العقد الفريد - ج6

- ابن عبد ربه المزيد...
366 /
3

الجزء السادس‏

كتاب الدرّة الثانية في أيام العرب و وقائعهم‏

قال الفقيه ابو عمر احمد بن محمد بن عبد ربه رضي اللّه عنه: قد مضى قولنا في أخبار زياد و الحجاج و الطالبيين و البرامكة، و نحن قائلون بعون اللّه و توفيقه في أيام العرب و وقائعهم، فإنها مآثر الجاهلية، و مكارم الاخلاق السنية.

قيل لبعض أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: ما كنتم تتحدثون به اذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر و نتحدث بأخبار جاهليتنا.

و قال بعضهم: وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية: ا لا ترى ان عنترة الفوارس جاهلي لا دين له، و الحسن بن هانئ إسلامي له دين، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه، فقال عنترة في ذلك:

و أغضّ طرفي إن بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها

و قال الحسن بن هانئ مع اسلامه:

كان الشباب مطيّة الجهل # و محسّن الضّحكات و الهزل

و الباعثي و الناس قد رقدوا # حتى أتيت حليلة البعل‏ (1)

____________

(1) الحليلة: الزوجة.

4

حروب قيس في الجاهلية يوم منعج‏ (1) : لغنيّ على عبس‏

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يوم منعج يقال له يوم الرّدهة (2) ، و فيه قتل شاس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي بمنعج على الردهة، و ذلك أنّ شاس ابن زهير أقبل من عند النعمان بن المنذر، و كان قد حباه بحباء جزيل، و كان فيما حباه قطيفة (3) حمراء ذات هدب، و طيلسان و طيب. فورد منعج و هو ماء لغنيّ، فأناخ راحلته الى جانب الردهة و عليها خباء لرياح بن الأسل الغنوى، و جعل يغتسل و امرأة رياح تنظر إليه و هو مثل الثور الابيض، فانتزع‏ (4) له رياح سهما فقتله، و نحر ناقته فأكلها، و ضم متاعه، و غيّب أثره. و فقد شاس بن زهير حتى وجدوا القطيفة الحمراء بسوق عكاظ، فقد سامتها امرأة رياح بن الأسل، فعلموا أنّ رياحا صاحب ثأرهم، فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا (5) أودية، مع الحصين بن زهير بن جذيمة، و الحصين بن أسيد بن جذيمة، فلما بلغ ذلك غنيّا قالوا لرياح: انج لعلنا نصالح القوم على شي‏ء فخرج رياح رديفا لرجل من بني كلاب، لا يريان إلا أنهما قد خالفا وجهة القوم، فمرّ صرد (6) على رءوسهما فصرصر (7) ، فقال: ما هذا؟فما راعهما إلا خيل بني عبس، فقال الكلابي لرياح: انحدر من خلفي و التمس نفقا في الأرض، فإني شاغل القوم عنك. فانحدر رياح عن عجز الجمل، حتى أتى صعدة (8) فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب و ولج فيه، و مضى صاحبه، فسألوه فحدّثهم، و قال: هذه غنيّ جامعة، و قد استمكنتم منهم. فصدّقوه و خلوا سبيله، فلما ولى رأوا مركب الرجل خلفه، فقالوا: من الذي كان خلفك؟فقال: لا أكذب، رياح بن الأسل، و هو في تلك

____________

(1) منعج: واد يأخذ بين حفر أبي موسى و النباج، و يدفع في بطن فلج.

(2) الردهة: النقرة في صخرة يستنقع فيها الماء.

(3) القطيفة: كساء له أهداب.

(4) انتزع له سهما: رماه به‏

(5) القود: القصاص.

(6) الصرد: طائر اكبر من العصفور كانوا يتشاءمون به‏

(7) صرصر: صاح بصوت شديد متقطع.

(8) صعدة: مرتفع من الأرض.

5

الصّعدات. فقال الحصينان لمن معهما: قد امكننا اللّه من ثأرنا، و لا نريد أن يشركنا فيه أحد. فوقفوا عنهما، و مضيا فجعلا يريغان رياح بن الأسل بالصّعدات، فقال لهما رياح: هذا غزالكما الذي تريغانه‏ (1) . فابتدراه، فرمى أحدهما بسهم فأقصده‏ (2) ، و طعنه الآخر قبل أن يرميه فأخطأه، و مرت به الفرس، و استدبره رياح بسهم فقتله، ثم نجا حتى أتى قومه، و انصرفوا خائبين موتورين‏ (3) ، و في ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدي، و كان له أمّان من غنيّ:

أنا ابن غنّى والدي # لأمين منهم في الفروع و في الأصل

هم استودعوا زهرا بسيب بن سالم # و هم عدلوا بين الحصينين بالنّبل

و هم قتلوا شاس الملوك و أرغموا # أباه زهيرا بالمذلّة و الثّكل‏ (4)

يوم النفراوات: لبني عامر على بني عبس‏

فيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، و كانت هوازن تؤدّي إليه إتاوة، و هي الخراج، فأتته يوما عجوز من بني نصر بن معاوية بسمن في نحي‏ (5) و اعتذرت إليه و شكت سنين تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعسها (6) بقوس في يده عطل في صدرها، فاستلقت على قفاها منكشفة، فتألّى خالد بن جعفر، و قال:

و اللّه لأجعلن ذراعي في عنقه حتى يقتل أو أقتل!و كان زهير عدوسا مقداما لا يبالي ما أقدم عليه، فاستقل-أي انفرد من قومه-بابنيه و بني أخويه أسيد و زنباع، يرعى الغيث في عشراوات‏ (7) له وشول‏ (8) فأتاه الحارث بن الشّريد، و كانت تماضر بنت الشريد تحت زهير، فلما عرف الحارث مكانه أنذر بني عامر بن صعصعة، رهط خالد

____________

(1) أراغ: أراد و طلب‏

(2) أقصده: لم يخطئه‏

(3) الموتور: الذي قتل حميمه.

(4) الثكل: فقد الحبيب‏

(5) النحي: الزق‏

(6) دعسها: طعنها

(7) عشراوات: النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية.

(8) الشول: الإبل التي خف لبنها و ارتفع ضرعها

6

ابن جعفر، فركب منهم ستة فوارس، فيهم خالد بن جعفر، و صخر بن الشريد، و حندج بن البكّاء، و معاوية بن عبادة بن عقيل، فارس الهزاز، و يقال لمعاوية:

الأخيل، و هو جد ليلى الأخيلية، و ثلاثة فوارس من سائر بني عامر، فقال أسيد لزهير: أعلمتني راعية غنمي أنها رأت على رأس الثنية أشباحا، و لا أحسبها إلا خيل بني عامر، فالحق بنا بقومنا. فقال زهير: «كلّ أزبّ‏ (1) نفور» و كان أسيد أشعر القفا. فذهبت مثلا، فتحمل أسيد بمن معه، و بقي زهير و ابناه: ورقاء، و الحارث، و صبّحتهم الفوارس، فتمرّدت بزهير فرسه القعساء، و لحقه خالد و معاوية الأخيل، فطعن معاوية القعساء، فقلبت زهيرا، و خرّ خالد فوقه فرفع المغفر عن رأس زهير، و قال: يا آل عامر، أقبلوا جميعا!فأقبل معاوية فضرب زهيرا على مفرق رأسه ضربة بلغت الدّماغ، و أقبل ورقاء بن زهير فضرب خالدا و عليه درعان، فلم يغن شيئا، و أجهض‏ (2) ابنا زهير القوم عن زهير، و احتملاه و قد اثخنته الضربة، فمنعوه الماء، فقال: أميت أنا عطشا!اسقوني الماء و إن كان فيه نفسي!فسقوه فمات بعد ثلاثة ايام، فقال في ذلك ورقاء بن زهير:

رأيت زهيرا تحت كلكل خالد # فأقبلت أسعى كالعجول أبادر (3)

إلى بطلين ينهضان كلاهما # يريدان نصل السيف و السيف نادر (4)

فشلّت يميني يوم أضرب خالدا # يمنعه مني الحديد المظاهر

فيا ليت أني قبل أيام خالد # و يوم زهير لم تلدني تماضر

لعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني # فما ذا الذي ردّت عليك البشائر

و قال خالد بن جعفر في قتله زهيرا:

بل كيف تكفرني هوازن بعد ما # أعتقتهم فتوالدوا أحرارا

و قتلت ربّهم زهيرا بعد ما # جدع الأنوف و أكثر الأوتارا (5)

____________

(1) الأزب: البعير الذي يكثر شعر حاجبيه‏

(2) أجهض: نحى‏

(3) العجول: الواله التي فقدت ولدها.

(4) نادر: ساقط

(5) جدع فلانا: قطع أنفه أو أحد أطرافه.

7

و جعلت مهر بناتهم # عقل الملوك هجائنا و لكارا (1)

يوم بطن عاقل: لذبيان علي عامر

فيه قتل خالد بن جعفر ببطن عاقل‏ (2) ، و ذلك أنّ خالدا قدم الأسود بن المنذر، أخي النعمان بن المنذر، و مع خالد عروة الرّحال بن عتبة بن جعفر، فالتقى خالد بن جعفر و الحارث بن ظالم بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، عند الأسود بن المنذر، قال: فدعا لهما الأسود بتمر، فجي‏ء به على نطع‏ (3) فجعل بين أيديهم، فجعل خالد يقول للحارث بن ظالم: يا حارث، أ لا تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهيرا و تركتك سيدهم؟قال: سأجزيك شكر ذلك!فلما خرج الحرث قال الأسود لخالد: ما دعاك إلى أن تحترش بهذا الكلب و أنت ضيفي؟فقال له خالد إنما هو عبد من عبيدي، لو وجدني نائما ما أيقظني!و انصرف خالد إلى قبته، فلامه عروة الرحال، ثم ناما و قد أشرجت‏ (4) عليهما القبة، و مع الحرث تبيع له من بني محارب يقال له خراش، فلما هدأت العيون أخرج الحرث ناقته و قال لخراش: كن لي بمكان كذا، فإن طلع كوكب الصبح و لم آتك فانظر أي البلاد أحبّ إليك فاغمد لها. ثم انطلق الحرث حتى أتى قبة خالد، فهتك شرجها ثم ولجها (5) ، و قال لعروة:

اسكت فلا بأس عليك.

و زعم أبو عبيدة أنه لم يشعر به حتى أتى خالدا و هو نائم فقتله، و نادى عروة عند ذلك: وا جوار الملك!فأقبل إليه الناس، و سمع الهتاف الاسود بن المنذر و عنده امرأة من بني عامر، يقال لها المتجردة، فشقت جيبها و صرخت و في ذلك يقول عبد اللّه بن جعدة:

شقّت عليك العامريّة جيبها # أسفا و ما تبكي عليك ضلالا

____________

(1) العقل: الدية

(2) بطن عاقل: موضع على طريق حاج البصرة

(3) النطع: بساط من الجلد. كثيرا ما كان يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل.

(4) الشرج: العري‏

(5) ولج: دخل‏

8

يا حار لو نبّهته لوجدته # لا طائشا رعشا و لا معزالا (1)

و اغرورقت عيناي لما أخبرت # بالجعفريّ و أسبلت إسبالا (2)

فلنقتلنّ عيناي لما أخبرت # بالجعفريّ و أسبلت إسبالا (3)

فلنقتلنّ بخالد سرواتكم # و لنجعلن للظالمين نكالا (4)

فإذا رأيتم عارضا متهللا # منّا فإنا لا نحاول مالا (5)

يوم رحرحان‏ (6) : لعامر على تميم‏

قال: و هرب الحرث بن ظالم و نبت به البلاد فلجأ إلى معبد بن زرارة-و قد هلك زرارة-فأجاره؟فقالت بنو تميم لمعبد: مالك آويت هذا المشئوم الأنكد و أغريت بنا الاسود و خذلوه، غير بني دماويّة، و بني عبد اللّه بن دارم، و في ذلك يقول لقيط بن زرارة:

فأمّا نهشل و بنو نعيم # فلم يصبر لنا منهم صبور

فإن تعمد طهية في أمور # تجدها ثمّ ليس لها نصير (7)

و يربوع بأسفل ذي طلوع # و عمرو لا تحلّ و لا تسير (8)

أسيد و الهجيم لها حصاص # و أقوام من الجعراء عور (9)

و أسلبنا قبائل من تميم # لها عدد إذا حسبوا كثير

و أمّا الآثمان بنو عديّ # و تيم إذ تدبّرت الأمور

فلا تنعم بهم فتيان حرب # إذا ما الحيّ صبّحهم نذير

إذا ذهبت رماحهم بزيد # فإنّ رماح تيم لا تضير

____________

(1) المعزال: الذي لا سلاح معه.

(2) يقال: أسبل دمعه: إذا هطل.

(3) يقال: أسبل دمعه: إذا هطل.

(4) السروات: جمع سراة: و سراة كل شي‏ء: أعلاه.

(5) العارض: السحاب الذي يعترض في الأفق.

(6) رحرحان: اسم جبل قريب من عكاظ خلف عرفات.

(7) يقال: طها الأمر: أجاده و أحكمه.

(8) ذي طلوح: في حزن بني يربوع‏

(9) الحصاص: شدة العدو في سرعة. و الجعراء بنو العنبر بن عمرو بن تميم.

9

قال: و بلغ الأحوص بن جعفر بن كلاب، مكان الحارث بن ظالم عند معبد فأغزي معبدا، فالتقوا برحرحان، فانهزمت بنو تميم، و أسر معبد بن زرارة، أسره عامر و الطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب فوفد لقيط بن زرارة عليهم في فدائه، فقال لهما: لكما عندي مائتا بعير. فقالا: يا أبا نهشل، أنت سيد الناس و أخوك معبد سيد مضر، فلا نقبل فيه إلا دية ملك!فأبى أن يزيدهم، و قال لهم: إن أبانا أوصانا أن لا نزيد أحدا في ديته على مائتي بعير. فقال معبد للقيط: لا تدعني يا لقيط!فو اللّه لئن تركتني لا تراني بعدها أبدا!قال: صبرا أبا القعقاع، فأين وصاة أبينا ان لا تؤكلوا العرب أنفسكم و لا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم، فتذوب بكم ذؤبان العرب؟ (1) .

و رحل لقيط عن القوم، قال: فمنعوا معبد الماء و ضارّه حتى مات هزالا.

و قيل: أبي معبد أن يطعم شيئا أو يشرب حتى مات هزالا، ففي ذلك يقول عامر ابن الطفيل:

قضينا الحزن من عبس و كانت # منيّة معبد فينا هزالا

و قال جرير:

و ليلة وادي رحرحان فررتم # فرارا و لم تلووا زفيف النّعائم‏ (2)

تركتم أبا القعقاع في الغلّ مصفدا # و أيّ أخ لم تسلموا في الأداهم‏ (3)

و قال:

و برحرحان غداة كبّل معبد # نكحوا بناتكم بغير مهور

يوم شعب جبلة (4) : لعامر و عبس على ذبيان و تميم‏

قال أبو عبيدة: يوم شعب جبلة أعظم أيام العرب، و ذلك أنه لما انقضت وقعة

____________

(1) ذأب فلان: فعل فعل الذئب.

(2) الزفيف: أول عدو النعام‏

(3) الغلّ: القيد

(4) جبلة: هضبة حمراء بنجد بين الشريف و الشرف. الشريف ماء لبني نمير. و الشرف ماء لبني طالب.

10

رحرحان، جمع لقيط بن زرارة لبني عامر، و ألّب عليهم، و بين أيام رحرحان و يوم جبلة سنة كاملة.

و كان يوم شعب جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة، و هو عام ولد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و كانت بنو عبس يومئذ في بني عامر حلفاء لهم، فاستعدى لقيط بني ذبيان لعداوتهم لبني عبس من أجل حرب داحس، فأجابته غطفان كلها غير بني بدر، و تجمعت لهم تميم كلها غير بني سعد، و خرجت معه بنو أسد لحلف كان بينهم و بين غطفان، حتى أتى لقيط الجون الكلبي، و هو ملك هجر (1) ، و كان يحيى من بها من العرب، فقال له:

هل لك في قوم عادين قد ملئوا الأرض نعما و شاء فترسل معي ابنيك، فما أصبنا من مال و سبي فلهما، و ما أصبنا من دم فلي؟فأجابه الجون إلى ذلك، و جعل له موعدا رأس، الحول، ثم أتى لقيط النعمان بن المنذر فاستنجده و أطمعه في الغنائم، فأجابه، و كان لقيط وجيها عند الملوك، فلما كان على قرن الحول‏ (2) من يوم رحرحان. انهلّت الجيوش إلى لقيط، و أقبل سنان بن أبي حارثة المرّي في غطفان، و هو والد هرم بن سنان الجواد، و جاءت بنو أسد، و أرسل الجون ابنيه معاوية و عمرا، و أرسل النعمان أخاه لأمه حسان بن وبرة الكلبيّ، فلما توافوا خرجوا إلى بني عامر و قد أنذروا بهم و تأهبوا لهم، فقال الأحوص بن جعفر، و هو يومئذ رحا هوازن‏ (3) ، لقيس بن زهير: ما ترى، فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلا وجدت في أحدهما الفرج؟فقال قيس بن زهير: الرأي أن نرتجل بالعيال و الأموال حتى ندخل شعب جبلة، فنقاتل القوم دونها من وجه واحد، فإنهم داخلون عليك الشعب‏ (4) ، و إن لقيطا رجل فيه طيش، فسيقتحم عليك الجبل، فأرى لك أن تأمر بالإبل فلا ترعى و لا تسقى و تعقل‏ (5) ، ثم تجعل الذراري‏ (6) وراء ظهورنا، و تأمر

____________

(1) هجر: اسم موضع.

(2) قرن الحول: أواخر السنة

(3) رحا هوازن: سيدهم الذي يصدرون عن رأيه و ينتهون الى أمره.

(4) الشعب: الطرق.

(5) تعقل الابل: تضم رسغ كل منها الى يدها الى عضدها و يربطان معا بالعقال لتبقى باركة.

(6) الذراري: الأعالي‏

11

الرجال فتأخذ بأذناب الإبل، فإذا دخلوا علينا الشعب حلّت الرجالة عقل الإبل ثم لزمت أذنابها، فإنها تنحدر عليهم و تحن إلى مرعاها و وردها و لا يردّ وجوهها شي‏ء، و تخرج الفرسان في أثر الرجالة الذين خلف الإبل، فإنها تحطم ما لقيت، و تقبل عليهم الخيل و قد حطموا من عل! قال الاحوص: نعم ما رأيت!فأخذ برأيه، و مع بني عامر يومئذ بنو عبس و غني في بني كلاب، و باهلة في بني كعب، و الأبناء ابناء صعصعة، و كان رهط المعقر البارقي يومئذ في بني نمير بن عامر، و كانت قبائل بجيلة كلها فيهم غير قسر.

قال أبو عبيدة: و أقبل لقيط و الملوك و من معهم، فوجدوا بني عامر قد دخلوا شعب جبلة، فنزلوا على فم الشّعب، فقال لهم رجل من بني أسد: خذوا عليهم فم الشعب حتى يعطشوا و يخرجوا، فو اللّه ليتساقطنّ عليكم تساقط البعر من است البعير! فأتوا حتى دخلوا الشعب عليهم و قد عقلوا الإبل و عطشوها ثلاثة اخماس‏ (1) ، و ذلك اثنتا عشر ليلة، و لم تطعم شيئا، فلما دخلوا حلوا عقلها، فأقبلت تهوي، فسمع القوم دويّها في الشعب، فظنوا أن الشعب قد هدم عليهم، و الرجالة في أثرها آخذين بأذنابها، فدقّت كل ما لقيت، و فيها بعير أعور يتلوه غلام أعسر (2) آخذ بذنبه و هو يرتجز و يقول:

أنا الغلام الاعسر # الخير فيّ و الشرّ و الشرّ فيّ أكثر

فانهزموا لا يلوون على أحد، و قتل لقيط بن زرارة، و أسر حاجب بن زرارة أسره ذو الرّقيبة، و أسر سنان بن أبي حارثة المري أسره عروة الرحال، فجز ناصيته‏ (3)

و أطلقه فلم تشنه، و أسر عمرو بن عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق فجزّ

____________

(1) أخماس: جمع خمس، و هن من أظماء الإبل، و ذلك أن ترعى ثلاثة أيام و ترد في الرابع.

(2) الأعسر: الذي يطعن بيده اليسرى‏

(3) الناصية: شعر مقدم الرأس اذا طال‏

12

ناصيته و خلاه طمعا في المكافأة، فلم يفعل، و قتل معاوية بن الجون، و منقذ ابن طريف الأسدي، و مالك بن ربعي بن جندل بن نهشل، فقال جرير:

كأنك لم تشهد لقيطا و حاجبا # و عمرو بن عمر إذ دعا يا لدارم

و يوم الصّفا كنتم عبيدا لعامر # و بالحزن أصبحتم عبيد اللهازم‏ (1)

يعني بالحزن: يوم الوقيط.

و قال جرير أيضا في بني دارم:

و يوم الشّعب قد تركوا لقيطا # كأن عليه حلة أرجوان

و كبّل حاجب بشمام حولا # فحكّم ذا الرّقيبة و هو عان‏ (2)

و قالت دختنوس بنت لقيط ترثي لقيطا:

قزت بنو أسد و خـ # رّ الطير عن أربابها

عن خير خندف كلّها # من كهلها و شبابها

و أتمّها حسبا إذا # نصّت إلى أحسابها

و قال المعقر البارقي:

أ من آل شعثاء الحمول البواكر # مع الصّبح أم زالت قبيل الأباعر

و حلّت سليمى في هضاب و أيكة # فليس عليها يوم ذلك قادر

و ألقت عصاها و استقرت بها النّوى # كما قرّ عينا إذا بالإياب المسافر (3)

و صبّحها أملاكها بكتيبة # عليها إذا أمست من اللّه ناظر

معاوية بن الجون ذبيان حوله # و حسّان في جمع الرّباب مكاثر

و قد زحفت دودان تبغي لثأرها # و جاشت تميم كالفحول تخاطر

و قد جمعوا جمعا كأنّ زهاءه # جراد هفا في هبوة متطاير (4)

فمروا بأطناب البيوت فردّهم # رجال بأطناب البيوت مساعر (5)

____________

(1) اللهازم: لقب بني تيم الله بن ثعلبة.

(2) شمام: جبل لباهلة.

(3) النوى: البعد

(4) الهبوة: الغبرة.

(5) مساعر: جمع مسعر. و هو الشديد الطويل.

13

فباتوا لنا ضيفا و بتنا بنعمة # لنا مسمعات بالدّفوف و زامر

فلم نقرهم شيئا و لكن قراهم # صبوح لدينا مطلع الشّمس حازر (1)

و صبّحهم عند الشروق كتائب # كأركان سلمى سيرها متواتر

كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم # و أعينهم تحت الحبيك خوازر (2)

من الضاربين الهام يمشون مقدما # إذا غصّ بالرّيق القليل الحناجر

أظنّ سراة القوم أن لن يقاتلوا # إذا دعيت بالسفح عبس و عامر

ضربنا حببك البيض في غمر لجّة # فلم ينج في الناجين منهم مفاخر

هوى زهدم تحت العجاج لعامر # كما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسر (3)

يفرّج عنا كلّ ثغر نخافه # مسحّ كسرحان القصيمة ضامر (4)

و كل طموح في العنان كأنها # إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر (5)

لها ناهض في الوكر قد مهدت له # كما مهدت للبعل حسناء عاقر (6)

تخاف نساء يبتززن حليلها # محرّبة قد أحردتها الضّرائر (7)

استعار هذا البيت «فألقت عصاها» من المعقر البارقي. إذ كان مثلا في الناس- راشد بن عبد ربه السّلمى، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة و الحرب، و وجه راشد ابن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم و القضاء، فقال راشد بن عبد ربه:

صحا القلب عن سلمى و أقصر شأوه # و ردّت عليه تبتغيه تمّاضر (8)

____________

(1) حازر: الحامض من اللبن.

(2) يقال خزرت العين: اذا صغرت و ضاقت خلقة.

(3) أقتم الريش: أسوده. و الكاسر: الذي يكسر جناحيه و يضمهما اذا أراد السقوط

(4) المسح: الفرس الجواد السريع. و القصيمة: رملة تنبت الغضا.

(5) الفتخاء الكاسر: العقاب. و الفتخ: اللين في المفاصل و غيرها

(6) الناهض: الفرخ الذي وقر جناحاه متى استقل للنهوض‏

(7) محربة: شديدة الغضب‏

(8) الشأو: الشوط، أو الأمد و الغاية

14

و حلمه شيب القذال عن الصّبا # و للشيب عن بعض الغواية زاجر (1)

فأقصر جهلي اليوم و أرتدّ باطلي # عن اللهو لمّا ابيضّ مني الغدائر

على أنه قد هاجه بعد صحوة # بمعرض ذي الآجام عس بواكر (2)

و لما دنت من جانب الغوط أخصبت # و حلّت فلاقاها سليم و عامر

و خبّرها الركبان أن ليس بينها # و بين قرى بصرى و نجران كافر

فألقت عصاها و استقرّت بها النّوى # كما قرّ عينا بالإياب المسافر (3)

فاستعار هذا البيت الأخير من المعقر البارقي، و لا أحسبه استجاز ذلك إلا لاستعمال العامة له و تمثلهم به.

يوم مقتل الحارق بن ظالم بالخربة (4)

قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابي، أتى صديقا له من كندة فالتف عليه، فطلبه الملك فخفى ذكره حتى شخص من عند الكندي، و أضمرته‏ (5) البلاد حتى استجار بزياد أحد بني عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة و بنو عمرو بن شيبان فقالوا لعجل: أخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم، فإنه لا طاقة لنا بالشهباء و دوسر-و هما كتيبتان للأسود بن المنذر-و لا بمحاربة الملك فأبت ذلك عليهم عجل، فلما رأى ذلك الحارث بن ظالم كره أن تقع بينهم فتنة بسببه، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طي‏ء، فأجاروه، فقال في ذلك:

لعمري لقد حلّت بي اليوم ناقتي # على ناصر من طيّى‏ء غير خاذل

فأصبحت جارا للمجرّة فيهم # على باذخ يعلو يد المتطاول‏ (6)

إذا أجا لفّت عليّ شعابها # و سلمى فأنّى أنتم من تناولي‏ (7)

____________

(1) القذال: جماع مؤخر الرأس‏

(2) العيس: الإبل‏

(3) الإياب: العودة و الرجوع.

(4) الخربة: مما يلي ضربة

(5) أضمرته: أهزلته و أضعفته‏

(6) المجرّة: مجموعة كبيرة من النجوم.

(7) أجأ و سلمى: جبلان عن يسار سميراء و بينهما سير ليلتين.

15

فمكث عندهم حينا، ثم إن الاسود بن المنذر لما اعجزه أمره أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم، فاستاقهنّ و أموالهن، فبلغ ذلك الحارث بن ظالم، فخرج من الحين فاندس الحارث بن ظالم في الناس حتى علم مكان جاراته و مرعى إبلهنّ، فأتاهنّ فاستنقذهنّ و استاق إبلهنّ، فألحقهنّ بقومهنّ، و اندس في بلاد غطفان، حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري-و هو ابو هرم الذي كان يمدحه زهير-و كان الاسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان و هي من بني غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان و هو في ناحية الشربة (1) ، لا يعلم سنان ما يريد، و أتى بالسرج امرأة سنان و قال لها: يقول لك بعلك ابعثي ابنك مع الحارث، فإني أريد أن استأمن له الملك، و هذا سرجه آية ذلك. قال: فزيّنته سلمى و رفعته إليه فأتى به ناحية من الشربة فقتله، و قال في ذلك:

أ خصيي حمار بات يكدم نجمة # أتوكل جاراتي و جارك سالم‏ (2)

علوت بذي الحيّات مفرق رأسه # و لا يركب المكروه إلا الأكارم‏ (3)

فتكت به كما فتكت بخالد # و كان سلاحي تجتويه الجماجم‏ (4)

بدأت بذاك و انثنيت بهذه # و ثالثة تبيضّ منها المقادم‏

قال: و هرب الحارث من فوره ذلك، و هرب سنان بن أبي حارثة، فلما بلغ الاسود قتل ابنه شرحبيل، غزا بني ذبيان، فقتل و سبي و أخذ الأموال، و أغار على بني دودان رهط سلمى التي كان شرحبيل في حجرها، فقتلهم و سباهم فنشط لذلك، قال:

فوجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في ناحية الشربة عند بني محارب بن خصفة، فغزاهم الملك، ثم أسرهن، ثم أحمى الصفا (5) ، و قال: إني أحذيكم نعالا فأمشاهم على ذلك الصفا، فتساقطت أقدامهم، ثم إن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري، احتمل للاسود

____________

(1) الشّربة: موضع بين السلسلة و الربذة.

(2) النجمة: واحدة النجم، و هو من النبات ما لا ساق له.

(3) ذو الحيات: اسم سيف الحارث.

(4) تجتويه: لا يوافقها

(5) الصفا: جمع الصفاة، و هو الحجر العريض الأملس.

16

دية ابنه ألف بعير، و هي دية الملوك، و رهنه بها قوسه فوفاه بها، فقال في ذلك:

و نحن رهنّا القوس ثمّت فوديت # بألف على ظهر الفزاري أقرعا (1)

بعشر مئين للملوك وفى بها # ليحمد سيّار بن عمرو فأسرعا

فكان هذا قبل قوس حاجب، فقال في ذلك أيضا:

هل وجدتم حاملا كحاملي # إذا رهن القوس بألف كامل

بدية ابن الملك الحلاحل # فافتكّها من قبل عام قابل

سيّار الموفي بها ذو النائل‏

و هرب الحارث فلحق بمعبد بن زارة فاستجار به فأجاره، و كان من سيبه وقعة رحرحان التي تقدّم ذكرها، ثم هرب الحارث حتى لحق بمكة و قريش، لأنه يقال إن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، إنما هو مرة بن عوف بن لؤي بن غالب، فتوسل اليهم بهذه القرابة، و قال في ذلك:

إذا فارقت ثعلبة بن سعد # و إخوتهم نسبت إلى لؤيّ

إلى نسب كريم غير دغل # و حيّ من أكارم كلّ حيّ‏ (2)

فإن يك منهم أصلي فمنهم # قرابين الإله بنو قصيّ‏

فقالوا: هذه رحم كرشاء (3) إذا استغنيتم عنها لن يتركم‏ (4) . قال: فشخص الحارث عنهم غضبان. و قال في ذلك:

ألا لستم منا و لا نحن منكم # برئنا إليكم من لؤيّ بن غالب

غدونا على نشز الحجاز و أنتم # بمنشعب البطحاء بين الاخاشب‏ (5)

و توجه الحارث بن ظالم إلى الشام، فلحق بيزيد بن عمرو الغساني فأجاره و أكرمه،

____________

(1) ألف أقرع: أي تام.

(2) الدغل: عيب في الأمر يفسده‏

(3) كرشاء: بعيدة

(4) لن يتركم: أي لن ينقصكم ذلك‏

(5) النشز: المرتفع من الأرض. و البطحاء: بطحاء مكة و الأخاشب: جبال مكة و جبال منى.

17

و كان ليزيد ناقة محماة (1) ، في عنقها مدية و زنادة و صرّة ملح، و إنما كان يمتحن بها رعيته لينظر من يجترئ عليه، فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما في وحمها، فانطلق الحارث إلى ناقة الملك فانتحرها، و أتاها بشحمها، و فقدت الناقة، فأرسل الملك إلى الحمس التغلبي و كان كاهنا، فسأله عن الناقة، فأخبره أن الحارث صاحبها، فهم الملك به، ثم تذمّم‏ (2) من ذلك، و أوجس الحارث في نفسه شرا فأتى الخمس التغلبي فقتله. فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: أيها الملك إنك قد أجرتني فلا تغدرنّ بي!فقال الملك: لا ضير، إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا!و أمر ابن الخمس فقتله، و أخذ ابن الخمس سيف الحارث فأتى به عكاظ في الاشهر الحرم، فأراه قيس بن زهير العبسي، فضربه قيس فقتله، و قال يرثي الحارث بن ظالم:

و ما قصرت من حاضن ستر بيتها # أبرّ و أوفى منك حار بن ظالم‏ (3)

اعزّ و أحمى عند جار و ذمّة # و أضرب في كاب من النّقع قاتم‏ (4)

حرب داحس و الغبراء: و هي من حروب قيس‏

قال ابو عبيدة: حرب داحس و الغبراء بين عبس و ذبيان ابني بغيض بن ريث بن غطفان، و كان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير، و حمل بن بدر، تراهنا على داحس و الغبراء أيهما يكون له السبق، و كان داحس فحلا لقيس بن زهير، و الغبراء حجرا (5) لحمل بن بدر، و تواضعا الرهان على مائة بعير، و جعلا منتهى الغاية مائة غلوة (6) ، و الإضمار (7) أربعين ليلة، ثم قادوهما إلى رأس الميدان بعد أن أضمروهما

____________

(1) محماة: محمية

(2) تزمم: استنكف‏

(3) قصرت الستر: أرخته‏

(4) النقع: الغبار الساطع‏

(5) الحجر: الفرس‏

(6) الغلوة: مقدار رمية بسهم.

(7) الاضمار: أن تشد على الخيل سروجها و تجعل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها و يشتد لحمها و يحمل عليها غلمان خفاف، يجرونها و لا يعنقون بها، فاذا فعل ذلك أمن عليها البهر الشديد عند حضرها و لم يقطعها الشدّ.

18

أربعين ليلة، و في طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانا على طريق الفرسين، و أمرهم إن جاء داحس سابقا يردّوا وجهه عن الغاية.

قال: فأرسلوهما فأحضرا (1) ، فلما أحضرا خرجت الانثى من الفحل، فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس!فقال قيس: رويدا يعدوان الجدد (2) إلى الوعث و ترشح أعطاف الفحل. قال: فلما أوغلا في الجدد و خرجا إلى الوعث، برز داحس عن الغبراء، فقال قيس: جري المذكيات‏ (3) غلاء (4) . فذهبت مثلا، فلما شارف داحس الغاية و دنا من الفتية، وثبوا في وجه داحس فردّوه عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس ابن زهير:

و ما لا لاقيت من حمل بدر # و إخوته على ذات الإصاد (5)

هم فخروا عليّ بغير فخر # وردوا دون غايته جوادي‏

و ثارت الحرب بين عبس و ذبيان ابني بغيض، فبقيت أربعين سنة لم تنتج لهم ناقة و لا فرس، لاشتغالهم بالحرب، فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حق السبق، فقال قيس: كلا لا مطلتك به. ثم أخذ الرمح فطعنه به فدق صلبه، و رجعت فرسه عارية، فاجتمع الناس فاحتملوا دية مالك مائة عشراء- و زعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده-فقبضها حذيفة، و سكن الناس.

ثم ان مالك بن زهير نزل اللّقاطة (6) من أرض الشربة، فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله. ففي ذلك يقول عنترة الفوارس:

فلله عينا من رأى مثل مالك # عقيرة قوم أن جرى فرسان‏ (7)

____________

(1) الإحضار: ارتفاع الفرس في عدوه.

(2) الجدد: قضاء لا نبت فيه، و الوعث السهل الكثير الدهس تغيب فيه الأقدام.

(3) المذكيات من الخيل: التي قد أتى عليها بعد تروحها سنة أو سنتان.

(4) غلاء: جمع غلوة: أي أن جريها يكون غلوات، أي مغالبة

(5) الإصاد: الماء الذي لطم عليه داحس.

(6) اللقاطة: الموضع الذي قتل فيه مالك بن زهير

(7) العقيرة: الرجل الشريف يقتل‏

19

فليتهما لم يجريا قيد غلوة # و ليتهما لم يرسلا لرهان‏

فقالت بنو عبس: مالك بن زهير بمالك بن حذيفة، و ردوا علينا مالنا. فأبى حذيفة أن يرد شيئا، و كان الربيع بن زياد مجاورا لبني فزارة، و لم يكن في العرب مثله و مثل إخوته، و كان يقال لهم: الكملة، و كان مشاحنا (1) لقيس بن زهير من سبب درع لقيس غلبه عليها الربيع بين زياد، فاطرد قيس لبونا لبني زياد فأتى بها مكة، فعاوض بها عبد اللّه بن جدعان بسلاح، و في ذلك يقول قيس بن زهير:

أ لم يبلغك و الأنباء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد

و محبسها على القرشيّ تشرى # بأدراع و أسياف حداد

و كنت إذا بليت بخصم سوء # دلفت له بداهية نآد (2)

و لما قتل مالك بن زهير، قامت بنو غزارة يسألون و يقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه!فقال الربيع: ما هذا الوحي؟قالوا: قتلنا مالك بن زهير. قال: بئس ما فعلتم بقومكم، قبلتم الدية ثم رضيتم بها و غدرتم!قالوا: لو لا أنك جارنا لقتلناك! و كانت خفرة (3) الجار ثلاثا: فقالوا له: بعد ثلاث ليال اخرج عنا. فخرج و اتبعوه، فلم يلحقوه حتى لحق بقومه، و أتاه قيس بن زهير فعاقده، و في ذلك يقول الربيع:

فإن تك حربكم أمست عوانا # فإني لم أكن ممن جناها (4)

و لكن ولد سودة أرّثوها # و حشوا نارها لمن اصطلاها (5)

فإني غير خاذلكم و لكن # سأسعى الآن إذ بلغت مداها

ثم نهضت بنو عبس و حلفاؤهم بنو عبد اللّه بن غطفان إلى بني فزارة و ذبيان، و رئيسهم الربيع بن زياد، و رئيس بن فزارة حذيفة بن بدر.

____________

(1) المشاحن: الحاقد

(2) النآد: الداهية

(3) أي اذا أجاره و منعه و أمنه‏

(4) العوان: هي من الحروب التي قوتل فيها مرة

(5) ولد سودة: هم بني بدر بن عمرو

20

يوم المريقب: لبني عبس على فزارة

فالتقوا بذي المريقب من أرض الشّربّة فاقتتلوا، فكانت الشوكة في بني فزارة، قتل منهم عوف بن زيد بن عمرو بن أبي الحصين، أحد بني عدي بن فزارة، و ضمضم أبو الحصين المرّي، قتله عنترة الفوارس، و نفر كثير ممن لا يعرف اسماؤهم، فبلغ عنترة أن حصينا و هرما ابني ضمضم يشتمانه و يوعدانه، فقال في قصيدته التي أوّلها:

هل غادر الشعراء من متردّم # أم هل عرفت الدار بعد توهّم‏ (1)

يا دار عبلة بالجواء تكلّمي # و عمي صباحا دار عبلة و اسلمي‏ (2)

و لقد خشيت بأن أموت و لم تدر # للحرب دائرة على ابني ضمضم‏ (3)

الشاتمي عرضي و لم أشتمهما # و النّاذرين إذا لم القهما دمي

إن يفعلا فلقد تركت أباهما # جزر السّباع و كلّ نسر قشعم‏ (4)

لمّا رآني قد نزلت أريده # أبدى نواجذه لغير تبسّم‏ (5)

و في هذه الوقعة يقول عنترة الفوارس:

فلتعلمنّ إذ التقت فرساننا # يوم المريقب أنّ ظنّك أحمق‏

يوم ذي حسى: لذبيان على عبس‏

ثم إن ذبيان تجمعت لما أصابت منهم يوم المريقب فزارة بن ذبيان و مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان و أحلافهم، فنزلوا فتوافوا بذي حسى-و هو وادي الصفا من أرض الشربة و بينها و بين قطن‏ (6) ثلاث ليال، و بينها و بين اليعمريّة (7) ليلة.

____________

(1) المتردم: الذي يتعقب و يطلع على ما فيه فلان من الناس‏

(2) الجواء: واد في ديار عبس و أسد

(3) هما حصين و هرم ابني ضمضم‏

(4) جزر السباع: قطعا. و القشعم: الكبير من النسور

(5) النواجذ: الأضراس‏

(6) قطن: موضع من أرض الشربة

(7) اليعمرية: ماء بواد من بطن نخلة من الشربة

21

فهربت بنو عبس، و خافت أن لا تقوم بجماعة بني ذبيان، و اتبعوهم حتى لحقوهم، فقالوا: التفاني أو تقيدونا (1) . فأشار قيس بن زهير على الربيع بن زياد أن لا يناجزوهم، و أن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا في أمرهم، فتراضوا أن تكون رهنهم عند سبيع بن عمرو، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فدفعوا إليه ثمانية من الصبيان و انصرفوا و تكافّ الناس، و كان رأي الربيع مناجزتهم‏ (2) فصرفه قيس عن ذلك، فقال الربيع:

أقول و لم أملك لقيس نصيحة # فقد حشّ جاني الحرب نارا تضرّم‏ (3)

فمكث رهنهم عند سبيع بن عمرو حتى حضرته الوفاة، فقال لابنه مالك بن سبيع: إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت حفظت هؤلاء الأغيلمة، فكأني بك لو متّ أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر (4) لك عينيه و قال: هلك سيدنا!ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا تشرف بعدها أبدا، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم. فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك و خدعه حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمرية، فجعل يبرز كل يوم غلاما فينصبه غرضا، و يقول: ناد أباك!فينادي أباه حتى يقتله.

يوم اليعمرية: لعبس على ذبيان‏

فلما بلغ ذلك من فعل حذيفة بني عبس أتوهم باليعمريّة، فلقوهم بالحرّة-حرة اليعمرية-فقتلوا منهم اثني عشر رجلا، منهم مالك بن سبيع الذي رمى بالغلمة إلى حذيفة، و أخوه يزيد بن سبيع، و عامر بن لوذان، و الحرث بن زيد، و هرم بن ضمضم أخو حصين. و يقال ليوم اليعمرية: يوم نفر، لأن بينهما أقل من نصف يوم.

____________

(1) تقيدونا: أي تعطونا القاتل نقتله بمن قتل‏

(2) المناجزة: المقاتلة و المحاربة

(3) حش النار: اسعرها

(4) عصر عينيه: يقال عصر الشي‏ء: اذا استخرج ما فيه من دهن أو ماء و نحوه‏

22

يوم الهباءة: لعبس على ذبيان‏

ثم اجتمعوا فالتقوا في يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة (1) ، و اقتتلوا من بكرة حتى انتصف النهار، و حجز الحرّ بينهم، و كان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس، إن حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة (2) مستنقع في جفر الهباءة فعليكم بها. فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف، فرس حذيفة، و الحنفاء، فرس حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير: هذا اثر الحنفاء و صارف، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة. فبصر بهم حمل بن بدر، فقال لهم: من أبغض الناس إليكم أن يقف على رءوسكم؟قالوا: قيس بن زهير، و الربيع بن زياد، فقال:

هذا قيس بن زهير قد أتاكم فلم ينقض كلامه حتى وقف قيس و أصحابه على جعفر الهباءة، و قيس يقول: لبيكم لبيكم!يعني إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون!و في حذيفة و حمل ابنا بدر و مالك بن بدر، و ورقاء بن خلال من بني ثعلبة ابن سعد، و حنس بن وهب، فوقف عليهم شدّدا بن معاوية العبسي، و هو فارس جروة، و جروة فرسه، و لها يقول:

و من يك سائلا عني فإني # و جروة كالشّجا تحت الوريد (3)

أقوّتها بقوتي إن شتونا # و ألحفها ردائي في الجليد

فحال بينهم و بين خيليهم، ثم توافت فرسان بني عبس، فقال حمل: ناشدتك اللّه و الرحم يا قيس!فقال: لبيكم لبيكم!فعرف حذيفة أنه لن يدعهم، فانتهر حملا و قال: إياك و المأثور من الكلام!فذهبت مثلا، و قال لقيس: لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها!فقال قيس: أبعدها اللّه و لا أصلحها!و جاءه قراوش بمعبلة (4) فقصم صلبه، و ابتدره الحارث بن زهير و عمرو بن الأسلع، فضرباه بسيفهما حتى ذفّفا (5)

____________

(1) جفر الهباءة: مستنقع في بلاد غطفان‏

(2) الوديقة: حرّ نصف النهار

(3) الشجا: ما اعترض و نشب في الحلق من عظم أو نحوه‏

(4) المعبلة: نصل طويل عريض‏

(5) ذفّف عليه: أجهز عليه‏

23

عليه، و قتل الربيع بن زياد حمل بدر، فقال قيس بن زهير يرثيه:

تعلّم أنّ خير الناس ميت # على جفر الهباءة ما يريم

و لو لا ظلمه ما زلت أبكي # عليه الدهر ما طلع النّجوم

و لكن الفتّى حمل بن بدر # بغى و البغي مرتعه و خيم‏ (1)

أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي # و قد يستضعف الرجل الحليم

و مارست الرجال و مارسوني # فمعوج عليّ و مستقيم‏

و مثّلوا بحذيفة بن بدر كما مثّل هو بالغلمة، فقطعوا مذاكيره و جعلوها في فيه، و جعلوا لسانه في استه، و فيه يقول قائلهم:

فإن قتيلا بالهباءة في استه # صحيفته إن عاد للظلم ظالم

متى تقرؤها تهدكم عن ضلالكم # و تعرف إذا ما فضّ عنها الخواتم‏

و قال في ذلك عقيل بن علّفة المزي:

و يوقد عوف للعشيرة ناره # فهلاّ على جفر الهباءة أوقدا

فإنّ على جفر الهباءة هامة # تنادي بني بدر و عارا مخلّدا (2)

و إنّ أبا ورد حذيفة مثفر # بأير على جفر الهباءة أسودا (3)

و قال الربيع بن قعنب:

خلق المخازي غير أنّ بذي حسى # لبني فزارة خزية لا تخلق‏ (4)

تبيان ذلك أنّ في است أبيهم # شنعاء من صحف المخازي تبرق‏

و قال عمر بن الاسلع:

إن السماء و ان الارض شاهدة # و اللّه يشهد و الانسان و البلد

____________

(1) و خيم: لا تحمد عقباه‏

(2) كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لم يدرك بثأره تصير هامة فتزقو عند قبره تقول: اسقوني اسقوني. فاذا ادرك بثأره طارت‏

(3) مثغر بأير: أي قد احتشي به‏

(4) ذو حسى: واد بأرض الشربة من ديار عبس و ذبيان‏

24

أنّي جزيت بني بدر بسعيهم # على الهباءة قتلا ما له قود (1)

لمّا التقينا على أرجاء جمّتها # و المشرفيّة في أيماننا تقد (2)

علوته بحسام ثم قلت له # خذها إليك فأنت السيد الصمد (3)

فلما اصيب أهل الهباءة و استعظمت غطفان قتل حذيفة، تجمعوا، و عرفت بنو عبس أن ليس لهم مقام بأرض غطفان، فخرجوا إلى اليمامة فنزلوا بأخوالهم بني حنيفة، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببني سعد بن زيد بن مناة.

يوم الفروق‏

ثم ان بني سعد غدروا بجوارهم فأتوا معاوية بن الجون فاستجاشوه‏ (4) و أرادوا أكلهم، فبلغ ذلك بني عبس، ففرّوا ليلا، و قدّموا ظعنهم‏ (5) ، و وقف فرسانهم بموضع يقال له الفروق‏ (6) ، و أغارت بنو سعد و من معهم من جنود الملك على محلتهم، فلم يجدوا إلا مواقد النيران، فاتبعوهم حتى أتوا الفروق، فإذا بالخيل و الفرسان و قد توارت الظعن عنهم، فانصرفوا عنهم، و مضى بنو عبس فنزلوا ببني ضبة فأقاموا فيهم، و كان بنو جذيمة من بني عبس يسمّون بني رواحة، و بني بدر بن فزارة يسمون بني سودة، ثم رجعوا إلى قومهم فصالحوهم.

و كان أوّل من سعى في الحمالة حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرة، فمات، فسعى فيها هاشم بن حرملة ابنه، و له يقول الشاعر:

أحيا أباه هاشم بن حرملة # يوم الهباتين و يوم اليعمله

____________

(1) القود: القصاص‏

(2) الجمة: الماء. يريد مستنقع الهباءة

(3) الصمد: المقصود لقضاء الحاجات‏

(4) استجاشوه: طلبوا منه جيشا

(5) ظعنهم: النساء ما بقين في الهوادج‏

(6) الفروق: عقبة دون هجر الى نجد

25

ترى الملوك حوله مرعبله # يقتل ذا الذّنب و من لا ذنب له‏ (1)

يوم قطن‏

فلما توافوا للصلح، وقفت بنو عبس بقطن، و أقبل حصين بن ضمضم، فلقي تيحان أحد بني مخزوم بن مالك فقتله بأبيه ضمضم، و كان عنترة بن شدّاد قتله بذي المريقب، فأشارت بنو عبس و حلفاؤهم بنو عبد اللّه بن غطفان، و قالوا: لا نصالحكم ما بلّ البحر صوفة (2) ، و قد غدرتم بنا غير مرة. و تناهض القوم: عبس و ذبيان، فالتقوا بقطن‏ (3) ، فقتل يومئذ عمرو بن الأسلع عيينة، ثم سفرت‏ (4) السفراء بينهم، و أتى خارجة بن سنان أبا تيحان بابنه فدفعه إليه، فقال: في هذا وفاء من ابنك! فأخذه فكان عنده أياما، ثم حمل خارجة لأبي تيحان مائة بغير قادها إليه، و اصطلحوا و تعاقدوا.

يوم غدير قلهى‏

قال أبو عبيدة: فاصطلح الحيان، إلا بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فإنهم أبوا ذلك و قالوا: لا نرضى حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها فخرجوا من قطن حتى وردوا غدير قلهى، فسبقهم بنو عبس إلى الماء، فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشا و دوابّهم، فأصلح بينهم عوف و معقل ابنا سبيع من بني ثعلبة، و إياهما يعني زهير بقوله:

تداركتما عبسا و ذبيان بعد ما # تفانوا و دقّوا بينهم عطر منشم‏ (5)

فوردوا حربا و أخرجوا عنه سلما.

تم حرب داحس و الغبراء.

____________

(1) مرعبلة: ممزقة

(2) صوف البحر: شي‏ء على شكل الصوف الحيواني. واحدته: صوفة

(3) قطن: موضع من أرض الشربة

(4) سفرت: أصلحت‏

(5) منشم: امرأة كانت تنتجع العرب و تبيعهم عطرها، فأغار عليها قوم من العرب‏

26

يوم الرقم: لغطفان على بني عامر

غزت بنو عامر فأغاروا على بلاد غطفان بالرّقم‏ (1) -و هو ماء لبني مرة-و على بني عامر: عامر بن الطفيل-و يقال يزيد بن الصعق-فركب عيينة بن حصن في بني فزارة، و يزيد بن سنان في بني مرة-و يقال الحارث بن عوف-فانهزمت بنو عامر، و جعل يقاتل عامر بن الطفيل و يقول: يا لقيس لا تقتلي تموتي!فزعمت بنو غطفان أنهم أصابوا من بني عامر يومئذ أربعة و ثمانين رجلا، فدفعوهم إلى أهل بيت من أشجع كانت بنو عامر قد أصابوا فيهم، فقتلوهم أجمعين، و انهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه، فيهم جراب بن كعب، حتى انتهوا إلى ماء يقال له المروزات، فقطع العطش اعناقهم فماتوا، و خنق نفسه الحكم بن الطفيل تحت شجرة مخافة المثلة (2) ، و قال في ذلك عروة بن الورد:

عجبت لهم لم يخنقون نفوسهم # و مقتلهم تحت الوغي كان أجدرا

يوم النتأة: لعبس على بني عامر

خرجت بنو عامر تريد أن تدرك بثأرها يوم الرقم، فجمعوا على بني عبس بالنّتاءة و قد أنذروا بهم، فالتقوا و على بني عامر: عامر بن الطفيل، و على بني عبس:

الربيع بن زياد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت بنو عامر، و قتل منهم صفوان بن مرة. قتلة الأحنف بن مالك، و نهشل بن عبيدة بن جعفر، قتله أبو زغبة بن حارث، و عبد اللّه بن أنس بن خالد، و طعن ضبيعة بن الحارث عامر بن الطفيل فلم يضرّه و نجا عامر، و هزمت بنو عامر هزيمة قبيحة، فقال خراشة بن عمرو العبسي:

و ساروا على أظمائهم و تواعدوا # مياها تحامتها تميم و عامر (3)

____________

(1) الرقم: جبال دون مكة بديار غطفان، و ماء عندها أيضا.

(2) المثلة: العقوبة و التنكيل‏

(3) الأظماء: جمع الظم‏ء: و هو ما بين الشربتين و الوردين‏

27

كأن لم يكن بين الذناب و واسط # إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر (1)

أ لا أبلغا عني خليلي عامرا # أ تنسى سعاد اليوم أم أنت ذاكر

و صدّتك أطراف الرماح عن الهوى # وردت أمورا ليس فيها مصادر

و غادرت هزّان الرئيس و نهشلا # فللّه عينا عامر من يغادر (2)

و أسلت عبد اللّه لما عرفتهم # و نجّاك وثّاب الجراميز ضامر (3)

قذفتهم في اليمّ ثم خذلتهم # فلا و وألت نفس عليك (4)

و قال أبو عبيدة: إن عامر بن الطفيل هو الذي طعن ضبيعة بن الحارث ثم نجا من طعنته، و قال في ذلك:

فإن تنج منها يا ضبيع فإنني # و جدّك لم أعقل عليك التمائما (5)

يوم شواحط (6) : لبني محارب على بني عامر

غزت سرية من بني عامر بن صعصعة بلاد غطفان، فأغارت على إبل لبني محارب ابن خصفة، فأدركهم الطلب، فقتلوا من بني كلاب سبعة و ارتدوا إبلهم، فلما رجعوا من عندهم وثب بنو كلاب على جسر، و هم من بني محارب كانوا حاربوا إخوتهم فخرجوا عنهم و حالفوا بني عامر بن صعصعة-فقالوا: نقتلهم بقتل بني محارب من قتلوا منا. فقام خداش بن زهير دونهم حتى منعهم من ذلك، و قال:

أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن # عقيلا و أبلغ إن لقيت أبا بكر

فيا أخوينا من أبينا و أمّنا # إلكم إليكم لا سبيل إلى حشر

دعوا جانبي إني سأترك جانبا # لكم واسعا بين اليمامة و القهر (7)

____________

(1) الذناب: واد لبني مرة بن عوف كثير النخل غزير الماء. و ذو الأراكة: نخل بموضع من اليمامة لبني عجل.

(2) هزان: هو ابن مرة بن أنس.

(3) الجراميز: القوائم و الجسد.

(4) اليم: البحر. و وألت: نجت و لجأت الى حمى و موئل‏

(5) التمام: جمع تميمة: و هي خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس و العين بزعمهم.

(6) شواحط: جبل مشهور قرب المدينة

(7) القهر: أسافل الحجاز مما يلي نجدا من قبل الطائف‏

28

أنا فارس الضحياء عمرو بن عامر # أبى الذّمّ و اختار الوفاء على الغدر (1)

يوم حوزة (2) الأول: لسليم على غطفان‏

قال أبو عبيدة: كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد و بين هاشم بن حرملة أحد بني مرة بن غطفان، كلام بعكاظ، فقال معاوية: لوددت و اللّه أني قد سمعت بظعائن‏ (3) يندبنك!فقال هاشم: و اللّه لوددت أني قد ترّبت الرطبة-و هي جمة (4)

معاوية، و كانت الدهر تنظف ماء و دهنا و إن لم تدهن-فلما كان بعد[حين‏]تهيأ معاوية ليغزو هاشما، فنهاه أخوه صخر فقال: كأني بك إن غزوتهم علق بجمتك حسك العرفط (5) . فقال: فأبى معاوية و غزاهم يوم حوزة فرآه هاشم بن حرملة قبل أن يراه معاوية، و كان هاشم ناقها من مرض أصابه، فقال لأخيه دريد بن حرملة:

إن هذا إن رآني لم آمن أن يشدّ عليّ. و أنا حديث عهد بشكيّة (6) ، فاستطرد له دوني حتى تجعله بيني و بينك. ففعل، فحمل عليه معاوية و أردفه هاشم فاختلفا طعنتين، فأردى معاوية هاشما عن فرسه الشماء، و أنفذ هاشم سنانه من عانة معاوية. قال: و كرّ عليه دريد فظنه قد أردى هاشما، فضرب معاوية بالسيف فقتله، و شد خفاف بن عمير على مالك بن حارث الفزاري قال: و عادت الشماء فرس هاشم حتى دخلت في جيش بني سليم فأخذوها و ظنوها فرس الفزاري الذي قتله خفاف، و رجع الجيش حتى دنوا من صخر أخي معاوية، فقالوا: أنعم صباحا أبا حسان!قال: حيّيتم بذلك، ما صنع معاوية؟قالوا: قتل!قال: فما هذه الفرس؟قالوا: قتلنا صاحبها!قال: إذا قد أدركتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة.

قال: فلما دخل رجب، ركب صخر بن عمرو الشماء صبيحة يوم حرام، فأتى بني

____________

(1) الضحياء: فرس عمرو بن عامر جدّ خداش‏

(2) حوزة: واد بالحجاز

(3) ظعائن: جمع ظعينة، و هي المرأة ما دامت في الهودج‏

(4) الجمة: مجتمع شعر الرأس‏

(5) العرفط: شجر من العضاة

(6) الشكية: البقية من الشي‏ء، أو ما يشتكى منه‏

29

مرة، فلما رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيّوه و قولوا له خيرا. و هاشم مريض من الطعنة التي طعنه معاوية، فقال: من قتل أخي؟فسكتوا، فقال: لمن هذه الفرس التي تحتي؟فسكتوا، فقال هاشم: هلمّ أبا حسّان إلى من يخبرك!قال: من قتل أخي؟ فقال هاشم: إذا أصبتني أو دريدا فقد أصبت ثأرك!قال فهل كفنتموه؟قال: نعم، في بردين: أحدهما بخمس و عشرين بكرة (1) . قال: فأروني قبره. فأروه إياه، فلما رأى القبر جزع عنده، ثم قال: كأنكم قد أنكرتم ما رأيتم من جزعي، فو اللّه ما بتّ منذ عقلت إلا واترا أو موتورا، أو طالبا أو مطلوبا، حتى قتل معاوية، فما ذقت طعم نوم بعده!

يوم حوزة الثاني‏

قال: ثم غزاهم صخر، فلما دنا منهم مضى على الشماء، و كانت غراء محجّلة (2) ، فسوّد غرتها و تحجيلها، فرأته بنت لهاشم، فقالت لعمها دريد: أين الشماء؟قال: هي في بني سليم، قالت: ما أشبهها بهذه الفرس!فاستوى جالسا فقال: هذه فرس بهيم، و الشماء غراء محجلة. و عاد فاضطجع، فلم يشعر حتى طعنه صخر. قال: فثاروا و تناذروا، و ولى صخر و طلبته غطفان عامة يومها، و عارض دونه أبو شجرة ابو عبد العزى، و كانت أمه خنساء أخت صخر، و صخر خاله، فردّ الخيل عنه حتى أراح فرسه و نجا إلى قومه، فقال خفاف بن ندبة لما قتل معاوية: قتلني اللّه إن برحت من مكاني حتى أثأر به فشد على مالك سيد بني جمح فقتله، فقال في ذلك:

فإن تك خيلي قد أصيب صميمها # فعمدا على عين تيمّمت مالكا (3)

نصبت له علوى و قد خان صحبتي # لأبني مجدا او لأثأر هالكا (4)

____________

(1) البكرة: الفتية من الابل‏

(2) محجلة: التي يكون البياض منها في موضع الخلاخيل و القيود

(3) يقال: فعلت ذلك على عين أو عمد عين، أي بجد و يقين‏

(4) علوى: فرس خفاف بن عمير

30

أقول له و الرمح يأطر متنه # تأمّل خفافا، إنني أنا ذلكا (1)

و قال صخر يرثي معاوية، و كان قال له قومه: اهج بني مرة!فقال: ما بيننا أجلّ من القذع‏[و لو لم أمسك عن سبّهم إلا صيانة للساني عن الخنا (2) لفعلت!ثم خاف أن يظنّ به عيّ‏]و أنشأ يقول:

و عاذلة هبّت بليل # ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا

تقول أ لا تهجو فوارس هاشم # و ما لي أن أهجوهم ثم ماليا

أبى الذّمّ أني قد أصابوا كريمتي # و أن ليس إهداء الخنا من شماليا

إذا ما امرؤ أهدى لميت تحيّة # فحياك ربّ الناس عني معاويا

و هوّن و جدي أنني لم أقل له # كذبت، و لم أبخل عليه بماليا

و ذي إخوة قطعت أقران بينهم # كما تركوني واحدا لا أخاليا (3)

و قال في قتل دريد:

و لقد دفعت إلى دريد طعنة # نجلاء توغر مثل غطّ المنخر (4)

و لقد قتلتكم ثناء و موحدا # و تركت مرّة مثل أمس الدابر (5)

قال أبو عبيدة: و أما هاشم بن حرملة فإنه خرج منتجعا فلقيه عمرو بن قيس الجشمي فتبعه و قال: هذا قاتل معاوية، لا وألت نفسي إن وأل (6) !فلما نزل هاشم كمن له عمرو بن قيس بين الشجر، حتى إذا دنا منه أرسل عليه معبلة (7) ففلق قحفه فقتله، و قال في ذلك:

لقد قتلت هاشم بن حرملة # إذ الملوك حوله مغربله

يقتل ذا الذّنب و من لا ذنب له‏

____________

(1) يأطر: يثني و يعطف‏

(2) الخنا: الفحش في الكلام‏

(3) أقران بينهم: وصل بينهم. و الأقران: الحبال‏

(4) توغر: تصوت في حلبة

(5) ثناء: اي اثنين اثنين‏

(6) الوأل: الموئل: مستقر السيل. و وأل: لجأ و خلص‏

(7) المعبلة: نصل طويل عريض‏

31

يوم ذات الأثل‏ (1)

قال أبو عبيدة: ثم غزا صخر بن عمرو بن الشريد بن أسد بن خزيمة و اكتسح إبلهم، فاتى الصريخ بن أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة بن ثور الأسدي صخرا في جنبه، و فات القوم بالغنيمة، و جوى‏ (2) صخر من الطعنة، فكان مريضا قريبا من الحول. حتى مله أهله، فسمع امرأة من جاراته تسأل سلمى امرأته كيف بعلك؟قالت: لا حيّ فيرجى، و لا ميّت فينسى، لقد لقينا منه الأمرين!و كانت تسأل أمّه: كيف صخر؟فتقول: أرجو له العافية إن شاء اللّه!فقال في ذلك:

أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتي # و ملّت سليمي مضجعي و مكاني

فأيّ امرئ ساوى بأم حليلة # فلا عاش إلا في شقا و هوان‏ (3)

و ما كنت أخشى أن أكون جنازة # عليك و من يغترّ بالحدثان

لعمري لقد نبّهت من كان نائما # و أسمعت من كانت له أذنان

أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه # و قد حيل بين العير و النّزوان‏ (4)

فلما طال عليه البلاء و قد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع الطعنة، قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ. فقال: شأنكم!فقطعوها فمات، فقالت الخنساء أخته ترثيه:

فما بال عيني ما بالها # لقد أخضل الدمع سر بالها

أ من بعد صخر من آل الشريد # حلّت به الأرض أثقالها (5)

فآليت أبكي على هالك # و أسأل نائحة ما لها

هممت بنفسي كلّ الهموم # فأولى لنفسي أولى لها

لأحمل نفسي على آلة # فإمّا عليها و إمّا لها (6)

____________

(1) ذات الأثل: موضع في بلاد تيم اللّه بن ثعلبة

(2) الجوى: تطاول المرض‏

(3) الحليلة: الزوجة

(4) النزوان: السّودة و الحدّة

(5) الأثقال: أجساد بني آدم‏

(6) الآلة: الشدة و الخطة و الحالة

32

و قالت ترثيه:

و قائلة و النّفس قد فات خطوها # لتدركه: يا لهف نفسي على صخر!

ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به # إلى القبر، ما ذا يحملون إلى القبر!

يوم عدنية: هو يوم ملحان‏ (1)

قال أبو عبيدة: هذا اليوم قبل ذات الأثل، و ذلك أن صخرا غزا بقومه و ترك الحيّ خلوا، فأغارت عليهم غطفان، فثارت إليهم غلمانهم و من كان تخلف منهم، فقتل من غطفان نفر و انهزم الباقون، فقال في ذلك صخر:

جزى اللّه خيرا قومنا إذ دعاهم # بعدنيّة الحي الخلوف المصبح‏ (2)

و غلماننا كانوا أسود خفيّة # و حقّ علينا أن يثابوا و يمدحوا

هم نفّروا أقرانهم بمضرّس # و سعر و ذادوا الجيش حتى تزحزحوا (3)

كأنهم إذ يطردون عشيّة # بقنّة ملحان نعام مروّح‏

يوم اللوى‏ (4) : لغطفان على هوازن‏

قال أبو عبيدة: غزا عبد اللّه بن الصمة-و اسم الصمة: معاوية الأصغر-من بني غزيّة بن جثم بن معاوية بن بكر بن هوازن-و كان لعبد اللّه ثلاثة اسماء و ثلاث كنى، فاسمه: عبد اللّه، و خالد، و معبد، و كنيته: أبو فرغان، و أبو دفاقة و أبو وفاء، و هو أخو دريد بن الصمة لأبيه و أمه-فأغار على غطفان، فأصاب منهم إبلا عظيمة فاطّردها، فقال له أخوه دريد: النجباء فقد ظفرت. فأبى عليه و قال: لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي-و النقيعة: ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاما لأصحابه، و يقسم ما أصاب على أصحابه فأقام و عصى أخاه، فتبعته فزارة فقاتلوه، و هو بمكان

____________

(1) ملحان: جبل في ديار بني سليم بالحجاز

(2) الخلوف: الذي تغيّر و فسد

(3) المضرس: المنجذ الذي حارب و قاتل. و سعر: رمى بلهيب الموت‏

(4) اللوى: واد من أودية بني سليم‏

33

يقال له اللوى، فقتل عبد اللّه، و ارتثّ‏ (1) دريد فبقي في القتلى فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: أني أرى عينيه تبصّ‏ (2) ، فانزل فانظر إلى سبّته‏ (3) . فنزل فكشف ثوبه فإذا هي ترمّز (4) فطعنه، فخرج دم قد كان احتقن.

قال دريد: فأفقت عندها، فلما جاوزوني نهضت. قال: فما شعرت إلا و أنا عند عرقوب‏ (5) جمل امرأة من هوازن، فقالت: من أنت؟أعوذ باللّه من شرك!قلت:

لا، بل من انت؟ويلك!قالت: امرأة من هوازن سيارة. قلت: و أنا من هوازن، و أنا دريد بن الصمّة. قال: و كانت في قوم مجتازين لا يشعرون بالوقعة، فضمته و عالجته حتى أفاق.

فقال دريد يرثي عبد اللّه أخاه، و يذكر عصيانه له و عصيان قومه، بقوله:

أعاذل إنّ الرّزء في مثل خالد # و لا رزء فيما أهلك المرء عن يد (6)

و قلت لعارض و أصحاب عارض # و رهط بني السّوداء و القوم شهدي‏ (7)

علانية ظنّوا بألفي مدجّج # سراتهم في الفارسيّ المسرّد (8)

أمرتهم أمري بمنقطع اللّوى # فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم و قد أرى # غوايتهم أو أنّني غير مهتد

و ما أنا إلا من غزيّة إن غوت # غويت و إن ترشد غزية أرشد (9)

فإن تعقب الأيام و الدهر تعلموا # بني غالب أنا غضاب لمعبد

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا # فقلت أعبد اللّه ذلكم الرّدي

____________

(1) ارتث: أي حمل جريحا ضعيفا و قد أثخنته الجراح‏

(2) تبصّ: تبرق و تلمع‏

(3) السّبة: الاست‏

(4) ترمز: تضطرب‏

(5) العرقوب من الدابة: ما يكون في رجلها بمنزلة الركبة في يدها

(6) الرزء: المصيبة

(7) بنو السوداء: أصحاب أخيه عبد اللّه. و شهدي: شهودي‏

(8) ظنوا: أي أيقنوا. و الفارسي المسرّد: الدروع المتتابعة الحلق في نسجها

(9) غزية: قبيلة من هوازن، و هم رهط دريد بن الصمة

34

فإن يك عبد اللّه خلّى مكانه # فما كان وقّافا و لا طائش اليد

و لا برما إذ ما الرياح تناوحت # برطب العضاه و الضّريع المعضّد (1)

كميش الإزار خارج نصف ساقه # صبور على الضّرّاء طلاّع أنجد (2)

قليل التّشكي للمصائب حافظ # من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

و هوّن وجدي أنني لم أقل له # كذبت و لم أبخل بما ملكت يدي‏

أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: خرج دريد بن الصمة في فوارس من بني جشم حتى إذا كانوا في واد لبني كنانة يقال له الأخرم‏ (3) ، و هم يريدون الغارة على بني كنانة إذ رفع له رجل في ناحية الوادي معه طعينة، فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه:

صح به: خلّ عن الظعينة (4) و انج بنفسك، فانتهى إليه الفارس و صاح به و ألحّ عليه فألقى زمام الناقة و قال للظعينة:

سيري على رسلك سير الآمن # سير رداح ذات جأش ساكن‏ (5)

إنّ انثنائي دون قرني شائني # أبلى بلائي و اخبري و عايني‏

ثم حمل عليه فصرعه و أخذ فرسه فأعطاه للظعينة، فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلما انتهى إليه و رأى ما صنع، صاح به فتصامم‏ (6) عنه كأن لم يسمع، فظن أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظعينة، ثم خرج و هو يقول:

خلّ سبيل الحرّة المنيعة # إنك لاق دونها ربيعة

في كفّه خطّيّة مطيعه # أولا فخذها طعنة سريعه‏ (7)

و الطعن مني في الوغى شريعه‏

____________

(1) البرم: الضجر. و المعضد: المكسر

(2) كميش: الازار: أي مشمر مجد

(3) الأخرم: جبل في طرف الدهناء

(4) الظعينة: المرأة ما دامت في الهودج‏

(5) الرداح: العجزاء الثقيلة الأوراك التامة الخلق‏

(6) تصامم: تصرّف كالأصم‏

(7) خطية: ضرب من الرماح‏

35

ثم حمل عليه فصرعه، فلما أبطئا على دريد بعث فارسا لينظر ما صنعا، فلما انتهى اليهما وجدهما صريعين، و نظر إليه يقود ظعينته و يجر رمحه، فقال له الفارس: خلّ عن الظعينة!فقال للظعينة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:

ما ذا تريد من شتيم عابس # أ لم تر الفارس بعد الفارس‏ (1)

أردهما عامل رمح يابس‏

ثم حمل عليه فصرعه، و انكسر رمحه.

و ارتاب دريد، و ظنّ أنهم قد أخذوا الظعينة و قتلوا الرجل، فلحق دريد ربيعة و قد دنا من الحي، و وجد اصحابه قد قتلوا: فقال: أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل، و لا أرى معك رمحك، و الخيل ثائرة بأصحابها[و أراك حديث السنّ‏]فدونك هذا الرمح، فإني منصرف إلى أصحابي فمثبّطهم عنك.

فانصرف إلى اصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها و قتل اصحابكم و انتزع رمحي، و لا مطمع لكم فيه!فانصرف القوم، و قال دريد في ذلك:

ما إن رأيت و لا سمعت بمثله # حامي الظّعينة فارسا لم يقتل

أردى فوارس لم يكونوا نهزة # ثم استمرّ كأنه لم يفعل‏ (2)

متهلّلا تبدو أسرّة وجهه # مثل الحسام جلته كفّ الصّيقل‏ (3)

يزجي ظعينته و يسحب رمحه # متوجّها يمناه نحو المنزل

و ترى الفوارس من مهابة رمحه # مثل البغاث خشين وقع الأجدل‏ (4)

يا ليت شعري من أبوه و أمّه # يا صاح من يك مثله لا يجهل‏

و قال ابن مكدم:

____________

(1) الشتيم: الأسد العابس‏

(2) النهزة: الشي‏ء الذي هو لك معرض كالغنيمة

(3) الصيقل: الذي يصقل السيوف و يشحذها

(4) البغاث من الطير: ألأمها و شرارها. و الأجدل: الصقر

36

إن كان ينفعك اليقين فسائلي # عن الظّعينة يوم وادي الأخرم‏ (1)

إذ هي لأوّل من أتاها نهزة # لو لا طعان ربيعة بن مكدّم

إذ قال لي أدنى الفوارس منهم # خلّ الظّعينة طائعا لا تندم

فصرفت راحلة الظعينة نحوه # عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم

و هتكت بالرّمح الطويل إهابه # فهوى صريعا لليدين و للفم

و منحت آخر بعده جيّاشة # نجلاء فاغرة كشدق الأضجم‏ (2)

و لقد شفعتهما بآخر ثالث # و أبى الفرار عن العداة تكرّمي‏

ثم لم يلبث بنو كنانة[رهط ربيعة بن مكدّم‏]أن أغارت على بني جشم [رهط دريد]، فقتلوا[و أسروا و غنموا]، و أسروا دريد بن الصّمة، فأخفى نسبه، فبينما هو عندهم محبوس، إذ جاءت نسوة يتهادين‏ (3) إليه، فصاحت إحداهن فقالت:

هلكتم و أهلكتم، ما ذا جرّ علينا قومنا؟هذا و اللّه الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة!ثم ألقت عليه ثوبها، و قالت يا آل فراس أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي!فسألوه: من هو؟فقال أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟قالوا: قتلته بنو سليم!قال: فا فعلت الظعينة؟قالت المرأة: أنا هي، و أنا امرأته!فحبسه القوم و آمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغي لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا!و قال الآخرون لا و اللّه لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره، فانبعثت المرأة في الليل-و هي ريطة بنت جزل الطعان -فقالت:

سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة # و كلّ امرئ يجزى بما كان قدّما

فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه # و إن كان شرّا كان شرّا مذمّما

سنجزه نعمى لم تكن بصغيرة # بإهدائه الرّمح الطويل المقوّما (4)

____________

(1) الأخرم: جبل في طرف الدهناء

(2) جياشة: أي تتدنق بالدم. و نجلاء: واسعة و الأضجم: الذي في فمه عوج و ميل‏

(3) تهادى: تمايل في مشيه‏

(4) المقوّم: الذي لا اعوجاج فيه‏

37

فلا تكفروه حقّ نعماه فيكم # و لا تركبوا تلك التي تملأ الفما (1)

فإن كان حيّا لم يضق بثوابه # ذراعا، غنيّا كان أو كان معدما

ففكّوا دريدا من إسار مخارق # و لا تجعلوا البؤسى إلى الشرّ سلّما

فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته و جهزته و لحق بقومه، فلم يزل كافّا عن حرب بني فراس حتى هلك.

يوم الصلعاء (2) : لهوازن على غطفان‏

فلما كان في العام المقبل غزاهم دريد بن الصمّة بالصّلعاء، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه: ما ترى؟قال أرى خيلا عليها رجال كأنهم الصبيان، أسنتها عند آذان خيلها. قال: هذه فزارة. ثم قال: انظر ما ترى؟قال: أرى قوما كأنّ عليهم ثيابا غمست في الجاديّ‏ (3) . قال: هذه اشجع. ثم قال انظرهما ترى؟قال:

أرى قوما يهزون رماحهم، سودا، يخدّون‏ (4) الأرض بأقدامهم. قال: هذه عبس، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا!فالتقوا بالصلعاء، فكان الظفر لهوازن على غطفان و قتل دريد ذو أب بن أسماء بن زيد بن قارب.

حرب قيس و كنانة يوم الكديد (5) : لسليم على كنانة

فيه قتل ربيعة بن مكدّم فارس كنانة، و هو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، و هم أنجد العرب، و كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، و فيهم يقول علي بن أبي طالب لأهل الكوفة: وددت و اللّه أن لي بجميعكم و أنتم مائة ألف ثلاثمائة من بني فراس بن غنم.

____________

(1) التي تملأ الفما: أي تجعلكم حديث الناس‏

(2) الصلعاء: رابية في ديار بني غطفان‏

(3) الجاديّ: الزعفران‏

(4) يخدّ الأرض: يحفرها

(5) الكديد: موضع على اثنين و اربعين ميلا من مكة

38

و كان ربيعة بن مكدم يعقر (1) على قبره في الجاهلية: و لم يعقر على قبر أحد غيره، و مرّ به حسان بن ثابت و قتلته بنو سليم يوم الكديد، و لم يحضر يوم الكديد أحد من بني الشريد.

يوم برزة (2) : لكنانة على سليم‏

قال ابو عبيدة: لما قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدم فارس كنانة و رجعوا، أقاموا ما شاء اللّه، ثم إن ذا التاج، مالك بن خالد بن صخر بن و اسم الشريد عمرو، و كانت بنو سليم قد توّجوا مالكا و أمّروه عليهم-فغزا بني كنانة، فأغار على بني فراس ببرزة، و رئيس بني فراس عبد اللّه بن جذل، فدعا عبد اللّه إلى البراز، فبرز اليه هند ابن خالد بن صخر بن الشريد، فقال له عبد اللّه: من أنت؟قال: أنا هند بن خالد بن صخر، فقال عبد اللّه: أخوك أسنّ منك. يريد مالك بن خالد، فرجع فأحضر أخاه، فبرز له، فجعل عبد اللّه بن جذل يرتجز و يقول:

ادنوا بني قرف # إذا الموت كنع‏ (3)

لا أستغيث بالجزع‏

ثم شدّ على مالك بن خالد فقتله، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر، فشدّ عليه عبد اللّه بن جذل فقتله أيضا، فشدّ عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد، فتخالفا طعنتين، فجرح كلّ واحد منهما صاحبه و تحاجزا، و كان عمرو قد نهى أخاه مالكا عن غزو بني فراس، فعصاه و انصرف للغزو عنهم، فقال عبد اللّه بن جذل:

تجنّبت هندا رغبة عن قتاله # إلى مالك أعشو إلى ضوء مالك‏ (4)

فأيقنت أني ثائر بابن مكدم # غداة إذ أو هالك في الهوالك‏

____________

(1) عقر الحيوان: ذبحه‏

(2) برزة: شعبة تدفع على بئر الرويثة العذبة

(3) القرف: الوسخ الذي ينتج عن اللبن. و الكنع: ما يوضع في فم السقاء و الزق‏

(4) أعشو: أقصد

39

فأنفذته بالرّمح حين طعنته # معانقة ليست بطعنة باتك‏ (1)

و أثني لكرز في الغبار بطعنة # علت جلده منها بأحمر عاتك‏ (2)

قتلنا سليما غثّها و سمينها # فصبرا سليم قد صبرنا لذلك

فإن تك نسواني بكين فقد بكت # كما قد بكت أمّ لكرز و مالك‏

و قال عبد اللّه بن جذل أيضا:

قتلنا مالكا فبكوا عليه # و هل يغني من الجزع البكاء؟

و كرزا قد تركناه صريعا # تسيل على ترائبه الدّماء (3)

فإن تجزع لذاك بنو سليم # فقد-و أبيهم-غلب العزاء

فصبرا يا سليم كما صبرنا # و ما فيكم لواحدنا كفاء (4)

فلا تبعد ربيعة من نديم # أخو الهلاّك إن ذمّ الشّتاء

و كم من غارة و رعيل خيل # تداركها و قد حمس اللقاء (5)

يوم الفيفاء (6) : لسليم على كنانة

قال أبو عبيدة: ثم إن بني الشريد حرّموا على أنفسهم النساء و الدهن‏ (7) ، حتى يدركوا بثأرهم من بني كنانة، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد بقومه حتى أغار على بني فراس، فقتل منهم نفرا، منهم عاصم بن المعلى، و فضلة، و المعارك، و عمرو بن مالك، و حصن، و شريح، و سبى سبيا فيهم ابنة مكدم أخت ربيعة بن مكدم، فقال عباس بن مرداس في ذلك يردّ على ابن جذل في كلمته التي قالها يوم برزة:

ألا أبلغا عني ابن جذل و رهطه # فكيف طلبناكم بكرز و مالك؟ (8)

____________

(1) الباتك: القاطع من السيوف‏

(2) أحمر عاتك: شديد الحمرة، يريد الدم‏

(3) الترائب: عظام الصدر

(4) كفاء: أي كفؤ

(5) الرعيل: القطعة من الخيل. و حمس: صلب و اشتد

(6) الفيفاء: الصحراء الملساء

(7) الدهن: يريد التطيب‏

(8) الرهط: الجماعة

40

غداة فجعناكم بحصن و بابنه # و بابن المعلّى عاصم و المعارك

ثمانية منهم ثأرناهم به # جميعا و ما كانوا بواء بمالك‏ (1)

نذيقكم و الموت يبني سرداقا # عليكم، شبا حدّ السّيوف البواتك‏ (2)

تلوح بأيدينا كما لاح بارق # تلألأ في داج من الليل حالك

صبحناكم العوج العناجيج بالضّحى # تمرّ بنا مرّ الرّياح السّواهك‏ (3)

إذا خرجت من هبوة بعد هبوة # سمت نحو ملتفّ من الموت شائك‏

و قال هند بن خالد بن صخر بن الشريد:

قتلت بمالك عمرا و حصنا # و خلّيت القتام على الخدود (4)

و كرزا قد أبأت به شريحا # على أثر الفوارس بالكديد (5)

جزيناهم بما انتهكوا و زدنا # عليه ما وجدنا من مزيد

جلبنا من جنوب العود جردا # كطير الماء غلّس للورد (6)

قال: فلما ذكر هند بن خالد يوم الكديد و افتخر به، و لم يشهده أحد من بني الشريد، غضب من ذلك نبيشة بن حبيب، فأنشأ يقول:

تبخّل صنعنا في كلّ يوم # كمخضوب البنان و لا يصيد

و تأكل ما يعاف الكلب منه # و تزعم أن والدك الشّريد

أبى لي أن أقرّ الضّيم قيس # و صاحبه المزور به الكديد (7)

____________

(1) البواء: الكف‏ء

(2) شبا: علا

(3) العوج: الخيل. و العنجوج: الرائع من الخيل. و السواهك من الرياح: الشديدة المرور

(4) القتام: الغبار الأسود.

(5) أبأت به: قتلت به‏

(6) غلس: ورد الماء أول ما ينفجر الصبح‏

(7) الكديد: موضع على اثنين و اربعين ميلا من مكة

41

حرب قيس و تميم يوم السوبان‏ (1) : لبني عامر على بني تميم‏

قال أبو عبيدة: أغارت بنو عامر على بني تميم و ضبة فاقتتلوا، و رئيس ضبة حسان ابن وبرة، و هو أخو النعمان لأمّه، فأسره يزيد بن الصعق، و انهزمت تميم، فلما رأى ذلك عامر بن مالك بن جعفر، حسده، فشدّ على ضرار بن عمرو الضّبي، و هو الرديم، فقال لابنه إذ همّ: أغنه عني. فشدّ عليه فطعنه، فتحوّل عن سرجه إلى جنب أبدائه‏ (2) ، ثم لحقه، فقال لأحد بنيه: أغنه عني. ففعل مثل ذلك، ثم لحقه، فقال لابن له آخر: أغنه عني. ففعل مثل ذلك، فقال: ما هذا إلا ملاعب الأسنّة، فسمّي عامر من يومئذ ملاعب الأسنة، فلما دنا منه قال له ضرار: إني لأعلم ما تريد، أ تريد اللبن؟ قال: نعم!قال: إنك لن تصل إليّ و من هؤلاء عين تطرف، كلهم بنيّ. قال له عامر:

فأحلني عن غيرك. فدلّه على حبيش بن الدلف، و قال: عليك بذلك الفارس. فشدّ عليه فأسره، فلما رأى سواده، و قصره، جعل يتفكر، و خاف ابن الدلف ان يقتله، فقال: أ لست تريد اللبن؟قال: بلى. قال: فأنى لك به. و نادى حسان بن وبرة نفسه من يزيد بن الصعق بألف بعير فداء الملوك، فكثر مال يزيد و بما، ثم أغار بعد ذلك يزيد بن الصعق على عصافير النعمان‏ (3) بذي ليان، و ذو ليان: عن يمين القريتين‏ (4) .

يوم أقرن‏ (5) : لبني عبس على بني دارم‏

غزا عمرو بن عمرو بن عدس من بني دارم و هو فارس بني مالك بن حنظلة، فأغار على بني عبس و أخذ إبلا و شاء ثم أقبل، حتى إذا كان أسفل من ثنية أقرن، نزل فابتنى بجارية من السبي، و لحقه الطلب فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس ابن زياد

____________

(1) السوبان: واد في ديار العرب‏

(2) الأبداء: المفاصل‏

(3) عصافير النعمام: نجائب كانت له‏

(4) القريتان: قريبة من النباج في طريق مكة من البصرة

(5) أقرن: اسم موضع‏

42

العبسي عمرا، و انهزمت بنو مالك بن حنظلة، و قتلت بنو عبس أيضا حنظلة بن عمرو-و قال بعضهم: قتل في غير هذا اليوم-و ارتدّوا ما كان في أيدي بني مالك، فنعى ذلك جرير على بني دارم، فقال:

هل تذكرون لدى ثنيّة أقرن # أنس الفوارس حين يهوي الأسلع‏ (1)

و كان عمرو أسلع، أي أبرص. و كان لسماعة بن عمرو، خال من بني عبس، فزاره يوما فقتله بأبيه عمرو.

يوم المرّوت‏ (2) : لبني العنبر على بني قشير

أغار بحير بن سلمة بن قشير على بني العنبر بن عمرو بن تميم، فاتبعوه حتى لحقوه و قد نزل المروت و هو يقسم المرباع‏ (3) و يعطى من معه، فتلاحق القوم و اقتتلوا، فطعن قعنب بن عتاب الهيثم بن عامر القشيري فصرعه فأسره، و حمل الكدام-و هو يزيد بن أزهر المازني-على بحير بن سلمة فطعنه فأرداه عن فرسه، ثم نزل إليه فأسره، فأبصره قعنب بن عتاب، فحمل عليه بالسيف فضربه فقتله، فانهزم بنو عامر و قتل رجالهم، فقال يزيد بن الصّعق يرثي بحيرا:

أ واردة عليّ بنو رياح # بفخرهم و قد قتلوا بحيرا؟

فأجابته العوراء من بني سليط بن يربوع:

قعيدك يا يزيد أبا قبيس # أ تنذر كي تلاقينا النّذورا (4)

و توضع تخبر الرّكبان أنّا # وجدنا في مراس الحرب خورا (5)

أ لم تعلم قعيدك يا يزيد # بأنا نقمع الشيخ الفخورا

و نفقأ ناظريه و لا نبالي # و نجعل فوق هامته الدرورا

____________

(1) الثنيّة: الطريق‏

(2) المروت: نهر، و قيل واديا لعالية

(3) المرباع: ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية

(4) قعيدك: أي قعيدك اللّه‏

(5) توضع: من الإيضاع و هو السير بين القوم‏

43

فأبلغ إن عرضت بني كلاب # فإنّا نحن أقعصنا بحيرا (1)

و ضرّجنا عبيدة بالعوالي # فأصبح موثقا فينا أسيرا

أفخرا في الخلاء بغير فخر # و عند الحرب خوّارا ضجورا

يوم دارة مأسل‏ (2) : لتميم بني قيس‏

غزا عتبة بن شتير بن خالد الكلابي بني ضبة، فاستاق نعمهم، و قتل حصين بن ضرار الضبي، أبا زيد الفوارس، فجمع أبوه ضرار قومه و خرج ثائرا بابنه حصين، و زيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك، فأغار على بني عمرو بن كلاب، و أفلت منه عتبة بن شتير و أسر أباه شتير بن خالد، و كان شيخا كبيرا أعور، فأتى به قومه، فقال: يا شتير، اختر واحدة من ثلاث. قال: اعرضها عليّ. قال: إمّا أن تردّ ابني حصينا!قال: فإني لا أنشر (3) الموتى!قال: و إمّا أن تدفع إليّ ابنك عتبة أقتله به! قال: لا ترضى بذلك بنو عامر: أن يدفعوا فارسهم شابا مقتبلا بشيخ اعور، هامة اليوم أو غدا (4) . قال: و إمّا أن أقتلك قال: أما هذه فنعم!قال: فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله، فلما قدمه ليضرب عنقه، نادى شتير: يا آل عامر، صبرا (5) بصبيّ! كأنه أنف أن يقتل بصبي، فقال في ذلك شمعلة في كلمة له طويلة:

و خيّرنا شتيرا في ثلاث # و ما كان الثلاث له خيارا

جعلت السيف بين اللّيت منه # و بين قصاص لمّته عذارا (6)

و قال الفرزدق يفخر بأيام ضبة:

و مغبوقة قبل القيان كأنها # جراد إذا أجلى على القزع الفجر (7)

____________

(1) أقعصه: قتله مكانه‏

(2) دارة مأسل: ماء لعقيل‏

(3) أنشر: أحيي‏

(4) هامة اليوم أو غدا: يموت اليوم أو غدا

(5) أي أقتل صبرا، و الصبر: نصب الإنسان للقتل‏

(6) القصاص: الناصية. و الليت: صفحة العنق. و العذار: جانب اللحية

(7) المغبوقة: الخيل تؤثر بالغبوق، و هو شرب العشي. و أجلى: وضح. و القرع: السحاب المتفرق‏

44

عوابس ما تنفكّ تحت بطونها # سرابيل أبطال بنائقها حمر (1)

تركن ابن ذي الجدّين ينشج مسندا # و ليس له إلا ألاءته قبر (2)

و هنّ على خدّي شتير بن خالد # أثير عجاج من سنابكها كدر

إذا سوّمت للبأس يغشى ظهورها # أسود عليها البيض عادتها الهصر (3)

يهزّون أرماحا طوالا متونها # بهنّ الغنى يوم الكريهة و الفقر

أيام بكر على تميم يوم الوقيط

قال فراس بن خندف: تجمعت اللهازم‏ (4) لتغير على تميم و هم غازون، فرأى ذلك ناشب الأعور بن بشامة العنبري، و هو أسير في بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة، فقال لهم: أعطوني رسولا أرسله إلى بني العنبر، أوصيهم بصاحبكم خيرا ليولوه مثل الذي تولّوني من البرّ به و الإحسان إليه. و كان حنظلة بن الطفيل المرثدي أسيرا في بني العنبر، فقالوا له: على أن توصيه و نحن حضور. قال: نعم. فأتوه بغلام لهم، فقال: لقد أتيتموني أحمق. و ما أراه مبلغا عني!قال الغلام: لا و اللّه ما أنا بأحمق، و قل ما شئت فإني مبلغه. فملأ الأعور كفه من الرمل، فقال: كم هذا الذي في كفي من الرمل؟قال الغلام: شي‏ء لا يحصى كثرة. ثم أومأ إلى الشمس، و قال: ما تلك؟قال: هي الشمس!قال: فاذهب إلى قومي فأبلغهم عني التحية، و قل لهم يحسنوا إلي أسيرهم و يكرموه، فإني عند قوم محسنين إليّ مكرمين لي، و قل لهم يقروا جملي الأحمر، و يركبوا ناقتي العيساء (5) ، بآية ما أكلت معهم حيسا (6) ، و يرعوا

____________

(1) البنائق: جمع بنيقة: و هو طوق الثوب الذي يضم النحر و ما حوله‏

(2) ابن ذي الجدين: بسطام بن مسعود. و الألاءة: شجرة تشبه الآس لا تغير في القيظ

(3) الهصر: الطعن بشدة.

(4) اللهازم: يريد متوسط النسب و القبيلة

(5) العيساء: الناقة يخالط بياضها شقرة

(6) الحيس: تمر يخلط بسمن و أقط

45

حاجتي في أبيني مالك، و أخبرهم أن العوسج‏ (1) قد أورق، و أن النساء قد تشكت‏ (2) ، و ليعصوا همام بن بشامة، فإنه مشئوم محدود (3) ، و يطيعوا هذيل بن الأخنس، فإنه حازم ميمون.

فأتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، و لقد جنّ الأعور بعدنا، فو اللّه ما نعرف له ناقة عيساء، و لا جملا أحمر!فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل: يا بني العنبر، قد بين لكم صاحبكم، أما الرمل الذي قبض عليه، فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى و أما الشمس التي أومأ إليها، فإنه يقول إن ذلك أوضح من الشمس و أما جمله الأحمر، فإنه هو الصمّان‏ (4) ، يأمركم أن تعروه‏ (5) ، و أما ناقته العيساء، فهي الدهناء (6) ، يأمركم أن تنذروا بني مالك بن مالك ابن زيد مناة ما حذّركم، و أن تمسكوا الحلف بينكم و بينهم، و أما العوسج الذي أورق، فيخبركم أن القوم قد لبسوا السلاح، و أما تشكّي النساء، فيخبركم بأنهنّ قد عملن شكاء (7) يغزون به. قال: و قوله «بآية ما أكلت معكم حيسا» يريد أخلاطا من الناس قد غزوكم.

قال: فتحرزت عمرو فركبت الدهناء، و أنذروا بني مالك، فقالوا: لسنا ندري ما يقول بنو عمرو، و لسنا متحولين لما قال صاحبكم. قال: فصبّحت اللهازم بني حنظلة، فوجدوا عمرا قد خلت، و إنما أرادوهم على الوقيط، و على الجيش أبجر بن جابر العجلي، و شهدها ناس من تيم اللات، و شهدها الغزر بن الأسود بن شريد من بني سنان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، و تنازع في أسره

____________

(1) العوسج: شوك‏

(2) تشكت: حملت السلاح أو اشتكت، أو صنعت السلاح‏

(3) محدود: ممنوع من الخير

(4) الصمّان: جبل أحمر في أرض بني تميم‏

(5) تعروه: ترتحلوا عنه‏

(6) الدهناء: سبعة أجبل من الرمل، و هي ديار لبني تميم‏

(7) الشكاء: جمع شكوة: و هي وعاء من أدم فيه الماء و يحبس فيه اللبن‏

46

بشر بن السوراء من تيم اللات، و الغزر بن الأسود فجزا ناصيته‏ (1) و خلا سربه‏ (2) من تحت الليل، و أسر عمرو بن قيس من بني ربيعة بن عجل، و أسر عثجل بن شيبان بن علقمة من بني زرارة، و منّ عليه، و أسرت غمامة بنت طوق بن عبيد بن زرارة، و اشترك في أسرها الحطيم بن خلال، و ظربان بن زياد، و قيس بن خالد، و ردّوها إلى أهلها، و عيّر جرير بن الخطفي بني دارم بأسر ضرار و عثجلي و بني غمامة، فقال:

أ غمام لو شهد الوقيط فوارسي # ما فيه يقتل عثجل و ضرار

فأسر حنظلة المأمون بن شيبان بن علقمة، أسره طيسلة بن زياد أحد بني ربيعة، و أسر جويرية بن بدر من بني عبد اللّه بن دارم، فلم يزل في الوثاق حتى قال أبياتا يمدح فيها بني عجل، و أنشأ يتغنى بها رافعا عقيرته‏ (3) :

و قائلة ما غاله أن يزورها # و قد كنت عن تلك الزّيارة في شغل

و قد أدركتني و الحوادث جمة # مخالب قوم لا ضعاف لا عزل

سراع إلى الداعي، بطاء عن الخنا # رزان لدى الناديّ من غير ما جهل‏ (4)

لعلهم أن يمطروني بنعمة # كما طاب ماء المزن في البلد المحل‏ (5)

فقد ينعش اللّه الفتى بعد عسرة # و قد يتبدي الحسنى سراة بني عجل‏

فلما سمعوه أطلقوه، و أسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، و عمرو ابن ناشب، و أسر سنان بن عمرو أخو بني سلامة بن كندة من بني دارم، و أسر حاضر بن ضمرة، و أسر الهيثم بن صعصعة، و هرب عوف بن القعقاع عن إخوته، و قتل حكيم النهشلي، و ذلك أنه لم يزل يقاتل و هو يرتجز و يقول:

كلّ امرئ مصبّح في أهله # و الموت أدنى من شراك نعله‏

____________

(1) الناصية: شعر مقدم الرأس اذا كان طويلا

(2) السرب: السبيل‏

(3) عقيرته: صوته‏

(4) الخنا: الفحش في الكلام‏

(5) المزن: السحاب يحمل الماء

47

و فيه يقول عنترة الفوارس:

و غادرنا حكيما في مجال # صريعا قد سلبناه الإزارا

يوم النباج و ثيتل‏ (1) : لتميم على بكر

الخشني قال: أخبرنا أبو غسان العبدي-و اسمه رفيع-عن أبي عبيدة معمر بن المثني، قال: غدا قيس بن قاسم في مقاعس و هو رئيس عليها-و مقاعس هو صريم، و ربيع، و عبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم-و معه سلامة بن ظرب بن نمر الحماني في الأجارب و هم حمان، و ربيعة، و مالك، و الأعرج -بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، و اللهازم، و هم: بنو قيس و تميم اللات بن ثعلبة، و عجل بن لجيم، و عنزة بن أسد بن ربيعة-بالنباج و ثيتل، و بينهما روحة، فتنازع قيس بن عاصم و سلامة بن ظرب في الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النّباج، و يغير سلامة على أهل الثيتل. قال. فبعث قيس بن عاصم سنان بن سميّ الأهتم شيّفة له- و الشّيفة الطليعة-فأتاه الخبر، فلما أصبح قيس سقى خيله ثم أطلق أفواه الرّوايا، و قال قومه: قاتلوا، فإن الموت بين أيديكم، و الفلاة من ورائكم!فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقيا من بكر يقول لصاحبه: يا قيس أورد فتفاءلوا به، فأغاروا على النباج قبل الصبح، فقاتلوهم قتالا شديد، ثم إن بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد، و أصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة. فأتوا ثيتل و لم يغز سلامة و لا أصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلا كثيرة، فقال سلامة: إنكم أغرتم على ما كان أمره إليّ!فتلاحوا (2) في ذلك، ثم اتفقوا على أن سلموا إليه غنائم ثيتل، ففي ذلك يقول ربيعة بن ظريف:

____________

(1) ثيتل: ماء على عشرة مراحل من البصرة، و يسمى يوم النباج‏

(2) يقال: تلوّح الأمر: أي بان و وضح‏

48

فلا يبعدنك اللّه قيس بن عاصم # فأنت لنا عز عزيز و موئل

و أنت الذي خوّيت بكر بن وائل # و قد عضّلت منها النباج و ثيتل‏ (1)

غداة دعت يا آل شيبان إذ رأت # كراديس يهديهنّ ورد محجّل‏ (2)

و ظلت عقاب الموت تهفوا عليهم # و شعث النواصي لحمهنّ تصلصل‏ (3)

فما منكم أبناء بكر بن وائل # لغارتنا إلا ركوب مذلل‏

و قال جرير يصف ما كان من إطلاق قيس بن عاصم أفواه المزاد (4) بقوله:

و في يوم الكلاب و يوم قيس # هراق على مسلّحة المزادا (5)

و قال قرة بن قيس بن عاصم:

أنا ابن الذي شقّ المزاد و قد رأى # بثيتل أحياء اللهازم حصّرا

و صبّحهم بالجيش قيس بن عاصم # و لم يجدوا إلا الأسنّة مصدرا

على الجرد يعلكن الشكيم عوابسا # إذا الماء من أعطافهنّ تحدّرا (6)

فلم يرها الراءون إلا فجاءة # يثرن عجاجا بالسنابك أكدرا (7)

سقاهم بها الذيفان قيس بن عاصم # و كان إذا ما أورد الأمر أصدرا (8)

و حمران أدّته إلينا رماحنا # ينازع غلاّ من ذراعيه أسمرا (9)

و جشامة الذهليّ قدناه عنوة # إلى الحي مصفود اليدين مفكّرا (10)

____________

(1) عضلت: ضاقت‏

(2) كراديس: جمع كردوسة: و هي الطائفة العظيمة من الخيل أو الجيش. و يهديهن: يسوقهن‏

(3) صلصل: صوت صوتا فيه ترجيع‏

(4) أفواه المزاد: أفواه الروايا: جمع مزادة، و هي الوعاء يحمل فيه الماء في السفر كالقربة و نحوها

(5) مسلحة: موضح‏

(6) الجرد: جمع أجرد، و هو الفرس القصير الشعر. و الشكيم: جمع شكيمة و هي من اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس-و علك الشكيم: تحريكه في افواهها

(7) العجاج: الغبار

(8) الذيفان: السم الناقع‏

(9) الغلّ: طوق من حديد أو جلد يجعل في عنق الاسير أو المجرم أو في أيديهما

(10) مصفود اليدين: مكبل اليدين‏

49

يوم زرود: لبني يربوع على بني تغلب‏

أغار خزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع و هم بزرود، فنذروا به‏ (1) ، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو تغلب و أسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبي-و هو فارس الشّيط (2) ، و كان يومئذ معتلا في بني يربوع و أسيد بن حناءة السليطي، فتنازعا فيه، فحكما بينهما الحرث بن قراد-و أمّ الحارث امرأة من بني سعد بن ضبة-فحكم بناصية خزيمة للأنيف بن جبلة، على أن لأسيد على أنيف مائة من الإبل. قال: ففدى خزيمة نفسه بمائتي بعير و فرس. قال أنيف:

أخذتك قسرا يا خزيم بن طارق # و لا لاقيت مني يوم زرود

و عانقته و الخيل تدمى نحورها # فأنزلته بالقاع غير حميد

أيام يربوع على بكر

و هذه أيام كلها لبني يربوع على بني بكر: من ذلك يوم ذي طلوح‏ (3) ، و هو يوم أود، و يوم الحائر، و يوم ملهم، و يوم القحقح، و هو يوم مالّة و يوم رأس عين، و يوم طخفة، و يوم الغبيط، و يوم مخطّط، و يوم جدود، و يوم الجبايات و يوم زرود الثاني.

يوم ذي طلوح: لبني يربوع على بكر

كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوج مريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلي، فخرج حتى ابتنى بها في بني عجل، فأتى أبجر أخته مزنة امرأة عميرة يزورها فقال لها: إني لأرجو أن آتيك ببنت النطف امرأة عميرة التي في قومها!فقال له عميرة: أ ترضى أن تحاربني و تسبيني؟فندم أبجر و قال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك!ثم غزا أبجر و الحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه

____________

(1) نذر بالشي‏ء: علمه فحذره‏

(2) الشيط: فرس أنيق‏

(3) ذو طلوح: موضع في حزن بني يربوع‏

50

من بني شيبان، و هذا فيمن تبعه من بني اللهازم، و ساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرفصة بن جابر، فقال له عميرة: لو رجعت إلى أهلي فاحتملتهم!فقال حرفصة: افعل. فكر عميرة على ناقته، ثم نكل‏ (1) عن الجيش، فسار يومين و ليلة حتى أتى بني يربوع، و أنذرهم الجيش، فاجتمعوا حتى التقوا بأسفل ذي طلوح، فأوّل ما كان فارس طلع عليهم عميرة، فنادى: يا أبجر هلمّ!فقال: من أنت؟قال:

أنا عميرة!فكذبه، فسفر عن وجهه، فعرفه، فأقبل إليه، و التقت الخيل بالخيل، فأسر الجيش إلاّ أقلهم.

و أسر حنظلة بن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم-و كان في بني يربوع-الحوفزان بن شريك، و أخذه معه مكبلا، و أخذ ابن طارق سوادة بن يزيد بن بجير بن عم أبجر، و أخذ ابن عنمة الضبي الشاعر، و كان مع بني شيبان، فافتكه متمّم بن نويرة، فقال ابن عنمة يمدح متمم بن نويرة:

جزى اللّه ربّ الناس عني متمّما # بخير جزاء، ما أعف و أمجدا

أجيرت به آباؤنا و بناتنا # و شارك في إطلاقنا و تفرّدا

أبا نهشل إني لكم غير كافر # و لا جاعل من دونك المال مرصدا

و أسر سويد بن الحوفزان، و أسر سويد و فلحس، و هما من بني سعد بن همام فقال جرير في ذلك يذكر ذي طلوح:

و لمّا لقينا خيل أبجر يدعي # بدعوى لجيم غير ميل العواتق

صبرنا و كان الصبر منّا سجيّة # بأسيافنا تحت الظّلال الخوافق

فلما رأوا لا هوادة عندنا # دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق‏

يوم الحائر: و هو يوم ملهم‏ (2) . لبني يربوع على بكر

و ذلك أن أبا مليل عبد اللّه بن الحارث بن عاصم بن حميد، و علقمة أخاه، انطلقا

____________

(1) نكل فلان عن الشي‏ء: أي نحّاه عنه‏

(2) ملهم: قرية باليمامة لبني يشكر و أخلاط من بني بكر. و الحائر: الحوض يصب اليه مسيل من الماء من الأمطار

51

يطلبان إبلا لهما، حتى وردا ملهم من أرض اليمامة، فخرج عليهما نفر من بني يشكر، فقتلوا علقمة و أخذوا أبا مليل، فكان عندهم ما شاء اللّه، ثم خلّوا سبيله، و أخذوا عليه عهدا و ميثاقا أن لا يخبر بأمر اخيه أحدا، فأتى قومه، فسألوه عن أمر أخيه، فلم يخبرهم، فقال و برة بن حمزة: هذا رجل قد أخذ عليه عهد و ميثاق!فخرجوا يقصّون أثره، و رئيسهم شهاب بن عبد القيس، حتى وردوا ملهم، فلما رآهم اهل ملهم تحصنوا، فخرقت بني يربوع بعض زرعهم و قتل عمرو بن صابر صبرا (1) ، ضربوا عنقه، و قتل عيينة بن الحارث بن شهب بن مثلّم بن عبيد بن عمرو، رجلا آخر منهم، و قتل مالك بن نويرة حمران بن عبد اللّه، و قال:

طلبنا بيوم مثل يومك علقما # لعمري لمن يسعى بها كان أكرما

قتلنا بجنب العرض عمرو بن صابر # و حمران أقصدناهما و المثلما (2)

فللّه عينا من رأى مثل خيلنا # و ما أدركت من خيلهم يوم ملهما

يوم القحقح: و هو يوم مالة. لبني يربوع على بني بكر

أغارت بنو أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان على بني يربوع، و رئيسهم مجبة بن ربيعة ابن ذهل، فأخذوا إبلا لعاصم بن قرط أحد بني عبيد، و انطلقوا: فطلبهم بنو يربوع، فناوشوهم، فكانت الدائرة على بني ربيعة، و قتل المنهال بن عصمة المجبة بن ربيعة، فقال في ذلك نمران الرياحي:

و إذا لقيت القوم فاطعن فيهم # يوم اللّقاء كطعنة المنهال

ترك المجبّه للضّياع منكّسا # و للقوم بين سوافل و عوال‏ (3)

يوم رأس العين: لبني يربوع على بكر

أغارت طوائف من بني يربوع على بني أبي ربيعة برأس العين، فاطّردوا النعم

____________

(1) الصبر: نصب الانسان ليقتل، و يقال قتل صبرا

(2) العرض: واد باليمامة

(3) المنكس: المتأخر الذي لا يلحق بأقرانه‏

52

فاتبعهم معاوية بن فراس في بني أبي ربيعة، فأدركوهم، فقتل معاوية بن فراس و فاتوا (1) بالإبل، و قال سحيم في ذلك:

أ ليس الأكرمون بنو رياح # نموني منهم عمي و خالي

هم قتلوا المجبّه و ابن تيم # تنوح عليهما سود اللّيالي

و هم قتلوا عميد بني فراس # برأس العين في الحجج الخوالي‏ (2)

و ذادوا يوم طخفة عن حماهم # ذياد غرائب الإبل النّهال‏ (3)

يوم العظالى‏ (4) : لبني يربوع على بكر

قال أبو عبيدة: و هو يوم أعشاش‏ (5) ، و يوم الأفاقة (6) ، و يوم الإياد، و يوم مليحة (7) .

قال و كانت بكر بن وائل تحت يد كسرى و فارس، و كانوا يجيرونهم و يجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر (8) في ثلاثمائة فارس متساندين، يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن-و كانوا يشتون‏ (9) خفافا (10) ، فإذا انقطع الشتاء انحدروا إلى الحزن-قال: فاحتمل بنو عتيبة، و بنو عبيد، و بنو زبيد من بني سليط، من أول الحي، حتى استهلوا ببطن مليحة، فطلعت بنو زبيد في الحزن حتى حلّوا الحديقة (11)

و الأفاقة، و حلت بنو عتيبة و بنو عبيد بعين بروضة الثّمد (12) .

____________

(1) فاتوا: مضوا و مرّوا

(2) الحجج الخوالي: يريد الأعوام الماضية

(3) طخفة: موضع بعد النباج في طريق البصرة الى مكة

(4) و سمي بذلك لأن الناس فيه ركب الاثنان و الثلاثة الدابة الواحدة

(5) أعشاش: موضع في بلاد بني تميم، لبني يربوع بن حنظلة.

(6) الأفاقة: ماء لبني يربوع‏

(7) مليحة: موضع في بلاد تميم‏

(8) عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة

(9) يقال: شتا بالبلد و شتى: اذا أقام به شتاء

(10) خفاف: موضع‏

(11) موضع‏

(12) روضة الثمد و الحضي: موضعان‏