موسوعة التاريخ الاسلامي - ج6

- الشيخ محمد هادي اليوسفي المزيد...
635 /
5

المجلد السادس‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

عهد الإمام الحسين عليه السّلام‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

زياد الشرّ و حجر الخير:

قال اليعقوبي: كان المغيرة الثقفي إذا رقى المنبر يلعن عليّا (عليه السّلام) فإذا سمعه حجر بن عدي الكندي و عمرو بن الحمق (خفيف اللحية) الخزاعي و أصحابهما من «شيعة عليّ» يقومون فيردون اللعن عليهم و يتكلّمون.

فلمّا قدم زياد الكوفة بعد المغيرة و خطب خطبته المشهورة التي لم يحمد اللّه فيها و لم يصلّ على محمّد... وجّه إلى حجر فأحضره و قال له: يا حجر: أرأيت ما كنت عليه من الموالاة و المحبّة لعلي (عليه السّلام) ؟قال: نعم!قال: فإن اللّه (!) قد حوّل ذلك بغضة و عداوة!أو رأيت ما كنت عليه من البغضة و العداوة لمعاوية قال:

نعم!قال: فإن اللّه (!) قد حوّل ذلك محبّة و موالاة!فلا أعلمنك ذكرت أمير المؤمنين معاوية!بشرّ!أو ذكرت عليّا بخير!

ثمّ بلغه أنهم يجتمعون فيتكلّمون، و يدبّرون عليه و على معاوية و يذكرون مساويهما و يحرّضون الناس عليهما!فوجّه صاحب شرطه إليهم. فهرب عمرو بن الحمق الخزاعي و عدة معه إلى الموصل، و اخذ جماعة منهم، منهم: حجر بن عدي الكندي و ثلاثة عشر رجلا من أصحابه.

10

و كتب فيهم إلى معاوية: أنهم زروا على الولاة فخرجوا بذلك من الطاعة، و خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب!و أنفذ الكتاب بشهادات قوم أوّلهم أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري... و كان ذلك في سنة (52 هـ) (1) .

هذا، و تأخّر المسعوديّ بها إلى سنة (53 هـ) ثمّ قال: و قيل: إنّ ذلك كان في سنة (50 هـ) .

و قال: كان تسعة من أصحابه من الكوفة و أربعة من غيرها. و لم يعقّب إلاّ بنتا واحدة، فلمّا حملوهم (ليلا) أنشأت تقول للقمر:

ترفّع أيها القمر المنير # لعلّك أن ترى حجرا يسير

يسير إلى معاوية بن حرب # ليقتله، كذا زعم الأمير!

و يصلبه على بابي دمشق # و تأكل من محاسنه النسور

ألا يا حجر، حجر بني عديّ # تلقّتك السلامة و السرور

أخاف عليك ما أردى عليا # و شيخا في دمشق له زئير!

ألا يا ليت حجرا مات موتا # و لم ينحر كما نحر البعير

فإن تهلك فكل عميد قوم # إلى هلك من الدنيا يصير

فلما بلغوا إلى مرج عذراء على اثني عشر ميلا (24 كم) من دمشق تقدّم البريد بخبرهم إلى معاوية، فبعث إليهم برجل أعور مصاب بإحدى عينيه ليضرب أعناقهم هناك. فلمّا وصل و عرف حجرا قال له: إن أمير المؤمنين!قد أمرني بقتلك-يا رأس الضلال و معدن الكفر و الطغيان!و المتولى لأبي تراب-و قتل أصحابك، إلاّ أن ترجعوا عن كفركم و تلعنوا صاحبكم و تتبرّؤوا منه!

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 230، و تقدّم ابن الخيّاط بها إلى سنة (51 هـ) : 131.

11

فأجابه حجر: إن الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه، ثمّ القدوم على اللّه و على نبيه و على وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار!و صدّقه جماعة ممّن كانوا معه.

ثمّ كلّم معاوية قوم في ستّة منهم، و هم نصف من كان مع حجر أجابوا إلى البراءة من عليّ!

فلمّا قدّم حجر ليقتل قال: دعوني اصلّي ركعتين، فجعل يطوّل في صلاته، فقيل له: أجزعا من الموت!فقال: لا، و لكنّي ما تطهّرت للصلاة قط إلاّ صلّيت و ما صلّيت قط أخفّ من هذه. ثمّ قال: و كيف لا أجزع و إنّي لأرى قبرا محفورا و سيفا مشهورا و كفنا منشورا (1) و لو لا أن تظنّوا بي خلاف ما بي لأحببت أن تكون الركعتان أطول ممّا هما، و إنّي لأوّل من رمى بسهم في هذا الموضع و أوّل من اهلك فيه، ثمّ ضربت عنقه، ثمّ أعناق القوم معه، ثمّ كفّنوا و دفنوا، و هم: حجر بن عدي الكندي، و شريك بن شداد الحضرمي، و صيفي بن فسيل الشيباني، و قبيصة ابن ضبيعة العبشمي، و محرز بن شهاب التميمي، و كدّام بن حيّان العنزي‏ (2) كذا في اليعقوبي، و في الطبري: عبد الرحمن بن حسّان الكندي، و قال: إن معاوية أمر بعزله عنهم فلمّا عزل قال لحجر: لا يبعدنّك اللّه يا حجر فنعم أخو الإسلام كنت! و ردّه معاوية إلى زياد فلم يقتله و لكن أمر فدفنوه حيّا!و عدّ منهم كريم بن عفيف الخثعمي و قال هذا لحجر: لا تفقد و لا تبعد فقد كنت تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر (3) .

____________

(1) مروج الذهب 2: 3 و 4.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 231.

(3) الطبري 5: 277. و لأبي مخنف كتاب في مقتل حجر رواه عنه الكلبي و عنه الطبري 5: 252-285 33صفحة تقريبا.

12

عمرو بن الحمق، و حماقة معاوية:

قال اليعقوبي: إنّ زيادا لمّا وجّه صاحب شرطه إلى أصحاب حجر، كان منهم عمرو بن الحمق فهرب و عدّة معه إلى الموصل، و بقي معه رفاعة بن شدّاد البجلي. وارتهن زياد امرأة عمرو فحبسها ثمّ أرسلها إلى دمشق فحبسها معاوية، فكان أول من حبس النساء بجرائر الرجال في الإسلام!

و كان عامله على الموصل عبد الرحمن بن أمّ الحكم الثقفي ابن اخت معاوية، و بلغه مكان عمرو و رفاعة فوجّه في طلبهما، و كان عمرو قد مرض و قد اشتدّت علّته، و خرجا هاربين فلدغته حيّة، و كان ممّن أدرك رسول اللّه و سمع حديثه فقال: اللّه أكبر!لقد قال لي رسول اللّه: «يا عمرو ليشترك في قتلك الإنس و الجن» فامض لشأنك فإنّي مأخوذ مقتول. و كان رفاعة شابّا شديدا فهرب، و لحق القوم عمرا فأخذوه و قتلوه و طافوا برأسه على رمح، فكان أوّل رأس طيف به في الإسلام. و أرسله عبد الرحمن إلى زياد فأرسله إلى معاوية، فلمّا أتاه رأسه بعث به إلى امرأته في السجن!فقالت للرسول: أبلغ معاوية ما أقول: طالبه اللّه بدمه، و عجّل له نقمه، فقد أتى أمرا فريّا و قتل برّا تقيّا (1) !

و لم يذكر اليعقوبي مدّة حبسها و تواري زوجها الصحابيّ الجليل، و يظهر من خبر ابن طيفور الخراساني البغدادي عن الزهري: أنه حبسها في سجن دمشق سنتين حتى ظفر عبد الرحمن بعمرو في بعض أرض الجزيرة، فلمّا قتله و أرسل برأسه قال معاوية للحرسي: اطرح الرأس في حجرها ثمّ احفظ ما تتكلّم به حتّى تؤدّيه إليّ: ففعل هذا، فارتاعت له ساعة ثمّ وضعت يدها على رأسها و صاحت:

وا حزنا لصغار في دار هوان؛ و ضيق من ضيم سلطان!نفيتموه عنّي طويلا،

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 231 و 232. و كان عمره يوم قتل ثمانين عاما، كما في «أسد الغابة» .

13

و أهديتموه إليّ قتيلا، فأهلا و سهلا بمن كنت له غير قالية!و أنا له اليوم غير ناسية! ارجع به أيها الرسول إلى معاوية فقل له و لا تطوه دونه: أيتم اللّه ولدك!و أوحش منك أهلك!و لا غفر لك ذنبك!

فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت. فأرسل إليها فأتته و عنده نفر من أصحابه، فقال لها معاوية: يا عدوة اللّه!أأنت صاحبة الكلام الذي بلغني؟! قالت: نعم، غير نازعة عنه و لا معتذرة منه و لا منكرة له، فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء عليك إن نفع الاجتهاد، و إنّ الحقّ لمن وراء العباد!و ما بلغت شيئا من جزائك و إن اللّه بالنقمة من ورائك!

فقال إياس بن حسل: يا أمير المؤمنين!اقتل هذه فو اللّه ما كان زوجها أحقّ بالقتل منها!

فالتفتت إليه بكلام شديد قاس، فضحك معاوية و قال لها: اخرجي من الشام!فخرجت إلى حمص فماتت بالطاعون، و هي آمنة بنت الشريد (1) .

متابعة معاوية لبيعة يزيد:

قال الدينوري: لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه اللّه إلاّ يسيرا حتّى بايع ليزيد بالشام، و كتب ببيعته إلى الآفاق‏ (2) .

____________

(1) بلاغات النساء: 59-61، و ذكره في الاختصاص المنسوب إلى المفيد: 17 و فيه نصّ كتاب أمان له من معاوية!و هو بعيد جدّا-و فيه و في الكشّي: 46-57، الحديث 96، و إرشاد القلوب للديلمي 2: 280 خبر عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر الأنصاري فيه تفاصيل، فراجعه.

(2) الإمامة و السياسة 1: 175.

14

قال: و كتب إلى سعيد بن العاص على المدينة يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة، و يكتب إليه بمن يسارع إليها ممن لم يسارع.

فلما أتى الكتاب إلى سعيد بن العاص دعا الناس إلى البيعة ليزيد، و أظهر الغلظة و أخذهم بالشدّة و العزم... و أبطأ الناس عنها إلاّ اليسير لا سيّما بني هاشم، فإنه لم يجبه إليها منهم أحد. فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية:

أما بعد، فإنّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين!و أن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ. و إني أخبرك: أن الناس بطاء عن ذلك لا سيما أهل البيت من بني هاشم فإنه لم يجبني أحد منهم و بلغني عنهم ما أكره. و أما الذي جاهر بعداوته و إبائه لهذا الأمر فعبد اللّه بن الزبير، و لست أقوى عليهم إلاّ بالخيل و الرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، و السلام.

فكتب معاوية إلى الحسين بن علي، و عبد اللّه بن عباس، و عبد اللّه بن جعفر كتبا، و أمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم و يبعث بجواباتها إليه‏ (1) .

كتب معاوية إلى الحسين و ابن عباس و ابن جعفر:

كتب إلى الحسين عليه السّلام: أما بعد فقد انتهت إليّ منك أمور لم أكن أظنك بها، رغبة عنها. و إن أحقّ الناس بالوفاء لمن أعطى بيعته من كان مثلك في خطرك و شرفك و منزلتك التي أنزلك اللّه بها؛ فلا تنازع إلى قطيعتك، و اتّق اللّه!و لا تردّن هذه الأمّة في فتنة!و انظر لنفسك و دينك و أمة محمد وَ لاََ يَسْتَخِفَّنَّكَ اَلَّذِينَ لاََ يُوقِنُونَ (2) .

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 177، 178.

(2) الروم: 60.

15

و كتب إلى ابن عباس، أمّا بعد، فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين، و إني لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إليّ!لأنك ممّن ألّب عليه و أجلب، و ما معك من أمان فتطمئن به و لا عهد فتسكن إليه، فإذا أتاك كتابي هذا فاخرج إلى المسجد و العن قتلة عثمان!و بايع عاملي، فقد أعذر من أنذر و أنت بنفسك أبصر، و السلام.

و كتب إلى عبد اللّه بن جعفر: أما بعد، فقد عرفت أثرتي إياك على من سواك، و حسن رأيي فيك و في أهل بيتك، و قد أتاني عنك ما أكره!فإن تبايع تشكر و إن تأب تجبر!و السلام.

و كتب إلى سعيد بن العاص: أما بعد، فقد أتاني كتابك و فهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة و لا سيّما بني هاشم... و قد كتبت إلى رؤسائهم كتبا فسلّمها إليهم و تنجّز منهم جواباتها و ابعث بها إليّ حتّى أرى فيهم رأيي!و لتشدّ عزيمتك و لتصلب شكيمتك‏ (1) !

و قال الكشيّ: روي أنّ مروان بن الحكم، و كان عامل معاوية على المدينة (2) كتب إليه:

أما بعد: فإن عمرو بن عثمان ذكر: أنّ رجالا من وجوه أهل الحجاز و أهل العراق يختلفون إلى الحسين بن علي. و ذكر (عمرو) أنه لا يأمن وثوبه (قال مروان) : و قد بحثت عن ذلك فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا، (و لكن) لست آمن أن يكون هذا لما بعده!فاكتب إليّ برأيك في هذا، و السلام.

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 178 و 179.

(2) و تولية مروان المدينة بعد قتل حجر و عمرو كان في سنة (54) ، انظر تاريخ خليفة: 137 و اليعقوبي 2: 239.

16

فكتب إليه معاوية: أما بعد، فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين.

فإيّاك أن تعرض للحسين في شي‏ء!و اترك حسينا ما تركك، فإنا لا نريد أن نعرض له في شي‏ء ما و في ببيعتنا و لم ينازعنا سلطاننا، فاكمن عليه ما لم يبدلك صفحته، و السلام.

و كتب معاوية إلى الحسين عليه السّلام ما ذكر (1) .

جواب الحسين عليه السّلام و من معه:

فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين عليه السّلام كتب إليه: أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عنّي أمور أنت لي عنها راغب. و أنا بغيرها عنك جدير. فإنّ الحسنات لا يهدي لها و لا يسدّد إليها إلاّ اللّه.

و أما ما ذكرت أنه انتهى إليك عنّي... فإنه إنّما رقّاه إليك الملاّقون و المشاؤون بالنميم، فما أريد لك حربا و لا عليك خلافا، و ايم اللّه إنّي لخائف اللّه في ترك ذلك!و ما أظنّ اللّه راضيا بترك ذلك، و لا عاذرا بدون الإعذار فيه إليك و في أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة و أولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخاكندة، و المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، و يستعظمون (و يستفظعون) البدع، و لا يخافون في اللّه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلما و عدوانا!من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة و المواثيق المؤكّدة (أن) لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم، و لا بإحنة (حقد) تجدها في نفسك‏ (2) .

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 47، 48، الحديث 97 و 98.

(2) إنما سبق هذا العهد في قرار التحكيم في صفين، ثمّ في عهد الصلح مع الحسن عليه السّلام لا غيرهما.

17

أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه و اصفرّ لونه، بعد ما أمّنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل!ثمّ قتلته جرأة على ربك و استخفافا بالعهد (1) .

أو لست المدّعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك!و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» فتركت سنة رسول اللّه تعمدا و تبعت هواك بغير هدى من اللّه!ثمّ سلّطته على العراقين، يقطع أيدي المسلمين‏ (2) و أرجلهم، و يسمل أعينهم، و يصلّبهم على جذوع النخل!كأنّك لست من هذه الامّة و ليسوا منك!

أو لست صاحب الحضرميّين الذين كتب فيهم ابن سمية: أنّهم كانوا على دين عليّ!

فكتبت إليه: أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ!فقتلهم و مثّل بهم بأمرك‏ (3) و دين عليّ-و اللّه-الذي كان يضرب عليه أباك و يضربك و به جلست مجلسك الذي جلست، و لو لا ذلك لكان شرفك و شرف أبيك الرحلتين: رحلة الشتاء و الصيف.

____________

(1) يصحّ فيه ما مرّ في حجر، و انفرد الاختصاص: 17 بنصّ أمان له، و هو بعيد جدّا.

(2) مرّ الخبر عن قطعه أيدي ثلاثين أو ثمانين رجلا ظنّ أنّهم حصبوه في الكوفة.

(3) هما: عبد اللّه بن يحيى الحضرمي و أبوه يحيى، و إنما ذكرا في الحديث 10 من الكشي عن الباقر عليه السّلام أنهما كانا يوم الجمل من شرطة الخميس لعليّ عليه السّلام. ثمّ فيما أورده الصدوق في الباب 16 من علل الشرائع: أنّ الحسن عليه السّلام (و الصحيح: الحسين) عدّ ذنوب معاوية-و هو في هذا الكتاب-فعدّ منها قتل عبد اللّه بن يحيى الحضرمي و أصحابه الأخيار (كذا) فإنّ معاوية أخبر بما كانوا عليه من شدة حبهم لعليّ و إفاضتهم في ذكره، فأمر بقتلهم. هذا كل ما نجده فيهما.

غ

18

و قلت-فيما قلت-: انظر لنفسك و دينك و لأمة محمّد، واتق شق عصا هذه الأمة و أن تردّهم إلى فتنة!و إني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الامة من ولايتك عليها، و لا أعظم نظرا لنفسي و لديني و لامة محمد صلّى اللّه عليه و آله من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنّه قربة إلى اللّه تعالى، و إن تركته فإني أستغفر اللّه لذنبي، و أسأله توفيقه لإرشاد أمري.

و قلت-فيما قلت-: إني إن أنكرتك تنكرني و إن أكدك تكدني!فكدني ما بدا لك، فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك، و لا يكون عليّ أحد أضرّ منه على نفسك! على أنّك قد ركبت بجهلك و تحرّصت على نقض عهدك!و لعمري ما وفيت بشرط!و لقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح و الأيمان و العهود و المواثيق، قتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا (عهد يزيد) .

فأبشر-يا معاوية-بالقصاص و استيقن بالحساب، و اعلم أنّ للّه تعالى كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلاّ أحصاها، و ليس اللّه بناس لأخذك بالظنّة و قتلك أولياءه على التهمة، و نفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، و أخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الشراب و يلعب بالكلب، لا أعلمك إلاّ و قد خسرت نفسك، و تبرّت دينك و غششت رعيّتك، و أخربت أمانتك، و سمعت مقالة السفيه الجاهل‏[المغيرة]و أخفت الورع التقيّ الحليم و السلام‏ (1) على من اتّبع الهدى‏ (2) .

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 49-51، الحديث 99، و الإمامة و السياسة 1: 180، 181.

(2) أنساب الأشراف 3: 156، الحديث 66 مختصرا، و بذيله عن 2: 744، الحديث 303 تامّا مع مصادر أخرى عديدة.

19

هكذا جاهر الحسين عليه السّلام معاوية بالإنكار على منكراته هذه، و أهمّها بيعة يزيد، فأطلع معاوية ابنه يزيد على ذلك و قال له: لقد كان في نفسه ضبّ (حقد) ما أشعر به!فقال يزيد: أجبه جوابا تصغّر فيه إليه نفسه، و تذكر فيه أباه بشرّ فعله!

و كان ذلك بعد ما عزل عن مصر عبد اللّه بن عمرو بن العاص بعد عامين من أبيه، و كان قد عاد إليه في دمشق، فدخل عليه فأقرأه كتاب الحسين عليه السّلام، فقال مثل قول يزيد، فضحك معاوية و قال: و قد أشار عليّ يزيد بمثل رأيك، و قد أخطأتما!أرأيتما لو أنّي ذهبت لعيب عليّ حقا ما عسيت أن أقول فيه؟!و مثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل و ما لا يعرف!و متى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل به و لا يراه الناس شيئا و كذّبوه. و ما عسيت أن أعيب حسينا؟!و و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا!و قد رأيت أن أكتب إليه أتوعّده و أتهدّده (كأنّه لم يفعل) ثمّ رأيت أن لا أفعل‏ (1) .

و كتب إليه ابن عباس: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك و فهمت ما ذكرت:

و أن ليس معي منك أمان!و إنّه-و اللّه-ما منك يطلب الأمان يا معاوية، و إنّما يطلب الأمان من اللّه رب العالمين. و أما قولك في قتلي!فو اللّه لو فعلت للقيت اللّه و محمدا خصمك!فما أخاله أفلح و لا أنجح من كان رسول اللّه خصمه! و أما ما ذكرت من أنّي ممّن ألبّ في عثمان و أجلب. فذلك أمر غبت عنه و لو حضرته ما نسبت إليّ شيئا من التأليب عليه... و أمّا قولك لي. العن قتلة عثمان، فلعثمان ولد و خاصّة و قرابة هم أحقّ منّي بلعنهم فإن شاؤوا فليلعنوا أو يمسكوا و السلام.

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 51، 52، الحديث 99.

20

و كتب إليه عبد اللّه بن جعفر: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك و فهمت ما ذكرت فيه...

و أمّا ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد. فلعمري لئن أجبرتني عليها فلقد أجبرناك و أباك على الإسلام حتّى أدخلنا كما فيه كارهين غير طائعين، و السلام‏ (1) .

فلمّا أجابه القوم بالكراهية لبيعة ليزيد و خلافهم لأمره، كتب إلى سعيد بن العاص: أن لا يحرّك هؤلاء النفر و لا يهيّجهم، و يأخذ سائر أهل المدينة بالبيعة ليزيد بغلظة و شدّة حتى لا يدع أحدا من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم حتّى يبايعوا!فأخذهم بذلك فأبوا!فكتب إلى معاوية: إنّما الناس تبع لهؤلاء النفر فلو بايعوك بايعك الناس و لم يتخلّف عنك أحد، أمّا الآن فلم يبايعني أحد!فكتب إليه معاوية أن سيقدم عليهم بنفسه‏ (2) .

و قدم المدينة حاجّا في 51 ه (3) :

أو عز معاوية إلى سعيد بحجّة لتلك السنة فأوعب سعيد الناس لاستقباله فلما دنا من المدينة، خرجوا إليه يتلقّونه ما بين ماش و راكب و معهم النساء و الصبيان: فقال لهم في بعض ما يجتلبهم به: يا أهل المدينة!ما زلت أطوي حزني من وعثاء السفر بحبّي لطلعتكم حتى لان الخشن و انطوى البعيد!و حقّ لجار رسول اللّه أن يتاق إليه!

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 179، 180. و أنساب الأشراف 3: 59، الحديث 166 و قال: و كان يبعث إليه في كل سنة ألف ألف (مليون) درهما.

(2) الإمامة و السياسة 1: 182.

(3) صرّح بالسنة 51 تاريخ ابن الخياط: 131-134. و لم يصرّح بها الدينوري في الإمامة و السياسة 1: 182 إلاّ أنه ذكره بعد ذكره لوفاة الحسن عليه السّلام في 51: 174. و قال اليعقوبي 2: 238: لم يحج إلاّ في سنة (44 و 50 هـ) و اعتمر في (56 هـ) .

21

و في موضع الجرف التقى بالحسين عليه السّلام و معه عبد اللّه بن عباس، فقال معاوية: مرحبا بابن بنت رسول اللّه، و ابن صنو أبيه. ثمّ انحرف إلى الناس و قال:

هذان شيخا بني عبد مناف!و أقبل عليهما فرحّب و قرّب يواجههما و يضاحكهما و يلقاه المشاة و فيهم النساء و الصبيان يسلّمون عليه و يسايرونه حتى نزل.

فانصرفا عنه.

و زار عائشة و استأذن عليها فأذنت له وحده و عندها مولاها ذكوان، فقالت له: يا معاوية: أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا يفتك بك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر؟!قال: ما كنت لتفعلي ذلك فأنا في بيت أمن بيت رسول اللّه. فذكرت رسول اللّه و أباها أبا بكر و عمر فحثّته على اتباع أثرهما و الاقتداء بهما!فقال لها: أنت أهل لأن يسمع قولك و يطاع أمرك!و لكن أمر يزيد من قضاء اللّه!و ليس للعباد الخيرة من أمرهم!و قد أعطى الناس على ذلك بيعتهم و أكّدوا عهودهم و مواثيقهم! أفترين أن ينقضوا عهودهم و مواثيقهم؟!فعلمت أنه سيمضي على أمره فقالت:

فاتق اللّه في هؤلاء الرّهط و لا تعجل فيهم فلعلّهم لا يصنعون إلاّ ما أحببت! (فكأنها تشفع لابن اختها عبد اللّه بن الزبير) فلمّا سمع معاوية ذلك منها و هو رضاها و فيه رضاه قام.

فقالت له: يا معاوية!قتلت حجرا و أصحابه العابدين المجتهدين؟!

فقال معاوية: دعي هذا: فكيف أنا في حوائجك بيني و بينك؟!قالت:

صالح!

قال: فدعينا و إياهم حتّى نلقى ربّنا (1) !

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 182، 183، و لعلّ النقل عن ذكوان مولاها كما في أخبار أخرى.

22

قالت: فأين عزب حلمك عنهم؟أما إنّي سمعت رسول اللّه يقول: «يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات» فقال: يا أم المؤمنين!لم يحضرني رجل رشيد: و قال: ما أعدّ نفسي حليما بعد قتلي حجرا و أصحابه‏ (1) .

و روى الطبري عن أبي سعيد المقبري: أنّها قالت له: يا معاوية، أما خشيت اللّه في قتل حجر و أصحابه؟!

فقال: لست أنا قتلتهم، إنّما قتلهم الذين شهدوا عليهم!و قالت عائشة: لو لا أنّا لم نغيّر شيئا إلاّ آلت بنا الأمور إلى أشدّ ممّا كنّا فيه لغيّرنا قتل حجر!أما و اللّه إن كان ما علمت لمسلما حجّاجا معتمرا (2) .

و أرسل إلى الحسين عليه السّلام و ابن عباس و خطب:

قال الدينوري: لما كان صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش و سرير فوضع له، و سوّيت مقاعد الخاصّة من أهله حوله و تلقاءه، و أرسل إلى الحسين عليه السّلام و عبد اللّه ابن عباس، و خرج و عليه حلّة يمانية و عمامة سوداء دكناء و قد أسبل طرفيها بين كتفيه و قد تعطّر بعطر الغالية، فقعد على سريره، و أمر بكتّابه فأجلسهم بحيث يسمعون ما يأمر به، و أمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس و إن قرب.

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 231 هذا، و قد قال قبله: كان قتل حجر في سنة 52، و في: 238 قال:

حجّ في جميع سنّي ولايته حجتين سنة 44 و سنة 50؛ و اعتمر في رجب سنة 56. و بعدها في 239 قال: في سنة 50، حجّ معاوية، و في سنة 51 ابنه يزيد. و قال خليفة: 131: في سنة 51 قتل معاوية حجرا و أصحابه ثمّ حجّ فيها. و هو الصحيح.

(2) تاريخ الطبري 5: 279 و هو من أخبار كتاب أبي مخنف في حجر بن عدي، رواه الكلبي و عنه الطبري. و العذر من عائشة أيّ عذر!كما ترى!

23

و سبق ابن عباس فلمّا دخل و سلّم أقعده على الفراش عن يساره و قال له:

يابن عباس، لقد وفّر اللّه حظّكم من مجاورة هذا القبر الشريف و دار الرسول عليه الصلاة و السلام (صلاة بتراء) . فقال ابن عباس: نعم، و حظّنا من القناعة بالبعض و التجافي عن الكلّ أوفر!فجعل معاوية يحيد به عن طريق المجاوبة و يعدل إلى ذكر اختلاف الطبائع و الأعمار!

و أمّا الحسين عليه السّلام فلمّا رآه معاوية جمع له و سادة عن يمينه، فلمّا دخل و سلّم أشار إليه فأجلسه على الوسادة عن يمينه ثمّ سأله عن حاله و حال بني أخيه الحسن و أسنانهم و أعمارهم.

ثمّ قال: أمّا بعد فالحمد للّه وليّ النعم و منزل النقم!و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه المتعالي عمّا يقول الملحدون علوّا كبيرا، و أنّ محمّدا عبده المختص المبعوث إلى الإنس و الجن كافة لينذرهم بقرآن‏ لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1) فأدّى عن اللّه و صدع بأمره و صبر على الأذى في جنبه حتّى وضح دين اللّه و عزّ أولياؤه و قمع المشركون، و ظهر أمر اللّه و هم كارهون، فمضى صلوات اللّه عليه (كذلك صلاة بتراء) و قد ترك من الدنيا ما بذل له، و اختار منها الترك لما سخّر له زهادة و اختيارا للّه و أنفة و اقتدارا على الصبر، بغيا لما يدوم و يبقى. فهذه صفة الرسول صلّى اللّه عليه و سلم (كذلك صلاة بتراء) .

ثمّ خلفه رجلان محفوظان و ثالث مشكور!و بعد ذلك خوض طالما عالجناه مشاهدة و مكافحة و معاينة و سماعا، و ما أعلم أنا منه فوق ما تعلمان..

و قد علم اللّه ما أحاول به في أمر الرعيّة من سدّ الخلل و لمّ الصدع بولاية «يزيد» بما أيقظ العين!هذا معناي في يزيد!

____________

(1) فصلت: 42.

24

و فيكما فضل القرابة و حظوة العلم و كمال المروءة!و قد أصبت من ذلك عند «يزيد» على المقابلة و المناظرة ما أعياني مثله عندكما و عند غيركما!مع علمه بالسنة و قراءة القرآن!و الحلم الذي يرجح بالصمّ الصلاب!

و قد علمتما أنّ الرسول المحفوظ «بعصمة الرسالة» قدّم على «الصديق و الفاروق» و من دونهما من أكابر الصحابة و أوائل المهاجرين يوم «غزوة السلاسل» من لم يقارب القوم برتبة، من قرابة موصولة و لا سنّة مذكورة (عمرو بن العاص) فقادهم الرجل بأمره و جمّع بهم صلاتهم و حفظ عليهم فيئهم (غنيمتهم!) و في رسول اللّه أسوة حسنة!

فمهلا يا بني عبد المطلب فإنا و أنتم شعبا أب و جدّ، و ما زلت أرجو الانصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلاّ بفضل قولكما، فردّا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما هذا، و أستغفر اللّه لي و لكما. و سكت‏ (1) .

جواب الحسين عليه السّلام:

قال: فتيسّر ابن عباس للكلام فأشار إليه الحسين عليه السّلام و قال له: على رسلك!فأنا المراد و نصيبي في التهمة (بالخلاف و التخلّف) أوفر!فأمسك ابن عباس.

فقام الحسين عليه السّلام فحمد اللّه و صلّى على رسول اللّه ثمّ قال: أما بعد-يا معاوية-فلن يؤدّي القائل و إن أطنب في صفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله من جميع جزءا، و قد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه من إيجاز الصفة و التنكب عن استبلاغ النعت (و لا سيما عن عليّ عليه السّلام) و هيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 184-186.

25

الدجى، و بهرت الشمس أنوار السرج. و لقد فضّلت حتّى أفرطت و استأثرت حتّى أجحفت، و منعت حتّى محلت، و جزت حتّى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقه بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظه الأوفر و نصيبه الأكمل!

و فهمت ما ذكرت عن «يزيد» كأنّك تصف محجوبا أو تنعت غائبا!أو تخبر عما كان ممّا احتويته بعلم خاص!و قد دلّ «يزيد» من نفسه على موقع رأيه!فخذ «ليزيد» فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، و الحمام السّبق لأترابهنّ؛ و القيان ذوات المعازف و ضرب الملاهي!تجده باصرا، و دع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى اللّه من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو اللّه ما برحت تقدح باطلا في جور و حنقا في ظلم، حتّى ملأت الأسقية!و ما بينك و بين الموت إلاّ غمضة!فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، و لات حين مناص!

و رأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر و منعتنا عن آبائنا تراثا ورّثناه الرسول ولادة، و جئت لنا بما حاججتم به القائم عند موت الرسول (من الأنصار) فأذعن للحجّة بذلك وردّه الإيمان إلى الإنصاف، فركبتم الأعاليل و فعلتم الأفاعيل و قلتم كان و يكون، حتى أتاك الأمر-يا معاوية-من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار!

و ذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تأميره له. و قد كان ذلك لعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبته الرسول و بيعته له، و ما صار لعمر اللّه مبعثهم يومئذ حتّى أنف القوم إمرته و كرهوا تقديمه و عدّوا عليه أفعاله فقال صلّى اللّه عليه و آله: «لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري» فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام و أولاها بالمجمع عليه من الصواب (الخلافة؟!) أم كيف قارنت بصاحب تابعا و حولك من لا يؤمن في صحبته

26

و لا يعتمد في دينه، و تتخطاهم إلى مسرف مفتون (يزيد) تريد أن تلبس الناس شبهة (إن) يسعد بها الباقي في دنياه تشقى أنت بها في آخرتك!إنّ هذا لهو الخسران المبين!و أستغفر اللّه لي و لكم.

فنظر معاوية إلى ابن عباس و قال له: يابن عباس!ما هذا؟و لما عندك أدهى و أمرّ!

فقال ابن عباس: لعمرو اللّه إنها لذرية رسول اللّه، و أحد أصحاب الكساء، و من البيت المطهّر، فاله عما تريد (من بيعة يزيد) فلك في الناس مقنعا حتّى يحكم اللّه بأمره و هو خير الحاكمين. فقال معاوية: أتعوّد الحليم التحلّم؟!قال ابن عباس: و خيره التحلّم عن الأهل.

فقال معاوية: فانصرفا في حفظ اللّه‏ (1) .

خطبة معاوية في المسجد النبوي:

قال الدينوري: ثمّ احتجب معاوية عن الناس ثلاثة أيّام ثمّ أمر أن ينادى في الناس: أن يجتمعوا لأمر جامع!فاجتمع الناس في المسجد النبوي، و أحضر أولئك النفر الممتنعون و أقعدوا حول المنبر، و خرج معاوية إلى المسجد و رقى المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ ذكر يزيد و فضله و قراءته القرآن ثمّ قال: يا أهل المدينة!لقد هممت ببيعة يزيد فما تركت قرية و لا مدرة إلاّ بعثت إليها في بيعته فبايع الناس جميعا و سلّموا، و إنما أخّرت المدينة ببيعته!فقلت: أصله و بيضته:

و من لا أخافهم عليه!و كان الذين أبوا البيعة منهم من كان أجدر أن يصله!و و اللّه! لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له!

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 186، 187.

27

فقام الحسين عليه السّلام فقال: و اللّه لقد تركت من هو خير منه أبا و أمّا و نفسا!

فقال معاوية: كأنك تريد نفسك!إذا اخبرك: أما قولك: خير منه أما.

فلعمري أمّك خير من أمّه، و لو لم تكن إلاّ أنها امرأة من «قريش» لكان لنساء قريش فضلهن!فكيف و هي ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم (صلاة بتراء) ثمّ هي فاطمة في دينها و سابقتها، فأمّك لعمر اللّه خير من أمه!

و أمّا أبوك، فقد حاكم أباه (يعني نفسه) إلى اللّه فقضى لأبيه (معاوية) على أبيك (عليّ عليه السّلام) !

فقال الحسين عليه السّلام: حسبك جهلك إذ آثرت العاجل على الآجل!فلم يجبه معاوية و قال:

و أما ما ذكرت من أنّك خير من يزيد نفسا. فيزيد-و اللّه!-خير لأمة محمد منك!

فقال الحسين عليه السّلام: هذا هو الإفك و الزور: يزيد شارب الخمر و مشتري اللهو خير منّي!

فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك!فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك؟

ثمّ قال للناس: أيّها الناس، قد علمتم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم (صلاة بتراء) قبض و لم يستخلف أحدا!فرأى المسلمون أن يستخلف الناس! أبا بكر، و كانت بيعته بيعة هدى!فلمّا حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر، فعمل عمر بكتاب اللّه و سنة نبيه، فلمّا حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستّة نفر اختارهم من المسلمين. فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول اللّه، و صنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، و كل يصنعه نظرا للمسلمين!فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف، و نظرا لهم بعين الانصاف!

28

فقام عبد اللّه بن الزبير فأكّد عليه أن يصنع كما صنع كلّ منهما حيث زووها عن أبنائهم، فلم يتكلّم و نزل عن المنبر و انصرف إلى منزله، و أمر أن يحضروا إليه هؤلاء الممتنعين عن البيعة (1) .

قال اليعقوبي: و قال معاوية للحسين عليه السّلام: يا أبا عبد اللّه، علمت أنا قتلنا «شيعة أبيك» فحنّطناهم و كفّناهم و صلّينا عليهم و دفنّاهم!-كأنّه يهدّده و يمنّ بها عليه أيضا-.

فقال الحسين عليه السّلام: حججتك و ربّ الكعبة!لكنّا-و اللّه-ان قتلنا «شيعتك» ما كفّنّاهم و لا حنّطناهم و لا صلّينا عليهم و لا دفنّاهم‏ (2) !

ثمّ قال له: «و لقد بلغني وقيعتك في عليّ عليه السّلام و قيامك ببغضنا و اعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك ثمّ سلها الحقّ عليها و لها، فإن لم تجدها أكثر عيبا في أصغر عيبك فيك فقد ظلمناك يا معاوية!فلا توترن غير قوسك، و لا ترمينّ غير غرضك، و لا ترينا بالعداوة من مكان قريب، فإنّك و اللّه لقد أطعت فينا رجلا ما قدم إسلامه و لا حدث نفاقه (فنفاقه قديم) و لا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع» . قال الراوي صالح بن كيسان التابعي: يعني عمرو بن العاص‏ (3) .

و نقل ابن عبد ربّه الأندلسي: أن سعد بن أبي وقاص كان ما زال حيّا و في المدينة و معروفا بكراهته لسبّ علي عليه السّلام، و علم من معاوية أنّه يريد سبّه على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقيل له: إن هاهنا سعد بن أبي وقاص و لا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه و خذ رأيه!

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 188-190، و أشار خليفة إلى خطبته بالمدينة: 131.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 231.

(3) الاحتجاج 2: 20.

29

فأرسل إليه و ذكر له ذلك فقال: إن فعلت لأخرجن من المسجد ثمّ لا أعود أبدا!

فأمسك معاوية عن لعنه، حتّى مات سعد، فلمّا مات لعنه على المنبر، فكتبت أمّ سلمة إليه: إنّكم تلعنون علي بن أبي طالب و من أحبّه، و أنا أشهد أن اللّه أحبّه و رسوله!

فلم يلتفت معاوية إلى كلامها (1) و لذا لم يزرها و إنما زار عائشة.

ثمّ ارتحل فقدم مكة:

لم يتعقّب اليعقوبي و المسعودي أخبار إصرار معاوية على البيعة ليزيد بولاية عهده، في المدينة و لا مكة، و ذكرها خليفة بن الخيّاط و الدينوري و اتفقا على سنة 51 و اختلفا في آخر مرحلة هل كانت بالمدينة كما ذكر الدينوري أو كانت بمكة كما لدى خليفة بن الخيّاط: أشار إلى خطبته بالمدينة ثمّ قال: ثمّ ارتحل فقدم مكة. و كأنّه حمل الممتنعين عن البيعة، على الحجّ معه.

فروى ابن الخيّاط عن جويريّة بن أسماء عن شيوخ من المدينة قالوا: إنّ معاوية لمّا قرب من مكة و راح من موضع بطن مرّ قال لصاحب حرسه و كان معه ألف رجل!لا تدع أحدا يسير معي إلاّ من حملته أنا!فلما كان في أوساط الأراك بعد بطن مرّ لقيه الحسين عليه السّلام فوقف و قال: مرحبا و أهلا بابن بنت رسول اللّه و سيد شباب المسلمين!هاتوا لأبي عبد اللّه بدابة يركبها!فأتي ببرذون فتحوّل من الجمل عليه مع معاوية ثمّ طلع عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له: مرحبا و أهلا بشيخ قريش و ابن «صدّيق» هذه الأمة!هاتوا بدابة لأبي محمد!فأتي ببرذون فتحوّل من الجمل عليه. ثمّ طلع عليه ابن عمر فقال له: مرحبا و أهلا بصاحب رسول اللّه

____________

(1) العقد الفريد 2: 103 و عنه في الغدير 10: 260.

30

و ابن «الفاروق» و دعا له بدابة فركبها. ثمّ طلع ابن الزبير فقال له: مرحبا و أهلا بابن حواريّ رسول اللّه و ابن عمّة رسول اللّه و ابن الصديق (من أمه أسماء) ثمّ دعا له بدابة فركبها، فلم يزل يسايرهم حتّى دخل مكة: فقضى طوافه و ارتحل إلى منزله بذي طوى فنزله، حتّى قضى نسكه و ترحلت أثقاله و قرب مسيره إلى الكعبة و أنيخت رواحله، لم يعرض لهم بشي‏ء مما هو فيه من بيعة يزيد. ثمّ خرج آذنه إليهم فأذن لهم فتوافقوا على أن يتكلّم عنهم ابن الزبير ثمّ دخلوا.

فتكلم معاوية فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال لهم: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم و صفحي عنكم و تحملي لما يكون منكم، «و يزيد» ابن أمير المؤمنين أخوكم و ابن عمّكم!و أحسن الناس فيكم رأيا، و إنما أردت أن تقدّموه باسم الخلافة و تكونون أنتم الذين تنزعون و تؤمّرون و تجبون و تقسمون!لا يدخل عليكم في شي‏ء من ذلك!ثمّ سكت و سكتوا فقال: أجيبوني!فسكتوا! فقال: ألا تجيبوني؟!

فخيره ابن الزبير أن يختار الأخذ بسيرة أبي بكر أو عمر. فقال: فهل عندك غير هذا؟قال: لا، قال: فأنتم؟قالوا: لا. فقال: أمّا لا، فإني أحببت أن أتقدّم إليكم أنّه: قد أعذر من أنذر!و إنه قد كان يقوم القائم منكم إليّ فيكذّبني على رؤوس الناس فأحتمل له ذلك و أصفح عنه!و إنّي قائم اليوم بمقالة إن صدقت فلي صدقي و إن كذبت فعليّ كذبي!و إنّي أقسم باللّه لئن ردّ أحد منكم عليّ كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إليّ رأسه!فلا يرعينّ رجل إلاّ على نفسه!

ثمّ دعا صاحب حرسه فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء من حرسك رجلين، فإن ذهب رجل يردّ عليّ في مقامي هذا بكلمة بصدق أو كذب فليضرباه بسيفهما (1) !

____________

(1) تاريخ ابن الخيّاط: 132 و 133.

31

ثمّ خرج معاوية و أخرج معه هؤلاء النفر و قد ألبسهم، فألبس الحسين حلّة صفراء، و ألبس عبد اللّه بن عباس حلّة خضراء، و ألبس ابن عمر حلّة حمراء! و ألبس ابن الزبير حلّة يمانية بيضاء (1) .

ثمّ خرج و أخرجوا معه حتى إذا رقى المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:

إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين و خيارهم، لا نستبدّ بأمر دونهم! و لا نقضي أمرا إلاّ عن مشورتهم، و إنهم قد رضوا (2) .

و روى خليفة عن ذكوان مولى عائشة أنه قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار!زعموا أنّ ابن أبي بكر «الصدّيق» و ابن عمر و ابن الزبير لم يبايعوا ليزيد، و قد سمعوا و أطاعوا و بايعوا له. فقال أهل الشام: لا و اللّه لا نرضى حتّى يبايعوا على رؤوس الناس!و إلاّ ضربنا أعناقهم!و كأنه كان بإيعاز منه.

فقال لهم: مه!سبحان اللّه!ما أسرع الناس بالسوء إلى «قريش» لا أسمع هذه المقالة بعد اليوم من أحد (3) فبايعوا باسم اللّه!فقام الناس و ضربوا على يديه.

ثمّ جلس على راحلته و انصرف.

فقال الناس لهؤلاء: زعمتم و زعمتم، فلما أرضيتم و حبيتم فعلتموها! فيقولون: ما فعلنا!فيقولون لهم: فما منعكم إذ كذب الرجل أن تردّوا عليه‏ (4) !

____________

(1) الإمامة و السياسة 1: 190.

(2) تاريخ خليفة: 133.

(3) تاريخ خليفة: 131، 132.

(4) تاريخ خليفة: 133.

32

و تداول الناس: بايع ابن أبي بكر و ابن عمر و ابن الزبير!فيقولون: لا و اللّه ما بايعنا، فيقول لهم الناس: بلى لقد بايعتم‏ (1) ثمّ بايع الناس من أهل المدينة.

ثمّ خرج إلى الشام‏ (2) .

و حيث ذكر الدينوري ذلك بالمدينة قال: ثمّ ارتحل راجعا إلى مكة (كذا) و قد أخرج لكل قبيل أعطياتهم و جوائزهم ما عدا بني هاشم!حتى لحق بمنزل الروحاء، فلحقه ابن عباس فلم يؤذن له!فجلس ببابه!و معاوية يقول: من بالباب؟فيقال: عبد اللّه بن عباس!فلم يأذن له و نام ثمّ استيقظ و سأل: من بالباب؟فقيل: عبد اللّه بن عباس!فقال: أدخلوا لي دابّتي فادخلت إليه بغلته.

فركبها و خرج، فوثب إليه ابن عباس!فأخذ بلجام البغلة و قال: إلى أين تذهب؟ قال: إلى مكة. قال: فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا!فقال: و اللّه ما لكم عندي جائزة و لا عطاء حتّى يبايع صاحبكم الحسين عليه السّلام فقال ابن عباس: فقد أبى عبد اللّه بن عمر و ابن الزبير و أخرجت جوائزهم!فقال معاوية: إنّكم لستم كغيركم فلا و اللّه لا أعطيكم درهما حتّى يبايع صاحبكم!فقال ابن عباس: فلأتركنّهم خوارج عليك!فقال معاوية: بل أعطيكم، و بعث بها من الروحاء و مضى إلى الشام.

و لم يلبث قليلا حتى توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومه‏ (3) .

____________

(1) تاريخ خليفة: 132.

(2) تاريخ خليفة: 133 و الفصل كلّه: 227-256.

(3) الإمامة و السياسة 1: 190، 191، و قال في المعارف: 174: مات فجأة سنة 53 قرب مكة فدفن بها و عليه فهذه الأمور كانت قبل ذلك في سنة 52، و ليس في 59 عمرة معاوية في 56 كما في الطبري.

33

و ذكر الخبر الأول الجزري عن خطبته في مكة ثمّ قال: ثمّ ركب رواحله و انصرف إلى المدينة فبايعه أهل المدينة ثمّ انصرف إلى الشام ثمّ نقل خبر ابن عباس معه‏ (1) و هذا أولى و أقرب.

و حاق الشرّ بزياد:

قال اليعقوبي: روي أن زيادا كان قد أحضر قوما بلغه أنّهم من «شيعة علي» ليدعوهم إلى لعنه و البراءة منه أو يضرب أعناقهم، و هم سبعون رجلا!

فصعد المنبر و جعل يتكلم بالوعيد و التهديد، فنام أحد هؤلاء فقال له آخر منهم: تنام و قد احضرت لتقتل، فقال: من عمود إلى عمود فرج!لقد رأيت في نومتي هذه عجبا، قالوا: و ما رأيت؟قال: رأيت رجلا أسود دخل المسجد فضرب رأسه السقف!فقلت له: من أنت يا هذا؟قال: أنا النقاد ذو الرقبة، قلت:

و أين تريد؟قال: أدق رقبة هذا الجبّار الذي يتكلم على هذه الأعواد!

فبينا زياد يتكلم على المنبر إذ قبض على خنصره اليمنى‏ (2) و صاح: يدي! و سقط عن المنبر مغشيّا عليه!فحمل و ادخل قصر دار الإمارة و احضر له الطبيب فقال له: أيها الأمير أخبرني عن الوجع تجده في يدك أو في قلبك؟قال: و اللّه في قلبي اقطع يدي!فقال الطبيب: بل عش سويا (يعني أنه لا يدوم) .

فأملى على كاتبه لمعاوية: إني كتبت إلى أمير المؤمنين: و أنا في آخر يوم من الدنيا و أول يوم من الآخرة، و قد استخلفت على عملي خالد بن عبد اللّه بن خالد بن اسيد القرشي، و مات سنة (54) .

____________

(1) الكامل لابن الأثير 3: 218-221، و الغدير 10: 253.

(2) و في مروج الذهب 3: 26: ظهرت بثرة في كفه ثمّ اسودّت و صارت آكلة سوداء!لأن الناس دعوا عليه عند قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله ثلاثة أيام!و ذكر خبر الرؤيا.

34

فلما توفي زياد و وضع نعشه ليصلّى عليه تقدّم ابنه عبيد اللّه ليصلّي عليه فنحّاه خالد و تقدّم فصلّى عليه. فلمّا فرغوا من دفنه (بثويّة الكوفة) خرج عبيد اللّه من ساعته إلى معاوية، فقال له معاوية: يا بنيّ!ما منع أباك أن يستخلفك؟أما لو فعل لفعلت!فقال عبيد اللّه: أنشدك اللّه أن يقولها لي أحد بعدك: ما منع أباه و عمّه أن يستعملاه!فولاّه خراسان حتّى ثغر الهند!فصار عبيد اللّه إلى خراسان فقاتل خاتون ملكة بخارى حتّى فتحها سنة (55) ، ثمّ كان أول عربي قطع نهر بلخ و حارب أهل بلخ حتّى فتحها سنة (56) فولاّه معاوية البصرة و ولّى على خراسان أخاه عبد اللّه فاستضعفه و عزله، و ولّى أخاه عبد الرحمن فلم يحمده فعزله‏ (1) .

و كان زياد ولي العراق اثنتي عشرة سنة (من 42 إلى 54) و كانت له رجلة وصولة و دهاء!و كان يقول: ينبغي أن يكون كتّاب الخراج من رؤساء الأعاجم العالمين بأمور الخراج، فأفرد كتّاب الرسائل و الدواوين من الموالي المتفصّحين بالعربية و معهم من العرب، و هو أول من وضع النسخ للكتب و دوّن الدواوين في العراقين. و كان أول من بسط أرزاق عمّاله ألف درهم ألف درهم و قرّر لنفسه خمسة و عشرين ألف درهم‏ (2) !و كان موت زياد في شهر رمضان‏ (3) في الرابع منه‏ (4) .

و كان قد استقرّ خراج العراق و ما يضاف إليه مما كان في مملكة الفرس في أيام (زياد) على ستمئة ألف ألف و خمسة و خمسين ألف ألف (655 مليون)

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 235-237.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 234.

(3) تاريخ الطبري 5: 288 و حسب موته بالطاعون بدعاء ابن عمر!

(4) تاريخ الطبري 5: 297.

35

درهما. و كان خراج السواد ألف ألف و عشرين ألف ألف (120 مليون) درهما.

و كان خراج كور دجلة، عشرة آلاف ألف (10 ملايين) درهما، و خراج حلوان:

عشرين ألف ألف (20 مليون) درهما، و خراج نهاوند و الدينور و همدان و ما يضاف إلى ذلك من أرض الجبل: أربعين ألف ألف (40 مليون) درهما. و خراج الريّ و ما يضاف إليها: ثلاثين ألف ألف (30 مليون) درهما، و خراج الأهواز و ما يضاف إليها أربعين ألف ألف (40 مليون) درهما، و خراج فارس: سبعين ألف ألف (70 مليون) درهما، و خراج آذربايجان ثلاثين ألف ألف (30 مليون) درهما، و خراج الموصل و ما يضاف إليها و يتّصل بها: خمسة و أربعين ألف ألف (45 مليون) درهما، و خراج اليمامة و البحرين: خمسة عشر ألف ألف (15 مليون) درهما و كان صاحب العراق يحمل إلى معاوية من صوافيه في هذه النواحي مئة ألف ألف (100 مليون) درهما، فمنها كانت صلاته و جوائزه‏ (1) .

سعيد بن عثمان و معاوية:

لم يكن سعيد بن عثمان بن عفّان من أتراب أبناء الأصحاب الكبار الممتنعين عن بيعة يزيد، إلاّ أنّه كان من أبناء الخلفاء المترشحين للخلافة، و كان من أهل المدينة من يفضّله على يزيد، فكان قد بلغ معاوية أنّهم يرتجزون:

و اللّه لا ينالها يزيد # حتّى يعضّ هامه الحديد

إنّ الأمير بعده سعيد

و دخل على معاوية فقال له: يابن أخي ما شي‏ء يقولونه أهل المدينة و حكى له الرجز، فقال له: و ما تنكر من ذلك يا معاوية؟!و اللّه إن أبي لخير من

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 233 و الأرقام هذه من ميّزات هذا الكتاب و ترتيبها منّا.

غ

36

أبي يزيد، و لأمّي خير من أمّه، و لأنا خير منه، و لقد استعملناك فما عزلناك بعد، و وصلناك فما قطعناك ثمّ صار في يديك ما ترى فحلأتنا عنه أجمع‏ (1) !

فضحك معاوية و قال له: يابن أخي أمّا قولك: إنّ أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية و أما قولك: إنّ أمّك خير من أمّه، ففضل «قرشيّة» على كلبيّة فضل بيّن!و أما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنّما هو الملك يؤتيه اللّه من يشاء!قتل أبوك فتواكلته بنو العاص و قامت فيه بنو حرب!فنحن أعظم بذلك منّة عليك، و أمّا أن تكون خيرا من يزيد، فو اللّه ما أحبّ أن داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد، و لكن دعني من هذا القول و سلني أعطك!

فقال سعيد بن عثمان: يا أمير المؤمنين، لا يعدم يزيد مزكّيا ما دمت له.

و ما كنت لأرضى ببعض حقّي دون بعض، فإذا أبيت فأعطني مما أعطاك اللّه.

فقال معاوية: لك خراسان!فقال: و ما خراسان؟قال: إنّها طعمة لك و صلة رحم‏ (2) .

و روى الطبري، عن النميري البصري، عن المدائني البصري: أن سعيدا هو الذي طلب من معاوية تولية خراسان فقال له: إن بها عبيد اللّه بن زياد، و ذلك في سنة (56 هـ) ، فلمّا عتب عليه سعيد و ردّه معاوية شفع له يزيد فقال:

يا أمير المؤمنين، ابن عمّك و أنت أحقّ من نظر في أمره، و قد عتب عليك فأرضه.

فولاّه خراسان حربها و خراجها (3) بعد عبد الرحمن بن زياد فقطع النهر و صار إلى بخارى و قد تمرّدت خاتون ملكة بخارى فطلبت الصلح ثمّ حاربت فحاربها سعيد في مقتلة عظيمة حتّى ظفر بهم، ثمّ سار إلى سمرقند فحاصرها، و كان معه

____________

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر 6: 155، و عنه في الغدير 10: 135.

(2) الإمامة و السياسة 1: 191.

(3) تاريخ الطبري 5: 305.

37

قثم بن العباس فمات بها ثمّ دخل المدينة ثمّ ولّى معاوية مكانه أسلم بن زرعة، فعاد سعيد إلى معاوية ثمّ إلى المدينة و معه أسراء من أولاد ملوك السغد فوثبوا عليه و قتلوه ثمّ قتل بعضهم بعضا حتّى لم يبق منهم أحد (1) .

خوارج بالكوفة و البصرة:

مرّ الخبر سابقا عن خروج المستورد بن علّفة مع بقايا خوارج النهروان على المغيرة الثقفي، و ظفر المغيرة بنحو مئة منهم فسجنهم، فلما مات و قبل أن يستولي زياد خرجوا من سجن الكوفة سنة (53) .

و في سنة (58) بعد أن توالى على الكوفة بعد المغيرة زياد إلى (53) و خليفته عبد اللّه بن خالد بن أسيد إلى (56) و الضحّاك بن قيس الفهري إلى (58) ثمّ عبد الرحمن بن عبد اللّه الثقفي ابن أمّ الحكم أخت معاوية، و بعد سنة من حكمه في الأول من ربيع الثاني تجمّعوا إلى حيّان بن ظبيان السلمي و بايعوه للخروج عليه فخرجوا إلى بانقيا، فبعث إليهم جيشا فقتلوا جميعا. ثمّ طغى ابن أم الحكم فأساء السيرة فطرده أهل الكوفة فلحق بخاله معاوية فبعثه إلى مصر فردّه عنها معاوية بن حديج الكندي‏ (2) .

و في سنة (56) حيث ولّى معاوية سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان، أعاد عبيد اللّه بن زياد إلى حكم أبيه على البصرة، فاشتدّ بها على خوارجها منهم مرداس بن أديّة سجنه، فاعترض أخوه عروة بن أدية على ابن زياد قال له:

خمس كنّ في الأمم قبلنا صرن فينا ثلاثة منها في قوله سبحانه: أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 237. كلّ كذلك سنة (57) و في (58) مات عبيد اللّه بن العباس بمكة -تاريخ خليفة: 139.

(2) تاريخ الطبري 5: 309-312.

38

آيَةً تَعْبَثُونَ*وَ تَتَّخِذُونَ مَصََانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ*وَ إِذََا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبََّارِينَ (1) و ذكر خصلتين أخريين، فتركه ابن زياد ثمّ طلبه فهرب إلى الكوفة فأخذ ابنه فقطع يديه و رجليه و قتل ابنته!و عزم على قتل سائر الخوارج و منهم أخو هذا مرداس، فأحضره فشفع فيه سجّانه فأطلقه، فخرج في أربعين منهم إلى قرية آسك من الأهواز، فبعث إليهم ابن زياد جيشا فقتل الخوارج جمعا منهم و هزموهم‏ (2) .

مولد الباقر عليه السّلام:

تولّى الحسين بعد أخيه الحسن عليهما السّلام رعاية صغاره، و منهم ابنته أم عبد اللّه من أم ولد له‏ (3) ، فزوّجها لابنه علي السجاد عليه السّلام فولدت له ابنا، يبدو أن جدّه الحسين عليه السّلام سمّاه باسم جدّه محمد صلّى اللّه عليه و آله، ممتثلا نهيه عن الجمع بين اسمه و كنيته:

أبي القاسم، فكنّاه بأبي جعفر (4) سنة ثمان و خمسين‏ (5) في أول يوم من شهر رجب الحرام‏ (6) .

خطبة الحسين عليه السّلام بمنى:

لم يحفل المؤرّخون بأمراء مكة و إنما حفلوا و ذكروا امراء موسمها و المدينة،

____________

(1) الشعراء: 128-130.

(2) تاريخ الطبري 5: 312-314.

(3) الإرشاد 2: 20.

(4) الإرشاد 2: 155.

(5) تاريخ أهل البيت عليهم السّلام: 80.

(6) مسارّ الشيعة الكرام: 56 و في المجموعة النفيسة: 69 عن جابر الجعفي فلعلّه عنه عليه السّلام.

39

و غالبا كانا متّحدين أي كان أميرها هو أمير الموسم إلاّ نادرا. و عزل معاوية سعيد بن العاص و أمّر مروان سنتين، ثمّ عزله و أمّر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان من سنة (57) حتّى مات معاوية سنة (60) . و عرف مروان بمرارة أمره مع بني هاشم على عكس الوليد.

و لعلّ خروج أولئك الخوارج بالكوفة و البصرة أوحى أنّ أمر معاوية قد أوهى شيئا ما.

فروى سليم بن قيس الهلالي: أنّ الحسين عليه السّلام حجّ قبل موت معاوية بسنة أو سنتين (58 هـ) ، و معه ابنا عمّيه عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن جعفر، فلما كانوا بمنى جمع إليه من حجّ من بني هاشم رجالهم و نساءهم و مواليهم و «شيعتهم» و من يعرف من أهل بيته و الأنصار. و أرسل رسلا و قال لهم: لا تدعوا أحدا ممّن حجّ العام من أصحاب رسول اللّه المعروفين بالصلاح و النسك إلاّ أن تجمعوهم لي:

فاجتمع إليه في سرادقه نحو من مئتي رجل من أصحاب النبي، و أكثر من سبعمئة رجل من التابعين و غيرهم. ثمّ قام فيهم الحسين عليه السّلام خطيبا:

فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أما بعد، فإن هذا الطاغية (معاوية) قد فعل بنا و «شيعتنا» ما قد رأيتم و علمتم و شهدتم!و إني أريد أن أسألكم عن شي‏ء فإن صدقت فصدّقوني و إن كذبت فكذّبوني!أسألكم بحقّ اللّه عليكم و حقّ رسول اللّه و حقّ قرابتي من نبيّكم!لما سبرتم مقامي هذا و وصفتم مقالتي، و دعوتم من أنصاركم في قبائلكم من أمنتم من الناس و وثقتم به، فأدعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإنّي أتخوّف أن يدرس هذا الأمر و يذهب الحق و يغلب! وَ اَللََّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ (1) ثمّ قال:

____________

(1) الصف: 8.

40

أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فضّل (عليا) على جعفر و حمزة (1) حين قال لفاطمة: «زوّجتك خير أهل بيتي: أقدمهم سلما، و أعظمهم حلما و أكثرهم علما» قالوا: اللهم نعم.

قال: أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «أنا سيّد ولد آدم، و أخي سيد العرب، و فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة، و ابناي الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» قالوا: اللهم نعم!

قال: أتعلمون أنه كانت له من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كل يوم خلوة و في كل ليلة دخلة، إذا سأله أجابه و إذا سكت ابتدأه؟قالوا: اللهم نعم!

قال: أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قضى بينه و بين زيد و جعفر فقال له:

«يا عليّ، أنت منّي و أنا منك، و أنت وليّ كل مؤمن و مؤمنة بعدي» ؟قالوا:

اللهم نعم.

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم تنزل به شدّة قط إلاّ قدّمه لها ثقة به، و أنه لم يدعه باسمه قط إلاّ أن يقول: يا أخي أو ادعوا لي أخي؟قالوا: اللهم نعم!

قال: أنشدكم اللّه، أتعلمون أنه دفع إليه اللواء «يوم خيبر» و قال: «لأدفعه إلى رجل يحبّه اللّه و رسوله و يحبّ اللّه و رسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها اللّه على يديه» ؟قالوا: اللهم نعم!

قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اشترى موضع مسجده و منازله فابتناه، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل (تدريجا) تسعة له، و جعل أوسطها لأبي، ثمّ خطب صلّى اللّه عليه و آله فقال: «إن اللّه أمر موسى أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيره و غير هارون و ابنيه؛ و إن اللّه أمرني أن ابني مسجدا طاهرا لا يسكنه غيري

____________

(1) هذا و عبد اللّه بن جعفر حاضر يسمعه، و يومئذ كان جعفر في هجرة الحبشة، و راعينا في المناشدات تواريخ وقوع حوادثها.

41

و غير أخي و ابنيه» ثمّ سدّ كل باب شارع إلى المسجد غير بابه، فتكلم في ذلك من تكلّم فقال صلّى اللّه عليه و آله: «ما أنا سددت أبوابكم و فتحت بابه، و لكن اللّه أمرني بسدّ أبوابكم و فتح بابه» ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره... و إنّ عمر بن الخطاب حرص على كوّة قدر عينيه من منزله إلى المسجد، فأبى عليه!قالوا: اللهم نعم!

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال له في (خروجه إلى) «غزوة تبوك» : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و أنت وليّ كل مؤمن بعدي» ؟قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نصبه «يوم غدير خم» فنادى له بالولاية و قال: «فليبلّغ الشاهد الغائب» ؟قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين دعا النصارى من أهل «نجران» إلى «المباهلة» لم يأت إلاّ به و بصاحبته و ابنيه؟قالوا: اللهم نعم!

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال في آخر خطبة خطبها: «أيها الناس، إنّي تركت فيكم الثقلين: كتاب اللّه و أهل بيتي، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا» ؟قالوا:

اللهم نعم!

قال: أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمره بغسله و أخبره: أنّ جبرئيل يعينه عليه؟قالوا: اللهم نعم!

فلم يدع شيئا أنزله اللّه في عليّ بن أبي طالب خاصّة و في أهل بيته من القرآن، و لا على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله، إلاّ ناشدهم فيه، فيقول الصحابة: اللهم نعم قد سمعناه، و يقول التابعي: اللهم نعم قد حدّثنيه من أثق به!

ثمّ ناشدهم: أنهم هل سمعوه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «من زعم أنه يحبّني و يبغض عليا فقد كذب، ليس يحبّني و هو يبغض عليا» فقال قائل: يا رسول اللّه و كيف ذلك؟ فقال: «لأنه منّي و أنا منه، من أحبّه فقد أحبّني و من أحبّني فقد أحبّ اللّه!و من أبغضه فقد أبغضني، و من أبغضني فقد أبغض اللّه» !

42

فقالوا: اللهم نعم قد سمعناه‏ (1) .

هذا ما جاء في كتاب سليم بن قيس الهلالي.

و روى الحسن بن علي الحرّاني عنه عليه السّلام خطبة أنسب ما تكون صدرا أو ذيلا لما مرّ قال:

اعتبروا أيّها الناس-بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: لَوْ لاََ يَنْهََاهُمُ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ (2) و قال: لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ لِسََانِ دََاوُدَ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا وَ كََانُوا يَعْتَدُونَ*كََانُوا لاََ يَتَنََاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ (3) و إنما عاب اللّه ذلك عليهم؛ لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر و الفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبة فيما كانوا ينالون منهم، و رهبة مما يحذرون، و اللّه يقول:

فَلاََ تَخْشَوُا اَلنََّاسَ وَ اِخْشَوْنِ (4) و قال: اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ (5) فبدأ اللّه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنّها إذا ادّيت و أقيمت استقامت الفرائض كلها هيّنها و صعبها، و ذلك أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع ردّ المظالم، و مخالفة الظالم، و قسمة الفي‏ء و الغنائم، و أخذ الصدقات من مواضعها و وضعها في حقها.

____________

(1) كتاب سليم بن قيس 2: 788-793، و راعينا في المناشدات تواريخ وقوع حوادثها.

(2) المائدة: 63.

(3) المائدة: 78 و 79.

(4) المائدة: 44.

(5) التوبة: 71.

43

ثمّ أنتم-أيتها العصابة-عصابة بالعلم مشهورة، و بالخير مذكورة، و بالنصيحة معروفة، و باللّه في أنفس الناس مهابة يهابكم الشريف، و يكرمكم الضعيف، و يؤثركم من لا فضل لكم عليه و لا يدلكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلاّبها، و تمشون في الطريق بهيبة الملوك و كرامة الأكابر!أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق اللّه، و إن كنتم عن أكثر حقّه تقصّرون!إذ استخففتم بحقّ الأئمة!

فأمّا حقّ الضعفاء فضيعتم، و أمّا حقكم-بزعمكم-فطلبتم!فلا مالا بذلتموه، و لا نفسا خاطرتم بها للذي خلقها، و لا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه! و أنتم تتمنون على اللّه جنته و مجاورة رسله و أمانا من عذابه!

لقد خشيت عليكم-أيّها المتمنّون على اللّه-أن تحلّ بكم نقمة من نقماته! لأنكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فضّلتم بها، و من يعرف باللّه لا تكرمون، و أنتم باللّه في عباده تكرمون. و ترون عهود اللّه منقوضة فلا تفزعون، و أنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، و ذمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مخفورة (فلا تنكرون) و العمى و البكم و الزمنى في المدائن مهملة لا ترحمون، لا في منزلتكم تعملون و لا من عمل فيها تغنون، و بالإدهان و المصانعة عند الظلمة تأمنون. كل ذلك مما أمركم اللّه به من النهي و التناهي و أنتم عنه غافلون.

و أنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من «منازل العلماء» لو كنتم تعون!ذلك لأنّ «مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه الأمناء على حلاله و حرامه» فأنتم المسلوبون تلك «المنزلة» . و ما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحقّ و اختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة!و لو صبرتم على الأذى و تحمّلتم المؤونة في ذات اللّه كانت «أمور اللّه» عليكم ترد، و عنكم تصدر، و إليكم ترجع!و لكنّكم مكّنتم الظلمة من «منزلتكم» و أسلمتم «أمور اللّه»

44

في أيديهم، يعملون بالشبهات و يسيرون بالشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت و إعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم.

فأسلمتم الضعفاء في أيديهم: فمن بين مستعبد مقهور، و بين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في الملك بآرائهم، و يستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداء بالأشرار و جرأة على الجبار!في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع!فالأرض لهم شاغرة و أيديهم فيها مبسوطة، و الناس لهم خول لا يدفعون يد لامس من جبّار عنيد و ذي سطوة على الضعفة شديد و مطاع لا يعرف المبدئ المعيد!

فيا عجبا!و ما لي لا أعجب!و الأرض من غاشّ غشوم، و عامل على المؤمنين بهم غير رحيم!فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا، و القاضي بحكمه فيما شجر بيننا!

اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منّا تنافسا في سلطان، و لا التماس شي‏ء من فضول الحطام، و لكن لنردّ المعالم من دينك، و نظهر «الإصلاح» في بلادك، و يأمن المظلومون من عبادك، و يعمل بفرائضك و سننك و أحكامك. و إنّكم إن لم تنصفونا و تنصرونا قوي الظلمة عليكم و عملوا في إطفاء نور نبيّكم!و حسبنا اللّه عليه توكلنا و إليه أنبنا و إليه المصير (1) .

هذا ما جاء مرسلا منفردا في «تحف العقول» مما يتناسب صدورا من الحسين عليه السّلام و لا يتناسب خطابا إلاّ لذلك الحشد المذكور في الخبر السابق عن سليم بن قيس الهلالي في موسم الحجّ. ثمّ لم يذكر فيهما و لا في غيرهما أي عمل أو ردّ فعل من معاوية أو عامله على مكة أو الموسم أو المدينة. و يبعد جدا أن يكون الخبران عن خطبتين في موسمين. و الأخير يستشهد به لولاية العلماء الفقهاء المعبّر عنها فيه بمنزلة العلماء.

____________

(1) تحف العقول: 171، 172 مرسلا.

غ

45

ثمّ وفد ابن زياد بأشراف أهل البصرة و معهم الأحنف بن قيس التميمي على معاوية، فأخذ معاوية عليهم البيعة لابنه يزيد سنة تسع و خمسين أو ستّين‏ (1) .

معاوية يعهد إلى يزيد:

و في سنة ستين مرض معاوية. فدعا ابنه يزيد.

فأجلسه بين يديه و قال له: يا بنيّ، إنّي قد ذلّلت لك الرّقاب الصّعاب، و وطّدت لك البلاد و جعلت الملك و ما فيه لك طعمة!و إنّي أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم، و هم: عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير، و الحسين بن علي عليه السّلام.

فأمّا عبد اللّه بن عمر؛ فهو معك، فالزمه و لا تدعه (أي راقبه ملازما) !

و أما عبد اللّه بن الزبير، فإنّه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته، و يواربك مواربة الثعلب للكلب!فإن ظفرت به فقطّعه إربا إربا (أي اظفر به و اقتله) !

و أما الحسين عليه السّلام فقد عرفت حظّه من رسول اللّه (بل) هو من لحم رسول اللّه و دمه!و قد علمت-لا محالة-أنّ أهل العراق سيخرجونه إليهم (لكن) ثمّ يخذلونه و يضيّعونه، فإن ظفرت به فاعرف حقّه و منزلته من رسول اللّه و لا تؤاخذه بفعله... و إياك أن تناله بسوء و يرى منك مكروها (2) . (أي اظفر به و لكن لا تقتله) .

و روى الطبري، عن الكلبي عن عوانة بن الحكم: أنّ يزيد كان غائبا عن أبيه عند موته في سنة ستّين، فدعا بصاحب شرطته الضحاك بن قيس الفهري و معه مسلم بن عقبة المرّي فقال لهما: أبلغا وصيّتي يزيد: أن انظر أهل الحجاز

____________

(1) تاريخ الطبري 5: 316 و 322.

(2) أمالي الصدوق: 129 المجلس 30، الحديث الأوّل بسنده عن الصادق عليه السّلام. و روى الطبري عن الكلبي عن أبي مخنف 5: 322 نحوه أو مثله.

46

فإنّهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم و تفقّد من غاب. و انظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أحبّ إليّ من أن تشهر عليك مئة ألف سيف!و انظر أهل الشام فليكونوا بطانتك و عيبتك، فإن نابك شي‏ء من عدوّك فانتصر بهم، فإن أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم.

و إنّي لست أخاف من قريش إلاّ ثلاثة: الحسين بن علي، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير.

فأما الحسين بن علي فإنّه رجل خفيف (سريع الرضا و الغضب) و لا أظنّ أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه!و أرجو أن يكفيكه اللّه بمن قتل أباه و خذل أخاه (من أهل العراق) فإن قدرت عليه فاصفح عنه‏ (1) .

و أما ابن عمر فرجل قد و قذه الدين فليس ملتمسا شيئا قبلك (من الخلافة و الملك) .

و أما ابن الزبير، فإنّه خبّ ضبّ (حاقد خائن) فإذا شخص لك فالبدله، فإن التمس صلحا فنعم‏ (2) .

هلاك معاوية و أحواله:

قال اليعقوبي: توفي في مستهل رجب سنة (60) و هو ابن ثمانين سنة، و قد كان ضعف و نحل و سقطت ثناياه. و لما مات خرج صاحب شرطته الضحّاك بن

____________

(1) فهو يوعز إليه أن يقابل من مع الحسين من أهل العراق بمن يستجيب منهم لبني امية فيظفر به و لا يقتله.

(2) تاريخ الطبري 5: 323 و الخبران سابق و لا حق فلا منافاة بينهما.

47

قيس الفهري يحمل أكفانه فوضعها على المنبر ثمّ قال: إن معاوية كان ناب العرب و حبلها، و قد مات و هذه أكفانه و نحن مدرجوه فيها و موردوه قبره. و كان يزيد في ذلك الوقت غائبا فصلّى عليه الضحّاك بن قيس و دفنه بدمشق. و له أربعة ذكور:

يزيد و عبد اللّه، و عبد الرحمن، و محمد!

و كان معاوية: جهم الوجه، جاحظ العينين، وافر اللحية، عريض الصدر، عظيم الأليتين!قصير الفخذين و الساقين. و حجّ بالناس في ولايته سنة (44) و (50) و اعتمر في رجب سنة (56 هـ) ، و كان أوّل من كسا الكعبة الديباج و اشترى لها العبيد وقفا عليها.

و سمع سعيد بن العاص: أنه سمع معاوية يوما يقول: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي.

و لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني. و لو أنّ بيني و بين الناس شعرة ما انقطعت!قيل: و كيف يا أمير المؤمنين؟قال: كانوا إذا مدّوها خلّيتها و إذا خلّوها مددتها. فكان له حلم و دهاء وجود بالمال، فإذا بلغه عن رجل ما يكره قطع لسانه بالعطاء، و ربّما يحتال عليه بأن يبعثه في حرب و يقدّمه في القتال، و كان أكثر فعله المكر و الحيلة (1) !

قال: و كان معاوية أول من حبس النساء بجرائر الرجال... و أول من أقام في الإسلام الحرس و الشرط و البوّابين و أرخى الستور، و مشي بين يديه بالحراب، و جلس على السرير و الناس تحته. و جعل ديوان الخاتم، و استكتب النصارى!و استصفى أموال الناس فأخذها لنفسه، و بنى و شيّد البناء و سخّر الناس في بنائه و لم يفعل من قبل.

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 3: 238، 239.

48

و رحل إليه عبد اللّه بن عمر يوما، فقال له: يا أبا عبد اللّه، كيف ترى بنياننا؟قال: إن كان من مال اللّه فأنت من الخائنين!و إن كان من مالك فأنت من المسرفين!

و كان سعيد بن المسيّب يقول: فعل اللّه بمعاوية و فعل!فإنه أوّل من أعاد هذا الأمر ملكا و كان هو يقول: أنا أوّل الملوك‏ (1) .

و فعل معاوية بالشام و الجزيرة و اليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع و تصييرها لنفسه خالصة... و كان أول من كانت له الصوافي في جميع الدنيا!حتى بمكة و المدينة فإنه كان فيهما شي‏ء يحمل في كل سنة من أو ساق التمر و الحنطة.

و كان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه في نواحيه مئة ألف ألف (100 مليون) درهما. و استقر خراج مصر بعد عمرو بن العاص على ثلاثة آلاف ألف (3 ملايين) دينارا!و استقر خراج فلسطين على أربعمئة و خمسين ألف دينار، و استقر خراج الأردن على مئة و ثمانين ألف دينار، و خراج دمشق على أربعمئة ألف و خمسين ألف دينار، و خراج جند حمص على ثلاثمئة و خمسين ألف دينار، و خراج قنّسرين و العواصم على أربعمئة ألف و خمسين ألف دينار، و خراج الجزيرة و هي ديار ربيعة و مضر على خمسة و خمسين ألف ألف (55 ميليون) درهما. و خراج اليمن على ألف ألف (مليون) و مئتي ألف دينار (2) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 232، و هذا أولى و أقرب و أنسب ممّا نسبه إليه المسعودي في مروج الذهب 3: 49: أن معاوية لمّا احتضر دعا بدعاء بلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: لقد رغب إلى من لا مرغوب إليه مثله، و إني لأرجو أن لا يعذّبه اللّه!

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 233 و 234.

49

و نقل ابن قتيبة، عن ابن إسحاق: أنه مات و له ثمان و سبعون سنة بعلّة الناقبات و هي الدبيلة و هي دمل كبير يظهر في الجوف فيقتل صاحبه‏ (1) .

و روى الدينوري، عن نافع بن جبير: أنّه كان يزيد يوم موت معاوية غائبا فاستخلف معاوية الضحّاك حتّى يقدم يزيد فنهى الضحّاك أن يحمل نعش معاوية غير قرشي، فطلب إليه الشاميّون أن يجعل لهم نصيبا فأذن لهم فازدحموا عليه حتى شقّوا البرد الذي عليه!حتى دفنوه، و بعد عشرة أيام قدم يزيد إلى دمشق.

و قال خليفة: كان على ديوانه و أمره كلّه: سرجون بن منصور الرومي.

و مات في آخر ولاية معاوية سنة 59: أبو هريرة، و اسامة بن زيد، و سعيد بن العاص، و جبير بن مطعم العدوي، و شيبة بن عثمان، و عبد اللّه بن عامر بن كريز (2) صهر معاوية و أبو زوجة يزيد أم كلثوم.

و قال المعتزلي الشافعي: كان معاوية في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه، إلاّ أنه كان يلبس الحرير و الديباج، و يشرب في آنية الذهب و الفضة، و يركب البغلات ذوات السروج المحلاّة بها، و عليها جلال الديباج و الوشي، و كان حينئذ شابّا و عنده نزق الصبا و أثر الشبيبة، و سكر السلطان و الإمرة!

ثمّ كان أيام عثمان شديد التهتك موسوما بكل قبيح، و نقل عنه الناس في كتب السيرة أنه كان يشرب الخمر بالشام في أيام عثمان!و لم يتوقّر و لم يلزم قانون الرياسة إلاّ منذ خرج على أمير المؤمنين عليه السّلام و احتاج إلى السكينة و الناموس!

____________

(1) المعارف: 349 و هي السرطان اليوم. و راجع فجائع معاوية في الغدير 10: 176-293 -120 صفحة تقريبا يبحث فيها 18 من موبقاته و نحن ذكرنا المؤرّخ منها في هذا الكتاب و تركنا سائرها فهي من الكلام لا التاريخ.

(2) تاريخ خليفة: 139-141.

50

و اختلفوا فيه بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السّلام و استقرار الأمر له، فقيل: إنه شرب الخمر سرّا و قيل: إنه تركه! (و لزمه ابنه يزيد) و لا خلاف في أنه كان يسمع الغناء و يطرب به و يعطي عليه و يصل أيضا (1) !

و انفرد المسعودي بذكر برنامجه اليومي نذكر جملا منه قال: كان إذا صلّى الفجر جاء قاصّ يقصّ عليه بعض القصص ثمّ يقرأ في مصحفه، ثمّ يدخل منزله لبعض أمره، يخرج إلى مجلسه فيأذن لخواصه يحدّثونه و يدخل عليه وزراؤه يكلّمونه فيما يخصّ يومهم ذلك إلى الليل، ثمّ يؤتى ببعض فاضل عشائه من فرخ أو جدي بارد أو ما يشبهه، ثمّ يدخل منزله لبعض شأنه، ثمّ يخرج فيوضع كرسيّه خلف مقصورته في المسجد و يقوم الحرس حوله فيجلس عليه لبعض أرباب الحوائج من الأعراب و النساء و حتّى الصبيان!ثمّ يدخل قصره على سريره فيأذن لأشراف الناس على قدر منازلهم فيقضي حوائجهم ثمّ يؤتى بغدائه و يقوم كاتبه عند رأسه يقرأ كتبه فيأمره بأمره و يأكل و يأكلون معه، و يتعاقبون لديه على غدائه لحوائجهم فربما كانوا نحو أربعين شخصا، ثمّ يدخل المنزل و لا يأذن لأحد حتى ينادى لصلاة الظهر فيخرج فيصلي، ثمّ يجلس فيأذن لخواصّه، فإن كان الوقت صيفا اتي بالفواكه الرطبة، و إن كان الوقت شتاء أتوه بزاد الحجاج من الأخبصة اليابسة و الأقراص المعجونة باللبن و السكر و الكعك المسمّن و الفواكه اليابسة و الخشكانج، و يدخل إليه وزراؤه فيؤامرونه لحوائجهم ليومهم إلى صلاة العصر فيخرج فيصلي العصر، ثمّ يدخل المنزل و لا يأذن لأحد، حتى آخر أوقات العصر فيخرج فيجلس على سريره و يؤذن للناس على منازلهم بدون أصحاب الحوائج و يؤتى بعشائه فيأكل حتى ينادى لصلاة المغرب فيخرج فيصليها و يصلّي بعدها

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي 16: 161.

51

أربع ركعات، ثمّ يدخل المنزل و لا يأذن لأحد حتى ينادى بالعشاء الآخرة فيخرج فيصلي، ثمّ يؤذن لخواصّه و حاشيته و الوزراء فيؤامرونه صدرا من ليلتهم، ثمّ كان له غلمان مرتّبون قد وكّلوا بحفظ دفاتر و قراءتها، فيحضرونها و يقرؤونها، فيستمر معهم إلى ثلث الليل في أخبار العرب و العجم و ملوكها و سياستها لرعيتها و سيرهم و حروبهم و مكايدهم و غير ذلك من أخبار الأمم السالفة، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار و السير و الآثار و أنواع السياسات!ثمّ تأتيه من نسائه الطرف الغريبة و المآكل اللطيفة من الحلوى و غيرها، ثمّ يدخل فينام ثلث الليل، ثمّ يقوم فيقعد فيحضرون له الدفاتر فيها سير الملوك و أخبارهم و حروبهم و مكايدهم فيقرأ ذلك عليه غلمانه (بدل تهجد الليل) حتى ينادى لصلاة الصبح فيخرج فيصلّيها، و هكذا (1) .

و قال السيوطي فيه: روي له عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مئة و ثلاثة و ستّون حديثا...

و ورد في فضله أحاديث قلّما تثبت‏ (2) و كان عنده شي‏ء من شعر رسول اللّه و قلامة أظفاره فأوصى أن تجعل في فمه و عينيه!و دفن بين باب الجابية و باب الصغير (3) ثمّ لا يشير إلى زيارة قبره.

بينما قال المسعودي: دفن بدمشق بباب الصغير و عليه بيت مبني يفتح كلّ يوم اثنين و خميس فيزار إلى اليوم من سنة (332) (4) و لكنّه اليوم مأوى البوم! و لقد ابدع «المجدوب الشامي» إذ خاطبه قائلا:

____________

(1) مروج الذهب 3: 29-31.

(2) تاريخ الخلفاء: 233.

(3) تاريخ الخلفاء: 237.

(4) مروج الذهب 3: 3 فلا إشكال على البناء على القبور و زياراتها!

52

هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه # لأسال مدمعك المصير الأسود

كتل من الترب المهين بخربة # سكر الذباب بها فراح يعربد

ضاعت معالمها على زوّارها # فكأنّها في مجهل لا تقصد

و مشى بها ركب البلى، فتجد بها # عارا يكاد من الضراعة يسجد

القبة الشّماء نكّس طرفها # في كل جزء للفناء بها يد

تهمي السحائب من خلال سقوفها # و الريح في جنباتها تتردّد

حتى المصلّى مظلم فكأنّه # مذ كان لم يجتز به متعبّد

أ أبا يزيد لتلك حكمة خالق # تجلى على قلب الحكيم فيرشد

أرأيت عاقبة الجموح و نزوة # أودى بليلك غيّه المترصّد

أغررت بالدنيا فرحت تشنّها # حربا على الحقّ الصّراح و توقد

تغدو بها ظلما على من حبّه # دين، و بغضته الشقاء السرمد

علم الهدى و إمام كلّ مطهّر # و مثابة العلم الذي لا يجحد

ورثت شمائله براءة أحمد # فيكاد من برديه يشرق أحمد

و خلوت حتّى قد جعلت زمامها # إرثا لكل مذمّم لا يحمد

هتك المحارم و استباح خدورها # و مضى بغير هواه لا يتغمّد

فأعادها-بعد الهدى-عصبية # هو جاء تلتهم النفوس و تفسد

فكأنما الإسلام سلعة تاجر # و كأن أمته لآلك أعبد

فاسأل مرابض كربلاء و يثرب # عن تلكم النار التي لا تخمد

ما كان ضرك لو كففت شواظها # فسلكت نهج الحقّ و هو معبّد

و لزمت ظل أبي تراب و هو من # في ظله يرجى السداد و يرشد

و لو أن فعلت لصنت شرعة أحمد # و حميت مجدا قد بناه محمد

و لعاد دين اللّه يغمر نوره الد # نيا فلا عبد و لا مستعبد!

***

53

أأبا يزيد ساء ذلك عبرة # ماذا أقول و باب سمعك موصد

قم و ارمق «النجف الشريف» بنظرة # يرتدّ طرفك و هو باك أرمد

تلك العظام أعزّ ربّك قدرها # فتكاد لو لا خوف ربّك تعبد

أبدا تباركها الوفود يحثّها # من كل صوب شوقها المتوقّد

نازعتها الدنيا ففزت بوردها # ثم انطوى-كالحلم-ذاك المورد

وسعت إلى الاخرى فأصبح ذكرها # في الخالدين، و عطف ربّك أخلد

و هذه القصيدة البديعة الخالدة للشاعر الدمشقي المبدع الأديب الاستاذ محمد المجدوب، قد ألقاها في مهرجان مولد الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام في جامع الهندي في النجف الأشرف عام (1371 هـ-1952 م) في انتهاء دهاء معاوية و عاقبته.

بداية عهد يزيد:

اختار أبو مخنف خبر هلاك معاوية لأوّل شهر رجب عام (60 هـ) (1) و كان يزيد قد خرج قبل موت أبيه بيوم إلى حوران للصيد، و أخبر الضحّاك الفهري بمسيره و طلب منه أن يخبره بخبر أبيه. فلما مات معاوية كتب بذلك الضحّاك إلى يزيد، فلمّا بلغه و قرأه وثب باكيا و أمر من معه بالرجوع إلى دمشق فوصلها بعد ثلاثة أيام‏ (2) ، و هو معتمّ بعمامة خزّ سوداء متقلّد سيفا.

و كان الضحاك الفهريّ قد أخبر الناس بقدومه و أمرهم باستقباله، فركب لذلك من أطاق الركوب و حمل السلاح، فلمّا قرب يزيد من دمشق تلقّوه باكين، و أمامه راث يرثي معاوية. و كان الفهري قد فرش له قصر القبّة الخضراء لأبيه

____________

(1) تاريخ الطبري 5: 338.

(2) و في الإمامة و السياسة 1: 203: بعشرة أيام.

غ

54

و فرش له فيه فرشا كثيرا بعضه على بعض!و وضع له الكرسي‏ (1) و جاء به الفهريّ إلى قبر أبيه فصلّى له عنده‏ (2) .

ثم أتى القبّة الخضراء و صعد على الفرش حتّى جلس على الكرسي، و أدخل الناس عليه يعزّونه بأبيه و يهنئونه بالخلافة و يبايعونه‏ (3) ثمّ خطبهم فأبّن أباه و رثاه ثمّ بشّرهم عن نفسه فقال لهم: لقد كان معاوية يغزوكم في البحر (للروم) و أنا لا أحمل أحدكم على البحر!و كان يشتّيكم بأرض الروم، و أنا لا أشتّي أحدا للروم، و كان يخرج عطاءكم أثلاثا في السنة كلّ أربعة أشهر، و أنا أجمعه لكم كلّه‏ (4) !

ثمّ أمر ففتحوا بيوت الأموال ففرّقها عليهم، و كتب إلى البلدان بأخذ البيعة له‏ (5) و عمره ثلاث و ثلاثون سنة (6) .

كتابه للبيعة إلى المدينة:

كان معاوية ولّى المدينة ابن أخيه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، سنة (58 هـ) (7) فولّى يزيد و ابن عمّه الوليد على المدينة، و لم يكن ليزيد همّة إلاّ بيعة الممتنعين الثلاثة و في مقدّمتهم و على رأسهم الحسين عليه السّلام، فكتب إلى الوليد

____________

(1) مقتل الخوارزمي 1: 177-179 عن ابن الأعثم الكوفي.

(2) الكامل في التاريخ 4: 9، و البداية و النهاية 8: 143.

(3) مقتل الخوارزمي 1: 179 عن ابن الأعثم.

(4) البداية و النهاية 8: 143 فأمّن الروم ضمنا!

(5) مقتل الخوارزمي 1: 179 عن ابن الأعثم.

(6) تاريخ الطبري 5: 499 ولد سنة (28 هـ) .

(7) تاريخ الطبري 5: 309.