الشام-و إن هذا الكلام لمبلول بريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. ثم أغلق بابه و دخل.

و من حديث حذيفة قال: كنا جلوسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: «إنّي لا أدري ما بقائي فيكم؛ فاقتدوا باللذين من بعدي-و أشار إلى أبي بكر و عمر-و اهتدوا بهدى عمّار، و ما حدثكم ابن مسعود فصدّقوه.

الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر

عليّ، و العباس، و الزبير، و سعد بن عبادة، فأما علي و العباس و الزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، و قال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أ جئت لتحرق دارنا؟قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة!فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر:

أكرهت إمارتي؟فقال: لا، و لكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم‏

14

حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي.

و من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة، و ذلك لستة أشهر من موت أبيها صلّى اللّه عليه و سلم، فأرسل علي إلى أبي بكر، فأتاه في منزله فبايعه، و قال: و اللّه ما نفسنا عليك ما ساق اللّه إليك من فضل و خير، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا، و ما ننكر فضلك.

و أما سعد بن عبادة فإنه رحل إلى الشام.

أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي قال: «بعث عمر رجلا إلى الشام، فقال: ادعه إلى البيعة و احمل له بكل ما قدرت عليه، فإن أبى فاستعن اللّه عليه، فقدم الرجل الشام، فلقيه بحوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا!قال فإني أقاتلك!قال و إن قاتلتني!قال: أ فخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟قال: أما من البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم فقتله.

ميمون بن مهران عن أبيه قال: رمي سعد بن عبادة في حمّام بالشام فقتل. سعيد ابن أبي عروبة عن ابن سيرين قال: رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجن، فقالت:

و قتلنا سيّد الخزرج # سعد بن عبادة

و رميناه بسهمين # فلم نخطئ فؤاده‏

فضائل أبي بكر رضي اللّه عنه‏

محمد بن المنكدر قال: نازع عمر أبا بكر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «هل أنتم تاركون لي صاحبي؟إن اللّه بعثني بالهدى و دين الحقّ إلى الناس كافة فقالوا: جميعا كذبت. و قال أبو بكر صدقت!» .

و هو صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و جليسه في الغار، و أول من صلّى معه و آمن به و اتّبعه.

15

و قال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا. و أعتق سيدنا، يريد بلالا، و كان بلال عبدا لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر و أعتقه، و كان من مولدي مكة، أبوه رباح، و أمه حمامة.

و قيل للنبي صلّى اللّه عليه و سلم. من أول من قام معك في هذا الأمر؟قال: حرّ و عبد؛ يريد بالحرّ أبا بكر، و بالعبد بلالا. و قال بعضهم: عليّ و خبّاب.

أبو الحسن المدائني قال: دخل هارون الرشيد مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فبعث إلى مالك بن أنس فقيه المدينة، فأتاه و هو واقف بين قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و المنبر؛ فلما قام بين يديه و سلم عليه بالخلافة، قال: يا مالك، صف لي مكان أبي بكر و عمر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الحياة الدنيا. فقال: مكانهما منه يا أمير المؤمنين كمكان قبريهما من قبره. فقال: شفيتني يا مالك.

الشعبي عن محمد أبي سلمة، أن عليا سئل عن أبي بكر و عمر، فقال: على الخبير سقطت. كانا و اللّه إمامين صالحين مصلحين، خرجا من الدنيا خميصين‏ (1) .

و قال علي بن أبي طالب: سبق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و ثنّى أبو بكر و ثلّث عمر؛ ثم خبطتنا فتنة عمياء[يعفو اللّه فيها]عمن يشاء.

و قالت عائشة. توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بين سحري و نحري، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهدّها، اشرأبّ النفاق، و ارتدت العرب؛ فو اللّه ما طاروا في نقطة إلا طار أبي بحظها و غنائها في الإسلام.

عمرو بن عثمان عن أبيه عن عائشة أنه بلغها أن أناسا ينالون من أبيها. فأرسلت إليهم، فلما حضروا قالت:

إن أبي و اللّه لا تعطوه الأيدي، ذاك طود منيف و ظل ممدود، أنجح‏ (2) إذ

____________

(1) خميصين: مثنى خميص، و هو الذي ضعف و دخل بطنه في جوفه.

(2) أنجح: أعطى و يسر.

16

أكديتم‏ (1) ، و سبق إذ ونيتم ، سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، و كهفها (2) كهلا، يفك عانيها، و يريش مملقها، و يرأب صدعها و يلمّ شعثها، فما برحت شكيمته في ذات اللّه تشتد، حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون، و كان و قيد الجوانح غزير الدمعة، شجيّ النشيج، و أصفقت‏ (3) إليه نسوان مكة و ولدانها يسخرون منه و يستهزءون به، و اللّه يستهزئ بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون، فأكبرت ذلك رجالات قريش فما فلوا له صفاة، و لا قصفوا قناة؛ حتى ضرب الحقّ بجرانه، و ألقى بركه‏ (4) ، و رست أوتاده. فلما قبض اللّه نبيّه ضرب الشيطان رواقه، و مدّ طنبه؛ و نصب حبائله، و أجلب بخيله و رجله؛ فقام الصّديق حاسرا مشمّرا، فردّ نشر الإسلام على غرّه و أقام أوده بثقافه، فابذعرّ (5) النفاق بوطئه، و انتاش‏ (6) الناس بعدله، حتى أراح الحقّ على أهله، و حقن الدماء في أهبها؛ ثم أتته منيته؛ فسدّ ثلمته نظيره في المرحمة، و شقيقه في المعدلة؛ ذلك ابن الخطاب، للّه درّ أم حفلت له و درّت عليه!ففتح الفتوح، و شرّد الشرك، و بعج‏ (7) الأرض فقاءت أكلها، و لفظت جناها، ترأمه و يأباها، و تريده و يصدف عنها، ثم تركها كما صحبها؛ فأروني ما ترتابون؟و أي يومي أبي تنقمون؟أ يوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم، أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم.

وفاة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏

الليث بن سعد عن الزهري قال: أهدي لأبي بكر طعام و عنده الحرث بن كلدة، فأكلا منه؛ فقال الحرث: أكلنا سمّ سنة، و إني و إياك لميتان عند رأس الحول!فماتا جميعا في يوم واحد عند انقضاء السنة، و إنما سمّته يهود كما سمت النبي صلّى اللّه عليه و سلم بخيبر في ذراع الشاة؛ فلما حضرت النبي صلّى اللّه عليه و سلم الوفاة قال: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى

____________

(1) أكدى: أمنع.

(2) كهفها: ملجأها.

(3) أصفقت: اجتمعت.

(4) البرك: الصدر.

(5) ابذعرّ: تفرق.

(6) انتاش: أنهض.

(7) بعج الأرض: شقها و أذلها.

17

قطعت أبهري» !و هذا مثل ما قال اللّه تعالى: ... ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (1)

و الأبهر و الوتين: عرقان في القلب إذا انقطع أحدهما مات صاحبه.

الزهري عن عروة عن عائشة قالت: اغتسل أبو بكر يوم الاثنين لسبع خلون من جمادي الآخرة، و كان يوما باردا، فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، و كان يأمر عمر أن يصلي بالناس؛ و توفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ؛ و غسلته امرأته أسماء بنت عميس و صلى عليه عمر بن الخطاب بين القبر و المنبر، و كبّر أربعا.

الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فبلغ ذلك عمر فنهاهنّ، فأبين فقال لهشام بن الوليد: أخرج إليّ بنت أبي قحافة.

فأخرج إليه أمّ فروة؛ فعلاها بالدّرّة (2) ضربا، فتفرّق النوائح.

و قالت عائشة و أبوها يغمض، رضي اللّه عنه:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه # ربيع اليتامى عصمة للأرامل‏

قالت عائشة: فنظر إليّ و قال: ذاك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. ثم أغمي عليه، فقالت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصّدر

فنظر إليّ كالغضبان و قال: قولي: وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (3) . ثم قال: انظروا ملاءتين خلقين فاغسلوهما و كفّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.

عروة بن الزبير و القاسم بن محمد، قالا: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ فلما توفى حفر له و جعل رأسه بين كتفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و رأس عمر عند حقوي أبي بكر، و بقي في البيت موضع قبر؛ فلما حضرت الوفاة الحسن بن

____________

(1) سورة الحاقة الآية 46.

(2) الدرة: السوط يضرب به.

(3) سورة ق الآية 19.

18

علي، أوصى بأن يدفن مع جده في ذلك الموضع؛ فلما أراد بنو هاشم أن يحفروا له منعهم مروان-و هو والي المدينة في أيام معاوية-فقال أبو هريرة: علام تمنعه أن يدفن مع جده؟فأشهد لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: «الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة» قال له مروان: لقد ضيّع اللّه حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا لم يروه غيرك. قال: أنا و اللّه لقد قلت ذلك؛ لقد صحبته حتى عرفت من أحبّ و من أبغض، و من نفى و من أقرّ، و من دعا له و من دعا عليه.

قال: و سطح قبر أبي بكر كما سطّح قبر النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و رشّ بالماء.

هشام بن عروة عن أبيه: أن أبا بكر صلّي عليه ليلا و دفن ليلا.

و مات و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و لها مات النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم.

و عاش أبو قحافة بعد أبي بكر أشهرا و أياما، و وهب نصيبه في ميراثه لولد أبي بكر و كان نقش خاتم أبي بكر: نعم القادر اللّه.

و لما قبض أبو بكر سجّي بثوب، فارتجّت المدينة من البكاء، و دهش القوم كيوم قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم. و جاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب و هو يقول:

«رحمك اللّه أبا بكر!كنت و اللّه أول القوم إسلاما، و أصدقهم إيمانا، و أشدهم يقينا و أعظمهم غنى، و أحفظهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أحدبهم على الإسلام، و أحماهم عن أهله، و أنسبهم برسول اللّه خلقا و فضلا و هديا و سمتا؛ فجزاك اللّه عن الإسلام و عن رسول اللّه و عن المسلمين خيرا؛ صدّقت رسول اللّه حين كذّبه الناس و واسيته حين بخلوا، و قمت معه حين قعدوا و سمّاك اللّه في كتابه صدّيقا فقال:

وَ اَلَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ (1) ، يريد محمدا و يريدك؛ كنت و اللّه للإسلام حصنا، و للكافرين ناكبا، لم تفلل‏ (2) حجتك، و لم تضعف بصيرتك، و لم تجبن

____________

(1) سورة الزمر الآية 33.

(2) لم تفلل: لم تهزم.

19

نفسك؛ كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف، و لا تزيله القواصف؛ كنت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ضعيفا في بدنك؛ قويّا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند اللّه، جليلا في الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع و لا هوى، فالضعيف عندك قوي، و القويّ عندك ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي و تردّه للضعيف، فلا حرمك اللّه أجرك، و لا أضلّنا بعدك.

القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي توفي فيه، فقالت:

يا أبت، اعهد إليّ خاصّتك، و أنفذ رأيك في عامتك، و انقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ إنك محضور و منصل بي لوعتك، و أرى تخاذل أطرافك، و انتقاع لونك؛ فإلى اللّه تعزيتي عنك، و لديه ثواب حزني عليك؛ أرقأ فلا أرقأ (1) و أشكو فلا أشكى.

قال: فرفع رأسه و قال:

يا أمه، هذا يوم يخلّى لي عن غطائي، و أشاهد جزائي، إن فرحا فدائم، و إن ترحا فمقيم، إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، و الخزل‏ (2) تفريطا، فشهيدي اللّه ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتعلقت بصحفتهم و تعللت بدرّة لقحتهم، و أقمت صلاي معهم، لا مختالا أشرا، و لا مكاثرا بطرا، و لم أعد سدّ الجوعة، و وري العورة (3) ، و قواته القوام؛ من طوى ممعض‏ (4) تهفو منه الأحشاء، و تجف له الأمعاء، و اضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض‏ (5) إلى الماء المعيف الآجن؛ فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم و عبدهم و لقحتهم و رحاهم، و دثارة ما فوقي اتقيت بها البرد، و دثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف.

____________

(1) أي أسكن نفسي فلا تسكن.

(2) الخزل: الترجع.

(3) وري العورة: سترها.

(4) ممعض: موجع.

(5) الجرض: الذي يبتلع ريقه بجهد.

20

قال: و دخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول اللّه لقد كلفت القوم بعدك تعبا، و وليتهم نصبا، فهيهات من شق غبارك فكيف اللحاق بك.

استخلاف أبي بكر لعمر

عبد اللّه بن محمد التيمي عن محمد بن العزيز، أن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة كتب عهده و بعث به مع عثمان بن عفان و رجل من الأنصار ليقرآه على الناس فلما اجتمع الناس قاما فقالا: «هذا عهد أبي بكر فإن تقرّوا به نقرأه، و إن تنكروه نرجعه» فقال:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا عهد أبي بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، و أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، و يتقي الفاجر، و يصدق الكاذب، أمّرت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل و اتقى فذاك ظني به و رجائي فيه، و إن بدّل و غيّر، فالخير أردت، و لا يعلم الغيب إلا اللّه.

قال أبو صالح: أخبر محمد بن وضاح، قال: حدثني محمد بن رمح بن مهاجر التّجيبي، قال: حدثني الليث بن سعد عن علوان عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، أنه دخل على أبي بكر رضي اللّه عنه في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مفيقا، فقال: أصبحت بحمد اللّه بارئا.

قال أبو بكر: أ تراه؟ قال: نعم.

قال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، و لمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي؛ إني ولّيت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم من ذلك أنفه، يريد أن يكون له الأمر من دونه، و رأيتم الدنيا مقبلة و لن تقبل، و هي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير و نضائد الديباج، و تألمنّ الاضطجاع على الصوف الأذربيّ‏ (1) ،

____________

(1) نسبة إلى أذربيجان.

21

كما يألم أحدكم الاضطجاع على شوك السعدان، و اللّه لأن يقدّم أحدكم فيضرب عنقه في غير حدّ، خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، ألا و إنكم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا و شمالا، يا هادي الطريق جرت، إنما هو الفجر أو البحر.

قال: فقلت له: خفّض عليك يرحمك اللّه، فإن هذا يهيضك‏ (1) على ما بك؛ إنما الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، و إما رجل خالفك فهو يشير عليك برأيه، و صاحبك كما تحب، و لا نعلمك أردت إلا الخير، و لم تزل صالحا مصلحا، مع أنك لا تأسى على شي‏ء من الدنيا.

فقال: أجل، إني لا آسي على شي‏ء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، و ودت أني تركتهن، و ثلاث تركتهن و ودت أني فعلتهن، و ثلاث وددت أني سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عنهن:

فأما الثلاث التي فعلتهن و وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شي‏ء؛ و إن كانوا أغلقوه على الحرب، و وددت أني لم أكن حرّقت الفجاءة السلمى، و أني قتلته سريحا أو خليته نجيحا (2) ، و وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قدفت الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أحدهما أميرا و كنت له وزيرا. يعني بالرجلين: عمر بن الخطاب، و أبا عبيدة بن الجراح.

و أما الثلاث التي تركتهن و وددت أني فعلتهن: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه، فإنه يخيل إليّ أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه؛ و وددت أني يوم سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصّة (3) ؛ فإن ظفر المسلمون ظفروا، و إن انهزموا كنت بصدد لقاء أو مدد؛ و وددت أني وجهت خالد بن الوليد

____________

(1) يهيضك: يهيجك.

(2) نجيحا: وشيكا.

(3) ذي القصة: اسم موضع.

22

إلى الشام، و وجّهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يديّ كلتيهما في سبيل اللّه.

و أما الثلاث التي وددت أني سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عنهن: فإني وددت أني سألته:

لمن هذا الأمر من بعده؟فلا ينازعه أحد؛ و أني سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟فلا يظلموا نصيبهم منه؛ و وددت أني سألته عن بنت الأخ و العمة، فإن في نفسي منهما شيئا.

عمر بن الخطاب‏

نسب عمر بن الخطاب و صفته‏

أبو الحسن علي بن محمد قال: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، و أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و هاشم هو ذو الرمحين.

قال أبو الحسن: كان عمر رجلا آدم مشربا حمرة طويلا أصلع، له حفافان حسن الخدين و الأنف و العينين، غليظ القدمين و الكفين، مجدول اللحم، حسن الخلق، ضخم الكراديس‏ (1) ، أعسر يسر (2) ، إذا مشى كأنه راكب.

ولي الخلافة يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ.

و طعن لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين من التاريخ، فعاش ثلاثة أيام، و يقال سبعة أيام.

معدان بن أبي حفصة، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و هو ابن ثلاث و ستين سنة في رواية الشعبي؛ و لها مات أبو بكر، و لها مات النبي صلّى اللّه عليه و سلم.

____________

(1) الكراديس: جمع كردوس: رأس العظم.

(2) أي يعمله بيديه جميعا.

23

فضائل عمر بن الخطاب‏

أبو الأشهب عن الحسن، قال: عاتب عيينة عثمان، فقال له: كان عمر خيرا لنا منك، أعطانا فأغنانا و أخشانا فأتقانا.

و قيل لعثمان: مالك لا تكون مثل عمر؟قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم.

القاسم بن عمر قال: كان إسلام عمر فتحا، و هجرته نصرا، و إمارته رحمة.

و قيل إن عمر خطب امرأة من ثقيف، و خطبها المغيرة؛ فزوجوها المغيرة، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «أ لا زوّجتم عمر، فإنه خير قريش أوّلها و آخرها، إلا ما جعل اللّه لرسوله؟» .

الحسن بن دينار عن الحسن، قال: ما فضل عمر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه كان أطولهم صلاة و أكثرهم صياما، و لكنه كان أزهدهم في الدنيا و أشدّهم في أمر اللّه.

و تظلم رجل من بعض عمال عمر و ادعى أنه ضربه و تعدّى عليه، فقال: اللهم إني لا أحل لهم أشعارهم و لا أبشارهم‏ (1) ؛ كل من ظلمه أميره فلا أمير عليه دوني. ثم أقاده‏ (2) منه.

عوانة عن الشعبي قال: كان عمر يطوف في الأسواق، و يقرأ القرآن، و يقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم.

و قال المغيرة بن شعبة و ذكر عمر، فقال: كان و اللّه له فضل يمنعه من أن يخدع، و عقل يمنعه من أن ينخدع.

و قال عمر: لست بخبّ و لا الخب‏ (3) يخدعني.

____________

(1) أبشارهم: يريد دفوفهم.

(2) أقاده: يقال أقاد القاتل بالقتيل: قتله به قودا، و القود: القضاء.

(3) الخبّ: الخادع و الغشاش.

24

عكرمة عن ابن عباس، قال: بينما أنا أمشي مع عمر بن الخطاب في خلافته و هو عامد لحاجة له و في يده الدّرّة (1) و أنا أمشي خلفه و هو يحدث نفسه و يضرب وحشي‏ (2) قدميه بدرّته، إذ التفت إليّ فقال: يا ابن عباس، أ تدري ما حملني على مقالتي التي قلت يوم توفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؟قلت: لا. قال: الذي حملني على ذلك أني كنت أقرأ هذه الآية: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (3) ؛ فو اللّه إن كنت لأظن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم سيبقى في أمته حتى يشهد علينا بأحنف أعمالنا؛ فهو الذي دعاني إلى ما قلت.

ابن دأب قال: قال ابن عباس: خرجت أريد عمر في خلافته، فألفيته راكبا على حمار قد أرسنه بحبل أسود، و في رجليه نعلان مخصوفتان. و عليه إزار قصير، و قميص قصير قد انكشفت منه ساقاه؛ فمشيت إلى جنبه و جعلت أجبذ الإزار عليه، فجعل يضحك و يقول: إنه لا يطيعك. حتى أتى العالية، فصنع له قوم طعاما من خبز و لحم فدعوه إليه، و كان عمر صائما، فجعل ينبذ (4) إليّ الطعام و يقول: كل لي و لك! و من حديث ابن وهب عن الليث بن سعد، أن أبا بكر لم يكن يأخذ من بيت المال شيئا و لا يجري عليه من الفي‏ء درهما، إلا أنه استلف منه مالا، فلما حضرته الوفاة أمر عائشة بردّه. و أما عمر بن الخطاب فكان يجري على نفسه درهمين كل يوم. فلما ولي عمر بن عبد العزيز قيل له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب!قال:

كان عمر لا مال له، و أنا مالي يغنيني. فلم يأخذ منه شيئا.

أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال عمر و قام على الرّدم‏ (5) : أين حقّك يا أبا سفيان مما هنا؟قال: ما تحت قدميك إليّ. قال: طالما كنت قديم الظلم!ليس لأحد فيما وراء قدمي حق، و إنما هي منازل الحاج

____________

(1) الدّرة: السوط يضرب به.

(2) الوحشيّ الجانب الأيمن من كل شي‏ء.

(3) سورة البقرة الآية 143.

(4) ينبذ: أي يدفع.

(5) الردم: موضع بمكة.

25

قال الأصمعي: و كان رجل من قريش قد تقدم صدر من داره عن قدمي عمر، فهدمه و أراد أن يغوّر البئر، فقيل له: البئر للناس منفعة. فتركها.

قال الأصمعي: إذا ودع الحاج ثم بات خلف قدمي عمر، لم أر عليه أن يرجع يقول: قد خرج من مكة.

مقتل عمر

أبو الحسن: كان للمغيرة بن شعبة غلام نصراني يقال له فيروز أبو لؤلؤة، و كان نجارا لطيفا، و كان خراجه ثقيلا، فشكا إلى عمر ثقل الخراج و سأله أن يكلم مولاه أن يخفف عنه من خراجه، فقال له: و كم خراجك؟قال: ثلاثة دراهم في كل شهر. قال: و ما صناعتك؟قال نجار. قال: ما أرى هذا ثقيلا في مثل صناعتك.

فخرج مغضبا فاستلّ خنجرا محدود الطرفين، و كان عمر قد رأى في المنام ديكا أحمر ينقره ثلاث نقرات؛ فتأوّله رجل من العجم يطعنه ثلاث طعنات، فطعنه أبو لؤلؤة بخنجره ذلك في صلاة الصبح ثلاث طعنات، إحداها بين سرته و عانته، فخرقت الصفاق‏ (1) ، و هي التي قتلته؛ و طعن في المسجد معه ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فأقبل رجل من بني تميم يقال له حطان، فألقى كساء عليه ثم احتضنه فلما علم العلج‏ (2) أنه مأخوذ طعن نفسه و قدّم عمر صهيبا يصلي بالناس، فقرأ بهم في صلاة الصبح: قل هو اللّه أحد، في الركعة الأولى؛ و قل يا أيها الكافرون، في الركعة الثانية؛ و احتمل عمر إلى بيته، فعاش ثلاثة أيام ثم مات، و قد كان استأذن عائشة أن يدفن في بيتها مع صاحبيه، فأجابته و قالت: و اللّه لقد كنت أردت ذلك المضجع لنفسي، و لأوثرنّ به اليوم على نفسي! فكانت ولاية عمر عشر سنين.

صلى عليه صهيب بين القبر و المنبر، و دفن عند غروب الشمس.

____________

(1) الصفاق: غشاء ما بين الجلد و الأمعاء.

(2) العلج: كل شديد من الرجال، و الحمار و حمار الوحش السمين القوي.

26

كاتبه: زيد بن ثابت و كتب له معيقيب أيضا.

و حاجبه: يرفأ مولاه.

و خازنه: يسار.

و على بيت ماله: عبد اللّه بن أرقم.

و قال الليث بن سعد: كان عمر أوّل من جنّد الأجناد، و دوّن الدواوين، و جعل الخلافة شورى بين ستّة من المسلمين، و هم: علي، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و سعد ابن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف؛ ليختاروا منهم رجلا يولونه أمر المسلمين، و أوصى أن يحضر عبد اللّه بن عمر معهم، و ليس له من أمر الشورى شي‏ء.

أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان‏

صالح بن كيسان قال: قال ابن عباس: دخلت على عمر في أيام طعنته و هو مضطجع على وسادة من أدم‏ (1) ، و عنده جماعة من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم؛ فقال له رجل؛ ليس عليك بأس!قال:

لئن لم يكن عليّ اليوم ليكونن بعد اليوم. و إن للحياة لنصيبا من القلب، و إن للموت لكربة، و قد كنت أحبّ أن أنجّي نفسي و أنجو منكم، و ما كنت من أمركم إلا كالغريق يرى الحياة فيرجوها و يخشى أن يموت دونها، فهو يركض بيديه و رجليه، و أشدّ من الغريق الذي يرى الجنة و النار و هو مشغول. و لقد تركت زهرتكم كما هي ما لبستها فأخلقتها، و ثمرتكم يانعة في أكمامها ما أكلتها، و ما جنيت ما جنيت إلا لكم، و ما تركت ورائي درهما ما عدا ثلاثين أو أربعين درهما.

ثم بكى و بكى الناس معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبشر، فو اللّه لقد مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و هو عنك راض، و مات أبو بكر و هو عنك راض، و إن المسلمين رضوان عنك.

____________

(1) الأدم: الخبز و الجلد.

27

قال: المغرور و اللّه من غررتموه؛ أما و اللّه لو أن لي ما بين المشرق و المغرب لافتديت به من هول المطّلع.

داود بن أبي هند عن قتادة قال: لما ثقل عمر قال لولده عبد اللّه: ضع خدّي على الأرض. فكره أن يفعل ذلك، فوضع عمر خدّه على الأرض و قال: ويل لعمر، و لأمّ عمر، إن لم يعف اللّه عنه! أبو أمية بن يعلى عن نافع قال: قيل لعبد اللّه بن عمر: تغسّل الشهداء؟قال: كان عمر أفضل الشهداء، فغسّل و كفن و صلّي عليه.

يونس عن الحسن و هشام بن عروة عن أبيه قالا: لما طعن عمر بن الخطاب قيل له:

يا أمير المؤمنين، لو استخلفت!قال:

إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني، و إن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني؛ و لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة. و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيّك يقول: إن سالما ليحبّ اللّه حبّا لو لم يخفه ما عصاه.

قيل له: فلو أنك عهدت إلى عبد اللّه، فإنه لها أهل في دينه و فضله و قديم إسلامه؟ قال: بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن أمّة محمد-[و لوددت أني نجوت من هذا الأمر كفافا لا لي و لا عليّ.

ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولّي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق-و أشار إلى عليّ-ثم رأيت أن لا أتحمّلها حيّا و ميّتا؛ فعليكم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إنهم من أهل الجنة. منهم: سعيد بن زيد بن

28

عمرو بن نفيل، و لست مدخله فيهم؛ و لكن الستة: علي، و عثمان ابنا عبد مناف؛ و سعد، و عبد الرحمن بن عوف خال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ و الزبير حواريّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و ابن عمته، و طلحة الخير؛ فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوكم واليا فأحسنوا مؤازرته.

فقال العباس لعليّ: لا تدخل معهم. قال: أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليا و عثمان و سعدا و الزبير و عبد الرحمن، ثم قال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس و قادتهم، و لا يكون هذا الأمر إلا فيكم، و إني لا أخاف الناس عليكم، و لكني أخافكم على الناس؛ و قد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و هو عنكم راض، فاجتمعوا إلى حجرة عائشة بإذنها، فتشاوروا و اختاروا منكم رجلا، و ليصلّ بالناس صهيب ثلاثة أيام، و لا يأت اليوم الرابع إلا و عليكم أمير منكم، و يحضركم عبد اللّه مشيرا و لا شي‏ء له من الأمر، و طلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، و إن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم. و من لي بطلحة؟فقال سعد: أنا لك به إن شاء اللّه.

ثم قال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن اللّه قد أعزّ بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار و كونوا مع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم.

و قال للمقداد بن الأسود الكندي: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم.

و قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، و أدخل عليا و عثمان و الزبير و سعدا و عبد الرحمن و طلحة إن حضر، بيت عائشة، و احضر عبد اللّه بن عمر و ليس له من الأمر شي‏ء، و قم على رءوسهم؛ فإن اجتمع خمسة على رأي واحد و أبي واحد فاشدخ‏ (1)

____________

(1) شدخ: شجّ.

29

رأسه بالسيف، و إن اجتمع أربعة فرضوا و أبي اثنان فاضرب رأسيهما، فإن رضي ثلاثة رجلا و ثلاثة رجلا فحكّموا عبد اللّه بن عمر؛ فإن لم يرضوا بعبد اللّه فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف و اقتلوا الباقين، إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. و خرجوا.

فقال عليّ لقوم معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم فلن يؤمّركم أبدا.

و تلقاه العباس فقال له: عدلت عنا؟قال له و ما أعلمك؟قال: قرن بي عثمان ثم قال ثلاثة رجلا و ثلاثة رجلا إن رضي فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف؛ فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن و عبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون فلو كان الآخران معي ما نفعاني.

فقال العباس: لم أدفعك في شي‏ء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن تسأله: فيمن هذا الأمر؟فأبيت؛ و أشرت عليك بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن تعاجل الأمر، فأبيت، و أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم، فأبيت؛ فاحفظ عني واحدة: كل ما عرض عليك القوم فأمسك، إلى أن يولوك؛ و احذر هذا الرهط؛ فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا.

فلما مات عمر و اخرجت جنازته، تصدى علي و عثمان، أيهما يصلي عليه؛ فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الإمرة!، لستما من هذا في شي‏ء؛ هذا صهيب استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلى عليه صهيب.

فلما دفن عمر جمع المقداد بن الأسود أهل الشورى في بيت عائشة بإذنها، و هم خمسة معهم ابن عمر، و طلحة غائب، و أمروا أبا طلحة فحجبهم؛ و جاء عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما (1) سعد و أقامهما، و قال: تريدان أن تقولا: حضرنا و كنا من أهل الشورى!

____________

(1) حصب: رمى بالحصباء.

30

فتنافس القوم في الأمر، و كثر بينهم الكلام، كل يرى أنه أحق بالأمر؛ فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها!لا و الذي ذهب بنفس عمر، لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر بها عمرو أو أجلس في بيتي.

فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه، و يتقلدها على أن يوليها أفضلكم فلم يجبه أحد؛ فقال. فأنا أنخلع منها. قال عثمان. أنا أول من رضي؟فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول. عبد الرحمن أمين في الأرض، أمين في السماء. فقال القوم:

رضينا. و عليّ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن: قال. أعطني موثقا لتؤثرنّ الحق، و لا تتبع الهوى، و لا تخص ذا رحم، و لا تألو الأمة نصحا. قال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من نكل، و أن ترضوا بما أخذت لكم فتوثق بعضهم من بعض و جعلوها إلى عبد الرحمن، فخلا بعلي فقال: إنك أحقّ بالأمر لقرابتك و سابقتك و حسن أثرك، و لم تبعد؛ فمن أحق بها بعدك من هؤلاء؟قال:

عثمان. ثم خلا بعثمان فسأله عن مثل ذلك؛ فقال: علي. ثم خلا بسعد فقال: عثمان. ثم خلا بالزبير فقال: عثمان، فقال عمار بن ياسر لعبد الرحمن: إن أردت.

أبو الحسن قال: لما خاف عليّ بن أبي طالب عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعدا أن يكونوا مع عثمان، لقي سعدا و معه الحسن و الحسين، فقال له: أسألك برحم ابنيّ هذين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و برحم عمي حمزة منك ألاّ تكون مع عبد الرحمن ظهيرا عليّ لعثمان؛ فإني أولي إليك بما لا يدلي به عثمان.

ثم دار عبد الرحمن لياليه تلك على مشايخ قريش يشارهم، فكلهم يشير بعثمان؛ حتى إذا كان في الليلة التي استكمل في صبيحتها الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد هجعة من الليل، فأيقظه فقال: أ لا أراك إلا نائما و لم أذق في هذه الليالي نوما!فانطلق فادع لي الزبير و سعدا. فدعا بهما؛ فبدأ بالزبير في مؤخرة المسجد، فقال له: خلّ ابني عبد مناف لهذا الأمر. فقال: نصيبي لعليّ. فقال لسعد: أنا و أنت كلالة (1) ، فاجعل نصيبك لي فأختار. قال: أما إن اخترت نفسك فنعم، و أما إن

____________

(1) الكلالة: أن يموت المرء و ليس له والد أو ولد يرثه.

31

اخترت عثمان فعليّ أحبّ إليّ منه. قال: يا أبا إسحاق، إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، و لو لم أفعل و جعل إليّ الخيار ما أردتها؛ إني رأيت كأني في روضة خضراء كثيرة العشب؛ فدخل فحل لم أر قطّ فحلا أكرم منه، فمرّ كأنه سهم لا يلتفت إلى شي‏ء مما في الروضة حتى قطعها؛ و دخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه‏ (1) يلتفت يمينا و شمالا و يمضي قصد الأولين، حتى خرج من الروضة؛ ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة؛ و لا و اللّه لا أكون البعير الرابع؛ و لا يقوم بعد أبي بكر و عمر أحد فيرضى الناس عنه! ثم أرسل المسوّر إلى عليّ فناجاه طويلا، و هو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم أرسل المسور إلى عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما أذان الصبح.

فلما صلوا الصبح جمع إليه الرهط و بعث إلى من حضره من المهاجرين و الأنصار، و إلى أمراء الأجناد، حتى ارتج المسجد بأهله؛ فقال: أيها الناس إن الناس قد أحبوا أن تلحق أهل الأمصار بأمصارهم و قد علموا من أميرهم. فقال عمار بن ياسر: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا، قلنا: سمعنا و أطعنا!قال ابن أبي سرح إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد اللّه بن أبي ربيعة صدق؛ إن بايعت عثمان سمعنا و أطعنا!فشتم عمار ابن أبي سرح، و قال: متى كنت تنصح المسلمين!فتكلم بنو هاشم و بنو أمية.

فقال عمار: أيها الناس، إن اللّه أكرمنا بنبيه، و أعزنا بدينه فأنّى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم؟ فقال له رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية، و ما أنت و تأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس.

____________

(1) الخطام: الزمام.

32

فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت و شاورت؛ فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا.

و دعا عليا فقال: عليك عهد اللّه و ميثاقه لتعملن بكتاب اللّه و سنة نبيه و سيرة الخليفتين من بعده؟قال أعمل بمبلغ علمي و طاقتي.

ثم دعا عثمان فقال: عليك عهد اللّه و ميثاقه لتعملن بكتاب اللّه و سنة نبيه، و سيرة الخليفتين من بعده؟فقال: نعم!فبايعه؛ فقال علي: حبوته محاباة، ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا؛ أما و اللّه ما ولّيت عثمان إلا ليردّ الأمر إليك، و اللّه كلّ يوم هو في شأن.

فقال عبد الرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت و شاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحدا. فخرج علي و هو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.

فقال المقداد: أما و اللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق و به يعدلون!فقال: يا مقداد، و اللّه لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئن كنت أردت بذلك اللّه فأثابك اللّه ثواب المحسنين.

ثم قال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم؛ إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم منه، و لا أقضى بالعدل، و لا أعرف بالحق؛ أما و اللّه لو أجد أعوانا!فقال له عبد الرحمن: يا مقداد، اتق اللّه فإني أخشى عليك الفتنة! قال: و قدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه عثمان، فقيل له: إن الناس قد بايعوا عثمان. فقال: أكل قريش رضوا به؟قالوا: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت عن رأس أمرك. قال طلحة: فإن أبيت أ تردّها؟قال: نعم. قال: أ كل الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت، لا أرغب عما اجتمعت الناس عليه. و بايعه.

و قال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبت إذا بايعت عثمان، و لو

33

بايعت غيره ما رضيناه. قال: كذبت يا أعور!لو بايعت غيره لبايعته و قلت هذه المقالة.

و قال عبد اللّه بن عباس: ما شيت عمر بن الخطاب يوما، فقال لي: يا بن عباس، ما يمنع قومكم منكم و أنتم أهل البيت خاصة؟قلت: لا أدري!قال: لكني أدري؛ إنكم فضلتموهم بالنبوة، فقالوا: إن فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئا، و إنّ أفضل النصيبين بأيدكم، بل ما إخالها إلا مجتمعة لكم و إن نزلت على رغم قريش.

فلما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلة (1) من أصحاب محمد، قيل لعبد الرحمن: هذا عملك!قال: ما ظننت هذا!ثم مضى، و دخل عليه و عاتبه، و قال: إنما قدّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر، فخلفتهما و حابيت أهل بيتك و أوطأتهم رقاب المسلمين. فقال: إن عمر كان يقطع قرابته في اللّه، و أنا أصل قرابتي في اللّه. قال عبد الرحمن: للّه عليّ ألا أكلّمك أبدا!فلم يكلمه أبدا حتى مات. و دخل عليه عثمان عائدا (2) له في مرضه، فتحوّل عنه إلى الحائط و لم يكلمه.

ذكروا أن زيادا أوفد ابن حصين على معاوية، فأقام عنده ما أقام، ثم إن معاوية بعث إليه ليلا فخلا به، فقال له: يا ابن حصين، قد بلغني أن عندك ذهنا و عقلا؛ فأخبرني عن شي‏ء أسألك عنه قال: سلني عما بدا لك. أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين و فرّق أهواءهم و خالف بينهم؟قال: نعم، قتل النّاس عثمان قال: ما صنعت شيئا. قال: فمسير عليّ إليك و قتاله إياك. قال: ما صنعت شيئا قال: فمسير طلحة و الزبير و عائشة و قتال عليّ إياهم قال ما صنعت شيئا. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك، إنه لم يشتت بين المسلمين و لا فرّق أهواءهم و لا خالف بينهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر؛ و ذلك أن اللّه بعث محمدا بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، فعمل بما أمره اللّه به ثم قبضه

____________

(1) الجلة من أصحابه: اكثرهم.

(2) عائدا: زائرا.

34

اللّه إليه، و قدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و سار بسيره حتى قبضه اللّه، و استخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، و رجاها له قومه، و تطلعت إلى ذلك نفسه: و لو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. و قال المغيرة بن شعبة: إني لعند عمر بن الخطاب ليس عنده أحد غيري، إذ أتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يزعمون أن الذي فعل أبو بكر في نفسه و فيك لم يكن له، و أنه كان بغير مشورة و لا مؤامرة؟و قالوا تعالوا نتعاهد ألا نعود إلى مثلها. قال عمر: و أين هم؟قال: في دار طلحة. فخرج نحوهم و خرجت معه و ما أعلمه يبصرني من شدّة الغضب، فلما رأوه كرهوه و ظنوا الذي جاء له، فوقف عليهم و قال: أنتم القائلون ما قلتم؟و اللّه لن تتحابوا حتى يتحابّ الأربعة: الإنسان و الشيطان، يغويه و هو يلعنه؛ و النار و الماء يطفئها و هي تحرقه؛ و لم يأن لكم بعد و قد آن ميعادكم ميعاد المسيح متى هو خارج. قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا؛ قال المغيرة:

ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب فاحبسه عليّ. فقلت: لا يفعل أمير المؤمنين و هو مغدّ (1) ، فقال: أدركه و إلا قلت لك يا بن الدباغة. قال: فأدركته فقلت له: قف مكانك لإمامك و احلم، فإنه سلطان و سيندم و تندم. قال: فأقبل عمر فقال: و اللّه ما خرج هذا الامر إلا من تحت يدك. قال عليّ: اتق أن لا تكون الذي نعطيك فنفتنك. قال: و تحب أن تكون هو؟قال: لا، و لكننا نذكرك الذي نسيت. فالتفت إليّ عمر فقال: انصرف فقد سمعت منا عند الغضب ما كفاك. فتنحيت قريبا، و ما وقفت إلا خشية أن يكون بينهما شي‏ء فأكون قريبا، فتكلما كلاما غير غضبانين و لا راضين ثم رأيتهما يضحكان و تفرّقا؛ و جاءني عمر، فمشيت معه و قلت: يغفر اللّه لك، أغضبت؟قال: فأشار إلى عليّ و قال: أما و اللّه لو لا دعابة فيه ما شككت في ولايته و إن نزلت على رغم أنف قريش.

____________

(1) مغدّ: غضبان.

35

العتبي عن أبيه: أن عتبة بن أبي سفيان قال: كنت مع معاوية في دار كندة، إذ أقبل الحسن و الحسين و محمد، بنو علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين إن لهؤلاء القوم أشعارا و أبشارا، و ليس مثلهم كذب، و هم يزعمون أن أباهم كان يعلم. فقال:

إليك من صوتك فقد قرب القوم، فإذا قاموا فذكرني بالحديث، فلما قاموا قلت: يا أمير المؤمنين ما سألتك عنه من الحديث؟قال: كل القوم كان يعلم و كان أبوهم من أعلمهم. ثم قال: قدمت على عمر بن الخطاب، فإني عنده إذ جاءه عليّ و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا و هم يتدافعون و يضحكون، فلما رآهم عمر نكس‏ (1) ، فعلموا أنه على حاجة، فقاموا كما دخلوا؛ فلما قاموا أتبعهم بصره فقال: فتنة أعوذ باللّه من شرّهم، و قد كفاني اللّه شرهم! قال: و لم يكن عمر بالرجل يسأل عما لا يفسّر؛ فلما خرجت جعلت طريقي على عثمان؛ فحدثته الحديث و سألته الستر، قال: نعم، على شريطة. قلت: هي لك. قال:

تسمع ما أخبرك به و تسكت إذا سكتّ. قلت: نعم. قال: ستة يقدح بينهم زناد الفتنة، يجري الدم منهم على أربعة. قال: ثم سكت، و خرجت إلى الشام، فلما قدمت على عمر فحدث من أمره ما حدث-فلما مضت الشورى-ذكرت الحديث؛ فأتيت بيت عثمان و هو جالس و بيده قضيب فقلت: يا أبا عبد اللّه، تذكر الحديث الذي حدثتني؟قال: فأزم‏ (2) على القضيب عضّا؛ ثم أقلع عنه و قد أثر فيه، فقال: ويحك يا معاوية!أي شي‏ء ذكرتني!لو لا أن يقول الناس: خاف أن يؤخذ عليه، لخرجت إلى الناس منها!قال: فأبى قضاء اللّه إلا ما ترى.

و مما نقم الناس على عثمان: أنه آوى طريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم الحكم بن أبي العاص- و لم يؤوه أبو بكر و لا عمر-و أعطاه مائة ألف؛ و سيّر أبا ذرّ إلى الرّبذة، و سيّر عامر ابن عبد قيس من البصرة إلى الشام؛ و طلب منه عبد اللّه بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف؛ و تصدّق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بمهزون-موضع سوق المدينة-على

____________

(1) نكس: عبس و بسر.

(2) أزم: عضّ بالفم كلّه عضّا شديدا.

36

المسلمين، فأقطعها الحرث بن الحكم أخا مروان؛ و أقطع فدك مروان، و هي صدقة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ و افتتح أفريقية؛ فأخذ خمس الفي‏ء فوهبه لمروان؛ فقال عبد الرحمن بن حسل الجمحي:

فأحلف باللّه ربّ الأنا # م ما ترك اللّه شيئا سدى

و لكن خلقت لنا فتنة # لكي نبتلى بك أو تبتلى

فإنّ الأمينين قد بيّنا # منارا لحقّ عليه الهدى

فما أخذا درهما غيلة # و ما تركا درهما في هوى

و أعطيت مروان خمس العبا # د هيهات شأوك ممّن شأى‏

عثمان‏

نسب عثمان و صفته‏

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، و أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس: و أمها[أمّ حكيم‏]البيضاء ابنة عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلّى اللّه عليه و سلم.

و كان عثمان أبيض مشربا صفرة، كأنه فضة و ذهب؛ حسن القامة، حسن الساعدين، سبط (1) الشعر، أصلع الرأس، أجمل الناس إذا اعتمّ، مشرف الأنف، عظيم الأرنبة، كثير شعر الساقين و الذراعين، ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين.

و لما أسنّ شدّ أسنانه بالذهب، و سلسل بوله فكان يتوضأ لكل صلاة.

ولي الخلافة منسلخ ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين.

و قتل يوم الجمعة صبيحة عيد الأضحى سنة خمس و ثلاثين.

و في ذلك يقول حسان:

ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به # يقطّع الليل تسبيحا و قرآنا (2)

لتسمعنّ وشيكا في ديارهم # اللّه أكبر يا ثارات عثمانا

____________

(1) السبط من الشعر: المسترسل غير الجعد.

(2) الأشمط: المختلط سواد شعره ببياض.

37

فكانت ولايته اثنتي عشرة سنة و ستة عشر يوما، [و مات‏]و هو ابن أربع و ثمانين سنة.

و كان على شرطته-و هو أول من اتخذ صاحب شرطة-عبيد اللّه بن قنفذ، و على بيت المال، عبد اللّه بن أرقم، ثم استعفاه؛ و كاتبه مروان، و حاجبه حمران مولاه.

فضائل عثمان‏

سالم بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر قال: أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك، فاشترى عثمان طعاما على ما يصلح العسكر، و جهز به عيرا (1) ؛ فنظر النبي صلّى اللّه عليه و سلم إلى سواد مقبل. فقال: هذا جمل أشقر قد جاءكم بميرة. فأنيخت الركائب‏ (2) ، فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يديه إلى السماء و قال: اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه! و كان عثمان حليما سخيا محبّبا إلى قريش، حتى كان يقال:

أحبّك و الرحمن # حبّ قريش لعثمان‏

و زوّجه النبي صلّى اللّه عليه و سلم رقية ابنته، فماتت عنده؛ فزوّجه أم كلثوم ابنته أيضا.

الزهري عن سعيد بن المسيّب، قال: لما ماتت رقية جزع عثمان عليها، و قال: يا رسول اللّه، انقطع صهري منك!قال: إن صهرك مني لا ينقطع، و قد أمرني جبريل أن أزوّجك أختها بأمر اللّه.

عبد اللّه بن عباس قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في هذا البيت، فرآني ضجيعا لأم كلثوم، فاستعبر، فقلت: و الذي بعثك بالحق ما أضجعت عليه أنثى بعدها!فقال: ليس لهذا استعبرت؛ فإن الثياب للحي و للميت الحجر؛ و لو كن يا عثمان عشرا لزوّجتكهن واحدة بعد واحدة.

____________

(1) العير: ما جلب عليه الطعام من قوافل الإبل و البغال و الحمير.

(2) الركائب: جمع الركاب و هو ما توضع فيه الرجل.

38

و عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان، فأبى منها؛ فشكاه عمر إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: «سيزوّج اللّه ابنتك خيرا من عثمان، و يزوّج عثمان خيرا من ابنتك» ! فتزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حفصة، و زوّج ابنته عثمان بن عفان.

و من حديث الشعبي أن النبي عليه السلام دخل عليه عثمان فسوّى ثوبه عليه، و قال:

«كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة» .

مقتل عثمان بن عفان‏

الرياشي عن الأصمعي قال: كان القواد الذين ساروا إلى المدينة في أمر عثمان أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلويّ، و حكيم بن جبلة العبدي، و الأشتر النخعي، و عبد اللّه بن بديل الخزاعي، فقدموا المدينة فحاصروه، و حاصره معهم قوم من المهاجرين و الأنصار حتى دخلوا عليه فقتلوه و المصحف بين يديه، و هو يقرأ يوم الجمعة صبيحة النحر، و أرادوا أن يقطعوا رأسه و يذهبوا به، فرمت نفسها عليه امرأتاه: نائلة بنت الفرافصة، و[رملة]ابنة شيبة بن ربيعة، فتركوه و خرجوا.

فلما كان ليلة السبت انتدب لدفنه رجال، منهم جبير بن مطعم، و حكيم بن حزام، و أبو الجهم بن حذيفة، و عبد اللّه بن الزبير، فوضعوه على باب صغير، و خرجوا به إلى البقيع، و معهم نائلة بنت الفرافصة بيدها السراج، فلما بلغوا به البقيع منعهم من دفنه فيه رجال من بني ساعدة، فردّوه إلى حشّ كوكب، فدفنوه فيه. و صلى عليه جبير بن مطعم؛ و يقال: حكيم بن حزام؛ و دخلت القبر نائلة بنت الفرافصة، و أم البنين بنت عيينة، زوجتاه، و هما دلّتاه في القبر.

و الحش: البستان. و كان حش كوكب اشتراه عثمان، فجعله أولاده مقبرة للمسلمين.

يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد بن عيسى الدمشقي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، عن محمد بن شهاب الزهري، قال: قلت لسعيد بن المسيب: هل‏

39

أنت مخبري كيف قتل عثمان: ما كان شأن الناس و شأنه، و لم خذله أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلم؟ فقال: قتل عثمان مظلوما، و من قتله كان ظالما، و من خذله كان معذورا.

قلت: و كيف ذاك؟ قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، و كان كثيرا ما يولّي بني أمية، ممن لم يكن له من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم صحبة، و كان يجي‏ء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم؛ فلما كان في الحجج الآخرة استأمر بني عمه فخرجوا، فولاهم و أمرهم بتقوى اللّه و ولى عبد اللّه بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه و يتظلمون منه. و من قبل ذلك كانت من عثمان هناة إلى عبد اللّه بن مسعود، و أبي ذر، و عمار بن ياسر، فكانت هذيل و بنو زهرة في قلوبهم ما فيها لابن مسعود، و كانت بنو غفار و أحلافها و من غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، و كانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان بما نال عمار بن ياسر، و جاء أهل مصر يشكون من ابن سرح، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدد، فأبى ابن سرح أن يقبل ما نهاه عثمان عنه، و ضرب رجلا ممن أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل إلى المدينة، فنزلوا المسجد، و شكوا إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح؛ فقام طلحة بن عبيد اللّه فكلم عثمان بكلام شديد، و أرسلت إليه عائشة: قد تقدم إليك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و سألوك عزل هذا الرجل فأبيت أن تعزله، فهذا قد قتل منهم رجلا؛ فأنصفهم من عاملك. و دخل عليه عليّ و كان متكلّم القوم. فقال: إنما سألوك رجلا مكان رجل، و قد ادّعوا قبله دما؛ فاعزله عنهم، و اقض بينهم، و إن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم:

اختاروا رجلا أولّه عليكم مكانه. فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فقالوا:

استعمل علينا محمد بن أبي بكر. فكتب عهده و ولاّه، و أخرج معهم عدة من المهاجرين و الأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر و ابن أبي سرح، فخرج محمد و من معه؛ فلما كان

40

على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة، إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط الأرض خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك و ما شأنك؟كأنك هارب أو طالب!فقال: أنا غلام أمير المؤمنين، وجّهني إلى عامل مصر. فقالوا: هذا عامل مصر معنا. قال: ليس هذا أريد. و أخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه فأتي به؛ فقال له: غلام من أنت؟قال: فأقبل مرة يقول: غلام أمير المؤمنين، و مرة: غلام مروان؛ حتى عرفه رجل منهم أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟قال: إلى عامل مصر. قال: بما ذا؟قال: برسالة. قال: معك كتاب؟قال:

لا. ففتشوه فلم يوجد مع شي‏ء إلا إداوة (1) قد يبست فيها شي‏ء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقّوا الإداوة، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين و الأنصار و غيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه:

إذا جاءك محمد و فلان فاحتل لقتلهم، و أبطل كتابهم، و قرّ على عملك حتى يأتيك رأيي، و احتبس من جاء يتظلم منك، ليأتيك في ذلك رأيي إن شاء اللّه.

فلما قرءوا الكتاب فزعوا و عزموا على الرجوع إلى المدينة، و ختم محمد الكتاب بخواتم القوم الذين أرسلوا معه، و دفعوا الكتاب إلى رجل منهم، و قدموا المدينة، فجمعوا عليا و طلحة و الزبير و سعدا و من كان من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصة الغلام، و أقرءوهم الكتاب فلم يبق أحد في المدينة إلا حنق على عثمان، و ازداد من كان منهم غاضبا لابن مسعود و أبي ذر و عمار بن ياسر، غضبا و حنقا؛ و قام أصحاب النبي عليه السلام فلحقوا منازلهم، ما منهم أحد إلا و هو مغتمّ بما قرءوا في الكتاب، و حاصر الناس عثمان، و أجلب عليه محمّد بن أبي بكر بني تيم و غيرهم و أعانه طلحة بن عبيد اللّه على ذلك، و كانت عائشة تحرّضه كثيرا، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة و الزبير و سعد و عمار، و نفر من

____________

(1) الإداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء.

41

أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، كلّهم بدريّ؛ ثم دخل على عثمان و معه الكتاب و الغلام و البعير، و قال له عليّ: هذا الغلام غلامك؟قال: نعم. و البعير بعيرك؟قال: نعم و الخاتم خاتمك؟قال: نعم. قال: فأنت كتبت الكتاب؟قال: لا!و حلف باللّه: ما كتبت الكتاب، و لا أمرت به، و لا وجهت الغلام إلى مصر قطّ. و أما الخط فعرفوا أنه خط مروان، فشكّوا في أمر عثمان، و سألوه أن يدفع إليهم مروان؛ فأبى؛ و كان مروان عنده في الدار؛ فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا، و شكوا في أمر عثمان و علموا أنه لا يحلف باطلا، إلا أن قوما قالوا: لا نبرئ عثمان، إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نمتحنه و نعرف أمر هذا الكتاب، و كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلم بغير حق!فإن يك عثمان كتبه عزلناه، و إن يك مروان كتبه على لسانه نظرنا في أمره. و لزموا بيوتهم، و أبي عثمان أن يخرج إليهم مروان و خشي عليه القتل، و حاصر الناس عثمان و منعوه الماء؛ فأشرف عليهم؛ فقال: أ فيكم عليّ؟قالوا: لا.

قال: فيكم سعد؟قالوا: لا. فسكت ثم قال: أ لا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء؟فبلغ ذلك عليا، فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، و جرح من سببها عدة من موالي بن هاشم و بني أمية حتى وصل إليه الماء؛ فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. و قال للحسن و الحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه. و بعث الزبير ولده، و بعث طلحة ولده على كره منه، و بعث عدة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أبناءهم ليمنعوا الناس أن يدخلوا على عثمان، و سألوه إخراج مروان. و رمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه، و أصاب مروان سهم في الدار، و خضب محمد بن طلحة، و شجّ قنبر مولى عليّ، و خشي محمد بن أبي بكر أن تغضب بنو هاشم لحال الحسن و الحسين فيثيرونها فأخذ بيدي رجلين فقال لهما: إذا جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن و الحسين كشف الناس عن عثمان و بطل ما نريد، و لكن مروا بنا حتى نتسوّر (1) عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد.

____________

(1) تسوّر الحائط: أي علاه و تسلقه.

42

فتسوّر محمد بن أبي بكر و صاحباه من دار رجل من الأنصار. و يقال: من دار عمرو ابن حزم الأنصاري، و مما يدل على ذلك قول الأحوص:

لا ترثينّ لحزميّ ظفرت به # طرّا و لو طرح الحزمي في النار

الباخسين‏ (1) بمروان بذي خشب # و المدخلين على عثمان في الدار

فدخلوا عليه و ليس معه إلا امرأته نائلة بنت الفرافصة؛ و المصحف في حجره، و لا يعلم أحد ممن كان معه، لأنهم كانوا على البيوت، فتقدّم إليه محمد[ابن أبي بكر]و أخذ بلحيته. فقال له عثمان: أرسل لحيتي يا بن أخي، فلو رآك أبوك لساءه مكانك!فتراخت يده عن لحيته، و غمز الرجلين فوجآه بمشاقص‏ (2) معهما حتى قتلاه، و خرجوا هاربين من حيث دخلوا؛ و خرجت امرأته فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل! فدخل الحسن و الحسين و من كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا؛ فأكبّوا عليه يبكون.

و بلغ الخبر عليا و طلحة و الزبير و سعدا و من كان بالمدينة: فخرجوا و قد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا؛ فاسترجعوا؛ و قال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين و أنتما على الباب؟و رفع يده فلطم الحسين و ضرب صدر الحسن، و شتم محمد ابن طلحة، و لعن عبد اللّه بن الزبير؛ ثم خرج عليّ و هو غضبان، يرى أن طلحة أعان عليه، فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن و الحسين؟فقال عليك و عليهما لعنة اللّه!يقتل أمير المؤمنين و رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم بدريّ و لم تقم بينة و لا حجة؟فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال: لو دفع مروان قتل قبل أن تثبت عليه حجة!و خرج عليّ فأتى منزله؛ و جاءه القوم كلهم يهرعون إليه:

أصحاب محمد و غيرهم، يقولون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فقال: ليس ذلك إلا لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة. فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا، فقالوا: ما نرى أحدا أولى بها منك، فمدّ يدك نبايعك. فقال: أين طلحة و الزبير؟فكانا. أول من بايعه، طلحة بلسانه، و سعد بيده.

____________

(1) يقال: نخس به: هيّجه و أزعجه أو طرده.

(2) المشاقص: جمع مشقص، و هو السهم ذو النصل العريض.

43

فلما رأى ذلك عليّ خرج إلى المسجد فصعد المنبر؛ فكان أول من صعد طلحة فبايعه بيده، و كانت إصبعه شلاّء، فتطير منها عليّ، و قال: ما أخلقه أن ينكث!ثم بايعه الزبير و سعد و أصحاب النبي جميعا؛ ثم نزل، و دعا الناس، و طلب مروان فهرب منه.

و خرجت عائشة باكية تقول: قتل عثمان مظلوما!فقال لها عمار: أنت بالأمس تحرضين عليه، و اليوم تبكين عليه!و جاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟قالت: لا أدري، دخل رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، و كان معهما محمد بن أبي بكر. و أخبرته بما صنع محمد بن أبي بكر؛ فدعا عليّ بمحمد، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب؛ و قد و اللّه دخلت عليه و أنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمت و أنا تائب، و اللّه ما قتلته و لا أمسكته!فقالت امرأة عثمان:

صدق، و لكنه أدخلهما.

المعتمر عن أبيه عن الحسن، أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان، فقال له: يا ابن أخي؛ لقد قعدت مني مقعدا ما كان أبوك ليقعده! و في حديث آخر أنه قال: يا ابن أخي، لو رآك أبوك لساءه مكانك!فاسترخت يده. و خرج محمد فدخل عليه رجل و المصحف في حجره، فقال له: بيني و بينك كتاب اللّه!فخرج و تركه، ثم دخل عليه آخر، فقال: بيني و بينك كتاب اللّه!فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها؛ فقال: أما إنها أول يد خطّت المفصّل‏ (1) .

القوّاد الذين أقبلوا إلى عثمان‏

الأصمعي عن أبي عوانة قال: كان القواد الذين أقبلوا إلى عثمان: علقمة بن عثمان، و كنانة بن بشر، و حكيم بن جبلة، و الأشتر النخعي، و عبد اللّه بن بديل.

و قال أبو الحسن: لما قدم القواد قالوا لعليّ: قم معنا إلى هذا الرجل. قال: لا

____________

(1) المفصل: القرآن.

44

و اللّه لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟قال: و اللّه ما كتبت إليكم كتابا قط. قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، و خرج عليّ من المدينة.

الأعمش عن عيينة عن مسروق قال: قالت عائشة: مصتموه موص‏ (1) الإناء حتى تركتموه كالثوب الرخيض‏ (2) ، نقيّا من الدنس؛ ثم عدوتم فقتلتموه!قال مروان:

فقلت لها: هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه!فقالت: و الذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسواد في بياض، حتى جلست في مجلسي هذا.

فكانوا يرون أنه كتب على لسان عليّ، و على لسانها، كما كتب أيضا على لسان عثمان مع الأسود إلى عامل مصر؛ فكان اختلاق هذه الكتاب كلها سببا للفتنة.

و قال أبو الحسن: أقبل أهل مصر عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوى، و أهل البصرة عليهم حكيم بن جبلة العبدي، و أهل الكوفة عليهم الأشتر-و اسمه مالك بن الحارث النخعي-في أمر عثمان، حتى قدموا المدينة.

قال أبو الحسن: لما قدم وفد أهل مصر، دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا و كذا؟قال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني باللّه الذي لا إله إلا هو ما كتبت و لا أمليت و لا علمت؛ و قد يكتب الكتاب على لسان الرجل، و ينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل اللّه دمك!و حصروه في الدار، فأرسل عثمان إلى الأشتر فقال: ما يريد الناس مني؟قال: واحدة من ثلاث ليس عنها بدّ.

قال: ما هي؟قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم، فتقول: هذا أمركم فقلّدوه من شئتم؛ و إما أن تقتص من نفسك؛ فإن أبيت‏[هاتين‏]فالقوم قاتلوك. قال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللّه فتكون سنة من بعدي، كلما كره القوم إمامهم خلعوه: و أما أن أقتص من نفسي فو اللّه لقد علمت أن صاحبي بين

____________

(1) الموص: غسل لين، و الدلك باليد.

(2) الرخيض: المغسول.

45

يدي قد كانا يعاقبان، و ما يقوى بدني على القصاص؛ و أما أن تقتلوني، فلئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا، و لا تصلون بعدي جميعا أبدا.

و قال أبو الحسن: فو اللّه لن يزالوا على النوى‏ (1) جميعا و إن قلوبهم مختلفة.

و قال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان و قال: إنه لا يحل سفك دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس؛ فهل أنا في واحدة منهن؟فما وجد القوم له جوابا. ثم قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان على أحد و معه تسعة من أصحابه أنا أحدهم فتزلزل الجبل حتى همت أحجاره أن تتساقط، فقال: اسكن أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟قالوا: اللهم نعم. قال: شهدوا لي و رب الكعبة.

قال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان فقال: السلام عليكم. فما ردّ أحد عليه السلام، فقال: أيها الناس، إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القبر فضعوها فما وجد القوم له جوابا؛ ثم قال: أستغفر اللّه إن كنت ظلمت و قد غفرت إن كنت ظلمت! يحيى بن سعيد عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعا و طاعة أن يكفّ يده و يلقي سلاحه.

فألقى القوم أسلحتهم.

ابن أبي عروبة عن قتادة، أن زيد بن ثابت دخل على عثمان يوم الدار، فقال: إن هذه الأنصار بالباب و تقول: إن شئت كنا أنصار اللّه مرتين!قال: لا حاجة لي في ذلك؛ كفوا.

ابن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن نافع، أن عبد اللّه بن عمر لبس درعه و تقلد سيفه يوم الدار، فعزم عليه عثمان أن يخرج و يضع سلاحه و يكف يده، ففعل.

____________

(1) النوى: البعد.

46

محمد بن سيرين قال: قال سليط: نهانا عثمان عنهم، و لو أذن لنا عثمان فيهم لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا.

ما قالوا في قتلة عثمان‏

العتبي: قال رجل من بني ليث: لقيت الزبير قادما، فقلت: أبا عبد اللّه، ما بالك؟ قال: مطلوب مغلوب، يغلبني ابني و يطلبني ذنبي!قال: فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: أبا إسحاق، من قتل عثمان؟قال: قتله سيف سلّته عائشة، و شحذه طلحة، و سمّه علي!قلت: فما حال الزبير؟قال: أشار بيده، و صمت بلسانه.

و قالت عائشة: قتل اللّه مذمّما بسعيه على عثمان-تريد محمدا أخاها-و أهرق دم ابن بديل على ضلالته، و ساق إلى أعين بني تميم هوانا في بيته، و رمى الأشتر بسهم من سهامه لا يشوى: قال: ما منهم أحد إلا أدركته دعوة عائشة.

سفيان الثوري قال: لقي الأشتر مسروقا فقال له: أبا عائشة، مالي أراك غضبان على ربك من يوم قتل عثمان بن عفان؟لو رأيتنا يوم الدار و نحن كأصحاب عجل بني إسرائيل.

و قال سعد بن أبي وقاص لعمار بن ياسر: لقد كنت عندنا من أفاضل أصحاب محمد، حتى‏[إذا]لم يبق من عمرك إلا ظم‏ء (1) الحمار فعلت و فعلت!يعرض له بقتل عثمان، قال عمار: أي شي‏ء أحب إليك: مودة على دخل أو هجر جميل قال: هجر جميل!قال: فللّه عليّ أن لا أكلّمك أبدا! دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أبا عبد اللّه لو رأيتني يوم الجمل قد نفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي!قال لها المغيرة: وددت و اللّه أن بعضها كان قتلك!قالت يرحمك اللّه!و لم تقول هذا؟قال: لعلها تكون كفّارة في سعيك على عثمان!قالت: أما و اللّه لئن قلت ذلك لما علم اللّه أني أردت قتله، و لكن

____________

(1) الظم‏ء: ما بين الشربتين، طويلا كان او قصيرا.

47

علم اللّه أني أردت أن يقاتل فقوتلت، و أردت أن يرمى فرميت، و أردت أن يعصى فعصيت؛ و لو علم مني أني أردت قتله لقتلت.

و قال حسان بن ثابت لعلي: إنك تقول: ما قتلت عثمان و لكن خذلته، و لم آمر به و لكن لم أنه عنه. فالخاذل شريك القاتل، و الساكت شريك القائل.

أخذ هذا المعنى كعب بن جعيل التغلبي و كان مع معاوية يوم صفين، فقال في علي بن أبي طالب:

و ما في عليّ لمستحدث # مقال سوى عصمة المحدثينا

و إثاره لأهالي الذنوب # و رفع القصاص عن القاتلينا

إذا سيل عنه زوى وجهه # و عمّى الجواب على السائلينا (1)

فليس براض و لا ساخط # و لا في النهاة و لا الآمرينا

و لا هو ساه و لا سرّه # و لا آمن بعض ذا أن يكونا

و قال رجل من أهل الشام في قتلة عثمان رضي اللّه تعالى عنه:

خذلته الأنصار إذ حضر المو # ت و كانت ثقاته الأنصار

ضربوا بالبلاء فيه مع النّا # س و في ذاك للبرية عار

حرمة بالبلاء من حرمة الله # و وال من الولاة و جار

أين أهل الحياء إذ منع الما # ء فدته الأسماع و الأبصار

من عذيري من الزبير و من طلحة # هاجا أمرا له إعصار (2)

تركوا الناس دونهم عبرة العجل # فشبت وسط المدينة نار

هكذا زاغت اليهود عن الحقّ # بما زخرفت لها الأحبار

ثم وافى محمد بن أبي بكر # جهارا و خلفه عمّار

و عليّ في بيته يسأل النا # س ابتداء و عنده الأخبار!

____________

(1) زوى وجهه: صرفه و نحاه.

(2) من عذيري: من يعذرني.

48

باسطا للتي يريد يديه # و عليه سكنة و وقار

يرقب الأمر أن يزفّ إليه # بالذي سبّبت له الأقدار

قد أرى كثرة الكلام قبيحا # كل قول يشينه إكثار

و قال حسان يرثي عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه:

من سره الموت صرفا لا مزاح له # فليأت مأسدة في دار عثمانا (1)

صبرا فدى لكم أمّي و ما ولدت # قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا

لعلكم أن تروا يوما بمغيظة # خليفة اللّه فيكم كالذي كانا

إني لمنهم و إن غلبوا و إن شهدوا # ما دمت حيّا و ما سمّيت حسّانا (2)

يا ليت شعري و ليت الطّير تخبرني # ما كان شأن عليّ و ابن عفّانا

لتسمعنّ وشيكا في ديارهم # اللّه أكبر يا ثارات عثمانا

ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به # يقطّع الليل تسبيحا و قرآنا

في مقتل عثمان بن عفان‏

أبو الحسن عن مسلمة عن ابن عون قال: كان ممن نصر عثمان سبعمائة، فيهم الحسن بن علي، و عبد اللّه بن الزبير؛ و لو تركهم عثمان لضربوهم حتى يخرجوهم من أقطارها.

أبو الحسن عن جبير بن سيرين قال: دخل ابن بديل على عثمان و بيده سيف، و كانت بينهما شحناء (3) ، فضربه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها، فقال: أما إنها أول كف خطّت المفصّل.

أبو الحسن قال: يوم قتل عثمان يقال له يوم الدار. و أغلق على ثلاث من القتل:

غلام أسود كان لعثمان، و كنانة بن بشر، و عثمان.

____________

(1) المأسدة: المكان تكثر فيه الأسود و تألفه.

(2) أي إني لمنهم بري‏ء.

(3) الشحناء: الحقد و العداوة و البغضاء.

49

أبو الحسن قال: قال سلامة بن روح الخزاعي لعمرو بن العاص: كان بينكم و بين الفتنة باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟قال: أردنا أن نخرج الحق من حفيرة الباطل، و أن يكون الناس في الحق سواء.

مجالد عن الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية: أن امددني. فأمدّه بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كرز البجلي. فتلقاه الناس بقتل عثمان، فانصرف، فقال: لو دخلت المدينة و عثمان حي ما تركت بها مختلفا إلا قتلته؛ لأن الخاذل و القاتل سواء.

قيس بن رافع قال: قال زيد بن ثابت: رأيت عليّا مضطجعا في المسجد، فقلت.

أبا الحسن، إن الناس يرون أنك لو شئت رددت الناس عن عثمان. فجلس ثم قال:

و اللّه ما أمرتهم بشي‏ء و لا دخلت في شي‏ء من شأنهم. قال: فأتيت عثمان فأخبرته، فقال:

و حرّق قيس عليّ البلا # د حتى إذا اضطرمت أجذما (1)

الفضل عن كثير عن سعيد المقبري قال. لما حصروا عثمان و منعوه الماء، قال الزبير: وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مََا يَشْتَهُونَ كَمََا فُعِلَ بِأَشْيََاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ (2) ! و من حديث الزهري قال: لما قتل مسلم بن عقبة أهل المدينة يوم الحرّة، قال عبد اللّه بن عمر: بفعلهم في عثمان و ربّ الكعبة! ابن سيرين عن ابن عباس قال: لو أمطرت السماء دما لقتل عثمان لكان قليلا له! أبو سعيد مولى أبي حذيفة قال: بعث عثمان إلى أهل الكوفة: من كان يطالبني بدينار أو درهم أو لطمة فيأت يأخذ حقه أو يتصدق، فإن اللّه يجزي المتصدقين.

قال: فبكى بعض القوم، و قالوا: تصدّقنا! ابن عون عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم أشدّ على عثمان من طلحة!

____________

(1) الإجذام: الإسراع.

(2) سورة سبأ الآية 54.

50

أبو الحسن قال: كان عبد اللّه بن عباس يقول: ليغلبنّ معاوية و أصحابه عليا و أصحابه؛ لأن اللّه تعالى يقول: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنََا لِوَلِيِّهِ سُلْطََاناً (1) .

أبو الحسن قال: كان ثمامة الأنصاري عاملا لعثمان، فلما أتاه قتله بكى و قال:

اليوم انتزعت خلافة النّبوّة من أمّة محمد، و صار الملك بالسيف، فمن غلب على شي‏ء أكله.

أبو الحسن: عن أبي مخنف عن نمير بن وعلة عن الشعبي، أن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان بن عفان كتبت إلى معاوية كتابا مع النعمان بن بشير، و بعثت إليه بقميص عثمان مخضوبا بالدماء، و كان في كتابها:

«من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان؛ أما بعد، فإني أدعوكم إلى اللّه الذي أنعم عليكم، و علمكم الإسلام، و هداكم من الضلالة، و أنقذكم من الكفر و نصركم على العدوّ، و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة؛ و أنشدكم اللّه، و أذكّركم حقّه و حق خليفته أن تنصروه بعزم اللّه عليكم؛ فإنه قال: وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ (2) . و إن أمير المؤمنين بغي عليه، و لو لم يكن لعثمان عليكم إلا حقّ الولاة، [ثم أتي إليه ما أتي‏]لحقّ على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره فكيف و قد علمتم قدمه في الإسلام، و حسن بلائه، و أنه أجاب‏[داعي‏] اللّه و صدّق كتابه و اتّبع رسوله، و اللّه علم به إذ انتخبه فأعطاه شرف الدنيا و شرف الآخرة.

و إني أقص عليكم خبره؛ إني شاهدة أمره كلّه. إن أهل المدينة حصروه في داره، و يحرسونه ليلهم و نهارهم قياما على أبوابه بالسلاح، يمنعونه كل شي‏ء قدروا عليه، حتى منعوه الماء؛ فمكث هو و من معه خمسين ليلة، و أهل مصر قد أسندوا

____________

(1) سورة الاسراء الآية 33.

(2) سورة الحجرات الآية 9.

51

أمرهم إلى علي، و محمد بن أبي بكر، و عمار بن ياسر، و طلحة و الزبير، فأمروهم بقتله؛ و كان معهم من القبائل: خزاعة، و سعد بن بكر، و هذيل، و طوائف من جهينة و مزينة و أنباط يثرب؛ فهؤلاء كانوا أشدّ الناس عليه.

ثم إنه حصر فرشق بالنّبل و الحجارة، فجرح ممن كان في الدار ثلاثة نفر معه، فأتاه الناس يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال، فنهاهم و أمرهم أن يردوا إليهم نبلهم، فردّوها عليهم، فما زادهم ذلك في القتل إلا جرأة، و في الأمر إلا إغراقا؛ فحرّقوا باب الدار؛ ثم جاء[ثلاثة]نفر من أصحابه فقالوا: إن‏[في المسجد]ناسا يريدون أن يأخذوا أمر الناس بالعدل، فاخرج إلى المسجد يأتوك. فانطلق فجلس فيه ساعة و أسلحة القوم مظلة عليه من كل ناحية، فقال: ما أرى اليوم أحدا يعدل!فدخل الدار، و كان معه نفر ليس على عامتهم سلاح فلبس درعه و قال لأصحابه: لو لا أنتم ما لبست اليوم درعي. فوثب عليه القوم فكلمهم ابن الزبير، و أخذ عليهم ميثاقا في صحيفة و بعث بها إلى عثمان: عليكم عهد اللّه و ميثاقه أن لا تقربوه بسوء حتى تكلموه و تخرجوا. فوضع السلاح، و لم يكن إلا وضعه و دخل عليه القوم يقدمهم محمد ابن أبي بكر، فأخذوا بلحيته و دعوه باللقب؛ فقال: أبا عبد اللّه و خليفته عثمان.

فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، و طعنوه في صدره ثلاث طعنات، و ضربوه على مقدم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم؛ فسقطت عليه و قد أثخنوه و به حياة، و هم يريدون أن يقطعوا رأسه فيذهبوا به، فأتتني ابنة شيبة بن ربيعة فألقت بنفسها معي‏[عليه‏]، فوطئنا وطأ شديدا، و عرّينا من حلينا، و حرمة أمير المؤمنين أعظم؛ فقتلوا أمير المؤمنين في بيته مقهورا على فراشه، و قد أرسلت إليكم بثوبه عليه دمه، و إنه و اللّه إن كان أثم من قتله لما سلم من خذله، فانظروا أين أنتم من اللّه، و أنا أشتكي على ما مسنا إلى اللّه عز و جل، و أستصرخ بصالحي عباده؛ فرحم اللّه عثمان و لعن قتلته و صرعهم في الدنيا مصارع الخزي و المذلة، و شفى منهم الصدور» .

فحلف رجال من أهل الشام ألا يمسوا غسلا حتى يقتلوا عليا أو تفنى أرواحهم

52

و قال الفرزدق في قتل عثمان:

إنّ الخلافة لمّا أظعنت ظعنت # عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا (1)

صارت إلى أهلها منهم و وارثها # لما رأى اللّه في عثمان ما انتهكوا

السّافكي دمه ظلما و معصية # أيّ دم لا هدوا من غيّهم سفكوا

و قال حسان:

إن تمس دار بني عثمان خاوية # باب صريع و بيت محرق خرب‏ (2)

فقد يصادف باغي الخير حاجته # فيها و يأوي إليها المجد و الحسب

يا معشر الناس أبدوا ذات أنفسكم # لا يستوي الحقّ عند اللّه و الكذب‏

تبرؤ عليّ من دم عثمان‏

قال علي بن أبي طالب على المنبر: و اللّه لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا، و لئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا.

و أشرف عليّ من قصر له بالكوفة، فنظر إلى سفينة في دجلة فقال: و الذي أرسلها في بحره مسخرة بأمره، ما بدأت في أمر عثمان بشي‏ء، و لئن شاءت بنو أمية لأباهلنّهم‏ (3) عند الكعبة خمسين يمينا ما بدأت في حق عثمان بشي‏ء. فبلغ هذا الحديث عبد الملك بن مروان، فقال: إني لأحسبه صادقا.

و قال معبد الخزاعي: لقيت عليا بعد الجمل، فقلت له إني سائلك عن مسألة كانت منك و من عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدا إن شاء اللّه. قال: سل عما بدا لك. قلت: أخبرني، أي منزلة وسعتك إذ قتل عثمان و لم تنصره؟قال: إنّ عثمان كان إماما، و إنه نهى عن القتال و قال: من سلّ سيفه فليس مني!فلو قاتلنا دونه عصينا.

قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذ استسلم حتى قتل؟قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم،

____________

(1) ظعنت: رحلت.

(2) محرق: محروق.

(3) المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شي‏ء فيقولوا: لعنة اللّه على الظالم منا.