نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة(ع)

- محمد بن جرير الطبري‏ الصغير المزيد...
464 /
9

مقدمة المحقق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله ما اختلف الملوان و تعاقب العصران، و كرّ الجديدان، و استقبل الفرقدان، و بلّغ روحه و أرواح أهل بيته منّا التّحيّة و السّلام.

المعجزة

تمهيد

إنّ كلّ شي‏ء في الكون يخضع لنظام ثابت وفق قوانين معينة لا تحتمل التغيير، إلّا وفقا للمصلحة الإلهيّة- و هي المعجزة كما سيأتي-، فإذا حدث خلل أو تغيير فيها فإنّ ذلك يعني حدوث اختلال في الكون، مثلا لو فرضنا أنّ الجاذبيّة تبدّلت من قوّة جاذبة إلى قوّة دافعة، فإنّ الإنسان في هذه الحالة لا يستطيع السير على الأرض، و إنّما يتحرّك طائرا فيها حاله حال روّاد الفضاء عند ما يتحرّكون على سطح القمر.

و هذه الأنظمة و القوانين بعض منها أدركها الإنسان و طوّر نفسه شيئا فشيئا حتّى تقدّم في العلم و وصل إلى القمر من خلال صناعته المركبات الفضائية مثلا.

10

و بعض منها لم يدركها الآن و ربّما يدركها مستقبلا، أو في زمان ظهور صاحب الأمر و الزمان (عليه السلام)(1).

و البعض الآخر لم و لن يدركها، و تبقى طيّا في حكمة الخالق جلّ و عزّ، و هي التي خصّ بها أنبياءه و رسله و أئمة الدين الهداة المعصومين عليهم أفضل الصلوات و التحيّات ألا و هي المعجزة، و التي ألفت إليها البشر منذ مجي‏ء الأنبياء و الرسل (عليهم السلام) و أوصيائهم الكرام.

و إنّنا نلاحظ و من خلال ما قصّه علينا القرآن الكريم و ما ينقله لنا التاريخ، أنّ كلّ مجتمع يتواجد فيه نبيّ أو وصيّ نبيّ فإنّ الناس يطلبون منه أن يريهم بعض المعجزات و خوارق العادات- و لا يكتفون بواحدة أو باثنتين أو ..، كما حدث في بني إسرائيل، إمّا شرطا لتصديقه و الإيمان به، كقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (2) أو للاطمئنان القلبي، كما ستشاهده في بعض روايات كتابنا هذا، أو تفكّها «تبطّرا»، كما حدث لقوم عيسى (عليه السلام) عند ما قالوا له: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (3).

هذا و إنّ هناك معجزات أخرى ليست ضمن تقسيمنا هذا و نذكر منها:

1- معجزات اضطراريّة: كمعجزة موسى (عليه السلام) عند فلقه البحر و ذلك لنجاة قومه‏

____________

(1) جاء في رواية رواها موسى بن عمر، عن ابن محبوب، عن صالح بن حمزة، عن أبان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: العلم سبعة و عشرون حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة و العشرين حرفا فبثّها في الناس، و ضمّ إليها الحرفين، حتّى يبثها سبعة و عشرين حرفا. (انظر الخرائج و الجرائح 2: 841/ 59، و عنه في بحار الأنوار 52: 336/ 73، و اوردها الحسن بن سليمان في مختصر بصائر الدرجات: 117).

(2) الإسراء: 90.

(3) المائدة: 113.

11

من فرعون و حزبه، كما حدّثنا القرآن الكريم عن ذلك: فَأَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏ (1).

2- معجزات للتحدّي: كمعجزة عصا موسى (عليه السلام) و انقلابها ثعبانا يلتهم حبال السحرة و عصيهم، وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ* فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (2).

3- معجزات وقعت بدون قصد التحدّي و إنّما يمكن أن نطلق عليها أنّها للتفضيل أو للوصول إلى أعلى مراحل الكمال كمعجزة معراج نبيّنا الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و الذي تحدّث القرآن عنها في خمسة عشر آية منها: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (3).

4- معجزات للعقاب: مثل تحوّل المياه التي يشربها ملأ فرعون إلى دم، و مداهمة القمل و الضفادع و الجراد، كما جاء في الآية فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ‏ (4).

و غيرها من المعجزات الأخرى ...

و بعد هذا التمهيد نقول:

ما هي المعجزة

المعجزة: على ما هو معروف بين الجميع و على ما هو المستفاد من كتب اللغة العربيّة هي: ما يجعل غيره عاجزا، ثمّ عرفت في الفعل الذي يعجز القادر عن‏

____________

(1) الشعراء: 63.

(2) الاعراف: 117- 118.

(3) الاسراء: 2 و انظر باقي الآيات في سورة النجم: 6- 19.

(4) الأعراف: 133.

12

الإتيان بمثله، أو الأمر الخارق للعادة المطابق للدعوى المقرون بالتحدّي، أو هي التي يعجز البشر عن أن يأتوا بمثلها، لا إمكانا و لا وقوعا.

و قيد: «لا إمكانا و لا وقوعا»، لإخراج ما يعجز عنه البشر اليوم، و يتمكّن منه غدا، كما في التطوّر الحاصل في الاكتشافات التكنلوجيّة و العلميّة و في كلّ حقول العلوم، كالاكتشافات الذرّيّة مثلا، فالبشر قبل مائة سنة عاجزون عن صناعة القنبلة الذرّيّة، لكنّهم في خمسينيات القرن الماضي، استطاعوا صناعة القنبلة، و العجز هنا عجز وقوع لا عجز إمكان، أمّا مثل إحياء الموتى فالبشر عموما- إلّا من أذن له اللّه عزّ و جلّ- عاجزون وقوعا: لا يتمكّنون من ذلك في كلّ حين، اليوم و بالأمس و في المستقبل.

و في الشرع و الاصطلاح عرّفها لنا قطب الدين الراونديّ فقال: هو كلّ حادث من فعل اللّه أو بأمره أو تمكينه ناقض لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته أو ما يجري مجراه‏ (1).

و عرّفها السيّد الخوئي (رحمه الله): أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهيّة بما يخرق نواميس الطبيعة و يعجز عنه غيره شاهدا على صدق دعواه، و إنّما يكون المعجز شاهدا على صدق ذلك المدّعي إذا أمكن أن يكون صادقا في تلك الدعوى و أمّا إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل، أو بحكم النقل الثابت عن نبيّ أو إمام معلوم العصمة، فلا يكون ذلك شاهدا على الصدق و لا يسمّى معجزا في الاصطلاح و إن عجز البشر عن أمثاله.

مثال الأول: ما إذا ادّعى أحد أنّه إله، فإنّ هذه الدعوى يستحيل أن تكون صادقة بحكم العقل، للبراهين الصحيحة الدالّة على استحالة ذلك.

____________

(1) انظر الخرائج و الجرائح 3: 974.

13

و مثال الثاني: ما إذا ادّعى أحد النبوّة بعد نبيّ الإسلام، فإنّ هذه الدعوى كاذبة قطعا بحكم النقل المقطوع بثبوته عن نبيّ الإسلام و عن خلفائه المعصومين بأنّ نبوّته خاتمة النبوّات، و إذا كانت الدعوى باطلة قطعا فما ذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدّعي؟ و لا يجب على اللّه جلّ شأنه أن يبطل ذلك بعد حكم العقل باستحالة دعواه، أو شهادة النقل ببطلانها.

هذا و قد يدعي أحد منصبا إلهيا ثمّ يأتي بشي‏ء يعجز عنه غيره من البشر و يكون ذلك الشي‏ء شاهدا على كذب المدّعى، كما يروى أنّ «مسيلمة الكذّاب» تفل في بئر قليل الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء، و أنّه أمرّ يده على رءوس صبيان بني حنيفة و حنّكهم فأصاب القرع كلّ صبيّ مسح رأسه، و لثغ كلّ صبيّ حنكه‏ (1). فإذا ادّعى المدّعي بمثل هذا الشاهد لا يجب على اللّه أن يبطله، فإنّ في هذا كفاية لإبطال دعواه، و لا يسمّى ذلك معجزا في الاصطلاح‏ (2).

و قبل التطرّق إلى شي‏ء مختصر من الإعجاز الموجود في القرآن الكريم- المعجزة الكبرى و الدائميّة على مرّ العصور- لا بدّ أن نبيّن عدّة امور منها:

ا) شروط مفهوم المعجزات

قال قطب الدين الراونديّ: و اعلم أنّ شروط مفهوم المعجزات امور:

1- أن يعجز من مثله، أو عمّا يقاربه المبعوث إليه و جنسه، لأنّه لو قدر عليه، أو واحد من جنسه في الحال لما دلّ على صدقه، و وصيّ النبيّ (عليهما السلام) حكمه حكمه.

2- أن يكون من فعل اللّه تعالى، أو بأمره و تمكينه، لأنّ المصدّق بالمعجز هو اللّه تعالى، فلا بدّ أن يكون من جهته تعالى، ما يصدق به النبيّ أو الوصيّ.

____________

(1) انظر الكامل في التاريخ 2: 138.

(2) انظر البيان في تفسير القرآن: 32- 33.

14

3- أن يكون ناقضا للعادة، لأنّه لو فعل ما كان معتادا لم يدلّ على صدقه، كطلوع الشمس من مشرقها.

4- أن يحدث عقيب دعوى المدّعي أو جاريا مجراه و الذي يجري مجرى ذلك هو أن يدّعي النبوّة و يظهر عليه معجزا، ثمّ تشيع دعواه في الناس، ثمّ يظهر معجز من دون تجديد دعوى لذلك؛ لأنّه إذا لم يظهر كذلك لم يعلم تعلّقه بالدعوى، فلا يعلم أنّه تصديق له في دعواه.

5- أن يظهر ذلك في زمان التكليف، لأنّ أشراط الساعة تنتقض بها عادته تعالى و لا يدلّ على صدق مدّع‏ (1).

ب) الفصل بين المعجزة و الحيلة

قد تقدّم منّا بيان تعريف المعجزة و الآن و قبل بيان الفصل بين المعجزة و الحيلة لا بأس أن نعطي تعريفا بسيطا للحيلة، فنقول:

الحيلة: هي إيهام الأمر للخديعة، و حال بينه و بينه مانع‏ (2).

و عرّفها الراونديّ: هي أن يرى صاحب الحيلة الأمر في الظاهر على وجه لا يكون عليه و يخفي وجه الحيلة فيه، نحو عجل السامري الذي جعل فيه خروقا تدخل فيها الريح، فيسمع منه صوت‏ (3).

و بعد هذا التعريف يمكننا أن نبيّن وجوه الفرق بين المعجزة و الحيلة، و هي:

1- أنّ المعجز لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد، كقلب العصا حيّة، و إحياء الموتى، و غير ذلك.

____________

(1) انظر الخرائج و الجرائح 3: 975.

(2) انظر التبيان في تفسير القرآن 1: 87.

(3) انظر الخرائج و الجرائح 3: 1018.

15

2- أنّ المعجز لا يحتاج إلى التعليم، بخلاف الحيلة، فإنّها تحتاج إلى التعليم.

3- أنّ المعجز يكون ناقضا للعادة، بخلاف الحيلة، فإنّها لا تكون ناقضة للعادة.

4- أنّ المعجز لا يحتاج إلى الآلات، بخلاف الحيلة فإنّها تحتاج إلى الآلات.

5- أنّ المعجز إنّما يظهر عند من يكون من أهل ذلك الباب، و يروج عليهم، و الحيلة إنّما تظهر عند العوام، و الذين لا يكونون من أهل ذلك الباب و يروج على الجهّال‏ (1).

ج) الفرق بين المعجزة و السحر

قبل بيان الفرق نقول: ما هو السحر؟

الجواب: قيل في السحر عدّة أقوال و هنا نتعرّض لبعض منها:

1- السحر تخييل ما ليس له حقيقة كالحقيقة، بحيث يتعذّر على من لا يعلم وجه الحيلة فيه‏ (2).

2- السحر: حيلة توهم المعجزة بحال خفيّة، و أصله خفاء الأمر (3).

3- السحر: لطف الحيلة في إظهار أعجوبة توهم المعجزة (4).

4- السحر: كلام يتكلّم به أو يكتبه، أو رقية، أو يعمل شيئا يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة، و الأقرب أنّه لا حقيقة له و إنّما هو تخييل، و على كلّ تقدير لو استحلّه- أي الإنسان- قتل، و يجوز حلّ السحر بشي‏ء

____________

(1) انظر الخرائج و الجرائح 3: 995.

(2) انظر رسائل المرتضى 2: 272.

(3) انظر التبيان 9: 392.

(4) انظر تفسير مجمع البيان 4: 325.

16

من القرآن أو الذكر أو الأقسام لا بشي‏ء منه‏ (1).

5- السحر: مختصّ بكلّ أمر مخفي سببه، و يتخيّل على غير حقيقة و يجري مجرى التمويه و الخداع، قال اللّه تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏ (2).

6- نقل لنا الشيخ الطوسيّ في التبيان أربعة أقوال في السحر، فقال:

منها: أنّه خدع و مخاريق، و تمويهات لا حقيقة لها يخيّل إلى المسحور أنّ لها حقيقة.

و منها: أنّه أخذ بالعين على وجه الحيلة.

و منها: أنّه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، و إنشاء الأجسام على وجه الاختراع، فيمكن الساحر أن يقلب الإنسان حمارا أو ينشئ أجساما.

و منها: أنّه ضرب من خدمة الجنّ كالذي يمسك له التجدل فيصرع.

ثمّ قال: و أقرب الأقوال القول الأوّل، لأنّ كلّ شي‏ء خرج عن العادة الخارقة، فإنّه لا يجوز أن يتأتّى من الساحر، و من جوّز للساحر شيئا من هذا، فقد كفر لأنّه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوّات، لأنّه أجاز مثله من جهة الحيلة و السحر (3).

و من هذه الأقوال و ممّا مرّ من بيان المعجزة يمكن أن نستشف بعض الفروق بين المعجزة و السحر على نحو الإجمال:

____________

(1) انظر قواعد الأحكام 2: 9.

(2) مجمع البحرين 2: 346، و الآية 66 من سورة طه.

(3) انظر التبيان في تفسير القرآن 1: 374.

17

1- المعجزة حقيقة ثابتة (1)، و السحر خيال أو وهم‏ (2)، و يؤثّر على الحواس فقط (3).

2- المعجزة لا تدخل تحت مقدور البشر إلّا من خصّه اللّه من نبيّ أو وصيّ، و السّحر يدخل تحت مقدور كلّ البشر.

3- المعجزة لا يمكن تعلّمها و كذا تعليمها، و السحر يمكن فيه التلمذ و التعلّم و لا يختصّ به واحد دون آخر.

4- السحر يستخدمه الأشرار و في الغالب للتفريق بين المرء و زوجه و لضرر الآخرين و .. (4).

5- السحر لا يظهر إلّا من فاسق.

هذا و إنّ السحر لا يختلف كثيرا عن الحيلة- لذا فإنّ بعض نقاط الفرق بين المعجزة و الحيلة يمكن أن نجريها هنا، بل هما متّحدان في كثير من الأمور، و هذا ما يوضحه لنا قطب الدين الراونديّ حيث يقول:

ما ألقى سحرة فرعون من حبالهم و عصيهم حتّى خيّل إلى الناظر إليها من‏

____________

(1) مثل قلب العصا إلى حية، و إحياء الموتى، و إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير، و ناقة صالح التي كانت تدر اللبن الوفير، و ...

(2) فَإِذا حِبالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى‏ طه: 66.

(3) فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ‏ الأعراف: 116.

(4) و تصديق ذلك الآية: 102 من سورة البقرة، و هي: وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى‏ مُلْكِ سُلَيْمانَ وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ‏.

18

سحرهم أنّها تسعى، احتالوا في تحريك العصا و الحبال لأنّهم جعلوا فيها من الزئبق، فلمّا طلعت الشمس عليها، تحرّكت بحرارة الشمس- و مثلها الكثير من أنواع الحيل و التمويه و التلبيس- و خيّل للناس أنّها تتحرّك كما تتحرّك الحيّة، و إنّما سحروا أعين الناس لأنّهم أروهم شيئا لم يعرفوه، و لو كانت حيّات حقيقيّة لقال اللّه تعالى ذلك، حيث قال اللّه سبحانه و تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ‏، و لم يقل عزّ و جلّ «فلما ألقوا صارت حيّات» ثمّ قال تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ‏ (1) أي ألقاها فصارت ثعبانا فإذا هي تبتلع ما يأفكون فيه من الحبال و العصي، و إنّما ظهر ذلك للسحرة على الفور، لأنّهم لمّا رأوا تلك الآيات و المعجزات في العصا، علموا أنّه أمر سماويّ لا يقدر عليه غير اللّه تعالى ... فاعترفوا كلّهم- أي السحرة- و اعترف كثير من الناس معهم بالتوحيد، و النبوّة، و صار إسلامهم حجّة على فرعون و قومه‏ (2).

هذا، و إنّ العقلاء يميّزون بين السحر و الحيلة و المعجزة و لا يشكّون في المعجزة و أنّه ليس فيها وجه من السحر أو الحيلة أو ..، كمعجزة قلب العصا حيّة، و إحياء الميت، و كلام الجمادات و الحيوانات من البهائم و السباع و الطيور و ..

المعجزة و الكرامة

الكرامة: هي أيضا أمر خارق للعادة أو للمألوف، يخصّ اللّه عزّ و جلّ بها بعض عباده من الذين أخلصوا للّه عزّ و جلّ في عبادتهم و هم نخبة ممّن نالوا الدرجات العلى مثل: سلمان الفارسي، و عمّار بن ياسر، و أويس القرني و ...

____________

(1) الاعراف: 117.

(2) للمزيد من الامثلة انظر الخرائج و الجرائح 3: 1020- 1022.

19

هذا و قد أكّدها- أي الكرامة- اللّه سبحانه و تعالى من خلال آيات عديدة، منها- على سبيل المثال لا الحصر- ما جرى للسيّدة مريم ابنة عمران (عليها السلام)، حيث جاء في قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (1).

الفرق بين المعجزة و الكرامة

أنّ الكرامة من شرطها الاستتار، و المعجزة من شرطها الإظهار، و كذلك الكرامة ما تظهر من غير دعوى، و المعجزة ما تظهر من دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك.

الإمام و المعجزة

إنّ المعجزة تظهر عند الأنبياء و الأوصياء، و كما هو المعلوم أنّ أئمّتنا (عليهم السلام) هم أوصياء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

قال الشيخ الطوسي: إذا كان فائدة المعجز تصديق من ظهر على يده فيجب جواز ظهوره على يد بعض الأئمّة و الصالحين إذا ادّعوا الإمامة و الصلاح و كانوا صادقين؛ فإنّه إذا كان مقتضاه تصديق من ظهر على يده، فإن كان ذلك مدّعيا للإمامة علمنا بها صدقه، و إن ادّعى صلاحا فمثل ذلك؛ لأنّه لا بدّ من دعوى يقترن بها (2).

و قال الشيخ المفيد: فأمّا ظهور المعجزات على يد الأئمّة و الإعلام فإنّه من‏

____________

(1) آل عمران: 37.

(2) الاقتصاد للشيخ الطوسي: 158- 159، و انظر تأييدا لهذا الكلام الحديث 3 من معجزات الإمام السجاد (عليه السلام) من كتابنا هذا.

20

الممكن الذي ليس بواجب عقلا و لا ممتنع قياسا، و قد جاءت بكونه منهم (عليهم السلام) الأخبار على التظاهر و الانتشار، فقطعت عليه من جهة السمع و صحيح الآثار، و معي في هذا الباب جمهور أهل الإمامة، و بنو نوبخت تخالف فيه و تأباه.

و كثير من المنتمين إلى الإمامية يوجبونه عقلا كما يوجبونه للأنبياء (عليهم السلام)، و المعتزلة بأسرها على خلافنا جميعا فيه سوى ابن الإخشيد و من اتّبعه، فإنّهم يذهبون فيه إلى الجواز، و أصحاب الحديث كافّة تجوّزه لكلّ صالح من أهل التقى و الإيمان، ثمّ قال:

القول في ظهور المعجزات على المنصوبين من الخاصّة و السفراء و الأبواب:

و أقول: إنّ ذلك جائز لا يمنع منه عقل و لا سنّة و لا كتاب، و هو مذهب جماعة من مشايخ الإماميّة، و إليه يذهب ابن الإخشيد من المعتزلة و أصحاب الحديث في الصالحين و الأبرار، و بنو نوبخت من الإماميّة يمنعون من ذلك، و يوافقون المعتزلة في الخلاف علينا فيه، و يجامعهم على ذلك الزيديّة و الخوارج المارقة من الإسلام‏ (1).

و قال العلّامة المجلسي (رحمه الله) في بيان له على الكلام ما نصّه:

الحقّ أنّ المعجزات الجارية على أيدي غير الأئمّة (عليهم السلام) و أصحابهم و نوّابهم إنّما هي معجزاتهم (عليهم السلام) تظهر على أيدي أولئك السفراء لبيان صدقهم، .. و مذهب النوبختيّة، هنا في غاية السخافة و الغرابة (2).

و قال أبو الصلاح الحلبيّ:- في ضمن كلام طويل-: كلام الطفل معجز،

____________

(1) أوائل المقالات: 68- 69.

(2) بحار الأنوار 37: 31.

21

و تساقط الرطب من النخلة اليابسة حسب ما ورد في التفسير معجز- إلى أن قال- و من ذلك قوله سبحانه: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ (1) فأتى به كذلك و هذا معجز باهر لوصيّ سليمان (عليه السلام).

و من ذلك ما أجمع المسلمون عليه من ظهور المعجزات على تلاميذ المسيح (عليه السلام) و ليسوا بأنبياء.

و لا انفصال من ذلك بقولهم إنّ معجز آصف لسليمان (عليه السلام)، و التلاميذ للمسيح (عليه السلام)؛ لأنّ المعلوم تخصيص المعجز بمن ذكرناه تصديقا لهم و تشريفا دالا على علوّ منازلهم عنده سبحانه، و لا يجوز العدول به عنهم.

و بعد فما لهم منعوا من ظهور المعجز على من ليس بنبيّ، و هو يقتضي المنع من ظهوره على من انتفت عنه النبوّة، فإذا ثبت ظهوره على من ذكرنا و ليسوا بأنبياء سقط معتمدهم.

على أنّهم إذا أجازوا ظهور المعجز على غير النبيّ و نسبته إلى نبيّ الوقت أو الملة، جاز لنا مثل ذلك في أئمّتنا، لكونهم أوصياء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حفظة شرعه، كآصف من سليمان (عليه السلام) و التلاميذ من عيسى (عليه السلام)، بل هم أعلى رتبة عند اللّه و أجلّ منزلة (2).

و بعد كلّ ما تقدّم بيانه نقول:

هل من الواجب على النبيّ أو الإمام أن يقيم أو يظهر المعجزة لإثبات نبوّته أو إمامته أم لا؟

في معرض الجواب على هذا السؤال ننقل هنا بعض آراء العلماء:

____________

(1) النمل: 40.

(2) الكافي للحلبي: 102- 103.

22

1- قال الشيخ الطوسي: الإمام إذا لم يدّع الإمامة و الصالح إذا لم يدّع الصلاح لا يجب إظهار المعجز على يده، و إذا لم يظهر لا يجب نفي الصلاح عنه و لا نفي الإمامة، بل لا يمتنع أن نعلمه إماما أو صالحا بغير المعجز، و ليس كذلك النبيّ، لأنّه لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالمعجز، فإذا لم يظهر على يده المعجزة طعنّا على كذبه إن كان مدّعيا، و إن لم يدّع علمنا أنّه ليس بنبيّ، لأنّه لو كان نبيّا لوجب بعثته و وجب عليه ادّعاؤه و لوجب ظهور المعجز عليه.

فعلى هذا لا يلزم أن يظهر اللّه على يد كلّ إمام معجزا لأنّه يجوز أن يعلم إمامته بنصّ أو طريق آخر، و متى فرضنا أنّه لا طريق إلى معرفة إمامته إلّا المعجز وجب إظهار ذلك عليه و جرى مجرى النبيّ سواء، لأنّه لا بدّ لنا من معرفته كما لا بدّ لنا من معرفة النبيّ المحتمل لمصالحنا.

و لو فرضنا في نبيّ علمنا نبوّته بالمعجز أنّه نصّ على نبيّ آخر لأغنى ذلك عن ظهور المعجز على يد النبيّ الثاني، بأن نقول: النبيّ الأول أعلمنا أنّه نبيّ، كما يعلم بنص إمام على إمامته و لا يحتاج إلى معجز (1).

2- قال قطب الدين الراونديّ: إنّ الطريق إلى معرفة صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الوصيّ (عليه السلام) ليس إلا ظهور المعجز أو خبر نبيّ ثابت نبوّته بالمعجز (2).

3- قال أبو الصلاح الحلبيّ: و لا طريق إلى معرفته، إلّا ظهور المعجز عليه، أو نص من علم صدقه عليه‏ (3).

____________

(1) الاقتصاد للشيخ الطوسي: 159- 160.

(2) الخرائج و الجرائح 3: 974.

(3) الكافي للحلبي: 168.

23

4- قال المحقّق الحلّيّ: و الدلالة على نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله)، أنّه ادّعى النبوّة و ظهر المعجز على يده، مطابقا لدعواه، و كلّ من كان كذلك فهو نبيّ‏ (1).

5- قال العلّامة الحلّيّ: و طريق معرفة صدقه ظهور المعجز على يده و هو إثبات ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد مع خرق العادة و مطابقة الدعوى‏ (2).

6- قال السيّد الخوئيّ: إنّ السفارة الإلهيّة من المناصب العظيمة التي يكثر لها المدّعون، أو يرغب في الحصول عليها الراغبون، و نتيجة هذا يشتبه الصادق بالكاذب، و يختلط المضلّ بالهادي، و إذن فلا بدّ لمدّعي السفارة أن يقيم شاهدا واضحا يدلّ على صدقه في الدعوى، و أمانته في التبليغ، و لا يكون هذا الشاهد من الأفعال العادية التي يمكن غيره أن يأتي بنظيرها، فينحصر الطريق بما يخرق النواميس الطبيعيّة (3).

إشكال:

قد يقال- و حسب الروايات المتواترة من الفريقين-: إنّ المسيح الدجّال قد تظهر على يديه من الآيات العظام حتّى يصدّقه و يؤمن به بعض الناس، و أنتم تقولون: إنّ المعجزات تظهر عند الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) فكيف ذلك.

الجواب:

إنّ الأنبياء و الأوصياء لا يدّعون الربوبيّة كما يدّعيها المسيح الدجّال، بل يدّعون الرسالة، و الأوصياء يدّعون إتمام الرسالة، و على هذا فإنّ الفرق بينهما يكون واضحا.

____________

(1) المسلك في أصول الدين: 172.

(2) شرح التجريد: 377.

(3) البيان في تفسير القرآن: 35.

24

فإن قيل: أيّهما أسرع تصديقا للمعجزة؟

قلنا: إنّ أسرع النّاس تصديقا لكلّ فنّ من الفنون هم أصحاب الفنّ أنفسهم، فمثلا نلاحظ ذلك جليّا عند سحرة فرعون، فهم أوّل من آمن بموسى (عليه السلام) و بما جاء به- كما مرّ عليك ذلك في بحثنا هذا- و كذا مثلا في الاكتشافات العلميّة فإنّ أوّل من يصدّق بها هم أهل العلم و المعرفة، و على ضوء ذلك فإنّ أسرع من يصدّق بالمعجزة هم العلماء، لأنّ علماء أي صنعة هم أعرف بخصوصياتها، و أكثر إحاطة بمزاياها، فهم يميّزون بين ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله و بين ما يمكنهم الإتيان بمثله، و لذلك فالعلماء أسرع تصديقا بالمعجزة.

أمّا الجهّال فباب الشكّ عندهم مفتوح على مصراعيه ما داموا جهّالا بمبادئ الصنعة، و ما داموا يحتملون أنّ المدّعي قد اعتمد على مبادئ معلومة عند الخاصّة من أهل تلك الصنعة، فيكونون متباطئين عن الإذعان‏ (1).

مع القرآن الكريم المعجزة الخالدة

إنّ القرآن الكريم معجزة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) الخالدة الباقية إلى يوم القيامة، و قولنا الباقية لأنّ معجزة كلّ نبيّ انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل أو التغيير كالكتب السماويّة الأخرى «التوراة و الإنجيل و الزبور». و هنا نتطرّق كما وعدناك في أوّل البحث إلى نظرة سريعة إلى إعجاز القرآن، فنقول متوكّلين على البارئ عزّ و جلّ:

كان عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أخبار الأوّلين و الآخرين من ابتداء خلق الدنيا إلى انتهائها، و أمر الجنّة و النار، و ذكر ما فيها على الوجه الذي صدّقه عليها أهل الكتاب، و لم يكن (صلّى اللّه عليه و آله) قد تعلّم من أحد، و ما حضر عند أحد من الأحبار، و لم يقرأ الكتاب ..

____________

(1) انظر البيان في تفسير القرآن: 38.

25

و ما أخبر به عن الغيوب التي تكون على التفصيل لا على الإجمال كقوله تعالى:

لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ‏ (1) الآية، فكان كما أخبر (صلّى اللّه عليه و آله) به .. و غيرها الكثير مما هو مذكور في القرآن الكريم.

و فيما يخصّ القرآن الكريم قال اللّه تعالى متحدّيا البشر: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (2) و هو نصّ واضح الدلالة على أنّ البشر عاجزون عن أن يأتوا بمثل القرآن و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا؛ أي سندا و عونا.

و كما هو معروف أيضا فالقرآن الكريم هو المعجزة الظاهرة الأولى للرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، لكنّ هناك سوء فهم عند كثير من المستشرقين، ناهيك عن بعض المسلمين في هذه النقطة، و سوء الفهم هذا ناشئ من افتراض أنّ معجزة النبيّ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هي القرآن فقط لا غير، كما أنّ معجزة نبيّ اللّه موسى (عليه السلام) هي العصا فقط، و كما أنّ معجزة عيسى المسيح (عليه السلام) هي إحياء الموتى و إبراء الأكمة و الأبرص، و كما أنّ معجزة إبراهيم الخليل (عليه السلام) أن تكون النار بردا و سلاما عليه، و هكذا ..

بلى، نحن لا نمنع أن تكون هناك معجزة ملازمة لنبيّ من الأنبياء لسبب و لآخر، كملازمة القرآن للرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و العصا لموسى (عليه السلام)، لكنّ هذا لا يعني أنّ الأنبياء ليست لديهم معاجز يعجز البشر أن يأتوا بمثلها، فالإخبار بالغيب الذي ينزل به جبرئيل (عليه السلام) من عند اللّه عزّ و جلّ على المعصومين (عليهم السلام)، هو من أبرز مفردات الإعجاز لو تأمّلنا ذلك قليلا، و ربّما تكون هذه النقطة من أقوى عناصر

____________

(1) الفتح: 27.

(2) الاسراء: 88.

26

هيكليّة نفس المعجز القرآني؛ فالقرآن على الإنصاف بني الإعجاز الذي فيه على مجموعة أسس، منها أساس الغيب إضافة إلى إعجاز البلاغة و الفصاحة و حسن التركيب الأدبي .. و غير ذلك، فالغيب عنصر مهمّ في إضفاء الإعجاز مضافا إلى الأبعاد الإعجازيّة الأخرى؛ فمثلا روى المحدّثون و منهم الطبرانيّ قال:

حدّثنا أحمد بن عمرو البزّار و العبّاس بن حمدان الحنفيّ قالا: حدّثنا زيد ابن أخزم، حدّثنا أبو داود، حدّثنا القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن الراسبيّ، قال: قام رجل إلى الحسن بن عليّ [(عليهما السلام)‏] فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: «لا تؤنبني رحمك اللّه فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم قد رأى بني أميّة يخطبون على منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ نهر في الجنّة، و نزلت: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تملكه بنو أميّة، قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألف لا يزيد و لا ينقص‏ (1). و روى هذا الحديث أئمة و أعلام أبناء الجماعة، و منهم الترمذي في سننه‏ (2)، بعبارة قريبة من العبارة الآنفة.

قال المباركفوري: إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ أي القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ أي الشرف و العظم‏ وَ ما أَدْراكَ‏ أي أعلمك يا محمّد ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ تعظيم لشأنها و تعجيب منه، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أي ليس فيها ليلة القدر فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها «يملكها» الضمير المنصوب راجع إلى ألف شهر، و المعنى أنّ ليلة القدر خير من مدّة ألف شهر

____________

(1) المعجم الكبير 3: 89.

(2) سنن الترمذي 5: 115/ 3408.

27

يملك فيها بنو أميّة الولاية و الخلافة «قال القاسم» أي ابن الفضل الحدانيّ المذكور في الإسناد «فعددناها» أي مدّة خلافة بني أميّة- و في رواية ابن جرير فحسبنا ملك بني أميّة- «فإذا هي ألف شهر» هي ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر، و كان استقلال إمارة بني أميّة منذ بيعة الحسن بن عليّ لمعاوية و ذلك على رأس أربعين سنة من الهجرة، و كان انفصال دولتهم على يد أبي مسلم الخراسانيّ سنة اثنين و ثلاثين و مائة، و ذلك اثنان و تسعون سنة يسقط منها مدّة خلافة ابن الزبير ثمان سنين و ثمانية أشهر، يبقى ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر (1).

و في شرح النهج قال ابن أبي الحديد: و قد جاء في الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدّثين أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخبر أنّ بني أميّة تملك الخلافة بعده مع ذمّ منه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، نحو ما روي عنه في تفسير قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ (2) فإن المفسرين قالوا: إنّه رأى بني أميّة ينزون على منبره نزو القردة، هذا لفظ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي فسّر لهم الآية به، فساءه ذلك ثمّ قال: الشجرة الملعونة بنو أميّة و بنو المغيرة، و نحو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتّخذوا مال اللّه دولا و عباده خولا» و نحو قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في تفسير قوله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قال: ألف شهر يملك فيها بنو أميّة، و ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذمّهم الكثير المشهور (3) ...

____________

(1) تحفة الأحوذي 9: 197.

(2) الاسراء: 60.

(3) شرح نهج البلاغة 9: 220.

28

و لا بأس بلفت النظر إلى أنّ ابن كثير مع أنّه متحامل في كثير من الأشياء، حاول التشكيك في هذه المسألة، لكنّه لمّا علم أنّ مثل هذا التشكيك خلاف ما عليه في الأخبار المعتبرة عاد في تفسيره فشكّك بنفس تشكيكه؛ فقد قال:

قلت: و قول القاسم بن الفضل الحدانيّ أنّه حسب مدّة بني أميّة فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما و لا تنقص، ليس بصحيح فإنّ معاوية بن أبي سفيان استقل بالملك حين سلّم إليه الحسن بن عليّ الإمرة سنة أربعين، و اجتمعت البيعة لمعاوية، و سمّي ذلك عام الجماعة، ثمّ استمرّوا فيها متتابعين بالشام و غيرها لم تخرج عنهم إلّا مدّة دولة عبد اللّه بن الزبير في الحرمين و الأهواز و بعض البلاد قريبا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلّيّة، بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العبّاس الخلافة في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، فيكون مجموع مدّتهم اثنتين و تسعين سنة، و ذلك أزيد من ألف شهر فإنّ الألف شهر عبارة عن ثلاث و ثمانين سنة و أربعة أشهر، و كأنّ القاسم بن الفضل أسقط من مدّتهم أيام ابن الزبير و على هذا فيقارب ما قاله الصحّة في الحساب، و اللّه أعلم‏ (1). فتأمّل في تراجعه المضحك.

و على أيّ حال فما نريد قوله من ذلك هو أنّ القرآن ليس هو المعجزة الظاهرة الفريدة التي حارب الرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بها من أجل كلمة اللّه العليا، و لنا أن نقول:

إنّ القرآن لا يدور الإعجاز الذي فيه على كونه غاية السلامة في التركيب الأدبي، و قمّة الفصاحة فقط، بحيث يعجز البشر عن أن يأتوا بمثله، فقد اتّضح لنا أنّه علاوة على ذلك يدور على عنصر آخر، و هو عنصر الغيب الذي فيه، و هنا لا بدّ من التنبيه على أنّ الغيب الذي في القرآن ليس لأحد أن يجزم فيه سوى المعصوم؛ فلقد

____________

(1) تفسير ابن كثير 4: 566.

29

اتّضح أنّ ألف شهر هي مدّة ملك بني أميّة بتفسير الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه لا غير، و لو لا ذلك لما عرفنا، و هذا يوقفنا على بعد آخر من أبعاد بناء الإعجاز، فيبدو أنّ الإعجاز عنصر من عناصر بناء نفس النبوّة لا القرآن فقط، أو هما متلازمان بلا انفكاك؛ أي ما كان دخيلا في بناء القرآن من الإعجاز هو كذلك دخيل في بناء النبوّة بلا أدنى ترديد.

و من هذا القبيل قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ الروم‏ (1) ففي هذه الآيات المباركة يتّضح ما ذكرناه من تلك الملازمة؛ فالقرآن إذا كان معجزة هذا الدين القيّم، فهو في نفس الوقت معجزة خاتم الأنبياء و المرسلين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و بجميع الأحوال فمثل هذا الغيب يحقّق مصداقين، الأوّل: لنفس القرآن، و الثاني: لنفس النبوّة.

و في الحقيقة إنّ في الإعجاز القرآني و المعجزة القرآنيّة أغراضا أخرى تتعدّى تحقيق المصداقيّة للنبوّة و الدين، و هذا أمر غفل عنه مفسّروا هذه الأمّة،- شيعة و سنّة-، أو لم يذكروه على أنّه غرض مهم، و هو تحقيق المصداقيّة لأمر ثالث و رابع إلى ما لا يحصى، و من هذه الأمور هو استحقاق خلافة النبوّة، فمن المعلوم أنّ مثل هذا الاستحقاق لا ينهض بأعبائه إلّا من كان محيطا بألغاز القرآن، و قادرا على فكّ رموزه السماويّة، فليس من المعقول أن نفضّل من كان جاهلا بهذه الأولويّات على من كان عالما بها، و هذا هو الخليفة أبو بكر افتضح أمره لمّا أراد أن يحوز قصب‏

____________

(1) سورة الروم: 1- 6.

30

السبق و يعلن للمسلمين أنّ الروم سيغلبون الفرس بعد ستّ سنين، و قد كذّب اللّه أبا بكر في ذلك على ما روى الترمذي في سننه بقوله:

حدّثنا محمّد بن إسماعيل، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثني ابن أبي الزناد عن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم الأسلميّ، قال:

لمّا نزلت: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، و كان المسلمون يحبّون ظهور الروم عليهم؛ لأنّهم و إيّاهم أهل كتاب، و في ذلك قول اللّه تعالى:

وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ و كانت قريش تحبّ ظهور فارس لأنّهم و إيّاهم ليسوا بأهل كتاب و لا إيمان ببعث، فلمّا أنزل اللّه هذه الآية خرج أبو بكر الصدّيق يصيح في نواحي مكّة: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا و بينك زعم صاحبك أنّ الروم ستغلب فارس في بضع سنين أ فلا نراهنك على ذلك، قال: بلى، و ذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر و المشركون و تواضعوا الرهان، و قالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسمّ بيننا و بينك وسطا تنتهى إليه، قال: فسمّوا بينهم ست سنين، قال:

فمضت الستّ سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلمّا دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ستّ سنين قال: لأنّ اللّه تعالى قال: في بضع سنين، قال و أسلم عند ذلك ناس كثير. هذا حديث حسن صحيح‏ (1).

____________

(1) سنن الترمذي 5: 24، و انظره في التاريخ الكبير 8: 139 في ترجمة نيار بن مكرم الأسلمي.

31

فالذي يتّضح لنا من ذلك أنّ اللّه سبحانه و تعالى قد يطلع البشر على غيبه، كما فعل جلّت أسماؤه في سورة الروم؛ حيث أطلعهم على أنّ الروم سينتصرون على الفرس بعد بضع سنين، و لكنّ المصالح و المفاسد، هي التي دعت ربّ العزّة لأن لا يعلن عن المدّة على وجه الدقّة، و بعض الغرض من ذلك، اتّضح من حديث الترمذيّ الآنف، و هو في النتيجة يفسّر لنا عدم أهليّة أبي بكر لخلافة النبوّة، و العجيب أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه سكت و لم يحدّد هذه المدّة، من منطلق تلك المصالح و المفاسد، في حين نجد أبا بكر يضرب بكلّ ذلك، و يدّعي ما برهن على فضيحته و فضيحة رهانه اللامسئول، حتّى أنّ المسلمين عابوا عليه ذلك ...

و في الكافي الشريف روى الكليني (رحمه الله) ما يزيح النقاب عن كثير من الحقائق؛ فقد روى عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جل: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏ قال:

فقال: يا أبا عبيدة إنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلّا اللّه و الراسخون في العلم من آل محمّد (صلوات الله عليهم)، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا هاجر إلى المدينة و أظهر الإسلام كتب إلى ملك الروم كتابا و بعث به مع رسول يدعوه إلى الإسلام، و كتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الإسلام و بعثه إليه مع رسوله، فأمّا ملك الروم فعظّم كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أكرم رسوله، و أمّا ملك فارس فإنّه استخفّ بكتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مزّقه و استخفّ برسوله، و كان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، و كان المسلمون يهوون‏ (1) أن يغلب ملك الروم ملك فارس، و كانوا لناحيته أرجى منهم لملك فارس فلمّا غلب ملك فارس الروم كره ذلك المسلمون و اغتمّوا به، فأنزل اللّه عزّ و جلّ بذلك كتابا قرآنا الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏ يعني غلبتها

____________

(1) أي يحبّون.

32

فارس في أدنى الأرض؛ و هي الشامات و ما حولها، و هم- يعني و فارس- من بعد غلبهم الروم سيغلبون، يعني يغلبهم المسلمون في بضع سنين‏ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ عزّ و جلّ، فلمّا غزا المسلمون فارس و افتتحوها فرح المسلمون بنصر اللّه عزّ و جلّ قال: قلت: أ ليس اللّه عزّ و جلّ يقول: فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ و قد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و في إمارة أبي بكر، و إنّما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر فقال: أ لم أقل لكم إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا، و القرآن يا أبا عبيدة ناسخ و منسوخ؛ أ ما تسمع لقول اللّه عزّ و جل:

لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ؟ يعني إليه المشيئة في القول أن يؤخّر ما قدّم و يقدّم ما أخّر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، فذلك قوله عزّ و جلّ: وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ‏ أي يوم يحتم القضاء بالنصر (1).

فمن الحقائق التي نستلهمها من نصّ الكلينيّ (رحمه الله) الصحيح هذا هو أنّ المعجزة الغيبيّة، داخلة لا محالة في الحسابات السماويّة ...، من قضاء، و قدر، و ناسخ و منسوخ، و حتّى من مثل العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبيّن، و غير ذلك؛ و لهذا أشار أبو جعفر الباقر (سلام الله عليه) بقوله: إنّ لهذا تأويلا لا يعلمه إلّا اللّه و الراسخون في العلم من آل محمّد (صلوات الله عليهم) ...!!! على أنّنا لا ننكر أنّه قد يستطيع البشر العادي غير المعصوم الوقوف على ضفاف الإعجاز في القرآن الكريم لكن لا على نحو الدّقّة و المعرفة التفصيليّة فإنّ ذلك من شئون العصمة ليس غير.

و ينبغي التنبيه على مسألة أخرى، و هي أنّ معرفة المعصوم ببعض دقائق الغيب- ذلك المطوي في القرآن، أو الذي فاض عن ساحة النبيّ الأقدس- إنّما هو بإذن‏

____________

(1) الكافي 8: 269/ 397.

33

اللّه، و لا ندّعي أنّ المعصوم عالم بذلك مطلقا، بل بقيد أنّ اللّه سبحانه و تعالى أذن له بذلك، و هذا كما هو في مسألة إحياء الموتى، فالمسيح (عليه السلام) كما هو نصّ القرآن، لم يك ليحيي الموتى لو لا أنّ اللّه أذن له بذلك، و أعتقد أنّ هذه القضية واضحة و لا تحتاج إلى مزيد كلام، و لا توسعة بحث.

و من الأمور التي ينبغي أن نتذكّرها و نتذاكرها من نفحات الإعجاز النبويّ، هو ما يتعلّق بأمير المؤمنين عليّ (سلام الله عليه)، فإنّه و إن كانت هناك عشرات بل مئات الأدلّة التي تشهد بالمقام السامي المقدّس لأمير المؤمنين، لكننا نعتقد جازمين بأنّ بعض هذه الأدلّة كاف لأن يشهد بذلك؛ خاصّة تلك التي تدخل شخصيّة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) مدخل الإعجاز، و الروايات في هذا الشأن كثيرة جدّا ..

منها: ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: و حدّثني محمّد بن المثنّى، حدّثنا ابن أبي عدي، عن سليمان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ذكر قوما يكونون في أمّته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحالق، قال: «هم شر الخلق أو من أشرّ الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ» قال: فضرب النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم لهم مثلا أو قال قولا: «الرجل يرمى الرمية»، أو قال:

«الغرض فينظر في النصل فلا يرى بصيرة و ينظر في الفوق فلا يرى بصيرة» قال الراوي: قال أبو سعيد الخدريّ: و أنتم قتلتموهم يا أهل العراق‏ (1).

فهذا الخبر من أعلام النبوّة، و من براهين العصمة، و أنّ أمير المؤمنين عليّا (عليه السلام) ليس شخصا كأيّ شخص، بل هو محطّ العناية الربّانيّة، و عنصر مهمّ من عناصر برنامج الوحي في ما نسمّيه مشروع الحفاظ على الدين، فليس قليلا أن ينبئ النبيّ‏

____________

(1) صحيح مسلم 3: 113.

34

عن طريق الغيب أنّ عليّا و شيعته هم من سيبقى يذود عن الدين في قتال الخوارج في بعض الأخبار المتواترة، و قتال غير الخوارج في أخبار متواترة أخرى، و فيما يخصّ الأوّل ذكر ابن حجر ذلك بقوله:

و وقع في رواية أفلح بن عبد اللّه: و حضرت مع عليّ يوم قتلهم بالنهروان؛ و نسبة قتلهم لعليّ؛ لكونه كان القائم في ذلك، و قد مضى في الباب قبله من رواية سويد بن غفلة عن عليّ أمر النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم بقتلهم و لفظه:

«فأينما لقيتموهم فاقتلوهم» و قد ذكرت شواهده، و منها حديث نصر بن عاصم عن أبي بكرة رفعه: «أنّ في أمّتي أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا لقيتموهم فانيموهم أي فاقتلوهم» أخرجه الطبريّ و تقدّم في أحاديث الأنبياء و غيرها: «لئن أدركتهم لأقتلنّهم»، و أخرجه الطبريّ من رواية مسروق قال:

قالت: لي عائشة: من قتل المخدج (تقصد ذا الثدية)؟؟ قلت: عليّ، قالت: فأين قتله؟ قلت: على نهر يقال لأسفله النهروان، قالت: ائتني على هذا بيّنة!! فأتيتها بخمسين نفسا شهدوا أنّ عليّا قتله بالنهروان.

أخرجه أبو يعلي و الطبريّ و أخرج الطبرانيّ في الأوسط من طريق عامر بن سعد قال: قال عمّار لسعد: أ ما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله‏] و سلّم يقول:

«يخرج أقوام من أمّتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلهم عليّ بن أبي طالب» قال: أي و اللّه‏ (1).

و في الحقيقة فالحديث و البحث في هذه القضيّة طويلان، لكن كان مقصودنا التنبيه على بعض أغراض الإعجاز، و أنّه ليس من شأن النبوّة فقط، بل هو دخيل في بناء الإمامة أيضا، علاوة على أنّه مفتاح لمصداقيّة ديننا، دين الإسلام الحنيف.

____________

(1) فتح الباري 12: 262.

35

ترجمة المؤلّف‏

اسمه و كنيته‏

أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الصغير.

أمّا نسبته بالطبريّ‏

قال السمعانيّ الطبريّ:- بفتح الطاء المهملة، و الباء الموحّدة، بعدها راء مهملة- هذه النسبة إلى «طبرستان» و هي: آمل و ولايتها: سمعت القاضي أبا بكر الأنصاريّ ببغداد: إنّما هي تبرستان لأنّ أهلها يحاربون بالتبر يعني «الفاس» فعرّب، و قيل: طبرستان، و النسبة إليها طبريّ‏ (1).

و نسبته بالآملي‏

آمل:- بضمّ الميم و اللام- اسم أكبر مدينة بطبرستان في السهل، لأنّ طبرستان سهل و جبل، و هي الإقليم الرابع‏ (2). و خرج منها جماعة كثيرة من العلماء و الفقهاء و المحدّثين‏ (3).

و توصيفه بالصغير

تمييزا عن الطبريّ الكبير الشيعيّ صاحب كتاب «المسترشد» الذي سيجي‏ء ذكره‏ (4).

____________

(1) الأنساب 4: 45.

(2) معجم البلدان 1: 57.

(3) انظر: الأنساب 4: 45- 46.

(4) لاحظ: طبقات أعلام الشيعة 1: 250- 253 (نوابغ الرواة في رابعة المئات) و ج 2: 153 (النابس-

36

من اتّفق معه في التسمية

من اتّفق معه في التسمية قبل أن نبتدئ بترجمة حياة مؤلّفنا هذا و تحديد عصره و مشايخه و تأليفاته يلزم أن نقف على نقطة دقيقة، و هي أنّ من اطّلع على كتب الرجال و الحديث يجد فيها أعلاما يتّفقون في الاسم و الكنية و اللقب، ممّا يؤدّي إلى الخلط و الاضطراب بين الطبقات و الأسناد و معرفة معاصريهم و عصرهم و نسبة التصانيف إليهم .. و غير ذلك، و هو ما يطلق عليه في علم الرجال و الدراية بالمتّفق و المفترق.

و مؤلّفنا هذا يعدّ من هذا القبيل، إذ هو يشترك في الاسم و اللقب و الكنية مع كلّ من:

1- أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد بن خالد بن كثير الطبريّ العامّي، صاحب التاريخ و التفسير و المتوفّى سنة 310 هجرية (1).

و هو أشهر من الذكر و البيان.

2- أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبريّ الآملي الإماميّ الكبير، و صاحب كتاب المسترشد (2) ترجمه النجاشيّ و قال: عالم جليل من أصحابنا، كثير

____________

في القرن الخامس)، الذريعة 8: 241- 247 و ج 24: 349/ 1880، تنقيح المقال 3: 91، معجم رجال الحديث 15: 148، معجم المؤلّفين 9: 146- 147.

(1) الأعلام للزركلي 6: 69، إنباه الرواة 3: 89، الأنساب للسمعاني 4: 46، إيضاح الاشتباه للعلّامة الحلّي: 360/ 539، إيضاح المكنون 2: 318، البداية و النهاية 11: 145، تاريخ بغداد 2: 162، تذكرة الحفّاظ 2: 710 .. و غيرها من عشرات المصادر.

(2) رجال النجاشي: 376/ 1024، رجال الطوسي: 449/ 126، فهرست الطوسي: 446/ 712، معالم‏

37

العلم، حسن الكلام، ثقة في الحديث.

و قال عنه الطوسيّ: ديّن فاضل و هو من معاصري الشيخ الكلينيّ المتوفّى سنة 329 ه، و الطبريّ العامّي المتقدّم ذكره و كان من كبار رجال الإماميّة في أوائل القرن الرابع الهجري‏ (1).

حلّ التباس‏

و هذا الطبريّ الإماميّ غير الطبريّ العامّي السابق ذكره، كما صرّح بذلك‏

____________

العلماء: 106/ 716، خلاصة الأقوال: 265، إيضاح الاشتباه: 286/ 661، رجال ابن داود:

167/ 1330، نقد الرجال 5: 290/ 6477، أمل الآمل 2: 272/ 792، رياض العلماء 5: 103، جامع الرواة 2: 82، خاتمة وسائل الشيعة 30: 464، روضات الجنّات 7: 293، ريحانة الأدب 4: 43، الفوائد الرضوية: 447 و 532، الكنى و الألقاب 1: 242، تنقيح المقال 3: 91، أعيان الشيعة 13:

549/ 9352، طبقات أعلام الشيعة 1: 250 (نوابغ الرواة في رابعة المئات)، معجم رجال الحديث 15: 147/ 10354، منتهى المقال: 397، هدية الأحباب: 53، مجالس المؤمنين 1: 491، سير أعلام النبلاء 14: 282/ 176، ميزان الاعتدال 3: 499/ 7307.

(1) مضافا إلى هؤلاء الطبريّين الثلاثة يوجد طبري آخر يشترك معهم في اسم الأب و الجدّ و هو محمّد بن جرير من رواة الحديث يروي عنه صاحب الدلائل بوسائط، و هو- أي محمّد بن جرير- يروي عن ثقيف البكّاء، عن الإمام الحسن (عليه السلام). (دلائل الإمامة: 166/ 8، نوادر المعجزات: ../ 4).

و أيضا يوجد طبريّان آخران كلاهما يعرفان بعماد الدين الطبري و يشتركان أيضا في اسم الأب و الجدّ، و هما:

1- عماد الدين أبو جعفر، محمّد بن أبي القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ بن محمّد بن رستم بن يزدبان الطبري الآملي الكجي، من أعلام القرن السادس، و صاحب كتاب «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى».

2- عماد الدين، الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن الحسن الطبري المازندراني، الّذي كان حيّا في سنة 698 ه، صاحب كتاب «كامل بهائي» بالفارسيّة.

38

النجاشيّ و الطوسيّ عند ترجمة الطبريّ صاحب التفسير بالعامّي‏ (1)، و عند ترجمة الطبريّ صاحب المسترشد بالإماميّ‏ (2)، و لكن ابن النديم‏ (3) و إسماعيل باشا البغداديّ‏ (4) نسبا كتاب المسترشد إلى الطبريّ العامّي، و ذلك توهّم ناتج من اتّحاد هذين الطبريّين.

و أجاب عن ابن النديم الشيخ الآغا بزرك فقال: و أمّا نسبة ابن النديم المسترشد إلى ابن جرير العامّي، فهي إمّا من اشتباه اسم المؤلّف، أو أنّ للعامّي كتاب آخر هو المسترشد مشارك مع الموجود في الاسم، لأنّ العامّي لا يمكنه أن يفوه بصفحة من صفحات هذا الكتاب‏ (5).

و في مقابل ابن النديم، هناك من نسب هذا الكتاب إلى الطبريّ الشيعيّ، منهم:

النجاشيّ و الطوسيّ و الذهبيّ و ابن حجر و السيّد هاشم البحرانيّ و ابن أبي الحديد و ابن داود و العلّامة الحلّيّ و الميرزا عبد اللّه الأفنديّ و غيرهم من الأعلام.

و قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة: المسترشد لمحمّد بن جرير الطبريّ و ليس هو محمّد بن جرير صاحب التاريخ بل هو من رجال الشيعة (6).

____________

(1) رجال النجاشي: 322/ 879، فهرست الطوسي: 229/ 654.

(2) رجال النجاشي: 376/ 1024، فهرست الطوسي: 239/ 712.

(3) فهرست النديم: 291.

(4) هدية العارفين 2: 26.

(5) طبقات أعلام الشيعة 1: 251 (نوابغ الرواة في رابعة المئات).

(6) شرح نهج البلاغة 2: 36.

39

الطبريّان الإماميان، و التمييز بينهما

بعد أن ذكرنا بيان الاختلاف بين الطبريّ الإماميّ و العامّي بقي شي‏ء و هو، هل مؤلّف صاحب المسترشد و صاحب الدلائل رجل واحد أم هما رجلان مختلفان؟!

فأقول: لم يرد ذكر لهذا الموضوع في كتب الرجاليّين المتقدّمين، و إذا ذكر كتاب «الدلائل» فإنّما يقترن مع كتاب «المسترشد» فينسبان إلى مصنّف واحد و هو:

محمّد بن جرير بن رستم الطبريّ الإماميّ الكبير (1).

هذا و قد استطاع بعض من علمائنا المتأخّرين كالشيخ عبد اللّه المامقانيّ المتوفّى سنة 1351 ه أن يميّز بين صاحب كتاب «المسترشد» و صاحب كتاب «الدلائل»، و استدلّ على تحديد عصريهما و طبقتيهما من خلال عدّة قرائن استقاها من نقول السيّد هاشم البحراني عن كتاب دلائل الإمامة في كتابه «مدينة المعاجز».

و قال الشيخ المامقانيّ في نهاية استدلاله: إنّ صاحب كتاب «الدلائل» هو: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ الصغير الذي يشترك مع صاحب كتاب المسترشد بالاسم و اللقب و الكنية.

و ذكر نعت الشيخ الطوسيّ لصاحبي «المسترشد» بالكبير تمييزا له عن صاحب «الدلائل» (2).

____________

(1) نسبه إليه ابن شهرآشوب في معالم العلماء، و الشيخ عبّاس القمّي في الكنى و الألقاب، و الميرزا محمّد علي مدرّس، و السيّد حسن الصدر، و عمر رضا كحالة، و السيّد محسن الأمين. (انظر:

أعيان الشيعة 13: 459، معجم المؤلّفين 9: 147، الكنى و الألقاب 1: 242، الفوائد الرضوية:

532، هدية الأحباب: 53، ريحانة الأدب 4: 43).

(2) انظر تنقيح المقال 3: 91.

40

و كذلك استدلّ الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ المتوفّى سنة 1389 ه، بأنّ كتاب «الدلائل» للطبريّ الصغير «و المسترشد» للطبريّ الكبير و ذلك من خلال اعتماده على نقول السيّد ابن طاوس منه‏ (1).

و تابعه على ذلك السيّد الخوئيّ أيضا (2).

و الظاهر أو المتحصّل من كلام علمائنا المذكورين: أنّ في علماء الإماميّة رجلين مشتركين في الاسم و اللقب و الكنية إلّا أنّ أحدهما أقدم طبقة من الثاني: فالأوّل هو الطبريّ الكبير صاحب «المسترشد» و الثاني الطبريّ الصغير صاحب «الدلائل».

جواب عن سؤال‏

لأيّ الشيخ النجاشيّ و الشيخ الطوسيّ قد ترجما لصاحب المسترشد و لم يترجما لصاحب «الدلائل» المعاصر لهما؟!

قلنا: إنّهما لم يشترطا في كتابيهما ترجمة كلّ من عاصرهما، فهناك الكثير ممّن لم يترجما له، مثل أبي الفتح الكراجكي المتوفّى سنة 449 ه، و سلّار بن عبد العزيز تلميذ الشيخ المفيد المتوفّى سنة 413 ه، و القاضي عبد العزيز بن براج تلميذ الشريف المرتضى المتوفّى سنة 436 ه، و محمّد بن عليّ الطرازي مؤلّف الدعاء و الزيارة، و غير هؤلاء ممّن ذكرهم الشيخ منتجب الدين بن بابويه المتوفّى سنة 585 ه، في «فهرسته» و ابن شهرآشوب في «معالم العلماء»، و لم يذكراهم- أيضا-

____________

(1) للمزيد من الاطّلاع انظر الذريعة 8: 241، و طبقات أعلام الشيعة 2: 155- 157 (النابس في القرن الخامس).

(2) معجم رجال الحديث 15: 148.

41

كالطبريّ مؤلّف الدلائل هذا، و غيره ممّن ضاعت عنّا أسماؤهم و آثارهم‏ (1)، أو فقدت عنّا بعض كتب التراجم ك: «الحاوي في طبقات الإماميّة» لابن أبي طي.

مؤلّفنا، عصره و طبقته‏

يمكننا تحديد عصره و طبقته من خلال القرائن المتوفّرة في كتابنا هذا و كذا من كتاب «دلائل الإمامة» للمؤلّف.

أمّا من حيث تحديد عصره: فهو من أعلام النصف الثاني من القرن الرابع و أوائل القرن الخامس، و يدلّ على ذلك جملة من القرائن و ذلك من خلال معرفتنا لوفيات شيوخه- كما ستأتي لا حقا- و من بعض النصوص الآتيه:

1- الظاهر أنّه فرغ من كتابه «الدلائل» بعد سنة 411 ه، حيث قال في دلائل الإمام الحجّة (عليه السلام): نقلت هذا الخبر من أصل بخطّ شيخنا أبي الحسين الغضائريّ (رحمه الله)(2).

و قد توفّي الغضائريّ سنة 411 ه، ممّا يدلّ على أنّ النقل عن الشيخ الغضائريّ كان بعد سنة 411 ه، و أنّ المصنّف لم يتمّ كتابه هذا إلّا بعد هذا التاريخ.

2- و قوله في أوّل حديث من الباب الأوّل من معجزات الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في كتابنا هذا: حدّثنا الشيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه [الصدوق‏]، و قد توفّي الشيخ الصدوق سنة 381 ه.

3- و في معجزات و أعلام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، قال: أخبرني أخي (رضي الله عنه) قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن عليّ المعروف بابن البغداديّ و مولده‏

____________

(1) الذريعة 8: 241- 242.

(2) دلائل الإمامة: 545/ 128.

42

بسوراء في يوم الجمعة لخمس بقين من جمادي الأولى سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة .. (1).

4- و في معجزات و براهين الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الحديثين 12 و 16 قال:

حدّثنا أبو التحف عليّ بن محمّد بن إبراهيم المصريّ ..، و أبو التحف المصريّ هذا من مشايخ السيّدين، الرضي المتوفّى سنة 406 ه، و المرتضى المتوفّى سنة 436 ه (2).

5- و في دلائل الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)، قال: حدّثنا أبو المفضل محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب الشيبانيّ سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة (3) ..

6- و في دلائله (عليه السلام) أيضا: قال، و أخبرني أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز، قال: حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد الثعالبيّ قراءة في يوم الجمعة مستهل رجب سنة سبعين و ثلاثمائة (4) ..

و مع النظر إلى هذه النصوص و ما سيجي‏ء في طبقته يحصل لنا أنّه عاش في زمان الشيخ النجاشيّ المتوفّى سنة 450 ه، و الشيخ الطوسيّ المتوفّي سنة 460 ه.

أمّا عن طبقته‏

قال الشيخ الطهرانيّ: إنّه يروي في الكتاب‏ (5) غالبا عن جماعة هم يروون عن أبي محمّد هارون بن موسى التلّعكبريّ الذي توفّي سنة 385 ه.

____________

(1) نوادر المعجزات: 10، دلائل الإمامة: 210/ 24.

(2) طبقات أعلام الشيعة 2: 124- 125 (انظر النابس في القرن الخامس).

(3) دلائل الإمامة: 489/ 92.

(4) دلائل الإمامة: 506/ 96.

(5) يقصد الشيخ الطهراني (رحمه الله) بالكتاب «دلائل الإمامة»، و لكن في كتابنا هذا- نوادر المعجزات- أيضا يروي فيه عن جماعة هم يرون عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري.

43

و هم: ولده أبو الحسين محمّد بن هارون، و أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرمي، كما أنّ الطوسيّ يروي عن جماعة عن التلعكبريّ، منهم: ولده الحسين بن هارون بن موسى و كذلك النجاشيّ يروي عنه بواسطة ولده محمّد بن هارون‏ (1).

و قال أيضا، ما نصّه:

محمّد بن جرير المتأخّر يروي في كتابه [دلائل‏] الإمامة عن القاضي أبي الفرج المعافا النهروانيّ‏ (2) الذي كان أوحد عصره في مذهب أبي جعفر محمّد بن جرير العامّي في سنة 377 ه، كما ذكره ابن النديم. و المعافا يروي عن محمّد بن أبي الثلج الذي توفّي سنة 325 ه، و هو من أصحاب أبي جعفر محمّد بن جرير العامّي كما صرّح به ابن النديم. فابن جرير المتأخّر المعاصر للنجاشيّ يروي عن سميه العامّي بواسطتين، كما يروي النجاشيّ «المسترشد» لابن جرير الكبير الإمامي عنه بواسطتين أيضا (3).

و صاحب كتاب «الدلائل» يروي عن أبي المفضل الشيبانيّ، و أبي محمّد الحسن ابن أحمد العلويّ المحمديّ، و القاضي أبي إسحاق بن مخلّد بن جعفر الباقرحي، و أبي أحمد عبد السلام بن الحسين بن محمّد البصريّ، و عن الشيخ الغضائريّ الذي عبّر عنه بشيخنا كما تقدّم، و كلّ هؤلاء من مشايخ النجاشيّ.

و روى ابن جرير الطبريّ الصغير عن أبي عبد اللّه الحسين بن إبراهيم بن عليّ المعروف بابن الخيّاط القمّي، و هو من مشايخ الطوسيّ أيضا.

____________

(1) طبقات أعلام الشيعة 2: 155 (النابس في القرن الخامس).

(2) روى عنه المؤلف في كتابنا هذا في معجزات و براهين فاطمة الزهراء (عليهما السلام) الحديث الأوّل.

(3) طبقات أعلام الشيعة 1: 252 (نوابغ الرواة في رابعة المئات).

44

و روى الطبريّ الصغير في كتابه «الدلائل» عن أبي طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن، و يروي أبو طاهر عن أبي بكر محمّد بن عمر بن سالم القاضي الجعابيّ المتوفّى سنة 355 ه، كما في حديثين من الدلائل‏ (1)، و هو- أي القاضي الجعابي- من مشايخ الشيخ المفيد المتوفّى سنة 413 ه.

و من ذلك ينتج أنّ أبا طاهر شيخ الطبريّ الصغير صاحب «الدلائل» مع الشيخ المفيد- الذي هو استاذ النجاشيّ و الطوسيّ- كانا في طبقة واحدة، لروايتهما عن القاضي الجعابيّ، كما أنّ الطبريّ الصغير مع الشيخ النجاشيّ و الطوسيّ كانوا في طبقة واحدة لاشتراكهم في مشايخ كثيرة.

و يبدو لنا أنّ الشيخ الطبريّ كان متقدّما على الشيخ النجاشيّ و الطوسيّ قليلا مع معاصرته لهما مثل أنّه كان في طبقة السيّدين المرتضى و الرضي الّذين رويا عن أبي التحف و الطبريّ أيضا روى عنه كما تقدّم، و يؤيّده أيضا القرائن التالية:

1- يروي الطبريّ الصغير عن أبي عبد اللّه محمّد بن وهبان بن محمّد الهناني كما في الحديث 36 من معجزات و براهين الإمام علي (عليه السلام)- في كتابنا هذا-، و يروي الشيخ الطوسيّ عنه بواسطة شيخه الحسين بن إبراهيم القزوينيّ‏ (2).

2- يروي الشيخ الطوسيّ عن أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف تلميذ محمّد بن جرير الطبريّ العامّي بواسطتين‏ (3)، و الطبريّ الصغير يروي عنه بواسطة واحدة (4).

____________

(1) دلائل الامامة: 212/ 25 و 452/ 32.

(2) رجال الطوسي: 444/ 77، الفهرست: 114/ 32، معجم رجال الحديث 6: 191/ 3257.

(3) الفهرست: 424/ 655.

(4) دلائل الامامة: 142/ 45.

45

3- يروي الشيخ الطوسيّ عن أبي المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن المطّلب الشيبانيّ بواسطة جماعة (1)، أمّا الطبريّ الصغير فإنّ أبا المفضل الشيبانيّ من شيوخه الذين يروي عنهم بلا واسطة بقوله: «حدّثنا و أخبرنا» في مواضع عديدة من كتابه «دلائل الإمامة» و «نوادر المعجزات» (2).

4- يروي الشيخ الطوسيّ عن ثقة الإسلام الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ بواسطتين، و كذا النجاشيّ‏ (3)، و أمّا الطبريّ الصغير فيروي عنه في أحد طرقه إليه بواسطة واحدة (4).

5- قال مؤلّفنا الطبريّ الصغير في الحديث الأوّل من معجزات و براهين الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): حدّثنا الشيخ أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، أي أنّه روى عن الصدوق (رحمه الله) بدون واسطة، و أمّا الشيخ الطوسيّ و النجاشيّ فيرويان عن الصدوق بواسطة واحدة (5).

فالنتيجة المتحصّلة من ذلك كلّه هي: أنّ الطبريّ الصغير كان معاصرا للشيخ الطوسيّ و النجاشيّ إلّا أنّه كان متقدّما عليهما قليلا لما بيّناه.

____________

(1) الفهرست: 401/ 611.

(2) انظر: دلائل الإمامة: 76/ 17 و 489/ 92، نوادر المعجزات: 1.

(3) الفهرست: 395/ 603، رجال النجاشي: 377/ 1026.

(4) دلائل الامامة: 524/ 98.

(5) طبقات أعلام الشيعة 2: 155 (النابس في القرن الخامس)، و قال فيه الآغا بزرك: إنّ الطبري الصغير أيضا يروي عن الصدوق بواسطة واحدة، و كأنّه (رحمه الله) لم يكن في يده الحديث الأوّل المشار إليه من معجزات و براهين الإمام علي (عليه السلام).

46

مشايخه في الرواية و الدراية

إنّ المشايخ الذين تحمّل المؤلّف عنهم رواية الحديث إجازة أو قراءة أو سماعا كثيرون، فالمشايخ الذين ذكرهم في هذا الكتاب:

1- الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفّى سنة 381 ه (1).

2- إبراهيم بن الحسين (الحارث) الهمدانيّ‏ (2).

3- أبو التحف عليّ بن محمّد بن إبراهيم المصريّ المتوفّى بعد سنة 415 ه (3) و روى عنه الحسين بن عبد الوهاب في «عيون المعجزات» (4).

4- القاضي أبو الحسن عليّ بن القاضي الطبرانيّ و أيضا روى عنه الحسين بن عبد الوهاب في عيون المعجزات‏ (5).

____________

(1) كلّ من ترجم للمؤلّف لم يذكر الشيخ الصدوق من شيوخه لأنّ المؤلّف- ابن جرير- روى عن الصدوق في «دلائل الإمامة» بواسطة واحدة و لم يتطرّق المترجمون له إلى كتاب «نوادر المعجزات»، هذا و إنّ نقله بعض الروايات بواسطة عن الصدوق (رحمه الله)، لا يقدح في كونه قد عاصر الشيخ الصدوق و سمع منه أو التقى به- و خصوصا عند قوله: حدّثنا-، لأنّه قد نقل عن الشيخ الكليني (رحمه الله) مرة بواسطة واحدة كما في الحديث (98) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)- انظر دلائل الإمامة: 524-، و أخر بثلاث وسائط كما في الحديث (31) من دلائل صاحب الزمان (عليه السلام)- انظر دلائل الإمامة: 451- و ذلك جائز بحسب عمر الراوي و المروي عنه، أو بحسب بعده أو قربه عنه.

و الذي ينقل عن الشيخ الكليني المتوفّى سنة 329 ه، بواسطة واحدة، فمن الغير مستبعد أن ينقل عن الصدوق المتوفّى سنة 381 ه بدون واسطة .. فتأمل.

(2) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 2.

(3) طبقات أعلام الشيعة 2: 124- 125 (النابس في القرن الخامس).

(4) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 12 و ...

(5) عيون المعجزات: 28، نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 17.

47

5- أبو عبد اللّه أحمد بن محمّد بن أيّوب بن العبّاس الجوهريّ البغداديّ‏ (1).

6- سهل الطبريّ‏ (2).

7- أبو محمّد الحسن بن محمّد بن نصر (3).

8- أبو الحسين محمّد بن هارون بن موسى بن أحمد بن موسى التلّعكبريّ‏ (4).

9- أبو عبد اللّه محمّد بن وهبان بن محمّد الهنانيّ، المعروف بالدبيليّ البصريّ‏ (5).

10- عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه القطيفيّ‏ (6).

11- أبو الحسن محمّد بن أحمد بن حيران الكاتب الأنباريّ‏ (7).

12- القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريّا بن يحيى بن حميد بن حمّاد الجريريّ‏ (8).

13- أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الحرميّ‏ (9).

14- أبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن عبيد اللّه الشيبانيّ المولود سنة 297 ه، و المتوفّى سنة 387 ه (10).

____________

(1) كذا ذكره المؤلّف في الحديث (11) من معجزات الإمام علي (عليه السلام)، و هو المحدّث أحمد بن محمّد بن عبيد اللّه بن الحسن بن عيّاش بن إبراهيم بن أيّوب الجوهري، أبو عبد اللّه المتوفّى سنة 401 ه، و صاحب كتاب «مقتضب الأثر في النصّ على الأئمّة الاثنى عشر».

(2) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 19.

(3) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 23 و ...

(4) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 30 و ...

(5) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 36.

(6) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 37.

(7) نوادر المعجزات: الباب الأوّل- الحديث 38.

(8) نوادر المعجزات: الباب الثاني- الحديث 1.

(9) نوادر المعجزات: الباب الثامن- الحديث 3.

(10) نوادر المعجزات: الباب الثامن- الحديث 2 و ...

48

15- أخوه الذي يروي عن أبي الحسن أحمد بن عليّ المعروف بابن البغداديّ، و قد نقل عنه بعد وفاته، حيث أنه ترضّى عليه عند النقل عنه‏ (1).

* و إكمالا للفائدة ننقل بقية شيوخه الذين ذكرهم في كتابه الدلائل:

16- القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبد اللّه الطبريّ المقرئ المولود سنة 324 ه، و المتوفّى سنة 373 ه (2).

17- إبراهيم بن محمّد بن الفرج الرّخّجيّ‏ (3).

18- النقيب أبو محمّد الحسن بن أحمد بن القاسم العلويّ المحمّديّ‏ (4).

19- القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلّد بن جعفر الباقرحي، المتوفّى سنة 410 ه (5).

20- أبو الحسن أحمد بن الفرج بن منصور بن محمّد بن الحجاج الفارسيّ الورّاق المولود سنة 312 ه، و المتوفّى سنة 392 ه (6).

21- أبو عليّ الحسن بن الحسين بن العبّاس البردانيّ المولود سنة 346 ه، و المتوفّى سنة 431 ه (7).

22- الحسين بن إبراهيم بن عليّ، المعروف بابن الخيّاط القمّي‏ (8).

____________

(1) نوادر المعجزات: الباب الخامس- الحديث 10.

(2) دلائل الإمامة: 68/ 6 و ...

(3) دلائل الإمامة: 526/ 103.

(4) دلائل الإمامة: 79/ 19 و ...

(5) دلائل الإمامة: 128/ 38 و ...

(6) دلائل الإمامة: 102/ 32 و ...

(7) دلائل الإمامة: 154/ 69.

(8) دلائل الإمامة: 145/ 52 و ...

49

23- أبو طاهر عبد اللّه بن أحمد الخازن‏ (1).

24- أبو الحسن عليّ بن هبة اللّه بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم بن الرائقة الموصليّ‏ (2).

25- أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه بن إبراهيم البغداديّ الغضائريّ المتوفّى سنة 411 ه (3).

26- أبو القاسم عبد الباقي بن يزداد بن عبد اللّه البزّاز (4).

27- أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه البزّاز (5).

28- أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمّد بن حبيب‏ (6).

29- أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن محمد البصريّ، المتوفّى سنة 405 ه (7).

هذا و قد توجد مشايخ اخرى محتملة لشيخنا (رحمه الله) في كتابه النوادر منهم عبد المنعم ابن سلمة، و عبد المنعم بن الأحوص، و سعيد بن مرّة، و جعفر بن محمّد بن مالك، و بشر بن طريف و ذلك بقوله حدّثنا و حدّثني.

و قلنا «محتملة» لأنّه مثلا عبد المنعم بن سلمة قد نقل عنه أبو التحف المصريّ كما في عيون المعجزات، و أبو التحف المصريّ من مشايخ الحسين بن عبد الوهاب‏

____________

(1) دلائل الإمامة: 212/ 25 و ...

(2) دلائل الإمامة: 93/ 27 و ...

(3) دلائل الإمامة: 545/ 128.

(4) دلائل الإمامة: 506/ 96.

(5) دلائل الإمامة: 53/ 1.

(6) دلائل الإمامة: 67/ 4.

(7) دلائل الإمامة: 357/ 4.

50

صاحب كتاب عيون المعجزات، و بنفس الوقت من مشايخ و مؤلّفنا فكيف ذلك.

نقول: لا ضير في ذلك لأنّه يمكن أن يكون مؤلّفنا قد نقل عن عبد المنعم بن سلمة بدون واسطة و بنفس الوقت شيخة- أي أبو التحف المصريّ- ينقل عنه بدون واسطة، بحسب عمر الراوي و المروي عنه و كذا بالنظر إلى البعد و القرب المكاني، و مثاله أنّه- أي مؤلّفنا- نقل عن الشيخ الكلينيّ (رحمه الله) بواسطة واحدة كما في الحديث (98) من دلائل الإمامة (1)، و تارة أخرى بثلاث وسائط كما في الحديث 31 من الدلائل أيضا (2) .. فتأمل.

بقي شي‏ء

ما رواه في الدلائل و النوادر بعنوان: قال أبو جعفر، و خاطبه الإمام العسكري (عليه السلام) في عدّة روايات بقوله: يا ابن جرير (3)، من هو؟

لا يمكننا أن نجزم أو نحدّد مراده (عليه السلام) من قوله: «يا ابن جرير» هل هو العاميّ المفسّر أو الإمامي الكبير، و لكن نستطيع أن نميل أو نرجّح أحد الاحتمالات التي طرحها الشيخ الطهراني (رحمه الله) و هي:

أوّلا: اعتبره الشيخ الطهراني مرّة سميّا آخر- أي غير الطبري العامّي- لصاحب المسترشد و الدلائل، و هو من طبقة أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث قال ما لفظه: في بعض المواضع مراده أبو جعفر محمّد بن جرير الذي كان من أصحاب‏

____________

(1) انظر دلائل الإمامة: 524/ 98.

(2) انظر دلائل الإمامة: 451/ 31.

(3) انظر دلائل الإمامة: 413- 432، نوادر المعجزات: الباب الثاني عشر في معجزات و أعلام الإمام العسكري (عليه السلام).

51

الحسن العسكري (عليه السلام) المستشهد سنة 260 ه، و يخاطبه الحسن (عليه السلام) بقوله: «يا ابن جرير» (1).

و قال في طبقات أعلام الشيعة: يظهر أنّ مؤلّف المسترشد كان معاصرا للكليني تقريبا، و لم يكن من أدرك أحد الأئمّة (عليهم السلام) ظاهرا، فإنّه لو كان كذلك لكان الطوسي و النجاشي قد ذكرا ذلك كما هو ديدنهما، و على هذا فمؤلّف «المسترشد» غير ابن جرير الذي خاطبه الإمام العسكري (عليه السلام) ثلاث مرّات ضمن قصة المعجزات التسع الواردة في «مدينة المعاجز» بقوله: «يا ابن جرير»: إذ يستبعد بقاء من خاطبه الإمام العسكري (عليه السلام) المستشهد سنة 260 ه إلى عهد الكليني، فالمخاطب هو سميّ آخر لمؤلّف المسترشد (2).

أقول: لما ذا هذا الاستبعاد في بقاء من خاطبه الإمام العسكري (عليه السلام) إلى عهد الكليني (رحمه الله)، و الذي يراجع كتب التراجم يجد الكثيرين ممن أدركوا الإمامين الهادي و العسكري (عليهما السلام) و بقوا إلى عهد الكليني (رحمه الله)، منهم الطبري العامّي المفسّر (224- 310 ه)، و سفراء الإمام الحجة (عليه السلام) و منهم: عثمان بن سعيد السمري، و ابنه محمّد المتوفّى سنة 305 ه، و غيرهم. و يؤيّده قول السيّد بحر العلوم في الفوائد الرجالية (3) بأنه- أي الشيخ الكليني- قد أدرك تمام الغيبة الصغرى، و بعض أيّام الحسن العسكري (عليه السلام)، فالذي أدرك الإمامين (عليهما السلام) كالطبري المفسّر و أدركه الكليني (رحمه الله)، فمن باب أولى أن يكون الذي أدرك الإمام العسكري (عليه السلام) قد بقى إلى زمان الكليني (رحمه الله).

____________

(1) الذريعة 8: 244.

(2) طبقات أعلام الشيعة 1: 251.

(3) الفوائد الرجاليّة 3: 336.

52

ثانيا: اعتبره الشيخ في هذا الاحتمال هو: محمّد بن جرير بن رستم الكبير صاحب كتاب المسترشد.

فقال: و يروي في الكتاب عن قول أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري الإمامي الذي رأى الإمام أبا محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) و شاهد منه المعجزات التسع، بعنوان: «قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري: رأيت الحسن بن عليّ السراج» و في ثلاثة مواضع منها خاطبة يقوله: «يا ابن جرير».

و يمكن أن يكون ابن جرير هذا- أي المخاطب من قبل الإمام (عليه السلام) بقوله: «يا بن جرير» هو الكبير صاحب كتاب «المسترشد» الذي ترجمه النجاشي و الشيخ في الفهرست، كما ترجما معاصره العاميّ، و تركا ترجمة الصغير، صاحب الترجمة كما تركا ترجمة جمع من الأعلام المعاصرين لهما (1).

و أضاف الشيخ الطهراني: إنّ صاحب الترجمة- أي الطبري الكبير- معاصر لأبي جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري العامّي صاحب التاريخ و التفسير، الذي ترجمه ابن النديم مفصلا، و ذكر أنه ولد سنة 224 ه، و مات سنة 310 ه.

و عليه فيمكن أن يقال: إنّ صاحب الترجمة أبا جعفر محمّد بن جرير الطبري الكبير، هو الذي أدرك أبا محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) المستشهد سنة 260 ه بسامراء، و رأى منه تسع معجزات، و عبّر عنه (عليه السلام) بالحسن بن علي السراج، و في ثلاث مرّات خاطبه (عليه السلام) بقوله: «يا ابن جرير»، و رأى خطه (عليه السلام) بهلاك الزبير بن جعفر بعد ثلاثة أيّام، و روى عن علي بن محمّد بن زياد الصيمريّ من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام).

____________

(1) طبقات أعلام الشيعة 2: 155.

53

و قد حكى هذه المعاجز و الروايات أبو جعفر محمّد بن جرير المتأخّر الصغير عنه في كتابه «دلائل الإمامة» بعنوان: قال محمّد بن جرير الطبري: رأيت الحسن ابن علي السراج (عليه السلام) و حكاها عن كتاب الإمامة في «مدينة المعجزات» (1).

هذا و قد ذهب الشيخ المامقاني إلى هذا الرأي، فقال: إنّ قوله في الدلائل: «قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري: رأيت الحسن بن علي (عليه السلام) يكلّم الذئب فكلّمه ..» يدلّ على رواية محمّد بن جرير الطبري الصغير، عن محمّد بن جرير صاحب كتاب المسترشد، و أنّ صاحب المسترشد قد أدرك الإمام العسكري (عليه السلام) و يساعده أنّ صاحب المسترشد معاصر للطبري العامّي المولود في زمان الإمام الجواد (عليه السلام) و المدرك لزمان العسكريين (عليهما السلام)(2).

ثالثا: قال الشيخ الطهراني: قد يريد بأبي جعفر: محمّد بن جرير بن يزيد العامي المؤرّخ المفسّر المتوفي سنة 310 ه، فإنّه- أي الطبري الصغير- يروي عن القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر بن سهيل بن حمران الدقاق، و إنّا نعلم أنّ إبراهيم بن مخلد هو من مشايخ النجاشي، و يروي عنه أبيه مخلد، و هو يروي عن محمد بن جرير المؤرّخ.

فصاحب كتاب الدلائل يروي عن سميه المؤرّخ بواسطتين، هما إبراهيم و أبوه مخلد، و كذا يروي صاحب الدلائل عن سميه الآخر الكبير المؤلف للمسترشد بثلاث وسائط ...

____________

(1) طبقات أعلام الشيعة 1: 253.

(2) تنقيح المقال 3: 93.

54

ثمّ قال الشيخ الطهراني: إنّ الطبري الصغير مع أنّ له الأسانيد العالية لم يحصل له طريق الرواية عن مؤلف المسترشد إلّا بواسطتين .. (1).

هذا و نحن نميل إلى الاحتمال الثاني، لما بيّنا من تعليقتنا على الاحتمال الأوّل، فتأمّل.

مصنّفاته العلميّة

1- نوادر المعجزات في مناقب الائمة الهداة (عليهم السلام)

و هو هذا الكتاب، يتعرّض فيه المؤلّف للنادر من معاجز الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) و فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما يدلّ عليه عنوانه دون ذكر تواريخهم و أحوالهم المختلفة، و قد أشار المصنّف إلى ذلك في مقدّمته حيث قال: «حاولت أن أؤلّف ممّا أظهروه من المعجزات و أقاموه من الدلائل و البراهين، ممّا سمعته و قرأته، في كتاب مقصور على ذكر المعجزات و البراهين» (2).

و قد جمع فيه أيضا طرفا من فضائل الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) و فاطمة الزهراء (عليها السلام) و كراماتهم، و هو مرتّب على (13) بابا، قال عنه الشيخ الطهرانيّ ما نصّه:

نوادر المعجزات في مناقب الأئمّة الهداة (عليهم السلام) لمحمّد بن جرير بن رستم أبي جعفر الآملي الطبريّ الصغير، صاحب «دلائل الإمامة» و معاصر الطوسيّ و النجاشيّ، ينقل عنه شيخنا النوريّ في كتبه، و وجدناه في مكتبة سيّدنا الصدر، مرتّب على (13) بابا، صرّح باسمه و لقبه و كنيته في الباب الثالث في معجزات الحسن بن عليّ إلى أواخر الكتاب في صدر أكثر الأخبار، كما هو دأب القدماء.

____________

(1) الذريعة 8: 244.

(2) انظر: مقدمة المؤلّف في كتابنا هذا.

55

أوّله: الحمد للّه الذي نوّر قلوبنا بهداية محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و روّح صدورنا بولاية عليّ (عليه السلام) ...، فمن دلائل مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): حدّثنا الشيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه ...

و يروي المؤلّف أيضا عن أبي المفضّل الشيبانيّ المتوفّى سنة 387 ه، و عن أبي الحسين محمّد بن هارون التلعكبريّ، و عن أحمد بن محمّد الجوهريّ صاحب «مقتضب الأثر» و عن أبي التحف عليّ بن محمّد بن إبراهيم المصريّ‏ (1).

هذا و نقل عنه العلّامة المجلسيّ في موسوعته الحديثية قائلا: وجدت في كتاب من كتب قدماء الأصحاب في نوادر المعجزات .. (2).

و قال عنه المحدّث النوريّ: نوادر المعجزات و كأنّه مختصر الدلائل للطبريّ .. (3)

و كأنّما المحدّث النوريّ (رحمه الله) اشتبه عليه مضامين هذين الكتابين- أي الدلائل و النوادر- أو لم يطّلع اطلاعة كاملة على كتاب «نوادر المعجزات» و «دلائل الإمامة» لأنّ في النوادر أحاديث كثيرة لا توجد في كتاب الدلائل و لا في كتب أخرى بل هي من مختصّات الكتاب كما ستطّلع عليها في هذا الكتاب.

و الفرق بين الدلائل و النوادر واضح جليّ حيث أنّ الدلائل- كما سيجي‏ء- يشتمل على تواريخ الأئمّة (عليهم السلام) و أحوالهم إضافة إلى دلائلهم و كراماتهم و هذا الكتاب- كما مرّ- مقصور على ذكر النوادر من معاجزهم (عليهم السلام).

____________

(1) الذريعة 24: 349/ 1880.

(2) بحار الأنوار 57: 339/ 31.

(3) خاتمة مستدرك الوسائل 4: 206.

56

2- دلائل الإمامة

تعرّض المؤلّف فيه لدلائل الأئمّة الهداة عليهم أفضل الصلوات و التحيّات و لمعجزاتهم و تواريخهم و أحوالهم، و فضائل و معجزات الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بضعة الرسول المصطفى و زوج المرتضى و أمّ السبطين الحسن و الحسين عليهم صلوات اللّه.

و نسخته غير تامّة، حيث سقط قسم من أوّلها، و تبدأ ببعض أحاديث من دلائل و معجزات الطاهرة البتول فاطمة الزهراء (عليها السلام).

و نقل عن هذا الكتاب السيّد عليّ بن موسى بن طاوس المتوفّى سنة 664 ه في كتبه: «اليقين» (1) و «فرج المهموم» (2) و «الأمان من أخطار الأسفار و الأزمان» (3) و اللهوف على قتلى الطفوف» (4) ... و غيرها.

و نقل عنه العلّامة المجلسيّ المتوفّى سنة 1110 ه، في بحار الأنوار في أكثر من مورد، و عنونه ب «دلائل الإمامة» (5).

كما نقل عنه السيّد هاشم البحرانيّ المتوفّى سنة 1107 ه، في كتابيه «مدينة المعاجز» و «المحجّة في ما نزل في القائم الحجة (عليه السلام)».

و كذلك الحرّ العامليّ المتوفّى سنة 1104 ه في كتابه إثبات الهداة.

و غيرهم من المتأخّرين.

____________

(1) انظر اليقين: الباب 65، 66، 67.

(2) فرج المهموم: 102 و 223 و 224 و 227 و 234 و 239 و 247.

(3) انظر الأمان: 66، 135.

(4) انظر اللهوف: 26.

(5) انظر بحار الأنوار 1: 20.

57

هذا و قد اختلف في اسم الكتاب و أطلقوا عليه خمسة عناوين‏ (1).

و الكتاب محقّق و مطبوع في قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة- قم.

3- أعلام الأئمّة (عليهم السلام)

أحال إليه المؤلّف في كتابه «نوادر المعجزات» في موضعين من معجزات فاطمة الزهراء (عليها السلام)(2) و مورد الإحالتين موجود في كتاب «دلائل الإمامة» (3) ممّا يؤكّد كون الكتابين- أي الدلائل و النوادر- لمؤلّف واحد.

و لعلّ مراده ب: «أعلام الأئمّة» هو كتاب الدلائل، لأن كلمة الأعلام تعني الدلائل أيضا، فلعلّه سمّاه بمعناه لا بلفظه، و اللّه العالم‏ (4).

ميزة هذا الكتاب‏

قد تفرّد هذا الكتاب في نقل بعض الأحاديث أو المعجزات التي لم يتطرّق لها في كتابه الدلائل و هي لم توجد في مصدر أقدم منه و لكنّها وجدت في مصادر متأخّرة عن زمان المؤلّف و بعضها من مختصّات هذا الكتاب، و سوف تطّلع إليها من خلال طياتك لصفحات هذا الكتاب إن شاء اللّه.

____________

(1) للاطلاع على عناوين الكتاب انظر مقدّمة كتاب دلائل الإمامة: 37- 39.

(2) انظر نوادر المعجزات: و ../ 6 و 14.

(3) انظر دلائل الإمامة: 76/ 17 و 94/ 13.

(4) انظر مجلة علوم الحديث: 117/ العدد 17.

58

منهج التحقيق‏

أ- النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الكتاب هي أربعة

1- رقم المصوّر في مكتبة العلّامة المجلسيّ (رحمه الله): 58.

العنوان: نوادر المعجزات.

المؤلف: أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الآملي الطبري- القرن الخامس.

الموضوع: فضائل المعصومين (عليهم السلام).

اللغة: العربيّة.

تاريخ النسخ: القرن الثاني عشر.

اسم المكتبة و محلّها: مركز إحياء التراث الإسلامي برقم: «3960»- في قم المقدّسة، مقاس المخطوط 5/ 20.

الملاحظات: النسخة كاملة، بخطّ النسخ، و هي ضمن مجموعة و معها كتاب مختصر البصائر و كانت عند مير جلال الدين المحدّث الأرموي (رحمه الله)، و كانت في السابق تحت تملّك ضياء الدين النوري حفيد المحدّث النوري (رحمه الله) و عليها تملّكهما، و هي أوّل رسالة في تلك المجموعة.

و قد رمزنا لها بالرمز «أ».

2- رقم المصوّر في مكتبة العلّامة المجلسيّ (رحمه الله): 66.

العنوان: نوادر المعجزات.

المؤلف: أبو جعفر محمّد بن جرير بن رستم الآملي الطبري- القرن الخامس.

الموضوع: فضائل المعصومين (عليهم السلام).

اللغة: العربيّة.