موسوعة التاريخ الاسلامي - ج7

- الشيخ محمد هادي اليوسفي المزيد...
736 /
7

-

8

الجزء السابع‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

عهدالإمام الباقر عليه السلام‏

9

هلاك الوليد بن عبد الملك :

وتوفي الوليد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأُولى سنة ( 96 هـ ) وهو ابن خمسين سنة تقريباً وولي عشر سنين تقريباً ، بدير مرّان وحُمل ودُفن بدمشق ، وله تسعة عشر ولداً ذكراً ! وكان الوليد طوالاً أسمر أفطس به أثر جدريّ خفيّ ، بمقدّم لحيته شمط ، ليس في رأسه ولا لحيته غبرة . وكان لحّاناً في العربية ، فيه حرج وحيرة .

وأحصى أهلَ الديوان فألقى منهم بشراً كثيراً بلغت عدّتهم عشرين ألفاً ! فأجرى الأرزاق على العميان والمساكين والمجذَمين ، وهو أوّل من عمل البيمارستان ( المشفى ) للمرضى ، ودار الضيافة للغرباء ، وأوّل من أجرى الإفطار في المساجد في شهر رمضان . وكان ممّن أحدث قتل العصاة ! وأوّل من أخذ بالقذف والظنّة وقتل بهما الرجال ! وفي سنة ( 94 ) في ولايته قامت الزلازل أربعين صباحاً فهدمت كلّ شي‏ء ! فانكسر الخراج في عهده فلم يُحمل إليه شي‏ء كثير (1) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 290 و 291 و 292 .

10

وقال فيه ابن العبري الملطي : إنّه منع الكتّاب النصارى من كتابة الدفاتر بالروميّة ، ولكن بالعربية وكان صاحب بناء واتّخاذ للضياع والمصانع ، وجعل لكلّ ضرير قائداً ولكلّ مقعد خادماً وأعطى المجذومين ومنعهم من السؤال والتكدّي من الناس . ومع ذلك كان يمرّ بالبقّال فيقف عليه يأخذ منه حزمة بقل ويقول له :

بكم هذا ؟ فيقول : بفَلس . فيقول : زد عليها ! وكان لحّاناً (1) .

وقال المعتزلي : روى أهل السيرة : أنّ الوليد ذكر عليّاً عليه السلام فقال : لعنهِ اللََّه ( بكسر الهاء ) كان لِصّ ابن لِصّ ! فعجب الناس وقالوا : ما ندري أ يّهما أعجب :

لحنه فيما لا يلحن فيه أحدٌ أو نسبته عليّاً إلى اللصوصيّة (2) !

أيّام سليمان بن عبد الملك :

كان سليمان بن عبد الملك أخو الوليد بالرملة من فلسطين ، وأنشأ بها قصره والمسجد الجامع ، وكان نزول الناس في بلد اللُدّ فأمرهم بالبناء معه بالرملة وانتقالهم إليها ، ومن امتنع من ذلك قطع الميرة عنهم ، بل أخذ بهدم منازلهم حتّى انتقلوا ، وخرّب بلد اللُدّ !

وكان بها يوم مات أخوه الوليد بدير مُرّان ، وحُمل إلى دمشق وصلّى عليه ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن عبد الملك ودفنه ثمّ أخذ البيعة لسليمان ، فصار سليمان إلى دمشق .

وكان بمكّة في أصل جبل ثبير ثقبة ينبع منها ماء عذب ، وعلم سليمان بذلك فكتب إلى عامل مكّة خالد بن عبد اللََّه القسري يأمره أن يجري له عيناً من الثقبة حتّى تظهر بين زمزم والركن الأسود يباهي بها زمزم ! وهو يريد الحجّ بعدها .

____________

(1) مختصر تاريخ الدول : 113 .

(2) شرح النهج للمعتزلي 4 : 58 .

11

فعمل خالد بركة بفم الثقبة نُسبت إليه فقيل بركة القسري ، عملها بحجارة منقوشة ، واشتقّ من هذه البركة عيناً تجري في قصب من رصاص ! إلى المسجد الحرام ، حتّى أظهرها في فوّارة تسكب في ساقية رخام بين الركن وزمزم .

ولمّا جرت وظهر ماؤها ، أمر خالد بنحر جُزر بمكّة قسمت بين الناس ، وعمل طعاماً دعا إليه الناس ، ثمّ صعد المنبر فقال : أ يّها الناس احمدوا اللََّه وادعوا لأمير المؤمنين الذي سقاكم الماء العذب بعد المالح الأُجاج الذي لا يطاق شربه ( يعني زمزم ) .

فلم يجتمع على ذلك الماء اثنان من الناس ، بل ما زالوا أكثر ما كانوا على شرب زمزم ! فلمّا رأى خالد ذلك تكلّم في خطبته على أهل مكّة بكلام قبيح يعنّفهم به على إقبالهم على زمزم وتركهم ذلك الماء .

ثمّ لم يُقم خالد بمكّة إلّاقليلاً حتّى سخط على امرأة قرشية فقذفها وأقبح في لفظه ، وبلغ ذلك سليمان فسخط على خالد ، فولّى طلحة بن داود الحضرمي على مكّة وأمره أن يعزل خالداً ويضربه بالسياط ثمّ يقيّده بالحديد ويحمله إلى سليمان ، ففعل الحضرمي ذلك‏ (1) .

وتزامن أن شرب عامل المدينة عثمان بن حيّان المرّي الخمر فقرف على عبد اللََّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان ، وبلغ ذلك سليمان ، فقلّدها أبا بكر بن محمّد بن حزم ، فضربه حدّين للخمر وللقذف أو القرف‏ (2) وحجّ سليمان سنة ( 97 هـ ) فمرّ بالمدينة .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 293 - 294 ، وفي مروج الذهب 3 : 179 ، ذكر سبباً آخر : أنّ قرشياً هرب من خالد إلى سليمان فكتب إليه أن لا يعرض له فلمّا أتاه بالكتاب ضربه مئة سوط قبل أن يقرأ الكتاب !

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 294 .

12

سليمان يستفتي أبا حازم :

قال ابن قتيبة : حجّ سليمان ومعه محمّد بن شهاب الزُهْري ، ودخل المدينة زائراً لقبر رسول اللََّه ! فأقام بها ثلاثة أيّام ، وسأل : أ مّا هاهنا رجل ممّن أدرك أصحاب رسول اللََّه ؟ فقيل : بلى هاهنا رجل يقال له أبو حازم ، فبعث إليه فجاءه وهو أقور أعرج وله عصا ، فدخل ووقف منتظراً للإذن وطال فطرح عصاه وجلس ... وطال المقال بينهما إلى أن قال له سليمان : يا أبا حازم ، مسألة : ما تقول فيها ؟ قال : إن كان عندي علم أخبرتك به وإلّا فهذا الذي عن يسارك ( الزُهْري ) يزعم أ نّه ليس شي‏ء يُسأل عنه إلّاوعنده به علم ! فقال سليمان : ما تقول في سلام الإمام من صلاته أواحدة أم اثنتان ؟ فإن العلماء لدينا قد اختلفوا في ذلك علينا أشد الاختلاف ! قال : أرميك في هذا بخبر شاف ! ثمّ روى عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه أ نّه شهد رسول اللََّه يسلّم عن يمينه حتّى يُرى بياض خدّه الأيمن يجهر به ، ثمّ عن يساره كذلك !

فقال له الزهري : أ يّها الرجل ! اعلم ما تحدّث به ، فإنّ الحديث عن رسول اللََّه صعب شديد إلّابالتثبّت واليقين ! ثمّ التفت الزهري إلى سليمان وقال له :

أصلحك اللََّه ما سمعت بهذا الحديث من حديث رسول اللََّه قطّ ! فقال له أبو حازم :

هذا من الثلث الذي لم يبلغك وبقي عليك سماعه ! ثمّ قام‏ (1) .

وصار سليمان إلى الحجّ وعاد منه إلى بيت المقدس فنفى عنها المجذومين‏ (2) .

وكان الحجّاج لما عزل يزيد بن المهلّب الأزدي عن خراسان وولّاها قتيبة بن مسلم الباهلي وأمره أن يستوثق بني المهلّب ويشخصهم إليه ، فأشخص إليه‏

____________

(1) الإمامة والسياسة 2 : 110 - 115 .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 298 - 299 .

13

قتيبة ولد المهلّب حبسهم جميعاً وطالبهم بستّة آلاف ألف ( مليون ) درهم ، وعذّبهم في ذلك أشدّ العذاب ، ثمّ فرّوا من حبسه إلى الوليد بالشام ، فكأ نّه ساعدهم في ذلك خليفة الحجّاج يزيد بن أبي مسلم .

فلمّا مات الحجّاج واستخلفه هذا وولّى سليمان استقدم هذا وكان قصيراً خفيف البدن دميم الخلقة ، فاستصغره واستحقره . وكان سليمان قد قرّب إليه يزيد بن المهلّب الأزدي فقال له : خذه إليك فعذّبه بألوان العذاب حتّى تستخرج منه الأموال . وكان ابن المهلّب يعرف له جميل فعله به فقام وقال : يا أمير المؤمنين أنا أعلم به ، ما كان هذا ممّن يحوي المال . فتركه .

وكان قد اجتمع عنده خالد القسري وابن حيّان المرّي ، وسخط سليمان كذلك على موسى بن نُصير اللخمي عامل إفريقية وفاتح الأندلس وما والاها فأخذه سليمان بمئة ألف دينار وعزله ، واجتمع معهم عند سليمان الحكم بن أيوب ويوسف بن عمر الثقفي ، فدفعهم وأصحابهم إلى ابن المهلّب وأصحابه وأمره أن يعذّبهم حتّى يستخرج منهم أموالهم . ثمّ أعاده سليمان على العراق وخراسان !

فصار ابن المهلّب إلى العراق وعزل عمّال الحجّاج وعذّبهم ، ثمّ استخلف على العراق ونفذ إلى خراسان ، فتتبّع أصحاب قتيبة الباهلي وقراباته وسامهم سوء العذاب يطالبهم بالأموال التي صارت إليهم . وخالفه أهل جرجان فحاصرهم حتّى نزلوا على حكمه فقتل منهم مقتلة عظيمة (1) !

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 294 - 296 . وفي تاريخ خليفة : لم تكن جرجان يومئذ مدينة وإنّما هي جبال محيطة ، وفي البحر جزيرة تحوّل إليها صول ملك جرجان ، وكان ابن المهلّب في ثلاثين ألفاً ، فحاصر صولاً ، فكان صول يخرج في الأيّام فيقاتلهم شهوراً حتّى صالحهم يزيد على خمس مئة ألف درهم يؤدونها كلّ عام ، وبعثوا إليه بألف رأس ( ؟ ) وطيالسة وثياب ، وخلّف عليهم يزيد جمعاً من المسلمين وتركهم فغدروا بهم وقتلوهم ، فحلف إن ظفر بهم أن يأكل خبزاً من طحين مطحون بدمائهم ! ثمّ سار إليهم فتحصّنوا منه ، فقاتلهم شهوراً اُخرى حتّى أَعطوا بأيديهم ونزلوا على حكمه ، فسبى ذراريهم ، وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى وادي الأندرهز من جرجان يجري فيه ماء وعليه أرحاء ، فقتلهم هناك ثمّ أجرى الماء على الدماء لتطحن الأرحاء بدمائهم فيطحن ويختبز ويأكل منه لحلفه !

قال : وخالفه اصطهبد طبرستان فغزاه ، فسأله الصلح فأبى ، فاستعان الاصطهبد بأهل الجبال والديلم فالتقوا عند سند الجبل فاقتتلوا قتالاً شديداً ثمّ هزمهم اللََّه فصعدوا الجبل وسألوا الصلح ، فصالحهم ابن المهلب على أربعمئة رجل ( ؟ ) مع كلّ منهم كسوة : برنس وطيلسان وشقة حرير وجام فضة ! ومعهم أربعمئة حمل زعفران أو قيمته ! وسبعمئة ألف درهم كلّ عام . تاريخ خليفة : 201 ، وانظر تفاصيل ذلك في تاريخ الطبري 6 : 532 - 541 ، حوادث ( 88 هـ ) .

14

ثمّ رجع إلى جرجان ثمّ إلى نيسابور ، فولّى أخاه مدركاً على بلخ ، وأخاه محمّداً على مرو ، وابنه مخلّداً على سمرقند .

ولمّا اختلّ أمر عمّال الحجّاج أخلّ الجند الذين كانوا مع محمّد بن القاسم الثقفي بالسِند بمراكزهم وعادوا إلى بلادهم ، فوجّه الحجّاجُ سليمانَ حبيب بن المهلّب إليها فأخذ القاسم وقيّده وحبسه‏ (1) !

أول أمر بني العباس :

بعد وفاة عبد اللََّه بن العباس غادر ابنه علي بن عبد اللََّه الحجاز إلى الشام فنزل في بلدة الحُميمة من أرض الشراة من نواحي دمشق ، ورُزق بها أولاداً منهم محمّد بن علي‏ (2) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 296 .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 290 .

15

وقدم إلى دمشق أبو هاشم عبد اللََّه بن محمّد بن الحنفيّة (1) ومن معه سنة ( 97 هـ ) على سليمان ، فقضى حوائجه وحوائج من معه وأجازه ، فعاد على بلاد فلسطين ، وبعث سليمان قوماً إلى بلاد لخم وجذام بفلسطين وأرسل معهم لبناً مسموماً ليسقوه أبا هاشم ، وكأ نّه ظنّ به ظنوناً ! فلمّا مرّ أبو هاشم بهم واستسقاهم سقوه ذلك اللبن ثمّ قوّضوا من ذلك الموضع ، فلمّا استقر في جوفه أحسّ بالسمّ فأرسل عليهم فلم يجدوهم .

فأمرهم أبو هاشم أن يعرّجوا على الحُميمة بأرض الشراة من نواحي دمشق إلى ابن عمه محمّد بن علي بن عبد اللََّه بن العباس ، فلمّا قدم عليه قال له : يابن العم ! هذه وصيّة أبي إليّ ، وفيها : أنّ الأمر صائر إليك وإلى ولدك ، على ما سمع وروى عن أبيه علي بن أبي طالب ، فاقبضها إليك . ولتكن دعوتكم بخراسان ، ولا تعدُ مرو ومرو الرود وأبيورد ونَسا ، فإنّي أرجو أن تتمّ دعوتكم ويُظهر اللََّه أمركم ، وإيّاك من نيسابور وطوس وأبر شهر ! ( فلعلّها كانت تتشيّع لأبناء الحسين عليه السلام ) وأقصِ قيس وتميم وقرِّب أهل الحيّ من ربيعة ! وليكن دُعاتك اثني عشر نقيباً !

____________

(1) كان بينه وبين ابن عمّه زيد بن الحسن بن علي عليه السلام كلام فشكاه زيد إلى الوليد بن عبد الملك وأراد قتله ! فوفد السجاد عليه السلام على الوليد وسأله إطلاقه فأطلقه له ، كما عن منتقلة الطالبيين المخطوط : 42 في شرح الأخبار 3 : 284 في الحاشية 1 . ومع هذا وقف بعد وفاة السجاد على الباقر عليهما السلام وحوله جماعة من الناس يستفتونه ، فحسده أبو هاشم وشتمه وشتم أباه ! وقال تدَّعون وصية رسول اللََّه بالأباطيل وهي لنا دونكم ! فقال له الباقر عليه السلام : قل ما بدا لك ! فأنا ابن فاطمة وأنت ابن الحنفية !

فوثب الناس إلى أبي هاشم بحصى المسجد ونعالهم يرمونه ويضربونه حتّى أخرجوه من المسجد ! كما في شرح الأخبار 3 : 284 ، وعليه فهو ناصبي خبيث ، ومنه دعوة الكيسانية .

ـ

16

فإذا دخلت سنة مئة فابعث رسلك ودعاتك . ثمّ هذا الرجل ميسرة النبّال مولى الأزد فاجعله صاحبك بالعراق ، فهم أهل اختلاف فلا يكن رسولك إلّامنهم ، وهم شيعتك ومحبّوك ! فأ مّا الشام فليست بلادكم ! ثمّ دفع الكتاب إليه ثمّ مات‏ (1) .

سليمان في غزو الرومان :

أغار الروم على اللاذقية من نواحي حمص فذهبوا بما فيها ثمّ أحرقوها ! وبلغ ذلك سليمان فعاد من الحجّ وخرج إلى ناحية دابق من نواحي قنّسرين ( من قرى حلب ) وانتدب أخاه مَسلمة بن عبد الملك وأمره أن يقصد القسطنطينية فيقيم عليها حتّى يفتحها ! فسار مَسلمة حتّى فتح مدينة الصقالبة ( زگرُب ) ثمّ بلغ القسطنطينية وأقام عليها حتّى زرع وأكل ممّا زرع ، وأصاب المسلمين برد وجوع ، وبلغ سليمان ما فيه مَسلمة ومن معه فأمدّهم بعمرو بن قيس في البر وعمر بن هُبيرة الفزاري في البحر حتّى بلغ خليج القسطنطينية ووجّه سليمان لأوائل سنة ( 99 هـ ) ابنه داود إلى أرض الروم ، ومَسلمة منيخ على القسطنطينية ، ففتح داود في طريقه حصن المرأة من نواحي مالطا .

وكان سليمان رجلاً طويلاً أبيض قصيف البدن لم يشب ، وله جمال وفصاحة مقال ، ولكنّه كان أكولاً لا يكاد يشبع ... ومرض فكتب كتاباً وعهد إلى ابن عمّه عمر بن عبد العزيز ثمّ لأخيه يزيد بن عبد الملك ( سبط يزيد بن معاوية وبه سمّى ) ، وأحضر أهل بيته وقال لهم : بايعوا لمن في هذا الكتاب . ثمّ دفع الكتاب إلى رجاء بن حَيوة الكندي ليأخذه إلى مسجد دابق ، فأخذه ودعا مَن بها من أهل بيت سليمان وقال لهم : بايعوا مَن في هذا الكتاب ، ثمّ قرأ الكتاب فلمّا بلغ‏

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 296 - 298 .

17

إلى اسم عمر بن عبد العزيز قال هشام بن عبد الملك : لا واللََّه لا اُبايع ! فقال رجاء : إذاً أضرب عنقك ! ثمّ أخذ بضبع عمر فأجلسه على المنبر ، فقاموا وبايعوه ، فلمّا فرغوا من البيعة قال لهم : قوموا إلى صاحبكم فقد مات ، فقاموا ودفنوه في عاشر صفر سنة ( 99 هـ ) . وكان له عشرة من الولد الذكور (1) وكان قد بايع لابنه أيوب ولكنّه مات قبله .

فلمّا ولّى عمر بن عبد العزيز أمر من كان له حميم في حصار قسطنطينية أن يبعثوا إليهم بدوابّ وطعام وبعث معهم فأغاثهم وأذن بعودتهم فعادوا (2) .

وذكر ابن العبري الملطي بعض تفاصيل الجيش فقال : سار مَسلمة في مئة وعشرين ألفاً وعبر الخليج وحاصر مدينة القسطنطينية ، وكان ملكهم يومئذ ثاوذوسيوس ، فلمّا اشتد الحصار بأهلها أرسلوا إلى مَسلمة يعطونه عن كلّ رأس ديناراً ، فأبى إلّاأن يفتحها عنوة . فقالت الروم للبطريرك لاون : إن صرفت المسلمين عنّا نُملّكك علينا ! فاستوثق منهم ، وأتى إلى مَسلمة وطلب منه الأمان لنفسه وذويه ، ووعده أن يفتح له المدينة ولكن عليه أن يتنحّى بجيشه عنهم ليطمئنّوا ثمّ يكرّ عليهم ! فقبل مسلمة ووعده بذلك ! ثمّ ارتحل مَسلمة إلى بعض القرى ، فدخل لاون ولبس التاج وقعد على سرير الملك ، واعتزل الملك ثاوذوسيوس إلى بعض الكنائس .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 299 و 300 . وفي مروج الذهب 3 : 182 : أ نّه دعا رجاء بن حَيوة ومحمّد بن شهاب الزهري ومكحولاً وغيرهم من العلماء الذين كانوا في عسكره ، فكتب وصيّته وأشهدهم عليها . وأ نّه لمّا فُرغ من دفنه قام الزهري فقرأ عليهم الكتاب . فكان أوّل من بايعه يزيد بن عبد الملك ، وقام هشام وسعيد وانصرفا بلا بيعة ثمّ بايعا بعد يومين .

(2) تاريخ خليفة : 204 . وفي تاريخ مختصر الدول : 114 ذكر عدد الجيش : مئة وعشرين ألفاً !

18

وكان مَسلمة قد تنحّى بطعام جيشه ثمّ أمر كلّ فارس أن يحمل معه مدّين من الطعام على عجز فرسه ليكرّ على القسطنطينية ! وأعدّ لاون الرجال والسفن فنقلوا كلّ طعام المسلمين في ليلة إلى القسطنطينية ولم يتركوا منه إلّاما لا يذكر ! ونزل مَسلمة بفناء القسطنطينية ثلاثين شهراً ، واستجاش لاون البُلغار والإفرنج في السفن على المسلمين ، والرومان يحاربونهم من الداخل ، فلقى المسلمون ما لم يلقه أي جيش آخر حتّى أكلوا الدواب والجلود وأُصول الشجر والورق ! ونزل الشتاء فلم يقدر سليمان أن يمدّهم حتّى مات‏ (1) .

من بدع عهد سليمان وعلّة موته :

قال المسعودي : من أحداث عهد سليمان بمكّة على يد خالد القَسري أ نّه بلغه قول شاعر :

يا حبّذا الموسم من موقف # وحبّذا الكعبة من مسجد

وحبّذا اللاتي تزاحمننا # عند استلام الحجر الأسود

فأمر خالد بالتفريق في الطواف بين الرجال والنساء ! وأدار صفوف الناس في الصلاة حول الكعبة ، وقد كان قبل ذلك بخلافه !

والتزم سليمان الثياب الرقاق والوشي : جُباباً وأردية وسراويل وعمائم وقلانس ، فلا يدخل عليه أحد من أهل بيته إلّافي الوشي ، بل وعمّاله وأصحابه‏

____________

(1) مختصر تاريخ الدول لابن العبري الملطي : 114 ، وقال : أصبح لاون محارباً لمَسلمة ، وقد خدعه خديعة لو كانت امرأة لعُيّبت بها ! وسلم مَسلمة من ذلك بأقلام الإسلام ! فمرّوا عليه مرور الكرام ! نعم سبق المسعودي في التنبيه والإشراف : 141 بمثل مقال هذا الملطي ، وسمّاه : تيدوس الأرمني وسمّى الخادع : أليون بن قسطنطين المرعشي ، وقال : قفل مَسلمة في سنة ( 100 هـ ) بعد خطب طويل وعلى كره شديد !

19

وكلّ من في داره ، ولا أحد من خدّامه حتّى الطباخ إلّافي الوشي ، فعُمل في أيّامه الوشي الجيّد باليمن والكوفة والاسكندرية ولبس الناس جميعاً الوشي !

وكان شبعه من الطعام في كلّ يوم مئة رطل بالعراقي ! وخرج من الحمّام فاستعجل الطعام فقدّم إليه عشرون خروفاً أكل أجوافها مع أربعين خبز رقاق ! وربّما يأتيه الطبّاخون بالسفافيد التي فيها الدجاج المشوي ، وعليه جبّة الوشي الثقيلة ، فلنهمه وحرصه يقبضها بكمه ! وكان عند الرشيد العباسي جبابه وفي أكمامها آثار دهون الدجاج ، وأعطى جبّة منها للأصمعي فكان يلبسها (1) !

وقال ابن الوردي : قيل : أكل مرّة جَدياً وستّ دجاجات وسبعين رمانة وكثيراً من الزبيب . وقيل في سبب موته : إنّ رجلاً من نصارى دابق أتاه بزنبيل كبير مملوء تيناً وآخر مملوء بيضاً مسلوقاً ، فأخذ يأكل تينة وبيضة وهكذا حتّى فرغا مرض بالتخمة ، فلمّا اشتدّ مرضه أوصى بالخلافة لعمر بن عبد العزيز بن مروان ، واُمّه ليلى ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب‏ (2) .

وقال السيوطي : كان بنو اُميّة أماتوا الصلاة بتأخيرها عن أوّل وقتها فأحيا سليمان الصلاة لأوّل مواقيتها ( وكان بنو اُميّة قد أشاعوا الغناء ) فأخذ سليمان ينهى عن الغناء (3) !

عمر بن عبد العزيز عزيز سليمان :

وكان قد اتخذ عمر بن عبد العزيز له كالوزير فكان يمتثل أوامره في الخير ،

____________

(1) مروج الذهب 3 : 175 - 176 .

(2) تاريخ ابن الوردي 1 : 172 ، وشرح النهج للمعتزلي 18 : 399 وقال : كان هذا الديراني صديقه من قبل .

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 369 .

20

ومع ذلك كان الغالب عليه رجاء بن حَيوة الكندي فلمّا اشتدّ مرضه قال لرجاء :

مَن لهذا الأمر بعدي ؟ أَستخلف ابني ؟ قال : ابنك ( الكبير داود ) غائب ( في حصار الروم لا تدري أهو حيّ أم ميّت ) والآخر صغير ، قال : فمن ترى ؟ قال : عمر بن عبد العزيز . قال : أتخوّف أن لا يرضى به إخوتي ، قال : فاجعلها بعده لأخيك يزيد بن عبد الملك ، واكتب بذلك كتاباً تختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوماً ! فدعا بقرطاس وكتب العهد ودفعه إليه ، فخرج إليهم ، فقالوا : لا نبايع ، فرجع فأخبره ، فقال مُر صاحب الشرط والحرس فاجمعهم ومرهم ومن أبى فاضرب عنقه ! فأمرهم فبايعوا ، ومات سليمان ففتح الكتاب فلمّا سمعوا : وبعده يزيد بن عبد الملك ، تراجعوا وتراضوا .

فلمّا أصعدوا عمر على المنبر جلس عليه طويلاً لا يتكلّم ثمّ مدّ يده إليهم فبايعوه ثمّ خطبهم خطبة قصيرة ثمّ نزل ، فأتوه بمركب الخليفة فقال : لا حاجة لي فيه إيتوني بدابّتي فأتوه بدابّته ، فانطلق إلى منزله ودعا بدواة وكُتب فكتب إلى عمّال الأمصار (1) .

وقال ابن كثير : أخذ سليمان يستشير عمر بن عبد العزيز في بعض اُموره ، وقال له : إنّا قد ولينا ما ترى وليس لنا علم بتدبيره ، فما رأيت من مصلحة العامة فمُر به فليكتب . فكان من ذلك أ نّه ردّ الصلوات إلى مواقيتها (2) فذلك ليس من سليمان بل من عمر .

وإنّما غضب سليمان على عمر بن عبد العزيز ثلاث مرّات :

الأُولى : أنّ عامل سليمان على خراج مصر كان اُسامة بن زيد التنوخي ، فقدم عليه بما اجتمع عنده من الخراج وقال له : يا أمير المؤمنين ، إني ما جئتك‏

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 270 - 271 .

(2) البداية والنهاية 9 : 178 .

21

حتّى نهكت الرعيّة وجهِدت ، فإن رأيت أن ترفق بها وترفّه عليها وتخفّف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها فافعل ، فإنّه يستدرك ذلك في العام المقبل .

فقال له سليمان : هبلتك اُمّك ؟ إحلب الدَرّ ، فإن انقطع فاحلب الدم‏ (1) . أو : احلب الدَرّ حتّى ينقطع ، واحلب الدم حتّى ينصرم ! ثمّ قال : هذا اُسامة لا يرتشي ديناراً ولا درهماً !

فقال له عمر بن عبد العزيز : أنا أدلّك على من هو شرّ من اُسامة ولا يرتشي ديناراً ولا درهماً ! قال سليمان : ومَن هو ؟ قال : هو عدو اللََّه إبليس ! فغضب سليمان حتّى قام من مجلسه‏ (2) !

والمرّة الثانية : ما نقله السيوطي عن الإصفهاني : أنّ عمر بن عبد العزيز في مشورته لسليمان كان يشير عليه أن لا يقتل الخوارج وإنّما يحبسهم رجاء توبتهم ، فقال أحدهم لسليمان : يا فاسق ابن فاسق ! فدعا سليمان بعمر ليسمعه ثمّ قال له :

فماذا ترى عليه ؟ فلمّا عزم عليه قال : أرى أن تشتمه كما شتمك ! فأبى سليمان وأمر بقتله‏ (3) .

والثالثة : ذكروا أنّ غلماناً لسليمان نازعوا غلماناً لعمر بن عبد العزيز ، فتعدّى غلمان عمر على غلمان سليمان ، فرفعوا ذلك إلى سليمان وأوغروه على عمر ، فقال له سليمان غاضباً : ألا تُنصف غلماني ؟! فاعتذر عمر قال : ما سمعت بهذا إلّافي مقامي هذا وما علمت به قبل هذا الوقت . فقال سليمان : كذبت لقد علمته ! فقال عمر : أنا كذبت ؟! واللََّه ما كذبت ولا تعمّدت كذباً منذ شددت مئزري على نفسي . وإنّ في الأرض عن مجلسك لسعة ! ثمّ خرج عمر وتجهّز للسفر إلى‏

____________

(1) الوزراء والكتّاب للجهشياري : 32 .

(2) النجوم الزاهرة 1 : 232 .

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 286 عن حلية الأولياء للإصفهاني .

22

مصر ! فبلغ ذلك سليمان فندم على ما كان من قوله وأرسل إليه رجلاً يقول له :

لا تعاتب أمير المؤمنين على قوله ولا تذكر له هذا . فترك عمر الخروج ولكنّه أقلّ الاختلاف إلى سليمان‏ (1) .

وقد مرّ الخبر عن السيوطي عن الإصفهاني : أنّ الوليد كان قد عزم على خلع أخيه سليمان من عهد أبيه ، فأبى عمر بن عبد العزيز وصمّم على ذلك فطيّن عليه الوليد يريد موته ، فعرفها له سليمان‏ (2) واحتمله واستوزره ثمّ عهد إليه لذلك .

ولا نجد تفصيل عهد سليمان إلّاعند ابن قتيبة ، ونجد فيه القول بالقدر بمعنى الجبر قال فيه : وإنّ المقادير كلّها خيرها وشرّها من اللََّه ، وإنّه هو الهادي وهو الفاتن ، لم يستطع أحد مَن خلقه اللََّه لرحمته غواية ، ولا لمن خلقه لعذابه ! هداية ...

وإنّ سليمان كانت له بلايا وسيّئات لم يكن له عنها محيص ! ولا دونها مقصر ! بالقدر السابق والعلم النافذ في محكم الوحي‏ (3) ! أجل ، فلمّاذا يعتذر من بلاياه وسيّئاته ولمن ؟!

و

استخلف عمر بن عبد العزيز :

في قرية حُلوان بمصر ، من ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، وُلد لعبد العزيز بن مروان والي مصر ولد سمّاه باسم جدّه لاُمه عمر ، حُفّظ القرآن وهو صغير ، وشجّته دابّة في جبهته وهو غلام فأصبح أشجّ بني مروان . وبعثه أبوه‏

____________

(1) الإمامة والسياسة 2 : 110 .

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 274 - 275 عن حلية الأولياء لأبي نعيم الإصفهاني .

(3) الإمامة والسياسة 2 : 112 - 115 .

23

إلى المدينة ليتأدّب بها فكان يختلف إلى عبيد اللََّه بن عبد اللََّه بن عتبة مسعود الهُذلي ابن أخ عبد اللََّه بن مسعود يسمع منه علم الحديث . فكان صالحاً إلّاأ نّه كان يبالغ في التنعّم ، فكانوا لا يعيبونه إلّابالإفراط في التنعّم والاختيال في مشيته‏ (1) .

ولذا روى الصفّار بسنده عن عبد اللََّه التميمي : أنّ عمر بن عبد العزيز كان من أمجن‏ (2) الناس وهو شاب ، فمرّ وعليه نَعلان على شراكهما فضّة ! وكنت مع علي بن الحسين عليه السلام فنظر إليه وقال لي : يا عبد اللََّه بن عطاء أترى هذا المترف ! إنّه لن يموت حتّى يلي الناس ! قلت : إنّا للََّه! هذا الفاسق ؟! قال : نعم ! لا يلبث إلّا يسيراً حتّى يموت ، فإذا مات لعنه أهل السماء واستغفر له أهل الأرض‏ (3) !

ولمّا كان بمصر قبل أن يصرفه أبوه إلى المدينة كان يرى أباه يخطب فيمضي في خطبته حتّى يأتي على النيل من علي عليه السلام فيتلجلج ويقصّر في الأمر ، فسأل أباه عن ذلك ! فقال له : أو فطنت لذلك ؟ قال : نعم ! فقال : يا بُني ،

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 273 - 274 ، وفي شرح النهج للمعتزلي 19 : 343 : كان يجعل المسك على قدميه ونعليه ! وفي مروج الذهب 3 : 186 : عن المدائني قال : كان يُشترى لعمر الحُلّة بألف دينار فلا يستحسنها وإذا لبسها استخشنها !

(2) كذا في مناقب آل أبي طالب 4 : 155 مرسلاً ، وفي سائر المصادر : أحسن ، وأجمل !

(3) بصائر الدرجات للصفّار القمي ( 279 هـ ) : 170 ، الحديث 4 ، الباب 2 وهو أقدم مصدر وليس فيه إلّاهذا عن عبد اللََّه بن عطاء التميمي عن السجاد عليه السلام وليس عن الباقر عليه السلام ، وكذلك في دلائل الإمامة : 88 مسنداً ، والمناقب كما مرّ مرسلاً ، وفي الخرائج والجرائح 2 : 584 ، الحديث 4 كذلك . وقبله في 1 : 276 ، الحديث 7 عن أبي بصير ( المكفوف ) ولكنّه خبر موصوف فيه عمر بن عبد العزيز وفيه : هذا الغلام ! وهذا لم يكن إلّافي عهد السجاد عليه السلام قبل عزله عن المدينة سنة ( 86 هـ ) ويقول : يعيش أربع سنين في الحكم ! وكان حكمه أقل من ثلاث سنين . فهو غير صحيح وخبر السجاد عليه السلام هو الصحيح .

ـ

24

إنّ الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفرّقوا عنّا إلى أولاده‏ (1) !

هكذا جاء الخبر عنه أبتر بلا سؤال منه لأبيه عمّا يعلم من علي عليه السلام ، ولذا جاء عنه أيضاً : أ نّه كان مستمراً على شي‏ء من ذلك في علي عليه السلام لما كان بالمدينة يلازم عُبيد اللََّه بن عبد اللََّه الهُذلي ، فبلغ ذلك عنه إلى شيخه عُبيد اللََّه فلمّا حضره قال له : متى علمت أنّ اللََّه غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم ؟! قلت : لم أسمع ذلك . فقال : فما هذا الذي بلغني عنك في علي ؟! فقلت :

معذرة إلى اللََّه وإليك ! ثمّ تركت ذلك‏ (2) .

وبتفصيل أكثر قال : كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ( كذا ! ) فمرّ بي يوماً وأنا مع الصبيان ألعب وألعن عليّاً ! ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وتبعته لأدرس عليه وردى ، فلمّا رآني قام فصلّى وأطال ، فلمّا انفتل من صلاته التفت إليّ كالحاً في وجهي ! فقلت له : ما بالُ الشيخ ؟! فقال لي : يا بني ، أنت اللاعن علياً اليوم ! قلت : نعم ! قال : فمتى علمت أنّ اللََّه سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ؟! فقلت : وهل كان علي من أهل بدر ؟! فقال : ويحك ! وهل كانت بدر إلّا له ! فقلت له : لا أعود ! فقال : اللََّه ؛ لا تعود ! قلت : نعم ، ولم أعد بعدها (3) !

____________

(1) الكامل في التاريخ 5 : 20 . وشرح النهج للمعتزلي 13 : 221 .

(2) الكامل في التاريخ 5 : 20 .

(3) شرح النهج للمعتزلي 5 : 58 - 59 مرسلاً ، ثمّ قال : وكنت أحضر منبر المدينة وأبي يخطب الجمعة وهو يومئذ أمير المدينة ، فكنت أسمعه يمرّ في خطبه تهدر شقاشقه حتّى يأتي إلى لعن علي فيجمجم ويعرض له من الحصر والفهاهة ما اللََّه عالم به ! فقلت له يوماً : يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم ! فما بالي أراك إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عييّاً ! فقال : يا بني ، إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم ، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتّبعنا منهم أحد !

قال : فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله لي معلّمي ، فأعطيت اللََّه عهداً : لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لاُغيّرنه .

ولم نجد - فيما بأيدينا - في المدينة ذكراً لولاية عبد العزيز بن مروان ، ولذلك قدّمنا ما قرّرناه ، وقد مرّ عن السيوطي : أنّ عمر كان قد حفظ القرآن في مصر ثمّ أرسله أبوه إلى المدينة ، فلم يكن صبيّاً يقرأ القرآن على عبيد اللََّه بن عبد اللََّه بل علم الحديث ، وهو كان من ملازمي ابن عباس في الحديث لا القرآن ، ولنا أن نتمثل هذا القدر من تشيّع الرجل من تتلمذه على ابن عباس فهو مصدر الأثر فيهما .

25

ولمّا توفى أبوه عبد العزيز بن مروان بمصر على عهد عبد الملك ( 86 هـ ) طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوّجه ابنته فاطمة (1) وكان العهد من مروان لعبد الملك ثمّ لعبد العزيز ولكنّه مات قبله ، فكأنّ هذا التزويج من عبد الملك كان دفعاً للتهمة عن نفسه أو تطييباً لخاطر عمر . وكان قد عمل لفاطمة ثوباً منسوجاً بالذهب منظوماً بالدرر واليواقيت أنفق عليه مئة ألف دينار (2) ! وأمر عمر أن تُسرج تلك الليلة سُرجه بالغالية بدل الدهن حتّى طلوع الشمس‏ (3) .

سنُّ سبِّ علي عليه السلام ، ومنعُه :

من أقبح ما يذكر في تاريخ معاوية سنّه سبّه لعلي‏ (4) ، كان في آخر خطبة

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 274 .

(2) الإمامة والسياسة 2 : 116 .

(3) شرح النهج للمعتزلي 19 : 343 .

(4) الفكر السامي 1 : 276 في ترجمة معاوية ، وقال : ولولا أ نّه في صحيح مسلم ما صدّقت بوقوعه منه ! ثمّ اعتذر له بعدم العصمة ! كما عنه في دروس في فقه الإمامية للدكتور الشيخ الفضلي 1 : 79 .

26

الجمعة يقول : « اللهمّ إنّ أبا تراب قد ألحد في دينك ! وصدّ عن سبيلك ! فالعنه لعناً وبيلاً وعذّبه عذاباً أليماً » ! وكتب بذلك إلى الآفاق ! فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز (1) أ مّا قبل خلافته فحتّى هو في ولايته أو إمارته على المدينة لم يذكر عنه ترك لذلك في خطبه ، على رغم ما زعمه عن معلّمه وأبيه ، ولعلّه ليأسه من موافقتهم بل خوفه من بأسهم .

أ مّا علي عليه السلام فقد كان يتعالى عن مثل هذا الإسفاف في خُطبه ، بل نقل عنه الصدوق أ نّه عليه السلام كان في آخر خطبه يتلو هذه الآية : «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ يَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » (2) ويسبقها بدعاء المغفرة للمؤمنين والمسلمين ، ويفتتحها بقوله : « الحمد للََّه‏نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكّل عليه ونشهد أن ... » (3) .

وعمر بن عبد العزيز لمّا تولّى شايع علياً عليه السلام في خطبه يفتتحها بقوله :

« الحمد للََّه، نحمده ونستعينه ونسغفره ، ونعوذ باللََّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ، من يهده اللََّه فلا مضلّ له ، ومن يضلله فلا هادي له ، وأشهد أن ... » (4) وترك لعن علي عليه السلام على المنابر وجعل مكانه : «رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ وَ لاََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنََا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنََا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » (5) أو : « إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ يَنْهى‏ََ ... » أو جعلهما جميعاً ،

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي 4 : 56 عن الجاحظ .

(2) النحل : 90 .

(3) كتاب من لا يحضره الفقيه 1 : 432 في صلاة الجمعة .

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 287 عن الإصفهاني في حلية الأولياء .

(5) الحشر : 10 .

27

فاستعمل الناس ذلك في الخطبة (1) فحلّ هذا الفعل عند الناس محلاً حسناً وأكثروا بسببه مدحه‏ (2) ومنهم الخزاعي قال :

وليت فلم تشتم علياً ، ولم تُخف # بريّاً ، ولم تتبع سجيّة مجرم !

وقلت فصدّقت الذي قلت بالذي # فعلت ، فأضحى راضياً كلّ مسلم‏ (3)

ونقل المعتزلي عن عمر قال : وقرت كلمة أبي في عليّ عليه السلام في صدري مع ما قاله معلّمي لي أيّام صغري ، فأعطيت اللََّه عهداً : لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لاُغيّرنّه ! فلمّا منّ اللََّه عليَّ بالخلافة أسقطت ذلك وجعلت مكانه : «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ يَنْهى‏ََ ... » وكتبت بذلك إلى الآفاق فصار سنّة (4) أو لم يعلم أنّ علياً عليه السلام قد سبقه في ذلك ! وأن حفيده الباقر عليه السلام قد أقره فيما قرّره‏ (5) ولم يذكر في الخبر أ نّه تقرير لأيّهما . غولم يحلّ هذا العمل عند الكلّ محلاً حسناً ، بل لمّا كفّ عمر عن شتم علي عليه السلام قال الناس : ترك السنة (6) ! واستصغر أمره الجاحظ بقوله : إنّهم كانوا

____________

(1) مروج الذهب 3 : 184 ، ومناقب آل أبي طالب 3 : 257 ، واليعقوبي 2 : 305 ، وفي السيوطي : 290 .

(2) الكامل في التاريخ 5 : 20 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 305 ، وفي الأغاني 9 : 258 ، ومناقب آل أبي طالب 3 : 257 ، وشرح النهج للمعتزلي 4 : 59 ، وتاريخ ابن الوردي 1 : 172 ، والخزاعي هو المعروف بكثير عزّة والذي كان كيسانياً .

(4) شرح النهج للمعتزلي 4 : 59 .

(5) وسائل الشيعة 7 : 342 ، الحديث الأوّل ، باب 25 ، عن الكافي 3 : 422 .

(6) شرح النهج للمعتزلي 13 : 222 عن الزهري ، وفي مناقب آل أبي طالب 3 : 257 : قالها عمرو بن شعيب .

28

يلعنون علياً عليه السلام على منابرهم ، وكان شتم علي عليه السلام عادة لهم ، فلمّا نهى عمر عن ذلك عُدّ محسناً ومُدح من كفّ عنه ، وجعلوه بما نقص من تلك الاُمور الفضيعة في عداد الأئمة الراشدين‏ (1) .

وكأ نّه لم يكتفِ بالكفّ عن سبّه عليه السلام بل قال بتفضيله وأولويته بالنبي صلى الله عليه و آله ، فيما رواه الكلبي قال : إنّ ميمون بن مهران التابعيّ‏ (2) رفع إلى عمر قضيّة اختصام أب المرأة وزوجها في وقوع طلاقها لأنّه حلف بطلاقها (3) أنّ علياً عليه السلام خير هذه الاُمة وأولاها برسول اللََّه صلى الله عليه و آله . فجمع عمر بن عبد العزيز بني أُمية وبعض بني هاشم وفيهم بعض أبناء عقيل بن أبي طالب ( ؟ ) ثمّ سأل أباها وزوجها عن حلفه فقال :

نعم ! فنظر بنو أُمية إليه شزراً ونظروا في وجه عمر . فقال لهم ما تقولون ؟ فقال أحدهم : هذا حكم في فرج فلسنا نجترئ على القول فيه . قال له : قل ما عندك فإنّ القول جائز ( نافذ ) عليّ في مجلسي ما لم يحقّ باطلاً أو يبطل حقّاً ! فقال : لا أقول شيئاً ! فالتفت عمر إلى الرجل من بني عقيل وقال له : فما تقول أنت وقولك وحكمك ماضٍ ! فقال : برّ قسمه ولم تطلق امرأته ! فقال عمر : وأ نّى علمت ذلك ؟

قال : يا أمير المؤمنين ، نشدتك اللََّه ! ألم تعلم أنّ رسول اللََّه صلى الله عليه و آله قال لفاطمة وهو عائد لها : ما تشتهين ؟ قالت : نعم أشتهي عنباً ! فقال : اللهمّ ائتنا به مع أفضل اُمتي منزلة عندك ! فطرق الباب علي ودخل ومعه مكتل تحت ردائه . فسأله عنه فقال : عنب التمسته لفاطمة ! فكبّر رسول اللََّه مرّتين ، ثمّ دعا : اللهمّ كما سررتني بأن خصصت علياً بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيّتي ! ثمّ قال لها : كلي على اسم اللََّه يا بنية ! فأكلت ، فما خرج رسول اللََّه حتّى برأت واستقلّت !

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي 15 : 256 عن الجاحظ ، ويلاحظ شروع مصطلح الأئمة الراشدين .

(2) انظر ترجمته في قاموس الرجال 10 : 327 برقم 7909 ، وفي حلية الأولياء 4 : 92 - 96 .

(3) وهذه من البوادر الاُولى للحلف بالطلاق .

29

فقال له عمر : أشهد لقد سمعته ووعيته فصدقت وبررت ! ثمّ قال لزوجها : يا رجل خذ بيد امرأتك ، فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه ! فمضى الرجل بامرأته .

وكأ نّما ألقم بني اُمية حجراً . وكتب بذلك إلى ميمون بن مهران‏ (1) .

والخبر عن الكلبي الكوفي النسّابة ( م 204 هـ ) ومع ذلك لم ينسب الرجل من ولد عقيل من هو ؟ ولا اُريد بذلك أن اُشكّك في صحّة الخبر ، إلّاأنّ الحديث النبويّ فيه شاذّ غريب ، وبمعناه الحديث الطير المشويّ المستفيض ، فكان البرهان به أقوى وأولى . ومع ذلك لا نجد أيّ تعقيب عليه من الأمويين الحاضرين . ولا أظنّ بالكلبيّ شيئاً ، أجل أحتمل أن يكون عمر قد افتعل الخبر لأمر خير .

ونلفت النظر إلى أنّ عمر أفاد من الخبر أنّ علياً عليه السلام خير هذه الاُمة ليس فحسب ، بل وأولاها برسول اللََّه صلى الله عليه و آله ، فإن لم يكن الخبر هذا نصّاً جليّاً فيه فقد روى عنه النصّ الجليّ فيه :

فقد روى الأمويّ الإصفهاني مسنداً عن يزيد بن عيسى بن مورق الهاشميّ بولاء جدّه مورق لعليّ عليه السلام ما يشير إلى معرفته بولاء عمر لعلي عليه السلام قبل ولايته ، قال : لمّا ولى عمر بن عبد العزيز دخلت عليه في قرية خناصرة (2) ، فسألني : مَن أنت ؟ قلت : مولى علي ! فوضع يده على صدره وقال : أنا واللََّه مولى علي ! ثمّ أسند فقال : أشهد على عدد ممّن أدرك النبيّ صلى الله عليه و آله كانوا يقولون : قال رسول اللََّه صلى الله عليه و آله : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » (3) .

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي عن الكلبي 20 : 222 - 225 .

(2) الخناصرة : قصبة كورة من أعمال حلب نحو البادية تحاذي قِنّسرين ، كما في معجم البلدان .

(3) الأغاني 8 : 156 .

30

وكأنّ رفعه للعن علي عليه السلام استتبع أنّ بلغه أن قوماً تنقّصوا منه لذلك ، فخطبهم وقال : حدّثني غزال بن مالك الغِفاري عن اُمّ سلمة قالت : بينا رسول اللََّه صلى الله عليه و آله عندي إذ أتاه جبرئيل فناداه ( وحادثه ) فتبسّم ضاحكاً . فسألته : ما أضحكك ؟ قال : « أخبرني جبرئيل أ نّه مرّ بعليّ وهو نائم قد بدى بعض جسده قال : فرددت عليه ثوبه ، فوجدت برد إيمانه وصل إلى قلبي » (1) .

وكأنه بولغ لديه في زهد بعض الصحابة فقال : ما علمنا أحداً في هذه الاُمة بعد النبي صلى الله عليه و آله كان أزهد من علي بن أبي طالب‏ (2) .

فدك وفاطمة عليها السلام والمظالم :

كما روى عمر بن عبد العزيز الحديث النبوي في ولاية علي عليه السلام ، كذلك روى حديثه في ابنته فاطمة عليها السلام لبني اُمية ولعمرو بن قيس السكوني‏ (3) الكندي قائد الصائفة في جماعة من أهل أنطاكية (4) لما وصلوا إليه وعاتبوه على عزمه على ردّ فدك على ولد فاطمة عليها السلام قال لهم :

إنّكم جهلتم وعلمت ، ونسيتم وذكرت ؛ إنّ أبابكر بن محمّد بن عمرو بن حزم حدّثني ( يوم كنت بالمدينة ) عن أبيه محمّد بن عمرو ، عن جده عمرو بن حزم الأنصاري : أنّ رسول اللََّه صلى الله عليه و آله قال : « فاطمة بَضعة منّي ! يسخطني ما أسخطها ويرضيني ما أرضاها » وإنّ فدك كانت صافية على عهد أبي بكر ، ثمّ صار أمرها

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 269 عن النطنزي والخطيب الخوارزمي .

(2) مناقب آل أبي طالب 2 : 108 - 109 عن كتاب اللؤلؤيّات .

(3) تاريخ خليفة : 208 .

(4) تاريخ خليفة : 204 ، وفي الشافي 4 : 102 ، وتلخيصه 3 : 128 : أهل الكوفة ! غلطاً .

ـ

31

إلى مروان ، فوهبها لأبي عبد العزيز ، فورثتها أنا وإخواني فسألتهم أن يبيعوني حصّتهم منها فمنهم من باعها ومنهم من وهبها لي حتّى استجمعتها ، فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة .

فقالوا : فإن أبيت إلّاهذا فأمسك الأصل واقسم الغَلّة ! فقبل بهذا .

هذا وقد نصب عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم والياً على المدينة فكتب إليه : إذا ورد عليك كتابي هذا فاقسم ( غلّة فدك ) في ولد فاطمة من علي عليه السلام (1) .

____________

(1) الشافي في الإمامة 4 : 102 وتلخيصه 3 : 127 - 128 عن محمّد بن زكريا الغلّابي البصري بسنده . ولم يسمّ كتاباً ، وقد أكثر الخبر عنه الجوهري البصري في كتاب السقيفة وفدك ، كما عنه في شرح النهج للمعتزلي ، وفيه 16 : 216 عنه بسنده أيضاً قال : كان أبو بكر يأخذ غَلّتها فيدفع إليهم ما يكفيهم ويقسم الباقي ، وعمر كذلك ، وعثمان كذلك ، وعلي عليه السلام كذلك ( والحسن عليه السلام كذلك ) وبعد موت الحسن ( عليه السلام صادرها معاوية ) فأقطع ثلثها لمروان بن الحكم وثلثها لعمرو بن عثمان ، وثلثها لابنه يزيد ، ثمّ خلصت لمروان فوهبها لابنه عبد العزيز .. فلمّا ولّى عمر بن عبد العزيز كانت أوّل ظُلامة ردّها على الحسن بن الحسن ( المثنّى ) . وهو غير صحيح ، بل الصحيح ما مرّ أعلاه ( وانظر وقارن بتاريخ الخلفاء للسيوطي : 277 عن مغيرة ) .

وكذلك لا يصحّ ما في المسترشد في الإمامة للطبري الإمامي : 503 : ردّ على الباقر عليه السلام فدكاً ، فقيل له : طعنت على الشيخين ! قال : هما طعنا على أنفسهما !

ولعلّه اختزل ما نقل في كشف الغمة 2 : 242 : قيل له : نقمت على أبي بكر وعمر فعلهما وطعنت عليهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب ! وهم علماء السوء من مشايخ أهل الشام وقريش ، فقال لهم : قد صحّ عندي وعندكم : أنّ فاطمة بنت رسول اللََّه صلى الله عليه و آله ادّعت فدكاً وكانت في يدها ، وما كانت لتكذب على رسول اللََّه صلى الله عليه و آله ! مع شهادة علي واُمّ أيمن واُمّ سلمة . وفاطمة عندي صادقة في ما تدّعي وإن لم تُقم البيّنة ، وهي « سيّدة نساء أهل الجنة» فلو كنت بدل أبي بكر وادّعت فاطمة كنت اُصدّقها على دعواها ، فأنا اليوم أردّها على ورثتها أتقرّب بذلك إلى رسول اللََّه وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي يوم القيامة . فسلّمها إلى الباقر عليه السلام . ولكنّه قال : ردّها بغلّاتها ، فهو الصحيح فقط وليس برقبتها .

32

نقل ذلك المرتضى في « الشافي » وعنه تلميذه الطوسي في تلخيصه ، بلا زيادة ولا تعيين لمبلغ الغلّة ، وقد روى الطوسي في « الأمالي » بسنده عن ابن عقدة عن ابن اسحاق عن ابن حزم : أنّ عمر كتب إليه : أن زِد ستة آلاف دينار على غلّة فدك : أربعة آلاف دينار ، فاقسمها في بني هاشم من ولد فاطمة خاصة (1) .

وكأنّ هذا هو ما اختصره المسعودي فقال : كتب إلى عامله بالمدينة : أن اقسم في وُلد علي بن أبي طالب عشرة آلاف دينار . فكتب إليه : إنّ علياً قد وُلد له في عدة قبائل من قريش . ففي أيّ من وُلده ؟! فكتب إليه : لو كتبت إليك في شاة تذبحها لكتبت إليَّ : سوداء أم بيضاء ! إذا أتاك كتابي هذا فاقسم في ولد علي من فاطمة « رضوان اللََّه عليها » عشرة آلاف دينار ، فطالما تخطّتهم حقوقهم ! والسلام‏ (2) .

فقال له أخوه سهل بن عبد العزيز : إنّ هذا منك طعن على الخلفاء قبلك ! فأجابه عمر : دَعني ؛ فإنّي لمّا كنت على المدينة سمعت أنّ النبيّ قال : « من آذى فاطمة فقد آذاني » وسألت عنه حتّى علمته‏ (3) .

____________

(1) أمالي الطوسي : 266 ، الحديث 28 ، المجلس 10 .

(2) مروج الذهب 3 : 184 - 185 .

(3) الملاحم والفتن لابن طاووس : 119 عن كتاب حماد بن عثمان عن الصادق عليه السلام .

33

أو قال له أخوه : إنّ بني اُمية لا ترضى منك أن تفضّل عليهم بني فاطمة ! فأجابه : بل اُفضّلهم ؛ لأنّي سمعت حتّى لا اُبالي أن لا أسمع - أن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله كان يقول : « إنّما فاطمة شُجنة ( شعبة غصن ) منّي ، يسرّني ما أسرّها ، ويسوءني ما أساءها » فأنا أبتغي سرور رسول اللََّه وأتّقي مساءته‏ (1) فواللََّه إنّي لحقيق أن أطلب رضا رسول اللََّه ، ورضاه ورضاها في رضا ولدها (2) .

وروى الإربليّ مرفوعاً قال : لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز خطب فقال :

أ يّها الناس ، إنّي أردّ عليكم مظالمكم ! وإنّ أوّل ما أردّ منها ما كان في يدي : قد رددت فدك على ولد رسول اللََّه وولد علي بن أبي طالب‏ (3) ففي البداية كانت هذه الكلمة ثمّ انتهت إلى ردّ غلّاتها عليهم دون الرقبة كما مرّ ذلك .

قال : وقيل : إنّه حمل من بيت المال سبعين حِملاً من الفضة والذهب والعين من مال الخمس سهم رسول اللََّه وسهم ذوي القربي فردّها على بني هاشم ، سلّمها إلى محمّد بن علي بن الحسين وعبد اللََّه بن الحسن ، ممّا حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك ، فاستغنى بنو هاشم في تلك السنين وحسنت أحوالهم‏ (4) .

____________

(1) قرب الاسناد : 107 ، وط 2 : 172 بسنده عن الصادق عن أبيه الباقر عليه السلام ، وعليه المعوّل وليس على ما جاء في الخصال 1 : 105 : أن عمر زار المدينة فزاره الباقر عليه السلام ووعظه فردّ عليه فدك .

(2) مناقب آل أبي طالب 3 : 380 .

(3) كشف الغمة 2 : 242 . وبهامشه مصادر عديدة .

(4) كشف الغمة 2 : 243 ، وردّ الخمس في المناقب 2 : 239 . بل وفي تاريخ اليعقوبي 2 : 305 .

34

ثمّ عمّم ردّ المظالم ، فأخرج سجلّات عبد الملك بكثير من الإقطاعات بالأملاك والضياع ، وأمر المنادي فنادى : الصلاة جامعة ، وأمر مولاه مزاحم بحمل الكتب معه إلى المسجد ، وجاء ومعه مقصّ ! فخطب فحمد اللََّه وأثنى عليه ثمّ قال : أ مّا بعد ، فإنّ هؤلاء ( الخلفاء ) قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لهم أن يعطوناها ! وما كان ينبغي لنا أن نأخذها منهم . وإنّي قد رأيت أ نّه ليس عليّ الآن في ذلك دون اللََّه ! وقد بدأت بنفسي والأقربين من أهل بيتي . ثمّ التفت إلى مولاه مزاحم وقال له : اقرأ يا مزاحم . فجعل مزاحم يقرأ كتباً فيها إقطاعات بالضياع والنواحي فيأخذها عمر فيقصّها بالمقصّ بيده ، وهكذا إلى نداء الظهر (1) .

أسند هذا الخبر المعتزليّ في موضع وقال في موضع آخر : لمّا أفضت الخلافة إليه أخرج بمحضر من الناس سجلّات عبد الملك بكثير من الأملاك لأبيه عبد العزيز ، وقال لهم : هذه كتبت من غير أصل شرعي ، فأنا اُعيدها إلى بيت المال ، ثمّ مزّقها بمحضرهم ! قال : وذلك أنّ أباه عبد العزيز كان قد ملك بولاية مصر وغيرها في سلطان أخيه عبد الملك ضياعاً كثيرة بمصر والشام والعراق والمدينة ، من غير طاعة اللََّه ! ثمّ تركها لابنه عمر . فكان عمر ينفق منها في وجوه البرّ والقربات إلى اللََّه ! إلى أن أفضت الخلافة إليه فأفضى بها إلى بيت المال‏ (2) .

ومنها جوهر جليل لم يكن لأحد مثله ! وهبها عبد الملك لابنته فاطمة في عَرسها بعمر ، فقال لها : اختاري إمّا أن تردّي جوهرك وحليّك إلى بيت مال المسلمين ، وإمّا أن تأذني لي في فراقك ! فإني أكره أن اجتمع بكِ وبه في بيت واحد ! فاختارته وأمرت به فحُمل إلى بيت المال‏ (3) بلا تفصيل لتلك الحليّ والحلل .

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي 17 : 99 .

(2) شرح النهج للمعتزلي 20 : 74 وتمامه : فكان يقال له : السعيد ابن الشقي .

(3) شرح النهج للمعتزلي 17 : 99 مسنداً .

35

وقد مرّ عن ابن قتيبة : أنّ عبد الملك كان قد عمل لابنته فاطمة لعرسها ثوباً منسوجاً بالذهب منظوماً بالدرر واليواقيت أنفق عليه مئة ألف دينار ! قال : فقال عمر لها : اختاريني أو اختاري الثوب الذي عمله لك أبوكِ ، فإن اخترتِ الثوب فلست بصاحبك ! وإن اخترتني فإنّي آخذ الثوب فأجعله في آخر بيت المال ، فإن وصلتُ إليه أنفقته في مصالح المسلمين فإنّما هو من أموال المسلمين أُنفِقت فيه ، وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه فلعلّ مَن يأتي بعدي يردّه عليكِ ! فقالت له :

يا أمير المؤمنين افعل ما بدا لك‏ (1) .

وكأنّ عبد الملك لم يكن يُملّك النساء من العقار شيئاً ، وكأ نّه قد سجّل ذلك في سجلّ كتبه في ذلك ، فجاء بعض نساء الخلفاء إلى سليمان بن عبد الملك تطلب ميراثاً من العقار ، فأجابها سليمان : ما إخال النساء يرثن من العقار شيئاً ! وكان عمر حاضراً فقال له : سبحان اللََّه ! وأين كتاب اللََّه ! فقال سليمان لغلامه ، يا غلام ، اذهب فائتني بسجلّ عبد الملك الذي كتب في ذلك .. فقال له عمر : لكأ نّك تحضر لي المصحف ! وكان أيوب بن سليمان وليّ عهد أبيه حاضراً وهذا قبل موته فقال لعمر : واللََّه ليوشكنّ الرجل يتكلّم عند أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام فلا يشعر حتّى يفارقه رأسه ! فأجابه عمر : إذا أفضى الأمر إليك وإلى أمثالك كان ما يدخل على الإسلام أشدّ من هذا القول ! ثمّ قام فخرج‏ (2) .

فعمر بن عبد العزيز لم يكن في هذا على مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ولكنّه لم يكن يسجد إلّاعلى التراب‏ (3) ، فكأ نّه في ذلك على مذهب شيعة

____________

(1) الإمامة والسياسة 2 : 116 . ولعلّ النقل السابق مجمل عن هذا المفصَّل ، فلم يتكرّر .

(2) شرح النهج للمعتزلي 18 : 144 ، وأشار إلى توريثهن في عهد عمر ، اليعقوبي 2 : 306 .

(3) شرح النهج للمعتزلي 11 : 195 مرسلاً .

36

أبي تراب عليه السلام ، كما كان كذلك في حكم سهام الأخماس كما مرّ ، وكما كان على تحريم الطِّلاء ( النبيذ ) (1) .

وكانت زوجته فاطمة قد أسمت ابنها باسم أبيها عبد الملك ، وكأ نّه كان يستعجل على أبيه لردّ المظالم ، فقال له أبوه عمر : إنّ أهل بيتك هم أهل العدّة والعدد وقِبلهم ما قِبلهم ، فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشارهم ( ثورتهم ) عليّ ، ولكنّي اُنصف في كلّ يوم للرجل والاثنين فيكون أنجع له‏ (2) . وذات يوم تفرّغ لهم وأفهمهم ما قاله لابنه ، قال يوماً لحاجبه : لا تدخلنّ علي اليوم إلّامروانياً ، فلمّا اجتمعوا قال : يا بني مروان ، إنّي لأحسب ثلث أموال هذه الاُمة أو ثلثيها في أيديكم ، فقال أحدهم : واللََّه لا يكون ذلك حتّى يُحال بين رؤوسنا وأجسادنا ! واللََّه لا نكفّر أسلافنا ولا نُفقر أولادنا ! فقال لهم عمر بعذره :

واللََّه لولا أن تستعينوا عليَّ بمن أطلب هذا الحقّ له لأضرعت خدودكم ! ثمّ قال لهم : قوموا عنّي‏ (3) .

وكان عبد العزيز أوّل مرواني أقرّ لأوّل مرّة بمرّ الحقّ على عثمان أ نّه آثر نفسه وأهله بأموال المسلمين قال : إنّ رسول اللََّه صلى الله عليه و آله قُبض وترك الناس على نهر مورود .. ثمّ وليه ثالث فكرى منه ساقية لنفسه وأهله ، فلم يزل الناس بعده يكرون منه السواقي حتّى تركوه يابساً لا قطرة فيه‏ (4) .

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 279 عن ابن سيرين .

(2) شرح النهج للمعتزلى 17 98 عن الاخبار الموفقيات لابن بكار و نحو السيوطى 286 287

(3) شرح النهج للمعتزلى 17 103

(4) شرح النهج للمعتزلى 17 103 104 قالها لعمته عاتكة بنت مروان

37

فكأ نّه غرّ هذا بعضهم فتناول من معاوية ، فضربه عمر ثلاثة أسواط (1) مع أ نّه لم يسلّم لمعاوية تسليمه حكمه لابنه يزيد ، فلم يكن يرتضي له لقب أمير المؤمنين ... بل لمّا ذكره عنده رجل فقال : قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ! فقال له عمر : تقول : أمير المؤمنين ! وأمر به فضرب عشرين سوطاً (2) !

وليسير بسيرة علي عليه السلام في الصدقات ( الزكوات ) كتب إلى واليه أو قاضيه على المدينة أبي بكر بن محمّد بن عمر بن حزم الأنصاري أن يرسل إليه بكتاب صدقة علي عليه السلام ، وكان يومئذ زيد بن الحسن أكبرهم فبعث ابن حزم إليه يسأله ذلك فقال له : إنّ الوالي بعد علي كان الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمّد بن علي ، فابعث إليه . فبعث ابن حزم إلى أبي جعفر فأرسل أبو جعفر به مع ابنه جعفر حتّى دفعه إليه‏ (3) فأرسله إلى عمر .

وعمر بن عبدالعزيز هو الذي وقف على كتاب علي عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر بمصر ، في خزائن بني مروان لمّا تولّى ، فهو الذي أظهر أ نّها من أحاديث علي عليه السلام ، وإلّا فمعاوية كان يقول : هذه من كتب أبي بكر كانت عند ابنه محمّد ! نقله المعتزليّ عن الثقفي وقال : الأليق أن يكون ذلك هو عهد علي عليه السلام إلى الأشتر (4)

عمر بن عبد العزيز وولاية خراسان :

في تصفح عمر بن عبد العزيز كتب سليمان بن عبد الملك وجد كتاباً

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : عن ابن ميسرة .

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 248 - 249 .

(3) اُصول الكافي 1 : 305 - 306 بثلاثة طرق ، وقارن بتاريخ الخلفاء للسيوطي : 276 عن الزهري و 288 عن البُرجمي .

(4) شرح النهج للمعتزلي 6 : 72 عن الثقفي .

38

ليزيد بن المهلّب الأزدي والي خراسان إلى سليمان ، يذكر له فيه : أ نّه اجتمع عنده عشرون ألف ألف ( مليون ) . وكأن ابن المهلّب كان يعرف أ نّه معزول ، فحمل كلّ ما كان له واستخلف ابنه مخلّداً وصار إلى البصرة وعليها عديّ بن أرطاة عامل عمر ، وقد سبقه كتاب عمر إليه أن يبعث إليه ابن المهلّب ، فأوصل عديّ إليه كتاب عمر فقال : سمعاً وطاعة فحمله إليه مستوثقاً منه . فلمّا وصل إليه قال له : إنّي وجدت لك كتاباً إلى سليمان تذكر فيه أ نّه اجتمع عندك عشرون ألف ألف ( مليون ) فأين هي ؟ فأنكر ذلك ثمّ قال : دعني أجمعها لك ! قال : تأخذها من الناس مرّة اُخرى ؟! لا ولا نُعمى عين .

ثمّ ولّى عمر الجرّاح بن عبد اللََّه الحكمي على خراسان وأمره أن يحمل إليه مخلّد المهلّبي ، فحمله إليه ، وكان مخلّد قد انتشرت عنه أخبار عيشته المترفة حتّى بلغت عمر ، وبلغ مخلّداً تغيّر عمر إلى عيشة زاهدة ، فتغيّر مخلّد ودخل على عمر بثياب مشمّرة وقلنسوة بيضاء كالعبّاد الزهّاد ! فقال له عمر : هذا خلاف ما بلغني عنك ! فقال : أنتم الأئمة إذا أسبلتم أسبلنا وإذا شمّرتم شمّرنا !

وقدمت على الجرّاح في خراسان وفود من التبّت من نواحي الصين يسألونه أن يبعث إليهم من يعرض عليهم الإسلام ، فوجّه إليهم السليط بن عبد اللََّه الحنفي التميمي .

وبلغ عمر عن الجرّاح أ نّه يظهر العصبية ( العربية ) فهو يُغزى الموالي ( الفرس ) بلا عطاء ، ومن أسلم منهم يأخذ منهم الجزية على بدعة بني اُمية ، فكتب عمر إليه أن : استخلف عبد الرحمن بن نُعيم الغامدي وأقدم . ففعل ذلك . وكتب عمر إلى عبد الرحمن بعهده على خراسان‏ (1) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 301 - 302 .

ـ

39

عمر والشعر والشعراء :

كان الخلفاء قبل عمر قد عوّدوا الشعراء ومنهم جرير الخطفي ، يتعاهدونه بالجوائز والصلات : أربعة آلاف دينار وتوابعها من الحملان والكسوة ! فقدم على عمر أوّل ما استخلف ، فرأى الناس من قريش وبني اُمية وغيرهم لا يدخلون ولا يصِلون ، حتّى قدم عون بن عبد اللََّه الهُذلي وكان من خيار الناس وعبّادهم وعليه جبّة صوف ( بداية التصوّف ) وعمامة صوف قد أسدلها من خلفه ، فجعل يتخطّى رقاب الناس من قريش وبني اُمية وغيرهم ، لا يُمنع ولا يُحجب حتّى دخل على عمر وخرج .

فلمّا خرج توسّل به جرير بأبيات ، فعاد عون إلى عمر ليستأذن له وهو يخاف أن لا يسلم من هجوه ! فلمّا علم عمر بذلك أذن له فأنشده شعره ، ثمّ قال له عمر : يا جرير ، ارفع إلينا حاجتك ! فقال جرير : هي ما عوّدتني الخلفاء قبلك .

قال : وما هي ؟ قال : أربعة آلاف دينار وتوابعها من الحملان والكسوة ! فقال عمر : أأنت من أبناء المهاجرين ؟ قال : لا . قال : أفمن أبناء الأنصار ؟ قال : لا .

قال : أمن فقراء المسلمين ؟ قال : نعم ! قال : فأكتب لك إلى عامل بلدك أن يُجرى عليك ما يُجرى على فقرائهم ! قال : أنا أرفع من هذا ! فوصله بأربعة دنانير من نفقته الخاصّة ! فقال : وأين تقع منّي هذه يا أمير المؤمنين ! قال : إنّها من خالص مالي ولقد أجهدت لك نفسي !

فلمّا خرج سأله الناس : ما وراءك ؟ قال : جئتكم من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء (1) .

____________

(1) الإمامة والسياسة 2 : 116 - 118 . وجاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي : 289 : أ نّه خصّه من ماله بخمسين ديناراً ! وفيه : 282 : عن حلية الأولياء : أنّ نفقته كانت كلّ يوم درهمين !

40

ولم يُنقل عن رقيب جرير الخطفي : الفرزدق الأسدي البصري لقاء بعمر أو ثناء له ، اللهمّ إلّاثلاثة أبيات قالها في رثائه ، يقول فيه : قوام الحقّ والدين ! وقسطاس الموازين‏ (1) ! فما ترك شيئاً !

مصرع عمر بن عبد العزيز :

في عهد عمر بن عبد العزيز لم يظهر كُرْه لحكمه ، إلّاأ نّه ظهر منه إقرار لولاية عهد يزيد بن عبد الملك سبط يزيد بن معاوية ، فترك لذلك ثمانون فارساً أكثرهم من بني ربيعة الكوفة ، مع بسطام اليشكري الهمداني الشهير بشوذب ، لا ينكرون على عمر إلّاإقراره لعهد يزيد ، استشعاراً منهم أن يكون كجدّه لاُمّه يزيد بن معاوية ! هذا فيما رواه الطبري عن مبعوثي شوذب إلى عمر قالا له : أخبرنا عن يزيد لِمَ تقرّه خليفة بعدك ؟! قال : صيّره غيري ! قالا : أفرأيت لو وليت مالاً لغيرك ثمّ وكلته إلى غير مأمون عليه ، أتراك كنت أدّيت الأمانة إلى من ائتمنك ؟! قال :

أنظراني ثلاثاً . فخاف بنو مروان أن يخلع يزيد ويخرج منهم ما هو بأيديهم من الأموال ، فدسّوا إليه من سقاه سمّاً ! فلم يلبث أن مات‏ (2) !

وقال اليعقوبي : قيل : إنّ أهل بيته سمّوه ! خوفاً منه أن يخرج الأمر عنهم‏ (3) .

وقال المسعودي : وتوفى عمر بدير سِمعان من أعمال حمص مما يلي قنّسرين ، فيما قيل : مسموماً من قبل أهله ! يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة ( 101 ) وله تسع وثلاثون سنة .

____________

(1) مروج الذهب 3 : 195 .

(2) تاريخ الطبري 6 : 555 - 556 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 308 .

41

وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ، وكان أسمر حسن الوجه نحيف الجسم ، حسن اللحية ، غائر العينين ، بوجهه أثر من ضربة دابة في صباه ، قد وخطه الشيب‏ (1) وقال : قبره مشهور في هذا الموضع إلى هذه الغاية ( كتابة مروج الذهب ) يغشاه كثير من الناس من الحاضرة والبادية ، لم يتعرّض أحد لنبشه كما تعرّضوا لقبور غيره من بني اُمية (2) ونقل ابن الوردي وأيّد أنّ دير سمعان الآن ( كتابة تاريخه ) هو المعروف بدير النُقيرة من نواحي معرة النعمان وقبره بها مشهور يزار ، وأنا زرته مراراً (3) .

وقال السيوطي : لأنّ عمر شدّد على بني اُمية وانتزع من أيديهم كثيراً ممّا غصبوه ، تبرّموا منه ، وكان هو قد أهمل التحرّز ، فسقوه سمّاً ، فكان وفاته بالسم .

ثمّ نقل عن مجاهد قال : عدت عمر بن عبد العزيز ، فقال لي : ما يقول الناس فيّ ؟ قلت : يقولون : إنّه مسحور ! قال : ما أنا بمسحور ، ثمّ دعا غلاماً له فقال له : ويحك ! ما حملك على أن تسقيني السمّ ؟ قال : على أن اُعتق وقد اُعطيت بذلك ألف دينار ! فقال له : هاتها واذهب حيث لا يراك أحد ! فجاءه بها وذهب ، فألقاها عمر في بيت المال‏ (4) .

وكان عمر يومذاك في قرية خناصرة ، والوليّ بعده بسابق عهد من سليمان أخوه يزيد بن عبد الملك بدمشق ، فكأنّ عمر شعر به من وراء الغلام ،

____________

(1) التنبيه والإشراف : 276 ، وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي : 290 : كان آخر خليفة أصلع ! بعد مروان وعثمان !

(2) مروج الذهب 3 : 182 .

(3) تاريخ ابن الوردي 1 : 172 .

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 292 - 293 .

42

فأمر كاتبه أن يكتب إليه فيما يكتب : فعليك بتقوى اللََّه والرعيّة الرعيّة ، فإنّك لن تبقى بعدي إلّاقليلاً ! والسلام‏ (1) .

وكان مرضه عشرين يوماً (2) .

ونقل المعتزلي عن رسالة الجاحظ قال عمر : لولا بيعة في أعناق الناس ( أخذها سليمان ) ليزيد بن عبد الملك ( ابن عاتكة ) لجعلت هذا الأمر شورى بين القاسم بن محمّد بن أبي بكر ، وسالم بن عبد اللََّه بن عمر ! وحفيد عمرو بن سعيد الأشدق ! فقال الجاحظ : لم يكن عنده من يصلح للشورى أحد من بني هاشم ؟! بل دبّر الأمر ليبايع لأخيه أبي بكر بن عبد العزيز من بعده ، فعاجلوه بالسم !

قال : وكان قد قدم عليه عبد اللََّه بن الحسن المثنّى ، فلمّا رأى بيانه وكماله وعرف نسبه وموضعه وكيف ذلك في صدور المؤمنين وقلوب المسلمين ، قال له :

إلحق بأهلك فإني أخاف عليك طواعين أو طواغيت الشام ، وسنلحقك بحوائجك على ما تشتهي ! ولم يَدْعه يبيت بالشام ليلة واحدة ! لأنّه كره أن يروه ، ويسمعوه فلعله يبذّر في قلوبهم بذراً !

وكان - مع جهله بالكلام وقلة اختلافه إلى أهل النظر - من أعظم خلق اللََّه قولاً بالجبر ! وكان يضع في ذلك الكتاب‏ (3) ولعل منه أ نّه لما مرض قيل له : لو تداويت ؟ فقال : لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ، ولو كان شفائي أن أمسح شحمة اُذني ما فعلت‏ (4) !

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 292 عن حلية الأولياء للإصفهاني .

(2) تاريخ الطبري 6 : 565 ، وهذا خلاف الأعراف الشرعية .

(3) شرح النهج للمعتزلي 15 : 254 - 255 عن رسالة الجاحظ ، وخالفه غيلان الدمشقي فاستتابه ، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي : 290 .

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 291 عن الحلية ، ونحوه في مختصر تاريخ الدول : 115 .

43

ونقل السيوطي عن الاصفهاني عن عمر بن اُسيد قال : واللََّه ما مات عمر حتّى أغنى الناس ، وحتّى أن الرجل كان يأتينا بالمال يقول : اجعلوا هذا حيث ترون ، فنجد عمر قد أغنى الناس‏ (1) .

هذا، ولكنّه زاد في اُعطيات أهل الشامات عشرة دنانير دون أهل العراق‏ (2) !

نعم ، جعل على الكوفة عبد الحميد العدوي حفيد جدّه لاُمه عمر بن الخطاب‏ (3) ، وكتب إليه : أما بعد ، فإنّ أهل الكوفة أصابهم بلاء وشدة في أحكام اللََّه ، وسنّة خبيثة ! سنّها عليهم عمّال السوء ! وإن قوام الدين العدل والإحسان ، فلا يكن شي‏ء أهم إليك من نفسك فلا تحملها قليلاً من الإثم ، ولا تحمل خراباً على عامر ، وخذ من العامر ما يطيق وأصلح غيره حتّى يعمر ، ولا تأخذ من العامر إلّا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض .

ولا تأخذ من اُجور الضرّابين ، ولا هدية النوروز والمهرجان ، ولا ثمن المصحف ، ولا من اُجور البيوت ، ولا من ( مهور ) النكاح ! ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض .

ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتّى تراجعني فيه ! ومن أراد من الذرية الحج فعجّل له مئة ( دينار ) ليحجّ بها ، والسلام‏ (4) .

وكأ نّه بما أظهر من العدل والإحسان وإيتاء ذوي قربى النبيّ ومنع لعن الوصيّ عليه السلام ، كان يتوقع من الإمام الباقر عليه السلام الكلام الجميل مدحاً وتقريضاً ، فلمّا لم يجد ذلك بدأ هو فكتب إلى أبي جعفر عليه السلام يختبره ، فأجابه الإمام بكلام فيه وعظ

____________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 281 عن حلية الأولياء .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 306 .

(3) تاريخ خليفة : 206 .

(4) انظر الإمام الصادق لأسد حيدر 1 : 164 .

44

وتحذير ! وجاء في هذا الخبر لدى اليعقوبي أن عمر كان يعلم للإمام كتاباً إلى سليمان من قبل ، فأمر بإخراجه فاُخرج فوجد فيه مدحاً وتقريظاً ! فأنفد به إلى عامله على المدينة ( ابن حزم ) وقال له : أحضر محمّد بن علي وقل له : هذا كتابك إلى سليمان تقرّظه ! وهذا كتابك إليّ مع ما أظهرتُ من العدل والإحسان !

فأحضره أمير المدينة ( ابن حزم ) وعرّفه ما كتب به عمر فقال الباقر عليه السلام : إنّ سليمان كان جبّاراً فكتبت إليه بما يُكتب إلى الجبّارين ! وإنّ صاحبك أظهر أمراً ! فكتبت إليه بما شاكله ! وكتب العامل إلى عمر بذلك فقال عمر : إنّ أهل هذا البيت لا يُخليهم اللََّه من فضل‏ (1) !

وعن عمرو بن عبيد قال : مات عمر بن عبد العزيز وخلّف أحد عشر ذكراً وتركته سبعة عشر ديناراً ! كُفّن منها بخمسة دنانير واشتري موضع قبره بدينارين ، وما أصاب كلّ ولد إلّاأقل من دينار (2) .

وفد عمر وخبره عند الروم :

مرّ عن المسعودي : أن البطريرك أليون ( لاون ) بن قُسطنطين تغلّب بالحيلة على ملك الروم بالقُسطنطينية تيودوس ( ثاوذوسيوس ) الأرمني ، وولِى عمر فاستردّ عسكَر المسلمين ( مئة ألف ) المحاصِر للقسطنطينية بإمرة مَسلمة بن عبد الملك‏ (3) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 305 .

(2) انظر شرح النهج للمعتزلي 2 : 100 - 101 وللخبر تتمة . قالها للمنصور العباسي ، وقد قال عبد العزيز بن عمر للمنصور إنّ أباه ترك أربعمئة دينار ، كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي : 280 فالرواية السابقة مبالغة .

(3) التنبيه والإشراف : 141 .

45

وقال : ثمّ بعث عمر وفداً إلى ملك الروم ( أليون لاون ) في حقّ من مصالح المسلمين يدعوه إليه .

فدخلوا عليه أوّل يوم وهو جالس على سرير ملكه وعليه التاج ، والبطارقة عن يمينه وشماله ، وسائر الناس بين يديه على مراتبهم ، وله ترجمان يترجم له ويفسّر فأدى إليه ما قصدوا له .

فتلقّاهم بجميل وأجابهم بأحسن جواب ، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم .

فلمّا كان الغد أتاهم رسوله يدعوهم ، فدخلوا عليه وإذا به ليس على سريره وبلا تاج على رأسه وكأ نّه في كارثة ، وقال لهم : هل تدرون لماذا دعوتكم ؟ قالوا : لا ، قال : إنّ صاحب مَسلحتي ( المخفر الحدودي ) التي تلي بلادكم جاءني كتابه الآن : بأنّ ملك العرب قد مات ! فبكوا ، فسألهم : تبكون له أو لأنفسكم ؟ قالوا : له ولأنفسنا . فقال لهم : لا تبكوا له وابكوا لأنفسكم ؛ فإنّه قد خرج إلى خير ممّا خلّف ! فلقد كانت تأتيني أخباره ظاهراً وباطناً ! فلم أجد أمره مع ربّه إلّا واحداً ، ولقد بلغني برّه وصدقه وفضله‏ (1) .

وهكذا أعلمهم استحكام استعلاماته عن المسلمين ظاهراً وباطناً ! وسرعتها . والخبر هكذا مبتور عن مَن استخلفه بعده ، اللهمّ إلّاقوله : إنّ أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلّاقليلاً ! فكأ نّه يشير إلى كونه أهل خير بين أهل شرّ قبله وبعده !

و

عاد يزيد ، في يزيد الجديد :

حتّى في كنيته أبي خالد ! وكان بنو اُمية قد أشاعوا غناء الإماء في الرحاب الطاهرة مكّة وطيبة ! وحجّ يزيد بن عبد الملك على عهد أخيه سليمان ، وكان‏

____________

(1) مروج الذهب 3 : 185 - 186 .

46

صاحب لهو وقصف ، وأسمعوه غناء حَبابة المغنّية الشهيرة فشغف بها حتّى اشتراها بأربعة آلاف دينار ! فلمّا بلغ ذلك إلى سليمان قال : لقد هممت أن أحجر على يزيد ! وسمع بذلك يزيد وهو يريد استمالته فردّها (1) ومع ذلك عهد إليه بعد عمر .

ومع ذلك وصفه ابن قتيبة : أ نّه كان محبوباً في قريش بجميل مأخذه في نفسه وهديه وتواضعه ! وقصده ! فكان الناس لا يشكّون في أ نّه إذا صار الأمر إليه أن يسير بسيرة عمر .

وكان قوم من أشراف قريش وخيار بني اُمية ! بعد الإنكار لسيرة عمر والنفار منها قد سكنت قلوبهم إلى هديه واطمأنت إلى عدله ، وعادت قلوبهم إلى الرضا بأمره والقنوع بقصده فيهم ، وتقصيره في إدراك العطايا والمطامع عليهم‏ (2) .

أضف إلى ذلك ما مرّ من خبر خروج شوذب الشاكري بثمانين فارساً من ربيعة الكوفة إلى جوخى ثمّ الجزيرة ، واعتراضهم على عمر في تقريره لعهد يزيد ، فلعله لذلك اُشير عليه بالتظاهر بسيرة عمر ، فلمّا مات عمر وصلّى عليه يزيد قال :

واللََّه ما عمر بأحوج إلى اللََّه منّي ! سيروا بسيرة عمر ! فأقام أربعين يوماً يسير بسيرة عمر ، ثمّ أعاد تاريخُ شهادةِ الزور بالبصرة نفسَه فأقام له الأمويون أربعين شيخاً شهدوا له : ما على الخلفاء عذاب بل ولا حساب‏ (3) وكان كلامهم هذا موافقاً لهواه فانخدع بهم وانهمك في اللذات والطرب ، ولم يراقب‏ (4) .

وقال ابن قتيبة : حال عمّا كان يُظنّ به وسار بسيرة أخويه الوليد وسليمان وأخذ مأخذه واحتذى مثاله حتّى كأ نّه لم يمت الوليد بعد ، فعظم ذلك على الناس ،

____________

(1) مختصر تاريخ الدول لابن العبري الملطي : 115 .

(2) الإمامة والسياسة 2 : 124 .

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 294 ، وقبله ابن كثير 9 : 232 .

(4) سمط النجوم العوالي 3 : 209 ، وانظر الإمام الصادق لأسد حيدر 1 : 168 .

ـ

47

وجاءه بذلك قوم من أشراف قريش وخيار بني اُمية ! فاتّهم نفراً منهم بالخلع والخروج وحوّلهم على عمّه محمّد بن مروان فأسكنهم السجون عشرين شهراً حتّى سمّهم فماتوا جميعاً ! ومعهم ثلاثون رجلاً من سائر قريش أغرمهم مئة ألف ألف ( مليون ! ) وباع لذلك أموالهم ورباعهم حتّى صيّرهم عالة يتكفّفون الناس متفرّقين في كور الشام وآفاق البلاد ! وجملة من الناس ممن كان يألف هؤلاء القوم اتهمهم بمصاحبتهم ومصانعتهم فصلب جملة منهم‏ (1) ممّا يورث اتّهامه بأ نّه إنّما تظاهر بسيرة عمر ليستظهر من هؤلاء بواطنهم فيؤاخذهم بها ويعاقبهم عليها !

وطبيعي أنّ ذلك كان بعد أن عزل جميع عمّال عمر وكتب إليهم : أ مّا بعد فإنّ عمر بن عبد العزيز كان مغروراً ! فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده ، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأُولى ! ( فاستخرِجوا الخراج ) أخصبوا أم أجدبوا ! أحبّوا أم كرهوا ! حيوا أم ماتوا (2) ولعامله على اليمن : خذها منهم ولو صاروا حرضاً ( هالكين ) والسلام‏ (3) .

و

انتقم من ابن حزم :

مرّ الخبر : أن سليمان كان أكولاً ولم يُعرف بشرب الخمور ، وأن عامله على المدينة عثمان بن حيّان المُرّي كان قد شرب الخمر فقرف على عبد اللََّه بن عمرو بن عثمان ، فشكاه إلى سليمان ، فعزله واستعمل أبا بكر بن محمّد بن حزم الأنصاري فضربه حدَّين للخمر وللقرف‏ (4) وكأنّ عثمان المُرّي شكاه إلى يزيد بن

____________

(1) الإمامة والسياسة 2 : 124 - 125 .

(2) العقد الفريد 3 : 180 .

(3) الكامل في التاريخ 5 : 22 .

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 294 .

48

عبد الملك ، وكان ابن حزم هو الذي جرى على يديه استعطاف عمر بن عبد العزيز لبني فاطمة من بني أبي طالب من بني هاشم ، ولمّا استولى يزيد قطع عنهم ذلك ، وعزل أبا بكر بن حزم الأنصاري واستبدل عنه بعبد الرحمان بن الضحّاك الفهري ، وكتب إليه مع عثمان بن حيّان المري : أن يجمع بينه وبين أبي بكر بن حزم في الحدَّين اللذَين أجراها أبو بكر على عثمان المرّي ، فإن وجد أن أبا بكر كان قد ظلمه أقاده منه ! ففعل وتحامل على أبي بكر فجلده حدَّين قوداً لعثمان المرّي‏ (1) !

و

انتصر لفاطمة بنت الحسين عليه السلام :

وكان عبد الرحمان الفهري القرشي والي المدينة تراءى له أن يزيد الجديد يريد تصغيراً لشأن بني هاشم بل بني فاطمة بالخصوص .

وكانت فاطمة بنت الحسين عليه السلام قد توفى عنها زوجها الحسن المثنّى ولها منه ثلاثة أبناء : عبد اللََّه ، فالحسن المثلث ، فإبراهيم . ثمّ تزوّجها - كيفما كان - عبد اللََّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان الأموي وتوفّى عنها ولها منه : محمّد الديباج فالقاسم فرقية (2) . واليوم ، بعد اللتيّا والّتي ، وبعد ستة أولاد وأكثر من ستّ وخمسين عاماً لها طمع فيها والي المدينة عبد الرحمان الفهري فخطبها ، فأبَته ، فأرسل إليها رجالاً يهدّدها : باللََّه لئن لم تستجيبي لأضربنّ أكبر ولدك ( عبد اللََّه ) بالسياط !

فما رأت بدّاً إلّاأن تكتب إلى يزيد بن عبد الملك تشكوه إليه ، فكتبت إليه ، فلمّا قرأ كتابها قال : لقد ارتقى ابن الحجّام ! مرتقىً صعباً ! مَن يسمعني ضربه وأنا على فراشي هذا !

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 312 .

(2) مقاتل الطالبيين : 122 - 123 .

49

ثمّ كتب إلى عبد الواحد بن بشر النضري في الطائف أن يتولى المدينة ويعذّبه حتّى يُسمعه ضربه ! ويأخذ عبدَ الرحمان بأربعين ألف دينار ! ففعل ذلك فرأوا عبد الرحمان وقد علّق بعنقه خرقة صوف يسأل الناس أن يعينوه‏ (1) .

خروج ابن المهلّب وقمعه :

مرّ الخبر أن يزيد بن المهلب الأزدي والي خراسان كان قد كتب إلى سليمان بن عبد الملك بوجود أموال ثقال عنده ، فلمّا مات سليمان وولِي عمر بن عبد العزيز رأى ذلك الكتاب ، فطلبه إليه وطالبه بها وأنكرها فحبسه . فلمّا مات عمر في رجب سنة ( 101 هـ ) هرب يزيد من السجن وصار بأنصاره إلى البصرة ، وعليها عديّ بن أرطاة الفزاري ، وكان قد بلغه هروب ابن المهلّب من سجن دمشق فأخذ عديّ إخوة ابن المهلّب وسجنهم ، فلمّا وصل إلى البصرة طلب من عديّ تخليتهم فأبى .

وبذل ابن المهلّب من الأموال العظيمة لديه فاجتمع حوله جمع عظيم وكثر أتباعه .

وكتب يزيد بن عبد الملك إلى عديّ بن أرطاة يأمره بأخذ يزيد بن المهلّب ، فحاربه في شهر رمضان في داخل البصرة . وسار ابن المهلّب إلى عديّ فقبض عليه وسجنه ، وغلب على البصرة والأهواز وفارس وكرمان ، وخلع يزيد بن عبد الملك ، وحمل معه ابن أرطاة الفزاري أسيراً في الحديد ومعه جماعة إلى واسط فحبسهم بها .

فندب يزيدُ لقتال ابن المهلّب أخاه مَسلمة بن عبد الملك وابنَ أخيه العباسَ بن الوليد بن عبد الملك في جيش كثيف . وخرج يزيد بن المهلّب‏

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 312 - 313 .

50

عن البصرة وواسط في جموع كثيفة عظيمة فالتقوا بالعقر من بلاد بابل فاقتتلوا قتالاً شديداً . واُصيب ابن المهلّب في بطنه فأصبح مبطوناً شديد العلة مصفرَّ الوجه حتّى كان مَسلمة يسمّيه الجرادة الصفراء ! ولم يبرح مع ذلك حتّى قتل وعدة من إخوته في جمع من أهل العراق ، وانهزم الجمع وولّوا الدبر ، وذلك في سنة ( 102 ) في الثاني عشر من شهر صفر .

وكان ابن المهلّب قد خلّف بواسط أهل بيته مع ابنه معاوية وجمعٍ من أنصاره ، فلمّا انتهى خبر مقتله إلى ابنه معاوية أخرج عديّ بن أرطاة الفزاري ومن معه من السجن وقتلهم ، ثمّ أعدّ سفناً فركبها بمن معه من أهل بيته وأنصاره إلى البصرة ثمّ في البحر إلى قندابيل من أرض السند . فوجّه مَسلمة بن عبد الملك لاتّباعه جمعاً مع هلال بن أحوز المازني فلحقهم بها فقتل جمعاً منهم وأسر نفراً يسيراً من الباقين ، فحملهم إلى يزيد بدمشق ومعهم خمسون امرأة حبسهنّ بدمشق‏ (1) ونادى مناديه : من كان له قِبل آل المهلّب دم فليقم ولينتقم منهم ( عشوائياً وليس شرعياً ) فدفعهم إليهم نحواً من ثمانين . ثمّ عزل أخاه مَسلمة عن العراق في آخر تلك السنة ، وجمع العراقَين لعمر بن هبيرة الفزاري‏ (2) .

وكان ذلك بعد انقضاء حرب ابن المهلّب وقتلهم ، فلقي جماعة من آل المهلب أسرى في الحديد في طريقهم إلى الشام فردّهم ، وكتب فيهم كتاباً إلى يزيد بأن الإحسان إليهم يعمّ قومهم ، فأبى يزيد وسبّه وشتمه ، فعاوده الفزاري وكتب إليه : إنّهم ليسوا بعشيرتي وما أردت إلّاالنظر لأمير المؤمنين في تأ لّف عشائرهم لئلّا تفسد قلوبهم وطاعتهم . فقبل بذلك يزيدُ وفكّ الفزاريُّ أسرهم‏ (3) .

____________

(1) تاريخ خليفة: 208 ، وتاريخ اليعقوبي 2: 310 - 311 ، والتنبيه والاشراف: 277 - 278 .

(2) تاريخ خليفة : 210 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 312 .

51

وكان العراق حتّى يومئذ على مساحة عثمان بن حُنيف الأنصاري على عهد عمر بن الخطاب ، ففي سنة ( 105 هـ ) قبل موته كتب يزيد إلى عمر بن هبيرة يأمره أن يمسح السواد فمسحه ، ثمّ وضع الخراج على النخل والشجر ، وأعاد ما أبطله ابن عبد العزيز من تسخير الناس في أعمال الدولة ، وأعاد أخذ الهدايا في النيروز والمهرجان‏ (1) في وسط السنة الشمسية وغزا عمر بن هبيرة الروم فهزمهم وأسر منهم سبعمئة أسير (2) .

ولاية عهده لأخيه هشام :

جعل يزيد ولاية عهده لأخيه هشام بن عبد الملك وولّاه أرض الجزيرة ، ثمّ بدا له أن يولّي عهده لابنه الوليد بن يزيد ويخلع أخاه هشاماً على أن يجعل له الجزيرة طُعمة ! وانتدب لتحسين ذلك له خالد بن عبد اللََّه القسري ، وأجاب هشام لذلك ولكنّه حسَّن له أن يبقى على عهده وإنّما يولي الوليد بعده ، وعاد بذلك إلى يزيد فأجاب إلى ذلك ، وجعل العهد بعد أخيه هشام لابنه الوليد بن يزيد (3) .

التقيّة في قول الشعبي وابن سيرين :

قال المسعودي : لما ولّى يزيدُ بن عبد الملك عمرَ بن هبيرة الفزاري على العراق وخراسان ، واستقام أمره ، ففي سنة ثلاث ومئة بعث ابنُ هبيرة إلى الحسن بن أبي الحسن يسار البصري ومحمّد بن سيرين ( مولى أنس بن مالك ) وعامر بن شُرَحبيل الشعبي فقال لهم :

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 313 .

(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 314 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 313 - 314 .

52

إنّ يزيد بن عبد الملك « خليفة اللََّه » استخلفه اللََّه ! على عباده ، وأخذ ميثاقهم بطاعته ! وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة ، وقد ولّاني ما ترون يكتب إليّ بالأمر من أمره فانفّذه ، وأُقلده ما تقلّده من ذلك ، فما ترون ؟

قال المسعودي : فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه « تقيّة » ! وتأخّر الحسن ! حتّى قال له عمر : فما تقول أنت يا حسن ! فقال :

يابن هبيرة ! خفِ اللََّه في يزيد ولا تخف يزيد في اللََّه ! إنّ اللََّه يمنعك من يزيد وإنّ يزيد لا يمنعك من اللََّه ، ويوشك أن يبعث عليك ملكاً فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ! فلا ينجيك إلّاعملك !

يابن هبيرة ! إنّي اُحذّرك أن تعصي اللََّه ، فإنّ اللََّه إنّما جعل هذا السلطان ناصراً لدين اللََّه وعباده فلا تركبنّ دين اللََّه وعباده بسلطان اللََّه ! فإنّه « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » .

فلم يؤاخذه ابن هبيرة بل ضاعف في جائزة الحسن ، فلمّا رأى الشعبي ذلك قال : سفسفنا في الأقوال فسفسف لنا في الأموال‏ (1) .

يزيد اللهو واللعب :

حجّ يزيد بن عبد الملك أيّام أخيه سليمان ، فعرضوا عليه جارية مغنّية تدعى حُبابة وغنّت له فأحبّها بل وشُغف بحبّها فاشتراها بأربعة آلاف دينار ! فلمّا بلغ ذلك إلى أخيه سليمان قال : لقد هممت أن أحجر على يزيد ! فلمّا سمع بذلك يزيد وهو يريد استمالة أخيه سليمان فردّ الجارية ، واشتراها رجل من مصر .

____________

(1) مروج الذهب 3 : 202 وقال : وكان أبوه يسار مولى امرأة من الأنصار ، ومات سنة ( 110 هـ ) .

53

فلمّا أفضت الخلافة إليه قالت له امرأته سعدة ( أو جدّته - اُمّ سعيدة العثمانية - المسعودي ) : هل بقي شي‏ء تتمنّاه من الدنيا ؟ فقال : نعم ، حَبابة ؛ فأرسلت في طلبها إلى مصر فاشترتها وزيّنتها وأجلستها وراء الستر ودخلت هي عليه وأعادت عليه كلمتها فقال : قد أعلمتكِ ! فرفعت الستر وقالت : هذه حَبابة ! وقامت وتركتها عنده ُ فحظيتا عنده‏ (1) .

وكان لسهيل بن عبد الرحمان بن عوف الزهري المدني بالمدينة جارية مغنّية يقال لها سلّامة . وكان عبد الرحمان بن عبد اللََّه بن عمار يقال له القسّ لكثرة عبادته ، ومرّ بمنزل سهيل فسمع غناء سلّامة فهواها واجتمعا فعُرفت بسلّامة القُسّ‏ (2) وهواها يزيد فاشتراها منه بثلاثة آلاف دينار ، ثمّ أُعجب بها حتّى غلبت على أمره !

قال المسعودي : ثمّ غلبت عليه حَبابة ، فوهب سلّامة لاُمّ سعيد !

ولما احتجب عن الناس وأقبل على الشرب واللهو ، وعمّ الناس الظلم والجور ، قال له أخوه مَسلمة :

إنّما مات عمر أمسِ ، وقد كان من عدله ما قد علمت ، فينبغي أن تُظهر للناس ! العدل وترفض هذا اللهو ، فقد اقتدى بك عمّالك في سائر أفعالك وسيرتك !

قال : فارتدع عما كان عليه وأظهر الإقلاع والندم وأقام مدّة على ذلك ، فغلظ ذلك على حَبابة ، فبعثت إلى الشاعر الأحوص والمغنّي مَعبد واحتالت بهما لاستمالته فاستمالته وعاد إلى لهوه وقصفه ورفض ما كان عليه . وطلب منها

____________

(1) مختصر تاريخ الدول لابن العبري : 115 .

(2) مروج الذهب 3 : 196 ، وتاريخ ابن الوردي 1 : 174 .

54

أن تغنّي له بشعر خاصّ فقالت له : هذا شعر لا أعرف أحداً يغنّي به إلّاالمغنّي المكي الأحول ! فوجّه يزيد إلى صاحب مكّة : إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى فلان بن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه واحمله على دوابّ البريد ( ليكون أسرع ) ففعل ذلك ! فغنّى له فوصله وكساه وردّه إلى مكّة مكّرماً !

وكان يُقعد حَبابة عن يمينه وسلّامة عن يساره ، فغنّته حَبابة ثمّ سلّامة فطرب طرباً شديداً حتّى قال : اُريد أن أطير فرحاً ! فقالت له حَبابة : يا مولاي ! فعلى من تدع الاُمة وتدعنا (1) ؟! وأهوى ليطير ! فقالت له : يا أمير المؤمنين إنّ لنا فيك حاجة ! فقال : واللََّه لأطيرنّ ! فقالت : فعلى من تدع الملك والاُمّة ؟! قال لها :

عليك واللََّه ! وأخذ يدها فقبّلها ! فخرج خادمه وهو يقول : سخنت عينك ! ما أسخفك !

وخرج بهما يوماً إلى ناحية الاُردن يتنزّه ، فرمى حَبابة بحبّة عنب استقبلتها بفيها فدخلت حلقها فشرقت ومرضت بها وماتت ، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتّى نتِنت وهو يشمّها ويقبّلها وينظر إليها ويبكي ! فلمّا دفنت بقي بعدها أُسبوعين ثمّ أوصى أن يدفن إليها ثمّ مات فدفن إلى جانبها سنة مئة وخمس‏ (2) في الخامس والعشرين من شعبان بإربد من بلاد البلقاء وله ثلاث وثلاثون سنة ! وصلّى عليه أخوه هشام بن عبد الملك‏ (3) وقال اليعقوبي : كان ابن سبع وثلاثين سنة وصلّى عليه ابنه الوليد بن يزيد ! ودفن بالبلقاء وخلف عشرة ذكور (4) وقال المسعودي : كان ابن تسع وثلاثين سنة ! وكان طويلاً جسيماً أبيض مدوّر الوجه ،

____________

(1) مروج الذهب 3 : 197 - 199 .

(2) مختصر تاريخ الدول لابن العبري : 115 - 116 .

(3) تاريخ خليفة : 213 .

(4) تاريخ اليعقوبي 2 : 314 .

ـ

55

فتىّ الشباب ، شديد الفخر ! ظاهر الكبر ! يحبّ اللهو ويستعمل الحُجّاب ، لا يعرف صواباً فيأتيه ولا خطأ فيدعه‏ (1) .

ولذا تذكّرت زينب بنت أبي سلمة المخزومي وتجرّأت أن تحدّث عن اُمّها اُمّ سلمة أ نّها قالت : دخل النبيّ عليَّ وعندي غلام من آل المغيرة المخزومي فسألني : يا اُمّ سلمة مَن هذا ؟ قالت : قلت له : هذا الوليد ( ابن أخي ) فقال :

قد اتخذتم الوليد حناناً ! غيّروا اسمه فإنّه سيكون في هذه الاُمة فرعون يقال له الوليد (2) .

و

أصبح هشام الخليفة والإمام :

عاد الأمويون من خلال عبد الملك بن مروان إلى تحالفهم الجاهلي مع بني مخزوم ، لمّا تزوّج باُمّ هشام بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، فولدت له رابع أبنائه : عبد العزيز فالوليد فيزيد فهشام ، وكما تُرك تسمية يزيد لأُمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية فسمّته بأبيها ، كذلك تُرك تسمية هشام لاُمّه فسمّته بأبيها .

وكان هشام في شهر رمضان سنة ( 105 هـ ) بقرية زيتونة من قرى الجزيرة ، إذ جاءه بريد دمشق فسلّم عليه بالخلافة (3) وأتاه بالخاتم والقضيب فركب إلى دمشق ، وعمره أربع وثلاثون سنة (4) .

____________

(1) التنبيه والإشراف : 277 .

(2) انظر الإمام الصادق لأسد حيدر 1 : 177 - 178 عن مسند أحمد ودلائل النبوة وتاريخ الذهبي وابن كثير .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 316 .

(4) مختصر تاريخ الدول : 116 .

56

وكان أبيض أصفر أحول ، رَبعة البدن ، شكس الأخلاق خشن الجانب ، لا يغيب عنه شي‏ء من أمر مملكته ويباشر الاُمور بنفسه ، جامعاً للأموال قليل البذل للسؤال‏ (1) فسلك الناس جميعاً في أيامه مذهبه ، فمنعوا ما في أيديهم ، وقلّ الإفضال ، وانقطع الرفد ، فلم يُر زمان أصعب من زمانه ! ومع ذلك استجاد الكساء والفرش ، وفي أيّامه عُملت قطفُ الخزّ . واستجاد الخيل ، وأقام حلبات السباق بها ، فاجتمع له فيها من خيله وغيرها أربعة آلاف فرس ، حتّى ذكر الشعراء ذلك في شعرهم ، ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس ! إلّاأ نّه عمّر الأرض ، واتّخذ في طرق مكّة القنوات والبُرك‏ (2) .

وقد مرّ الخبر أن يزيد بن عبد الملك أراد خلع أخيه هشام عن العهد لما بعده ، فأقنعه خالد بن عبد اللََّه القسري البجلي اليماني الشامي بأن يقدّم ابنه الوليد ويجعل العهد بعده لهشام ، ففعل ذلك . فاليوم عزل هشام أخاه مَسلمة بن عبد الملك عن العراقَين وولّاها خالد القسري باليد التي كانت له عنده‏ (3) فولّى أخاه أسدَ بن عبد اللََّه القَسري على خراسان في شهر ربيع الآخر من سنة ( 106 هـ ) ثمّ حجّ هشام فمات طاووس بن كيسان اليماني فصلّى عليه هشام قبل الموقف‏ (4) وكان معه أخوه مَسلمة بن عبد الملك .

هشام والباقر عليه السلام في المسجد الحرام :

____________

(1) التنبيه والإشراف : 279 .

(2) مروج الذهب 3 : 205 وقال : وأزال آثارها داوود بن علي العباسي في صدر دولتهم !

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 313 - 314 و 316 . أي في مقابل نعمته ومنّته عليه .

(4) تاريخ خليفة : 216 - 217 .