موسوعة التاريخ الاسلامي - ج2

- الشيخ محمد هادي اليوسفي المزيد...
768 /
7

الجزء الثاني‏

أهم حوادث السنة الاولى للهجرة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

وصول النبيّ الى قباء:

روى الكليني في «روضة الكافي» بسنده عن سعيد بن المسيّب عن علي بن الحسين عليه السّلام قال (و هو في مسجد الرسول بالمدينة) : قدم (الرسول) المدينة لاثنتي عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول مع زوال الشمس، فنزل بقباء فصلّى الظهر ركعتين و العصر ركعتين... و كان نازلا على (بني) عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أ تقيم عندنا فنتّخذ لك منزلا؟فيقول: لا، إني أنتظر عليّ بن أبي طالب، و قد أمرته أن يلحقني، و لست مستوطنا منزلا حتى يقدم عليّ، و ما أسرعه إن شاء اللّه.

فقال له أبو بكر: انهض بنا الى المدينة، فانّ القوم قد فرحوا بقدومك، و هم يستريثون اقبالك إليهم، فانطلق بنا و لا تقم هاهنا تنتظر عليا، فما أظنّه يقدم إليك الى شهر!

فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: و لست اريم حتى يقدم ابن عمّي و أخي في اللّه عزّ و جل و أحبّ أهل بيتي إليّ، فقد وقاني بنفسه من المشركين!

10

فغضب عند ذلك أبو بكر و اشمأزّ و داخله من ذلك حسد لعلي عليه السّلام، و كان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في علي عليه السّلام، و أول خلاف على رسول اللّه. فانطلق حتى دخل المدينة، و تخلّف رسول اللّه بقباء حتى ينتظر عليا عليه السّلام‏ (1) . غ

إسلام سلمان:

روى الطبرسي في «إعلام الورى» : أنّ سلمان الفارسي كان بعض أهل الكتاب قد اخبروه بالدين الحنيف، فكان قد خرج من بلاده فارس يطلب ذلك الدين، فوقع الى راهب من رهبان النصارى بالشام فصحبه حتى سأله عن ذلك فقال له: اطلبه بمكة مخرجه، و اطلبه بيثرب فثمّ مهاجره.

فقصد مكة، فسباه بعض الأعراب فباعه على رجل من يهود المدينة، فكان سلمان يعمل في نخله، و كان على نخلة اذ دخل على صاحبه رجل من اليهود و قال له: يا أبا فلان، أشعرت أنّ هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيّهم؟

فقال سلمان: جعلت فداك ما الذي تقول؟!

فقال له صاحبه: ما لك و للسؤال عن هذا؟!أقبل على عملك..

و نزل سلمان و أخذ طبقا من ذلك الرطب و حمله الى رسول اللّه.

فقال له رسول اللّه: ما هذا؟

قال: صدقة تمورنا، بلغنا أنكم قوم غرباء قدمتم هذه البلاد، فأحببت أن تأكلوا من صدقتنا. فقال رسول اللّه لأصحابه: سمّوا و كلوا.

فعقد سلمان باصبعه و قال بالفارسية: «اين يكي» : هذه واحدة (أي من

____________

(1) روضة الكافي: 280.

11

العلائم) . ثم ذهب فأتاه بطبق آخر من التمر. فقال له رسول اللّه: ما هذا؟ فقال له سلمان: رأيتك لا تأكل الصدقة، فهذه هديّة أهديتها لك. فأكل عليه الصلاة و السلام. فعقد سلمان بيده ثانية و قال بالفارسية: «اين دوتا» : هاتان اثنتان. ثم دار خلفه (و طلب إليه أن يزيح قميصه عن كتفه) فألقى عن كتفه الإزار، فنظر سلمان الى خاتم النبوة على الشامة، فأقبل يقبّلها (و أسلم) . فقال له رسول اللّه: من أنت؟قال: أنا رجل من أهل فارس-و حدّثه بحديث طويل-فقال له رسول اللّه: أبشر و اصبر، فانّ اللّه سيجعل لك فرجا من هذا اليهودي‏ (1) . غ

اسلام عبد اللّه بن سلام:

و روى ابن اسحاق في اسلام عبد اللّه بن سلام عن (بعض أهله) عنه حديثا شبيها بحديث اسلام سلمان، قال: لما سمعت برسول اللّه صلّى اللّه عليه‏[و آله‏] و سلم عرفت صفته و اسمه و زمانه الذي كنا نترقّبه و نتوقّعه له، و لكني كنت مستسرّا لذلك ساكتا حتى قدم رسول اللّه المدينة (2) .

____________

(1) إعلام الورى 1: 151، 152 و روى الخبر ابن اسحاق في سيرته 1: 87-93، و ابن هشام عنه في سيرته 1: 228-236 بسنده عن عبد اللّه بن عباس. و الطبرسي روى مختصره باختلاف في الألفاظ. و قد روى الصدوق في اكمال الدين: 159-164 خبرا عن الامام الكاظم عليه السّلام عن اسلام سلمان أيضا، باختلاف في المعاني أيضا.

و لم أجد تحديدا دقيقا لتاريخ اسلام سلمان زمانا أو مكانا: هل كان في قباء أو بعد انتقال الرسول الى المدينة، و لكن يبدو أنه كان في الأوائل، و يشبه خبره خبر اسلام عبد اللّه بن سلام الآتي.

(2) نقل الطبرسي في مجمع البيان عن القاضي في تفسيره: أن عبد اللّه بن سلام انطلق الى-

12

فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه و أنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، و عمتي خالدة بنت الحارث جالسة عندي، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول اللّه كبّرت، فحين سمعت عمّتي تكبيري قالت: خيّبك اللّه! و اللّه لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت!فقلت لها: هو و اللّه أخو موسى بن عمران و على دينه، بعث بما بعث به. فقالت: أ هو النبيّ الّذي كانوا يخبروننا عنه أنه يبعث مع الساعة؟فقلت لها: نعم.

ثم خرجت الى رسول اللّه فأسلمت، ثم رجعت الى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، و أسلمت عمتي خالدة بنت الحارث. و كتمت اسلامي من اليهود.

ثم جئت رسول اللّه فقلت: يا رسول اللّه... إني أحبّ أن تدخلني في بعض بيوتك و تغيّبني عنهم ثم تسألهم عنّي حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا باسلامي، فانهم إن علموا به عابوني و بهتوني.

فأدخلني رسول اللّه صلى اللّه عليه‏[و آله‏]و سلم في بعض بيوته (و أرسل إليهم أن يأتوه) فدخلوا عليه... فقال لهم: أيّ رجل فيكم الحصين بن سلام؟

قالوا: سيّدنا و ابن سيّدنا، و حبرنا و عالمنا.

فخرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتّقوا اللّه، و اقبلوا ما جاءكم به، فو اللّه إنكم لتعلمون أنه لرسول اللّه، و أومن به و أصدّقه و أعرفه.

____________

ق-رسول اللّه و هو بمكة فقال له رسول اللّه: أنشدك باللّه هل تجدني في التوراة رسول اللّه؟ فقال: انعت لنا ربك. فنزلت هذه السورة (التوحيد) فقرأها النبيّ فكانت سبب اسلامه، الاّ أنه كان يكتم ذلك الى أن هاجر النبيّ الى المدينة ثم اظهر الاسلام: مجمع البيان 10: 859 و قال ابن اسحاق: كان عبد اللّه بن سلام الحبر الأعلم لبني قينقاع، و كان اسمه الحصين بن سلام فلما اسلم سمّاه رسول اللّه: عبد اللّه-سيرة ابن هشام 2: 162.

13

فقالوا: كذبت!ثم وقعوا بي.

فقلت لرسول اللّه: أ لم أخبرك يا رسول اللّه أنهم قوم أهل غدر و كذب و فجور! (1) .

ثم روى حديثا عن شهادة صفية بنت حييّ بن أخطب من بني النضير-و هي التي تزوّجها الرسول فيما بعد-تشهد بمعرفة أبيها و عمها بالنبيّ و عداوتهم له، قالت: كنت أحبّ ولد أبي إليه و كذلك الى عمّي أبي ياسر... فلما قدم رسول اللّه المدينة و نزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حييّ بن أخطب و عمّي أبو ياسر مغلّسين، فلم يرجعا الاّ مع غروب الشمس، اذ أتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فو اللّه ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغمّ، و سمعت عمّي أبا ياسر و هو يقول لأبي حييّ بن أخطب: أ هو هو؟قال:

نعم و اللّه، قال: أتعرفه و تثبته؟قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟قال: عداوته ما بقيت و اللّه‏ (2) . غ

بناء مسجد قباء:

و لا خلاف في أخبار السيرة عامة أنه صلّى اللّه عليه و آله مكث في قباء حتى جاء أبو الأوصياء علي عليه السّلام، و ذكر الديار بكري و السمهودي أنه أمر عليا عليه السّلام فخطّ لمسجد قباء، فلنذكر خبره:

قالوا: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها: ليّة، كانت تربط حمارا فيه‏ (3) .

____________

(1) سيرة ابن هشام 2: 163-164.

(2) سيرة ابن هشام 2: 165-166.

(3) تاريخ المدينة لابن شبّة 1: 54 و لذلك كره المنافقون الصلاة فيه.

14

و ذكر السهيلي: أن عمارا هو الذي أشار على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ببنيانه، و هو الذي جمع الحجارة له‏ (1) و لذلك كان الشعبيّ يقول: إنّ أول من بنى مسجدا هو عمار بن ياسر (2) .

و ذكر الدياربكري، و السمهودي: أنه صلّى اللّه عليه و آله أمر أبا بكر بأن يركب الناقة و يسير بها ليخطّ المسجد على ما تدور عليه، فلم تنبعث به!فأمر عمر فكان كذلك!فأمر عليا فانبعثت و دارت به، فأسّس المسجد على حسب ما دارت عليه و قال: إنها مأمورة (3) فلما أسّسه الرسول استتم بنيانه عمار (4) .

و روى البزّاز: أن ابن أبي أوفى كان يقول: كنا نحمل حجارة المسجد الذي أسّس على التقوى حجرين حجرين بالنهار، و أن امرأته و مواليها كنّ يحملن الحجارة له بالليل‏ (5) .

و قد روى الكليني في «فروع الكافي» بسنده عن الصادق عليه السّلام قال: إن المسجد الذي أسّس على التقوى في قوله سبحانه: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوى‏ََ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ (6) هو مسجد قباء (7) ، و عنه قال: ابدأ بقباء فصلّ فيه فانه أول مسجد صلّى فيه رسول اللّه في هذه العرصة (8) .

____________

(1) سيرة ابن هشام 2: 143 الهامش عن الروض الانف.

(2) سيرة ابن هشام 2: 143 و طبقات ابن سعد 3: 178 و تاريخ ابن كثير 7: 311.

(3) تاريخ الخميس 1: 338 و وفاء الوفاء 1: 251.

(4) سيرة ابن هشام 2: 143 الهامش عن الروض الانف.

(5) حياة الصحابة 3: 112 عن مجمع الزوائد للهيثمي 2: 10.

(6) التوبة: 108.

(7) فروع الكافي 1: 81 كما في بحار الأنوار 19: 120.

(8) فروع الكافي 1: 318 كما في بحار الأنوار 19: 120.

15

و روى العياشي في تفسيره عنه عليه السّلام سئل: هل كان النّبيّ يصلّي في مسجد قباء؟قال: نعم، كان منزله على سعد بن خيثمة الأنصاري‏ (1) .

فكأنّه عليه السّلام ذكر نزوله على سعد بن خيثمة يشير بذلك الى جواره المسجد.

و كأنّ هذا مما أوهم لبعضهم فنسبوا بناءه الى سعد بن خيثمة (2) و هو وهم.

و قال ابن اسحاق: قد سمعنا فيما يذكرون: أن رسول اللّه نزل على كلثوم بن هدم، و يقولون: و اذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، و ذلك أنه كان عزبا لا أهل له، فكان منزله منزل العزّاب من مهاجري الأصحاب فكان يقال لبيت سعد: بيت الأعزاب‏ (3) . غ

أول صلاة جمعة و أول خطبة:

روى الكليني في «فروع الكافي» بسنده عن سعيد بن المسيّب عن علي بن الحسين عليه السّلام قال (و هو في مسجد الرسول بالمدينة) : قدم علي عليه السّلام و النبيّ في بيت (بني) عمرو بن عوف فنزل معه، ثم تحوّل منهم الى بني سالم بن عوف و علي عليه السّلام معه، مع طلوع الشمس من يوم الجمعة، فخطّ لهم مسجدا و نصب قبلته (الى بيت المقدس) و صلّى بهم فيه الجمعة ركعتين و خطب خطبتين‏ (4) ثم لم يرو الخطبتين.

____________

(1) تفسير العياشي 2: 111، 112.

(2) تاريخ المدينة لابن شبّة 1: 54.

(3) سيرة ابن هشام 2: 138 و انفرد اليعقوبي بقوله: نزل على كلثوم بن الهدم فلم يلبث الاّ أياما حتى مات كلثوم، و انتقل فنزل على سعد بن خيثمة فمكث أياما، ثم كان سفهاء بني عمرو بن عوف و منافقوهم يرجمونه بالليل، فلما رأى ذلك قال: ما هذا الجوار؟و ركب راحلته فارتحل عنهم. اليعقوبي 2: 41.

(4) روضة الكافي: 338-341.

16

و روى الطبري في تاريخه بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة رسول اللّه في أول جمعة صلاّها في بني سالم بن عوف بالمدينة أنه قال: الحمد للّه، أحمده و أستعينه، و أستغفره و استهديه، و أومن به و لا اكفره، و أعادي من يكفره. و أشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و النور و الموعظة، على فترة من الرسل و قلّة من العلم، و ضلالة من الناس و انقطاع من الزمان، و دنوّ من الساعة و قرب من الأجل. من يطع اللّه و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فقد غوى و فرّط و ضلّ ضلالا بعيدا.

اوصيكم بتقوى اللّه، فان خير ما أوصى به المسلم المسلم: أن يحظّه على الآخرة و أن يأمره بتقوى اللّه. فاحذروا ما حذّركم اللّه من نفسه، و إن تقوى اللّه لمن عمل به-على وجل و مخافة من ربه-عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. و من يصلح الذي بينه و بين اللّه من أمره، فى السرّ و العلانية، لا ينوي بذلك الاّ وجه اللّه، يكن ذكرا له في عاجل أمره، و ذخرا له فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدّم، و ما كان سوى ذلك يودّ له أنّ بينه و بينه‏ ... أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ (1) و الذي صدّق قوله و نجّز وعده لا خلف له فانه يقول: مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ (2) .

فاتّقوا اللّه في عاجل أمركم و آجله في السرّ و العلانية، فانه‏ ... مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئََاتِهِ وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (3) و من يتّق اللّه‏ ... فَقَدْ فََازَ فَوْزاً عَظِيماً (4) و إن تقوى اللّه توقي مقته و توقي عقوبته و توقي سخطه، و ان تقوى اللّه تبيّض

____________

(1) آل عمران: 30.

(2) ق: 29.

(3) الطلاق: 5.

(4) الأحزاب: 71.

17

الوجوه و ترضي الرب و ترفع الدرجة.

خذوا بحظكم و لا تفرّطوا في جنب اللّه، فقد علّمكم اللّه كتابه و نهج لكم سبيله، ليعلم‏ ... اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ (1) ، فأحسنوا كما أحسن اللّه إليكم، و عادوا أعداءه، و جاهدوا في سبيل اللّه‏ ... حَقَّ جِهََادِهِ هُوَ اِجْتَبََاكُمْ... (2) ... هُوَ سَمََّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ... (3) ... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ... (4) و لا حول و لاََ قُوَّةَ إِلاََّ بِاللََّهِ (5) .

فاكثروا ذكر اللّه، و اعملوا لما بعد اليوم، فانه من يصلح ما بينه و بين اللّه يكفه اللّه ما بينه و بين الناس، ذلك بأن اللّه يقضي على الناس و لا يقضون عليه، و يملك من الناس و لا يملكون منه. اللّه أكبر و لا قوة الاّ باللّه العلي العظيم‏ (6) .

و الخطبة هذه كما ترى واحدة، مع ما فيها من استشهاد بآيات من سور نازلة فيما بعد. و لكنّ ابن اسحاق قد روى الخطبتين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن:

أنه قام فيهم، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد أيها الناس، فقدّموا لأنفسكم، تعلّمنّ و اللّه ليصعقن أحدكم ثم ليدعنّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولنّ له ربّه و ليس له ترجمان و لا حاجب يحجبه دونه: أ لم يأتك رسولي فيبلّغك؟و آتيتك مالا و أفضلت عليك، فما قدّمت لنفسك؟فلينظرنّ يمينا و شمالا

____________

(1) العنكبوت: 3.

(2) الحج: 78.

(3) الحج: 78 الاّ أن الضمير فيها الى ابراهيم عليه السّلام.

(4) الأنفال: 42.

(5) الكهف: 39. و ما عداها و ق و القصص و العنكبوت مدنيات نزلن في فترات متباعدة بعد هذه الفترة، و هذا مما يفتّ في عضد هذا الخبر.

(6) الطبري 2: 394، 395 و رواها الطبرسي في مجمع البيان 10: 432 بلا إسناد.

18

فلا يرى شيئا، ثم لينظرنّ قدّامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار و لو بشق من تمرة فليفعل، و من لم يجد فبكلمة طيّبة، فانّ بها تجزى الحسنة عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف. و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته» .

ثم خطب مرة اخرى فقال:

«إنّ الحمد للّه، أحمده و أستعينه، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا. من يهده اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له. و أشهد أن لا إله الاّ اللّه وحده لا شريك له. إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه تبارك و تعالى، قد أفلح من زيّنه اللّه في قلبه، و أدخله في الاسلام بعد الكفر، و اختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث و أبلغه. أحبّوا ما أحبّ اللّه، أحبّوا اللّه من كل قلوبكم، و لا تملّوا كلام اللّه و ذكره، و لا تقس عنه قلوبكم، فانه من كل ما يخلق اللّه يختار و يصطفي، قد سمّاه اللّه خيرته من الأعمال و مصطفاه من العباد، و الصالح من الحديث و من كلّ ما أوتي الناس من الحلال و الحرام. فاعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا، و اتّقوه حقّ تقاته، و اصدقوا اللّه صالح ما تقولون بأفواهكم، و تحابّوا به بروح اللّه بينكم، إنّ اللّه يغضب أن ينكث عهده، و السلام عليكم» (1) .

و ليس في رواية ابن اسحاق هذه ما في رواية الطبري الاولى من إكثار الاستشهاد بآيات من سور مدنية نازلة بعد في فترات متباعدة بعد هذه الفترة، مما يفتّ في عضد تلك الرواية الاولى للطبري دون هذه الثانية لابن اسحاق.

و في تمام خبر الكليني في «روضة الكافي» عن سعيد بن المسيّب عن علي بن الحسين عليه السّلام قال: ثم راح (بعد العصر) من يومه الى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها، و علي عليه السّلام معه لا يفارقه يمشي بمشيته، و ليس يمرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

____________

(1) سيرة ابن هشام 2: 146، 147.

19

ببطن من بطون الأنصار الاّ قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم فيقول لهم: خلّوا سبيل الناقة فانّها مأمورة. فانطلقت به و رسول اللّه واضع لها زمامها، حتى انتهت الى الموضع الذي ترى-و أشار بيده الى باب مسجد رسول اللّه الذي يصلّى عنده على الجنائز-فوقفت عنده و بركت و وضعت جرانها على الأرض، فنزل رسول اللّه.

و أقبل ابو أيوب مبادرا حتى احتمل رحله فأدخله منزله، و نزل رسول اللّه و عليّ معه (عنده) حتى بني له مسجده و بنيت له مساكنه و منزل علي عليه السّلام، فتحوّلا الى منازلهما (1) . غ

سائر أخبار وصول الرسول:

نقل الطبرسي في «إعلام الورى» عن ابن شهاب الزهري قال: كان ناس من المهاجرين قد قدموا على (بني) عمرو بن عوف قبل قدوم رسول اللّه فنزلوا فيهم... فلما أقبل رسول اللّه و وافى ذا الحليفة سأل عن طريق بني عمرو بن عوف فدلّوه.

فوافى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نزل، و اجتمع إليه بنو عمرو بن عوف و سرّوا به، فنزل على شيخ صالح منهم مكفوف البصر هو كلثوم بن هدم. و بنو عمرو بن عوف من بطون الأوس. فأقبل رسول اللّه يتصفّح الوجوه فلا يرى أحدا من الخزرج.. لما كان بينهم من الحروب و العداوة (2) .

____________

(1) روضة الكافي: 280.

(2) و هنا قال الطبرسي: و روي: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لما قدم المدينة جاء النساء و الصبيان فقلن: -

20

____________

ق-

طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع # وجب الشكر علينا ما دعا للّه داع‏

ثم يعود الى أخبار الرسول في قباء، بينما هذا الخبر عن نساء المدينة، فهو يقحمه بين أخبار قباء.

و قد خلت سيرة ابن اسحاق و ابن هشام و تواريخ اليعقوبي و الطبري و المسعودي عن هذا الخبر. و لعل أول من نقله هو البيهقي (ت 458) في دلائل النبوة 2: 233 ثم ابن حجر (ت 852) في فتح الباري 7: 204 ثم السمهودي (ت 911) في وفاء الوفاء 4: 1172 ثم الديار بكري (ت 982) في تاريخ الخميس 1: 341 ثم الحلبي (ت 1044) في سيرته 2:

54.

و السمهودي نقلها و قال: و لم أر لثنيّة الوداع ذكرا في سفر من الأسفار التي بجهة مكة.

و قد قال قبله ياقوت الحموي (ت 626) في معجم البلدان 2: 85: الثنيّة: كل عقبة في الجبل مسلوكة، و ثنية الوداع-بفتح الواو-ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، سمّي لتوديع المسافرين. و كذلك في مراصد الاطلاع 1: 301.

فقال السمهودي يرده: إن ثنيّات الوداع ليست من جهة مكة و لا يراها القادم من مكة الى المدينة و لا يمر بها الاّ اذا توجه الى الشام فهي من جهة الشام. و الظاهر أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة، و أن ذلك عند القدوم في الهجرة. و دور بني ساعدة في شامي المدينة، فلعله دخل المدينة من تلك الناحية.

و لكن من نقل الخبر قال: ثم عدل ذات اليمين حتى نزل بقباء. فهل مرّ على بني ساعدة في المدينة قبل نزوله بقباء؟!هذا من المستبعد جدّا.

و روى ابن شبّة في تاريخ المدينة 1: 269 بسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: انما سميت ثنية الوداع لأن رسول اللّه أقبل من خيبر و معه المسلمون و معهم ازواجهم بالمتعة فقال لهم: دعوا ما بأيديكم من نساء المتعة. فارسلوهن فسمّيت ثنية الوداع، لتوديع-

21

فلما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله صلاة المغرب و العشاء الآخرة جاء أسعد بن زرارة مقنّعا فسلّم على رسول اللّه ثم قال: يا رسول اللّه، ما ظننت أن أسمع بك في مكان فأقعد عنك، الا أنّ بيننا و بين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن آتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك!

فقال رسول اللّه للأوس: من يجيره منكم؟

فقالوا: يا رسول اللّه، جوارنا في جوارك، فأجره.

قال: لا، بل يجيره بعضكم. فقال عويم بن ساعدة و سعد بن خيثمة: نحن نجيره، فأجاروه، فكان يختلف الى رسول اللّه فيتحدث عنده و يصلي خلفه.

فلما أمسى رسول اللّه فارقه أبو بكر و دخل المدينة و نزل على بعض الأنصار، و بقي رسول اللّه بقبا نازلا على كلثوم بن هدم.

فجاء أبو بكر فقال: يا رسول اللّه تدخل المدينة، فإنّ القوم متشوّقون إلى نزولك عليهم. فقال: لا أريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي عليه السّلام.

فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي!فقال: بلى ما أسرعه إن شاء اللّه.

فبقي خمسة عشر يوما فوافى علي عليه السّلام بعيال الرسول و عياله.

و بقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد قدوم علي يوما أو يومين، ثم ركب راحلته فاجتمع إليه بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول اللّه، أقم عندنا فانا أهل الجدّ و الجهد و الحلقة و المنعة!فقال: دعوها فانها مأمورة (أي الناقة) .

____________

ق-اللاتي استمتعوا بهن، كما في وفاء الوفاء 2: 275 و خلاصته: 361. فليست من قبل مكة، و لا كانت عند الهجرة بهذا الاسم. و يقال لها اليوم: كشك يوسف پاشا العثماني لانه هو الذي نقر الثنية و مهّد طريقها سنة 1914 م كما في هامش تاريخ المدينة.

22

و بلغ سائر الأوس و الخزرج خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلبسوا السلاح و أقبلوا يعدون حول ناقته، و أخذ لا يمرّ بحيّ من أحياء الأنصار الاّ وثبوا في وجهه و أخذوا بزمام ناقته و تطلّبوا إليه أن ينزل عليهم. و رسول اللّه يقول: خلّوا سبيلها فانها مأمورة.

و كان خروج رسول اللّه من قبا يوم الجمعة، فوافى بني سالم عند زوال الشمس، فعرض له بنو سالم و قالوا: هلّم يا رسول اللّه الى الجدّ و الجلد و الحلقة و المنعة!و قد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول اللّه، فبركت ناقته عند مسجدهم!فنزل في مسجدهم و صلّى بهم الظهر الى بيت المقدس، و خطبهم، و كانوا مائة رجل. فكان أول مسجد خطب فيه رسول اللّه بالجمعة (1) .

ثم ركب رسول اللّه ناقته و أرخى زمامها، فانتهت به الى عبد اللّه بن أبيّ بن سلول و هو صلّى اللّه عليه و آله يقدّر أنه يعرض عليه النزول عنده فوقف عليه، فثارت الغبرة، فأخذ كمّه و وضعه على أنفه و قال: يا هذا اذهب الى الذين غرّوك و خدعوك و أتوا بك، فأنزل عليهم و لا تغشانا في ديارنا!

فقال سعد بن عبادة: يا رسول اللّه لا يعرض في قلبك من قول هذا شي‏ء، فانا كنا قد اجتمعنا على أن نملّكه علينا، و هو يرى-الآن-أنك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فانزل عليّ يا رسول اللّه، فانه ليس في الخزرج-و لا في الأوس-اكثر فم بئر منّي، و نحن أهل الجلد و العزّ، فلا تجزنا يا رسول اللّه.

فأرخى زمام ناقته، فمرت تخبّ به حتى انتهت الى باب المسجد الذي هو اليوم، و كان مربدا ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل و سهيل، و كانا في حجر

____________

(1) بينما مرّ في خبر الكليني عن علي بن الحسين عليه السّلام: أنه خطّ مسجدهم و نصب قبلتهم و صلّى بهم فيه الجمعة و خطب خطبتين، و سيأتي ذكر الخطبتين.

23

أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيّوب خالد بن يزيد، فنزل عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلما نزل اجتمع عليه الناس و سألوه أن ينزل عليهم، فوثبت أم أبي أيوب الى الرحل فحملته و ادخلته منزلها. فلما أكثروا عليه قال رسول اللّه:

أين الرحل؟فقالوا: أم أبي أيوب قد ادخلته بيتها. فقال: المرء مع رحله. و أخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحوّلها الى منزله.

و كان أبو أيوب له منزل أسفل، و فوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي، العلوّ أحبّ إليك أم السفل؟فأني اكره أن أعلو فوقك؟فقال: السفل أرفق لمن يأتينا.

و كانوا يتناوبون في بعثة العشاء و الغداء إليه: أسعد بن زرارة، و سعد بن خيثمة (1) و المنذر بن عمرو، و سعد بن الربيع، و أسيد بن حضير. فكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء، في قصعة ثريد عليها عراق لحم، فكان يأكل من جاء حتى يشبعون ثم ترد القصعة كما هي، و كان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل يوم عشاء و يتعشى معه من حضره و ترد القصعة كما هي. و وافى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الصلاة و قد حمل أسيد بن حضير قدر الطعام بنفسه فقال له:

حملتها بنفسك؟قال: نعم يا رسول اللّه لم أجد أحدا يحملها. فقال: بارك اللّه عليكم من أهل بيت‏ (2) .

____________

(1) لعلّ في هذا سهوا، فان سعد بن خيثمة الأنصاري من بني عمرو بن عوف في قباء، و كان عزبا كما مرّ، فلعله كان يتكفل ذلك اذ كان الرسول عندهم في قباء لا في المدينة.

(2) و هنا أيضا نقل الطبرسيّ عن (دلائل النبوة) للبيهقي عن أنس بن مالك: أنّ ناقة الرسول لما بركت على باب أبي أيّوب بجوار أسعد بن زرارة من بني النجار خرجن جوار لهم يضربن بالدفوف و يقلن: -

24

بناء مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

و نقل عن عليّ بن ابراهيم القمي قال: و كان صلّى اللّه عليه و آله يصلي بأصحابه في المربد (1) فقال لأسعد بن زرارة: اشتر هذا المربد من أصحابه.. فاشتراه بعشرة دنانير. و كان فيه ماء مستنقع فأمر به رسول اللّه فسيل، و أمر باللبن فضربت.

و حفروا في الأرض، ثم أمر بالحجارة فنقلت إليه من الحرّة (موضع الحجارة السود خارج المدينة) فأقبل رسول اللّه يحمل حجرا على بطنه، فاستقبله اسيد بن حضير فقال: يا رسول اللّه أعطني أحمل عنك. قال: لا، اذهب فاحمل غيره.

____________

ق-

نحن جوار من بني النجار # يا حبّذا محمد من جار!

فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: أ تحبّونني؟!فقالوا: إي و اللّه يا رسول اللّه. فقال: و أنا و اللّه احبّكم. ثلاث مرّات.

و الخبر في دلائل النبوة 2: 234 هو أول من رواه، و لم يروه ابن اسحاق و ابن هشام و اليعقوبي و الطبري و المسعودي.

و هنا نلفت النظر الى أنّ البيهقي كذلك هو أول من نقل خبر شعر جواري المدينة في استقبال الرسول صلّى اللّه عليه و آله: طلع البدر علينا. و الكلام هنا هو الكلام السابق، فالسند غير تام.

و قد قال العلامة الحلي رحمه اللّه في كتابه: نهج الحق و كشف الصدق: قد رووا عنه عليه السّلام، أنه: «لما قدم من سفر خرجن إليه نساء المدينة يلعبن بالدفّ فرحا بقدومه و هو يرقص باكمامه» ثم علّق عليه بقوله: هل يصدر هذا عن رئيس أو من له أدنى وقار؟!نعوذ باللّه من هذه السقطات!مع أنه لو نسب أحدهم الى مثل هذا قابله بالشتم و السبّ و تبرّأ منه، فكيف يجوز نسبة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الى مثل هذه الأشياء التي يتبرّأ منها؟!كما في نهج الحق و كشف الصدق: 151، و دلائل الصدق 1: 389.

(1) المربد: موضع نزول الابل، و تجفيف التمور.

25

فنقلوا الحجارة (يضعونها في حفرة الجدار) حتى بلغ وجه الأرض فبناه بالسعيدة:

لبنة لبنة، ثم بناه بالسميط و هو لبنة و نصف، ثم بناه بالانثى و الذكر: لبنتين مخالفتين، حتى رفع الحائط قدر قامة في مائة ذراع‏ (1) .

هذا، و قد روى الكليني في «فروع الكافي» بسنده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: كم كان طول مسجد رسول اللّه؟قال: كان ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع مكسّرة (2) .

و ظاهر الخبر السابق عن علي بن ابراهيم القمي: أن الأنحاء الثلاثة في البناء كان في مرة واحدة. بينما روى الخبر الكليني أيضا عنه بسنده عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه الصادق يقول: إن رسول اللّه بنى مسجده بالسميط، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول اللّه لو أمرت بالمسجد فزيد فيه. فقال: نعم.

فزيد فيه، و بناه بالسعيدة. ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول اللّه لو أمرت بالمسجد فزيد فيه. فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه و بنى جداره بالانثى و الذكر.

و قال: و السميط: لبنة لبنة، و السعيدة: لبنة و نصف، و الذكر و الانثى لبنتان مختلفتان‏ (3) .

و تمام الخبر: ثم اشتد عليهم الحرّ فقالوا: يا رسول اللّه لو أمرت بالمسجد فظلّل. فقال: نعم. فأمر به فاقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليه العوارض و الخصف و الأذخر.

____________

(1) إعلام الورى 1: 159 بتغيير يسير في الترتيب. و نقله القطب الراوندي في قصص الأنبياء: 338.

(2) فروع الكافي 1: 81 و 317. و الصدوق في الفقيه 1: 75 و الطوسي في التهذيب 1:

327. كما في الوسائل 3: 546.

(3) فروع الكافي 1: 81 و الصدوق في معاني الأخبار: 51 و الطوسي في التهذيب 1: 327.

26

فعاشوا فيه حتى أصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكفّ عليهم، فقالوا: يا رسول اللّه لو أمرت بالمسجد فطيّن. فقال صلّى اللّه عليه و آله: لا، عريش كعريش موسى عليه السّلام. فلم يزل كذلك حتى قبض.

و قال ابن شهرآشوب في «المناقب» : روي: أنه كان أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يستقبلونه و ينصرفون عند الظهيرة، فدخلوا يوما، فقدم النبيّ فأوّل من رآه رجل من اليهود فلما رآه صرخ باعلى صوته: يا بني قيلة (1) هذا جدّكم‏ (2) قد جاء.

فنزل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على كلثوم بن هدم، و كان يخرج فيجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة (3) .

و كان مقام علي عليه السّلام بعد النبيّ بمكة ثلاث ليال، ثم لحق برسول اللّه فنزل معه. فأقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقباء يوم الاثنين و الثلاثاء، و الأربعاء و الخميس، و أسّس مسجده. و في يوم الجمعة (رحل) فصلى (صلاة) الجمعة في بطن وادي رانوناء في المسجد، فكانت أول صلاة (جمعة) صلاها بالمدينة.

(و كان الوادي لبني سالم بن عوف من الأوس أيضا) فأتاه غسّان بن مالك و عباس بن عبادة في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول اللّه، أقم عندنا في العدد و العدة و المنعة. فقال: خلّوا سبيلها فانها مأمورة (يعني ناقته) .

ثم تلقاه زياد بن لبيد و فروة بن عمرو في رجال من بني بياضة. فقال كذلك.

ثم اعترضه سعد بن عبادة و المنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة (من

____________

(1) أم الأوس و الخزرج.

(2) أي: عظيمكم أو حظّكم.

(3) و مرّ ما انفرد به اليعقوبي 2: 41.

27

الخزرج فقال كذلك) . ثم اعترضه سعد بن الربيع و خارجة بن زيد و عبد اللّه بن رواحة في رجال من بني الحارث ابن الخزرج (فقال كذلك) .

فانطلقت (الناقة) حتى اذا وازت دار بني النجار بركت على مربد لغلامين يتيمين منهم، فلما بركت و لم ينزل رسول اللّه و ثبت فسارت غير بعيد ثم التفتت الى خلفها فرجعت الى مبركها أول مرة فبركت، ثم تحلحلت و رزمت و وضعت جرانها (1) فنزل عنها رسول اللّه، و احتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، و نزل النبيّ في بيت أبي أيّوب.

و سأل عن المربد فأخبر أنه لسهل و سهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، و أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ببناء المسجد، و عمل فيه رسول اللّه بنفسه، فعمل فيه المهاجرون و الأنصار، و أخذ المسلمون يرتجزون و هم يعملون قال بعضهم:

لئن قعدنا و النبيّ يعمل # لذاك منّا العمل المضلّل‏

و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول:

لا عيش الاّ عيش الآخرة # اللهم ارحم الأنصار و المهاجرة

و عليّ عليه السّلام يقول:

لا يستوي من يعمل المساجدا # يدأب فيها قائما و قاعدا

و من يرى عن الغبار حائدا ثم بنيت مساكنه‏ (2) و بيوته، فانتقل من بيت أبي أيوب إليها.

____________

(1) أي تحركت و تثاقلت و وضعت رقبتها على الأرض لتبرك فيه.

(2) كما في ابن هشام 2: 143 و في وفاء الوفاء 2: 462 عن الذهبي: أنه صلّى اللّه عليه و سلم بنى أولا بيت سودة ثم لما احتاج الى منزل لعائشة بناه و هكذا سائر بيوته بناها في اوقات مختلفة.

غ

28

و كان مدة مقامه عنده من شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة القابلة (1) . غ

وفاة أسعد بن زرارة و صلاة الجنائز:

قال ابن اسحاق: و هلك في تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة، أخذته الذبحة أو الشهقة. هذا و المسجد يبنى.

ثم روى عن ابن حزم، عن حفيد أسعد بن زرارة: يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة (عن أبيه عن جده) : أن رسول اللّه قال: بئس الميّت أبو أمامة!ليهود و منافقي العرب يقولون: لو كان نبيّا لم يمت صاحبه!و لا أملك لنفسي و لا لصاحبي من اللّه شيئا (2) .

و هذا أول مورد ورد فيه ذكر المنافقين في المدينة.

و روى النميري البصري عن الواقدي بسنده عن محمد بن عبد الرحمن ابن أسعد بن زرارة (عن أبيه) قال: كان أسعد بن زرارة أول ميت بالمدينة من الأنصار، و دفن بالبقيع، و لم يكن قبل ذلك صلاة على الجنائز (3) .

و ظاهر هذا الخبر أنه جمع لأسعد بن زرارة الأوّلين: فهو أول من صلي على جنازته، و هو أول من دفن بالبقيع.

بينما روى النميري البصري خبرا رواه الحاكم الحسكاني بسنده عن أبي

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 1: 184-186 يبدو أنه مختصر خبر سيرة ابن هشام 2: 138- 142 ما دون مدة اقامته بدار أبي أيوب، و قيل سبعة أشهر و قيل شهرا واحدا كما في وفاء الوفاء 1: 265 و السيرة الحلبية 2: 64، و القول الوسط أضبط، كما سيأتي ذلك.

(2) ابن هشام 2: 153.

(3) تاريخ المدينة 1: 96.

29

سعيد الخدري قال: إن أول ما قدم رسول اللّه المدينة، كان اذا احتضر منّا الميت آذنّا رسول اللّه فحضره و استغفر له، حتى اذا قبض انصرف النبيّ-صلى اللّه عليه [و آله‏]-فربما طال حبس رسول اللّه على ذلك، و خشينا مشقة ذلك عليه، فقال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبيّ بأحد حتى يقبض فاذا قبض آذنّاه فلم يكن عليه في ذلك حبس و لا مشقة. فكنا نؤذنه بالميّت بعد أن يموت فيأتيه و يصلي عليه.. فكنّا على ذلك حينا. ثم قلنا: لو لم نشخص رسول اللّه بل حملنا جنائزنا إليه حتّى يصلي عليها عند بيته كان ذلك أرفق به، ففعلنا ذلك‏ (1) . غ

يثرب أم طيبة؟

روى النميري البصري (ت 262) بسنده عن عبد اللّه بن جعفر قال: سمّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم المدينة طيبة.

أمّا متى كان ذلك؟

فقد روى بسنده عن أبي قتادة الأنصاري و سهل بن سعد الساعدي قال:

لما أقبلنا من غزوة تبوك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: هذه طيبة، أسكننيها ربّي‏ (2) .

إذن فتغيير اسم المدينة من يثرب الى طيبة لم يكن في أوائل الهجرة.

____________

(1) و روى عن الزهري قال: كان اذا هلك الميّت شهده رسول اللّه فصلى عليه، و لما بدن رسول اللّه و ثقل نقل إليه المؤمنون موتاهم فيصلي عليهم في موضع الجنائز عند بيته.

و روى: أنه كان في موضع الجنائز (عند بيته و المسجد) نخلتان، كانوا يضعون الموتى عندهما فيصلي عليهم. فلما أراد عمر بن عبد العزيز أن يبني المسجد فيوسّعه ابتاع النخلتين من بني النجّار و قطعهما. تاريخ المدينة 1: 3-5.

(2) تاريخ المدينة 1: 163، 164.

غ

30

آبار المدينة و سيولها:

ذكر النميريّ البصريّ ستّ عشرة بئرا هي: الأعواف، و هي التي اشتراها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيما بعد و توضأ فيها فسالت، فجعلها صدقة جارية عامة (1) .

الأغرس، توضّأ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله منها و أراق بقية وضوئه فيها، و هي بئر على نصف ميل من الشمال الشرقي من مسجد قباء (2) .

بئر أنس أو البرود، و المقصود أنس بن مالك الأنصاري قال: كان في داري بئر تدعى في الجاهلية «البرود» (3) .

بضاعة، كانت طيّبة الماء في وسط بيوت بني ساعدة، فكان يستقى منها للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقيل له: قد يلقى فيها محائض النساء و لحوم الكلاب؟فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شي‏ء (4) .

البويرمة، لبني الحارث بن الخزرج‏ (5) .

الجاسوم، كانت للهيثم بن التيهان، و شرب منه النبي صلّى اللّه عليه و آله‏ (6) .

الحاء، كانت في بستان لأبي طلحة الأنصاري في قبلة المسجد من جهة الشرق (اذ كانت القبلة الى الشام) و كان ماؤها طيّبا فكان رسول اللّه يدخل البستان فيشرب منها، فتصدق بها أبو طلحة (أو أهداها للنبيّ) فلما أهدى حسان

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 159.

(2) تاريخ المدينة 1: 161 و هامشه.

(3) تاريخ المدينة 1: 160.

(4) تاريخ المدينة 1: 156، 157 و مراصد الاطلاع 1: 140.

(5) تاريخ المدينة 1: 169.

(6) تاريخ المدينة 1: 160.

31

ابن ثابت مولاه صفوان بن المعطل للنبيّ، أعطاه النبيّ بئر حاء (1) هديّة معوّضة.

الحفير في الحرّانيّة، كان إذا طغى سيل مهزوز و خيف منه على المدينة صرف الى الحفير فصبّ فيها، و كان يصب فيها سهل مذينيب أيضا (2) .

بئر رومة، و رومة أرض نزلها المشركون عام الخندق بين الجرف و رعانة، و فيها البئر. و اختلفت الأخبار فيها على أنّها: كانت ليهوديّ، أو لرجل من مزينة، أو لرجل من بني غفار، و كان يبيع منها القربة بمدّ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: بعنيها بعين في الجنة. فقال: يا رسول اللّه ليس لي و لا لعيالي غيرها و لا أستطيع.

قالوا: فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمس و ثلاثين الف درهم و جعلها للمسلمين.

و قالوا: اشتراها بأربعين الفا.

و قالوا: بل ذكرت لعثمان و هو خليفة فابتاعها بثلاثين الف درهم من مال المسلمين و تصدق بها عليهم‏ (3) و هو الأولى.

بئر ذرع، بئر بني خطمة، بفناء مسجدهم، توضّأ منها النبيّ و بصق فيها (4) .

السقيا، كانت في حسيكة، و هي اسم موضع بالمدينة طرف جبل ذباب، و بها منازل لليهود، من ناحية أرض ابن ماقية الى أداني الجرف كلّه، و اسم أرض السقيا الفلج أو الفلجان، و اسم بئرها السقيا، و كانت لذكوان بن عبد قيس

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 157، 158.

(2) تاريخ المدينة 1: 169.

(3) تاريخ المدينة 1: 153، 154.

(4) تاريخ المدينة 1: 161.

32

الزرقي، فابتاعها منه سعد بن أبي وقاص فيما بعد ببعيرين، و كان ماؤها عذبا يستقى منه لرسول اللّه‏ (1) .

العينيّة، عند كهف بني حرام، توضّأ منها النبيّ و دخل ذلك الكهف‏ (2) .

الغرس، كانت في دار سعد بن خيثمة في قباء، و كان الى جانبها مهراس و هو حجر منقور كالحوض عظيم لا يقدر على تحريكه، يتوضّأ منه، توضأ و شرب و غسّل منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام‏ (3) .

بئر مدرى، كان في مسير سيل المهزور الى مسجد النبيّ، و عندها بني الردم لردّ السيل عن المدينة و المسجد، في خلافة عثمان‏ (4) .

اليسيرة، و هي لبني أمية من الأنصار (لا المهاجرين) توضّأ منها النبيّ و بصق فيها للبركة، و هو سماها «اليسيرة» (5) .

الهجير، بئر بالحرّة فوق قصر ابن ماه‏ (6) .

و للمدينة أودية ثلاث: بطحان، و العقيق، و القناة.

فأما البطحان، فهو الوادي المتوسط بين بيوت المدينة، و يبدأ السيل فيه من ذي الجدر، و هي قرارة في الحرّة اليمانية، يصب في شرقي ابن الزبير و على جفاف و و مرقبة و بني حجر، و بني كلب، و الحساة، حتى يفضي الى فضاء بني خطمة، و الأغرس، ثم يرد الجسر، ثم يستبطن الوادي حتى يصير في زغابة.

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 158، 159 و هامشها.

(2) تاريخ المدينة 1: 160.

(3) تاريخ المدينة 1: 162.

(4) تاريخ المدينة 1: 169.

(5) تاريخ المدينة 1: 161.

(6) تاريخ المدينة 1: 169 و الحرّة اسم لارض ذات أحجار سود كأنها محترقة بالنار.

33

و يظهر أن هذا السيل كان نافعا غير ضارّ و لذا روى النميري البصري بسنده عن عائشة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: إن بطحان على ترعة من ترع الجنة (1) .

و كان يسيل فيه سيل آخر يدعى الرانونا، يأتي من جبل في يماني عير و من حرس في شرق الحرّة، ثم يصبّ على صريحة، ثم يتفرّق في الصفاصف، فيصبّ في أرض القصبة و يستبطنها حتى يمرّ عن يمين قباء، ثم يدخل غوساء، ثم بطن ذي خصب، ثم يقرن بذي صلب، ثم يستبطن السّراة حتى يمرّ على قعر البركة، ثم يفترق فرقتين، فتمرّ فرقة على بئر جشم تصبّ في سكة الخليج حتى يفرغ في وادي بطحان‏ (2) .

و أما سيل وادي العقيق، فهو يأتي من موضع يقال له بطاويح، و هو حرس من الحرّة، و من غربيّ شطاي، حتى يصبّا جميعا في النقيع، و هو من المدينة على أربعة برد في يمانيها، ثم يصب في غدير يلبن و برام، و يدفع فيه وادي البقاع، و تصبّ فيه نقعاء، فيلتقين بأسفل موضع يقال له البقع، ثم يذهب السيل مشرّقا فيصبّ على مزادتين يستقى منهما، ثم يستجمعن بوادي ربر في أسفل الحليفة العليا، ثم يصبّ على الاتمة و على الجام، ثم يفضي الى وادي الحمراء فيتبطّن الوادي، حتى ينتهي الى ثنيّة الشريد، ثم يفضي الى الوادي، فيأخذ في ذي الحليفة، ثم يستبطن الوادي فتصب عليه شعاب الجمّاء و نمير، ثم يستبطن بطن الوادي ثم يفترش سيل العقيق يمنة و يسرة ثم يستجمع حتى يصب في زغابة، و كان سيلا مباركا (3) .

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 167، 168.

(2) تاريخ المدينة 1: 168.

(3) تاريخ المدينة 1: 165-167.

34

و أما بطن وادي مهزوز فهو الذي كان يتخوّف منه الغرق على أهل المدينة.

و هو يأخذ من شرقيّ الحرّة، و من هكر، و حرّة صفة، حتى يأتي على جبال بني قريظة (اليهود) ثم يسلك فيه شعب فيأخذ في واد يقال له مذينيب بين بيوت بني أمية بن زيد، ثم يلتقي هو و سيل بني قريظة بالمشارف، ثم يجتمع الواديان مهزوز و مذينيب فيفترقان في الأملاك ثم يأخذ بطن الوادي ثم يأخذ في البقيع حتى يخرج على بني جديلة ببطن مهزوز، و آخره كومة أبي الحمراء ثم يفضي فيصبّ في وادي قناة.

و روى بسنده عن الصادق عن أبيه الباقر عليهما السّلام قال: قضى رسول اللّه في سيل مهزوز: أنّ لأهل النخل الى العقبين، و لأهل الزرع الى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.

و روى بسنده عن محمد بن اسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك، عن أبيه ثعلبة، و كان امام مسجد بني قريظة، قال: قضى رسول اللّه في مهزوز و وادي بني قريظة: أن الماء الى العقبين، لا يحبس الأعلى على الأسفل و يحبس الأسفل على الأعلى.

و تجتمع هذه السيول في وادي زغابة و هو طرف وادي إضم، و انما سمّي اضم لانضام السيول به و اجتماعها فيه، ثم تجتمع فتنحدر على عين أبي زياد، ثم تنحدر فيلقاها شعاب يمنة و يسرة، ثم يلقاها وادي مالك بذي خشب و الجنينة، ثم يلقاها وادي أوان و دوافعه من الشرق، و يلقاها من الغرب واد يقال له بواط و الخراز، و يلقاها من الشرق وادي الأتمة، ثم تمضي في وادي إضم و عيونه حتى يلقاه وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، و يلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو و وادي العيص من القبلة، ثم يلقاها دوافع واد يقال له حجر،

35

و وادي الجزل الذي به السقيا و الرجة في نخيل ذي المروة مغرّبا، ثم يلقاها وادي عمودان في أسفل ذي المروة، ثم يلقاه وادي سفيان، ثم يفضي الى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في الغمر من ثلاثة أمكنة في البحر يقال لها: اليعبوب، و حقيب و النتيجة (1) . غ

أسواق المدينة في الجاهلية و الاسلام:

روى النميري البصري عن أبي غسّان قال: كان بالمدينة في الجاهلية: سوق بزبالة، بالناحية التي تدعى يثرب. و سوق بالجسر في بني قينقاع، و سوق بالصفاصف و العصبة (غربيّ مسجد قباء) . و سوق في زقاق ابن حبين يقال له المزاحم، كانت تقوم في الجاهلية و أول الاسلام‏ (2) .

و روى الشافعي في «الام» عن الامام الصادق عليه السّلام قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يخطب يوم الجمعة، و كان لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل و الابل و الغنم و السمن.

و لعله السوق الذي روى النميري البصري عن عائشة أنها قالت: كان يقال لسوق المدينة: بقيع الخيل.

و عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول اللّه أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع (بالجسر) ثم جاء الى سوق المدينة فضربه برجله و قال:

هذا سوقكم فلا يضيّق و لا يؤخذ فيه خراج‏ (3) .

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 169-173.

(2) تاريخ المدينة 1: 306.

(3) تاريخ المدينة 1: 304-306 و بهامشها.

غ

36

الدور حول المسجد:

بنيت حول المسجد دور، اتخذ منها عبد الرحمن بن عوف دورا متعددة:

منهنّ الدار التي كان يقال لها «الدار الكبرى» ، و انما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، و قد بنى فيها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بيده، و كان عبد الرحمن ينزل فيها ضيفان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فكانت تسمّى «دار الضيفان» و كانت على عهد النميري البصري (ت 262 هـ) بيد بعض ولد عبد الرحمن بن عوف.

و منهن «دار القضاء» و انما سميت بذلك لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر. باعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن ابي سفيان، و كان فيها الدواوين و بيت المال فهدمها ابو العباس السفاح العباسي فصيرها رحبة للمسجد، فهي اليوم كذلك (على عهد النميري البصري) .

و منهن دار وهبها عبد الرحمن بن عوف فيما بعد لعبد اللّه بن مكمّل بن عوف (ابن اخيه) و باعها آل مكمل من المهدي العباسي فكانت بأيدي بعض ولده (ثم ادخلت في المسجد) و منهن دار أنزلها ابن عوف فيما بعد مليكة بنت سنان المرية، قدمت المدينة في خلافة أبي بكر فقال: من ينزل هذه المرأة فأنزلها عبد الرحمن داره، فسميت دار مليكة. ثم باعها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف من عبد اللّه ابن جعفر رضى اللّه عنه فباعها عبد اللّه من معاوية بن أبي سفيان، فلما ولي المهدي العباسي أدخلها في المسجد.

و كنّ هذه الدور ثلاث يدعين «القرائن» و هي ثلاث جنابذ (أي قبب)

37

أدخلن في المسجد (1) .

و روى النميري البصري بسنده عن يحيى بن جعدة قال: لما قدم رسول اللّه المدينة أقطع الدور للناس‏ (2) .

ثم قال النميري البصري: و قد أخبرني مخبر: أن منها دار نعيم بن عبد اللّه النحام العدوي، التي بابها باتجاه زاوية رحبة دار القضاء فهي بأيدي ولده على حيازة الصدقات‏ (3) و هي في غربيّ المسجد جوار دار ابن مكمل و الطريق بينهما قدر ست أذرع.

ثم الى جنب دار النحام: الدار التي منها اطم حسّان بن ثابت التي كان يقال لها «الفارع» و التي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية، و صارت الى جعفر بن يحيى البرمكي ثم صودرت منه.

ثم دار كانت لسكينة بنت الحسين بن علي عليهما السّلام ثم صارت الى نصير أو معين مولى المهدي (او نصير صاحب المصلى) .

ثم الى جنبها الطريق ست أذرع.

ثم الى جنب الطريق: دار كانت لعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رضى اللّه عنه، و هي الدار التي صارت لمنيرة مولاة أمّ موسى الهادي العباسي‏ (4) ، ثم صارت بعد

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 232-235.

(2) تاريخ المدينة 1: 242.

(3) تاريخ المدينة 1: 247 بينما قال ابن حجر في الاصابة 3: 538: ذكر عمر بن شبّة في أخبار المدينة عن أبي عبيد المدني قال: ابتاع مروان من النحام داره بثلاثمائة درهم فأدخلها في داره. و النحام هنا ابراهيم بن نعيم. و هذا يخالف ما نقلناه هنا عن المؤلف و الكتاب نفسهما.

(4) تاريخ المدينة 1: 258.

غ

38

ليحيى بن خالد البرمكي، ثم صودرت‏ (1) .

ثم الى جنبها حشّ (أي نخل صغار لا تسقى) لطلحة بن أبي طلحة الأنصاري، ثم صارت لآل برمك ثم صودرت و هي اليوم خراب.

ثم الى جنبها الطريق خمس أذرع.

ثم الى جنب الطريق أبيات كانت لحباب مولى عتبة بن غزوان ثم صارت لخالصة مولاة الخليفة العباسي، فباعتها لابني حرملة الأسود الفزّي مولى هارون الرشيد.

ثم الى جنبها دار لأبي المغيث بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أوقفها صدقة بيد بني عذير.

ثم الى جنبها بقية دار عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه، صارت لجعفر بن يحيى البرمكي ثم صودرت منه (هذا كله في غربيّ المسجد) .

ثم من الشرق: دار ابتاعها عبيد اللّه بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهم السّلام و شاركه فيها موسى بن ابراهيم المخزومي، و ظن عبيد اللّه أنّ موسى يريد الربح فتركها له.

ثم دار عمرو بن العاص ثم دار خالد بن الوليد ثم دار جبلة بن عمر الساعدي، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، ثم صارت الى أسماء بنت الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس.

ثم دار ربطة بنت أبي العباس، و هي اليوم لولدها.

ثم الطريق بينها و بين دار عثمان بن عفان خمس أذرع.

ثم دار عثمان... ثم الطريق بعد دار عثمان.

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 234.

39

ثم دار أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه، الذي نزله رسول اللّه، و ابتاعه منه المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، و جعل فيه ماء يستقى منه في المسجد.

ثم الى جنبه دار حارثة بن النعمان الأنصاري، فصارت الى جعفر بن محمد ابن علي الصادق عليه السّلام.

ثم الطريق بينها و بين دار ابراهيم بن هشام المخزومي، فصارت الى أبي مسلم مولى بني العباس ثم إلى جنبها بيت عامر بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام، ثم دار عبد اللّه بن عمر بن الخطاب العدوي‏ (1) .

هذه هي كل الدور التي ذكرها النميري البصري في كتابه «أخبار المدينة» تحت عنوان: «الدور الشوارع على مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اليوم» و لذلك لم يذكر فيها من دور بني هاشم سوى دور: عبد اللّه بن جعفر، و ذكر أنه اشتراها من سهيل بن عبد الرحمن بن عوف. و دار سكينة بنت الحسين عليه السّلام، و دار الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام اشتراها من حارثة بن النعمان الأنصاري، و دار عبيد اللّه بن الحسين ابن علي بن الحسين عليه السّلام اشتراها. و لم يذكر ما بينها دارا لعلي عليه السّلام شارعة إلى المسجد.

نعم مرّ ذكره لدار عثمان بن عفّان، و ذكر دارا لأبي بكر في ذكره لدور بني تيم قال: و اتخذ أبو بكر دارا قبالة الدار الصغرى لعثمان في زقاق البقيع، و اتخذ دارا أخرى عند المسجد، و هو الذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «سدّوا عنّي هذه الأبواب الاّ ما كان من باب أبي بكر» او قال: «سدّوا عنّي هذه الأبواب الاّ ما كان من خوخة أبي بكر» (2) .

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 256-260.

(2) تاريخ المدينة 1: 242 و علق عليه المحقق نقلا عن النهاية في غريب الحديث و الرواية لابن الأثير 2: 86 الاّ خوخة علي. و الخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين.

40

و قد مرّ عنه: أنّ «دار القضاء» كانت من دور عبد الرحمن بن عوف في رواية، و لكنه قال: و سمعت من غير واحد: أن رحبة القضاء كانت لعمر بن الخطاب، و أنها انما سمّيت رحبة القضاء لأنه أوصى أن تباع بعد وفاته لدين كان عليه، فسمّيت «دار القضاء» فلما ولي معاوية اشتراها، و في سنة ثمان و ثلاثين و مائة هدمها والي المدينة زياد بن عبيد اللّه و جعلها رحبة للمسجد و قسط اجرة هدمها على أهل السوق فلحق كل واحد منهم أربعة دوانيق‏ (1) .

ثم ذكر النميري البصري محالّ القبائل من المهاجرين، فذكر دارا لجهينة بن زيد، و دارين للمصطلق بن سعد و كعب بن عمرو، و ثلاث منازل لبني أفصى، و ثلاث منازل لبني قيس بن عيلان، و اثني عشر منزلا (اثنتي عشرة) اسرة. و من قريش بدأ ببني أسد بن عبد العزّى: الزبير بن العوّام و أخيه عبد الرحمن بن العوّام و حكيم بن حزام و نوفل بن عدي و هبّار بن الأسود و ذؤيب بن حبيب.

و ذكر دار طليب بن كثير من عبد قصي.

و دار عمرو بن العاص من بني سهم.

و دارين لبني محارب بن فهر.

و ثلاث دور لبني جمح.

و أربع دور لبني تيم: أبي بكر و ابنته أسماء و طلحة بن عبيد اللّه و حليفهم صهيب الرومي.

و ست دور لبني عامر بن لؤي منهم عبد اللّه بن أبي سرح (و لم يكن من المهاجرين الأولين) و ثماني دور لبني عدي بن كعب منهم عمر و ابنه عبد اللّه بن عمر.

____________

(1) جمع دانق معرّب: دانه أي واحدة، و هي سدس الدرهم.

41

و ثماني دور لبني مخزوم منهم الأرقم بن أبي الأرقم، و خالد بن الوليد (بعد الفتح) و دارا لعمار بن ياسر حليفهم بناها له عمر عند رجوعه من الشام، وهبتها له أم سلمة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فبعضها اليوم بأيدي بعض ولده، و بعضها باعوها فصارت الى الفضل بن يحيى البرمكي. و كانت لعمار قبلها دار اخرى ادخلت في المسجد في الضلع الغربي اليماني منه.

و ذكر دارا لحليفهم الآخر: خراش بن أميّة الكعبي، و قال: انها كانت بين زقاق الصفّارين و بابها شارع في سوق الخبّازين، و أوقفها على ولده‏ (1) .

و في دور بني زهرة ذكر خمس دور لعبد الرحمن بن عوف الزهري: «دار مليكة» و «دار القضاء» و «الدار الذميمة» و «دار الضيفان الكبرى» و دارا باعها ابنه سهيل لعبد اللّه بن جعفر فباعها لمعاوية فصارت لمنيرة ثم صارت ليحيى البرمكي ثم صودرت. و ذكر أن ثلاثا منها كانت تدعى «القرائن» و «الجنابذ» أي القباب، ادخلت في المسجد.

و اتخذ أخوه عبد اللّه بن عوف دارا فهي صدقة في ولده. و ذكر أن سعد بن أبي وقّاص الزهري اتخذ دارا بالمصلّى عند زقاق الحمارين.

و كانت له داران بالبقّال، و كانت لأبي رافع القبطي دار قريبة فساومه عليها سعد فكان أبو رافع يريدها بخمسمائة دينار، و سعد يقول: لا و اللّه لا أزيدك على أربعة آلاف منجّمة (أي مقسّطة) فناقله أبو رافع على ذلك. ثم أوقفهما سعد على ذريته.

و اتخذ سعد دارا أخرى بالبلاط قبال دار ابراهيم بن هشام المخزومي. فلما قدم سعد من العراق و قاسم أمواله عمر على مقاسمته لأموال عماله قاسمه داره

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 243-246.

42

هذه، بالنصف، فوهب نصفها لامرأة تدعى «جبّى» كانت قد أرضعت عمرا، فكانت بيدها حتى سمعت نقيضا في سقف البيت، فقالت: و اللّه لا سكنت هذا البيت، فخرجت منه ثم باعت الدار لبعض ولد عمر بن الخطاب فهي بأيديهم الى اليوم. و باع سعد النصف الباقي له لعثمان بن عفان باثني عشر الف درهم، ثم صارت لعمرو بن عثمان. و اتخذ اخواه عامر بن أبي وقاص داره، و عتبة بن أبي وقاص داره بالبلاط، و كانت بايدي ولديهما حتى ابتاعه الربيع حاجب المنصور من ولد عتبة بدارهم.

و ذكر لهم دارين آخرين لعبد الرحمن بن ازهر و مخرمة بن نوفل، و هي في زاوية المسجد عند المنارة الشرقية اليمانية، فاشترى المهدي بعضها فأدخله في رحبة المسجد، و صارت بقيتها لآل برمك ثم صودرت اليوم.

و ذكر أن المقداد بن عمرو البهرائي (ابن الاسود الكندي) حليف بني مخزوم اتخذ دارين صارتا الى ولد ابنته من وهب بن عبد اللّه الأسدي، باعوا احداهما ليزيد بن عبد الملك و الاخرى بأيديهم في بني جديلة يقال لها: دار المقداد (1) .

قال ابن اسحاق: فأقام رسول اللّه في بيت أبي أيوب حتى بني له مسجده و مساكنه، ثم انتقل من بيت أبي أيوب الى مساكنه‏ (2) و لم يعين مدة ذلك.

و قد مرّ عن ابن شهرآشوب في «المناقب» قال: كان مدة مقامه عنده من شهر ربيع الأول الى صفر من السنة القابلة (3) و قيل سبعة أشهر، و قيل شهرا واحدا (4) .

____________

(1) تاريخ المدينة 1: 222-241.

(2) سيرة ابن هشام 2: 143.

(3) مناقب آل أبي طالب 1: 186.

(4) وفاء الوفاء 1: 265 و السيرة الحلبية 2: 64.

43

و في «وفاء الوفاء» للسمهودي قال: استظهر الشمس الذهبي: أنه صلّى اللّه عليه و آله بنى أولا بيت سودة، ثم لما احتاج الى منزل عائشة بناه، و هكذا سائر بيوته بناها في أوقات مختلفة (1) .

و سيأتي أن دخوله بعائشة كان في شهر شوال الثامن من هجرته، و كان قد تزوّج بها و بسودة و دخل بها بمكة قبل الهجرة.

و قد خرجت عائشة من مكة الى المدينة مع أخيها عبد اللّه و امها أم رومان و معهم طلحة بن عبيد اللّه التيمي بعد أن رجع إليهم من المدينة عبد اللّه بن اريقط فأخبرهم بمكان أبيهم بالسنح من المدينة (2) .

أما علي عليه السّلام فانما حمل معه أمه فاطمة بنت أسد و معها من بنات الرسول فاطمة و أما سائر بناته: فزينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع، و رقية مع زوجها عثمان في هجرة الحبشة، و أما أمّ كلثوم فقد مرّ أن عكرمة كان قد طلّقها و لم يذكر أنها هاجرت الى الحبشة، و لم يذكر أن عليا عليه السّلام حملها مع اختها فاطمة الى المدينة. و لكن قالوا: إن رسول اللّه بعث أبا رافع القبطي و زيد بن حارثة الكلبي من المدينة الى مكة فحملا إليه زوجته سودة بنت زمعة و سائر بناته‏ (3) بل هي أم كلثوم فقط. و يبدو أنّ ذلك كان قبل دخوله بعائشة لما مرّ أنّ أوّل بيت بناه كان لسودة ثم لعائشة فيبدو أن ذلك كان في الشهر السابع رمضان قبل دخوله بعائشة في الشهر الثامن شوال، و عليه فمدة اقامته بدار أبي أيوب سبعة أشهر و فيها بنى مسجده و بيته.

____________

(1) وفاء الوفاء 2: 462.

(2) الطبري 2: 400 و عنه الكازروني في المنتقى و عنه في بحار الأنوار 19: 129.

(3) الطبري 2: 400 و عنه الكازروني في المنتقى و عنه في بحار الأنوار 19: 129.

غ

44

تشريع أذان الإعلام:

قالوا: و في السنة الاولى من الهجرة شرّع الأذان‏ (1) . و روى محمد ابن اسحاق عن محمد بن ابراهيم، عن محمد بن عبد اللّه، عن أبيه عبد اللّه بن زيد أنه قال: كان رسول اللّه حين قدم المدينة يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، و كان لليهود بوق يدعون به لصلاتهم، فهمّ رسول اللّه أن يجعل لذلك بوقا كبوق اليهود. ثم كرهه. و أمر أن ينحت ناقوس ليضرب به للصلاة.

فبينما هم على ذلك إذ طاف بي طائف: مرّ بي رجل عليه ثوبان اخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد اللّه أ تبيع هذا الناقوس؟قال: و ما تصنع به؟قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أ فلا أدلك على خير من ذلك؟قال:

قلت: و ما هو؟فعلّمه فصول الأذان بلا اقامة، و ليس فيها «حيّ على خير العمل» .

فأتى رسول اللّه فقال له ذلك. فلما أخبر بها رسول اللّه قال: إنها لرؤيا حق ان شاء اللّه، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذّن بها فانه أندى صوتا منك‏ (2) .

«و هناك من أحاديثهم ما هو صريح بأن تلك الرؤيا كانت من أربعة عشر رجلا من الصحابة، كما في «شرح التنبيه» للجبيلي، و رووا أن الرائين تلك الليلة كانوا سبعة عشر رجلا من الأنصار و عمر وحده من المهاجرين، و رووا أن بلالا ممن رأى الأذان أيضا. و ثمة متناقضات في هذا الموضوع أورد الحلبي منها ما يوجب العجب العجاب، و حاول الجمع بينها فحبط عمله.

و الشيخان البخاري و مسلم قد أهملا هذه الرؤيا بالمرة، فلم يخرجاها في

____________

(1) بحار الأنوار 19: 131 عن المنتقى للكازروني.

(2) سيرة ابن هشام 2: 154، 155.

45

صحيحيهما أصلا لا عن ابن زيد، و لا عن ابن الخطّاب، و لا عن غيرهما، و ما ذاك الاّ لعدم ثبوتها عندهما.

نعم أخرجا في باب بدء الأذان من صحيحيهما عن ابن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، و ليس ينادي بها أحد.

فتكلّموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، و قال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود. فقال عمر: الا تبعثون رجلا ينادي للصلاة؟ فقال رسول اللّه: يا بلال قم فناد بالصلاة. فنادى بالصلاة» (1) .

هذا، و قد روى المتّقي الهندي في «كنز العمال» أنهم تذاكروا الأذان عند الحسن عليه السّلام و ذكروا رؤيا ابن زيد، فقال: إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك، أذّن جبرئيل في السماء مثنى مثنى و علّمه رسول اللّه‏ (2) .

و روى القاضي النعمان المصري عن الصادق عليه السّلام قال: سئل الحسين بن علي عليه السّلام عن قول الناس في الأذان: أن السبب فيه كان رؤيا رآها عبد اللّه بن زيد فأخبر بها النبيّ فأمر بالأذان، فغضب عليه السّلام و قال: الأذان وجه دينكم، و الوحي ينزل على نبيّكم و تزعمون أنه أخذ الأذان عن عبد اللّه بن زيد؟!بل سمعت أبي علي بن أبي طالب يقول: أهبط اللّه عزّ و جلّ ملكا حين عرج برسول اللّه-و ساق حديث المعراج بطوله الى أن قال-فبعث اللّه ملكا لم ير في السماء قبل ذلك الوقت و لا بعده، فأذّن مثنى مثنى و أقام مثنى مثنى. ثم قال جبرئيل للنبيّ: يا محمد هكذا أذّن للصلاة (3) .

____________

(1) النص و الاجتهاد: 230، 231 عن صحيح مسلم 2 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.

(2) عن كنز العمال 6: 277.

(3) دعائم الاسلام 1: 142 و عنه في مستدرك الوسائل 4: 17 ط آل البيت. و مثله عن الجعفريات: 42.

46

و روى الحلبي في سيرته عن أبي العلاء قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنّا لنتحدّث: أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعا شديدا و قال: عمدتم الى ما هو الأصل في شرائع الاسلام و معالم دينكم فزعمتم أنه من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، تحتمل الصدق و الكذب اذ تكون أضغاث أحلام!!فقلت: هذا حديث قد استفاض في الناس!قال: هذا و اللّه هو الباطل، و انما أخبرني أبي: أنّ جبرئيل عليه السّلام أذّن في بيت المقدس ليلة الاسراء و أقام، ثم أعاد جبرئيل الأذان لما عرج بالنبيّ الى السماء (1) .

و روى العيّاشي في تفسيره عن عبد الصمد بن بشير قال: ذكر عند أبي عبد اللّه عليه السّلام بدء الأذان فقيل: إن رجلا من الأنصار رأى في منامه الأذان فقصّه على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأمره رسول اللّه أن يعلّمه بلالا. فقال ابو عبد اللّه: كذبوا، ان رسول اللّه كان نائما في ظل الكعبة فأتاه جبرئيل و معه طاس فيه ماء من الجنة فأيقظه و أمره أن يغتسل به، ثم وضعه في محل له ألف ألف لون من نور، ثم صعد به حتى انتهى الى أبواب السماء... فأمر اللّه جبرئيل فقال: اللّه اكبر، اللّه اكبر...

فأتمّ الأذان و أقام الصلاة، و تقدم رسول اللّه فصلّى بهم.. فهذا كان بدء الأذان‏ (2) .

و لكن هذا لا يعني أن تشريع أذان الاعلام كان من حين رجوعه صلّى اللّه عليه و آله من ذلك المعراج في مكة، بل لعله كان كما روى الكليني بسنده عن الصادق عليه السّلام قال:

هبط جبرئيل بالأذان على رسول اللّه و كان رأسه في حجر علي عليه السّلام فأذّن جبرئيل و أقام. فلما انتبه رسول اللّه قال: يا علي سمعت؟قال: نعم يا رسول اللّه،

____________

(1) السيرة الحلبية 2: 96.

(2) تفسير العياشي 1: 157.

غ

47

قال: حفظت؟قال: نعم. قال: ادع بلالا فعلّمه. فدعا علي عليه السّلام بلالا فعلّمه‏ (1) .

و روى بسنده عن الصادق عليه السّلام قال: قال (رسول اللّه) لبلال: اذا دخل الوقت يا بلال اعل فوق الجدار-و كان طول حائط مسجد رسول اللّه قامة- و ارفع صوتك بالأذان‏ (2) .

و هذا يقتضي أن الأذان كان بعد بناء المسجد، و قد مرّ ترجيح أنه كان بعد سبعة أشهر من الهجرة، أي في شهر رمضان المبارك من السنة الاولى للهجرة.

و روى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير بخصوص أذان الفجر، عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يأتي بيتي فيصعد و يجلس عليه في السحر ينتظر الفجر من كل غداة، فاذا رآه أذّن للفجر (3) .

و قال اليعقوبي: و كان بلال يؤذن، ثم أذّن معه ابن أمّ كلثوم، أيهما سبق أذّن، فاذا كانت الصلاة أقام واحد.

ثم نقل عن الواقدي قال: إن بلالا كان إذا أذّن وقف على باب رسول اللّه فقال: الصلاة يا رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح‏ (4) . غ

المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار:

روى الطوسي في أماليه بسنده عن سعد عن أبيه حذيفة بن اليمان قال:

آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بين الأنصار و المهاجرين اخوّة الدين، فكان يؤاخي بين

____________

(1) فروع الكافي: 83 و من لا يحضره الفقيه 1: 57 و التهذيب 1: 215.

(2) فروع الكافي 1: 84 و التهذيب 1: 150.

(3) سيرة ابن هشام 2: 156 بتصرف.

(4) تاريخ اليعقوبي 2: 42.

48

الرجل و نظيره. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال: هذا أخي.

قال حذيفة: فرسول اللّه سيد المرسلين و امام المتقين و رسول ربّ العالمين الذي ليس له في الأنام شبه و لا نظير، و علي بن أبي طالب إخوة (1) .

و يبدو لي أن هذه الرواية من سعد بن حذيفة هي التي أشار إليها ابن اسحاق اذ قال: «بلغنا أن رسول اللّه قال-و نعوذ باللّه أن نقول عليه ما لم يقل-:

تآخوا في اللّه أخوين أخوين. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي.

فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سيّد المرسلين و امام المتقين و رسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير (أي شبه) و لا نظير.. و عليّ بن أبي طالب أخوين.

و أضاف: و كان حمزة بن عبد المطلّب أسد اللّه و أسد رسوله و عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و زيد بن حارثة مولى رسول اللّه أخوين، و إليه أوصى حمزة يوم احد حين حضره القتال ان حدث به حادث الموت. و جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيّار في الجنة و معاذ بن جبل أخو بني سلمة أخوين. و كان أبو بكر الصدّيق ابن أبي قحافة و خارجة بن زهير الخزرجي أخوين. و عمر بن الخطاب و عبان بن مالك الخزرجي أخوين و عثمان بن عفان و أوس بن ثابت بن المنذر الخزرجي أخوين... و الزبير بن العوّام و سلمة بن سلامة أخوين.. و طلحة بن عبيد اللّه و كعب بن مالك أخوين.. و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع الخزرجي أخوين.. و ابو عبيدة بن الجرّاح و سعد بن معاذ أخوين.. و مصعب بن عمير بن هاشم و أبو أيوب (الأنصاري الخزرجي) أخوين.. و عمار بن ياسر و حذيفة بن اليمان حليف الخزرج أخوين.. و أبو ذر الغفاري و المنذر بن عمرو

____________

(1) أمالي الطوسي: 587 ح 1215 و عنه في بحار الأنوار 38: 333 و رواه ابن طاوس في الطرائف: 28 عن مناقب ابن المغازلي: 42 كما في بحار الأنوار 38: 346.

49

الخزرجي أخوين.. و سلمان الفارسي و أبو الدّرداء عويمر أخوين. و بلال مؤذّن رسول اللّه و أبو رويحة الخثعمي أخوين.. فهؤلاء ممن سمّي لنا ممن كان رسول اللّه آخى بينهم من أصحابه‏ (1) .

و نقل المقريزي في «امتاع الأسماع» عن عبد الرحمن بن الجوزي قال:

أحصيت جملة من آخى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم بينهم فكانوا مائة و ستة و ثمانين رجلا. و يقال:

كانوا تسعين رجلا: خمسة و أربعين رجلا من المهاجرين و خمسة و أربعين رجلا من الأنصار. و يقال: خمسين من هؤلاء و خمسين من هؤلاء. و يقال: انه لم يبق من المهاجرين أحد الا آخى بينه و بين أنصاري.

و كانت المؤاخاة بعد مقدمه بخمسة أشهر. و قيل: بثمانية أشهر، ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة بعد بدر (2) .

و نقل ابن شهرآشوب عن تاريخ النسوي أنها كانت بعد ثمانية أشهر (3) .

أمّا ابن اسحاق فانّما سمى ثمانية و ثلاثين رجلا: واحد و عشرون رجلا من المهاجرين و سبعة عشر رجلا من الأنصار (لمؤاخاة النبيّ و الوصي، و حمزة و زيد ابن حارثة) ثم قال: «فهؤلاء ممن سمي لنا ممن كان رسول اللّه آخى بينهم من أصحابه» و لعله سمي له غيرهم و لم يذكرهم.

و أمّا ابن حبيب في «المحبر» فقد زاد على من ذكرهم ابن اسحاق ستة

____________

(1) سيرة ابن هشام 2: 151-153.

(2) إمتاع الأسماع للمقزيزي: 340 و روى الحديث عن ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ: أنت أخي و صاحبي. كما رواه أحمد في مسنده 1: 230 و ابن عبد البر في الاستيعاب 2: 460 و المتقي الهندي في كنز العمال 6: 391. كما في الغدير 3: 116.

(3) المناقب 1: 151.

50

و ثمانين رجلا، فالمجموع أربعة و عشرون رجلا من المهاجرين و الأنصار، منهم:

الحصين بن الحارث بن المطّلب مع رافع بن عنجدة. و الطفيل بن الحارث بن المطّلب مع المنذر بن محمد بن عقبة. و عبيدة بن الحارث بن المطّلب مع عمير بن الحمام السّلمي. و عبيدة هو الشهيد ببدر، و لذلك قالوا: كانت المؤاخاة قبل بدر و لم يكن بعد بدر مؤاخاة، كما في «المحبر» (1) .

و قد آخى رسول اللّه بين أصحابه مرّتين: اولاهما في مكة، آخى بين جماعة منهم قبل الهجرة. و عن هذه المؤاخاة الاولى ذكر ابن حبيب في «المحبر» أنه صلّى اللّه عليه و سلم آخى بين نفسه و علي بن أبي طالب عليه السّلام، و آخى بين حمزة بن عبد المطلب و بين زيد بن حارثة مولى رسول اللّه، و بين أبي بكر و عمر، و بين عثمان بن عفّان و عبد الرحمن بن عوف، و بين الزبير بن العوّام و عبد اللّه بن مسعود، و بين عبيدة ابن الحارث بن المطّلب و بلال مولى أبي بكر، و بين مصعب بن عمير و سعد بن أبي وقاص، و بين أبي عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة، و بين سعيد بن زيد و طلحة بن عبيد اللّه‏ (2) .

و من ذكره لمصعب بن عمير يعلم أن ذلك كان قبل ارسال الرسول صلّى اللّه عليه و آله له الى المدينة، أي قبل الهجرة بسنة تقريبا.

و صرّح ابن سيد الناس بأن هذه المؤاخاة كانت قبل الهجرة (3) كما جاء في

____________

(1) المحبّر: 70-71.

(2) المحبّر: 70-71.

(3) السيرة لابن سيد الناس 1: 200-203 كما في الغدير 3: 114 و قد ذكر الأميني في الغدير عددا من مصادر أخبار المؤاخاة بين النبيّ و الوصي 3: 111-125 من العامة. -

51

«السيرة الحلبية» أيضا (1) و هو الظاهر من رواية الحاكم الحسكاني النيشابوري في «المستدرك على الصحيحين» (2) .

و قال ابن سعد في «الطبقات» (3) و السهيلي في «الروض الانف» و الكازروني في «المنتقى» ما معناه: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا قدم المدينة آخى بين المهاجرين و الأنصار على الحق و المواساة يتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، فلمّا كانت وقعة بدر أنزل اللّه تعالى في سورة الأنفال: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ نسخت هذه الآية ما كان قبلها، و رجع كل إنسان إلى نسبه و ورثه ذو رحمه.

و قال السهيلي: فلما عزّ الإسلام و اجتمع الشمل و ذهبت الوحشة أنزل اللّه سبحانه: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ* أي في الميراث. ثم جعل المؤمنين كلهم اخوة فقال: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يعني في التودّد و شمول الدعوة.

و هذا يعني أنّ عقد المؤاخاة كان قبل نزول هذه الآية، و هذه الآية عمّمت الأخوّة.

____________

ق-و المجلسي في بحار الأنوار 38: 330-347 عن العامة و الخاصة. و ذكر ابن عساكر عشرين خبرا بأسنادها في ذلك من الخبر 141 إلى 161 و أضاف المحقّق المحمودي مصادر اخرى للأخبار من صفحة 117 إلى 132 من القسم الأوّل من ترجمة الإمام علي عليه السّلام من تأريخ دمشق لابن عساكر.

(1) السيرة الحلبية 2: 23 و 102.

(2) مستدرك الحاكم 3: 4.

(3) الطبقات 1: 242.

غ

52

أول سريّة بالمدينة:

روى الواقدي: أن عير قريش جاءت من الشام تريد مكة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و فيها أبو جهل (بن هشام) في ثلاثمائة راكب من أهل مكة. فعقد رسول اللّه لواء (أبيض) لحمزة بن عبد المطّلب، و كان أول لواء عقده بعد أن قدم المدينة (و كان يحمله ابو مرثد الغنوي) (1) ، بعثه في ثلاثين راكبا خمسة عشر من المهاجرين و خمسة عشر من الأنصار، يعترضون لعير قريش.

فبلغوا سيف البحر و التقوا هناك و اصطفّوا للقتال. و كان مجديّ بن عمرو حليفا (؟) للفريقين فلم يزل يمشي الى هؤلاء و إلى هؤلاء حتى انصرف القوم و انصرف حمزة راجعا الى المدينة في أصحابه.

ثم روى الواقدي: أن رسول اللّه لم يبعث أحدا من الأنصار حتى كانت بدر. ثم قال: و هو المثبت‏ (2) .

و قال ابن اسحاق: بعثه الى سيف البحر من ناحية العيص، في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد. فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، و كان مجديّ بن عمرو الجهنيّ موادعا للفريقين فحجز بينهم‏ (3) و لم يقل أنه كان محالفا، و لعلّه هو الصحيح، إذ لم نعهد لهم حلفا. و كذلك في رواية الطبري عن الواقدي ليس فيها انه كان حليفا لهم.

____________

(1) الطبري 2: 402 عن الواقدي، و ليس في المغازي. و قال عنه اليعقوبي: كان حليفه 2:

70.

(2) مغازي الواقدي 1: 9، 10.

(3) سيرة ابن هشام 2: 245 و اليعقوبي 2: 69 و أشار إليه في 2: 44. و التنبيه و الاشراف:

200 و الطبرسي في إعلام الورى بلا اسناد 1: 162.

غ

53

سريّة عبيدة بن الحارث:

روى الواقدي قال: ثمّ عقد لواء لعبيدة بن الحارث، في شوّال على رأس ثمانية أشهر، إلى رابغ-و رابغ على عشرة أميال من الجحفة إلى قديد-فخرج عبيدة في ستّين راكبا كلّهم من قريش (من المهاجرين ليس فيهم أنصاري) فلقي أبا سفيان بن حرب على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ، و أبو سفيان يومئذ في مائتين.. لم يسلّوا السيوف و لم يصطفّوا للقتال.. و تقدم سعد بن أبي وقّاص أمام أصحابه و نثر كنانته (ليرميهم) و ترّس أصحابه عنه، فرمى بما في كنانته حتى أفناها، و كان فيها عشرون سهما، و ليس منها سهم إلاّ يقع فيجرح إنسانا أو دابّة (و مع ذلك فإنّهم) لم يسلّوا السيوف و لم يصطفّوا للقتال، بل انصرفوا... فقال سعد لعبيدة: لو اتبعناهم لأصبناهم فإنّهم قد ولّوا مرعوبين. فلم يتابعه عبيدة على ذلك، بل انصرفوا إلى المدينة (1) .

و قال ابن اسحاق: و بعث رسول اللّه عبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف في ستّين راكبا من المهاجرين.. حتّى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرّة...

و رمى سعد بن أبي وقّاص بسهم، و هو أوّل سهم رمي به في الإسلام ثم انصرف القوم عن القوم و لم يكن بينهم قتال‏ (2) .

و كان المقداد بن عمرو حليف بني زهرة، و عتبة بن غزوان المازني حليف بني نوفل مسلمين (بمكّة) فخرجا معهم ليتوصّلوا بهم إلى المسلمين، ففرّوا منهم إليهم.

____________

(1) مغازي الواقدي 1: 10، 11 بتصرّف و كذلك في رواية الطبري عنه 2: 402. و التنبيه و الإشراف: 201.

(2) و نقله الطبرسي في إعلام الورى 1: 162 بلا إسناد.

54

و بعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول اللّه لأحد من المسلمين، و لكنّ بعثه و بعث عبيدة كانا معا فشبّه ذلك على الناس‏ (1) .

بيت سودة ثم عائشة:

مرّ عن السمهودي عن الذهبي: أنه صلّى اللّه عليه و آله بنى بيت سودة أوّلا.. ثم لما احتاج الى منزل عائشة بناه، و هكذا سائر بيوته بناها في أوقات مختلفة (2) .

و الآن نذكر أن دخوله بعائشة كان في شهر شوال الثامن من هجرته، و عليه فيبدو أنّ إرساله لأبي رافع القبطي و زيد بن حارثة الشيباني من المدينة الى مكة ليحملا إليه أهله سودة بنت زمعة بن قيس كان قبل دخوله بعائشة في المدينة.

و رجع عبد اللّه بن اريقط من المدينة الى مكة فأخبر عبد اللّه بن أبي بكر بمكان أبيه بالسنح من المدينة، فخرج عبد اللّه بعيال أبيه إليه و فيهم عائشة و معهم طلحة بن عبيد اللّه التيمي‏ (3) .

قالت عائشة: و كان أبو بكر قد نزل في بني الحارث بن الخزرج بالسنح، فقدمنا المدينة عليه.

و جاء رسول اللّه فدخل بيتنا فاجتمع إليه رجال-من الأنصار-و نساء.

و كنت أنا في أرجوحة بين عذقين يرجّح بي، فجاءتني أمّي فأنزلتني، و مسحت وجهي بشي‏ء من ماء، و وفّت جمّتي (شعري) .

و كان رسول اللّه جالسا على سرير في بيتنا، فقادتني أمّي حتى وقفت بي عند باب البيت، ثم أدخلتني فأجلستني... و قالت له: هؤلاء أهلك، فبارك اللّه لك

____________

(1) سيرة ابن هشام 2: 241، 242 بتصرف. و اليعقوبي 2: 69 نقل نص ابن اسحاق.

(2) وفاء الوفاء 2: 462.

(3) الطبري 2: 400 و المنتقى و عنه في بحار الأنوار 19: 129.

55

فيهن و بارك لهنّ فيك. و وثب القوم و النساء فخرجوا، فبنى بي رسول اللّه في بيتي، و أنا يومئذ ابنة تسع سنين!و لا نحرت لي جزور و لا ذبحت عليّ شاة، حتى ارسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها الى رسول اللّه‏ (1) .

ثم روى الطبري عن الكلبي: أن رسول اللّه تزوّج عائشة قبل الهجرة بثلاث سنين، و هي ابنة سبع سنين، و جمع إليها بعد أن هاجر الى المدينة و هي ابنة تسع سنين، في شوال‏ (2) . غ

سريّة الخرّار:

قال الواقدي: في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال رسول اللّه لسعد بن أبي وقاص: اخرج يا سعد حتى تبلغ الخرّار، فان عيرا لقريش ستمرّ به. و الخرّار من الجحفة قريب من خم‏ (3) و عقد له لواء أبيض كان يحمله المقداد بن عمرو (4) و عهد إليه أن لا يجاوز الخرّار.

فخرج في أحد و عشرين رجلا (مهاجرا) على أقدامهم، يكمنون النهار و يسيرون بالليل، فبلغوا الخرّار صباح الليلة الخامسة، فكان العير قد فاتهم فلم

____________

(1) الطبري 3: 163.

(2) الطبري 3: 164 و 2: 400 بالرواية عن عائشة، و قريبا منه في اعلام الورى 1: 276 و التنبيه و الاشراف: 201 و مروج الذهب 2: 288 و لكنه أضاف: «و كان وفاتها سنة ثمان و خمسين و قد قاربت السبعين» فيكون عمرها في زواجها اثنتي عشرة سنة لا تسعة. و من الطبيعي أن تصغّر المرأة عمرها!.

(3) مغازي الواقدي 1: 11.

(4) الطبري 2: 403 عن الواقدي و ليس في المغازي.

غ

56

يدركوه فرجعوا (1) . و هذه هي السرية الثالثة و الأخيرة في ثلاثة أشهر: رمضان و شوال و ذي القعدة و قعدوا عن الخروج للحرب في الأشهر الحرم: ذي الحجة و محرم، و يعود الرسول صلّى اللّه عليه و آله الى القتال في شهر صفر من السنة الثانية.

و لكن رواية الواقدي هذه تقول: إن السرية هذه كانت في ذي القعدة الحرام، و الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ (2) و ان كانت قد نزلت بعد هذا، و لكن ليس لسانها لسان ابتداء التشريع و التحريم، و الواقدي نفسه يقول في الآية:

فحدثهم اللّه أن القتال في الشهر الحرام كما كان... و حرّم الشهر الحرام كما كان يحرّمه‏ (3) .

و عليه فالأولى رواية ابن اسحاق اذ تجعل الخرّار في جمادى الاولى من السنة الثانية (4) . غ

موقف اليهود و أحبارهم:

قال ابن اسحاق: إن اليهود في المدينة لمّا رأوا أن اللّه اختار رسوله من العرب دونهم حسدوه فكذّبوه و جحدوه و عادوه.

و كان أحبارهم: من بني النضير: حييّ بن أخطب، و أخواه: جدي ابن أخطب، و ابو ياسر بن أخطب. و سلام بن أبي الحقيق و أبنا أخيه الربيع بن أبي

____________

(1) مغازي الواقدي 1: 11.

(2) البقرة: 217.

(3) مغازي الواقدي 1: 18.

(4) سيرة ابن هشام 2: 251.