تحرير المجلة - ج3

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
552 /
5

الجزء الثالث‏

تتمة كتاب السادس‏

الباب الثالث [من أبواب الكتاب السادس، أي: الأمانات‏] في العارية و يشتمل على فصلين‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأوّل في المسائل المتعلّقة بعقد الإعارة و شروطها

و هاهنا مباحث:

الأوّل: إنّ (المجلّة) أدمجت العارية في مباحث الوديعة، و جعلتها- أي: العارية-بابا من أبواب الوديعة نظرا للقدر الجامع بينهما و أنّهما من أصل واحد-و هو الأمانة-و غفلوا عن البون الشاسع بينهما و الفرق العظيم، و أنّ الوديعة ضدّ العارية تماما؛ ضرورة أنّ الوديعة ائتمان لمصلحة المالك، و العارية ائتمان لمصلحة القابض، و لهذا اختلفا في الأحكام، فدعوى الردّ يقبل باليمين في الوديعة، و لا يقبل في العارية، و كذا دعوى التلف و نحوه.

و الحاصل: الأولى إفراد العارية بكتاب مستقلّ كما صنعه عامّة فقهائنا.

و هذا سهل لا أهمية له، إنّما المهمّ و المشكل جدّا معرفة أنّ العارية عقد يحتاج إلى إيجاب و قبول، أو هو إيقاع يكفي فيه الصيغة من المالك.

و لعلّ هذا يبتني على قضية تعرف حقيقة هذا العقد، و أنّه هل هو تمليك المنافع، أو إباحة و رخصة في الانتفاع لا غير، فهي على الأوّل عقد، و على الثاني إيقاع؟

و عند تدقيق النظر و تعمّق الفكر لا نجد العارية عند العرف تفيد أكثر من جواز الانتفاع لا أقل و لا أكثر، و ليس لها نظر إلى قضية التمليك أصلا، و كذا لو أنّ المستعير وهب المنافع أو صالح عليها أو نقلها بغير إذن المالك أو

8

إجازته إلى الغير بأحد الأسباب الناقلة كان ذلك عدوانا منه و عملا باطلا، و لو أنّه ملك المنافع بالعارية لجاز له كلّ ذلك، فليتدبّر.

الثاني: أنّهم ذكروا 1 : أنّ العارية تشدّد و تخفّف، من التعاور بمعنى:

التداول من يد إلى يد، و مثلها العارة، و الجمع: عواري، و فعلها: اعتور، أو من أعاره إعارة بمعنى: أخذه و ذهب بسرعة، و ربّما رجع إلى الأوّل، أو من عراه بمعنى قصده 2 أو من العار، و هو أوهن الجميع؛ فإنّ العار يائي و العارية واوي، و لذا تجمع على عواري.

و لا يحسن إطالة البحث في هذا؛ فإنّ معنى العارية استعمالا عند الشرع و العرف أجلى من كلّ تلك المآخذ.

و له إطلاقان:

أحدهما: عند المتشرّعة-أعني: الفقهاء-حيث يقولون: كتاب العارية، و أحكام العارية، و أمثال ذلك، فإنّهم يريدون به: ذلك العقد أو الإيقاع الذي يفيد تمليك المنافع أو إباحتها مجّانا.

ثانيهما: عند العرف حيث يقولون: هذا الثوب عارية، و هذا الكتاب مستعار أو عارية، و يريدون به: العين التي أباح المالك منافعها أو ملّكها لغيره مجّانا.

فهي تطلق على اسم المعنى مرّة، و على اسم العين أخرى، و أصحّ

____________

(1) قارن: المجموع 14: 199، المهذّب البارع 3: 10، مجمع الأنهر 2: 345-346، المسالك 5: 131، الحدائق 21: 475-476.

(2) لا حظ لسان العرب 9: 471.

9

مآخذها التعاور بمعنى: التداول سواء جعلناها مصدرا أو اسم مصدر أو اسم عين.

الثالث: إنّ الظاهر من مصاديق العارية المتداولة بين الناس أنّها إباحة الانتفاع بالعين مجّانا، فهي إلى الإيقاع أقرب منها إلى العقد.

و لكنّ المشهور بين الفريقين أنّها من العقود 1 و هو صريح (المجلّة) [في: ]

(مادّة: 804) الإعارة تنعقد بالإيجاب و القبول و بالتعاطي.

مثلا: لو قال شخص لآخر: أعرتك مالي هذا، أو قال: أعطيتك إيّاه عارية، فقال الآخر: قبلت، أو قبضه و لم يقل شيئا، أو قال رجل لإنسان:

أعطني هذا المال عارية، فأعطاه إيّاه، انعقدت الإعارة 2 .

____________

(1) لا حظ: بدائع الصنائع 8: 372، بداية المجتهد 2: 311، المغني 5: 356، المسالك 5:

131، الحدائق 21: 479، الجواهر 27: 156.

(2) ورد: (أو بالتعاطي) بدل: (و بالتعاطي) ، و: (واحد) بدل: (شخص) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 447.

و وردت المادّة نصّا في درر الحكّام 2: 295.

و المذكور في المادّة هو رأي الحنفيّة، أي: عدم اشتراط القول في القبول، فتنعقد العارية عندهم بكلّ لفظ يدلّ عليها و لو مجازا أو بغير لفظ كالقبض، خلافا لزفر، فإنّه-أي: اشتراط اللفظ في القبول-ركن عنده.

و أمّا الصحيح عند الشافعيّة: فإنّه لابدّ من اللفظ للقادر عليه، أو الكتابة مع النيّة، و في غير الصحيح أنّها تجوز بالفعل.

و ذهب المالكيّة و الحنابلة إلى: أنّ الصيغة هي كلّ ما يدلّ على الإعارة من لفظ أو إشارة أو فعل.

10

و هذا هو الذي يظهر من المحقّق في (الشرائع) حيث قال (رضوان اللّه عليه) : (و هي: عقد ثمرته التبرّع بالمنفعة) 1 .

و لكنّه أصاب حيث قال في آخرها: (و لا يجوز إعارة العين المستعارة، إلاّ بإذن المالك، و لا إجارتها؛ لأنّ المنافع ليست مملوكة للمستعير و إن كان له استيفاؤها) 2 انتهى.

و قد ردّ بهذا كلّ من توهّم أو عبّر عن العارية: بأنّها تمليك المنفعة للمستعير 3 .

و من تأمّله وجده كالصريح في أنّ حقيقتها إيقاع و إن وقعت بصورة العقد و اشتملت على الإيجاب و القبول، فإنّه صورة عقد لا عقد حقيقة.

و لا ينبغي الريب في هذا، كما لا ريب في جريان المعاطاة فيها عقدا كانت أو إيقاعا، فالعقد يقع-كما تشعر به هنا عبارة (المجلّة) -بكلّ ما دلّ عليها من الألفاظ شأن العقود الجائزة عموما و إن كان أقصى ما تنتهي العارية إليه هو الإذن، و الإذن لا يحتاج إلى إيجاب و قبول، و أيضا فإنّ العقود التزامات و تعهّدات، و العارية لا التزام فيها و لا تعهّد.

____________

ق-راجع: بدائع الصنائع 8: 370، المغني 5: 359، شرح الكنز للعيني 2: 141، نهاية المحتاج 5: 124، الشرح الصغير للدردير 3: 571، الفتاوى الهندية 4: 363، حاشية ردّ المحتار 5:

677.

(1) الشرائع 2: 408.

(2) لا حظ المصدر السابق 2: 410.

(3) كالحنفية و المالكيّة، حيث عبّروا عن العارية بذلك.

انظر: تبيين الحقائق 5: 83، البناية في شرح الهداية 9: 168، مواهب الجليل 5: 268، الشرح الصغير للدردير 3: 570، الفتاوى الهندية 4: 363.

11

نعم، لا مانع من وقوعها بصورة العقد، كما عرفت.

و من الغريب أنّ السيّد الأستاذ قدّس سرّه في (العروة) تردّد في جملة من العقود التي لا ينبغي الريب في عقديتها، كالضمان و الحوالة و الوكالة، ثمّ جزم أخيرا بأنّها إيقاعات 1 ، و لم يذكر العارية منها و هي أحقّ بالذكر و الجزم بكونها إيقاعا!أمّا تلك العقود فلا ريب في كونها عقودا، و لا سيّما الضمان و الحوالة.

و على كلّ، فإحراز الرضا الفعلي من المالك قولا و فعلا بانتفاع شخص بماله كاف في جواز التصرّف و الانتفاع، و يكون عارية، و تجري عليه أحكامها سواء كانت عقدا أو إيقاعا، كما صرّح به المحقّق في عبارته المتقدّمة، فتدبّره جيّدا.

(مادّة: 805) سكوت المعير لا يعدّ قبولا.

فلو طلب شخص من آخر إعارة شي‏ء فسكت ثمّ أخذه المستعير كان غاصبا 2 .

السكوت لا يعدّ قبولا و لا يدلّ على الرضا، إلاّ في موارد مخصوصة يكون شاهد الحال فيها دليلا على الرضا، أمّا السكوت بذاته فلا يدلّ على شي‏ء، و قد تقدّم في (الجزء الأوّل) -في القواعد الكلّية- (مادّة: 67) لا

____________

(1) العروة الوثقى 2: 534 و 560.

(2) ورد: (رجل) بدل: (شخص) ، و وردت زيادة: (صاحب ذلك الشي‏ء) بعد: (فسكت) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 447.

و وردت الزيادة كذلك في درر الحكّام 2: 297.

قارن: البحر الرائق 7: 280، الفتاوى الهندية 4: 364، حاشية ردّ المحتار 5: 677.

12

ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان 1 .

و القصارى: أنّه لا خصوصية في العارية و لا غيرها في عدم الاكتفاء بالسكوت و أنّ المدار في جميع موارده على القرائن الحالية، فإن دلّت على الرضا فهو، و إلاّ فالسكوت ليس له أيّ أثر.

و من هنا يندفع سؤال الفرق بين الوديعة و بين العارية حيث اكتفت (المجلّة) بالسكوت في الأولى دون الثانية، كما نصّت عليه‏ (مادّة:

773) 2 فإنّ القرينة هناك دلّت على الرضا لا السكوت، و لو حصل في العارية لكفى، لكنّها في الغالب لا تحصل، فافهم هذا جيّدا.

ثمّ إنّ من المتّفق عليه أنّ العارية-كالوديعة-عقدا كانت أو إيقاعا جائزة 3 بمعنى: أنّ للمعير أن يرجع متى شاء؛ لأنّها-في الحقيقة-ليست إلاّ الإذن بالتصرّف، كما عرفت و تعرف في:

(مادّة: 806) للمستعير أن يرجع عن الإعارة متى شاء 4 .

____________

(1) تقدّم ذلك في ج 1 ص 178.

(2) تقدّمت هذه المادّة في ج 2 ص 445.

(3) هذا ما عليه الإماميّة و غيرهم، إلاّ أنّه قد ذهب مالك إلى: لزوم العارية مطلقا.

قال ابن رشد: (إلاّ أنّ مالك قال في المشهور: ليس للمعير استرجاع العارية قبل الانتفاع، و إن شرط مدّة ما لزمته تلك المدّة) . (بداية المجتهد 2: 311-312) .

و راجع: المغني 5: 364، المجموع 14: 207، المسالك 5: 134، الحدائق 21: 480 و 497، الرياض 9: 440، الجواهر 27: 159، اللباب 2: 202.

(4) ورد: (للمعير) بدل: (للمستعير) في: شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 448، درر الحكّام 2: 298.

13

و

(مادّة: 807) تنفسخ الإعارة بموت المعير و المستعير 1 .

بل يرتفع الإذن بموت أحدهما؛ لزوال الموضوع، و التعبير بالانفساخ تسامح.

(مادّة: 808) يشترط كون المستعار صالحا للانتفاع به.

بناء عليه لا تصحّ إعارة الحيوان الناد الفارّ، و لا استعارته 2 .

إن كان الحيوان الفارّ ممّا يستبعد في العادة عوده-كالطير الوحشي الذي صاده ثمّ طار أو السمك الذي رجع إلى الماء-كانت العارية لغوا؛ لعدم موضوع لها، و إن كان ممّا يمكن عوده عادة أو يمكن-و لو للمستعير- تحصيله فلا مانع من صحّة العارية.

(مادّة: 809) يشترط كون المعير و المستعير عاقلين مميّزين، و لا يشترط كونهما بالغين.

____________

ق-قارن: الفقه النافع 3: 947، البناية في شرح الهداية 9: 174، شرح الكنز للعيني 2: 141، الإنصاف 6: 96، مجمع الأنهر 2: 347، الفتاوى الهندية 4: 363 و 370، حاشية ردّ المحتار 5: 678.

(1) ورد: (أو) بدل: (و) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 448.

و وردت المادّة في درر الحكّام (2: 299) بلفظ:

(تنفسخ الإعارة بموت أيّ واحد من المعير و المستعير) .

انظر تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 413 و 416.

(2) ورد: (أن يكون الشي‏ء) بدل: (كون) في: شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 448، درر الحكّام 2: 300.

لا حظ: بدائع الصنائع 8: 372، الفروع للمحلّي 1: 284، الشرح الصغير للدردير 3: 572، الفتاوى الهندية 4: 363، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 383.

14

بناء عليه لا تجوز إعارة المجنون و لا الصبي غير المميّز، أمّا الصبي المأذون فتجوز إعارته و استعارته 1 .

اعتبار قيد التمييز-بعد اعتبار قيد العقل-مستدرك عند أولي التمييز.

أمّا عند الإماميّة فالبلوغ معتبر في جميع المعاملات، و لا يكفي التمييز، إلاّ في موارد مخصوصة، كوصية من بلغ عشرا، و نحوها من أعمال البرّ و المعروف 2 .

و يمكن-على القول: بأنّ العارية إباحة 3 -اندراجها في ذلك على تأمّل.

(مادّة: 810) القبض شرط في العارية، فلا حكم لها قبل القبض 4 .

لم نجد لفقهائنا و لا لفقهاء المذاهب نصّا على هذا الشرط 5 .

____________

(1) ورد: (أن يكون) بدل: (كون) ، و: (بلوغهما) بدل: (كونهما بالغين) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 449.

و وردت زيادة: (و استعارة) بعد كلمة: (إعارة) في درر الحكّام 2: 301.

راجع: بدائع الصنائع 8: 372، حاشية البجيرمي على شرح الخطيب 3: 158، الفتاوى الهندية 4: 363، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 383.

(2) تقدّم ذكر ذلك في ج 1 ص 374، و لا حظ العناوين 2: 674 و ما بعدها.

(3) كما هو تعريفها عند الشافعيّة.

انظر: المجموع 14: 203، مغني المحتاج 2: 263.

(4) راجع: بدائع الصنائع 8: 372، الفتاوى الهندية 4: 363.

(5) الذي يظهر من استقراء كلمات فقهاء الفريقين ما ذكره المصنّف قدّس سرّه. -

15

و بناء على كونها عقدا فحال القبض بالنسبة إليها حال سائر العقود.

أمّا بناء على كونها إباحة و رخصة فلا معنى لاعتبار القبض فيها أصلا، كما هو واضح.

(مادّة: 811) يلزم تعيين المستعار.

و بناء عليه إذا أعار شخص إحدى دابّتين بدون تعيين و لا تخيير لا تصحّ الإعارة، بل يلزم أن يعيّن المعير منهما الدابّة التي يريد إعارتها.

لكن إذا قال المعير للمستعير: خذ أيّهما شئت عارية، و خيّره، صحّت العارية 1 .

ليس معنى هذا لزوم التعيين، بل معناه: أنّ الإبهام مفسد للعارية.

فإذا أعاره إحدى الدابّتين و جعل الخيار له أو للمستعير صحّ؛ لعدم الإبهام، فتتوجّه العارية إلى ما يقع عليه الاختيار.

أمّا لو أعاره واحدة منهما من دون تعيين و لا تخيير بطلت؛ للإبهام، فتأمّله، فإنّه لا يخلو من دقّة.

____________

ق-و لكن عثرنا على من صرّح بهذا الشرط، كالكاساني و غيره.

راجع: بدائع الصنائع 8: 372، المجموع 14: 205، الفتاوى الهندية 4: 363.

(1) لم ترد كلمة: (شخص) ، و ورد: (و لكن) بدل: (لكن) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1:

449.

و ورد: (خيّره قائلا: خذ أيّهما شئت عارية، صحّت العارية) بدل: (قال المعير للمستعير:

خذ أيّهما شئت عارية، و خيّره، صحّت العارية) في درر الحكّام 2: 303.

و للمقارنة لا حظ حاشية ردّ المحتار 5: 677.

ـ

16

الفصل الثاني في بيان أحكام العارية و ضماناتها

(مادّة: 812) المستعير يملك منفعة العارية بدون بدل.

بناء عليه ليس للمعير أن يطلب من المستعير أجرة بعد الاستعمال 1 .

هذا هو قوام حقيقة العارية، و هو إمّا إباحة المنافع، أو تمليكها بلا عوض، و هذا هو الفارق بينها و بين الإجارة.

(مادّة: 813) العارية أمانة في يد المستعير، فإذا هلكت أو ضاعت أو نقصت قيمتها بلا تعدّ و لا تقصير لا يلزم الضمان.

مثلا: إذا سقطت المرآة المعارة من يد المستعير قضاء بلا عمد، أو زلقت رجل المستعير فانصدمت على مرآة فانكسرت، لا يلزمه الضمان.

و كذا لو وقع على البساط المعار شي‏ء، فتلوّث به و نقصت قيمته،

____________

(1) ورد: (فليس) بدل: (بناء عليه ليس) ، و: (أجرتها) بدل: (أجرة) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 450.

و ورد التغيير الأوّل فقط في درر الحكّام 2: 305.

قارن: بدائع الصنائع 8: 373، الفتاوى الهندية 4: 363.

17

فلا يضمن 1 .

من الشائع المعروف على ألسنة المتفقهة عندنا أنّ العارية لا تضمن، إلاّ عارية الذهب و الفضة، و إلاّ مع الشرط، و هي العارية المضمونة 2 ، و الظاهر أنّ هذا ممّا تفرّدت به الإماميّة.

فقد تظافرت نصوص أهل البيت عليهم السّلام أنّ العارية لا تضمن إلاّ ما كان

____________

(1) ورد: (فلا يلزمه) بدل: (لا يلزم) ، و لم ترد كلمة: (قضاء) ، و ورد: (رجله) بدل: (رجل المستعير) ، و: (فسقطت المرآة) بدل: (فانصدمت على مرآة) ، و: (يلزم) بدل:

(يلزمه) ، و: (ضمان أيضا) بدل: (يضمن) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 450.

و ورد التغيير الثاني و الثالث و الرابع، و كذلك ورد: (ضمان) بدل: (يضمن) في درر الحكّام 2: 305.

هذا، و قد قال الطوسي: (العارية أمانة غير مضمونة، إلاّ أن يشرط صاحبها الضمان، فإن شرط ذلك كانت مضمونة، و إلاّ فلا، إلاّ أن يتعدّى فيها، فيجب عليه حينئذ ضمانها.

و به قال قتادة و عبيد اللّه بن الحسن العنبري و أبو حنيفة و مالك و النخعي و الشعبي و الحسن البصري، إلاّ أنّهم لم يضمّنوها بالشرط.

و قال ربيعة: العواري مضمونة، إلاّ موت الحيوان، فإنّه إذا استعاره ثمّ مات في يده لم يضمنه.

و قال الشافعي: هي مضمونة، شرط ضمانها أو لم يشرط، تعدّى فيها أو لم يتعد.

و به قال ابن عبّاس و أبو هريرة و عطاء و أحمد و إسحاق) . (الخلاف 3: 387) .

انظر: المحلّى 8: 138، النتف في الفتاوى 2: 583، بدائع الصنائع 8: 378، المغني 5:

356، فتح العزيز 11: 217-218، المجموع 14: 204-205، تبيين الحقائق 5: 84، شرح الكنز للعيني 2: 141-142، مجمع الأنهر 2: 347، الفتاوى الهندية 4: 363، اللباب 2: 202.

(2) و كذلك هو المعروف على ألسنة الفقهاء، حيث ادّعي الإجماع على المسألة في: المسالك 5: 154 و 155، و الرياض 9: 447.

18

من ذهب أو فضة 1 فهي مضمونة، إلاّ أن يشترط عدم ضمانها.

فأسباب ضمان العارية ثلاثة:

الأوّل: التعدّي و التفريط.

الثاني: اشتراط ضمانها.

الثالث: كونها من ذهب أو فضة و إن لم يشترط، إلاّ أن يشترط عدمه.

و موارد التعدّي لا تعدّ، و قد أشارت (المجلّة) إلى بعضها في:

(مادّة: 814) إذا حصل من المستعير تعدّ أو تقصير بحقّ العارية ثمّ هلكت أو نقصت قيمتها فبأيّ سبب كان الهلاك أو النقص يلزم المستعير الضمان.

إلى قولها: و كذلك إذا استعار إنسان حليا، فوضعه على صبي و تركه بدون أن يكون عند الصبي من يحفظه فسرق الحلي، فإن كان الصبي قادرا على حفظ الأشياء التي عليه لا يلزم الضمان، و إن لم يكن قادرا لزم المستعير الضمان 2 .

____________

(1) راجع: الكافي 5: 238، التهذيب 7: 183 و 184، الوسائل العارية 3: 1-4 (19: 96- 97) .

(2) وردت المادّة نصّا في درر الحكّام 2: 317-318.

و وردت عبارة: (ضمن المستعير أيّا كان سبب الهلاك أو النقصان) بدل عبارة: (فبأيّ سبب كان الهلاك أو النقص يلزم المستعير الضمان) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1:

451.

و نصّ المادّة الذي لم يذكره المصنّف قدّس سرّه-على ما في المصدر السابق-هو: -

19

كلّ ذلك؛ لأنّ التقصير و التجاوز يخرجه عن الأمانة، فيكون ضامنا مطلقا سواء كان التلف سماويا بعد ذلك أو غير سماوي.

كما أنّ وضع الحلي المستعار على الصبي بغير إذن المعير تقصير يوجب الضمان بالتلف مطلقا.

(مادّة: 815) نفقة المستعار على المستعير.

بناء عليه لو ترك المستعير الدابّة المعارة بدون علف فهلكت ضمن 1 .

____________

ق- (مثلا: إذا ذهب المستعير بالدابّة المعارة إلى محلّ مسافته يومان في يوم واحد، فتلفت تلك الدابّة، أو هزلت و نقصت قيمتها، لزم الضمان.

و كذا لو استعار دابّة ليذهب بها إلى محلّ معيّن، فتجاوز بها ذلك المحلّ، ثمّ هلكت الدابّة حتف أنفها، لزم الضمان أيضا) .

قارن: بدائع الصنائع 8: 381، تبيين الحقائق 5: 84، مجمع الأنهر 2: 347، الفتاوى الهندية 4: 363 و 368.

(1) ورد: (فلو) يدل: (بناء عليه لو) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 452.

و وردت المادّة نصّا في درر الحكّام 2: 312.

و المذكور في (المجلّة) هو مذهب الحنفيّة، و المذهب غير المعتمد عند المالكيّة، و هو اختيار القاضي حسين من الشافعيّة، و ذلك لأنّ المعير فعل معروفا، فلا يليق أن يشدّد عليه.

و قال بعض المالكيّة: إنّ النفقة على المستعير في الليلة و الليلتين، و على المعير في المدّة الطويلة، كما في المواق، و قد عكس ذلك عبد الباقي الزرقاني.

و مذهب الشافعيّة-ما عدا القاضي حسين-و الحنابلة، و هو المعتمد عند المالكيّة: أنّ نفقة العارية التي بها بقاء تلك العارية-كالطعام-مدّة الإعارة على مالكها؛ لأنّها لو كانت على المستعير لكان كراء، و ربّما كان ذلك أكثر من الكراء، فتخرج العارية عن المعروف إلى الكراء، و لأنّ تلك النفقة من حقوق الملك. -

20

تقدّم في (صفحة 166) من (الجزء الثاني) احتمال ذلك 1 ، و لكنّه محلّ نظر، بل الأصل الأوّلي يقتضي كونها على المالك، و إلاّ كانت أشبه بالإجارة التي هي تمليك بعوض.

هذا مع الإطلاق، أمّا مع الشرط فلا ريب أنّه هو المتّبع.

(مادّة: 816) إذا كانت الإعارة مطلقة، أي: لم يقيّدها... 2 .

حاصل هذه المادّة و التي بعدها 3 : أنّ العارية تارة تقع مطلقة، فتقيّد

____________

ق-انظر: المبدع 5: 12، شرح الكنز للعيني 2: 143، الإنصاف 6: 108، مجمع الأنهر 2:

351، مغني المحتاج 2: 267، الفروع للمحلّي 1: 286، الشرح الصغير للدردير 3: 579، الفتاوى الهندية 4: 372، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 384.

(1) هذا حسب الطبعة القديمة، أمّا حسب هذه الطبعة فراجع ج 2 ص 81.

(2) تكملة المادّة-على ما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 452-هي:

(المعير بزمان أو مكان أو بنوع من أنواع الانتفاع كان للمستعير استعمال العارية في أيّ مكان و زمان شاء على الوجه الذي يريده، و لكن يقيّد ذلك بالعرف و العادة.

مثلا: إذا أعار رجل دابّة على الوجه المذكور إعارة مطلقة فالمستعير له أن يركبها إلى حيث شاء في الوقت الذي يريده، و إنّما ليس له أن يذهب بها إلى المحلّ الذي مسافة الذهاب إليه ساعتان في ساعة واحدة.

كذلك إذا استعار حجرة في خان استعارة مطلقة كان له أن يسكنها و أن يضع فيها أمتعته، و لكن ليس له أن يستعملها على خلاف العادة، كأن يشتغل فيها-مثلا-بصنعة الحدادة) .

راجع: بدائع الصنائع 8: 374-375، المجموع 14: 210، تبيين الحقائق 5: 86، مجمع الأنهر 2: 349، البحر الرائق 7: 281، الفتاوى الهندية 4: 363، اللباب 2: 202-203.

(3) و نصّها-على ما في درر الحكّام 2: 315-هو:

(إذا كانت الإعارة مقيّدة بزمان أو مكان يعتبر ذلك القيد، فليس للمستعير مخالفته.

مثلا: إذا استعار دابّة ليركبها أربع ساعات، و كذلك استعار فرسا ليركبه إلى محلّ، فليس له-

21

بالعرف و العادة، فلو تجاوزهما و عطبت ضمن، و تارة تقع مقيّدة، فلو تجاوز القيد ضمن مطلقا سواء تجاوزه إلى المساوي أو الأعلى أو الأدنى، و لا حاجة إلى كلّ ذلك التطويل.

و من هنا تعرف الخلل في:

(مادّة: 818) إذا قيّدت الإعارة بنوع... 1 .

فإنّ ذكر المعير لنوع من الأنواع إن كان على نحو القيدية لا يجوز التجاوز عنه حتّى إلى الأدنى و الأخفّ؛ لعدم الإذن فيه.

غايته أنّ قرائن المقام غالبا تدلّ على أنّ المراد بالقيد هو التحديد بالنسبة إلى الأشدّ لا الأخفّ، و أنّ الملحوظ رعاية العناية بالعين و المحافظة عليها، أمّا مع الشكّ و عدم القرينة المفيدة للعلم فلا يجوز التعدّي.

و أوهى من هذا كلّه ما في:

____________

ق-أن يركبه إلى محلّ غيره) .

لاحظ المصادر المذكورة في الهامش السابق.

(1) تكملة المادّة-على ما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 453-هي:

(من أنواع الانتفاع فليس للمستعير أن يتجاوز ذلك النوع إلى ما فوقه، لكن له أن يخالف باستعمال العارية إلى ما هو مساو لنوع الاستعمال الذي قيّدت به أو أخفّ منه.

مثلا: لو استعار دابّة ليحمّلها حنطة فليس له أن يحمّلها حديدا أو حجارة، و إنّما له أن يحمّلها شيئا مساويا للحنطة أو أخفّ منها.

و كذا لو استعار دابّة للركوب فليس له أن يحمّلها، و أمّا الدابّة المستعارة للحمل فإنّها تركب) .

قارن: بدائع الصنائع 8: 375، تبيين الحقائق 5: 87، مجمع الأنهر 2: 349، البحر الرائق 7:

281، الفتاوى الهندية 4: 363، اللباب 2: 202-203.

22
(مادّة: 819) إذا كان المعير أطلق الإعارة بحيث لم يعيّن... 1 .

فقد مرّت عليك الإشارة إلى أنّ إطلاق العارية يقتضي اقتصار المستعير في الانتفاع بنفسه و لا يجوز التعدّي إلى غيره، إلاّ أن يصرّح له بالتجاوز 2 ، فإن العارية-سواء كانت تمليكا أو إباحة-هي على خلاف الأصل؛ لأنّه تمليك مجّاني.

فالقدر المتيقّن من قول المالك: أعرتك حجرتي، جواز سكناه فيها بنفسه أو مع من يتّصل به عادة، و لا يشمل الأجنبي قطعا.

و لو أعاره الفرس لا يجوز أن يدفعها المستعير ليركبها غيره، إلاّ مع تصريح المالك.

و من هذا يظهر الاضطراب في:

(مادّة: 820) يعتبر تعيين المنتفع في إعارة الأشياء التي تختلف‏

____________

(1) تكملة المادّة-على ما في درر الحكّام 2: 319-320-هي:

(المنتفع كان للمستعير أن يستعمل العارية على إطلاقها.

يعني: إن شاء استعملها بنفسه، و إن شاء أعارها لغيره ليستعملها سواء أكانت ممّا لا يختلف باختلاف المستعملين كالحجرة، أم كانت ممّا يختلف باختلاف المستعملين كدابّة الركوب.

مثلا: لو قال رجل لآخر: أعرتك حجرتي، فالمستعير له أن يسكنها بنفسه و أن يسكنها غيره.

و كذا لو قال: أعرتك هذا الفرس، كان للمستعير أن يركبه بنفسه و أن يركبه غيره) .

انظر: بدائع الصنائع 8: 375 و 376، تبيين الحقائق 5: 86، مجمع الأنهر 2: 349، البحر الرائق 7: 281، الفتاوى الهندية 4: 363 و 364، اللباب 2: 202-203.

(2) مرّت الإشارة إلى ذلك في ص 20.

23

باختلاف المستعملين، و لا يعتبر في إعارة الأشياء التي لا تختلف به.

إلاّ أنّه إن كان المعير نهى المستعير عن أن يعطيه لغيره فليس للمستعير أن يعيره لآخر يستعمله.

مثلا: لو قال المعير للمستعير: أعرتك هذا الفرس لتركبه أنت، فليس له أن يركّبه خادمه، و أمّا لو قال له: أعرتك هذا البيت لتسكنه أنت، كان للمستعير أن يسكنه و أن يسكن فيه غيره، لكن إذا قال له أيضا: لا تسكن فيه غيرك، فليس له حينئذ أن يسكّن فيه غيره 1 .

و مجال النظر فيها من وجهين:

الأوّل: أنّ اعتبار تعيين المنتفع في إعارة الأشياء التي تختلف باختلاف المستعملين ممنوع، بل غايته أنّ المعير إن عيّن شخصا تعيّن، و إن أطلق انصرف إلى المستعير بنفسه، و لا يجوز أن يتجاوز إلى غيره.

و الثاني: أنّ جعل الفرس ممّا يختلف و البيت ممّا لا يختلف أيضا محلّ منع، فإنّ الساكنين أيضا يختلفون باستعمال البيوت، فلو قال له:

أعرتك البيت، فظاهر هذا اختصاص العارية به، فلا يجوز أن يسكنها صديقه أو قريبه، إلاّ بإجازة صريحة خاصّة أو عامّة.

____________

(1) ورد: (إذا كان) بدل: (إن كان) ، و: (إعطائه) بدل: (أن يعطيه) ، و: (ليستعمله) بدل:

(يستعمله) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 455.

و ورد التغيير الأخير، و كذلك ورد: (يركّب خادمه إيّاه) بدل: (يركّبه خادمه) في درر الحكّام 2: 322.

قارن: تبيين الحقائق 5: 86، مجمع الأنهر 2: 348-349، الفتاوى الهندية 4: 364.

24

و القصارى: أنّ المتّبع مقدار الإذن و أخذ المتيقّن من كلامه.

و كلّ مورد يشكّ فيه فالأصل عدم الجواز، و عليه تبتني:

(مادّة: 821) لو استعير فرس بأن يركب إلى محلّ معيّن‏[... ] 1 إلى آخرها.

فإنّ العارية و الإذن-مع الإطلاق-ينصرف إلى المتعارف، و يبقى غيره مشكوكا، و الأصل عدم الجواز.

فلو تجاوز المتعارف ترتّب الضمان عليه بالتلف حتّى مع عدم التعدّي و التفريط.

(مادّة: 822) إذا طلب شخص من امرأة إعارة شي‏ء هو ملك زوجها، فأعارته إيّاه بلا إذن الزوج، فضاع، فإن كان ذلك الشي‏ء ممّا هو داخل البيت و في يد الزوج عادة لا يضمن المستعير و لا الزوجة أيضا، و إن لم يكن ذلك الشي‏ء من الأشياء التي تكون في يد النساء-كالفرس- فالزوج مخيّر إن شاء ضمّنه لزوجه، و إن شاء ضمّنه للمستعير 2 .

____________

(1) تكملة المادّة-على ما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 455-456-هي:

(فإن كانت الطرق إلى ذلك المحلّ متعدّدة كان للمستعير أن يذهب من أيّ طريق شاء من الطرق التي اعتاد الناس الذهاب فيها.

أمّا لو ذهب في طريق ليس معتادا السلوك فيه فهلك الفرس لزم الضمان.

و كذلك لو ذهب من طريق غير الذي عيّنه المعير فهلك الفرس، فإن كان الطريق الذي سلكه المستعير أطول من الطريق الذي عيّنه المعير، أو غير أمين، أو خلاف المعتاد، لزمه الضمان) .

انظر: الفتاوى الهندية 4: 365، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 396.

(2) ورد: (رجل) بدل: (شخص) ، و: (زوجته) بدل: (لزوجه) ، و: (المستعير) بدل: -

25

العبارة-مضافا إلى سوء التعبير من حيث العربية في: (ضمّنه لزوجه) -قاصرة عن بيان المراد.

و محصّلها: أنّ المرأة إذا أعارت شيئا من أثاث البيت الذي هو في ملك الزوج، و لكنّه في يدها؛ لأنّه من مرافق الحياة البيتية، فأعارته و تلف عند المستعير من غير تقصير، فلا ضمان عليها و لا على المستعير، و إن لم يكن في يدها-كالفرس و الكتاب مثلا-فالزوج مخيّر بين تضمين الزوجة و ترجع على من تلف المال بيده، أو تضمين المستعير، فإن كان مغرورا منها رجع عليها، و إلاّ فلا.

و لكن عدم الرجوع في الشقّ الأوّل مشروط بوجود إذن الفحوى و قرائن الحال برضا الزوج أن تعير شيئا ممّا في يدها من أمواله، و إلاّ فهي ضامنة أيضا.

و من هنا تعرف القصور أيضا في عبارة (المجلّة) هنا لفظا و معنى.

(مادّة: 823) ليس للمستعير أن يؤجّر العارية و لا أنّ يرهنها بدون إذن المعير.

فإذا استعار مالا ليرهنه على دين في بلد، فليس له أن يرهنه على دين في بلد آخر، فإذا رهنه فهلك لزمه الضمان 1 .

____________

ق (للمستعير) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 456.

و ورد: (يد الزوجة) بدل: (يد الزوج) ، و: (لزوجته) بدل: (لزوجه) ، و ذلك في درر الحكّام 2: 325.

لا حظ: الفتاوى الهندية 4: 368، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 417.

(1) ورد: (و إذا استعار) بدل: (فإذا استعار) ، و: (بدين عليه) بدل: (على دين) في موضعين‏

26

و يكشف عن عدم ملكية المستعير للمنافع، و إلاّ فلو كان مالكا لها لجاز نقلها إلى غيره بإجارة و صلح أو غيره.

أمّا الرهن فلا يصحّ بدون الإذن الصريح؛ لأنّ الرهن يقف على الملك و المستعير غير مالك.

(مادّة: 824) للمستعير أن يودع العارية عند آخر، فإذا هلكت في يد المستودع بلا تعدّ و لا تقصير لا يلزم الضمان.

مثلا: إذا استعار دابّة على أن يذهب بها إلى محلّ كذا ثمّ يعود، فوصل إلى ذلك المحلّ، فتعبت الدابّة و عجزت عن المشي، فأودعها عند شخص، ثمّ هلكت حتف أنفها، فلا ضمان 1 .

____________

قمن المادّة في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 457.

و ورد التغيير الأوّل، و كذلك وردت زيادة لفظة: (عليه) بعد كلمة: (دين) في موضعين من المادّة في درر الحكّام 2: 325.

راجع: تبيين الحقائق 5: 85، البناية في شرح الهداية 9: 179-180، شرح الكنز للعيني 2:

142، مجمع الأنهر 2: 348، البحر الرائق 7: 281، الفتاوى الهندية 4: 364، اللباب 2:

202.

(1) ورد: (ليذهب) بدل: (على أن يذهب) ، و: (رجل) بدل: (شخص) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 457-458.

و وردت المادّة نصّا في درر الحكّام 2: 327.

و هذا المذكور في (المجلّة) هو قول مشايخ العراق و بعض آخر، و هو الصحيح عند الحنفيّة، و اختاره المالكيّة.

و أمّا الشافعيّة و الحنابلة فعندهم: لا يجوز إيداع العارية و لا استعارتها و لا إجارتها.

قارن: بدائع الصنائع 8: 375، المغني 5: 361، المجموع 14: 209 و 219، البناية في شرح الهداية 9: 194، الشرح الصغير للدردير 3: 571، الفتاوى الهندية 4: 364، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 403.

27

هذا-على إطلاقه-ممنوع، بل هو مقيّد بصورة الحاجة و الضرورة و حيث يتوقّف الحفظ على إيداعها.

أمّا مع عدم ذلك فلا يجوز له أن يودعها عند الغير؛ فإنّه تصرّف غير مأذون فيه، فلو تلف كان مضمونا.

ثمّ إنّ المواد المذكورة هنا في (المجلّة) من (مادّة: 825) إلى ([مادّة: ]831) 1 كلّها واضحة لا تعليق لنا عليها سوى المادّة الأخيرة:

____________

(1) نصوص هذه المواد-على ما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 458-460-كما يلي:

(مادّة: 825) متى طلب المعير العارية لزم المستعير ردّها إليه فورا، و إذا وقّفها و أخّرها بلا عذر فتلفت أو نقصت قيمتها ضمن.

انظر: البناية في شرح الهداية 9: 193، البحر الرائق 7: 283 و 284، الفتاوى الهندية 4:

371، اللباب 2: 204، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 400.

(مادّة: 826) العارية المؤقّتة نصّا أو دلالة يلزم ردّها للمعير في ختام المدّة، لكن المكث المعتاد معفو.

مثلا: لو استعارت امرأة حليا على أن تستعمله إلى عصر اليوم الفلاني لزم ردّ الحلى المستعار في حلول ذلك الوقت.

و كذلك لو استعارت حليا على أن تلبسه في عرس فلان لزم إعادته في ختام ذلك العرس، لكن يعفى عن مرور مدّة لا بدّ منها عادة للردّ و الإعادة.

راجع: الفتاوى الهندية 4: 371، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 400.

(مادّة: 827) إذا استعير شي‏ء للاستعمال في عمل معيّن، فمتى انتهى ذلك العمل تبقى العارية في يد المستعير كالوديعة.

و حينئذ ليس له أن يستعملها و لا أن يمسكها زيادة عن المكث المعتاد، و إذا استعملها أو أمسكها فهلكت ضمن.

لا حظ: تبيين الحقائق 5: 90، مجمع الأنهر 2: 351، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 400 و 403. -

28

____________

ق- (مادّة: 828) المستعير يردّ العارية إلى المعير بنفسه أو على يد أمينه، فإذا ردّها على يد غير أمينه و هلكت أو ضاعت قبل الوصول ضمن.

المذكور في هذه المادّة هو رأي الحنفيّة، و ذهب إليه المالكيّة.

و عند الشافعيّة: يجوز الردّ إلى الحاكم عند غيبة المعير أو الحجر عليه بسفه أو فلس، فلو ردّ الدابّة إلى الإصطبل و الثوب للبيت الذي أخذه منه لم يبرأ، إلاّ أن يعلم به المالك أو يخبره به ثقة.

و كذلك لا يبرأ عندهم بالردّ إلى ولده أو زوجته حتّى و لو لم يجد المالك أو وكيله، بل يجب الضمان عليهما بالردّ إليهما، فإن أرسلا الدابّة-مثلا-إلى المرعى و تلفت فالضمان عليهما؛ لحصول التلف في يدهما، حتّى لو غرما لم يرجعا على المستعير، و لو غرم المستعير رجع عليهما.

و الحنابلة كالشافعية في أنّه إذا ردّ الدابّة إلى المكان الذي أخذها منه أو إلى ملك صاحبها لم يبرأ؛ لأنّه لم يردها إلى مالكها و لا نائبه فيها، كما لو دفعها إلى أجنبي.

و إن ردّها إلى من جرت عادته بحصول ذلك على يديه، كزوجته المتصرّفة في ماله، أو ردّ الدابّة إلى سائسها، فقياس المذهب أنّه يبرأ، و هو الذي قاله القاضي، و قاس ذلك على الوديعة.

و قد قال إمام الحنابلة فيها: (إذا سلّمها المودع إلى امرأته لم يضمنها؛ لأنّه مأذون في ذلك عرفا أشبه ما لو أذن فيه نطقا) .

قارن: المغني 5: 358، المجموع 14: 207-208 و 209، تبيين الحقائق 5: 90، البحر الرائق 7: 284، الشرح الصغير للدردير 3: 577-578، الفتاوى الهندية 4: 369، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 402-403.

(مادّة: 829) العارية إذا كانت من الأشياء النفيسة-كالمجوهرات-يلزم في ردّها أن تسلّم ليد المعير نفسه، و أمّا ما سوى ذلك من الأشياء فيكفي إيصاله المحلّ الذي يعدّ التسليم فيه تسليما في العرف و العادة، و كذا إعطاء العارية إلى خادم المعير، فإنّه ردّ و تسليم.

مثلا: الدابّة المعارة يتمّ تسليمها بإيصالها إلى إصطبل المعير، أو تسليمها إلى سائسه.

انظر: الفتاوى الهندية 4: 369، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 403. -

29
(مادّة: 832) إذا كانت إعارة الأرض للزرع-سواء كانت مؤقّتة أو غير مؤقّتة-ليس للمعير أن يرجع بالإعارة و يستردّ الأرض قبل وقت الحصاد 1 .

____________

ق- (مادّة: 830) نفقة ردّ العارية و مؤنة نقلها على المستعير.

راجع: تبيين الحقائق 5: 89، البحر الرائق 7: 283، نهاية المحتاج 5: 126، الفتاوى الهندية 4: 372، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 400.

(مادّة: 831) استعارة الأرض لغرس الأشجار و البناء عليها صحيحة.

لكن للمعير أن يرجع عن الإعارة متى شاء، فإذا رجع لزم المستعير قلع الأشجار و رفع البناء.

ثمّ إذا كانت الإعارة مؤقّتة، فرجع المعير عنها قبل مضي الوقت، و كلّف المستعير قلع الأشجار و رفع البناء، فإنّه يضمن للمستعير تفاوت قيمتها مقلوعة بين وقت القلع و انتهاء مدّة الإعارة.

مثلا: إذا كانت قيمة البناء و الأشجار مقلوعة حين الرجوع عن الإعارة اثني عشر دينارا، و قيمتها لو بقيت إلى انتهاء وقت الإعارة عشرون دينارا، و طلب المعير قلعها، لزمه أن يعطي للمستعير ثمانية دنانير.

لا حظ: تبيين الحقائق 5: 88، البحر الرائق 7: 282، الفتاوى الهندية 4: 370، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 398-399.

(1) ورد: (عن الإعارة) بدل: (بالإعارة) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 461.

و وردت المادّة في درر الحكّام (2: 337) بالصيغة التالية:

(ليس للمستعير استرداد الأرض التي أعيرت للزرع إذا رجع عن إعارته قبل وقت الحصاد سواء أكانت الإعارة مؤقّتة أم غير مؤقّتة) .

مذهب الحنفيّة، و هو الأصحّ عند الشافعيّة، و هو الوجه المقدّم عند الحنابلة، و هو القول غير المعتمد عند المالكيّة: أنّ معير الأرض للزراعة إذا رجع قبل تمام الزرع و حصاده فليس له أخذها من المستعير، بل تبقى في يده بأجر المثل.

و هذا الحكم عند الحنفيّة استحسان سواء كانت الإعارة مطلقة أم مقيّدة.

و حجّتهم في ذلك أنّه يمكن الجمع بين مصلحة المعير و المستعير، بأن يأخذ المعير أجر-

30

هذا يوشك أن يكون تهافتا مع المادّة التي قبلها الظاهرة في أنّ له الرجوع في المؤقّتة مطلقا، غايته أنّه يضمن التفاوت.

ثمّ إنّ العارية إذا كانت مؤقّتة إلى شهر-مثلا-و تأخّر وقت الحصاد بعده إلى شهر و اثنين، ثمّ رجع المعير، فاللازم على المستعير إمّا أن يقلع الزرع و يجعله قصيلا، أو يعطي أجرة المدّة الباقية إلى الحصاد.

و كذا لو كانت غير مؤقّتة؛ فإنّ عدم التوقيت لا يجعلها لازمة على المعير، بل له الرجوع متى شاء على أصل قاعدة العارية المطلقة.

____________

ق-المثل، فينتفي ضرره بذلك، و يبقي الزرع في الأرض حتّى يحصد، و في ذلك مصلحة المستعير فلا يضرّ بالقلع قبل الحصاد.

و هذا هو الأصحّ عند الشافعيّة في الإعارة المطلقة إن نقص الزرع بالقلع؛ لأنّه محترم و له أمد ينتهي اليه، و تبقى بأجر المثل.

و مذهب الشافعيّة في الصحيح عندهم: ألاّ أجرة على المستعير، بل تبقى الأرض في يده حتّى الحصاد بلا أجر؛ لأنّ منفعة الأرض إلى الحصاد.

و لهم مذهب آخر أيضا، و هو: أنّ للمعير القلع؛ لانقطاع الإباحة.

و مذهب الحنابلة كمذهب الحنفيّة في عدم جواز الرجوع، و لكنّهم قالوا: إن كان الزرع ممّا يحصد قصيلا فله الرجوع في وقت إمكان حصاده.

و لم يتعرّض الحنفيّة ظاهرا لهذا النوع من الزرع، كالبرسيم و الشعير الأخضر.

أمّا المالكيّة فلهم ثلاثة آراء في الإعارة المطلقة:

أوّلها: ما هو مذهب الحنفيّة و القول الأصحّ عند الشافعيّة، و قد ذكر سلفا.

و ثانيها: أنّ الأرض تبقى في يد المستعير المدّة التي تراد الأرض لمثلها عادة.

و ثالثها: أنّ الأرض لا تبقى في يد المستعير. و هو قول أشهب.

أمّا في الإعارة المقيّدة بعمل أو أجل فلا يرجع قبل انقضاء العمل أو الأجل.

قارن: بدائع الصنائع 8: 377-378، المغني 5: 365-368، تبيين الحقائق 5: 88، شرح الكنز للعيني 2: 143، مجمع الأنهر 2: 350، نهاية المحتاج 5: 136-139، الشرح الصغير للدردير 3: 577، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3: 577، حاشية ردّ المحتار 5: 682.

31

نعم، في المؤقّتة يمكن أن يقال: إنّه لا يجوز له الرجوع في أثناء المدّة؛ لأنّ التوقيت كالتزام ضمني، فلا بدّ من الوفاء به 1 .

و تمكن المناقشة فيه: بأنّه و إن كان التزاما، لكنّه غير لازم و لا وقع شرطا في ضمن عقد لازم.

إلى هنا انتهت مباحث العارية، و للّه الحمد و المنّة.

____________

(1) حكي هذا القول-من دون ذكر علّته-عن ابن الجنيد الإسكافي في المختلف 6: 46.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الكتاب السابع الهبة و يشتمل على مقدّمة و بابين‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

المقدّمة في بيان الاصطلاحات الفقهيّة المتعلّقة بالهبة

(مادّة: 833) الهبة: تمليك مال لآخر بلا عوض، و يقال لفاعله:

واهب 1 .

اعلم أنّ معنى الهبة و مشتقّاتها-حسب استعمالاتها اللغوية-واسع إلى مدى شاسع، و أقرب عبارة تعرب عنه هو: العطاء و النحلة المشوب برشحة من الإحسان و التفضّل سواء كان المعطى مالا أو غيره عينا أو غيرها.

فيصحّ أن تقول بلا تكلّف و عناية: وهبتك ودّي، كما تقول: وهبتك مالي، و يصحّ أن تقول: وهبني اللّه ولدا، كما تقول: وهبني عزّا و ملكا، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا `يَرِثُنِي 2 ، وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ* 3 .

____________

(1) للمادّة تكملة، و تكملتها-على ما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 462-هي:

(و لذلك المال: موهوب، و لمن قبله: موهوب له، و الإتهاب بمعنى: قبول الهبة أيضا) .

قارن: المغني 6: 246، تبيين الحقائق 5: 91، البناية في شرح الهداية 9: 196، فتح العلاّم 490، مواهب الجليل 6: 49، البحر الرائق 7: 284، مغني المحتاج 2: 396، تكملة شرح فتح القدير 7: 479، شرح منتهى الإرادات 2: 517، مجمع الأنهر 2: 352، الفتاوى الهندية 4: 374، حاشية الشرقاوي على التحرير 2: 115، بلغة السالك 3: 613، حاشية ردّ المحتار 5: 687، اللباب 2: 171، المعتمد في فقه الإمام أحمد 2: 23.

(2) سورة مريم 19: 5-6.

(3) سورة الأنعام 6: 84، سورة الأنبياء 21: 72، سورة العنكبوت 29: 27.

ـ

36

كلّها استعمالات حقيقة لا تجوّز فيها أصلا.

نعم، اختصّت الهبة في لسان الشرع و المتشرّعة بتمليك العين بلا عوض، كما سيأتي، و هو المراد هنا.

و كما أنّ البيع و الإجارة هما أصل عقود المعاوضات-أي: الأصل في مبادلة المال بالمال-فكذلك الهبة و العارية هما الأصل في عقود المجّانيات، و هما أظهر و أشهر ما يقع به تمليك العين أو المنفعة بلا عوض بناء على اندراج العارية في العقود على المشهور 1 و إن كان الأصحّ عندنا أنّ حقيقتها إذن و إباحة، كما سبق 2 .

و على كلّ، فالهبة هي الأصل في تمليك الأعيان بلا عوض، فالهبة في الأعيان كالعارية في المنافع، و العارية الأصل في إباحة المنافع أو تمليكها مجّانا.

و قد شاع-عند الفقهاء-تعريف الهبة بأنّها: تمليك مال بلا عوض 3 .

و فيه نوع تسامح و إجمال يحتاج إلى توضيح و تشريح، فنقول:

إنّ تمليك المال عينا أو منفعة بل أو حقّا-حيث يكون من الحقوق القابلة للانتقال-إمّا أن يكون بإزاء عوض مالي أو لا، فالأوّل يقع بعقد البيع و الإجارة و الصلح، و الثاني-و هو: التمليك بغير عوض مالي-إمّا أن يكون

____________

(1) راجع الهامش الأوّل من ص 9.

(2) سبق في ج 2 ص 415 و في هذا الجزء ص 7 و 8 و 9 و 10 و 16.

(3) تقدمت الإشارة إلى المصادر في هامش (مادّة: 833) ، فراجع.

و انظر: الشرائع 2: 457، مجمع الفائدة 10: 560، الجواهر 28: 159.

37

بعوض لنفس التمليك، فهو الهبة المعوّضة، فإنّ العوض فيها-كما عرفت 1 -لنفس الهبة لا للعين الموهوبة، و من هنا دخلت الهبة المعوّضة في مطلق الهبة و صارت من أقسامها، و إمّا أن يتجرّد عن العوض المالي، فإمّا أن يكون بقصد الأجر و الثواب، و هو الصدقة بالمعنى العامّ، فإن كان تمليكا طلقا فهو الصدقة بالمعنى الخاصّ، و إن كان تمليكا لعين مقيّدا ببقائها و دوامها-أي: و وقوفها و عدم نقلها-فهو الوقف، و إن كان للمنفعة فقط مدّة عمر أحدهما أو مدّة معيّنة فهي العمرى أو الرقبى، و إمّا أن يتجرّد حتّى عن الأجر، فإن كان بصورة العقد إيجابا و قبولا فهي الهبة، و إمّا أن يكون بصورة الإرسال من غير عقد فهو الهدية، و إن لم يكن لا هذا و لا ذاك فهو العطية، و إن كانت لرحم فهو النحلة.

هذه أصول معاني هذه الألفاظ بحسب وضعها اللغوي، و قد يقوم بعضها مقام بعض بحسب استعمالها العرفي.

و لكن قد اتّضح لك أنّ تمليك المال بلا عوض الذي عرّفوا به الهبة هو القدر الجامع و المقسم الكلّي الذي يعمّ الهبة و غيرها حتّى الصدقة و الوقف فضلا عن الهدية و العطية، و الأمر في كلّ ذلك سهل.

إنّما المهمّ أن تعرف أنّ جميع هذه الأقسام داخلة في التمليك المجّاني، فلا يشتبه عليك الأمر بالإباحة و الرخصة و الإذن بالانتفاع، فإنّها أجمع أجنبية عن تلك الأنواع بالكلّية، و هي في قبالها حتّى الرخصة في أكل المال و استهلاكه، فتدبّره.

____________

(1) و ذلك في ج 1 ص 295.

38

و قد تحصّل من جميع ذلك: أنّ الهبة عقد يفيد تمليك المال فعلا بلا عوض له أصلا.

فتخرج الهدية و العطية و النحلة؛ لأنّها ليست عقودا، و الوصية؛ فإنّها و إن أفادت التمليك المجّاني، و لكن معلّقا على الموت لا فعلا.

كما خرج بقيد: (عدم العوض) البيع و الإجارة و الصلح و الوقوف و الصدقات، و دخلت الهبة المعوّضة؛ فإنّها تمليك مال بلا عوض للمال.

أمّا الرشوة فهي عطية، و لكنّها عطية محرّمة، و العطايا المحرّمة كثيرة.

نعم، يبقى الكلام في العارية، فإن جعلناها عقد تمليك للمنافع و عمّمنا الهبة للمنافع تداخلتا، و إن خصصنا الهبة بالأعيان أو جعلنا العارية إذنا و إباحة لا عقدا و لا تمليكا افترقتا.

(مادّة: 834) الهدية هي: المال الذي يعطى لأحد، أو يرسل إليه إكراما 1 .

و قد عرفت أنّ الغالب في الهدية الإرسال، و هو غير العطية، و قد تستعمل الهدية في مورد الإعطاء تسامحا.

____________

(1) ورد: (لواحد) بدل: (لأحد) ، و وردت زيادة: (له) آخر المادّة في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 462.

و ورد التغيير الأخير فقط في درر الحكّام 2: 346.

انظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي 4: 300، المطلع على أبواب المقنع 291، الإنصاف 7: 154، غاية البيان للرملي 257، فتح العلاّم 490، الدر المنتقى 2: 352، الفتاوى الهندية 4: 376، حاشية الشرقاوي على التحرير 2: 115، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 427، المعتمد في فقه الإمام أحمد 2: 23.

39

(مادّة: 835) الصدقة هي: المال الذي وهب لأجل الثواب 1 .

يعني: العطاء الذي يقصد به القرب إلى اللّه (جلّ شأنه) و طلب المثوبة منه، و لا يلزم فيها الإيجاب و القبول، و تلزم بمجرّد الدفع بقصد القربة مع القبض.

و هذه هي الصدقة بالمعنى الخاصّ، بل الأخصّ الذي يمتاز عن الوقف و أخواته من الصدقات التي لا تتحقّق إلاّ بالعقد عند المشهور 2 .

(مادّة: 836) الإباحة عبارة عن: إعطاء الرخصة و الإذن لشخص أن يأكل أو يتناول شيئا بلا عوض 3 .

و هذا غير التمليك، و الفرق-مثل الصبح-واضح، فإنّ المالك يتصرّف كيف شاء، و المأذون لا يتصرّف إلاّ على حدّ الإذن و مقدار الرخصة، فلا يقدر على البيع فضلا عن غيره، إلاّ بإذن خاصّ.

____________

(1) للمقارنة راجع: النتف في الفتاوى 1: 514، شرح الزركشي على مختصر الخرقي 4: 300، المطلع على أبواب المقنع 291، الإنصاف 7: 154، غاية البيان للرملي 257، حاشية القليوبي على شرح المنهاج 3: 111، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 427، المعتمد في فقه الإمام أحمد 2: 23.

(2) لاحظ: المسالك 5: 309 و 417، الرياض 10: 94، الجواهر 28: 3 و 134 و 159.

(3) وردت المادّة بزيادة: (هي) بعد كلمة: (الإباحة) في درر الحكّام 2: 346.

و ورد: (هي الترخيص) بدل: (عبارة عن إعطاء الرخصة) ، و: (لواحد) بدل: (لشخص) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 462.

انظر: تبيين الحقائق 6: 10، التعريفات للجرجاني 11، الفتاوى الهندية 4: 381.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب الأوّل في بيان المسائل المتعلّقة بعقد الهبة و يشتمل على فصلين‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الفصل الأوّل في بيان المسائل المتعلّقة بركن الهبة و قبضها

الكلام في الهبة يلزم أن يقع في أربع نواح: الواهب، الموهوب له، العين الموهوبة، عقد الهبة و شروطه و حكمها من جواز أو لزوم أو غيرهما.

و قد تعرّضت (المجلّة) للعقد أوّلا، و هو ركنها الأعظم في:

(مادّة: 837) تنعقد الهبة بالإيجاب و القبول، و تتمّ بالقبض 1 .

اعلم أنّ جميع العقود المجّانية التي مرّ عليك عناوينها لا يترتّب عليها أيّ أثر إلاّ بعد القبض، فهو ركنها الأعظم و شطرها أو شرطها الأهمّ، أي: أهمّ حتّى من الإيجاب و القبول.

____________

(1) ذهب الحنفيّة و الشافعيّة إلى: أنّ القبض من شروط الصحّة.

و ذهب المالكيّة إلى: أنّه من شروط التمام لا الصحّة.

و أمّا الحنابلة فعندهم: أنّ القبض لا من شروط الصحّة و لا من شروط التمام، و إنّما هو شرط في هبة المكيل و الموزون فقط.

قارن: المبسوط للسرخسي 12: 48، القبس 3: 475-476، الفقه النافع 3: 1009، بدائع الصنائع 8: 84 و 105، بداية المجتهد 2: 327، المغني 6: 246 و 251، تبيين الحقائق 5:

91، البناية في شرح الهداية 9: 197-198، شرح الكنز للعيني 2: 143، التذكرة في الفقه الشافعي 108، الإنصاف 7: 111 و 112، التوضيح للشويكي 2: 838، البحر الرائق 7:

284 و 285، مغني المحتاج 2: 400، مجمع الأنهر 2: 353، الفتاوى الهندية 4: 374 و 375، اللباب 2: 171.

44

ألا ترى أنّ الهبة-مثلا-يترتّب عليها أثرها المهمّ-و هو التمليك-بغير إيجاب و قبول، كما لو أنشأ الهبة بالإعطاء مع القبض، فإنّها تفيد الملكية، كما تفيدها المعاطاة في البيع على المشهور 1 ، بخلاف ما لو حصل الإيجاب و القبول بدون قبض، فإنّه لا أثر لهما أصلا.

فركنية القبض في هذه العقود أهمّ من ركنية الإيجاب و القبول.

بل ينسب إلى بعض عدم الحاجة إلى القبول، و كفاية الإيجاب وحده 2 ، فتكون عنده من الإيقاعات.

و هو شاذّ.

أمّا اعتبار القبض في مطلق العقود المجّانية و خصوص الهبة فالظاهر أنّه موضع اتّفاق المسلمين و عند عامّة المذاهب 3 ، و أخبار الفريقين به متظافرة 4 .

و في النبوي المشهور: «لا تجوز الهبة إلاّ مقبوضة» 5 .

____________

(1) راجع الجزء الأوّل من هذا الكتاب ص 357 و 361.

(2) لا حظ ما نقله الشهيد الثاني عن العلاّمة الحلّي في المسالك 6: 10 و 11.

و انظر بدائع الصنائع 8: 84.

(3) تقدّم الكلام حول المسألة و مصادرها في الهامش الأوّل من ص 43.

و راجع بالإضافة إلى ما تقدّم: الخلاف 3: 555، حلية العلماء 6: 48، المجموع 15: 370 و 381، المسالك 6: 17، الحدائق 22: 309، الجواهر 28: 168.

(4) لا حظ: السنن الكبرى للبيهقي 6: 169-170، كنز العمّال 16: 650-651، الوسائل الهبات 4 (19: 232-234) .

(5) المصنّف لعبد الرزّاق 9: 107، نصب الراية 4: 121، بأدنى تفاوت.

45

و لعلّ حكمة التشريع في ذلك أنّ الشارع الحكيم حيث وجد المجّانيات محض تفضّل و إحسان و بذلا للمال بلا عوض أراد أن يعطي الواهب الباذل فسحة للروية و مجالا للتدبّر، و ربّما بدا له العدول بعد الإيجاب و القبول، فلو لزم عليه بالقول وحده لكان ضيقا و حرجا عليه و تضييعا لماله، لذلك لم يكتف بالقول حتّى يتبعه بالفعل، أعني: الدفع من الباذل و القبض من المبذول له.

و لو قيل: يكفي لهذا الغرض جعل العقد جائزا، فيرجع متى شاء.

قلنا: أليس الرجوع-بعد حصول الملكية-قبيحا شرعا، كما هو كذلك عرفا، و: «الراجع في هبته كالراجع في قيئه» 1 ؟!

فدفعا لهذا القبح و هذه الحزازة لم يجعل العقد بنفسه مؤثّرا أصلا كي لا يحتاج إلى الرجوع كما في العقد الجائز، فإن أقبض نفذ، و إلاّ فلا، و هذا كلّه بخلاف عقود المعاوضات؛ لمكان العوض فيها به بخلافه هنا، فليتدبّر.

و ظهر-بما ذكرنا-أنّ حقّ التعبير في (المجلّة) أن تقول: لا تنعقد الهبة بالإيجاب و القبول قبل القبض، أو ما يؤدّي ذلك.

(مادّة: 838) الإيجاب في الهبة هو: الألفاظ المستعملة في تمليك المال مجّانا، كأكرمت و وهبت و أهديت 2 .

____________

(1) ورد الحديث بلفظ: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» في: مسند أحمد 1: 217، 250، 291، 339، 342، 345 و 2: 182، صحيح مسلم 3: 1241، سنن ابن ماجة 2: 797، سنن أبي داود 3: 291، سنن الترمذي 3: 592، سنن النسائي 6: 266 و 267، السنن الكبرى للبيهقي 6: 180، منحة المعبود 1: 280.

(2) وردت زيادة كلمة: (معنى) قبل كلمة: (تمليك) ، كما أنّ للمادّة تكملة، و تكملتها-على‏

46

و قد مرّ غير مرّة أنّ خاصية العقود الجائزة كفاية كلّ لفظ يدلّ عليها حقيقة أو مجازا مع القرينة و قصد إنشاء معنى ذلك العقد، بل يمكن دعوى ذلك حتّى في العقود اللازمة و أنّها لا تختصّ بصيغ خاصّة، كما سبق في (الجزء الأوّل) 1 .

و كيف كان، فالهبة و الصدقة بالمنقول لا تختصّ بصيغة معيّنة، و يكفي فيها كلّ ما دلّ عليها مثل: خذه، و هو لك مجانا، و ما أشبه ذلك، و لا فرق في ذلك بين الزوج و الزوجة أو غيرهما، و المدار على القرائن حالية أو مقالية، بل يكفي قصد إنشاء التمليك بالفعل-أعني: العطاء-فيكون هبة معاطاتية، كما في:

(مادّة: 839) تنعقد الهبة بالتعاطي أيضا 2 .

و لو قال: بالعطاء أو الإعطاء لكان أحسن.

و إنّما تنعقد بالعطاء حيث تكون هناك قرينة قاطعة، و إلاّ فلا.

فمجرّد الإعطاء لا يكفي في الحكم بأنّه هبة، بل يبقى على ملك الأوّل

____________

قما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 463-هي:

(و التعبيرات التي تدلّ على التمليك مجّانا إيجاب للهبة أيضا، كإعطاء الزوج زوجته قرطا أو حليا، و قوله لها: خذي هذا، أو: علّقيه) .

قارن: الفقه النافع 3: 1011، شرح الكنز للعيني 2: 143، غاية البيان للرملي 257، البحر الرائق 7: 284، مجمع الأنهر 2: 354-355، الفروع للمحلّي 1: 415، الفتاوى الهندية 4:

375، اللباب 2: 171.

(1) سبق في ج 1 ص 341-344.

(2) انظر: مجمع الأنهر 2: 355، الفتاوى الهندية 4: 375، اللباب 2: 171، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 426.

47

بالاستصحاب حتّى يحصل اليقين.

كما أنّ بالعطاء تتمّ الهبة، و لا حاجة إلى القبول، فإنّ القبض قبول فعلي، كما في:

(مادّة: 840) الإرسال و القبض في الهبة يقوم مقام الإيجاب و القبول لفظا 1 .

و

(مادّة: 841) القبض في الهبة كالقبول في البيع 2 .

و كان الأولى جمع هذه المواد الثلاث في مادّة واحدة، بل بكلمة واحدة، فتقول-مثلا-: تنعقد الهبة بالعقد و القبض، و تتحقّق أيضا بالعطاء و القبض.

و كلّ ما ذكرته (المجلّة) هنا زيادة مستدركة.

ثمّ إنّ المشهور عند فقهاء الإماميّة أنّ القبض المعتبر في صحّة الهبة يشترط فيه أن يكون بإذن الواهب، فلو قبضه المتّهب بدون إذنه لم يكن له

____________

(1) وردت زيادة: (و الصدقة) بعد كلمة: (الهبة) في: شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 464، درر الحكّام 2: 356.

راجع: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق 5: 92، الفتاوى الهندية 4: 375.

(2) تكملة المادّة-على ما في درر الحكّام 2: 357-هي:

(بناء عليه تتمّ الهبة إذا قبض الموهوب له في مجلس الهبة المال الموهوب بدون أن يقول:

قبلت، أو: اتّهبت، عند إيجاب الواهب، أي: قوله: وهبتك هذا المال) .

لا حظ: المبسوط للسرخسي 12: 57، بدائع الصنائع 8: 106 و 107، الفتاوى الهندية 4:

375، و 377، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 425.

48

أثر في الصحّة 1 .

و علّلوه بعلّة معقولة و هي: بأنّ العين-بعد العقد قبل القبض-حيث إنّها باقية على ملك الواهب، فقبض المتّهب لها تصرّف بمال الغير بدون إذنه، و هو حرام، فلا يترتّب عليه أثر شرعي 2 .

و هي و إن أمكن المناقشة فيها، و لكنّها-ببعض الاعتبارات التي مرّت الإشارة إليها-متجهة، بل و قويّة.

فما قوّاه السيّد الأستاذ رحمه اللّه-في ملحقات العروة-من عدم لزوم الإذن 3 هو إلى الضعف أقرب منه إلى القوّة وفاقا لما نصّت عليه (المجلّة) في:

(مادة: 842) يلزم إذن الواهب صراحة أو دلالة في القبض 4 .

و وجهه ما عرفت من بقاء ملكية الواهب، فلا يجوز للمتّهب قبض

____________

(1) ادّعي عليه عدم الخلاف في المسالك 6: 21، و قارن: الحدائق 22: 315، الجواهر 28:

172.

و هذا هو رأي الشافعيّة أيضا، و أمّا الحنفيّة فقالوا: إن قبضه في المجلس صحّ و إن كان بغير إذن الواهب، و إن قام من مجلسه لم يكن له القبض، و إن قبض كان فاسدا و وجب عليه ردّه.

انظر: المبسوط للسرخسي 12: 57، المجموع 15: 379، مغني المحتاج 2: 400، الفتاوى الهندية 4: 377.

(2) راجع الهامش السابق.

(3) ملحقات العروة الوثقى 2: 165.

(4) انظر: بدائع الصنائع 8: 106، تبيين الحقائق 5: 92، التذكرة في الفقه الشافعي 108، التوضيح للشويكي 2: 838، مجمع الأنهر 2: 354، الفتاوى الهندية 4: 377، اللباب 2:

171.

ـ

49

العين بدون إذن مالكها، و لو تلفت في يده كان ضامنا.

و لو اعترف الواهب بالإذن و أنكر الإذن بالقبض كان القول قوله.

فما ذكرته (المجلّة) من اعتبار الإذن صحيح، و لكن ما في:

(مادّة: 834) إيجاب الواهب إذن بالقبض دلالة 1 .

على إطلاقه ممنوع، بل إن اقترن الإيجاب بقرينة تدلّ على الإذن كفى، و إلاّ فلا.

أمّا صرف الإيجاب فلا دلالة فيه على الإذن بالقبض أصلا بشي‏ء من الدلالات الثلاث؛ إذ الدلالة فرع التلازم، و لا تلازم بين الأمرين بجميع الوجوه.

و دعوى: أنّ مقصود الواهب لمّا كان هو إثبات ملكية الموهوب بعقد الهبة، فيكون الإيجاب تسليطا على القبض تحصيلا لمقصوده، و في الإيجاب دلالة على الإذن بالملازمة 2 .

مدفوعة: بأنّ كون قصده إثبات الملكية إنشاء مسلّم، و لكن كون

____________

(1) تكملة المادّة-على ما في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 464-465-التي سيذكرها المصنّف رحمه اللّه مبتورة هي:

(و أمّا إذنه صراحة فهو أن يقول-إذا كان حاضرا في مجلس الهبة-: خذ هذا المال، فإنّي وهبتك إيّاه، و إن كان غائبا فقوله: وهبتك المال الفلاني، اذهب و خذه، أمر صريح) .

قارن: بدائع الصنائع 8: 107، تبيين الحقائق 5: 92، مجمع الأنهر 2: 354، الفتاوى الهندية 4: 377، اللباب 2: 171.

(2) نقل هذه الدعوى علي حيدر عن البابرتي في درر الحكّام 2: 359، و لا حظ شرح العناية للبابرتي 7: 484.

50

قصده تحقّقها بالفعل غير مسلّم، و الملازمة تأتي على الثاني لا الأوّل، فتدبّره.

و قول (المجلّة) : (و أمّا إذنه صراحة فهو قوله: خذ هذا المال، فإنّي وهبتك‏[... ]إلى آخره) هو من الواضحات الغنية عن البيان.

إنّما البحث في ما ذكروه في:

(مادّة: 844) إذا أذن الواهب صراحة بالقبض فيصحّ قبض الموهوب له المال الموهوب في مجلس الهبة و بعد الافتراق، و أمّا إذنه بالقبض دلالة فمقيّد بمجلس الهبة، و لا يعتبر بعد الافتراق.

مثلا: لو قال: وهبتك هذا، و قبضه الموهوب له في ذلك المجلس يصحّ، و أمّا لو قبضه بعد الافتراق فلا يصحّ.

كذلك لو قال: وهبتك المال الذي هو في المحلّ الفلاني، و لم يقل: اذهب و خذه، فإذا ذهب الموهوب له و أخذه لا يصحّ 1 .

____________

(1) ورد: (صحّ) بدل: (فيصحّ) ، و: (في مجلس) بدل: (بمجلس) ، و وردت زيادة كلمة:

(القبض) بعد: (يعتبر) ، و ورد: (صحّ) بدل: (يصحّ) ، و: (أمّا لو) بدل: (و أمّا لو) ، و وردت زيادة: (عن المجلس) بعد: (قبضه بعد الافتراق) ، و ورد: (فذهب الموهوب له و قبضه) بدل: (فإذا ذهب الموهوب له و أخذه) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 465.

و ورد: (يصحّ) بدل: (فيصحّ) ، و: (أمّا الإذن دلالة فمعتبر) بدل: (و أمّا إذنه بالقبض دلالة فمقيّد) ، و لم ترد: (في) قبل كلمة: (ذلك) ، و وردت زيادة: (عن المجلس) بعد: (قبضه بعد الافتراق) ، و ورد: (لا يصحّ) بدل: (فلا يصحّ) ، و: (قبضه) بدل: (أخذه) في درر الحكّام 2: 360.

و هذا المذكور في المادّة هو رأي الحنفيّة. -

51

فإنّ التفرقة بين الإذن صراحة فيصحّ القبض حتّى بعد الافتراق و بين الإذن دلالة فمقيّد بمجلس الهبة تحكمّ صرف و تفرقة من غير وجه فارق؛ إذ المدار على الإذن و وجود ما يدلّ عليه، و بعد حصول الدلالة فأيّ فرق بين الكناية و التصريح، و لعلّها أبلغ.

و الحقّ عندنا معشر الإماميّة بأنّ المعتبر هو الإذن، فإذا حصل العلم به من أيّ طريق كفى في الصحّة سواء قبض في مجلس الهبة أو في مجلس آخر، و سواء كان الإذن في مجلس الهبة أو بعده 1 .

بل ربّما يظهر من بعض أخبار أئمّتنا عليهم السّلام امتداد الأجل إلى الأجل 2 .

فلو أذن و قبض قبل الموت صحّت الهبة التي سبقت بأمد طويل.

(مادّة: 845) للمشتري أن يهب المبيع قبل قبضه من البائع 3 .

____________

ق-أمّا الشافعيّة و الحنابلة فقد ذهبوا إلى ما ذهب إليه الإماميّة في المسألة، و هو-كما سيبيّنه المصنّف رحمه اللّه-: أنّ المعتبر في القبض هو الإذن، فإذا حصل العلم به من أيّ طريق كفى في الصحّة مطلقا سواء تمّ القبض في مجلس الهبة أم لا، و سواء كان الإذن في مجلس الهبة أم بعده.

قارن: المبسوط للسرخسي 12: 57، حلية العلماء 6: 49، بدائع الصنائع 8: 107-108، المغني 6: 248، المجموع 15: 379، مغني المحتاج 2: 400، مجمع الأنهر 2: 354، الفتاوى الهندية 4: 377.

(1) لاحظ: الخلاف 3: 556-557، المسالك 6: 21، الحدائق 22: 315، الجواهر 28:

172.

(2) انظر الوسائل الهبات 4: 1 (19: 232) .

(3) وردت زيادة: (و يأمر الموهوب له بالقبض) آخر المادّة في درر الحكّام 2: 361.

و وردت المادّة في شرح المجلّة لسليم اللبناني (1: 465) بصيغة: -

52

الظرف الأخير إن تعلّق بالفعل كان المعنى: أنّ المشتري له أن يهب ما اشتراه للبائع قبل قبضه منه.

و هذا صحيح نافذ؛ فإنّ المعتبر قبض الموهوب له، و هو حاصل للواهب الذي اشترى و لم يقبض.

و توهّم بعضهم: أنّ هذا يرجع إلى الإقالة 1 واضح الفساد؛ إذ هي حلّ لعقد المبيع، و لذا يرجع بالثمن، و الهبة هنا تؤكّد البيع و ليست حلا له، و لذا لا يرجع بالثمن.

و إن تعلّق الظرف بالمصدر كان معناه: أنّ المشتري له أن يهب للغير ما اشتراه قبل قبضه من بائعه، فيكون أعمّ من الأوّل، يعني: له أن يهبه للبائع أو لغيره.

و هذا أيضا صحيح؛ لما عرفت من عدم اعتبار قبض الواهب، بل تتوقّف على قبض الموهوب له.

و عليه تتفرّع:

(مادّة: 846) من وهب ماله الذي هو في يد آخر تتمّ الهبة، و لا حاجة إلى القبض و التسليم مرّة أخرى 2 .

____________

ق (للمشتري قبل قبضه المبيع من البائع أن يهبه من آخر) .

راجع الفتاوى الهندية 4: 377.

(1) كعلي حيدر في درر الحكّام 2: 362.

(2) ورد: (من رجل و هو في يد ذلك الرجل) بدل: (الذي هو في يد آخر) ، و وردت زيادة:

(بقول الموهوب له: قبلت، أو: أنهيت) بعد كلمة: (الهبة) في شرح المجلّة لسليم اللبناني‏

53

و المقصود بهذه المادّة بيان أنّ قبض المتّهب لازم لصحّة الهبة حيث لا يكون مقبوضا له و في يده، أمّا لو كان في يده فلا حاجة إلى قبض جديد بأن يأخذه منه و يردّه عليه، و القبض السابق كاف مهما كان، سواء كان بوجه صحيح أو لا كالغصب و نحوه، و سواء كان ضمانيا كالمقبوض بالسوم و نحوه أو غير ضماني كالأمانات، و سواء كان مضمونا بالمثل أو القيمة أو المسمّى كالمبيع المستأجر.

فالقبض السابق في جميع هذه الموارد يقوم مقام القبض الجديد في الهبة حتّى لو وهب المالك غاصبه المغصوب الذي في يده صحّ.

و ظاهر الأصحاب عدم الحاجة أيضا إلى الإذن باستمرار القبض.

و استدلّوا بوجوه أوجهها: انصراف أدلّة القبض أو الإذن به عن هذه الصورة 1 .

و قد ناقش السيّد الأستاذ رحمه اللّه في تلك، ثمّ عوّل على الانصراف أخيرا 2 .

(مادّة: 847) إذا وهب أحد دينه للمديون أو أبرأ ذمّته من الدين‏

____________

ق1: 466.

و وردت المادّة بزيادة: (له) بعد كلمة: (آخر) في درر الحكّام 2: 362.

قارن: تبيين الحقائق 5: 94-95، مجمع الأنهر 2: 357، الفتاوى الهندية 4: 377، اللباب 2: 173، تكملة حاشية ردّ المحتار 8: 448.

(1) لاحظ: الحدائق 22: 315-316، الرياض 10: 210.

(2) ملحقات العروة الوثقى 2: 165-166.

54

و لم يردّه المديون تصحّ الهبة، و يسقط عنه الدين في الحال 1 .

قيد عدم ردّ المديون لا محلّ أصلا.

و تحرير هذا البحث: أنّ هبة الدين إمّا أن تكون للمدين أو لغيره، فإن كانت لغيره فهي هبة محضة يلزمها القبول كما يلزمها القبض، و إلاّ فلا أثر لها بدونه، كما تنصّ عليه المادّة الآتية، و إن كانت للمديون فهي على نحوين:

لأنّ الواهب يقصد تارة إسقاط الدين و إبراء ذمّته منه، و لا تكون له حالة منتظرة، بل يوقعه ناجزا، فهذا إبراء و إسقاط بمحض و إن وقع بصورة الهبة.

و لا أثر للردّ و القبول في هذه الصورة أصلا؛ لأنّ حقيقته إيقاع لا عقد، و الإيقاعات تتحقّق معانيها بمجرّد إنشائها إن صدرت من أهلها و في محلّها.

و تارة يكون صميم قصده الهبة بمعنى: أنّه يريد أن يملّكه الدين الذي له عليه كما يملّكه للغير، و ينتظر قبوله و عدمه، فهذه هبة محضة بأيّ عبارة وقعت.

و هذا موضع ما يقال من: (أنّ العقود تابعة للقصود) 2 و فيه يكون مجال للردّ و القبول.

____________

(1) ورد: (من) بدل: (عن) ، و: (صحّ ذلك، و سقط) بدل: (تصحّ الهبة، و يسقط) في شرح المجلّة لسليم اللبناني 1: 466.

و ورد التغيير الأوّل فقط في درر الحكّام 2: 364.

راجع: المغني 6: 257، البحر الرائق 7: 284، الفتاوى الهندية 4: 384.

(2) تقدّم الكلام في هذه القاعدة في ج 1 ص 131.