المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - ج3

- أحمد بن محمد القسطلاني‏ المزيد...
703 /
3

الجزء الثالث‏

المقصد الثامن فى طبه ص لذوى الأمراض و العاهات و تعبيره الرؤيا و إنبائه بالأنباء المغيبات‏

اعلم أنه لا سبيل لأحد إلى الإحاطة بنقطة من بحار معارفه، أو قطرة مما أفاضه اللّه تعالى عليه من سحائب عوارفه، و أنت إذا تأملت ما منحه اللّه تعالى به من جوامع الكلم، و خصه به من بدائع الحكم، و حسن سيره، و حكم حديثه، و إنبائه بأنباء القرون السالفة و الأمم البائدة، و الشرائع الدائرة، كقصص الأنبياء مع قومهم، و خبر موسى مع الخضر، و يوسف مع إخوته، و أصحاب الكهف، و ذى القرنين، و أشباه ذلك، و بدء الخلق، و أخبار الدار الآخرة، و ما فى التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و موسى، و إظهار أحوال الأنبياء و أممهم، و أسرار علومهم و مستودعات سيرهم، و إعلامهم بمكتوم شرائعهم، و مضمنات كتبهم و غير ذلك مما صدقه فيه العلماء بها، و لم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك فضلا عما أفاضه من العلم و محاسن الآداب و الشيم‏ (1)، و المواعظ و الحكم، و التنبيه على طرق الحجج العقليات، و الرد على فرق الأمم ببراهين الأدلة الواضحات، و الإشارة إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة، و إشاراته حجة، كاللغة و المعانى و العربية، و قوانين الأحكام الشرعية و السياسات العقلية، و معارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، و فنون المعارف الشاملة لمصالح أمته، كالطب و العبارة (2) و الحساب و غير ذلك مما لا يعد و لا يحد ... قضيت بإن مجال هذا الباب فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء، و إن بحر علمه و معارفه زاخر لا تكدره الدلاء. و هذا المقصد- أعزك اللّه- يشتمل على ثلاثة فصول:

____________

(1) الشيم: الخلق، و الشيمة: الطبيعة.

(2) كذا بالأصل: و لعلها العمارة.

4

الفصل الأول فى طبه صلّى اللّه عليه و سلم لذوى الأمراض و العاهات‏

اعلم أنه قد ثبت أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يعود من مرض من أصحابه، حتى لقد عاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب، و عاد عمه و هو مشرك، و عرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول و كان يهوديّا، كما روى البخاري و أبو داود من حديث أنس: أن غلاما من اليهود كان يخدم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فمرض فعاده- صلى اللّه عليه و سلم- فقعد عند رأسه، فقال: «أسلم»، فنظر إلى أبيه و هو عنده فقال:

أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و هو يقول: «الحمد للّه الذي أنقذه من النار» (1).

و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يدنو من المريض، و يجلس عند رأسه، و يسأل عن حاله و يقول: «كيف تجدك؟» (2).

و فى حديث جابر عند البخاري و مسلم و الترمذى و أبى داود، قال:

مرضت فأتانى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يعودنى و أبو بكر، و هما ماشيان، فوجدانى أغمى على، فتوضأ النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- ثم صب وضوءه على فأفقت، فإذا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و عند أبى داود: فنضح فى وجهى فأفقت. و فيه: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:

«يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا» (3).

____________

(1) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (1356) فى الجنائز، باب: إذا أسلم الصبى، و أبو داود (3095) فى الجنائز، باب: فى عيادة الذمى، و أحمد فى المسند (3/ 175، 257، 260 و 280).

(2) حسن: أخرجه الترمذى (983) فى الجنائز، باب: رقم (10)، و ابن ماجه (4261) فى الزهد، باب: ذكر الموت و الاستعداد له، و أبو يعلى فى «مسنده» (6/ 57) من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى صحيح سنن ابن ماجه، و هو فى صحيح البخاري (3926) فى فضائل الصحابة، من قول عائشة- رضى اللّه عنها-.

(3) صحيح: أخرجه أبو داود (2887) فى الفرائض، باب: من كان ليس له ولد و له أخوات، و أحمد فى «المسند» (3/ 372)، و هو فى الصحيحين بدون هذه الزيادة، و الرواية صححها الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».

5

و فى حديث أبى موسى عند البخاري مرفوعا: «أطعموا الجائع، و عودوا المريض، و فكوا العانى» (1). و عنده من رواية البراء: أمرنا- صلى اللّه عليه و سلم- بسبع، و ذكر منها عيادة المريض‏ (2) و عند مسلم: خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكرها منها (3). قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعنى الكفاية، كإطعام الجائع و فك الأسير، و يحتمل أن يكون للندب على التواصل و الألفة. و عند الطبرى: يتأكد فى حق من ترجى بركته، و يسن فيمن يراعى حاله، و يباح فيما عدا ذلك. و هو فرض كفاية عند أبى حنيفة، كما قاله أبو الليث السمرقندى‏ (4) فى «مقدمته».

و استدل بعموم قوله: «عودوا المريض» على مشروعية العيادة فى كل مرض، و استثنى بعضهم: الأرمد، و ردّ: بأنه قد جاء فى عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن الأرقم، قال: عادنى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من وجع كان بعينى‏ (5)، رواه أبو داود و صححه الحاكم. و أما ما أخرجه البيهقي و الطبرانى مرفوعا: «ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد و الدمل و الضرس» (6)،

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (3046) فى الجهاد و السير، باب: فكاك الأسير، و أبو داود (3105) فى الجنائز، باب: الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة، و أحمد فى «المسند» (4/ 394 و 406)، و ابن حبان فى «صحيحه» (3324).

(2) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (1239) فى الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، و مسلم (2066) فى اللباس و الزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب و الفضة على الرجال و النساء.

(3) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (1240) فى الجنائز، باب: الأمر باتباع الجنائز، و مسلم (2162) فى السلام، باب: حق المسلم للمسلم و السلام، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.

(4) هو: الإمام الفقيه المحدث الزاهد، أبو الليث، نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندى الحنفى، صاحب كتاب «تنبيه الغافلين» و غير ذلك، توفى سنة 375 ه.

(5) حسن: أخرجه أبو داود (3102) فى الجنائز، باب: فى العيادة فى الرمد، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 492)، و البيهقي فى «السنن الكبرى» (3/ 381)، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».

(6) ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (2/ 300) عن أبى هريرة و قال: رواه الطبرانى فى «الأوسط» و فيه سلمة بن على الحبشى، و هو ضعيف.

6

فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبى كثير، و يؤخذ من إطلاقه عدم التقييد بزمان يمضى من ابتداء مرضه. و هو قول الجمهور، و جزم الغزالى فى «الإحياء»: بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، و استند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان- صلى اللّه عليه و سلم- لا يعود مريضا إلا بعد ثلاثة (1) و هذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن على، و هو متروك، و قال أبو حاتم هو حديث باطل.

و لا نطيل بإيراد ما ورد فى فضل العيادة، و يكفى حديث أبى هريرة، مما حسنه الترمذى مرفوعا: «من عاد مريضا ناداه مناد من السماء: طبت و طاب ممشاك، و تبوأت من الجنة منزلا» (2) و هذا لفظ ابن ماجه. و فى سنن أبى داود عن أنس مرفوعا: «من توضأ فأحسن الوضوء، و عاد أخاه المسلم محتسبا، بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفا» (3). و فى حديث أبى سعيد عند ابن حبان فى صحيحه مرفوعا: «خمس من عملهن فى يوم كتبه اللّه من أهل الجنة: من عاد مريضا و شهد جنازة و صام يوما، و راح إلى الجمعة و أعتق رقبة» (4). و عند أحمد، عن كعب مرفوعا: من عاد مريضا، خاض فى‏

____________

(1) موضوع: أخرجه ابن ماجه (1437) فى الجنائز، باب: ما جاء فى عيادة المريض، و قال البوصيرى فى «الزوائد»: فى إسناده سلمة بن على، قال فيه البخاري و أبو حاتم و أبو زرعة: منكر الحديث، و من منكراته (كان لا يعود مريضا إلا بعد ثلاثة أيام) قال فيه أبو حاتم: هذا منكر باطل و قال ابن عدى: أحاديثه غير محفوظة، و اتفقوا على تضعيفه.

ا ه. و قال عنه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (4499): موضوع.

(2) حسن: أخرجه الترمذى (2008) فى البر و الصلة، باب: ما جاء فى زيارة الإخوان، و ابن ماجه (1443) فى الجنائز، باب: ما جاء فى ثواب من عاد مريضا، و أحمد فى «المسند» (2/ 326 و 344 و 354)، و ابن حبان فى «صحيحه» (2961)، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».

(3) ضعيف: أخرجه أبو داود (3097) فى الجنائز، باب: فى فضل العيادة على وضوء، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».

(4) إسناده قوى: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (2771)، و قال شعيب الأرناءوط: إسناده قوى.

7

الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها (1). زاد الطبرانى: و إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج.

و لم يكن- صلى اللّه عليه و سلم- يخص يوما من الأيام بعيادة المريض، و لا وقتا من الأوقات، فترك العيادة يوم السبت المخالفة للسنة، ابتدعه يهودى طبيب لملك قد مرض و ألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضى لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، و من سفك دمه، فقال: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، و صار كثير من الناس يعتمده، و من الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوى: أن العيادة تستحب فى الشتاء ليلا.

و فى الصيف نهارا، و لعل الحكمة فى ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل فى الشتاء، و بطول النهار فى الصيف، فتحصل له بالعيادة استراحة.

و ينبغى اجتناب التطبب بأعداء الدين، من يهودى أو نحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرا فى دينه أو علمه، خصوصا إن كان هذا العدو يهوديّا، لأن قاعدة دينهم: أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه، و أن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، و لا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل فى عموم النهى فيمن قتل نفسه بشي‏ء. و قد كثر الضرر فى هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم، و اللّه تعالى يرحم القائل:

لعن النصارى و اليهود فإنهم‏ * * * بلغوا بمكرهم بنا الآمالا

خرجوا أطباء و حسابا لكى‏ * * * يتقسموا الأرواح و الأموالا (2)

و مما كان يفعله- صلى اللّه عليه و سلم- و يأمر به تطييب نفوس المرضى و تقوية قلوبهم،

____________

(1) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 460)، و هو عنده أيضا (3/ 304)، و ابن حبان فى «صحيحه» (2956) من حديث جابر- رضى اللّه عنه- بنحوه و قال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(2) قلت: رحم اللّه المسلمين الآن، فأين هم من هذه النصائح، و للأسف نجد من بيننا الآن من يدافع عنهم و عن عقائدهم الباطلة و يقربهم إلينا، و يقولون: إن العلم ليس له دين و لا وطن، و قد كذبوا فى قولهم، و لو فاقوا إلى أنفسهم لعرفوا الحق الذي لا مرية فيه.

8

ففى حديث أبى سعيد الخدرى، قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له فى أجله، فإن ذلك يطبب نفسه» (1)، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء اللّه، و وجهك الآن أحسن، و ما أشبه ذلك. و قد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه فى مرضه، و أن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، و أمن من خوف ذلك و نحوه. و قال بعضهم: فى هذا الحديث نوع شريف جدّا من أنواع العلاج، و هو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، و تنتعش به القوة، و ينبعث به الحار الغريزى، و يساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب.

و فى تفريج نفس المريض، و تطييب قلبه، و إدخال السرور عليه تأثير عجيب فى شفاء علته و خفتها، فإن الأرواح و القوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذى. و قد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه و يعظمونه، و رؤيتهم له، و لطفهم بهم، و مكالمتهم إياهم.

قال فى الهدى‏ (2): و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يسأل المريض عن شكواه، و كيف يجد، و عما يشتهيه، فإن اشتهى شيئا و علم أنه لا يضره أمر له به، و يضع يده على جبهته، و ربما وضعها بين ثدييه، و يدعو له، و يصف له ما ينفعه فى علته، و ربما توضأ و صب على المريض من وضوئه، كما فى حديث جابر المتقدم، و ربما كان يقول للمريض: لا بأس عليك، طهور إن شاء اللّه‏ (3)، و ربما كان يقول: كفارة و طهور (4). و قالت عائشة: كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا عاد

____________

(1) إسناده ضعيف: أخرجه الترمذى (2087) فى الطب، باب: رقم (34)، و ابن ماجه (1438) فى الجنائز، باب: ما جاء فى عيادة المريض، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (488).

(2) يقصد كتاب (زاد المعاد فى هدى خير العباد) للعلامة ابن القيم، فانظره بتحقيقنا، فهو كتاب قيم فى بابه، جامع لأبوابه.

(3) صحيح: و قد ورد ذلك فى حديث صحيح أخرجه البخاري (5656) فى المرضى، باب:

عيادة الأعراب، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنها-.

(4) شاذ: و قد ورد ذلك فى حديث رواه أحمد بسند رجاله ثقات من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، قال الهيثمى فى «المجمع» (2/ 299) ا ه. قلت: و سياقه هو سياق البخاري السابق إلا فى مقولة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- التي بها أعللت رواية أنس عند أحمد- رحمه اللّه-.

9

مريضا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: بسم اللّه‏ (1). رواه أبو يعلى بسند صحيح. و أخرج الترمذى من حديث أبى أمامة- بسند لين- رفعه: تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو (2)، و عند ابن السنى بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟

و إذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب و مرض الأبدان.

فأما طب القلوب و معالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم- صلى اللّه عليه و سلم- عن ربه تعالى، لا سبيل إلى حصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها و فاطرها و بأسمائه و صفاته و أفعاله و أحكامه، و أن تكون مؤثرة لرضاه و محابه، متجنبة لمناهيه و مساخطه، و لا صحة لها و لا حياة البتة إلا بذلك، و لا سبيل إلى تلقى ذلك إلا من جهة سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم-.

و أما طب الأجساد، فمنه ما جاء فى المنقول عنه- صلى اللّه عليه و سلم-، و منه ما جاء عن غيره، لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- إنما بعث هاديا و داعيا إلى اللّه و إلى جنته، و معرفا باللّه، و مبينا للأمة مواقع رضاه و آمرا لهم بها، و مواقع سخطه و ناهيا لهم عنها، و مخبرهم أخبار الأنبياء و الرسل و أحوالهم مع أممهم، و أخبار تخليق العالم، و أمر المبدأ و المعاد، و كيف شقاوة النفوس و سعادتها و أسباب ذلك.

و أما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، و مقصودا لغيره، بحيث إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب و حفظ صحتها، و دفع أسقامها و حميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، و إصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، و فساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدّا، و هى مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة التامة.

____________

(1) رجاله موثقون: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (2/ 299) و قال: رواه أبو يعلى و رجاله موثقون.

(2) ضعيف: أخرجه الترمذى (2731) فى الاستئذان و الآداب، باب: ما جاء فى المصافحة، و أحمد فى «المسند» (5/ 259)، و الطبرانى فى «الكبير» (8/ 211) و قال الترمذى: هذا إسناد ليس بالقوى، و هو كما قال.

10

و إذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب فى القلوب كضرر السموم فى الأبدان، على اختلاف درجاتها فى الضرر. و هل فى الدنيا و الآخرة شر و داء إلا و سببه الذنوب و المعاصى، فللمعاصى من الآثار القبيحة المذمومة و المضرة بالقلب و البدن و الدنيا و الآخرة ما لا يعلمه إلا اللّه.

فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه اللّه فى القلب، و المعصية تطفئ ذلك النور، و للإمام الشافعى- رضى اللّه عنه-:

شكوت إلى وكيع سوء حفظى‏ * * * فأرشدنى إلى ترك المعاصى‏

و قال اعلم بأن العلم نور * * * و نور اللّه لا يؤتاه عاصى‏

و منها: حرمان الرزق، ففى المسند: و إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه‏ (1).

و منها: وحشة يجدها العاصى فى قلبه، بينه و بين اللّه، لا يوازيها و لا يقاربها لذة.

و منها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه، أو متعسرا عليه.

و منها: ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم، و كلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع فى البدع و الضلالات و الأمور المهلكة و هو لا يشعر، ثم تقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه و تصير سوادا فيه، يراها كل أحد.

و منها: أنها توهن القلب و البدن.

و منها: حرمان الطاعة، و تقصير العمر، و محق البركة، و لا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، و قيل: بتأثير المعاصى فى محق العمر إنما

____________

(1) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 277 و 280 و 282)، و ابن حبان فى «صحيحه» (872) من حديث ثوبان- رضى اللّه عنه-، و قال شعيب الأرناءوط: حديث حسن. ا ه. و انظر «ضعيف الجامع» (1452).

11

هو بأن حقيقة الحياة هى حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته باللّه، فتلك ساعات عمره، فالبر و التقوى و الطاعات تزيد فى هذه الأوقات التي هى حقيقة عمره، و لا عمر له سواها. و بالجملة: فالعبد إذا أعرض عن اللّه، و اشتغل بالمعاصى ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة.

و منها: أن المعصية تورث الذل.

و منها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورا، و المعصية تطفئ نور العقل.

و منها: أنها تزيل النعم و تحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، و لا حلت به نقمة إلا بذنب‏ وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (1) و قد أحسن القائل:

إذا كنت فى نعمة فارعها * * * فإن الذنوب تزيل النعم‏

و حطها بطاعة رب العباد * * * فرب العباد سريع النقم‏

و من عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد فى دنياه و آخرته، فإن الذنوب هى أمراض متى استحكمت قتلت و لا بد، و كما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، و استفراغ يستفرغ المواد الفاسدة الأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، و حمية يمتنع بها من تناول من يؤذيه و يخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان و الأعمال الصالحة يحفظ قوته، و استفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة و الأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، و حمية توجب له حفظ الصحة، و تجنب ما يضادها، و هى عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، و التقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.

و إذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، و توجب التخليط المضاد للحمية، و تمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.

____________

(1) سورة الشورى: 30.

12

فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط و مواد المرض، و هو لا يستفرغها و لا يحتمى لها، كيف تكون صحته و بقاؤه، و قد أحسن القائل:

جسمك بالحمية حصنته‏ * * * مخافة من ألم طارى‏

و كان أولى بك أن تحتمى‏ * * * من المعاصى خشية النار

فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، و استعمل الحمية باجتناب النواهى، و استفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبا، و لا للشر مهربا، و فى حديث أنس: «أ لا أدلكم على دائكم و دوائكم، ألا إن داءكم الذنوب، و دواءكم الاستغفار» (1). فقد ظهر لك أن طب القلوب و معالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- بواسطة الوحى.

و أما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان:

نوع لا يحتاج إلى فكر و نظر، بل فطر اللّه على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع و العطش و البرد و التعب، و هذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب.

و نوع يحتاج إلى الفكر و النظر، كدفع ما يحدث فى البدن مما يخرجه عن الاعتدال، و هو إما حرارة أو برودة، و كل منهما: إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، و غالب ما يقاوم الواحد منها بضده، و الدفع قد يقع من خارج البدن، و قد يقع داخله و هو من أعسرهما، و الطريق إلى معرفته بتحقيق السبب و العلامة. فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى فى تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، و فى تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، و مدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة. و الاحتماء عن المؤذى و استفراغ المادة الفاسدة. و قد أشير إلى الثلاثة فى القرآن:

فالأول: فى قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ‏

____________

(1) ضعيف: أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس عن أنس، كما فى «كنز العمال» (2092).

13

أَيَّامٍ أُخَرَ (1) و ذلك أن السفر مظنة النصب، و هو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، و كذلك القول فى المرض.

و الثانى: و هو الحمية، من قوله تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ (2) فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد (3)، و قال تعالى فى آية الوضوء: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (4) فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، و هو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج.

و الثالث: من قوله تعالى: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ (5) فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن فى الرأس تحت الشعر، لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه. فقد أرشد تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة و مجامع قواعده.

و فى الصحيحين من حديث عطاء عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «ما أنزل اللّه داء إلا و أنزل له شفاء» (6). و أخرجه النسائى و ابن حبان و صححه الحاكم عن ابن مسعود بلفظ «إن اللّه لم ينزل داء إلا و أنزل له شفاء

____________

(1) سورة البقرة: 184.

(2) سورة النساء: 29.

(3) كما ورد فى قصة عمرو بن العاص حينما أصبح جنبا و هو فى إحدى الغزوات فخشى من الغسل بالماء البارد فتيمم و صلى بأصحابه، و القصة أخرجها أبو داود (334 و 335) فى الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد أ يتيمم، و ابن حبان فى «صحيحه» (1315)، و انظر «الإرواء» (154).

(4) سورة النساء: 43.

(5) سورة البقرة: 196.

(6) صحيح: أخرجه البخاري (5678) فى الطب، باب: ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء، و ابن ماجه (3439) فى الطب، باب: ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء، و الحديث ليس فى مسلم كما قال المصنف- رحمه اللّه-.

14

فتداووا» (1) و عند أحمد من حديث أنس: «إن اللّه حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا» (2).

و عند البخاري فى «الأدب المفرد»، و أحمد و أصحاب السنن، و صححه الترمذى و ابن خزيمة و الحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه: «تداووا يا عباد اللّه، فإن اللّه لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا و هو الهرم» (3) و فى لفظ «إلا السام»- و هو بمهملة مخففة- الموت، يعنى إلا داء الموت، أى المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه و استثنى الهرم فى الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيها بالموت، و الجامع بينهما نقص الصحة، أو تقربه من الموت و إفضائه إليه، و يحتمل أن يكون استثناء منقطعا، و التقدير: لكن الهرم لا دواء له.

و لأبى داود، عن أبى الدرداء، رفعه: «إن اللّه جعل لكل داء دواء، فتداووا، و لا تداووا بحرام» (4). و فى البخاري: إن اللّه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم‏ (5)، فلا يجوز التداوى بالحرام.

و روى مسلم عن جابر، مرفوعا: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء

____________

(1) صحيح: أخرجه النسائى فى «الكبرى» (6863- 6865)، و ابن ماجه (3438) فى الطب، باب: ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء، و أحمد فى «المسند» (1/ 377 و 413 و 443 و 446 و 453)، و ابن حبان فى «صحيحه» (6062 و 6075)، و الحاكم فى «المستدرك» (4/ 218)، و قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه، و هو كما قال.

(2) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (3/ 156) بسند صحيح.

(3) صحيح: أخرجه أبو داود (3855) فى الطب، باب: فى الحمية، و الترمذى (2038) فى الطب، باب: ما جاء فى الدواء و الحث عليه، و ابن ماجه (3436) فى الطب، باب: ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء، و أحمد فى «المسند» (4/ 278)، و ابن حبان فى «صحيحه» (6064)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».

(4) ضعيف: أخرجه أبو داود (3874) فى الطب، باب: فى الأدوية المكروهة، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».

(5) ضعيف: أخرجه البخاري (10/ 81) تعليقا فى الأشربة، باب: شراب الحلوى و العسل، عن ابن مسعود من قوله، و نسبه صاحب «الجامع الصغير» للطبرانى فى الكبير عن أم سلمة- رضى اللّه عنها-، و قال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (1637): ضعيف.

15

برئ بإذن اللّه تعالى» (1). فالشفاء متوقف على إصابة الدواء بالداء بإذن اللّه تعالى. و ذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد فى الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر. و فى رواية على عند الحميدى فى كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا و له دواء، فإذا كان كذلك بعث اللّه عز و جل ملكا و معه ستر فجعله بين الداء و الدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه اللّه تعالى به.

و فى حديث ابن مسعود رفعه: «إن اللّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، و جهله من جهله» (2) رواه أبو نعيم و غيره. و فيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد. و أما قوله «لكل داء دواء» فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، و الأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها، و يكون اللّه قد جعل لها أدوية تبرئها، و لكن طوى علمها عن البشر، و لم يجعل لهم إليها سبيلا، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللّه.

و لهذا علق- صلى اللّه عليه و سلم- الشفاء على مصادفة الدواء للداء، و قد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدوائه فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، و الدواء بعينه فلا ينجح، و السبب فى ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء، فرب مرضين تشابها، و يكون أحدهما مركبا، لا ينجح فيه ما ينجح فى الذي ليس مركبا، فيقع الخطأ من هناك، و قد يكون متحدا لكن يريد اللّه أن لا ينجح، و هنا تخضع رقاب الأطباء.

و فى مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، و أن ذلك لا ينافى التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع و العطش بالأكل و الشرب، و كذلك تجنب المهلكات، و الدعاء بطلب الشفاء و دفع المضار و غير ذلك. و قد سئل الحارث المحاسبى فى كتاب «القصد» من تأليفه: هل يتداوى المتوكل؟

____________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2204) فى السلام، باب: لكل داء دواء، و استحباب التداوى.

(2) صحيح: حديث ابن مسعود قد تقدم، إلا أن صاحب الجامع الصغير عزاه للحاكم من حديث أبى سعيد، و قال الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (1809): صحيح.

16

قال: نعم، قيل له من أين ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين، الذي لم يلحقه لا حق، و لا يسبقه فى التوكل سابق، محمد خير البرية- صلى اللّه عليه و سلم-. قيل له: ما تقول فى خبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «من استرقى أو اكتوى برئ من التوكل» (1)؟ قال: برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم فى حديث آخر فقال: «يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب» (2)، و أما سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء و الاسترقاء. فجعل المحاسبى التوكل بعضه أفضل من بعض.

و قال فى «التمهيد»: إنما أراد بقوله: «برئ من التوكل» إذا استرقى الرقى المكروهة فى الشريعة، أو اكتوى و هو يعلق رغبته فى الشفاء بوجود الكى، و كذلك قوله «لا يسترقون» الرقى المخالفة للشريعة، «لا يكتوون» و قلوبهم معلقة بنفع الكى و معرضة عن فعل اللّه تعالى و أن الشفاء من عنده.

و أما إذا فعل ذلك على ما جاء فى الشريعة، و كان ناظرا إلي رب الدواء، و توقع الشفاء من اللّه تعالى، و قصد بذلك استعمال بدنه إذا صح للّه تعالى، و إتعاب نفسه و كدها فى خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئا، استدلالا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك فى نفسه و فى غيره انتهى.

فقد تبين أن التداوى لا ينافى التوكل، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها اللّه تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرا و شرعا، و أن تعطيلها يقدح فى نفس التوكل، كما يقدح فى الأمر و الحكمة.

____________

(1) أخرجه الترمذى (2055) فى الطب، باب: ما جاء فى كراهية الرقية، و ابن ماجه (3489) فى الطب، باب: الكى، و أحمد فى «المسند» (4/ 249 و 253)، و ابن حبان فى «صحيحه» (6087)، من حديث المغيرة بن شعبة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (6081).

(2) صحيح: أخرجه البخاري (5705) فى الطب، باب: من اكتوي أو كوى غيره و فضل من لم يكتو، و مسلم (220) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب و لا عذاب، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.

17

و حكى ابن القيم: أنه ورد فى خبر إسرائيلى، أن الخليل- عليه الصلاة و السلام- قال: يا رب ممن الداء؟ قال: منى، قال: فممن الدواء؟ قال: منى.

قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه. قال: و فى قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لكل داء دواء» تقوية لنفس المريض و الطبيب، و حث على طلب ذلك الدواء، و التفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، و برد من حرارة اليأس، و انفتح له باب الرجاء، و قويت نفسه و انبعثت حرارته الغريزية، و كان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية و النفسانية و الطبيعية، و متى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هى حاملة لها، فقهرت المرض و دفعته. انتهى.

فإن قلت: ما المراد بالإنزال فى قوله فى الأحاديث السابقة «إلا أنزل له دواء» و فى الرواية الأخرى «شفاء» فالجواب: أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير، و يحتمل أن يكون المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبى- صلى اللّه عليه و سلم-.

و أين يقع طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذا من قياس أو مقدمات و حدس و تجربة، من الوحى الذي يوحيه اللّه تعالى إلى رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- بما ينفعه و يضره، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحى كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاء به- صلى اللّه عليه و سلم-. بل هاهنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ما لم تهتد إليها عقول أكابر الأطباء، و لم تصل إليها علومهم و تجربتهم و أقيستهم من الأدوية القلبية و الروحانية، و قوة القلب، و اعتماده على اللّه تعالى و التوكل عليه و الانكسار بين يديه، و الصدقة و الصلاة و الدعاء و التوبة و الاستغفار، و الإحسان إلى الخلق و التفريج عن المكروب.

فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها و مللها، فوجدوا لها من التأثير فى الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، و قد جربت ذلك- و اللّه- مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية.

18

و لا ريب أن طب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- متيقن البرء، لصدوره عن الوحى و مشكاة النبوة، و طب غيره أكثره حدس و تجربة، و قد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، و ذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضعف اعتقاد الشفاء به و تلقيه بالقبول. و أظهر الأمثلة فى ذلك القرآن، الذي هو شفاء لما فى الصدور، و مع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره فى الاعتقاد و التلقى بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسا إلى رجسه، و مرضا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، و القلوب الحية.

فإعراض الناس عن طب النبوة لإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الكريم الذي هو الشفاء النافع. و كان علاجه- صلى اللّه عليه و سلم- للمريض على ثلاثة أنواع:

أحدها: بالأدوية الإلهية الروحانية. و الثانى: بالأدوية الطبيعية.

و الثالث: بالمركب من الأمرين.

النوع الأول فى طبه ص بالأدوية الإلهية

اعلم أن اللّه تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم- و لا أنفع و لا أعظم و لا أنجع فى إزالة الداء- من القرآن، فهو للداء شفاء، و لصدأ القلوب جلاء، كما قال تعالى: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (1).

و لفظه «من»- كما قال الإمام فخر الدين‏ (2)- ليست للتبعيض بل للجنس، و المعنى: و ننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية و شفاء أيضا من الأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، و ذلك لأن المرض الروحانى نوعان:

____________

(1) سورة الإسراء: 82.

(2) هو: الإمام العلامة، فخر الدين، محمد بن عمر بن الحسين القرشى البكرى الطبرستانى الأصولى المفسر كبير الأذكياء و الحكماء المصنفين، إلا أنه بدت له فى تواليفه بلايا و عظائم و سحر و انحرافات عن السنة، و اللّه يعفو عنه، فإنه توفى على طريقة حميدة، له التفسير الكبير، و غير ذلك، مات بهراة سنة 606 ه، و له بضع و ستون سنة.

19

الاعتقادات الباطلة: و أشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة فى الإلهية و النبوات و المعاد و القضاء و القدر، و القرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق فى هذه المطالب، و إبطال المذاهب الباطلة. و لما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ فى هذه المطالب، و القرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة فى هذه المذاهب الباطلة من العيوب لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحانى.

و أما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها و تعريفها و ما فيها من المفاسد، و الإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة و الأعمال المحمودة، فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض. فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية.

و أما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرا من الأمراض. و إذا اعتبر الجمهور من الفلاسفة و أصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى المجهولة و العزائم التي لا يفهم منها شي‏ء آثارا عظيمة فى تحصيل المنافع و دفع المفاسد، أ فلا تكون قراءة القرآن العظيم المشتمل على ذكر جلال اللّه تعالى و كبريائه، و تعظيم الملائكة المقربين، و تحقير المردة و الشياطين سببا لحصول النفع فى الدين و الدنيا.

و يتأيد ما ذكرناه بما روى أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه اللّه» (1) و نقل عن الشيخ أبى القاسم القشيرى- رحمه اللّه- أن ولده مرض مرضا شديدا حتى أشرف على الموت، فاشتد عليه الأمر، قال: فرأيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى المنام فشكوت إليه ما بولدى فقال: أين أنت من آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت فيها فإذا هى فى ستة مواضع من كتاب اللّه، و هى قوله تعالى:

وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ‏ (2).

____________

(1) ضعيف: أخرجه الدّارقطني فى «الأفراد» عن أبى هريرة، كما فى «كنز العمال» (28106).

(2) سورة التوبة: 14.

20

وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (1).

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏ (2).

وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (3).

وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‏ (4).

قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ (5).

قال: فكتبتها ثم حللتها بالماء و سقيته إياها فكأنما نشط من عقال، أو كما قال: و انظر رقية اللديغ ب «الفاتحة» و ما فيها من السر البديع و البرهان الرفيع. و تأمل قوله- صلى اللّه عليه و سلم- فى بعض أدعيته: «و أن تجعل القرآن ربيع قلبى و جلاء حزنى، و شفاء صدرى» (6) فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، و يعيد البدن إلى صحته و اعتداله. و فى حديث عند ابن ماجه مرفوعا:

«خير الدواء القرآن» (7).

و هاهنا أمر ينبغى أن يتفطن له، نبه عليه ابن القيم: و هو أن الآيات و الأذكار و الأدعية التي يستشفى بها، و يرقى بها، هى فى نفسها نافعة شافية، و لكن تستدعى قبول المحل، و قوة همة الفاعل و تأثيره، فمتى تخلف الشفاء

____________

(1) سورة يونس: 57.

(2) سورة النحل: 69.

(3) سورة الإسراء: 82.

(4) سورة الشعراء: 80.

(5) سورة فصلت: 44.

(6) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (1/ 391 و 452)، و ابن حبان فى «صحيحه» (972)، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 690)، من حديث عبد اللّه بن مسعود- رضى اللّه عنه-، و قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد اللّه عن أبيه، فإنه مختلف فى سماعه عن أبيه. ا. ه. و قال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح.

(7) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (3501 و 3533) فى الطب، باب: الاستشفاء بالقرآن، من حديث على- رضى اللّه عنه-، و قال البوصيرى فى «الزوائد»: فى إسناده الحارث الأعور، و هو ضعيف، و كذا ضعفه الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2885).

21

كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المحل المنفعل، أو لمانع قوى فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك فى الأدوية و الأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، و قد يكون المانع قوى يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، و كذلك القلب إذا أخذ الرقى و التعاويذ بقبول تام، و كان الدواء فى نفس فعالة، و همة مؤثرة أثر فى إزالة الداء.

و كذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب فى رفع المكروه، و حصول المطلوب، و لكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه فى نفسه بأن يكون دعاء لا يجيبه اللّه لما فيه من العدوان، و إما لضعف القلب و عدم إقباله على اللّه و جمعيته عليه وقت الدعاء، و إما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام و الظلم، و رين الذنوب على القلوب، و استيلاء الغافلة و السهو و اللهو، و قد روى الحاكم حديث: «و اعلموا أن اللّه لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه» (1).

و من أنفع الأدوية الدعاء، و هو عدو البلاء، يدافعه و يعالجه و يمنع نزوله و يرفعه أو يخففه إذا نزل، و هو سلاح المؤمن، و إذا جمع من الدعاء حضور القلب، و الجمعية بالكلية على المطلوب، و صادف وقتا من أوقات الإجابة كثلث الليل الأخير، مع الخضوع و الانكسار، و الذل و التضرع، و استقبال القبلة، و الطهارة و رفع اليدين، و البداءة بالحمد و الثناء على اللّه تعالى، و الصلاة و التسليم على سيدنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم- بعد التوبة و الاستغفار و الصدقة، و اللح فى المسألة، و أكثر التملق و الدعاء، و التوسل إليه بأسمائه و صفاته، و التوجه إليه بنبيه- صلى اللّه عليه و سلم- فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، لا سيما إن دعاه بالأدعية التي أخبر- صلى اللّه عليه و سلم- أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. و لا خلاف فى مشروعية الفزع إلى اللّه تعالى، و الالتجاء إليه فى كل ما ينوب الإنسان.

____________

(1) حسن: أخرجه الترمذى (3479) فى الدعوات، باب: فى جامع الدعوات عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 670)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».

22

و أما الرقى‏ (1)، فاعلم أن الرقى بالمعوذات من أسماء اللّه تعالى، هو الطب الروحانى، و إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن اللّه تعالى، لكن لما عزّ هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسمانى. و فى البخاري، من حديث عائشة، (أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان ينفث على نفسه فى المرض الذي مات فيه بالمعوذات و هى الفلق و الناس و الإخلاص) (2) فيكون من باب التغليب، أو المراد الفلق و الناس. و كذلك كل ما ورد فى التعويذ فى القرآن، كقوله تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏ (3).

و أما ما أخرجه أحمد و أبو داود و النسائى من حديث ابن مسعود: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقى إلا بالمعوذات‏ (4)، ففى سنده عبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا يصح حديثه. و على تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن فى الرقية بالفاتحة.

و أما حديث أبى سعيد عند النسائى: كان- صلى اللّه عليه و سلم- يتعوذ من الجان و عين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما و ترك ما سواهما (5)، و حسنه‏

____________

(1) الرقى: جمع رقية، و هى العوذة، أى الاعتياذ من جنون أو مرض، و أصل العوذ: اللجوء و الاعتصام و لا يكون ذلك إلا باللّه عز و جل، و لا يكون ذلك إلا بكلمات نافعة وردت فى كتابه أو على لسان رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-.

(2) صحيح: و الحديث الدال على ذلك أخرجه البخاري (5735) فى الطب، باب: الرقى و القرآن و المعوذات، و مسلم (2192) فى السلام، باب: رقية المريض بالمعوذات و النفث، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.

(3) سورة المؤمنون: 97.

(4) ضعيف: أخرجه أبو داود (4222) فى الخاتم، باب: ما جاء فى خاتم الذهب، و النسائى (8/ 141) فى الزينة، باب: الخضاب بالصفرة، و أحمد فى «المسند» (1/ 380)، و الحاكم فى «المستدرك» (4/ 216) قلت: و لم يرو هذا

الحديث عن عبد اللّه بن مسعود إلا عبد الرحمن بن حرملة، و لم يرو عبد الرحمن بن حرملة إلا عن ابن أخيه القاسم بن حسان، و كلاهما جهلهما الحافظ ابن حجر فى «التقريب»، حيث قال عند كل واحد منها:

مقبول، و هى تعنى عنده الجهالة.

(5) صحيح: أخرجه الترمذى (2058) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقية بالمعوذتين، و النسائى (8/ 271) فى الاستعاذة، باب: الاستعاذة من عين الجان، و ابن ماجه (3511) فى الطب، باب: من استرقى من العين، و الحديث صححه الشيخ الألبانى كما فى «صحيح الجامع» (4902).

23

الترمذى، فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية، و لا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما. و إنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة و تفصيلا. و قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:

- أن تكون بكلام اللّه تعالى، أو بأسمائه و صفاته.

- و باللسان العربى، أو بما يعرف معناه من غيره.

- و أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير اللّه تعالى.

و اختلفوا فى كونها شرطا، و الراجح أنه لا بد من اعتبارها. و فى صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك: كنا نرقى فى الجاهلية، فقلنا يا رسول اللّه، كيف ترى فى ذلك؟ فقال: «اعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقى إذا لم يكن فيه شرك» (1).

و له من حديث جابر: (نهى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول اللّه، إنها كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، قال: «فاعرضوها على»، قال: فعرضوا عليه، قال: «ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه» (2) و قد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، و لو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدى إلى الشرك فإنه يمتنع، و ما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدى إلى الشرك فيمنع احتياطا. و الشرط الأخير لا بد منه.

و قال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين و اللدغة، لحديث عمران بن حصين: (لا رقية إلا من عين أو حمة) (3). و أجيب: بأن معنى الحصر فيه‏

____________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2200) فى السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، و أبو داود (3886) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2199) فى السلام، باب: استحباب الرقية من العين و النملة و الحمة و النظرة، و ابن ماجه (3515) فى الطب، باب: ما رخص فيه من الرقى.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (5705) فى الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، و هو عند مسلم (220) فى الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب من حديث بريدة- رضى اللّه عنه-.

24

أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مسّ و نحو ذلك، لاشتراكهما فى كونهما ينشئان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، و يلحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح و نحوه من المواد السمية.

و قد وقع عند أبى داود من حديث أنس مثل حديث عمران و زاد: (أو دم) (1) و فى مسلم من حديث أنس أيضا (رخص رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى الرقى من العين و الحمة و النملة) (2) و فى حديث آخر (و الأذن) (3)، و لأبى داود من حديث الشفاء بنت عبد اللّه أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «أ لا تعلمين هذه- يعنى حفصة- رقية النملة؟» (4). و النملة: قروح تخرج فى الجنب و غيره من الجسد. و قيل: المراد بالحصر يعنى الأفضل، أى لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف إلا ذو الفقار، و قال قوم: المنهى عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، و المأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكر ابن عبد البر و البيهقي و غيرهما.

و روى أبو داود و ابن ماجه، و صححه الحاكم عن ابن مسعود، رفعه «إن الرقى و التمائم و التولة شرك» (5). و التمائم: جمع تميمة و هى خرزة أو قلادة تعلق فى الرأس، كانوا فى الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات. و التولة:

بكسر المثناة و فتح الواو و اللام مخففا- شي‏ء كانت المرأة تستجلب به محبة زوجها، و هو ضرب من السحر و إنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع‏

____________

(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (3889) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2196) فى السلام، باب: استحباب الرقية من العين و النملة و الحمة و النظرة.

(3) لم أقف على زيادة (و الأذن).

(4) صحيح: و الحديث أخرجه أبو داود (3887) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى، و أحمد فى «المسند» (6/ 372)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».

(5) صحيح: أخرجه أبو داود (3883) فى الطب، باب: ما جاء فى الرقى، و ابن ماجه (3530) فى الطب، باب: تعليق التمائم، و أحمد فى «المسند» (1/ 381)، و الحاكم فى «المستدرك» (4/ 463)، و قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و هو كما قال.

25

المضار و جلب المنافع من عند غير اللّه، و لا يدخل فى ذلك ما كان بأسماء اللّه و كلامه. فقد ثبت فى الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتى- إن شاء اللّه تعالى-. و لا خلاف فى مشروعية الفزع إلى اللّه سبحانه و تعالى، و الالتجاء إليه سبحانه فى كل ما يقع و كل ما يتوقع.

و قال بعضهم: المنهى عنه من الرقى هو الذي يستعمله المعزم و غيره ممن يدعى تسخير الجن له، فيأتى بأمور مشتبهة مركبة من حق و باطل، يجمع إلى ذكر اللّه تعالى و أسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين و الاستعانة بهم، و التعوذ من مردتهم، و يقال إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بنى آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت و خرجت من مكانها، و كذلك اللديغ إذا رقى بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر اللّه و أسمائه خاصة، و باللسان العربى الذي يعرف معناه ليكون بريئا من الشرك. و على كراهة الرقى بغير كتاب اللّه علماء الأمة. و قال القرطبى: الرقى ثلاثة أقسام:

أحدها: ما كان يرقى به فى الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدى إلى الشرك.

الثانى: ما كان بكلام اللّه أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورا فيستحب.

الثالث: ما كان بأسماء غير اللّه من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، و لا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى اللّه تعالى به و التبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغى أن يجتنب كالحلف بغير اللّه تعالى.

و قال الربيع‏ (1): سألت الشافعى عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب اللّه تعالى، و بما يعرف من ذكر اللّه تعالى. فقلت: أ يرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب اللّه و بذكر اللّه. انتهى.

____________

(1) هو: الربيع بن سليمان، أبو محمد المرادى، مولاهم المصرى، صاحب الإمام الشافعى، و ناقل علمه، أفنى عمره فى العلم و نشره، مات فى شوال سنة 270 ه.

26

و فى الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقى عائشة: ارقيها بكتاب اللّه‏ (1). قال النووى و قال القاضى عياض: و اختلف قول مالك فى رقية اليهودى و النصرانى المسلم، و بالجواز قال الشافعى و اللّه أعلم.

و روى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة و الملح و عقد الخيط، و الذي يكتب خاتم سليمان، و قال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم.

رقية الذي يصاب بالعين:

روى مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «العين حق، و لو كان شي‏ء سابق القدر لسبقته العين» (2). أى الإصابة بالعين شي‏ء ثابت موجود، و هى من جملة ما تحقق كونه. قال المازرى: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، و أنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى، لأن كل شي‏ء ليس محالا فى نفسه، و لا يؤدى إلى قلب حقيقة، و لا إلى فساد دليل، فهو من مجوزات العقول. فإذا أخبر الشارع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. و هل من فرق بين إنكارهم هذا و إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة. و قد استشكل بعض الناس هذه الإصابة فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟

و أجيب: بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن فى الهواء إلى بدن المعيون، و قد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال: إذا رأيت شيئا يعجبنى وجدت حرارة تخرج من عينى. و يقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها فى إناء اللبن فيفسد، و لو وضعتها بعد طهرها لم يفسد. و من ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد.

و قال المازرى: زعم بعض الطبائعيين أن العائن تنبعث من عينيه قوة

____________

(1) أخرجه مالك فى «الموطأ» (2/ 943) بسند منقطع بين عمرة بنت عبد الرحمن الراوية للقصة لأنها لم تدرك أبا بكر- رضى اللّه عنه-، إلا أنها من أحد الثقات فى عائشة، فلعلها سمعته منها.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2188) فى السلام، باب: الطب و المرض و الرقى.

27

سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. و هو كإصابة السم من نظر الأفعى، و أشار إلى منع الحصر فى ذلك مع تجويزه. و إن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها اللّه تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، و هل ثم جواهر حقيقة أو لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته و لا نفيه. و من قال ممن ينتمى إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل بالمعيون، و تتخلل مسام جسمه، فيخلق البارى الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع، و لكنه جائز أن تكون عادة ليست ضرورية و لا طبيعية، انتهى.

و هو كلام سديد. و ليس المراد بالتأثير المعنى الذي تذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى اللّه به العادة من حصول الضرر للمعيون. و قد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه: «أكثر من يموت بعد قضاء اللّه و قدره بالنفس» (1). قال الراوى: يعنى العين. و قد أجرى اللّه تعالى العادة بوجود كثير من القوى و الخواص فى الأجسام و الأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى فى وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، و كذا الاصفرار عند رؤية من يخافه. و كثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه و تضعف قواه. و كل ذلك بواسطة ما خلق اللّه تعالى فى الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين، و ليست هى المؤثرة، و إما التأثير للروح، و الأرواح مختلفة فى طبائعها و كيفياتها و خواصها، فمنها ما يؤثر فى البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح و كيفيتها الخبيثة.

و الحاصل: أن التأثير بإرادة اللّه تعالى و خلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسمانى، بل يكون تارة به، و تارة بالمقابلة، و أخرى بمجرد الرؤية، و أخرى بتوجه الروح، كالذى يحدث من الأدعية و الرقى و الالتجاء إلى اللّه‏

____________

(1) ذكره الهيثمى فى «المجمع» (5/ 106) و قال: رواه البزار، و رجاله رجال الصحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو، و هو ثقة.

28

تعالى، و تارة يقع ذلك بالتوهم و التخيل، فالذى يخرج من عين العائن سهم معنوى، إن صادف البدن- لا وقاية له- أثر فيه، و إلا لم ينفذ السهم بل ربما عاد على صاحبه كالسهم الحسى. انتهى ملخصا من فتح البارى و غيره.

قال ابن القيم: و الغرض العلاج النبوى لهذه العلة، فمن التعوذات و الرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين و الفاتحة و آية الكرسى، و منها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات اللّه التامة من شر كل شيطان و هامّة، و من كل عين لامة. و نحو: أعوذ بكلمات اللّه التامات التي لا يجاوزهن بر و لا فاجر، من شر ما خلق و ذرأ و برأ، و من شر ما ينزل من السماء و من شر ما يعرج فيها، و من شر ما ذرأ فى الأرض، و من شر ما يخرج منها، و من شر فتن الليل و النهار، و من شر طوارق الليل و النهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان‏ (1).

و إذا كان يخشى ضرر عينه و إصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه. كما قال- صلى اللّه عليه و سلم- لعامر بن ربيعة لما عاين سهل بن حنيف: «ألا برّكت عليه» (2). و مما يدفع به إصابة العين: قول ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه‏ (3). و منها رقية جبريل للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- كما رواه مسلم: (بسم اللّه أرقيك من شر كل شي‏ء يؤذيك، من شر كل ذى نفس أو عين حاسد. اللّه يشفيك،

____________

(1) قلت: قد ورد هذا الدعاء مرفوعا، من حديث خالد بن الوليد، و قد رواه الطبرانى فى الأوسط و فيه زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير المدائنى و لم أعرفه و بقية رجاله ثقات، قاله الهيثمى فى «المجمع» (10/ 126)، و أورده أيضا فى (10/ 127) من حديث عبد الرحمن بن حنيش- رضى اللّه عنه- و قال: رواه أحمد و أبو يعلى و الطبرانى بنحوه، و رجال أحد إسنادى أحمد و أبى يعلى و بعض أسانيد الطبرانى رجال الصحيح و كذا رجال الطبرانى، و فى المصدر السابق أيضا عن عبد اللّه بن مسعود- رضى اللّه عنه-، و قال: رواه الطبرانى فى الصغير، و فيه من لم أعرفه.

(2) صحيح: و قد ورد ذلك عند مالك فى «الموطأ» (2/ 938) فى أول كتاب العين بسند رجاله ثقات، و انظر ابن ماجه (3509) فى الطب، باب: العين.

(3) لعله يشير إلى قول الرجل الصالح فى سورة الكهف: وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏ الآية: 39.

29

بسم اللّه أرقيك) (1). و عنده أيضا من حديث عائشة: كان جبريل يرقى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إذا اشتكى: بسم اللّه يبريك، و من كل داء يشفيك، و من شر كل حاسد إذا حسد، و من شر كل ذى عين‏ (2). و أخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: «العين حق، و لو كان شي‏ء سابق القدر سبقته العين، و إذا استغسلتم فاغسلوا» (3).

و ظاهر الأمر الوجوب، و حكى فيه المازرى خلافا و صحح الوجوب، و قال: متى خشى الهلاك و كان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، و قد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، و هذا أولى.

و لم يبين فى حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ ابن حجر:

و قد وقعت فى حديث سهل بن حنيف عند أحمد و النسائى و صححه ابن حبان من طريق الزهرى عن أبى أمامة بن سهل‏ (4): أن أباه حدثه أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- خرج و ساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الحرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف و كان أبيض حسن الجسم و الجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم و لا جلد مخبأة (5)، فلبط سهل- أى صرع- و سقط إلى الأرض. فأتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «هل تتهمون من أحد؟» قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرا، فتغيظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك برّكت». ثم قال: اغتسل له، فغسل وجهه و يديه و مرفقيه و ركبتيه و أطراف رجليه و داخلة إزاره فى قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه و ظهره، ثم كفأ القدح ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس‏ (6).

____________

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2186) فى السلام، باب: الطب و المرض و الرقى.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2185) فيما سبق.

(3) صحيح: أخرجه مسلم (2188) فيما سبق، و قد تقدم.

(4) ما بين المعقوفتين مستدرك من «فتح البارى» للحافظ ابن حجر (10/ 250).

(5) المخبأة: الفتاة فى خدرها، و هو كناية عن شدة بياضه.

(6) صحيح: و قد تقدمت القصة، و هى عند ابن ماجه (3509) كما تقدم.

30

قال المازرى: المراد ب «داخلة إزاره» الطرف المتدلى الذي يلى حقوه الأيمن، قال: و ظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى. و زاد القاضى عياض: أن المراد ما يلى جسده من الإزار. و قيل: أراد موضع الإزار من الجسد، و قيل أراد وركه لأنه معقد الإزار. رأيت مما عزى لخط شيخنا الحافظ أبى الخير السخاوى: قال ابن بكير عن مالك: أنه كناية عن الثوب الذي يلى الجسد.

و قال ابن الأثير فى النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته عين من أحد جاء للعائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه فى القدح ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب علي قدمه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره و لا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب ذلك الماء المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن اللّه تعالى، انتهى.

قال المازرى: و هذا المعنى مما لا يمكن تعليله و معرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه. و قال ابن العربى: إن توقف فيه متشرع قلنا له: قل اللّه و رسوله أعلم، و قد عضدته التجربة و صدقته المعاينة، أو متفلسف؛ فالرد عليه أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، و قد تفعل بمعنى لا يدرك، و يسمون ما هذا سبيله: الخواص. قال ابن القيم: و من علاج ذلك و الاحتراز منه، ستر محاسن من يخاف عليه العين، بما يردها عنه، كما ذكره البغوى فى كتاب شرح السنة: أن عثمان بن عفان رأى صبيّا مليحا، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال فى تفسيره، و معنى دسموا نونته: أى سودوا نونته، و النونة: النقرة التي تكون فى ذقن الصغير (1).

____________

(1) انظر ذلك فى «شرح السنة» (13/ 116) للإمام البغوى.

31

و ذكر عن أبى عبد اللّه الساجى أنه كان فى بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان فى الرقة رجل عائن قل ما نظر إلى شي‏ء إلا أتلفه، فقيل لأبى عبد اللّه: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتى سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبى عبد اللّه، فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت و سقطت، فجاء أبو عبد اللّه فأخبر أن العائن قد عانها و هى كما ترى. فقال: دلونى عليه، فوقف عليه فقال: بسم اللّه حبس حابس، و حجر يابس، و شهاب قابس، رددت عين العائن عليه، و على أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير. فخرجت حدقتا العائن و قامت الناقة لا بأس بها (1).

انتهى.

و فى حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال، و أن الاغتسال من النشرة النافعة، و أن العين تكون مع الإعجاب و لو بغير حسد، و لو من الرجل المحب، و من الرجل الصالح، و أن الذي يعجبه الشي‏ء يبادر إلى الدعاء للذى يعجبه بالبركة، و يكون ذلك رقية منه، و أن الإصابة بالعين قد تقتل.

عقوبة العائن:

و قد اختلف فى جريان القصاص بذلك:

فقال القرطبى: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، و لو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، و هو فى ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا. انتهى. و لم تتعرض الشافعية للقصاص فى ذلك، بل منعوه و قالوا: إنه لا يقتل غالبا و لا يعد مهلكا. و قال النووى فى «الروضة»: و لا دية فيه و لا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس و بعض الأحوال مما لا انضباط لها، كيف و لم يقع منه فعل‏

____________

(1) قلت: و قد ذكر أيضا هذه القصة ابن القيم فى «زاد المعاد» (4/ 174) بتحقيقنا، و لم يعقب عليها.

32

أصلا، و إنما غايته حسد و تمن لزوال النعمة، و أيضا: فالذى ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، و لا يتعين ذلك المكروه فى زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين، انتهى.

قال الحافظ ابن حجر: و لا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه فى معناه، و الفرق بينهما عسر. و نقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغى للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، و أن يلزم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر من مخالطة الناس، و أشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع أكله من حضور الجماعة. قال النووى: و هذا القول صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه.

ذكر رقية النبيّ ص التي كان يرقى بها

عن عبد العزيز قال: دخلت أنا و ثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: أ لا أرقيك برقية رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-؟

قال: بلى، قال: قل اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافى لا شافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما (1). رواه البخاري. و قوله: «مذهب الباس»: بغير همزة للمواخاة، أصله الهمز. و فى قوله «لا شافى إلا أنت» إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء و التداوى إن لم يصادف تقدير اللّه و إلا فلا ينجع. و قوله «لا يغادر- بالعين المعجمة- أى لا يترك».

و فى البخاري أيضا عن مسروق عن عائشة أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى و يقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، و اشفه و أنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» (2). و قوله «يمسح يده» أى على الوجع. و قوله «إلا شفاؤك» بالرفع بدل من موضع: لا شفاء.

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (5742) فى الطب، باب: رقية النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.

(2) صحيح: أخرجه البخاري (5743) فى الطب، باب: رقية النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.

33

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يرقى و يقول: «امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت» (1). رواه البخاري أيضا.

و فى صحيح مسلم، عن عثمان بن أبى العاص، أنه شكا إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- وجعا يجده فى جسده منذ أسلم، فقال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك و قل: بسم اللّه، ثلاثا، و قل سبع مرات: أعوذ بعزة اللّه و قدرته من شر ما أجد و أحاذر» (2). و إنما كرره ليكون أنجح و أبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة.

ذكر طبه ص من الفزع و الأرق المانع من النوم:

عن بريدة قال: شكا خالد إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: يا رسول اللّه، ما أنام الليل من الأرق، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع و ما أظلت، و رب الأرضين السبع و ما أقلت و رب الشياطين و ما أضلت، كن لى جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط على أحد منهم أو يبغى على، عزّ جارك، و جل ثناؤك و لا إله غيرك» (3) رواه الترمذى.

ذكر طبه ص من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى اللّه تعالى:

فى المسند مرفوعا: «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للّه و إنا إليه راجعون، اللهم آجرنى فى مصيبتى و اخلف لى خيرا منها، إلا آجره اللّه فى مصيبته و أخلف له خيرا منها» (4). قال فى الهدى النبوى‏ (5): و هذه الكلمة

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (5744) فيما سبق.

(2) صحيح: أخرجه مسلم (2203) فى السلام، باب: استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء.

(3) ضعيف: أخرجه الترمذى (3523) فى الدعوات، باب: منه، و قال: هذا حديث ليس إسناده بالقوى، و الحكم بن ظهير قد ترك حديثه بعض أهل الحديث و يروى هذا الحديث عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- مرسلا من غير هذا الوجه.

(4) صحيح: أخرجه أحمد (6/ 317 و 321)، و هو عند مسلم (918) فى الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة، من حديث أم سلمة- رضى اللّه عنها-.

(5) يقصد «زاد المعاد فى هدى خير العباد»، و انظر هذا النقل عنده فى (4/ 189).

34

من أبلغ علاج المصاب و أنفعه له فى عاجلته و آجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن المصيبة:

أحدهما: أن العبد و أهله و ماله ملك للّه عز و جل حقيقة، و قد جعله اللّه عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.

الثانى: أن مصير العبد و مرجعه إلى اللّه [مولاه الحق‏]، و لا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، و يجئ ربه فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل و لا مال و لا عشيرة، و لكن بالحسنات و السيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد و نهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره فى مبدئه و معاده من أعظم علاج هذا الداء.

قال: و من علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، و أنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، و إن سرور (1) الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، و إن سرت يوما أساءت دهرا، و إن متعت قليلا منعت طويلا، و ما ملأت دارا حبرة (2) إلا ملأتها عبرة، و لا سرته بيوم سرور، إلا خبأت له يوم شرور.

قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة، و ما ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا.

ذكر طبه ص من داء الهم و الكرب بدواء التوجه إلى الرب:

عن ابن عباس أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللّه رب السموات و رب العرش الكريم» (3). و قوله «عند الكرب» أى عند حلول الكرب. و عند مسلم: كان يدعو بهن و يقولهن عند الكرب. و عنده أيضا:

____________

(1) فى مطبوع «زاد المعاد» (4/ 190) (شرور) و هى هنا أصوب.

(2) فى مطبوع «زاد المعاد» (4/ 190) (خيرة) و هى هنا أصوب.

(3) صحيح: أخرجه البخاري (6345 و 6346) فى الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، و مسلم (2730) فى الذكر و الدعاء، باب: دعاء الكرب.

35

(كان إذا حزبه أمر)- و هى بفتح المهملة و الزاى و بالموحدة- أى هجم عليه أو غلبه.

قال الطبرى: معنى قول ابن عباس «يدعو»، و إنما هو تهليل و تعظم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء، كما عند عبد بن حميد «كان إذا حزبه أمر قال ...» فذكر الذكر المأثور، و زاد: ثم دعا. قال الطبرى: و يؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له، و إذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة و قد سئل عن الحديث الذي فيه «أكثر ما كان يدعو به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بعرفة: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له» (1) الحديث. فقال سفيان: هو ذكر و ليس فيه دعاء، و لكن قال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عن ربه عز و جل: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين‏ (2). و قال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد اللّه بن جدعان:

أ أذكر حاجتى أم قد كفانى‏ * * * حياؤك إن شبمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يوما * * * كفاه من تعرضك الثناء

فهذا مخلوق حين نسبه إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق.

ثم إن حديث ابن عباس هذا- كما قاله ابن القيم- قد اشتمل على توحيد الإلهية و الربوبية و وصف الرب سبحانه بالعظمة و الحلم، و هاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة و الرحمة و الإحسان و التجاوز، و وصفه‏

____________

(1) ضعيف: و قد ورد ذلك فى حديث ضعيف أخرجه أحمد فى «المسند» (2/ 210) من حديث عبد اللّه بن عمرو- رضى اللّه عنهما-، و قال الألبانى فى «ضعيف الجامع» (4464):

ضعيف.

(2) ضعيف: أخرجه الترمذى (2926) فى فضائل القرآن، باب: رقم (24)، و الدارمى فى «سننه» (3356)، من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه-، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى».

36

بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوى و السفلى و العرش الذي هو سقف المخلوقات و أعظمها، و الربوبية التامة تستلزم توحيده، و أنه الذي لا تنبغى العبادة و الحب و الخوف و الرجاء و الإجلال و الطاعة إلا له، و عظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، و سلب كل نقص و تمثيل عنه، و حلمه يستلزم كمال رحمته و إحسانه إلى خلقه. فعلم القلب و معرفته بذلك توجب محبته و إجلاله و توحيده، فيحصل له من الابتهاج و اللذة و السرور ما يدفع عنه ألم الكرب و الهم و الغم، و أنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره و يفرحه و يقوى نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسى، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى و أحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب و سعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته فى غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، و خرج القلب منه إلى سعة البهجة و السرور. و إنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها و باشر قلبه حقائقها.

قال ابن بطال حدثني أبو بكر الرازى قال: كنت بأصبهان عند أبى نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن على قد سعى به إلى السلطان فسجن، فرأيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى المنام و جبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قل لأبى بكر بن على يدعو بدعاء الكرب الذي فى صحيح البخاري‏ (1) حتى يفرج اللّه عنه، قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يمكث إلا قليلا حتى أخرج.

و فى حديث على عند النسائى و صححه الحاكم: لقننى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- هذه الكلمات و أمرنى إن نزل بى كرب أو شدة أن أقولها: «لا إله إلا اللّه الكريم العظيم، سبحان اللّه تبارك اللّه رب العرش العظيم، و الحمد للّه رب العالمين» و فى لفظ: «الحليم الكريم» فى الأولى، و فى لفظ لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له العليم العلى العظيم، لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له‏

____________

(1) هو حديث ابن عباس المتقدم قبل قليل.

37

الحليم الكريم، و فى لفظ لا إله إلا اللّه الحليم الكريم سبحانه، تبارك و تعالى رب العرش العظيم، الحمد للّه رب العالمين‏ (1). أخرجها كلها النسائى.

و روى الترمذى عن أبى هريرة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان إذا أهمه أمر رفع طرفه إلى السماء فقال: «سبحان اللّه العظيم» و إذا اجتهد فى الدعاء قال:

«يا حى يا قيوم» (2) و عنده أيضا من حديث أنس: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان إذا حزبه أمر قال: «يا حى يا قيوم، بك أستغيث» (3).

قال العلامة ابن القيم: و فى تأثير قوله: «يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث» فى دفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة «الحياة» متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، و صفة «القيومية» متضمنة لجميع صفات الأفعال. و لهذا كان اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب، و إذا سئل به أعطى هو اسم الحى القيوم، و الحياة التامة تضاد جميع الآلام و الأسقام، و لهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقها هم و لا غم و لا حزن و لا شي‏ء من الآفات. فالتوسل بصفة «الحياة و القيومية» له تأثير فى إزالة ما يضاد الحياة و يضر بالأفعال. فلهذا الاسم «الحى القيوم» تأثير عظيم خاص فى إجابة الدعوات و كشف الكربات. و لهذا كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا اجتهد فى الدعاء قال: يا حى يا قيوم.

و روى أبو داود عن أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه-، أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى طرفة

____________

(1) صحيح: أخرجه النسائى فى «الكبرى» (7673 و 7677 و 7678 و 8410- 8415 و 10463- 10482)، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 688 و 689) و (3/ 149) و قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. ا ه. قلت: و هو فى الصحيحين بنحوه، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.

(2) ضعيف جدّا: أخرجه الترمذى (3436) فى الدعوات، باب: ما جاء ما يقول عند الكرب، و قال الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى»: ضعيف جدّا.

(3) ضعيف: أخرجه الترمذى (3524) فى الدعوات، و النسائى فى «الكبرى» (7682 و 7683 و 10448)، و أبو يعلى فى «مسنده» (6545) بسند ضعيف.

38

عين، و أصلح لى شأنى كله، لا إله إلا أنت» (1). و فى هذا الدعاء- كما قاله فى زاد المعاد- من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده، و الاعتماد عليه وحده، و تفويض الأمر إليه و التضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه و لا يكله إلى نفسه، و التوسل إليه بتوحيده، مما له تأثير فى دفع هذا الداء. و كذا قوله فى حديث أسماء بنت عميس عند أبى داود أيضا مرفوعا: «كلمات الكرب: اللّه ربى لا أشرك به شيئا» (2).

و فى مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال:

ما أصاب عبدا همّ و لا حزن فقال: «اللهم إنى عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فىّ حكمك عدل فىّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك أو أعلمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبى، و نور صدرى، و جلاء حزنى، و ذهاب همى، إلا أذهب اللّه همه و حزنه، و أبدله مكانه فرحا» (3).

و إنما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعى و عبودية آبائه و أمهاته، و أن ناصيته بيده، يصرفها كيف يشاء، و إثبات القدر، و أن أحكام الرب نافذة فى عبده، ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، و لا حيلة له فى دفعها، و أنه سبحانه و تعالى عدل فى هذه الأحكام غير ظالم لعبده، ثم‏

____________

(1) حسن: أخرجه أبو داود (5090) فى الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، و أحمد فى «مسنده» (5/ 42)، و البخاري فى «الأدب المفرد» (701) بسند حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» و الحديث من طريق عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبى فلعل بكرة تصحفت عنده لبكر ثم أضاف من أضاف من عنده الصديق باعتباره أبى بكر الصديق، و لعل ذلك نتيجة نقله من الإمام ابن القيم فى «زاد المعاد» حيث وقع فى نفس الوهم- رحمهما اللّه-.

(2) صحيح: أخرجه أبو داود (1525) فى الصلاة، باب: فى الاستغفار، و النسائى فى «الكبرى» (10484)، و ابن ماجه (2882) فى الدعاء، باب: الدعاء عند الكرب، بسند صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».

(3) صحيح: و قد تقدم.

39

توسله بأسماء الرب تعالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها، و ما لم يعلموا، و منها ما استأثر به فى علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكا مقربا و لا نبيّا مرسلا، و هذه الوسيلة أعظم الوسائل و أحبها إلى اللّه، و أقربها تحصيلا للمطلوب، ثم سؤاله أن يجعل القرآن لقلبه ربيعا، أى كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، و أن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، و به يتم معاش العباد و أن يجعله شفاء همه و غمه فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، و يعيد البدن إلى صحته و اعتداله، و أن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع‏ (1) و الأصدية، فإذا صدق العليل فى استعمال هذا الدواء أعقبه شفاء تامّا.

و فى سنن أبى داود، عن أبى سعيد الخدرى قال: دخل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة ما لى أراك فى المسجد فى غير وقت الصلاة» فقال: هموم لزمتنى و ديون يا رسول اللّه، فقال: «أ لا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب اللّه عز و جل همك، و قضى دينك» قال: قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: «قل إذا أصبحت و إذا أمسيت، اللهم إنى أعوذ بك من الهم و الحزن، و أعوذ بك من العجز و الكسل، و أعوذ بك من الجبن و البخل، و أعوذ بك من غلبة الدين و قهر الرجال» قال: ففعلت ذلك فأذهب اللّه همى، و قضى دينى‏ (2).

و قد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم و الحزن أخوان، و الجبن و البخل أخوان، و العجز و الكسل أخوان و ضلع الدين و غلبة الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر.

____________

(1) الطبوع: جمع طبع، و هى السجية التي جبل عليها الإنسان، كما تأتى بمعنى الدنس و الصدأ، و لعلها المقصودة هنا.

(2) ضعيف: أخرجه أبو داود (1555) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة و فى إسناده غسان بن عوف، هو البصرى، قال عنه الحافظ فى «التقريب»: لين الحديث، و لذا ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».

40

و فى سنن أبى داود- أيضا- عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «من لزم الاستغفار جعل اللّه له من كل هم فرجا، و من كل ضيق مخرجا، و رزقه من حيث لا يحتسب» (1). و إنما كان الاستغفار له تأثيرا فى دفع الهم و الضيق لأنه قد اتفق أهل الملل و عقلاء كل ملة على أن المعاصى و الفساد يوجبان الهم و الغم و الحزن و ضيق الصدر و أمراض القلب، و إذا كان هذا تأثير الذنوب و الآثام فى القلوب فلا دواء لها إلا التوبة و الاستغفار.

و عن ابن عباس عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «من كثرت همومه فليكثر من قول:

لا حول و لا قوة إلا باللّه». و ثبت فى الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة (2)، و فى الترمذى: أنها باب من أبواب الجنة (3)، و فى بعض الآثار: أنه ما ينزل ملك من السماء و لا يصعد إلا بلا حول و لا قوة إلا باللّه.

و روى الطبرانى من حديث أبى هريرة: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «ما كربنى أمر إلا تمثل لى جبريل فقال لى: يا محمد قل توكلت على الحى الذي لا يموت، و الحمد للّه الذي لم يتخذ ولدا و لم يكن له شريك فى الملك، و لم يكن له ولى من الذل و كبره تكبيرا». و فى كتاب ابن السنى من حديث أبى قتادة عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «من قرأ آية الكرسى و خواتيم سورة البقرة عند

____________

(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (1518) فى الصلاة، باب: فى الاستغفار، و ابن ماجه (3819) في الأدب، باب: الاستغفار و أحمد فى «المسند» (1/ 248)، و الحاكم فى «المستدرك» (4/ 291)، بسند فيه الحكم بن مصعب، قال عنه الحافظ ابن حجر فى «التقريب» مجهول، و هو كما قال، و ليس له إلا حديثين أحدهما ليس له أصل، و الثانى مثله بهذا اللفظ، و الراوى عنه الوليد بن مسلم، و هو ما فيه.

(2) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (6384) فى الدعوات، باب: الدعاء إذا علا عقبة، و مسلم (2704) فى الذكر و الدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، من حديث أبى موسى الأشعرى- رضى اللّه عنه-.

(3) صحيح: أخرجه الترمذى (3581) فى الدعوات، باب: فى فضل لا حول و لا قوة إلا باللّه، و أحمد فى «المسند» (3/ 422)، و الحاكم فى «المستدرك» (4/ 323) من حديث سعد بن عباد،- رضى اللّه عنه-، و قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. ا ه.

و كذا صححه الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».

41

الكرب أغاثه اللّه عز و جل». و عنده- أيضا- من حديث سعد بن أبى وقاص، قال: قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنى لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج اللّه عنه، كلمة أخى يونس: فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين» (1). و عند الترمذى: «لم يدع بها رجل مسلم فى شي‏ء قط إلا استجيب له» (2).

و روى الديلمى فى مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد- يعنى الصادق- قال: حدثني أبى عن جدى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء: «اللهم احرسنى بعينك التي لا تنام، و اكنفنى بكنفك الذي لا يرام، و ارحمنى بقدرتك على فلا أهلك و أنت رجائى، فكم من نعمة أنعمت بها على قلّ لك بها شكرى، و كم من بلية ابتليتنى بها قلّ لك بها صبرى، فينا من قلّ عند نعمته شكرى فلم يحرمنى، و يا من قلّ عند بليته صبرى فلم يخذلنى، و يا من رآنى على الخطايا فلم يفضحنى، يا ذا المعروف الذي لا ينقضى أبدا، و يا ذا النعمة التي لا تحصى عددا، أسألك أن تصلى على محمد و على آل محمد و بك أدرأ فى نحور الأعداء و الجبارين، اللهم أعنى على دينى بالدنيا، و على آخرتى بالتقوى و احفظنى فيما غبت عنه، و لا تكلنى إلى نفسى فيما حظرته على، يا من لا تضره الذنوب، و لا ينقصه العفو، هب لى ما لا ينقصك، و اغفر لى ما لا يضرك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجا قريبا و صبرا جميلا، و رزقا واسعا، و العافية من البلايا، و شكر العافية- و فى رواية: و أسألك الشكر على العافية- و أسألك الغنى عن الناس، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم.

____________

(1) رجاله ثقات: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (7/ 68) و قال: رواه أحمد و رجال رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبى وقاص و هو ثقة.

(2) صحيح: أخرجه الترمذى (3505) فى الدعوات، باب: رقم (85)، و الحاكم فى «المستدرك» (1/ 684 و 685) و (2/ 637 و 639) و الحديث صححه الألبانى فى «صحيح الجامع» (3383).

42

ذكر طبه ص من داء الفقر:

عن ابن عمر: أن رجلا قال: يا رسول اللّه، إن الدنيا أدبرت عنى و تولت، قال له: «فأين أنت من صلاة الملائكة و تسبيح الخلائق و به يرزقون، قل عند طلوع الفجر: سبحان اللّه و بحمده، سبحان اللّه العظيم، استغفر اللّه مائة مرة تأتيك الدنيا صاغرة» فولى الرجل فمكث ثم عاد فقال: يا رسول اللّه لقد أقبلت على الدنيا فما أدرى أين أضعها. رواه الخطيب فى رواة مالك.

ذكر طبه ص من داء الحريق:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-:

«إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه» (1). فإن قلت ما وجه الحكمة فى إطفاء الحريق بالتكبير، أجاب صاحب زاد المعاد: بأنه لما كان الحريق سببه النار، و هى مادة الشيطان التي خلق منها، و كان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته و فعله، و كان للشيطان إعانة عليه و تنفيذ له، و كانت النار تطلب بطبعها العلو و الفساد، و هما هدى الشيطان، و إليهما يدعو، و بهما يهلك بنى آدم، فالنار و الشيطان كل منهما يريد العلو فى الأرض و الفساد، و كبرياء اللّه تعالى تقمع الشيطان و فعله، فلهذا كان تكبير اللّه له أثر فى إطفاء الحريق، فإن كبرياء اللّه تعالى لا يقوم لها شي‏ء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبره فى خمود النار التي هى مادة الشيطان. و قد جربنا نحن و غيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى. و قد جربت ذلك بطيبة فى سنة خمس و تسعين و ثمانمائة فوجدت له أثرا عظيما لم أجده لغيره. و لقد شاع و ذاع رؤية طيور بحريق طيبة الواقع فى ثالث عشر رمضان سنة ست و ثمانين و ثمانمائة معلنة بالتكبير.

و فيه يقول قاضى القضاة شمس الدين السخاوى:

____________

(1) ضعيف جدّا: أخرجه ابن السنى فى «عمل اليوم و الليلة» (289- 292)، و فى سنده القاسم بن عبد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم العمرى نسبة إلى عمر بن الخطاب، قال عنه الحافظ فى «التقريب» (5468): متروك رماه أحمد بالكذب.

43

فظن كلّ بأن النار تحرقه‏ * * * فما ترى من جواها غير منهزم‏

فجاءت الطير روتها بأجنحة * * * عن البيوت رآها غير متهم‏

و قال أيضا فى قصيدة أخرى:

فكل شخص تولى خائفا حذرا * * * فجاءت الطير للنيران تطردها

عن البيوت و لا يخفى لمن بصرا

ذكر ما كان ص يطب به من داء الصرع:

فى الصحيحين أن امرأة أتت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقالت: إنى أصرع، و إنى أتكشف، فادع اللّه لى، فقال: «إن شئت صبرت و لك الجنة، و إن شئت دعوت اللّه لك أن يعافيك» فقالت: أصبر، قالت: فإنى أتكشف فادع اللّه أن لا أتكشف فدعا لها (1).

قال ابن القيم: الصرع صرعان، صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، و صرع من الأخلاط الرديئة، و الثانى هو الذي يتكلم فيه الأطباء. فأما علاج صرع الأرواح فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع و أمر من جهة المعالج، فالذى من جهة المصروع يكون بقوة نفسه و صدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح و بارئها و التعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب و اللسان، فإن هذا نوع محاربة، و المحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا فى نفسه جيدا، و أن يكون الساعد قويّا.

و الثانى: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا، حتى إن من المعالجين من يكتفى بقوله: اخرج منه، أو يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏، أو يقول: لا حول و لا قوة إلا باللّه.

____________

(1) صحيح: أخرجه البخاري (5652) فى المرضى، باب: فصل من يصرع من الريح، و مسلم (2576) فى البر و الصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.

44

قال: و قد كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «اخرج عدو اللّه أنا رسول اللّه» (1) و كان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسى و يأمر بكثرة قراءتها للمصروع و من يعالجه بها و بقراءة المعوذتين. قال: و من حدث له الصرع و له خمسة و عشرون سنة و خصوصا بسبب دماغى أيس من برئه، و كذلك إذا استمر به إلى هذه السن. قال: فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها تصرع و تتكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بصبرها على هذا المرض بالجنة.

و لقد جربت الإقسام بالنبى- صلى اللّه عليه و سلم- على اللّه تعالى‏ (2) مع قوله تعالى‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ (3) إلى آخر سورة الفتح فى ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا. و من الغريب قصة غزالة الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف و استغثت به- صلى اللّه عليه و سلم- (4) فى ذلك، فجئ إلى بصارعها فى المنام بأمره- صلى اللّه عليه و سلم- فوبخته و أقسم أن لا يعود إليها، فاستيقظت و ما بها قلبة و من ثم لم يعد إليها فلله الحمد.

ذكر دوائه ص من داء السحر:

قال النووى: السحر حرام، و هو من الكبائر بالإجماع، و قد يكون‏

____________

(1) صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (4/ 170 و 171) من حديث يعلى بن مرة- رضى اللّه عنه-، و هو عند ابن ماجه (3548) فى الطب، باب: الفزع و الأرق و ما يتعوذ منه، من حديث عثمان بن أبى العاص- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه».

(2) قلت: الإقسام لا يكون إلا باللّه عز و جل، لا بنبى مرسل، و لا ملك مقرب، لحديث رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «من أراد أن يحلف فليحلف باللّه».

(3) سورة الفتح: 29.

(4) قلت: الاستغاثة لا تكون إلا باللّه عز و جل، أو من عبد فيما يقدر عليه، كما استغاث الإسرائيلى بموسى(عليه السلام) ضد المصرى، و ذلك يكون حال حياته، أما بعد موته فلا يجوز لعدم إمكان الإغاثة فلا يبقى إلا الحى الذي لا موت، و نأسف إنه يوجد من بين علمائنا من يغالى فى ذات رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و يضعه فوق منزلته الشريفة، و الأصل فى ذلك الاتباع، و انظر فى ذلك فى حال أصحاب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- الذين كان الواحد منهم يقع سوطه على الأرض و هو على الدابة، فينيخها و يأتى به و لا يسأل أحدا و هم أحياء، و منا من يترك الأحياء، و يسأل الموتى.

45

كفرا، و قد لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضى الكفر كفر، و إلا فلا، و أما تعليمه و تعلمه فحرام، و إذا لم يكن فيه ما يقتضى الكفر عزر فاعله و استتيب منه، و لا يقتل عندنا، و إن تاب قبلت توبته. و قال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر و لا يستتاب و لا تقبل توبته بل يتحتم قتله.

و المسألة مبنية على الخلاف فى قبول توبة الزنديق، لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرناه، و عندنا: ليس بكافر (1)، و عندنا تقبل توبة المنافق و الزنديق.

قال القاضى عياض: و بقول مالك قال أحمد بن حنبل و هو مروى عن جماعة من الصحابة و التابعين. قال أصحابنا: فإذا قتل الساحر بسحره إنسانا و اعترف أنه مات بسحره و أنه يقتل غالبا لزمه القصاص. فإن قال مات به و لكنه قد يقتل و قد لا يقتل فلا قصاص و تجب الدية و الكفارة، و تكون الدية فى ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجانى. قال أصحابنا: و لا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، و إنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى. و اختلف فى السحر:

فقيل: هو تخييل فقط، و لا حقيقة له، و هو اختيار أبى جعفر الأسترآباذي من الشافعية، و أبى بكر الرازى من الحنفية و طائفة. قال النووى:

و الصحيح أن له حقيقة، و به قطع الجمهور و عليه عامة العلماء، و يدل عليه الكتاب و السنة الصحيحة المشهورة.

قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلانى: لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك، و القائلون بأن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض، أو ينتهى إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا و عكسه، فالذى عليه الجمهور هو الأول.

____________

(1) قلت: الذي أعرفه عن الإمام الشافعى- رحمه اللّه- أنه لا يكفر الساحر، بل يتوقف فى أمره حتى يستبين له أن ما يأتيه سحر أم لا، حيث إن بعض الدجالين يأتون بأعمال ليست من السحر، فلا يكفرون بها، أما الساحر الحقيقي فكافر كما قال مالك و أحمد- رحمهما اللّه- مستدلين على ذلك بقول اللّه تعالى‏ ... وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ... و ليس بعد كلام اللّه كلام.

46

و قال المازرى: جمهور العلماء على إثبات السحر، لأن العقل لا ينكر أن اللّه قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو مزج قوى على ترتيب مخصوص. و نظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعا. و قيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر اللّه فى قوله: يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ‏ (1)، لكون المقام مقام تهويل. فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره اللّه تعالى. و قال المازرى: و الصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك، قال: و الآية ليست نصّا فى منع الزيادة، و لو قلنا إنها ظاهرة فى ذلك.

ثم قال: و الفرق بين السحر و المعجزة و الكرامة، أن السحر يكون معاناة أقوال و أفعال حتى يتم للساحر ما يريد، و الكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبا اتفاقا، و أما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدى.

و نقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق، و أن الكرامة لا تظهر على يد فاسق. و نقل نحوه النووى فى «زيادة الروضة» عن المتولى. و ينبغى أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات، فإن الذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة و إلا فهو سحر.

و قال القرطبى: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، و مادته الوقوف على خواص الأشياء و العلم بوجود تركيبها و أوقاتها، و أكثرها تخييلات بغير حقيقة و إيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون‏ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ‏ (2) مع أن حبالهم و عصيهم لم يخرجوها عن كونها حبالا و عصيّا.

و قال أبو بكر الرازى فى «الأحكام»: (أخبر اللّه تعالى أن الذي ظنه‏

____________

(1) سورة البقرة: 102.

(2) سورة الأعراف: 116.

47

موسى أنها تسعى لم يكن سعيا، و إنما كان تخييلا، و ذلك أن عصيهم كانت مجوفة و قد ملئت زئبقا، و كذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، و قد حفروا قبل ذلك أسرابا و جعلوا لها آزاجا و ملئوها نارا، فلما طرحت على ذلك الموضع و حمى الزئبق حركا، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال و العصى صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى، و لم تكن تسعى حقيقة، انتهى.

قال القرطبى: و الحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا فى القلوب كالحب و البغض و إلقاء الخير و الشر، و فى الأبدان بالألم و السقم، و إنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانا، أو عكسه، بسحر الساحر.

و قد ثبت فى البخاري من حديث عائشة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- سحر، حتى إن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشي‏ء و ما فعله، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا و دعا ثم قال: «يا عائشة، أشعرت أن اللّه أفتانى فيما استفتيته؟

أتانى رجلان، فقعد أحدهما عند رأسى و الآخر عند رجلى، فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب‏ (1)، قال من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فى أى شي‏ء؟ قال: فى مشط و مشاقة (2) و جف طلع‏ (3) نخلة ذكر، قال: و أين هو؟ قال: فى بئر ذروان‏ (4)»، فأتاه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى ناس من أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء (5)، و كان رءوس نخلها رءوس الشياطين، فقلت يا رسول اللّه أ فلا استخرجته؟ قال: قد عافانى اللّه، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرّا، فأمر بها فدفنت». و فى رواية للبخارى أيضا:

«فأتى البئر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التي رأيتها»، قالت عائشة: أ فلا

____________

(1) مطبوب: أى مسحور.

(2) المشاقة: ما يسقط من الشعر حين يمشط.

(3) جف الطلعة: وعاء الطلع و غشاؤه إذا جف.

(4) بئر ذروان: بئر فى المدينة فى بستان لأحد اليهود.

(5) نقاعة الحناء: أى الماء الذي ينقع فيه الحناء، و الحناء معروف، و هو الذي يتخذ للخضاب.

48

تنشرت‏ (1)؟ قال: «أما اللّه شفانى، و أكره أن أثير على الناس شرّا» (2). و فى حديث ابن عباس عند البيهقي- بسند ضعيف- فى آخر قصة السحر الذي سحر به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أنهم وجدوا وترا فيه إحدى عشرة عقدة، و أنزلت الفلق و الناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. و أخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس أن عليّا و عمارا لما بعثهما النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لاستخراج السحر و جدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه. و فى رواية ذكرها فى فتح البارى: فنزل رجل فاستخرجه و أنه وجد فى الطلعة تمثالا من شمع تمثال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و إذا فيه أبر مغروزة، و إذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، و كلما نزع إبرة وجد لها ألما، ثم يجد بعدها راحة.

و قد بين الواقدى السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن عبد الحكم مرسلا قال: لما رجع- صلى اللّه عليه و سلم- من الحديبية فى ذى الحجة و دخل المحرم سنة سبع جاءت رءوس اليهود إلى لبيد بن الأعصم، و كان حليفا إلى بنى زريق، و كان ساحرا، فقالوا: أنت أسحرنا، و قد سحرنا محمدا فلم نصنع شيئا، و نحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. و وقع فى رواية أبى ضمرة عند الإسماعيلى:

فأقام أربعين ليلة، و فى رواية وهيب عن هشام عند أحمد: ستة أشهر.

و يمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، و الأربعين يوما من استحكامه. و قال السهيلى: لم أقف فى شي‏ء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث- صلى اللّه عليه و سلم- فيها فى السحر، حتى ظفرت به فى جامع معمر عن الزهرى: أنه لبث سنة. قال الحافظ ابن حجر: و قد وجدناه موصولا بالإسناد الصحيح، فهو المعتمد. و قال المازرى: أنكر بعض المبتدعة

____________

(1) عند مسلم: أ فلا أحرقته.

(2) صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (3268) فى بدء الخلق، باب: صفة إبليس و جنوده، و أطرافه (5763 و 5765 و 5766 و 6063 و 6391)، و مسلم (2189) فى السلام، باب: السحر.

49

هذا الحديث و زعموا أنه يحط منصب النبوة، و يشكك فيها، قالوا: و كل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. و زعموا: أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل و ليس هو ثمّ، و أنه يوحى إليه بشي‏ء و لم يوح إليه بشي‏ء.

قال المازرى: و هذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فيما يبلغه عن اللّه تعالى، و على عصمته فى التبليغ، و المعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. و أما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، و لا كانت الرسالة من أجلها، فهو فى ذلك عرضة لما يعرض لبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه فى أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك فى أمور الدين، انتهى. و قال غيره: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشي‏ء و لم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، و إنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر و لا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة.

و قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور، أنه يظهر له من نشاطه و من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقور، و يكون قوله فى الرواية الأخرى «حتى كاد ينكر بصره» أى كالذى ينكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشي‏ء يخيل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. و يؤيد جميع ما تقدم: أنه لم ينقل عنه فى خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به.

قال بعضهم: و قد سلك النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى هذه القصة مسلكى التفويض و تعاطى الأسباب، ففى أول الأمر فوض و سلم لأمر ربه، و احتسب الأجر فى صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك و خشى من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوى. فقد أخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: احتجم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- على رأسه، يعنى حين طب، ثم جنح إلى الدعاء، و كل من المقامين غاية فى الكمال.

50

و قال ابن القيم: من أنفع الأدوية و أقوى ما يؤخذ من النشرة (1) مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر و الدعاء و القراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من اللّه مغمورا بذكره، و له ورد من الذكر و الدعاء و التوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: و سلطان تأثير السحر هو فى القلوب الضعيفة، و لهذا كان غالب ما يؤثر فى النساء و الصبيان و الجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، انتهى ملخصا.

و يعكر عليه حديث الباب، و جواز السحر على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- مع عظم مقامه، و صدق توجهه و ملازمة ورده، و لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، و إنما وقع به- صلى اللّه عليه و سلم- لبيان تجويز ذلك عليه.

و أما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال: أن فى كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر (2) أخضر، فتدق بين حجرين ثم يضرب ذلك بالماء، و يقرأ فيه آية الكرسى و القلاقل‏ (3) ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه ما كان به، و هو جيد للرجل إذا احتبس عن أهله. و ممن صرح بجواز النشرة، المزنى عن الشافعى، و أبو جعفر الطبرى و غيرهما. انتهى.

و قال ابن الحاج‏ (4) فى «المدخل»: كان الشيخ أبو محمد المرجانى أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه و لأولاده و لأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء،

____________

(1) النشرة: بضم النون، ضرب من الرقية و العلاج يعالج به من كان يظن أن به مسّا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أى: يكشف و يزال، «النهاية» فى غريب الحديث، مادة (نشر).

(2) السدر: شجر النبق.

(3) يقصد: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، و المعوذتين.

(4) هو: الإمام العالم، أبو عبد اللّه، محمد بن محمد بن محمد العبدرى الفاسى المالكى الشهير بابن الحاج، كان فاضلا عارفا يقتدى به، له التآليف النافعة من أجلها هذا الكتاب المسمى «بمدخل الشرع الشريف على المذاهب»، ذكر فيه بدع يفعلها الناس و يتساهلون فيها، و أكثرها مما ينكر و بعضها مما يحتمل، توفى بالقاهرة سنة 737 ه.

51

و أخبر- رحمه اللّه- أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أعطاها له فى المنام، و قال: إنه مرة رأى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و قال له: ما تعلم ما عمل معك و مع أصحابك فى هذه النشرة، نقله عنه خادمه، و هى هذه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ‏ (1) إلى آخر السورة، وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (2) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً (3) إلى آخر السورة، و سورة الإخلاص و المعوذتين، ثم يكتب: اللهم أنت المحيى و أنت المميت، و أنت الخالق البارئ و أنت المبلى، و أنت المعافى، و أنت الشافى، خلقتنا من ماء مهين، و جعلتنا فى قرار مكين إلى قدر معلوم، اللهم إنى أسألك بأسمائك الحسنى و صفاتك العليا، يا من بيده الابتلاء و المعافاة، و الشفاء و الدواء أسألك بمعجزات نبيك محمد- صلى اللّه عليه و سلم- حبيبك، و بركات خليلك إبراهيم- عليه الصلاة و السلام-، و حرمة كليمك موسى- عليه الصلاة و السلام-، اللهم اشفه.

ذكر رقية لكل شكوى:

عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «من اشتكى منكم شيئا فليقل: ربنا اللّه الذي فى السماء تقدس اسمك، أمرك فى السماء و الأرض، كما رحمتك فى السماء فاجعل رحمتك فى الأرض و اغفر لنا حوبنا و خطايانا، أنت رب الطيبين أنزل رحمة من عندك، و شفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن اللّه» (4) رواه أبو داود فى سننه.

رقيته ص من الصداع:

روى الحميدى فى «الطب» عن يونس بن يعقوب عن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يتعوذ من الصداع، بسم اللّه الرحمن الرحيم‏، بسم اللّه‏

____________

(1) سورة التوبة: 128.

(2) سورة الإسراء: 82.

(3) سورة الحشر: 21.

(4) ضعيف: أخرجه أبو داود (3892) فى الطب، باب: كيف الرقى، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف سنن أبى داود.

52

الكبير و أعوذ باللّه العظيم من كل عرق نعار (1) و من شر حر النار (2).

و رواه ابن السنى من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-. و أصاب أسماء بنت أبى بكر- رضى اللّه عنهما- ورم فى رأسها، فوضع رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يده على ذلك من فوق الثياب فقال: «بسم اللّه أذهب عنها سوءه و فحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم اللّه» صنع ذلك ثلاث مرات، و أمرها أن تقول ذلك، فقالت ثلاثة أيام. فذهب الورم‏ (3) رواه الشيخ ابن النعمان بسنده و البيهقي.

رقيته ص من وجع الضرس:

روى البيهقي أن عبد اللّه بن رواحة شكا إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- وجع ضرسه، فوضع- صلى اللّه عليه و سلم- يده على خده الذي فيه و قال: «اللهم أذهب عنه سوء ما يجد و فحشه، بدعوة نبيك المكين المبارك عندك» سبع مرات، فشفاه اللّه قبل أن يبرح. و روى الحميدى أن فاطمة- رضى اللّه عنها- أتت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- تشكو ما تلقى من ضربان الضرس، فأدخل سبابته اليمنى فوضعها على السن الذي تألم، فقال: «بسم اللّه و باللّه، أسألك بعزتك و جلالك و قدرتك على كل شي‏ء، فإن مريم لم تلد غير عيسى من روحك و كلمتك، أن تكشف ما تلقى فاطمة بنت خديجة من الضر كله، فسكن ما بها».

و من الغريب: ما شاع و ذاع عن شيخنا المحب الطبرى إمام مقام الخليل بمكة، و رأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجوع ضرسه، و يسأل‏

____________

(1) قال ابن الأثير فى «النهاية» مادة (نعر): نعر العرق بالدم، إذا ارتفع و علا، و جرح نعار و نعور، إذا صوت دمه عند خروجه.

(2) ضعيف: أخرجه الترمذى (2075) فى الطب، باب: رقم (26)، و ابن ماجه (3526) فى الطب، باب: ما يعوذ به من الحمى، و أحمد فى «المسند» (1/ 300)، و الحاكم فى «المستدرك» (4/ 459) من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و قال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة، و إبراهيم يضعف فى الحديث، و هو كما قال.

(3) أخرجه ابن أبى الدنيا فى «المرض و الكفارات» (ص 124) من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و ذكر فيه أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أمر عائشة بوضع يدها و أن تقول الدعاء.