موسوعة العتبات المقدسة - ج10_2

- جعفر الخليلي المزيد...
188 /
3

القسم الثاني‏

موسوعة العتبات المقدّسة قسم الكاظمين‏

تأليف‏

جعفر الخليلي‏

منشورات مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت-لبنان.

ص. ب 7120

4

جميع الحقوق محفوظة و مسجلة الطبعة الثانية 1407 هـ-1987 م‏

مؤسسة الأعلمي للمطبوعات:

بيروت-شارع المطار-قرب كليّة الهندسة. ملك الاعلمي-ص. ب. 7120

5

مقدمة موجزة في البدو و الحضارة و اسم الكاظمين و الكاظم كتبها جعفر الخليلي‏

6

-

7

البدو و الحضارة

قبل الدخول في البحث عن اسم الكاظمين و مدينة الكاظمين و انساب الأسر التي تقيم في هذه المدينة منذ العهود البعيدة او القريبة يستحسن ان نتناول شيئا-و لو باختصار-عن البدو و البداوة باعتبارها المصدر البدائي الاول للبشرية جمعاء و للامة العربية و العراق منها بصورة خاصة، و لأن البدو كانوا سكان جزيرة العرب الاوائل و مستوطني الصحراء و البوادي و اليهم يرجع أصل القبائل العراقية و معظم سكان مدن العراق، فليس هنالك من مدينة عربية الا و قد انتقل سكانها كلا او بعضا من البادية بعد ان اجتاز مراحل تفرضها طبيعة الحياة و مقتضيات المعيشة.

يقول ابن منظور: و البدو، و البادية، و البداة، و البداوة، و البداوة:

خلاف الحضر، و بدا القوم بدوا: اي خرجوا الى باديتهم.

و قال الليث: البادية اسم للارض التي لا حضر فيها و اذا خرج الناس من الحضر الى المراعي في الصحارى قيل قد بدوا.

أما الحاضرة فيقول عنها ابو منصور: و الحاضرة: القوم الذين يحضرون المياه و ينزلون عليها في حمراء القيظ، فاذا برد الزمان ظعنوا عن اعداد المياه و بدوا طلبا للقرب من الكلأ، فالقوم حينذ بادية بعد ما كانوا حاضرة (1) .

____________

(1) لسان العرب مادة (بدا) .

8

و على رغم ان تاريخ البداوة العربية لم يخل من غموض لكثرة ما تكتنفه من الاساطير و الحكايات التي كان اغلب مصادرها القصص التي كانت تتناقلها الألسن فقد ازاحت الآثار التي عثر عليها المنقبون في العصور الاخيرة الستار عن حقائق ذات أهمية كبرى لا تصور حياة البداوة العربية فحسب و انما تصور حضارة مزدهرة في بقاع كثيرة من الجزيرة و على الاخص اليمن، و تنقل الشي‏ء الكثير عن كيفية انتقال البداوة الى الحضارة و الاستقرار في قرى صغيرة تضمن للساكنين ماء الشرب و سائر مقتضيات الحياة ثم تتسع هذه القرى على قدر ما فيها من مؤهلات للاتساع حتى تصبح مدينة.

يقول جرجي زيدان، و حين امتد نفوذ العرب الى ما وراء الجزيرة و قرأ أهل الخبرة ما تيسر من تاريخ العرب اندهشوا لما كان من اكتساح العرب للعالم المتمدن و هم جماعات من اهل البادية لا خبرة لهم، و لا دربة عندهم، فغلبوا الروم و الفرس في صدر الاسلام و استولوا على المملكتين في بضع عشرة سنة مما لم يسمع بمثله في تاريخ الأمم قديما و لا حديثا ثم أنشأوا الدول و نظموا الحكومات، و جندوا الجيوش فاصبح من اقصى اماني المحققين معرفة حقيقة ذلك الشعب، فاخذوا يبحثون في تواريخهم القديمة، و يطبقون ما رواه العرب على ما ذكره اليونان و غيرهم فعرفوا اشياء لم يعرفها العرب انفسهم فزادوا رغبة في استيضاح ذلك التاريخ باستنطاق الاثار المكتوبة و غير المكتوبة في انقاض المدائن العربية في اليمن و الحجاز و مشارق الشام و لكنهم لم يكونوا يستطيعون الوصول الى تلك الاماكن الا بالعناء الشديد (1) .

و من هذه الاثار المتبقية ثم مما بقي حتى اليوم من العادات و الأخلاق التي انطبعت بها البداوة العربية و التي لا نزال نشهدها بين البدو بل و حتى

____________

(1) العرب قبل الاسلام-دار مكتبة الحياة-بيروت ص 8.

9

بين القبائل المتحضرة التي تسكن مختلف الأقطار العربية كزراع و رعاة و على الاخص القبائل العربية التي تحتفظ بالشي‏ء الكثير من طبيعة البدو و اخلاقهم مع ما مر عليهم من القرون الطويلة و هم يجاورون القرى و المدن و يحتكون بأهلها، بل لقد بقي البعض على الطبيعة البدوية القديمة في حين سكن منهم المدن و تحضر و ألف حياة المدينة و تطبّع بطابعها. نلمس اثر البداوة في الكثير من المدن العربية، و ندرك شيئا من عوامل البداوة في الحضارة و عوامل الحضارة في البداوة.

البداوة غذاء الحضارة
و عن كيفية انتقال البدو الى التحضر و هجر الخيام و سكنى القرى و المدن يقول جرجي زيدان ان أقدم الامم السامية التي تمدنت و خلفت آثارا هم البابليون فقد تمدنوا في الالف الثالث قبل الميلاد و قد اعتمد جرجى زيدان على (كلاي) Clay في هذا التاريخ و هو الزمن الذي نزح فيه الفينيقيون من الخليج الى سوريا على ما يظن، و كانت بابل بلاد حضارة و تمدن قبل ذلك الحين باجيال و سكانها السومريون، فاقام الساميون اولا في غربيها ببادية العراق و الشام و هم قبائل رحل يعيشون على السائمة و الغزو مثل بدو هذه الايام هناك، و كما كان بنو لخم و غسان في صدر الاسلام فكان السومريون يستعينون بهم في محاربة اعدائهم كما كان الفرس و الروم يستعينون باللخميين و الغساسنة لان الغلبة كانت يومئذ للقوة البدنية، و ان الحضارة تبعث على الرخاء و الترف و الانغماس في الملذات و الركون الى الراحة فتذهب تلك القوة و تؤول الى الضعف، و ان البداوة تقوي الابدان، و تربي النفوس على الاستقلال، فلذلك كان اهل الحضارة او المدن يستعينون باهل البداوة او الجبال فيما يحتاج الى جهد، حتى اذا شاخت الدولة المتحضرة خلفها جيرانها البدو او الجبليون بالفتح او نحوه، و قاموا مقامها، و اقتبسوا عادات اهلها و ديانتهم ثم لا يلبثون ان يدركهم الهرم فيخلفهم سواهم من اهل البادية، سنة اللّه في خلقه، و كان اهل البادية او الجبال مصدر الغذاء للمدن: يحيون اهلها بالنزول بينهم و التزوج منهم،

10

و يربون لهم الماشية و السائمة لغذائهم و ركوبهم، و كأن المدن مهلك الابدان و العقول يأتيها البدو بنشاطهم و أنفهتم فلا يلبثون ان يتحضروا و يركنوا الى الرخاء حتى تنحل عزائمهم، و يتولاهم الضعف و يتفشى فيهم الذل، فيأتي من يقوم مقامهم.

هذا هو شأن العالم من قديم الزمان حتى الآن فالعراق بلاد خصب و رخاء نزلها الطورانيّون قديما: جاؤوها و هم أهل بادية او جبال، فطاردوا قوما كانوا فيها من اهل الرخاء لم يصلنا خبرهم، و أنشأوا فيها تمدنا حسنا، و اتخذوا آلهة و شرائع، و استنبطوا كتابة صورية تحولت بتوالي الاجيال الى الشكل المسماري المعروف، و لما تحضروا و غلب عليهم الرخاء، جاءهم الساميون من البادية و غلبوهم على ما في ايديهم، و اخذوا آلهتهم و شرائعهم، و زادوا فيها او حسّنوها، و قد تدرجوا في التغلب و التحضر.

على ان ما يذكره جرجي زيدان ليس في الواقع ان كل التحضر قد جرى على اسلوب الغزو و انتهاز فرص ضعف المتحضرين و ما شابه و انما هنالك علل أخرى يعود اليها تمصير القرى و المدن و تحضر اهل البادية و انتقال جوانب من الحضارة الى البدو و تلوين حياتهم بها ألا و هي الاحوال الاقتصادية و مقتضيات المعيشة التي تتطلب من البدوي ان يدنو من القرى و المدن بداعي تبادل المنفعة و تبادل البضاعة ثم لا تلبث هذه المصالح ان تقوى اسبابها فتجر البدوي الى الاتصال بالمدينة اكثر و اكثر حتى يؤول الأمر الى سكناه و قد يكون سكناه هذا سببا لاتباع اثره من الاقرباء و المعارف حين يرون ما اصاب من الرخاء فيؤمون القرية و المدينة كما أمّها هو و يعاف حياة البادية و عيشة الخيام و يسكن البيوت المسقفة و الحجر، و في العراق اليوم قرى بل و مدن تسكنها أسر و عائلات كانت بالاصل قبيلة واحدة من قبائل العراق التي جاءت اول ما جاءت من البادية.

و على ان هجرة البدو الى العراق قديمة و نزولها في اطراف المدن كرعاة

11

ثم كمزارعين او ممتارين فقد جرت معظم الهجرة في الفتح الاسلامي و دخول العراق و سكناه، و حين انتقل الامام علي بن ابي طالب الى العراق و اتخذ الكوفة عاصمة للخلافة هاجرت من قبائل البدو جماهير غفيرة اخرى و اقامت في العراق و على ضفاف نهر الفرات خاصة ثم طال مكثها فتحضرت و سكنت الكوفة و البصرة و واسط و الانبار بصورة خاصة و اكثر ما انطبعت و اتصفت به في اول امرها هي الحروب فكان منها و ليس من غيرها جنود المعارك في الحروب الداخلية و الخارجية، ثم عرفت برعي الابل و الغنم ثم القيام بزراعة الارض، و من هؤلاء البدو انحدرت معظم قبائل العراق و تألفت منهم سكان الكثير من المدن و اختلط هولاء السكان سكان المدن لا سكان القبائل باجناس أخرى.

و من المناسب ان نلخص هنا شيئا عن البدو و تكوين المجمع البدوي و عن بدو العراق الذين لم يستقروا بعد و يتحضروا و انما ديدنهم التجوال داخل العراق و اطرافة طلبا للكلأ معتمدين في ذلك على ما كتب الدكتور نوري خليل البرازي في دراسته عن البدو التي تناول فيها المجتمع البدوي من (فئة الرعاة) المتجولة في بوادي العراق من الوجوه التالية:

(1) -التكوين العام لمجتمع البدو

(2) -الوضع الاجتماعي‏

(3) -النشاط الاقتصادي‏

التكوين العام للمجتمع البدوي -1-
يعيش البدو في البوادي الصحراوية على هيئة مجتمعات بدائية منعزلة، و تتحكم الموارد المائية في عدد هذه الجماعات و بمستواهم الاقتصادي، فالامطار و الابار أهم هذه الموارد فبعضهم يستقر حول الابار في شكل تجمعات متصلة او منفصلة، و نتيجة لطبيعة هذا المورد المائي و خاصة

12

الامطار يضطر البدوي للترحال بحثا عن المرعى و قد تأصلت فيه طبيعة التنقل و اصبحت له مثل و قيم و تقاليد يتمسك بها و يعيش في ظلها.

و هناك ملامح أساسية مشتركة بين جميع البدو الذين يجوبون البوادي مهما اختلفت مواطنهم سواء في نظام حياتهم القبلية كالعادات و التقاليد التي تسيطر عليهم، او في تحركاتهم الدورية.

و يقوم المجتمع البدوي على مجموعة من العناصر الحضارية البدوية و القبلية التي في مقدمتها الأسرة.

الأسرة
تعتبر الاسرة القاعدة الاساسية لتكوين القبيلة حيث تنمو الأسرة من ابسط صورها و تكبر على مر الزمن و يزداد عدد أفرادها حتى تصبح قبيلة و تنقل السلطة من الأب الذي هو رب الأسرة الى الرئيس المتعارف عليه في هذا المجتمع بالشيخ الذي يتولى جميع السلطات، و يتوقف نفوذه على مكانته و قوته و حكمته.

و تكون الرياسة وراثية الا اذا كان الابن الاكبر غير أهل لها فيختار مكانه اقرب الافراد الاخرين مكان (الشيخ) الراحل و الى جانب شيخ القبيلة الواحدة يوجد شيخ المشايخ و تكون هذه الظاهرة في حالة اتساع حجم العشائر و انضمامها الى قبيلة واحدة، و هذا الانضمام يعود عليهم بالفائدة المعنوية و المادية كما يحصل في مراجعة السلطات فيما يتعلق بشؤونهم الخارجية او في حالة الازمات ليكونوا كتلة واحدة ضد القبائل الاخرى التي تناهضها.

و الشيخ مسؤول عن كل ما يتعلق بامور القبيلة فمثلا يعني اوقات الترحل، و مناطق النزول، و يقوم بواجبات الضيافة، و المفاوضات مع القبائل الاخرى او مع سلطات الدولة.

13

و يكبر في العادة حجم الاسرة البدوية التي تتألف من الأب و ابنائه و احفاده و زوجاتهم الذين يظلون مرتبطين به ما دام على قيد الحياة، مكونين و اياه شخصية معنوية واحدة مسؤولة عن تصرف كل عضو من أعضائها، كما أن عليه إعالة افرادها في حالة الشيخوخة، و المرض، و قد يشمل ذلك من يمتّ لهم بصلة القرابة البعيدة المتصلة معهم بالجد الخامس.

و تعتبر الارض المخصصة لمراعي الاسرة و زراعتها ان وجدت ملكا مشاعا لافرادها فيحق لمن يشاء في القبائل البدوية ان يرعى إبله حيث ترعى أسرته و يصيبه من نتاجها ما يصيب غيره، و ينتسب الفرد البدوي الى أسرة ابيه دون اخواله، حيث يرتبط بهم بمختلف المسؤوليات المادية و المعنوية، و لا يعتبر أخواله جزء من اسرته.

و تعتبر الاسرة نواة العشيرة و تسمى (بالبيت) و يتألف (الفخذ) من عدد من البيوت المرتبطة برابطة النسب المنحدرة من الجد الخامس، و تتألف العشيرة من عدة افخاذ ترتبط بمصالح مادية و منافع مشتركة، و انسابها البعيدة، و قد تكون من افخاذ لا تمتّ لبعضها بهذه الصلة و انما المصلحة المشتركة هي العامل الذي يوحد فيما بينها للمحافظة على كيانها و مراعيها و أرضها.

و بعد ما تصبح الاسرة عشيرة او قبيلة تتحد مع غيرها من القبائل، و بهذه الطريقة تتكون المجتمعات البدوية على هيئة وحدات متكتلة تربط بينها المصالح المشتركة، و المنافع المتبادلة، و السكنى في منطقة واحدة، و يختلف أثر العلاقات فيها قوة و ضعفا حسب اتصالها و ما يحيط بها من الظروف الطبيعية، و الاحوال الاقتصادية. بالاضافة الى ارتباطها بوحدتها القومية و اللغوية و الدينية، و نوع العمل، و خضوعها للاحكام المستمدة من العرف و العادات و التقاليد.

و تتميز العائلة البدوية بقوة الروابط المتينة و بالتعاطف و التجاذب، و بسيادة قيمها على القيم الفردية الشخصية، و بالزواج المبكر، و بحجم العائلة الكبير، و بسيطرة الرجل، و باحترام الشيوخ و الطاعنين في السن، و الاسرة أو العائلة في المجتمع البدوي هي اصل تنظيمهم الاجتماعي، و النواة الاساسية التي تغذي الافراد في طباعهم البشرية، ففيها ينال كل فرد أنماط سلوكه، و يتعلم خصائص الانسانية كالفخر و العصبية، و المباهاة بالنسب‏ (1) ، و لهذا تجد البدوي في اطار قبيلته يغار على سمعة أسرته و شرفها، و يعد نفسه للتضحية إن مسّ ذلك الشرف عار، و يحترم البدوي العمر و يعتبره شيئا مقدسا، لذلك لا يمكن لأي فرد من الأسرة ان يبت بشي‏ء دون ان يأخذ رأي العضو الذي هو اكبر سنا، و العائلة في هذا الوسط تقوم بكافة الوظائف التي يتطلبها المجتمع البدوي، و هي التي تعدّ الفرد و تجهزه بكل ما يتطلبه المجتمع، و من العرف المتبع في هذا المجتمع الرعوي ان يسكن الاولاد و الاحفاد في بيت عميد الأسرة حتى يصل الأمر بهم ان ترى ثلاثة أجيال يعيشون تحت سقف واحد، و يجوز للولد المتزوج ان يسكن في بيت وحده اذا رغب في ذلك، و العائلة البدوية متضامنة و متكافلة في جريمة احد أعضائها و قد يكون الفخذ و العشيرة امتدادا للعائلة، و كل فرد في العائلة له حقوق و عليه واجبات و ادوار اجتماعية.

القبيلة
ان القبيلة البدوية التي تمثل امتدادا لتطور الاسرة التي مرّ بحثها هي جماعة من الناس ينتمون الى جد واحد مشترك انحدروا منه، و يسكنون عادة في منطقة واحدة يتجولون فيها و هم يحملون واجبات مشتركة في الدفاع، و دفع الدية التي هي اهم ما يميّز القبيلة عن غيرها، و من الصعب تحديد عدد القبيلة لان عددها يتوقف على قدرتها على الدفاع و على قابلية

____________

(1) هي في الاصح خصائص بدوية غير انسانية في المصطلح المعروف.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المرعى على اعاشة مواشيها، و اذا كانت القبيلة لا تستطيع الدفاع عن نفسها و الاحتفاظ بكيانها، فانها تندمج بالقبائل الاخرى، و في الغالب تفضل الاندماج باقرب القبائل نسبا منها، و يهتم البدوي بالنسب لأنه يعتبره المرآة التي تظهر فيها نقاوة دم الفرد و ارتباطه بالقبيلة.

المفاهيم القانونية التقاليد و العرف‏
و ليس للبدو قانون منظم مكتوب، بل هناك تقاليد و اعراف بسيطة يتمسكون بها كل التمسك و ان مفعولها يسري على القبيلة و لا يتعداه الى غيرها من القبائل الاخرى، و هي تقاليد صلبة جامدة تناقلوها عن اسلافهم، و يصعب تغييرها.

و ان عدم وجود سلطة تنفيذية تقتص للفرد او تنزل العقاب بالجاني قد اعطى الحق للمجني عليه ان يقتص لنفسه، و يعتبر الجرم عندهم حقا خاصا، لذلك اذا عفا المجني عليه عن الجاني فان العقاب يزول عن الجاني‏

و اذا قتل رجل شخصا من غير قبيلته، فان الواجب يفرض على قبيلة القتيل الاخذ بالثار و الاقتصاص من القاتل، و على قبيلة القاتل في الغالب حماية القاتل و الدفاع عنه بحكم العرف و التقاليد، الأمر الذي يؤدي في كثير من الحالات الى وقوع الحرب بين القبيلتين، على انه كثيرا ما ينتهي الامر بالمصالحة فيدفع القاتل الدية المقننة حسب اعرافهم، و قد يأبى أهل القتيل او المجني عليهم اخذ الدية فيظل الجاني في حذر على نفسه اذ لا يتخلى عنه المجني عليهم دون ان يقتلوه او يقتلوا احد ارحامه او قبيلته، و على هذا يسير الكثير من عشائر العراق.

-اما اذا وقعت ما بينهم خلافات و مشكلات فانهم يتقاضون عند رجل يدعى (العارفة) يحتكمون اليه، و المشترط ان يكون العارفة معروفا

16

بالاتزان و اصالة الرأي و العدل و الاحاطة بشرايع القبيلة و انظمتها، و يجب ان يكون مشهودا له بالذكاء.

و لعل الدية من ابرز التقاليد المتبعة في المجتمع القبلي، حيث تشترك القبيلة في دفع دية القتل و بذلك يتحاشون الثأر قدر المستطاع و ما يجره من مشكلات و ويلات.

و ظاهرة العصبية في هذا المجتمع هي في الواقع دافع حيوي دموي في الواقع دافع حيوي دموي في صورتها العامة، فهي أصل من اصول حياة القبيلة الاجتماعية التي تعوّد عليها، و تعد اصلا من اصول السنن الاجتماعية التي توارثها، كما تعدّ من اهم قواعد قانون القبيلة غير المكتوب، و لذلك فهي جزء من تراث هذا المجتمع الجمعي حتى ورد في امثلتهم:

(انصر اخاك ظالما او مظلوما)

التنظيمات السياسية
و القبيلة تمثل الوحدة السياسية عند البدو، و قد نشأ هذا التنظيم عن وجود العصبية التي توحّد بين مجموعة من الناس تربطهم رابطة دم نقية، فهي توجد في المجتمعات التي تعيش في بيئات منعزلة، و لما كانت قائمة على اساس رابطة الدم فهي دائمية و ثابتة و لها أهمية كبرى، اذ أنها قوة سياسية دفاعية تربط بين أفراد القبيلة و بذلك تعمل على بقاء القبيلة و تحفظ كيانها، فالعصبية تشبه الشعور القومي في العصر الحاضر، و تتميز العصبية بين البدو بالاجماع في الرأي، و عدم الانقسام و عدم التنافر بين الافراد، لان القبيلة تمثل مصدرا للمسؤولية المشتركة المتبادلة، و هي اساس لكل فعالية موحدة متضامنة و جماعية تجاه الاحداث التي يتطلبها نمط السلوك في البادية، لذلك فان افراد القبيلة يتضامنون تجاه القبائل الاخرى في الحروب و الدماء، -و الدفاع عن المصالح و المسؤوليات المشتركة.

17

و ان زمالة الدم هي مبعث كافة الالتزامات السياسية و الحربية في القبائل، فعلاقة الفرد بالقبيلة كعلاقته بعائلته، و ليس هنالك فرق بين الشي‏ء العام و الخاص، فافراد القبيلة في العادة يقومون بواجباتهم نتيجة شعورهم بالمسؤولية نحو روح الأخوة و الجوار، لا نتيجة إلزام سياسي او قانوني، فالمجتمع البدوي لا يحتمل وجود طبقة مصطنعة فوقه لتحكمه حيث لا توجد محاكم ادارية، و لا ادارة مركزية للحكومة، و لا ضرائب او واردات و لا غيرها من التنظيمات المعروفة في انظمة الحكومات في المجتمع المتحضر.

المجلس‏
و لكل قبيلة عادة مجلس هو بمثابة ندوة لهم يستطيع كل فرد من افراد القبيلة حضوره و التحدث فيه، و في الغالب يكون اجتماعهم يوميا في المساء في ديوان شيخ القبيلة، و احيانا يكون الاجتماع في النهار فهو بمثابة برلمان و منتدى و قاعة محاكمة.

و يتحدثون في هذا المجلس بمختلف الاحاديث، و يبحثون الامور و المسائل التي تخص القبيلة، و يناقشون الامور السياسية و الخارجية فيه على قدر مفاهيمهم و ما يترشح اليهم من الحضارة، و لكل فرد ابداء رأيه و الدفاع عنه ما لم يكن ذلك مخالفا لرأي رئيس القبيلة في الغالب، و يبرز في هذا المجلس من اختص بالذكاء، و اللباقة، و قوة المنطق، و الحجة حسب مفاهيمهم، و في هذا المجلس كثيرا ما يسمع السامع قصصهم، و اساطيرهم، و اخبارهم.

الرئيس‏
و لكل قبيلة رئيس يدعى (شيخ القبيلة) و هو يتولى الرئاسة بطريق (2)

18

الوراثة و اللياقة مجتمعين، و يشترط ان تكون له عصبية و قرابة تشد ازره و مال يستطيع ان ينفق منه ما يستعين به على تنفيذ مطالبه.

و من مسؤوليات (شيخ القبيلة) ان يعدّ بيته للضيوف الوافدين، و من اعماله السياسية البارزة تولي المفاوضات الدبلوماسية مع القبائل الاخرى، و عليه ان ينهي النزاع بين الاطراف، و يحكم بين المتخاصمين او يحيل الأمر الى (العارفه) و يقوم هو بتنفيذ الحكم، و هو الذي يقود القبيلة في الحروب.

الوضع الاجتماعي للبدو -2-
مما مرّ يظهر ان الاسرة في المجتمع البدوي هي المحور الاساسي لحياتهم الاجتماعية، فالاسرة أو القبيلة تتكون نظريا من افراد يرجعون في نسبهم الى جد واحد، و مع ذلك فلا يلزم ان يجمع القبيلة كلها جد واحد بل كثيرا ما تتألف القبيلة من عدة حمايل (أسر) و قد تحالفت مع بعضها فتكونت القبيلة.

و من صفات البدوي الحرية في ابداء رأيه و هو يمتاز بالبساطة و الصراحة و الكرم، و يتمسك البدوي بشجرة النسب، و قد ينتج عن هذه الظاهرة معارضتهم للزواج من اهل المدن و القرى، و قد يعتبر الكثير منهم ان السطو و السرقة هي من اعمال البطولة.

و من صفات البدوي حرصه على سلاحه، و هو لا يحب لاول مرة الاقامة في المدن و السكن في المنازل المبنية من الاحجار او الطين لشدة ألفته للصحراء و البوادي و النجوم و الرمال.

و من اقدس قوانين الصحراء هو الثأر لانه يعتبره من وسائل المحافظة على ناموس القبيلة و كيانها.

19

و يقيم كل فرد في خيمة محوكة من الشعر و هي تعتبر قلعته الحصينة يعمل فيها ما يشاء دون ان يجرأ احد من جيرانه او عشيرته منعه او الاعتراض عليه و تكاد تعتبر هذه الحرية قاعدة النظام السياسي للبدو.

و اما مضيف الشيخ اي ديوانه فهو اشبه بالبرلمان و الندوة و ساحة المحكمة ففيه يتناقل الناس الاخبار الوافدة الى ديارهم من مختلف الاصقاع، و فيه تنزل الوفود القادمة من الجهات المختلفة و الضيوف و فيه تجري اخبار المراعي و اين يكون المطر قد تساقط و ابن لم يتساقط-و في اي مكان غمر العشب الارض من الصحارى، و كذلك يجري فيه السمر بذكر قصص الغزو و الحرب و السلم، و الترحال؛ كذلك تحسم في هذا الديوان الدعاوى و المنازعات التي تحدث بين افخاذ القبيلة و افرادها، و قد يودع رئيس القبيلة من هنا القضايا العويصة الى احد المحنكين المعروف باسم (العارفة) كما مرّ للبتّ فيها.

و بالرغم من ظروف قساوة البيئة الطبيعية التي يعيشون بها و التي من شأنها ان تدفعهم الى حياة التوحش و الابتعاد عن المفاهيم الانسانية فان هنالك مزايا للبدو تثير العجب منها حماية اللاجى‏ء، و اكرام الضيف بكل ما هو ميسور لديه، و منها العطف على الضعفاء من الشيوخ و النساء و الاطفال بل ان الاعتداء على الضعفاء يعد عارا كبيرا فهم مثلا لا يغزون قبيلة (صليب) و لا يسلبونهم و لا يتعرضون بهم، و صليب هولاء قبائل اختلف المؤرخون في اصلها و هي قبائل بدوية جوّابة مرتحلة غلب عليها الضعف فأصبحت في أمان.

لقد انعكس الكيان الاقتصادي لدى البدو في حياتهم الاجتماعية فنشأت عن الحياة الرعوية: الحركة، و الترحال، و عدم الارتباط في بقعة معينة من الارض مما ادى الى ظاهرة الغزو و الحروب القبلية.

و هذه الظاهرة تؤثر كثيرا في العرف و التقاليد و الاعتبارات الاجتماعية

20

الاخرى، و تحدد نوعيتها ايضا، و يمتاز اهل البادية بالبساطة و عدم التكلف و التصنع الذي نجده في المجتمع الريفي و المدني.

و من المألوف ان القوانين و الانظمة هي التي تنظم المجتمع الحضري و الريفي، اما المجتمع البدوي فان العادات و التقاليد الموروثة هي التي تقوم مقام القوانين و الانظمة و يتولى سلطتها شيخ القبيلة مع اعضاء آخرين من الشيوخ الذين دونه في مقام الرياسة، فالشيخ له المقام الاكبر و الشيوخ الآخرون من قبيلته لهم المقام الثاني في تصريف امور قبيلتهم، و في هذا المجتمع يقوم نظام الأبوّة و هو النظام المعروف: (بالباتراريكية) و معناه ان رئيس العائلة هو الذي يقوم بتنظيم أمور اسرته الكبيرة و يملي عليها اوامره،

اما علاقة الأسرة ببعضها فهي متينة في الغالب و يؤكد ذلك نظام الزواج القائم بين القبائل، و بتعبير آخر، يقوم شيخ القبيلة و مجلس مشايخها بممارسة السلطة التنفيذية و التشريعية المعروفة في نظام الحكومات في المجتمعات المتحضرة.

و يعامل الأب ابنه معاملة الصديق و ليس له منه الا الرعاية، اما النساء فليس لهنّ في تقاليد البدو منزلة في المجتمع، و عليهن ان يقمن بمختلف الخدمات من رعي الأبل و رعي الغنم، و حلبها، و اعداد الطعام و حتى فلي رؤوس الرجال احيانا.

ان حجم المجتمع البدوي القبلي تحدده المصادر و الثروات الاقتصادية الطبيعية التي يمكن للقبيلة ان تعتمد هي و ماشيتها عليها كالمراعي الطبيعية و آبار الماء مثلا،

و في العادة يكون عدد افراد القبيلة محدودا و صغيرا في منازلها اذ لكل جزء من القبيلة الكبيرة مناخ و منزل خاص و ذلك بسبب ظروف الصّحراء و طبيعة المناخ الجاف و لهذا يلزم ان يكون لكل فخذ او حمولة

21

مراعيها و معالمها الخاصة فهي تضرب خيامها في مواقع معينة على الغالب في مواسم الربيع، و قد تجتاز بعض القبائل حدود قبائل اخرى فتنشأ بسبب ذلك الحروب في السابق اما اليوم فان الحكومة هي التي تحل تلك المشكلات.

النشاط الاقتصادي للبدو -3-
و للعوامل الجغرافية سيطرتها الطبيعية في البوادي الصحراوية و ان ما يحوط اهلها من تخلف انما مردّه شدة خضوع اقتصادهم الى عوامل البيئة حتى انها تصبح تابعة لها تبعية مطلقة، و من ابرز هذه العوامل الامطار و المياه الجوفية، و درجة الحرارة، و نسبة الرطوبة التي تتطلبها الاعشاب، لذلك كان الكيان الاقتصادي للبدوي لا يتجاوز تربية الماشية من الأبل و الخيل و الاغنام بعد ان ترك البدو في السنين الاخيرة الغزو و السلب لاتساع نفوذ الحكومات العربية و استتباب الأمن.

و تتحكم كمية الامطار و نزولها في البوادي في وضعهم الاقتصادي من حيث الغنى و الفقر النسبيين، فاذا كان الموسم حسنا فمعنى ذلك ان الامطار قد تساقطت بوفرة حتى انتعشت المراعي و كثر فيها العشب، و بهذا يفيد البدو لما تصيبه مواشيهم مما تخرجه الارض من عشب و ما يفيدون هم من جذور النباتات أكلا و على الاخص الكمأة بالاضافة الى صيد الحيوانات التي يعتمد عليها البدويّ كثيرا في حياته مثل الظباء و الحبارى، و الضب، و اليرابيع و ما شاكل.

و يزداد في المواسم الجيدة انتاج المواشي و يتهيأ للبدو الكثير من المنتوجات اللبنية و في مقدمتها السمن، اما الوبر و الصوف فانهم يتاجرون و يمتارون من قديم الزمان بثمنه ما يحتاجون اليه من الحبوب و الثياب و الفراء.

و كثرة الامطار تؤدي الى غنى المراعي و معناه جودة الموسم، و هذا

22

يدفع البدو عادة الى الخروج عن العزلة و الانفراد، الى الحركة و الاختلاط، و الاحتكاك بغيرهم، فكل قبيلة تسابل ما جاورها من القرى و البلدان و تختلط باهلها و تتاجر معهم، و تتبادل محصولاتهم و مصنوعاتهم بمنتوجاتها الحيوانية (1) .

*** و من هذا الطريق طريق الاحتكاك بالقرى و المدن و لمس المنافع المادية تجد المدنيّة في نفس البدوي ميلا لحياة المدينة و على قدر تأثر البدوي بمباهج حياة المدينة و انظمتها تذوب التقاليد التي نشأ عليها على الرغم من صعوبة ذوبانها في نفس البدوي.

و هنالك عوامل اخرى في تمدين البدوي و ركونه الى السكن و تركه حياة البداوة و التجوال في الصحارى و هي عثوره على ما يطمن حاجاته من الماء و العشب و الامتياز؟؟؟ كأن تنزل القبيلة كلها او بعضها او بعض افرادها حول مياه و فيرة كافية في مختلف الفصول و خصوصا إذا كان هذا المنزل ممرا للقوافل فلا يلبث هذا الموقع ان يكون قرية ثم مدينة بالقدر المتوفر فيه من العوامل التي تجعل منه مدينة كبيرة مهمة او غير كبيرة و غير مهمة.

و ان جميع القرى و المدن العربية القديمة في التاريخ القديم تألف سكانها من مجموعة بدائية بدأت اول ما بدأت بحكم الحاجة و افضلية الاستقرار على حياة التجوال و الصيد و الغزو، لقد بدأت قرية صغيرة ثم كبرت بمقتضى العوامل الجغرافية التي تعمل في اقتصادياتها و لا سيما في حياتها الزراعية، و ذلك قبل اتساع دائرة الصناعة، و هنا تبدأ القرية باخذ مكانتها في عالم الاقتصاد على قدر قابلياتها.

____________

(1) البداوة و الاستقرار-تصدير معهد البحوث و الدراسات العربية، تأليف الدكتور نوري خليل البرازي ص 91-112.

غ

23

و على هذه الطريقة قامت معظم المدن و القرى في التاريخ القديم و قبل انتشار المدنية و الحضارة باستثناء المدن التي أنشئت لتكون مدنا منذ اول يوم نشأتها (1) .

و ليس من شك ان القبائل التي تتأثر بحياة المدينة و طبيعتها تترك هي الاخرى في المدينة أثرا على قدر ما فيها من قوة و قابلية سواء في العادات او التقاليد او اللغة. و في المدن العراقية اليوم أثر كبير من هذه التأثيرات التي خلفها افراد القبائل التي انتقلوا اليها و التي كانوا قد توارثوها من البدو (2) .

و في هذا النوع الذي يخرج البداوة من حياة البداوة و يدخلها في حياة المدن فيتأثر السكان بعضهم ببعض لغة، و عادات، و تقاليد، بسبب الاختلاط و الامتزاج يقول محمود شكري الالوسي عن العرب بما يشملون من بدو و حضر:

ان لفظ العرب في الاصل اسم لقوم جمعوا عدة اوصاف: احدها ان لسانهم كان اللغة العربية، و الثاني: انهم كانوا من اولاد العرب، و الثالث: ان مساكنهم كانت ارض العرب، و هي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم الى بحر البصرة، و من اقصى حجر باليمن الى اوائل الشام بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم و لا تدخل فيها الشام، و في هذه الارض كانت العرب حين المبعث و قبله، فلما جاء الاسلام و فتحت الامصار سكنوا سائر البلاد و من اقصى المشرق الى اقصى المغرب، و الى سواحل الشام و ارمينية، و هذه كانت مساكن فارس، و الروم، و البربر، و غيرهم، ثم انقسمت هذه البلاد قسمين، منها ما غلب على اهله لسان العرب حتى لا تعرف عامتهم غيره، او يعرفونه و غيره مع ما دخل في

____________

(1) المدينة المنورة من موسوعة العتبات المقدسة ج 1 ص 28.

(2) تراجع كتب الدكتور علي الوردي و لا سيما (المجتمع العراقي) منها.

24

لسان العرب من اللحن، و هذه غالب مساكن الشام، و العراق، و مصر، و الاندلس، و نحو ذلك، و ارض فارس و خراسان كانت هكذا قديما، و منها ما العجمية كثيرة فيهم و غالبة عليهم، كبلاد الترك، و خراسان، و ارمينية، و اذربايجان و نحو ذلك، فهذه البقاع انقسمت الى ما هو عربي ابتداء، و الى ما هو عربي انتقالا، و الى ما هو عجمي، و كذلك الانساب ثلاثة اقسام: قوم من نسل العرب و هم باقون على العربية لسانا و دارا، او لسانا لا دارا، او دارا لا لسانا، و قوم من نسل العرب بل من نسل بني هاشم ثم صارت العربية لسانهم و دارهم او احدهما، و قوم مجهولو الاصل لا يدرون أمن نسل العرب هم ام من نسل العجم؟و هم اكثر الناس اليوم سواء كانوا عرب الدار و اللسان او احدهما، و كذلك انقسموا في اللسان ثلاثة اقسام: قوم يتكلمون بالعربية لفظا و نغمة، و قوم يتكلمون لفظا لا نغمة و هم المتعربون الذين لم يتعلموا اللغة ابتداء من العرب و انما اعتادوا غيرها ثم تعلموها كغالب اهل العلم ممن تعلم العربية، و قوم لا يتكلمون بها الا قليلا، و هذان القسمان منهم من تغلب عليه العربية و منهم من تغلب عليه العجمة و منهم من قد يتكافأ في حقه الامران إما قدرة و إما عادة (1) .

بدو العراق‏
و معظم قبائل العراق كان من اصل بدوي و كان الكثير منهم في حدود العراق من ارض جزيرة العرب و البعض منهم كان في العراق ايضا، و اختلف المؤرخون في سبب ذلك فذهب ابن خلدون في تاريخه عند الكلام على الطبقة الثالثة من العرب و هم العرب التابعة للعرب أن بختنّصر ملك بابل هو الذي اسكن بعضهم في الحيرة بسبب ما كان له مع التتابعة و غيرهم

____________

(1) بلوغ الارب ج 1 ص 11 مط دار الكتاب العربي بمصر.

25

من الوقائع و الحروب، و بعد موته انتقلوا منها الى الانبار فانتشروا بعد ذلك بارض العراق.

و قال الهمداني في كتاب جزيرة العرب: سار تبّع ابو كرب في غزوته الثانية، فلما اتى موضع الحيرة خلف هناك مالك بن فهم بن غنم ابن دوس على اثقاله و تخلف معه من ثقل من اصحابه في نحو اثني عشر الفا، و قال: تحيّروا هذا الموضع فسمي الموضع الحيرة، و هو من قولهم تحير الماء اذا اجتمع و زاد، و تحيّر المكان بالماء اذا امتلأ (1) ،

و يقول جرجي زيدان: و قد اكثر العرب من تحليل اسم (الحيرة) و تعليله على عادتهم في ارجاع الاعلام الى مشتقات عربية، فقالوا سميت بذلك من الحيرة اي الضلال، لأن تبّعا لما بلغ موضع الحيرة-على ما يزعمون-ضل دليله و تحيّر، و زعم آخرون: ان مالكا لما نزلها جعلها حيرا-اي حظيرة او بستانا-و اقطعه قومه، ثم صارت الحيرة، و قال غيره بل سميت الحيرة من الحوار، اي البياض، لبياض ابنتيها.

و الحقيقة أن لفظها سرياني معناه الحصن او المعقل حوله الخندق، و هي و الحير العربية من اصل واحد كما نرى من تقارب اللفظ و المعنى و لذلك كانوا يعرفونها بقولهم (حيرة النعمان) او (حيرة المنذر) اي حصنه او معقله على جاري العادة في انشاء المدن يومئذ، فكان الملك او الامير يبني معقلا لنفسه و حاشيته، ثم يبني الناس حوله فيتسع المكان بتوالي الأزمان و يصير مدينة، و على هذا النمط نشأت البصرة، و الكوفة

و لما كانت الحيرة على طرف العراق في الغرب و ليس بعدها غير البادية رغب فيها البدو فكان يؤمها البدوي لابتياع بعض الحاجيات ثم لا يلبث ان يقيم فيها (2) .

____________

(1) بلوغ الارب ج 1 ص 212 مط دار الكتاب العربي المصري.

(2) العرب قبل الاسلام-جرجي زيدان ص 266 مط دار الحياة ببيروت.

26

و يقول الهمداني: ان مالكا كان اول ملوك الحيرة و أباهم، و كانوا يملكون ما بين الحيرة و الانبار، و هيت، و نواحيها، و عين التمر، و اطراف البراري الغمير، و القطقطانة، و حفية.

و غير الهمداني يقول ان الحيرة بلدة على حافية البادية، و حافة سواد العراق، و ان تبّعا لما سار من اليمن الى خراسان و انتهى الى موضعها ليلا تحيّر فنزل و أمر ببنائها فسميت الحيرة، و صارت مقام الملوك اللخميين من آل النعمان بن المنذر و بها تنصّر المنذر بن امرى‏ء القيس و بنى بها الكنائس العظيمة، و اقام قصرا سماه (الزوراء) و هو المعني بقول النابغة الذبياني.

و تسقى اذا ما شئت غير مصرّد # بزوراء في أكنافها المسك كارع‏ (1)

و على هذا تكون الحيرة اول مدينة بناها العرب الذين جاؤوا من الجزيرة و يكون تبّع و قومه اول من دخلوا العراق و اختلطوا بالسكان و تطبعوا بالطبيعة المدنية و اسسوا القرى و المدن.

و كثر بعد ذلك دخول القبائل العربية من جزيرة العرب الى العراق، و حين تم فتح المسلمين العراق دخلت اكبر موجة من الجزيرة في بلاد العراق، و حين انتقلت عاصمة الخلافة من المدينة المنورة الى الكوفة في خلافة الامام علي (ع) كما مرت الاشارة اليه من قبل كان عدد القبائل المتحضرة و نصف المتحضرة و قبائل البدو الذين دخلوا العراق كبيرا جدا، و قد نال بعضهم قسطا مناسبا من المدنية كقبائل الحجاز، و بقي البعض الاخر على فطرته، و قد وجدت هذه القبائل في بلاد العراق ما يطمن لها رغد العيش فاقام منها البعض في المدن و في اطرافها و طبع بطابعها، و عاش البعض الاخر فترة من الزمن عيش البداوة في مراعي العراق بعيدين بعض

____________

(1) بلوغ الارب ج 1 ص 213 مط دار الكتاب العربي بمصر.

27

البعد عن مراكز المدن حتى تسنى لها بعد ذلك ان تذوب بالتدريج في الحياة المدنية و تعمل في الزراعة و من هولاء جلّ قبائل العراق و كانت آخر قوافل البدو التي قدمت العراق في العصور الاخيرة و استقرت فيه و تمدنت و ألف رؤساؤها مدينة (الناصرية) هي قبيلة آل السعدون، و لم يدخل العراق بعد هذه القبيلة من قبائل البدو قبيلة اخرى.

اما القبائل البدوية التي سبقت قبائل آل السعدون في مجاورتها العراق و سكناها في وسطه و اطرافه و ظلت على بداوتها فهي:

1-قبيلة شمر و تسكن هذه القبيلة داخل العراق و في المنطقة الواقعة بين الفرات و دجلة من شمال بغداد و المسماة بالجزيرة.

2-قبيلة عنزة و هي تسكن في اعالي الفرات من الغرب و تتمركز في الرطبة.

3-قبيلة آل ظفير و هي التي تتمركز متجولة في الفرات الجنوبي من المغرب و حول (السلمان) .

اما شمر فقد بدا عليها الاستقرار بعد الحرب العظمى الاولى حين حبب رؤساؤها لقبيلتهم استثمار الارض و زراعتها، و منذ ذلك التاريخ بدأ التطور المدني يبدو عليها، و اصبح لها منتوج زراعي يلزمها بالاستقرار و ترك حياة البداوة و قد تألفت من مجامعها الزراعية مجموعات تشبه القرى‏

و اما آل ظفير فقد انتقل منها البعض الى المدن و ترك حياة البداوة، و هناك الان كثير من العائلات التي تسكن مدن العراق الجنوبية يرجع تاريخها الى هذه القبيلة و مع ذلك فقد بقيت القبيلة بمجموعها الكبير على بداوتها.

و اما قبيلة عنزة فقد بقيت على فطرتها البدوية تتنقل كآل ظفير ضمن حدود معينة.

28

و الشي‏ء المهم الذي لم يبق له اثر في هذه القبائل هو الغزو و المعارك و السلب الذي كانت قد تطبعت به القبائل البدوية و ذلك لقوة الحكومة و لأن هذه القبائل بدأت تدنو بسبب الاحتكاك نحو حياة المدينة كما دنت القبائل البدوية الاخرى من قبل و ذابت، و لا يبعد ان يكون شأن (عنزة) و شأن (آل ظفير) كشأن شمر ثم تصبح هذه القبائل البدوية كعشائر العراق لا سيما و ان الحكومات العراقية بدأت تستعجل القبائل الرحل البدوية على المكث و الاستقرار بما تهي‏ء لها من وسائل التمدين و تسهيل استغلال الارض في الزراعة.

و يقول البرازي: لقد استقرت البداوة في بوادي العراق منذ فترة طويلة، و نمّى البدوي مهاراته و اساليب حياته، و كانت البداوة طيلة هذه الادوار التاريخية في نزاع مستمر مع الحضارة الزراعية المستقرة في وادي الرافدين، و بالرغم من هذا النزاع ظلت بداوة الرعي مزدهرة في هذه البوادي، و سارت جنبا الى جنب مع الزراعة المستقرة بعد ان انفصل مجالهما، فسكن المزارعون حول ضفاف الانهار و زرعوا الارض، بينما تكيف الرعاة مع طبيعة المرعى و طبيعة الحيوان، و اتخذوا مسارحهم في المناطق الصحراوية و شبه الصحراوية في هذه البوادي.

و ظلت هاتان الحضارتان الرعوية و الزراعية، و ما انبثق منهما من نشاطات اقتصادية و نظم اجتماعية تمثلان حضارة الانسان في العراق في تاريخها الطويل حتى الوقت الحاضر الذي ظهرت فيه الحضارة الصناعية، و لم يختف التناقض في اسلوب الحياة و الرأي بينهما (1) .

اما الواقع فان الرعي لم يعد يختص بالبداوة و انما هو جانب من جوانب الزراعة الذي يتمشى مع استثمار الارض حتى لقد دخل الصناعة

____________

(1) البداوة و الاستقرار في العراق-معهد البحوث و الدراسات العربية ص 108.

29

في العراق و اصبح الرعي مشمولا بالمدينة التي ابعدته عن حياة البداوة.

هكذا انتقل البدو و بدو العراق خاصة من حياة الترحل و التجوال و العيش المحدود الى حياة المدينة يوما بعد آخر حتى تألفت منهم المدن العراقية الكبيرة كالحيرة و البصرة و الكوفة.

و هذه مدينة الكاظمين ينحدر عدد غير قليل من سكانها من مختلف القبائل و على الاخص العلويين من العدنانيين و الخزرج من القحطانيين اللذين شرعنا بدراسة اصول أسرتيهما ابتداء من هذا الجزء.

30

الكاظمين او المشهد الكاظمي‏

المشهد الكاظمي، او مشهد الامام موسى بن جعفر هو الاسم الذي عرفت به هذه المدينة-مدينة الكاظمين-في التاريخ و يرجع تاريخ هذه التسمية-تسمية هذه المدينة-بالمشهد الكاظمي، او مشهد الامام موسى ابن جعفر الى يوم دفن الامام موسى بن جعفر الصادق بن محمد بن الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ابي عبد اللّه بن علي بن ابي طالب-عليهم السلام- في هذه البقعة، و ذلك في سنة 183 هـ، اما اسم الكاظمين او اسم الجوادين احيانا فقد عرفت به هذه المدينة في السنين الأخيرة فتغلب على الاسمين السابقين و اصبحت المدينة اليوم تدعى بمدينة (الكاظمين) أو (الكاظمية) بعض الأحيان.

و بقعة الكاظمين هذه هي جانب من ممتلكات الكشّيين القدماء الذين جاءوا العراق في اواسط القرن الخامس عشر قبل الميلاد، لقد جاءوا من الجبال الشمالية الشرقية من منطقة لرستان، يقودهم زعيم اسمه (كندش)

31

فاحتلوا مدينة بابل، و تعلموا اللغة البابلية السامية (1) و كان منهم الملك (كاريكالزو) و هو الذي شيد للدولة عاصمة جديدة اطلق عليها اسمه المذكور و التي تعرف اطلالها و يعرف تلّها العظيم اليوم باسم (عقرقوف) و تعتبر ارض مدينة الكاظمين جزءا من تلك العاصمة، و جانبا من جوانب هذا التل.

و في معجم البلدان لياقوت ان «عقر قوف هو عقر أضيف اليه فصار مركبا مثل حضر موت و بعلبك، و هي من نواحي (دجيل) بينها و بين بغداد اربعة فراسخ، و الى جانبها تل عظيم من تراب يرى من خمسة فراسخ كأنه قلعة عظيمة لا يدرى ما هو، الا ان ابن الفقيه ذكر انه مقبرة الملوك الكيانيين، و هم ملوك كانوا قبل آل ساسان من النبط» .

و في (نزهة القلوب) لحمد اللّه المستوفي القزويني المطبوع بليدن:

ان الذي بنى (عقرقوف) هو كيكاووس الذي أطلق عليه اسم النمرود، و نسبت له قصة ابراهيم و الاصنام و قصة احراقه بالنار، و كيفما كان الأمر فان تاريخ هذه البقعة قديم و يرجع الى ما قبل 3000 سنة.

و يقول الدكتور مصطفى جواد: و لم نقف على اسم منطقة (الكاظمين) في عصر الكشيّين و لا في عصور من حكموا قبلهم كالأكديين الساميين و البابليين و لا في عصر من حكموا بعدهم كالكلدانيين و الاخمينيين الايرانيين، و انما نستطيع ان نجد اسما لها يشبه الأسماء اليونانية و هو (قطر بل) و هذا يدل على ان الاسم كان معروفا في اواخر القرن الرابع قبل الميلاد (2) .

و كانت هذه المنطقة تعرف (بطسّوج قطر بل) في أيام الساسانيين.

____________

(1) موسوعة العتبات المقدسة-قسم الكاظمين ج 1 ص 10.

(2) المصدر المتقدم.

32

مقبرة الشهداء
و الغالب على الظن ان هذه المنطقة قبل ان تكون مدفنا للامام موسى ابن جعفر و حفيده محمد الجواد، و قبل ان تكون مقبرة للقرشيين باسم (مقابر قريش) كانت مدفنا لعدد من الذين استشهدوا في حرب الخوارج قرب الكاظمين و دفنوا هناك في غربي الكاظمين الجنوبي و ذلك سنة 37 هجرية.

قال الطبري: «و بالقرب من القبر المنسوب الى هشام (ابن عروة بن الزبير بن العوام) بالجانب الغربي قبور جماعة تعرف (بقبور الشهداء) لم ازل اسمع العامة تذكر انها قبور قوم من اصحاب امير المؤمنين علي ابن ابي طالب كانوا شهدوا معه قتال الخوارج بالنهروان و ارتثوا في الوقعة ثم لما رجعوا ادركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم عليّ هناك، و قيل ان فيهم من له صحبة و قد كان حمزة بن محمد بن طاهر ينكر ايضا ما اشتهر عند العامة من ذلك، و سمعته يزعم ان لا اصل له و اللّه اعلم‏ (1) » .

و ردّ الدكتور مصطفى جواد على من كان ينكر مرور الامام علي بن ابي طالب (ع) بهذه المنطقة في حرب الخوارج و على الذين أنكروا دفن الشهداء هنا مفنّدا ثم استدرك و قال:

الا ان الراجح هو ان اولئك استشهدوا قبل وقعة (النهروان) بقليل، و كانت الوقعة بينهم و بين الخوارج قرب ارض الكاظمية و في نواحيها، و منها (مقبرة الشهداء) المذكورين، غير ان مقبرتهم و مقبرة (باب حرب) و غيرهما قد زالت و لم يبق لها أثر (2) .

و في اخبار سنة 641 هـ من (الحوادث) ان ميتا حمل الى (مقبرة

____________

(1) تاريخ بغداد: 1-126.

(2) للاستزادة يراجع الجزء الاول من قسم الكاظمين من موسوعة العتبات المقدسة ص 9- 34.

غ

33

الشهداء) ليدفن فيها فلما حفر الحفار قبرا له وجد في الحفر جرة مملوة دراهم يونانية و دراهم اسلامية مما ضرب بالمدينة المنورة فاحضرها الى المحتسب ببغداد فحملها المحتسب الى دار الوزير نصير الدين احمد بن الناقد وزير الخليفة المستعصم باللّه فأمره بالمضي الى المقبرة و اعتبار الحفر (اي فتشه) ، فحضر و حفر حول القبر فوجدوا جرّة اخرى كان بها نحو عشرة آلاف درهم.

و عن نفس المصدر من الحوادث اورد الدكتور مصطفى جواد في الجزء الاول من قسم الكاظمين من موسوعة العتبات المقدسة عن قدم (مقبرة الشهداء) في منطقة الكاظمين العثور على نقود يونانية في تلك المنطقة مخلوطة مع نقود غيرها و ذلك يدل على ان احد سكان هذه المنطقة في العهود الاسلامية عثر عليها في أثناء حفر اسس لداره او لعمارة أخرى من العمارات.

و في سنة 647 أمر الخليفة المستعصم باللّه بعمارة مشهد الامام موسى ابن جعفر-ع-فلما شرع الفعلة و البناة في ذلك وجدوا برنيّة-اي بستوقة-فيها ألف درهم قديمة منها يونانية عليها صور، و منها ضرب بغداد و منها ما هو ضرب (واسط) فعرضت على الخليفة المذكور آنفا فأمر ان تصرف في عمارة المشهد اضعاف ما كان حمل اليهم منها.

الى غير ذلك مما دلت الحفريات على قدم هذه البقعة التي اول ما اتخذت مدفنا فانما اتخذت للشهداء الذين حاربوا الخوارج في النهروان او قبل معركة النهروان كما يرى الدكتور مصطفى جواد و ذلك قبل ان تشتهر هذه البقعة كمقبرة باسم (مقابر قريش) ثم باسم (المشهد الكاظمي) او (مشهد الامام موسى بن جعفر) فيما بعد.

و مقبرة الشهداء هذه-كما عيّنها الدكتور مصطفى جواد في تحقيقه واقعة بالقرب من (الشالچية) الحالية، و هي جانب من المنطقة المعروفة باسم (سونايا) الآرامي الواقعة بين الكاظمين و بغداد من الغرب و المتصلة

34

بمقابر قريش (مشهد الامام موسى بن جعفر) الذي يسمى اليوم بالكاظمين، فكانت مقبرة الشهداء اول مقبرة قامت للمسلمين في منطقة الكاظمين.

و يذكر العلامة المؤرخ الشيخ محمد السماوي تخطيط المنصور لمدينة بغداد في ارجوزته فيذكر (المنطقة) . و يذكر (براثا) و يذكر موقع (سونايا) الذي كان يشمل (مقبرة الشهداء) فيقول عن المنصور:

و عيّن الغرب لنهر دجله # على ازورار نهرها في الجمله

و خطّها دائرة متّسقه # و مركز الخط بحيث (المنطقة)

و هي التي يدعونها (سونايا) # خلف (براثا) إذ تقاس نايا

حيث (براثا) للجنوب سمت # تبعد عما خطّه نوبخت‏

35

مقابر قريش‏
و يتضح مما مرّ ان مدينة الكاظمين الحالية لم تكن غير جانب من مقاطعة كانت معروفة في التاريخ القديم و قد قامت عليها المدينة المعروفة باسم (قطر بل) و قد ورد لها ذكر كثير في التاريخ و في الشعر العربي خاصة، و حين قام المنصور بتخطيط بغداد و بنائها سنة 149 لم نجد لهذه البقعة اي ذكر في التاريخ حتى مات ابن المنصور (جعفر الاكبر) الذي تكنّى المنصور باسمه و دعي بابي جعفر فدفنه ابوه في هذه البقعة و ذلك في سنة 150 هـ و خص هذه المقبرة بالقرشيين، على ان يدفن هو فيها اذا مات فسميت بمقابر قريش، ثم تكاثر الدفناء في هذه البقعة من الاكابر و الوجوه و الاعلام و سائر الناس تبركا بهذا المقام منذ أن جرى دفن الامام موسى بن جعفر (ع) فيه و ذلك سنة 183 هـ فلم تعد تعرف (بمقابر قريش) بل صارت مقبرة عامة للذين يلتمسون دفنهم في جوار الامام الكاظم مثوبة عند اللّه لما عرف به الامام من صفات انفرد بها اولياء اللّه و اصفياؤه.

يقول الشيخ ابراهيم يحيى من قصيدة له في الكاظم:

و حامي حمى الزوراء موسى بن جعفر # ملاذ جميع الناس و الدهر مجحف

و ضامن دار الخلد للزائر الذي # أتاه يؤدّي حقّه لا يسوّف‏

36

و بحر الندى ذاك الجواد الذي جرى # رويدا فبذّ الغيث، و الغيث موجف‏

و جاء في الحوادث: انه كان قد حفر للناصر لدين اللّه الخليفة العباسي سرداب في جوار الامام موسى بن جعفر و لكنه دفن في الرصافة (1) و قد دفن نصير الدين ابو جعفر محمد بن محمد الطوسي في هذا السرداب الذي كان قد حفر ليكون مدفنا للناصر لدين اللّه، و نقل انه قيل للطوسي-رض- في مرض موته:

-ألا توصي بحمل جسدك الى مشهد النجف الأشرف الأطهر؟

فقال-لا، بل استحي من وجه سيدي الامام الهمام موسى بن جعفر -عليهما السلام-أن آمر بنقل جسدي من ارضه المقدسة الى موضع آخر (2) .

و هكذا ما لبثت ان صارت هذه البقعة مدفنا للقرشيين و غير القرشيين، و لطائفة كبيرة من الأعلام و أئمة المسلمين كما يرى القارى‏ء من استعراض تراجمهم في الجزء الثاني من قسم الكاظمين من موسوعة العتبات المقدسة التي قام بجمعها و تحقيقها الدكتور مصطفى جواد عن الدفناء الذين تم دفنهم في الكاظمين خلال سبعة قرون و وافاه الأجل قبل ان يتم تراجم الذين دفنوا بعد القرن الثامن الهجري حتى القرن الرابع عشر الاخير من الاعلام و المشاهير.

و يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان عن مقابر قريش «و هي مقبرة مشهورة، و محلة فيها خلق كثير و عليها سور بين الحربية، و مقبرة احمد بن حنبل رضي اللّه عنه، و الحريم الطاهري، و بينها و بين دجلة شوط فرس جيد، و هي التي فيها قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، بن علي زين العابدين بن الامام الحسين بن علي بن ابي طالب، و كان

____________

(1) الحوادث في وفيات سنة 672 هـ.

(2) روضات الجنات ص 605-611 ط طهران.

37

اول من دفن فيها جعفر الاكبر بن المنصور امير المؤمنين في سنة 150 و كان المنصور اول من جعلها مقبرة لما ابتنى مدينته (بغداد) سنة 149» .

و قال الخطيب البغدادي عن مقابر قريش:

«بالجانب الغربي في اعلى المدينة (مقابر قريش) دفن فيها موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب و جماعة من الافاضل معه» .

و يقول الخطيب بعد ذلك:

«سمعت بعض شيوخنا يقول: مقابر قريش كانت قديما تعرف بمقبرة الشونيزي الصغير، و المقبرة التي وراء التوثة تعرف بمقبرة الشونيزي منظر عام لمرقد الامامين الكاظمين موسى بن جعفر و محمد الجواد عليهما السلام‏

اسكن

38

الكبير و كان اخوان (كذا) يقال لكل واحد منهما الشونيزي فدفن كل واحد منهما في احدى هاتين المقبرتين، و نسبت المقبرة اليه‏ (1) » و هذا القول مردود اذا ما استعرضنا اقوال المؤرخين و تتبعنا تحديد المواقع، و يبدو لنا ان الخطيب البغدادي و من ذهب مذهبه في اعتبار الشونيزيه مقابر قريش واهمون.

اما الذي يجوز اعتباره من مقابر قريش و المتصل بها فهو (باب التبن) لورود نصوص بكون هذا الباب ضمن مدفن الامام موسى بن جعفر.

يقول ياقوت في معجمه عن باب التبن:

«و هو بلفظ التبن الذي تأكله الدواب، اسم محلة كبيرة كانت ببغداد على الخندق بازاء قطيعة ام جعفر، و بها قبر عبد اللّه بن احمد بن حنبل رضي اللّه عنه، دفن هناك بوصية منه و ذاك انه قال: قد صح عندي ان بالقطيعة نبيا مدفونا، و لأن اكون في جوار نبي احب الي من ان اكون في جوار ابي، و بلصق هذا الموضع (مقابر قريش) التي فيها قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الامام الحسين ابن الامام علي بن ابي طالب رضي اللّه عنهم، و يعرف قبره بمشهد باب التبن، مضاف الى هذا الموضع، و هو الآن محلة عامرة ذات سور مفردة (2) » .

____________

(1) تاريخ بغداد-1-120.

(2) معجم البلدان-مادة (باب) .

39

الكاظمين‏
ليس بامكان التاريخ ان يعرف كل الاسباب التي استدعت. اطلاق الاسماء لاول مرة على مسمياتها من المدن و المحلات و المواقع و غيرها، فلم يزل المؤرخون و المتتبعون يجهلون حتى اليوم اسباب تسمية عشرات الالوف من المدن و المحلات و المواقع باسمائها، في حين ان الكثير من هذه المواقع قريب عهد بالتسمية بحيث لم يمر عليه بضعة قرون و حتى اقل من ذلك بكثير، و مع هذا فلم تزل اسباب اطلاق الاسماء عليها و ما تعني هذه الاسماء مجهولة لدى المؤرخين و هي محل اختلاف و جدل على الأقل، و من هذه الاسماء التي يختلف المؤرخون في معانيها او اسباب اطلاقها على مسمياتها من مدن العتبات المقدسة هي اسم (مكة) المكرمة، و اسم النجف الاشرف، و اسم كربلاء و غيرها، و مع ذلك فان هناك الكثير من المدن و مدن العتبات المقدسة معروفة الاسماء و المعاني و الاسباب التي دعت لاطلاق تلك الاسماء عليها، و ليس فيها للاختلاف محل و لا شبهة، و من ذلك كان اسم مدينة الكاظمين.

و الكاظمين-كما أشرنا من قبل-اسم حديث اطلق على هذه المدينة بعد ان اصبحت مدينة، و بعد ان تمصرت و سكنها الناس، اما اسمها السابق و قبل ان تكون مدينة و حتى بعد ان صارت مدينة بقليل فهو (مشهد الامام موسى بن جعفر) او (المشهد الكاظمي) ، نسبة الى صفة الكظم التي اتصف بها الامام موسى بن جعفر الذي اشتهر بحلمه و كظمه الغيظ و عفوه عن الاساءة.

40

و الكاظم الغيظ لغة: هو الذي يحبس غيظه و يمسك على ما في نفسه منه.

و جاء في لسان العرب: و كظم الرجل غيظه اذا اجترعه، و كظمه يكظمه كظما: ردّه و حبسه فهو رجل كظيم، و الغيظ مكظوم، و في التنزيل العزيز: و الكاظمين الغيظ، فسّره ثعلب فقال: يعني الحابسين الغيظ لا يجازون عليه.

و قال الزجاج: معناه: أعدّت الجنّة للذين جرى ذكرهم، و للذين يكظمون الغيظ.

و روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم، انه قال: «ما من جرعة يتجرعها الانسان اعظم أجرا من جرعة غيظ في اللّه عز و جل» .

و في الحديث: من كظم غيظا فله كذا... و كذا

و من حديث عبد المطلب: ان له فخرا يكظم عليه-اي لا يبديه و يظهره، و هو حسبه‏ (1) .

و في الكشاف للزمخشري في تفسير الآية الكريمة: «اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ، وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ، وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ» قال:

و كظم الغيظ، هو ان يمسك على ما في نفسه بالصبر، و لا يظهر له اثرا و عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من كظم غيظا و هو يقدر على انفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا و إيمانا» .

و عن عائشة رضي اللّه عنها: ان خادما لها غاضها فقالت: للّه درّ التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.

و في قول اللّه‏ (وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ) قال الزمخشري: الذين اذا جنى

____________

(1) لسان العرب-مادة كظم-مط صادر و دار بيروت.

41

عليهم احد لم يؤاخذوه، و روى: «ينادي مناد يوم القيامة: اين الذين كانت اجورهم على اللّه فلا يقوم الا من عفا» .

و عن النبي صلى اللّه عليه و سلم «ان هؤلاء قليل في أمتي الا من عصم اللّه‏ (1) » .

و في مجمع البيان للطبرسي في تفسير (و الكاظمين الغيظ) قال: اي المتجرعين للغيظ عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر بل يصبرون على ذلك، و في تفسير قوله تعالى: (وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ) قال الطبرسي: انه يعني الصافحين عن الناس المتجاوزين عما يجوز العفو و التجاوز عنه مما الى يؤدي الى الاخلال بحق اللّه تعالى‏ (2) .

*** و لقد صوّر الامام موسى بن جعفر-عليهما السلام-كظم الغيظ، و العفو تصويرا بلغ حد الاعجاز، اذ لم يرو عن احد في اعلام التاريخ مثل ما روى عنه كظما للغيظ، و عفوا عن الاساءة، حتى لقب من دون خلق اللّه بكاظم الغيظ، و حتى اعتبره اصحاب التراجم و السير قدوة لم يبلغ ذروتها احد من الأئمة الموصوفين باسمى صفات الحلم و التسامح.

و مما ورد عن الامام الكاظم انه احضر اولاده يوما فقال لهم:

«يا بنيّ اني اوصيكم بوصية من حفظها لم يضع معها، إن أتاكم آت مكروها فاعتذر و قال: لم أقل شيئا، فاقبلوا عذره‏ (3) » .

و قد التقاه أبو نواس مرة فقال:

اذا أبصرتك العين من غير ريبة # و عارض فيك الشك اثبتك القلب

و لو ان ركبا أمّموك لقادهم # نسيمك حتى يستدلّ بك الركب‏

____________

(1) سورة آل عمران الاية 134 من تفسير الكشاف.

(2) سورة آل عمران، الاية 134 من تفسير مجمع البيان.

(3) امامان موسى الكاظم و علي الرضا ص 69.

42

جعلتك حسبي في أموري كلها # و ما خاب من اضحى و انت له حسب‏

و يقول عبد الباقي العمري عن الامام الكاظم:

ملجأ العاجزين، كهف اليتامى # مروة المرملين مأوى الضيوف

انا عنه حيا و ميتا بدنياي # و اخراي لست بالمصروف

فليلمني من شاء إني موال # رافل من ولائهم بشغوف‏

قال الربيع بن عبد الرحمن: كان و اللّه (اي الامام الكاظم) من المتوسمين فيعلم من يقف عليه بعد موته و يكظم غيظه عليهم، و لا يبدي لهم ما يعرفه منهم و لذلك سمي الكاظم.

و يقول فيه عبد الغفار الاخرس:

كاظم الغيظ سالم الصدر عاف # ما هوى قط صدره الاحقادا

و حين توفي حفيد الامام الكاظم محمد الجواد (ع) بعد وفاة جده بعدة سنوات، دفن الى جوار جده و عند ضريحه و كان الامام (الجواد) يحكي شيئا غير قليل من صفات حده موسى بن جعفر (ع) و لا سيما في الجود و اسداء الجميل و الحلم، و من هنا بدأ البعض يطلق صفة كظم الغيظ على الامامين معا فسميت المدينة باسم (الكاظمين) اي باسم صفة الجد و الحفيد، و لما كان كلا الامامين موصوفين بالجود فقد اطلق البعض على اسم المدينة اسم (الجوادين) ايضا، و لكن هذا الاسم كان و لم يزل على شهرته دون شهرة اسم (الكاظمين) . (1)

يقول الشاعر:

ما خاب من أمّ جوادا فهل # يخيب من أمّ جوادين؟

و كثيرة هي الشواهد الدالة على سمو النفس عند الامام الكاظم و ما

____________

(1) المصدر المتقدم ص 61.

43

اتصف به من السماحة و العفو و الجود و كظم الغيظ، و هو في اعلى مراتب العزة و عظمة النفس التي ترفعه عن الذلة و تصعد به الى اعلى القمم من الإباء و عزة النفس.

كان هرون الرشيد يرى بعينه و يسمع عن اقبال الناس على الكاظم عليه السلام و القبول منه، و الأخذ عنه، و الرجوع اليه، و عند ما كان يراه الرشيد و هو في مثل هذه المنزلة مالكا قلوب الناس متمتعا بهذه الشعبية المحبوبة كانت تساوره الهواجس فكان يحاذر على سلطانه منه، فتراه يتصدى لاحراجه بكل ما اوتي من قوة حطّا لقيمته و لقد سأله الرشيد ذات مرة:

-كيف صرتم ذرية رسول اللّه و انتم بنو علي؟و انما ينتسب الرجل ضريح الامامين: موسى الكاظم و محمد الجواد عليهما السلام‏

اسكن ـ

44

الى جده لابيه دون جده لأمه؟

فيجيبه الامام موسى بالآية الكريمة قائلا:

«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ `وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ» و ليس لعيسى أب و انما ألحق بذرية الأنبياء من قبل امه، و كذلك نحن الحقنا بذرية النبي من قبل امنا فاطمة.

ثم اضاف الكاظم قائلا:

لو نشر رسول اللّه و خطب اليك كريمتك أكنت تزوجه؟

قال الرشيد-نعم و افتخر على العرب و العجم.

قال الامام موسى-و لكنه (اي النبي) لا يخطب مني، و لا ازوجه لأنه ولدنا و لم يلدكم‏ (1)

و لقد دعا تخوف الرشيد من احتفاء الناس بالامام الكاظم و شدة الاقبال عليه، و كثرة ما كان يجود بالمال الذي كان يأتيه من جميع الاطراف على سبيل الهدية و التبرك فيتفقد به فقراء المدينة و المعوزين في الخفاء و في منتصف الليل اذ يحمل اليهم الزنبيل و فيه العين (الذهب) و الورق (الفضة) و الأدقّة (الطحين) و التمر، فيوصل اليهم ذلك فلا يعلمون من اية جهة هو.

و في عمدة الطالب: كان موسى الكاظم، عظيم الفضل، رابط الجأش، واسع العطاء، و كان يضرب المثل بصرار موسى حتى قيل:

«عجبا لمن جاءته صرّة موسى فشكا القلّة»

و يستبين المتتبع لصفات الكاظم و صفة السخاء و الكرم و منزلة هذه الصفة عنده من احدى و صاياه لهشام بن الحكم اذ يقول له:

____________

(1) المدخل الى موسوعة العتبات المقدسة ص 216.

45

«يا هشام، كان امير المؤمنين (ع) يوصي اصحابه فيقول:

اوصيكم بالخشية من اللّه في السر و العلانية، و العدل في الرضا و الغضب، و الاكتساب في الفقر و الغنى، و ان تصلوا من قطعكم، و تعفوا عمن ظلمكم، و تعطفوا على من حرمكم، و ليكن نظركم عبرا، و صمتكم فكرا، و قولكم ذكرا، و طبيعتكم السخاء، فانه لا يدخل الجنة بخيل، و لا يدخل النار سخي‏ (1) » .

الى غير ذلك من الكثير الكثير (2)

نقول: لقد دعا تخوف الرشيد من مكانة الامام موسى بن جعفر (ع) و حلمه الذي عرف به، و معروفه المشهور، و سخائه الذي ضرب به المثل، و تعلق الناس به من جميع الاجناس. الى التفكير في ازاحته من طريقه، و زجّه في السجن ليغيبّه عن اعين الناس و يمحو ذكره.

ففي الحجة التي قام بها الرشيد الى مكة قبض على الامام موسى الكاظم و قيده و أخرج من داره بغلين عليهما قبتان مستورتان، و جعل الامام الكاظم في احداهما و وجّه مع كل قبة خيلا، فاخذ جنده بواحدة من القبتين على طريق البصرة، و اخذ الجند القبة الأخرى على طريق الكوفة ليعمّي على الناس‏ (3) و كان الامام الكاظم في التي مضت الى البصرة، و أمر الرسول ان يسلم موسى الكاظم الى عيسى بن جعفر بن المنصور و عيسى هذا هو اخو الست زبيدة و ابن عم هرون الرشيد، و كان على البصرة حينذ، فجاء الجند بالامام الكاظم اليه فحبسه عيسى عنده سنة كاملة، و يبدو ان عيسى لم يحتمل ان يحبس اماما اشتهر بتلك المجموعة من الصفات من كظم الغيظ «الجود، و الحلم و العفو دونما ذنب او جناية فكتب الى الرشيد يقول:

«خذه مني و سلمه الى من شئت، و الا خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن

____________

(1) اعيان الشيعة ج 4 ص 91 ط 3.

(2) لمن يريد الاستزادة يراجع الجزء الأول من قسم الكاظمين من موسوعة العتبات المقدسة.

(3) مقاتل الطالبيين ص 502 مط دار احياء الكتب.

46

آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك. حتى أني لأتسمّع عليه اذا دعا لعله يدعو عليّ او عليك فما اسمعه يدعو الا لنفسه، و يسأل اللّه الرحمة و المغفرة!!» (1)

و ليس ادلّ على كظم الغيظ و العفو عن الناس من ان يحبس رجل مظلوم و بدون ذنب سنة كاملة ثم لا يحمل لحابسه غيظا و لا للمنكّلين به غضاضة.

و حين نقله الرشيد بعد ذلك الى حبس السندي بن شاهك كان السندي من اقسى السجانين قلبا، و اكثرهم شدة فضيق عليه بما استطاع و كان للسندي هذا اخت كانت متديّنة و كانت تشرف على سجنه و قد حكت عنه فقالت:

(انه كان اذا صلى العتمة حمد اللّه و مجّده، و دعاه الى ان يزول الليل، ثم يقوم فيصلي، حتى يصلي الصبح، ثم يذكر اللّه تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يقعد الى ارتفاع الضحى ثم يرقد... الخ.. و كان هذا دأبه الى ان مات‏ (2) »

و قال ابن الأثير عن اخت السندي بن شاهل هذه: «و كانت اذا رأته قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل الصالح» .

و بقي في الحبوس اربع سنوات ما سمعت له شكوى، و لا استغاثة، و لا دعاء على احد، و قد تولى قتله السندي بن شاهك بان دسّ له السم في طعام قدم اليه حسب اشارة الرشيد، فمات و لم يحمل غيظا لأحد و لم يغضب على احد من الناس.

و كل ما فعل الامام موسى بن جعفر هو انه وجه الى الرشيد من اعماق

____________

(1) المصدر المتقدم.

(2) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 6 ص 163 ط صادر و دار بيروت.

47

سجنه رسالة يقول فيها:

«لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعا الى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون» .

و لقد جاء في نصوص الادعية التي يدعو بها الزائرون من عارفي فضل الامام موسى عند ضريحه ما يوضح مبلغ تجرع الامام الكاظم من الغصض و كظم الغيظ. و الصبر على المكاره من قبيل قول الزائر:

«... اللهم و كما صبر على غليظ المحن. -و يرجع الضمير للامام الكاظم-و تجرّع غصص الكرب، و استسلم لرضاك، و اخلص الطاعة لك، و محض الخشوع، و استشعر الخضوع، و عادى البدعة و أهلها... (ثم يمضي الدعاء فيقول) امام الابرار، مقرّ النهى و العدل، و الخير و الفضل، و الندى و البذل، و مألف البلوى و الصبر، و المضطهد بالظلم، و المقبور بالجور، و المعذب في قعر السجون، و ظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود... الخ» .

الى غير هذا من القصص و الاخبار و الادعية و الاشعار التي تناولت خصاله و صفاته من كظم الغيظ، و العفو عن الاساءة، و الصبر على المكاره، و الجود بما تملكه يداه و قضاء حاجات الناس حتى سمي بباب الحوائج، و اشتهر بهذا الاسم الى جانب شهرته بالكاظم.

قال ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) عن الكاظم: هو المعروف عند اهل العراق بباب الحوائج لنجح قضاء حوائج المتوسلين به.

و قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول عن مناقب الرسول) عن الامام الكاظم:

هو الامام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجد، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجدا و قائما، و يقطع النهار متقصدا و صائما، و لفرط حلمه و تجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظما، كان يجازي المسي‏ء

48

باحسانه اليه، و يقابل بعفوه الجاني عليه، و يعرف في العراق: (بباب الحوائج الى اللّه) لنجح المتوسلين به الى اللّه.

و في مقاتل الطالبين لابي الفرج الاصفهاني أن رجلا ممن تشبّع في بغض الكاظم كان يشتم علي بن ابي طالب كلما رأى موسى بن جعفر و يؤذيه اذا ما لقيه في الطريق، و كان الامام الكاظم يكظم غيظه و لا يرد عليه بشي‏ء، فقال له بعض مواليه و شيعته: دعنا نقتله، و بالطبع كان هذا من اكبر الكبائر عنده، فهو لم يستنكر مثل هذا العمل فقط و انما اراد ان يريهم كيف يمكن ان تروض اخلاق الناس بالعفو و بالاحسان ما داموا مصرّين على ازاحة هذا العدو من الطريق، فمضى الكاظم راكبا اليه و قصده في مزرعة له فتواطأها متعمدا بحماره، فخرج اليه الرجل زاجرا، و لكن الكاظم لم يصغ اليه بل قصده حتى بلغ منزله، و نزل عنده، و بدأ يلاطفه و يضاحكه ثم سأله بعد ذلك:

-كم تظن قد لحق بك من الخسارة بسبب تواطؤ حماري لمزرعتك؟

قال-و هو يريد المغالاة في الضرر على ما يصف ابو الفرج، قال الرجل-مائة درهم.

قال الكاظم-و كم ترجو ان تربح لو كانت قد سلمت مواطى‏ء الحمار من الضرر؟

قال-لا أدري‏

قال الكاظم-انما سألتك كم ترجو؟

قال الرجل-مائة درهم اخرى‏

فاخرج له الكاظم ثلثماية دينار (لا درهم) و وهبها له، فقام الرجل و قبل رأس الكاظم، و منذ ذلك الحين صار الامام الكاظم لا يدخل المسجد حتى يثب ذلك العدو و يسلم عليه و يقول:

49

«اللّه أعلم حيث يجعل رسالته‏ (1) »

و لقد أثر عن الامام الكاظم قوله:

«الغضب مفتاح الشر»

و لذلك حق له ان ينفرد بكظم الغيظ و الابتعاد عن الغضب و ظهوره بمظهر القدوة في العفو و الحلم.

و من وصية له قوله:

«ان قول اللّه: هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ إِلاَّ اَلْإِحْسََانُ جرى في المؤمن، و الكافر، و البرّ، و الفاجر، فمن صنع اليه معروف فعليه ان يكافى‏ء به، و ليست المكافأة ان تصنع كما صنع حتى تري فضلك، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء» .

و يستبين المتتبع لصفة المعروف و الاحسان عنده في كل اثر من آثاره حتى الشعر، فقد جاء في مناقب ابن شهر آشوب عن الامام موسى بن جعفر عليهما السلام انه قال:

دخلت ذات يوم من المكتب و معي لوحي، فاجلسني أبي بين يديه و قال:

-يا بني اكتب:

«تنحّ عن القبيح و لا ترده»

ثم قال لي أجز (أي اكمل الشطر بشطر آخر من الشعر على رويه وقافيته كما هو المألوف) .

يقول الامام موسى بن جعفر (فأجزت) و قلت:

«و من أوليته حسنا فزده»

____________

(1) مقاتل الطالبيين لابي الفرج الاصفهاني ص 500 مط دار احياء الكتب العربية.

(14)

50

يقول: ثم قال لي أبي:

«ستلقى من عدوك كل كيد»

(فأجزت) و قلت:

«اذا كان العدو فلا تكده» (1)

*** من كل ما مرّ يخلص المتتبعون الى الاسباب التي دعت الى تسمية هذا البلد (بالكاظمين) ثم (الجوادين) ثم الاكتفاء بتسمية الامام موسى بن جعفر بالصفة التي عرف بها و هي (باب الحوائج) لتدل على مدفنه و على مرور الزمان صار البعض يكتفي بان يطلق على الكاظمين اسم (الكاظم) و (الكاظمية) و لكن الغالب ظل على حاله، و ظلت الشهرة العامة مقتصرة على (الكاظمين) كمدينة من اشهر مدن العتبات المقدسة (2) .

____________

(1) الجزء الأول من قسم الكاظمين من موسوعة العتبات المقدسة ص 39.

(2) اعيان الشيعة ج 4 ص 96 ط 3.

51

مدينة الكاظمين و تمصيرها

لا يعرف بالضبط متى صار المشهد الكاظمي مدينة، و لكن المؤكد هو ان تمصير هذه البقعة قد جرى بالتدريج و سنة بعد سنة و منذ ان بدأ الناس يدفنون اعلامهم تبركا بمقام الامام، و منذ ان بدأ المهمومون و المغمومون يقصدون هذا الضريح ليصلّوا عنده و ليدعوا اللّه بان يفرج كربهم، و يزيل همهم، و ينزل على نفوسهم السكينة و هم مفعمون بالرجاء بان اللّه سيتلطف بهم ما داموا يدعونه من اعماق ايمانهم و هم في هذا المقام المقدس عند ولي من اوليائه الذين لاقوا في سبيله من العذاب و التنكيل و القساوة ما لاقوا فصبروا، و كظموا غيظهم، و عفوا، و تصدقوا بما استطاعوا ان يتصدقوا.

و من المؤكد ان كثرة الزائرين كانت تستلزم ان يكون هناك من يقوم بخدمتهم تكسبا، لذلك لا يبعد ان يكون اول ساكني الكاظمين هم من القوّام و القائمين بخدمة المقام، كذلك لا يبعد ان يكون بعض الزهاد و تاركي الدنيا من الذين كانوا يجاورون الضريح حتى اذا ماتوا دفنوا هناك اذ طالما ألف المسلمون وجود الكثير من الدراويش و الزهاد يقيمون حول اضرحة الاولياء ما يشبه المساجد و التكايا و الخانقاهات، فيسكنونها او هم يقصدونها في ايام و ليال من السنة المباركة.

يقول ياقوت الحموي عن (الشونيزية) : انها مقبرة بالجانب الغربي ببغداد. دفن فيها جماعة كثيرة من الصالحين، منهم الجنيد، و جعفر الخلدي، و روبم، و سمنون المحب، و هناك خانقاه للصوفية.

52

صحيح ان التصوف و الخانقاهات لم تكن معروفة في العصر الذي تم فيه دفن الامام موسى بن جعفر (ع) بالمعنى الذي عرف به في العصور العباسية التالية، و ما بعدها، و لكن شيئا كثيرا مما يدخل ضمن حدود الزهد، و التقشف، و العبادة، و الابتعاد عن الناس كان معروفا و مألوفا، فتألفت من كل هؤلاء، و اولئك القوّام، و الزائرين الذين كانوا يقصدون الضريح ليقضوا ساعة او يوما او يومين متبركين متعبدين، لقد تألفت مجموعة من السكان ما لبثت ان توسعت و توسعت حتى غدت مدينة يقصدها المسلمون من جميع الجهات ليعمّروا بها قلوبهم ببركة الامامين و ليشفوا بزيارتهما امراضهم النفسية بما تبعث هذه الزيارة من الاطمينان و الايمان في النفوس.

يقول السيد حيدر الحلي:

و على بلدة (الجوادين) عرّج # بالقوافي مهنيا و بشيرا

قل لها لا برحت فردوس أنس # فيك تلقى الناس الهنا و الحبورا

ما نزلنا حماك الا وجدنا # بلدا طيبا و ربا غفورا

و امامين ينقذان من النار # لمن فيهما غدا مستجيرا

و اكثر الظن ان الاستيطان في الكاظمين قد بدأ منذ القرن الثالث الهجري و بعد دفن الامامين بقليل، و ما لبثت المدينة تعمر و تعمر حتى صارت ملجأ و مأوى يأوي اليها المظلومون و الهاربون من مطاردة القساة و الظلمة، و لم يحل القرن الرابع و الخامس حتى عمرت البلاد و حتى قامت فيها المؤسسات الخيرية، و في القرن السادس كان هناك بيت خاص، باليتامى العلويين الذين نكلّ الحكام بآبائهم أو الذين فجعوا باهليهم و لم يبق كافل لهم، مما يستنتجه القارى‏ء من حكايات المؤرخين.

جاء في الفخري ان بدر الدين أياز-و هو مملوك الوزير مؤيد الدين ابي الحسن المقدادي وزير الناصر لدين اللّه-قال: طلب الوزير مؤيد الدين‏