موسوعة العتبات المقدسة - ج12

- جعفر الخليلي المزيد...
336 /
3

الجزء الثاني عشر

موسوعة العتبات المقدّسة 12

الجزء الأول من قسم سامراء

تأليف جعفر الخليلي‏

منشورات مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت-لبنان ص. ب. 712

4

جميع الحقوق محفوظة و مسجلة

الطبعة الثانية 1407 هـ-1987 م‏

مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات:

بيروت-شارع المطار-قرب كليّة الهندسة-ملك الاعلمي-ص. ب: 7120

5

سامرا قديما

بحث يتناول منطقة مدينة سامرا و ما يحاذيها و يجاورها من المواقع التاريخية الى حين تمصيرها

كتبه الدكتور مصطفى جواد

خريج جامعة السوربون بباريس المتخصص في التاريخ العربي و الأستاذ المتفرغ بجامعة بغداد

و عضو المجمع العلمي العراقي ببغداد و المجمع العلمي العربي بدمشق‏

6

-

7

سامرّا قديما

سامرّا اسم آراميّ‏ (1) و هو في أصله مقصور كسائر الأسماء الآرامية بالعراق مثل «كربلا و عكبرا و حرورا و با عقوبا و بتمّارا و تامرّا» و قد مدّ العرب كثيرا من هذه الأسماء الآرامية المقصورة في استعمالهم إياها، و خصوصا ذكرها في الشعر إلحاقا لها بالأسماء العربيّة أو توهما منهم أنّها عربيّة تجمع بين المدّ و القصر مثل كثير من الأسماء التي انضمت عليها اللغة العربيّة ذات الأصول العربيّة.

رأيت «سامرا» مكتوبة في نسخة تاريخ الطبري المطبوعة بمصر أعني بالألف المقصورة و سيأتي النصّ و هكذا.

و لم يذكر لسترنج المستشرق المشهور العالم المحقق معنى «سامرّا» الآرامية، و لا مترجما كتابه إلى العربية (2) في الترجمة، و إذ كانت الآرامية فرعا من فروع اللغة السامية الأمّ، و كان الغالب على سنيها أن تبدل شيئا في العربيّة جاز أن يكون بين مادة «شمر» العربيّة و «سامرا» الآرامية صلة

____________

(1) G. L. Strange» The Lands of the Eastern Caliphate p. 35 Cambrige at the University Press 0391 «

(2) بلدان الخلافة الشرقية ترجمة بشير فرنسيس و كوركيس عواد «ص 76 طبعة مطبعة الرابطة ببغداد سنة 1954 و لكنهما ذكراه في مجلة سومر «مج 8 ح 2 ص 263 سنة 1952» .

8

لفظية و صلة معنوية، قال الأصمعي: «التشمير: الارسال من قولهم:

شمّرت السفينة، أرسلتها و شمّرت السهم، أرسلته» و قال ابن سيده:

«شمّر الشي‏ء: أرسله، و خصّ ابن الأعرابي به السفينة و السهم» و قال أبو عبيدة في التسمير (بالسين) الوارد في الحديث: «و سمعت الأصمعي يقول: أعرفه بالشين و هو الارسال، قال: و أراه من قول الناس: شمّرت السفينة: أرسلتها، فحوّلت الشين إلى السين» (1) . فغير بعيد أن كانت «سامرا» عند الآراميين فرضة كبيرة لارسال السفن في دجلة أو دار صناعة لها، و لدجلة عندها خليج لا يزال على حاله القديمة يتبطّح فيه الماء عند الزيادة. مع هذا فتفسيري هذا لا يخرج عن عداد الحسان و ذلك لعسر تفسير الأسماء الواغلة في قديم الزمان.

و قال الأب أنستاس ماري الكرملّي الطريقه: «لا جرم أن الذي أسس سامرا و بناها هو الخليفة العباسي المعتصم باللّه... أما اسم المدينة فليس من وضع المعتصم نفسه بل هو قديم في التاريخ فقد ذكره المؤرخ الروماني أميانس مرقلينس الشهير الذي ولد سنة 320 م و توفي سنة 390 بصورة (سومرا Sumera ) و نوّه به زوسيمس المؤرخ اليوناني من أبناء المائة الخامسة للمسيح صاحب التاريخ الروماني بصورة (سوما Souma و يظن أهل النقد من أبناء هذا العصر أن سقط من آخر الاسم حرفان و الأصل (سومرا: Soumara و ورد في مصنفات السريان (شومرا) بالشين المنقوطة و عرفها ابن العبري باسم السامرة (كذا) و هذه عبارته‏ (2) : فلما جدّوا (أي الناس في زمن بناء

____________

(1) لسان العرب في «شمر» .

(2) لم تكن هذه عبارته الأولى لذكره «السامرة» بل قال قبل ذلك في الصفحة عينها: و في سنة مائة و اربعين لفالغ (بن عابر) فلغت الأرض اي قسمت قسمة ثانية بين ولد نوح فصار لبني شام وسط المعمورة: فلسطين و الشام و أثور و سامر (و في نسخة أخرى سامرة) و بابل و فارس و الحجاز» . ثم قال: «و في سنة سبعين لأرعو (ابن فالغ) قال الناس بعضهم لبعض: هلموا نضرب لبنا و نحرق آجرا و نبني صرحا شامخا في علو السماء و يكون لنا ذكر كيلا نتبدد على وجه الأرض، فلما جدوا في ذلك بأرض شنعار و هي-

9

برج بابل) في ذلك بأرض شنعار و هي السامرة، قات نمرود بن كوش راصفي الصرح بصيده (راجع كتابه مختصر الدول ص 19 من طبعة اليسوعيّين في بيروت) » . و الغلط ظاهر إذ ليست السامرة في بلادنا بل في فلسطين لكن مجانسة اللفظة الواحد للآخر خدعته فقال ما قال... أما الكلمة فليست بعربية صرفة و إن ذهب الى هذا الرأي كثيرون من المؤرخين و الكتبة و اللغويين و ذلك لعتقها كما أوضحناه و هي عندنا من أصل سامي قديم و يختلف معناها باختلاف تقدير اللفظة المصحفة عنه، فاذا قلنا: إن أصلها (شامريا) فمعناها (اللّه يحرس (المدينة) أو بعبارة أخرى المحروسة) ، و ان قدّرنا أصلها (شامورا) بامالة الألف الأخيرة فمعناها الحرس أي منزل الحرس أو موطن الحفظة بتقدير حذف المضاف و إبقاء المضاف إليه و هو كثير الورود في جميع اللغات السامية، و عليه نعتبر قولهم إن (سامرا) تخفيف سرَّ من رأى) أو (ساء من و أى) من قبيل الوضع و لهذا لم يقبل أحد من المستشرقين هذا الرأي و عدّوه في منتهى السخف» (1) .

و زعم الأستاذ هرزفيلد أن اسم هذه البلدة قد جاء في الكتابات الآشورية بصورة (سرمارتا Su-Ur-Mar-Ta و أنها كان لها في أيام الفرس شأن كبير في محارباتهم الرومان» (2) .

أما مدّ «سامرا» و جعلها سامراء فهو محدث أحدثه العرب إجراءا منهم لهذا الاسم مجرى الأسماء العربية كما ذكرت آنفا، و كانوا يفعلونه حتى مع اعترافهم بأن الاسم غير عربيّ، قال ياقوت الحموي: «عكبرا بضمّ أوله و سكون ثانيه و فتح الباء الموحدة، و قد يمدّ و يقصر، و الظاهر أنه ليس بعربيّ... و قال

____________

ق-السامرة، و نمرود بن كوش قات راصفي الصرح بصيده و هو أول ملك قام بأرض بابل» .

و لكن الأب كان مستعجلا فنقل النص الثاني و تخطى النص الأول، و السامرة او سامر التي ذكرها ابن العبري ليست سامرة فلسطين كما ظن الأب بل هي أرض سومر موطن السومريين‏

(1) مجلة لغة العرب «6: 721، 722» .

(2) بشير فرنسيس و كوركيس عواد في مجلة سومر «مج 8 ح 2 ص 263 سنة 1952» .

10

حمزة الاصبهاني: بزرج سابور معرب وزرك شافور و هي المسماة بالسريانية عكبرا» (1) .

و للاستاذ البارع كاظم الدجيلي مقالة جيّدة بعنوان: «آثار سامراء الخالية و سامراء الحالية» قال فيها: «أما اسمها فقد اختلفت الروايات فيه و في معانيها (كذا) و كلها لا نصيب لها من الحقيقة، و أصدق لغة رويت في اسمها هو (كذا) سامراء (بفتح السين بعدها ألف يليها ميم مفتوحة و بجانبها راء مثقلة مفتوحة ثم ألف ممدودة و في الآخر همزة (2) ) . و أما قولهم: إن الرواية الصحيحة هي سرّ من رأى أو (سام راه) فهذه و غيرها من مخترعات المخيلة، و من التآويل التي انتجتها قرائح بعضهم إجابة للعقل الذي يحب الوقوف على أسرار الكون و الاكتفاء بما يرضيه. و لو فكروا قليلا لأقرّوا أن تأويلهم بعيد لقدم ورود الاسم، و لعله من وضع البابليين أو الآشوريين أو الكلدانيين أو غيرهم من الأمم الخالية (3) ، فكيف يطلب لها معنى في اللغة العربية (4) ؟» .

قلت: قد ذكرت رجحان المقصور «سامرا» على الممدود «سامراء» في كلام سابق لهذا، و بينت أسباب الرجحان، و أضيف هنا أن مدّ الأسماء الأعلام غير مألوف في غير اللغة العربية من اللغات السامية، و الغالب عليها فيها القصر، و إذ كانت اللغة البابليّة و اللغة الآشورية و اللغة الكلدانيّة مع تشابههنّ من اللغات السامية كاللغة العبريّة لم أر بأسا في البحث عن معنى «سامرا» في اللغة العربية مع مراعاة أطوار الابدال و الاوزان في اللغات المذكورة و هي في الصعوبة بمكان، بحيث لا يعلمها الا متقن تلك اللغات

____________

(1) معجم البلدان في «عكبرا» .

(2) لا تكون الألف ممدودة بغير همزة.

(3) قلت ان الذي قال: أصل اسمها (سام راه) نحا المنحى الذي أراده الأستاذ لأن سام راه فارسي.

(4) مجلة لغة العرب «ج 3 ص 81، 82 سنة 1911» . و قد وصف الكاتب البارع حضارة سامرا و فضل علم الآثار الجديد و وجوب صيانة الآثار من الدمار و التجار، و فضل المستشرقين على الحضارة الاسلامية، و هي من المقالات البديعة التي اجاد فيا القول و أفاد و تشوق قراءتها طالب الفائدة و العلم المستفاد.

11

و دارس علم الموازنة بينها و هو ما لم نوفق له يا للأسف، و مع ذلك لم أجد حرجا في إقامة باعث على التفكير في معنى الاسم، أو إحداث فكرة تدور حولها، و البحث عن معاني الأعلام المدنية هو مما اعتاده المؤرخون المحدثون و الآثاريون العصريون، لأنه ذو فائدة لعلم التاريخ و الحضارة البشرية و علم اللغات، و اعتاده أيضا البلدانيون القدامى كما ترى في معجم البلدان لياقوت الحموي، و إنما الذي يؤخذ عليهم أنّهم كانوا يحاولون رجع معظم الأسماء الأعلام و عامّتها إلى اللغة العربية و هو الذي أنكره محقا الكاتب الفاضل، مع أن البلاد التي أنشئت فيها تلك المدن و البلدان و القرى و النواحي المعمورة لم تكن قديما من البلاد العربيّة، أما مواضع جزيرة العرب فكان لهم كلّ الحقّ في البحث عن معاني أسمائها لأن واضعيها كانوا عربا.

و كان من الغلط المبين قول ابي محمد الحريري: «و يقولون: للبلدة التي استحدثها المعتصم باللّه (سامرا) فيوهمون فيه كما و هم البحتري فيها إذ قال في صلب بابك:

أخليت منه البذّ و هو قراره # و نصبته علما بسامرّاء

و الصواب أن يقال فيها (سرّ من رأى) على ما نطق بها في الأصل لأن المسمى بالجملة يحكى على صيغته الأصليّة كما يقال: جاء تأبّط شرا..

و حكاية المسمى بالجملة من مقاييس أصولهم و أوضاعهم، فلهذا وجب أن ينطق باسم البلدة المشار إليها على صيغتها الأصلية من غير تحريف فيها و لا تغيير لها و ذاك أن المعتصم باللّه حين شرع في انشائها ثقل ذلك على عسكره فلما انتقل بهم إليها سرّ كل منهم برؤيتها فقيل فيها سرّ من رأى، و لزمها هذا الاسم و عليه قول دعبل في ذمّها:

بغداد دار الملوك كانت # حتى دهاها الذي دهاها

ما سرّ من را بسرّ من را # بل هي بؤسى لمن رآها

و عليه أيضا قول عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر في صفة الشعرى:

12

أقول لما هاج قلبي ذكرى # و اعترضت وسط السّماء الشعرى

كأنها ياقوتة في مدرى # ما أطول الليل بسرّ من را!

فنطق الشاعران باسمها على وضعه و سابق صيغته و إن كان قد حذفا همزة رأى لاقامة الوزن و تصحيح النظم‏ (1) .

و ليس ما قاله الحريري-رح-بالمروي الصحيح و إنّما الصحيح أن المعتصم باللّه سأل عن ذلك الموضع فقيل له: اسمه سامرّا، فأراد التفاؤل على عادة العرب، فقال: نسميها سرّ من رأى‏ (2) ، قال العلامة أبو الثناء السيد محمود الآلوسي معقّبا «و ما أنكر الحريري غير منكر، قال ابن برّي عن ثعلب و ابن الأعرابي: و أهل الأثر يقولون كما قال أيضا: اسمها القديم ساميرا، سميت بسامير ابن نوح-ع-لأنه أقطعه إياها، فكره المعتصم ذلك فغيّرها و الأقرب أن يكون التغيير الى سامرا. و حكى بعض أهل اللغة أنها سميت (ساء من رأى) فحذفت همزة ساء و همزة رأى لطول الكلمة و قيل سامرا.

و حكى بعض فيها ست لغات: سر من رأى، ببناء الفعل للمفعول، و (سرّ من رأى) ببائه للفاعل او (ساء من رأى) و (سامرا) بالقصر و (سامراء) بالمدّ، و (ساميرا) . و في القاموس (سر من رأى) بضم السين و الراء و بفتحهما و بفتح الأول و ضم الثاني و سامراء، و مدّه البحتري بالشعر و كلاهما لحن و ساء من رأى، و سرّاء ممدودة مشدّدة مضمومة، و النسبة سرّمري و سامرّي‏ (3) و سرّي» (4) . و نقل بعد ذلك من معجم البلدان لياقوت الحموي.

و أنا لم أنقل التعقيب على الحريري على أنه خبر تاريخي صحيح بكماله

____________

(1) درة الغواص في اوهام الخواص «ص 180، 181 طبعة قاسم رجب» .

(2) مروج الذهب «ج 2 ص 349 طبعة المطبعة البهية بمصر سنة 1346، و اني ناقل النص في الكلام على «الطيرهان» قريبا.

(3) يظهر لك من كل وجه غلط قولهم: فلان السامرائي، و الصواب، «السامري» بتشديد الراء.

(4) شرح الطرة عن الغرة أو كشف الطرة عن الغرة «ص 288 -290» .

13

بل نقلته لاثبات أن من القدماء من قال بقدم الاسم «سامرا» ، و إن كان في رأيهم أنه «ساميرا» ففي اللغة يبدل أحيانا أحد الضعفين ياءا كما قالوا «إيبالة» في الإبّالة و هي الحزمة من الحطب و الحشيش، و قالوا أصل الدينار «دنّار» بدلالة جمعه على دنانير، و قالوا باطراد في مصدر «فعّل يفعّل» تفعيلا، و كان القياس يوجب أن يقولوا «تفععلا» لأن في الفعل عينا مضعفة، ينبغي ظهورها في المصدر كما تظهر في «تفعّل تفعّلا» .

و يعلم مما قدمت أنّ جميع لغات «سامرا» التي نقلناها، تلك التي يقول فيها ياقوت «سرّ من رأى و سرّ من رى و سرّ من راء و ساء من رأى و سام راه الفارسيّ و سرور من رأى و سرّاء» (1) ما هي إلا تلعّبات باللفظ و تخريجات منه للتفاؤل تارة و للتشاؤم مرة أخرى، إلا أنّ تسميته المدينة بسرّ من رأى غلبت على جميع التسميات لأن المعتصم شاء ذلك، ثم ضعفت بمرور الزمان، فكان من الناس من يسميها «سامرّا، و كان منهم من يسمّيها «سر من رأى» على اعتبار أنه الاسم الصحيح و ليس بذاك، كما بيناه هناك.

و سامرّا كثرت فيها الأساطير ككل مدينة عريقة في القدم، فقال حمزة الأصفهاني: «كانت سامراء مدينة عتيقة من مدن الفرس تحمل إليها الاتاوة التي كانت موظفة لملك الفرس على ملك الروم و دليل ذلك قائم في اسم المدينة لأن (سا) اسم الأتاوة، و (مرّة) اسم العدد و المعنى أنه مكان قبض عدد جزية الرؤوس» (2) . فحمزة استنتج تاريخها من تحليل اسمها على الطريقة الفارسية لأن اللغة الفارسية آرية أي تركيبية لا اشتقاقية كاللغات الساميّة، و هذا التحليل واه واهن، فانه يقال: ما الباعث على حمل الاتاوة إلى اهل هذه المدينة و لم تكن من مدن الحدود بين المملكة الفارسيّة على اختلاف أطوارها و الدولة

____________

(1) معجم البلدان في «سامرا» و قال في سر من رأى: «قال الزجاجي قالوا كان اسمها قديما ساميرا سميت بسامير بن نوح، كان ينزلها لأن أباه اقطعه اياها فلما استحدثها المعتصم سماها سر من رأى» .

(2) معجم البلدان في «سامرا» .

14

الرومية على اختلاف فتوحاتها، لأن الدولة الرومية كانت في غرب المملكة الفارسية، فالأولى أن يكون مكان القبض على الفرات لا على دجلة.

قال ياقوت: «و قال الشعبي: و كان سام بن نوح له جمال و رواء و منظر و كان يصيف بالقرية التي ابتناها نوح-ع-عند خروجه من السفينة ببازبدى‏ (1) و سمّاها ثمانين‏ (2) و يشتو بأرض جوخا (3) ، و كان ممرّه من أرض جوخا إلى بازبدا على شاطي‏ء دجلة من الجانب الشرقي، و يسمى ذلك المكان الآن (سام راه) يعني طريق سام. و قال ابراهيم الجنيدي: سمعتهم يقولون إن سامراء بناها سام بن نوح-ع-و دعا أن لا يصيب أهلها سوء (4) » . فهذه أمثلة لما ابتدع من الأهوال في تاريخ سامرا، و قد نسب بعضها إلى رجال ثقاة رغبة في ترويجها بين الناس، و هي طريقة مبتدعي الأساطير المألوفة عندهم المعروفة عند ذوي الأفكار الناقدة.

و من الطريف ما ذكره ابن بشار المقدسي قال: «سامرا كانت مصرا عظيما و مستقر الخلفاء في القديم، اختطها المعتصم و زاد فيها بعده المتوكل و صارت مرحلة، و كانت عجيبة حسنة حتى سميت سرور من رأى ثم اختصر فقيل سرمرى... فلما خربت و صارت الى ما ذكرنا سميت ساء من رأى ثم اختصرت فقيل سامرا (5) » . و قال مؤرخ آخر: «حكى في بعض الكتب أن سرّ من رأى كانت مدينة عظيمة عامرة كثيرة الأهل فأخربها الزمان حتى حتى بقيت خربة و بها دير عتيق و كان سبب خرابها فيما حكي في الكتاب

____________

(1) بازبدى او بازبدا كورة من ناحية جزيرة ابن عمر في غربي دجلة، كما جاء في معجم البلدان و غيره.

(2) بليدة عند جبل الجودي قرب جزيرة ابن عمر فوق الموصل كما في معجم البلدان و غيره.

(3) اسم نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي منه الراذانان و هو خانقين و خوزستان كما في المعجم. قلت: و الراذان يعرف اليوم بالروضان في الصحراء المعروفة بالغرفة بين بعقوبه و كركوك في منطقة وادي العظيم.

(4) معجم البلدان في «سامرا» و قريب من ذلك ما ورد في التنبيه و الاشراف للمسعودي و زاد «انها كانت آهلة عظيمة عامرة فلم تزل تتناقص على مر الزمان» (ص 309) .

____________

(5) أحسن التقاسيم «ص 122، 123 طبعة ليدن سنة 1906» .

غ

15

المذكور أن أعراب ربيعة و غيرهم كانوا يغيرون على أهلها فرحلوا عنها» (1) .

الطيرهان

و كانت منطقة سامرا تعرف في أيام الساسانيين باسم «الطيرهان» قال أحمد بن أبي يعقوب: «كانت سر من رأى في متقدم الأيام صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها، و كان بها دير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار للسلطان المعروفة بدار العامة (2) و صار الدير بيت المال» . و قال أبو الحسن المسعودي في ذكر موضع سامرا: «و هو في بلاد كورة الطيرهان‏ (3) » . و قال أيضا «فانتهى المعتصم الى موضع سامرا و كان هناك للنصارى دير عاديّ، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع، فقال: يعرف بسامرا. قال له المعتصم: و ما معنى سامرا؟قال: نجدها في الكتب السالفة و الأمم الماضية أنّها مدينة سام بن نوح. فقال له المعتصم: و من اي البلاد هي و إلام تضاف؟ قال: من بلاد طيرهان‏ (4) ، و إليها تضاف» (5) . و يستفاد من وصف ابن سراخيون للنهر الاسحاقي أن الطيرهان كانت تشمل الجانب الغربي من هذه البقعة فقد ذكر ان الاسحاقي كان يمر بطيرهان حتى يجي‏ء الى قصر المعتصم «ص 18، 19» .

و ذكرها ابن خرداذبه قال: «تكريت... و الطيرهان و السن و الحديثة...

قال ذلك في كتّه كور الموصل، و قال قدامة: «و إذ قد أتينا على أعمال المشرق فلنرجع إلى أعمال المغرب فأولها حدّ الفرات تكريت و الطيرهان و السنّ

____________

(1) العيون و الحدائق «ص 381» لمؤلف من أهل ما بعد القرن السادس للهجرة.

(2) لا يزال وجهها و حده شاخصا ذا ثلاثة اواوين اوسطها كبير و على حفافيه صغيران و تعرف عند العامة باسم «بيت الخليفة» و قصر الخليفة و دار الخليفة.

(3) التنبيه و الاشراف «ص 306 طبعة الصاوي بمصر سنة 1938» .

(4) تصحفت في المروج في الطبعة المقدم ذكرها الى «طيرهات» .

(5) المروج «2: 349، 350» .

16

و البوازيج و ارتفاعها على أوسط العبر (1) سبع مائة ألف ألف درهم» و كرر ذلك في كتابه‏ (2) .

و هذه المنطقة كانت مشهورة منذ أواخر القرن الأول للهجرة على عهد الوليد بن عبد الملك و من بعده فقد جاء في أخبار الجاثليق النسطوري (صليبا زخا) أنه كان من أهل الطيرهان و تعلم بالمدائن و أنه نصب فشيون الباجرمي أسقفا على الطيرهان. و بقي هذا الاسم مستعملا بعد ذلك بدلالة ان الجاثليق النسطوري سرجيس رتب قيّوما تلميذه اسقفا على الطيرهان و في أيامه قتل المتوكل على اللّه العباسي، و كان إيشو عزخا أسقفا بالطيرهان في خلافة المعتمد على اللّه العباسيّ، و في الربع الأول من القرن الخامس للهجرة كان إيليا الأول أسقفا على الطيرهان، و في أيام القائم بأمر اللّه العباسي كان مكيخا بن سليمان القنكاني أسقفا على الطيرهان، و كان نرسي أسقف هذه المنطقة في بعض عهد الناصر لدين اللّه العباسي «575-622 هـ» ، و قرض المغول الدولة العباسية سنة 656 و كان عمانوثيل أسقفا على الطيرهان بعد هذا التاريخ. و في بعض عهد الملك أبا قاخان ابن هولاكو (663-680 هـ) كان بريخيشوع مطرانها (3) .

و ذكر ماري بن سليمان مؤرخ كرسي الفطاركة ما يفيد أن «الطيرهان» كانت معروفة بهذا الاسم قبل 393 من تاريخ اسكندر المقدوني و هي السنة التي توفي فيها مار ماري السليح‏ (4) . فالتسمية قديمة قد ترتقي إلى العصر الآرامي و العصر اليوناني بالعراق، و استمرت الى أواخر القرن السابع للهجرة و لعلها بقيت الى اكثر منه، إلاّ أنّ اسمها مذكور في الكتب النصرانية أكثر مما في الكتب الاسلاميّة، كما قدّمنا و نقلنا. و طيرهان في صورته اللفظية أقرب الى اللغة الفارسية منه الى اللغات الساميّة، بالضد من سامرا.

____________

(1) العبر بوزن العنب جمع العبرة و هي ما يعرف عند علماء الرياضيات اليوم بالمعتدل.

(2) المسالك و الممالك و كتاب الخراج لقدامة بن جعفر «ص 94، 245، 243 طبعة مكتبة المثنى بالأوفسيت.

(3) فطاركة كرسي المشرق لعمرو بن متى 60-124 و لماري بن سليمان «65-77»

(4) فطاركة كرسي المشرق لماري بن سليمان «ص 4» .

17

قدم السكن في سامرا

كانت مدينة «أربيل» الحالية المعروفة في التاريخ الاسلامي بإربل و في التاريخ الآشوري بأربيلا تعد أقدم بلدة مسكونة في عصرنا هذا لاستمرار السكن فيها من العصر الأشوري الى اليوم و بعده، ثم ظهر في أن سامرا هي القدمى فقد أثبتت التنقيبات الأثرية في أطلالها أن موضعها كان آهلا منذ أدوار ما قبل التاريخ و قد كشف الأستاذ الآثاري الألماني هرزفيلد فيها عن مقبرة من تلك الأدوار بين السنّ الصخر و آثار العصر العباسي على نحو من ميل واحد من جنوب دار الخليفة أي دار العامة القائمة الأواوين الثلاثة، و عثر على نوع من الفخار المصبوغ اطلق عليه اسم (فخار سامرا) و هو يمثل دورا من أدوار ما قبل التاريخ المشار اليه آنفا و قد سمي (دور ثقافة سامرا) إضافة تماثيل عثر عليها في تل الصوان في الحفريات الأخيرة يرجع تاريخها الى الالف السادس قبل الميلاد

اسكن

18

له إلى الموضع الأثري الذي كشف فيه عن هذا الفخار أول مرة ثم عثرت مديرية الآثار العراقية على موضعين آخرين في سامراء يرتقي عصورهما إلى ذلك الزمن، أحدهما في شمالي المقبرة المقدم ذكرها و الآخر في جنوبي سامرا على ضفة دجلة فوق صدر القائم و يسمّى تل صوان و قد جاء اسم هذا الموضع في الكتابات الآشورية بصورة «سرمارتا Su-Ur-mar-ta و كان لهذا الموضع في أيام الفرس شأن كبير في محارباتهم الرومان خاصّة و لقربه من النهر المعروف بالقاطول الكسروي أي القناة الكسروية (1) »

____________

*

.

____________

(1) حاشية بشير فرنسيس و كوركيس عواد على ترجمة كتاب (بلدان الخلافة الشرقية) تاليف لسترنج ص 76-77 مع بعض الايضاح في التعبير.

(*) و ان الحفريات التي اجرتها في السنين الأخيرة مديرة الآثار العراقية العامة في تل (الصوان) الواقع على بعد ما يقارب عشرة كيلو مترات من مدينة سامراء الحالية كشفت عن حضارة منظمة مستقرة تعتمد الزراعة و اعمار الأرض في معيشتها.

و قد ظهر في هذا التنقيب عدد من التماثيل يرجع عهدها الى الالف السادس قبل الميلاد. و للاستزادة من المعلومات يمكن الرجوع للعددين الاخيرين من مجلة سومر لهذه السنة و ما قبلها. الخليلي.

19

منطقة سامرا على عهد الساسانيين‏

استطعنا أن نجد وصفا لمنطقة سامرا على عهد الساسانيين في رحلة الكاتب الرومي «أميانس مرقلانس» فقد رافق هذا الكاتب الحربيّ الانبراطور «يوليانس» في حملته سنة 363 م على بلاد الفرس في عهد الملك «سابور الثاني» المعروف بذي الأكتاف، و قد سار الجيش الرومي من طريق حران فقرقيسيا و الفرات و استولى على حصن عانة و أحرق حصونا و قرى أخرى حتى بلغ مخلج الأنهار التي تتخلّج من الفرات لتستقي مناطق بابل و منها نهر الملك و سمّاه «نهر ملكا» بالصيغة الآرامية و قال إنه يسقي المدائن «كتيزيفون» من الجهة الغربية بالبداهة، و كان الجيش الرومي دائم الازعاج للجيش الساساني لأنه كان يردّ و يصدّ، و الجيش الرومي يسير موغلا في البلاد حتى بلغ الأنبار المعروفة أيامئذ عند الروم باسم «پيري سابور» أي فيروز سابور و قال إنها كبيرة محتشدة السكان، يحيط بها الماء كأنها جزيرة و كانت مسوّرة بسور مضاعف ذي أبراج و أضلاع و في وسطها حصن مقام على قمة مسطحة لجبل صعب المرتقى، و كان الحصن محدّب الوسط فكان يشبه ترسا أرگوليّا و كان مدوّرا إلا من الجهة الشمالية، فقد كان يسدّ نقصانه من التدوير صخر قائم في الفرات. و هو تحصين له أيضا، و كانت أفاريز شرف الحصن مبنيّة بالقير و الآجرّ، فحاصرها الانبراطور يوليانس فكان السكان لا يهابون قوّة السهام قد نشروا على السّور أبرادا مدلاّة و نسجا من الشعر، و كانوا هم‏

20

أنفسهم متترّسين بترسة من الخيزران جدّ وثيقة، و مغشّاه بجلود الدببة، فكان ذلك من أشدّ دفاع عن أنفسهم‏ (1) ، و أغنتهم عن إتخاذ وجوه من الحديد، و كانت أعضاؤهم مغشّاة بصفائح معدنيّة محكمة التلئيم‏ (2) عليها فهي تقي جميع أبدانهم، و بعد أن تراجعوا إلى حصنهم أخذوا يرمون بسهام خيزران ذات نصول من الحديد عن قسيّ كبار لا تنثني إلا ببطء لكبرها ثم يرسلون الأوتار بعد نزع هائل من أصابعهم‏ (3) فأظهر الأنبراطور يوليانس كثيرا من الشجاعة في هذا الحصار و لقي أذى في بدنه فأمر بصنع مكينة تسمّى هليبول «دبّابة (4) » فلما رأى المحصورون هذه الآلة استسلموا، فأمر الانبراطور باحراق الموضع كسائر المواضع المأهولة الأخرى.

و بعد أن سار أربعة عشر ميلا وصل الجيش إلى موضع فيه مزارع قد أخصبتها مياه غزيرة، و كان الفرس قد علموا من قبل بوجهة طريقنا و زحفنا فكسروا سكور المياه فتبطّح الماء في الأرض و غمرها فكأنها مستنقع واسع، فلذلك اضطررنا لصنع قناطر (5) صغيرة من ظروف جلد المعزى، و قوارب من الجلود و جسور من جذوع النخل، و أكثر هذه البقاع مفروشة كرما (6) و أشجارا مختلفة مثمرة أخرى، و النخل تكوّن فيها غابات طبيعية تمتد الى ميسان‏ (7) و البحر الكبير، كنا نرى أفنان الثمار في كل مكان، و طلعا

____________

(1) جمع القلة اذا حلي بالالف و اللام أو أضيف قام مقام جمع الكثرة و منه استعمال «الأنفس» بدلا من النفوس في القرآن الكريم. و إن ورد «النفوس» فيه مرة مقابل اكثر من 142 مرة للأنفس.

(2) أي التطبيق و هو مصدر «لأم تلثيما» .

(3) تأمل وصف هذا الكاتب العجيب كأنه هو نفسه كان يرمي عن قوس من قسي الجنود الساسانيين.

(4) هي البرج الحربي.

(5) أراد «معابر» .

(6) لم يكن الكرم قد نقل الى الأرض البابلية قبل غزوة الاسكندر في اواسط القرن الرابع قبل الميلاد.

(7) قال ياقوت في معجم البلدان: ميسان بالفتح ثم السكون و سين مهملة و آخره نون:

اسم كورة كثيرة النخل بين البصرة و واسط، قصبتها ميسان. و في هذه الكورة أيضا قرية فيها قبر عزيز النبي-ع-مشهور معمور يقوم بخدمته اليهود و لهم عليه وقوف و تأتيه النذور و أنا رأيته» قال مصطفى جواد: ذكر ياقوت في «المذار» من معجمه أنها قصبة ميسان. و ذكر في نهر سمرة أنها قرية فيها قبر العزير النبي و ذكر الهروي في الزيارات «ص 80» أنه نهر سمراء و أنه عزرا.

21

تكون فيه ثمرة و فيرة العسل-يعني الدبس-و النبيذ، و قيل إن النخل يتزوج بعضها بعضا، و يستطاع تمييز النخلة الأنثى من الفحال بسهولة، و إن الاناث تلقّح بأن تذرّ بذور الفحاحيل عليها، و إنها تجد لذة نوعية في ذلك، و الدلالة على هذا أنّ بعضها منحن نحو البعض الآخر بحيث لا تفرّق بينها أعصف الرياح، و أن الأنثى إذا لم يؤثر فيها الفحال لا تحمل إلا طرح ثمر-يعني الشيص-و إذا جهل الملقّح الفحّال الذي عشقته النخلة وجب رشّ بذر فحّال من الفحاحيل على جذعها، فاذا انتشت بهذه الرائحة الطيبة أظهرت أنها تريد الاقتران.

و قد مرّ جنودنا الروم بعدّة جزر فوجدوا فيها أقواتا كثيرة، و إذ لم ينفك الفرس يزعجون الامبراطور يوليانس، بلغ الجيش حيث يتشعّب قسم كبير من الفرات شعبا كثيرة فوضع النار في مدينة هناك كان اليهود يسكنونها و لكنهم جلوا عنها لأن سورها كان خفيضا جدا. و تابع الامبراطور زحفه حتى وصل «ما أوك ملكا» و هي مدينة كبيرة و محفوفة بسور وثيق، إن هذه المدينة كانت محصنة جدا و فيها حصن مقام على هضبة من الصخر، المهندم ببروج ضخمة هائلة، فنصب عليها يوليانس آلات الحصار، و هرب الذين كانوا يسكنون في ضواحيها إلى المدائن «كتيزيفون» في جذوع منقورة مجوّفة و سوق أشجار كذلك، أو في زوارق صغيرة، و نشبت الحرب بين الروم و الفرس ببسالة و حماسة و بشآبيب السهام و الجلاميد و المشاعل لموقدة و المطارق ذات الرأسين، و أعمل الروم منجنيقاتهم و عقاربهم الحربيّة و كباشهم الحصارية، فاستولوا على الموضع بعد معجزات من الشجاعة، و استعرص الانبراطور حامية المدينة بالسيوف حتى أتى عليهم صبرا، و كان ناس من السكان لاذوا بالمغاور و كانت المغاور كثيرة في هذه النواحي فسدّ الرومان عليهم منافذ المغاور بالتبن و حطب الكرم و أوقدوا فيها النيران، فهلك أولئك التاعسون اختناقا داخل المغاور.

و واصل الجيش الرومي زحفه ظافرا حتى وصل إلى غياض و مزارع‏

22

فيها غلاّت و فيرة، و كان فيها قصر مبني على الطراز الروميّ فتركه الروم على حاله، و كان في تلك الناحية بعينها حير و هو سور ضخم مدوّر، قد أنشى‏ء للاستراحات الملوكيّة، و قد رأينا فيه حيوانات وحشيّة و أسودا ذات ذوائب و خنازير ذات أنياب قويّة، و دببة كالتي تكون في بلاد الفرس، مفترسة بحالة تفوق التصوّر و كان في الحير حيوانات أخرى عظيمة الخلقة، فكسر الفرسان الروم أبواب الحير و قتلوا حيواناته ضربا بالسيوف و رميا بالنشّاب. و كانت الأرض خصبة و محسنة الزرع و الاستغلال و كانت مدينة «كوثى» و تسمّى أيضا «سلوقية» (1) غير بعيدة عن ذلك الموضع، فاجتاز الانبراطور يوليانس هذه المدينة المتروكة و كان «ويرس» (2) قد أخربها، و كان هناك عين ماء جارية، قد أحدثت مستنقعا واسعا، يصبّ ماءه في دجلة، فرأى يوليانس عندها ناسا كثيرا معلّقين على المشانق، و كانوا ذوي قرابة الجنود الفرس الذين استسلموا و أسلموا «فيروز سابور» إلى الروم.

و من هنالك انتهى الروم الى شواطي‏ء نهر ملكا الجنوبيّة و كان «تراجان و سيقين» الأنبراطوران الروميان قد وسّعا مجراه بالكري و الحفر ليكون قناة عريضة، آخذة مياهها من الفرات و حاملة السّفن الى دجلة، و كانت القناة جافّة إذ ذاك و مردومة في بعضها (3) بحجارة كبيرة، فأمر يوليانس بكسح الرّدم، فجرى فيها الماء في الحال، و استطاع الجيش الرومي أن يعبر في سفنه الى الضفة الأخرى من دجلة على مرتفعات «كتيزيفون» ، و ما كاد ينزل يوليانس في الضفة الأخرى حتى اختار للجيش موضع استراحة في حقل

____________

(1) الثابت في علم البلدان الأثرية ان «كوثى» غير سلوقية، على ان الوارد في النص و منه ترجمنا هو «كوشه» و تعرف كوثى اليوم بتل ابراهيم «راجع مدن العراق القديمة لدروثي مكاي ترجمة الاستاذ يوسف المسكوني» ص 30 و ان سلوقية تعرف اليوم بالسور و تل عمر مقابل المدائن «كيتزيفون» من الجانب الغربي «الكتاب المذكور ص 25» .

(2) قال مصطفى جواد «فيرس» أو ويرس انبراطور روماني ولد و توفي بها «130-169 م» كان شجاعا محبا للهو و القصف.

(3) يعني في مصبها المتصل بنهر دجلة.

غ

23

خصيب زانته شجيرات و كروم و أشجار السّرو و الخضرة النضرة، و كان في وسط الحقل قصر للتنزّه و ارف الظلال، قد زينت جميع أقسامه بتصاوير تزويقيّة مستحسنة، تمثل الملك في صيده قاتلا حيوانات وحشية، ذلك لأن الفرس لا يصورون و لا ينحتون إلا مناظر المذابح و مشاهد الحرب.

و بالقرب من «كتيزيفون» أدار الانبراطور رحى حرب طحون هزم فيها الفرس-و على حسب وصف أميانس للعدو أي الفرس يعترف الانسان بصدق المنحوتات و التصاوير التي في خورص‏ (1) آباد ففيها صور فيلة- إن الأنبراطور الظافر طارد العدو حتى سور «كتيزيفون» إلا أنّه عدل عن حصارها لأمرين أحدهما هو أنّها متعذّرة الفتح و الآخر هو أن الملك سابور (الثاني) قد اقترب من جيش الروم في جيش عرمرم فأحرق يوليانس سفنه و ابتعد عن دجلة، للتوغل داخل البلاد، فأحرق الفرس بيادر حصادهم ليهلكوا بالقحط، فلم يجد يوليانس في آخر الأمر بدّا من النكوص، و فكّر في أيّ طريق يسير؟أينكص من موضعه هذا بمروره في بلاد «أقور» أي آشور محاذيا الجبال أم يتقدم في نواحي «كوردوين» فيعيث في «شيلوكوم» إن العرّافين لم يشيروا بهذا و لا بذلك، على أن الأنبراطور سار في جيشه «في اليوم السادس عشر من حزيران سنة 363 م» متقدما نحو أصقاع «كوردوين» و في ذلك اليوم هب إعصار من التراب أشعرنا باقتراب قطعان من حمر الوحش أي الفراء (2) ، و هي كثيرة الوجود في هذه الأصقاع، و كانت قد تجمّعت على ذلك النحو لتقاوم هجمات الأسود، فاستراح الجيش يومين عند القصر الصيفي «همبرا» فهناك وجد كثيرا من الأقوات ثم استأنف السّير و بعد أن قطع سبعين استادا (3) بلغ مارنگا» . قال أميانس: و لما تبلج

____________

(1) هي خرستاباد عند العرب «معجم البلدان» .

(2) في مختار الصحاح «الفرأ بوزن الكلأ: الحمار الوحشي... و جمعه فراء كجبل و جبال»

(3) يساوي «185 مترا» فالجيش قطع 12950 مترا أي زهاء ثلاثة عشر كيلو مترا.

24

الصبح بان لنا جحفل كبير من الفرس يقودهم «ميرين» أي مهران مقدّم الفرسان مع ابنين من أبناء الملك سابور و جماعة كثيرة من الأشراف و كانت هذه الفرق مدجّجة الصدور بالحديد و كل أعضائها مغشّاة بالصفائح المعدنيّة المعدنيّة التامّة التطبيق على المفاصل، و قد غشّوا رؤوسهم بأغشية تشبه الوجوه البشرية و هي من الصلابة و القوّة و من كونها حرشفيّة الشكل بحيث لا تنفذ فيها السهام إلا من وصاوص‏ (1) العيون، فالذين يقاتلون بالحراب كانوا ثابتين لا يتحركون من مواضعهم كأنّهم مربوطون بالسّلاسل النحاس و كان بالقرب منهم الرّماة، و كانوا يبرزون سواعدهم و ينزعون في قسيّهم المتأطّرة السهلة الانحناء بحيث تمسّ الأوتار حلمات ثندواتهم‏ (2) اليمن‏ (3) على حين يمسكون بأيديهم اليسر (4) نصال السّهام الخيزران فتطير و لها صفير و تحدث جروحا خطرة، و وراء الرّماة كانت الفيلة مجهزة بأجهزة حربية فخمة، و كانت خراطيمها الرهيبة تنشر الهول و تبث الرعب و خصوصا في الخيل و ذلك بصئيّها (5) و نئيمها و رائحتها و منظرها المستغرب. و كان فيّالوها يحملون بأيديهم اليمن سكاكين ذات نصب، كانوا استعملوها منذ الهزيمة التي أصابتهم بازاء نصيبين، فاذا هاج هذا الحيوان عصى فيّاله، و لمنعه من أن يطأ الجيش بارتداده و يسحقه بدلا من أن يعينه يقتله الفيّال بأن يغرز المدية بشدّة في المستوى الأفقي من الفقارة للفقارة التي تصل بين الرقبة و الرأس.

إن التجربة أثبتت للقائد «هاسدرو بعل» أخي «هنّي بعل» أنه على هذا النحو يستطاع قتل هذا الحيوان قتلا وحشيّا.

و إذ كان من عادة الفرس أن يقاتلوا أعداءهم على بعد لم يثبت الجيش الفارسي لصدمة الجيش الرومي، فتهارب جنودهم كالمطر تفرّقه الريح،

____________

(1) الوصاوص جمع وصوص و هو ثقب في الستر و نحوه على قدر العين ينظر منه.

(2) الثندوة و الثندؤة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة.

(3) اليمن جمع اليمنى كالصغر جمع الصغرى.

(4) اليسر جمع اليسرى.

____________

(5) الصئي على وزن الولي هو صوت الفيل-و النئيم أعلى منه.

25

و كانوا في أثناء هربهم يرشقون بسهام إلى ورائهم لكي يمنعوا الروم من أن يتعقبوهم. و بعد هذه الوقعة استراح الجيش الرومي ثلاثة أيام، و في أثناء هذه الفترة ارتاع الانبراطور يوليانس من خوارق سماوية نارية و شهب هاوية راجمة، فقوّض خيام جيشه باليوم الرابع للرحيل، و واصل سيره محترزا الاحتراز المألوف. فلم يلبث أن أنبي‏ء بأنّ ساقة الجيش قد هجم عليها الفرس فأخذ ترسا و أسرع إلى الجانب المهدّد من الجيش و لم يلبس درعا، و في ذلك الوقت أيضا هجمت على قلب جيشه فرقة من الفرس «الفرثيين» مسلحة بكل سلاح، و في وسط هذه الملحمة أصابته ضربة مزراق نفذت الى كبده من خلال الضلوع فانتزعه مى كبده بعد أن انقطعت أوتار أصابعه لعسر انتزاعها عليه، فحمل‏ (1) مرتثّا إلى المخيّم و فيه ضمّدوا جرحه، و لما شعر بتناقص الألم امتطى هذا الأنبراطور المقدام فرسا و لكن خور قوّته خان شجاعته، فانتقض جرحه، و نزفه دم كثير، فحمل ثانية إلى المعسكر و هناك أسلم روحه بعد أن نطق بهذه الأقوال البديعة:

«أنا غير نادم على شي‏ء، و لا آسف على شي‏ء أتيته سواء في ذلك زمن نفيي و زمن أخذي بزمام الحكم في الانبراطورية، فأنا تسلمتها من الخالدين وديعة و افتخر بأني حافظت عليها نقيّة، و ذلك بالحكم فيها باعتدال بحيث لم آت أو لم أؤيد الحرب قط الا بعد اختبار نضيج، فان كانت الغلبة أو الفائدة التي كنت آملها لم تناسب ما كنت انتظره فان الحوادث من صنع الآلهة، و إيماني بأن الحكومة العادلة ليست لها غاية سوى منفعة شعبها و سعادته، كنت و أنتم تعلمون ذلك، كثير الميل إلى السّلام. و قد نزهت سيرتي عن الاباحة الخلقية المخربة و الاباحة المبيدة في الأشياء، إن الجمهورية التي عددتها دائما أمّا حاكمة عرّضتني للخطر في كل ناحية من نواحيها، فصمدت‏ (2) إليه بسرور

____________

(1) أي حمل جريحا و به رمق.

(2) صمد الى الشي‏ء: قصد اليه و انتحاه و استعماله بمعنى «ثبت» غلط قبيح.

26

و تعودت ازدراء سخط الحظ، و للناس الحق في أن يعدّوا من يريد الموت، حين يجب أن لا يراد، جبانا نذلا، و كذلك من يخافه حين ينبغي أن يتقبّله برضا، إن قوّتي لا تعينني على أن أقول أكثر من ذلك، لقد تعمدت أن لا أسمي أحدا لولاية الحكم بعدي، إن أكن مستطيعا أن لا أعيّن من هو الأحق بالحكم، أو أسمّي الأجدر به معرّضا له لأعظم خطر بهذا التفضيل فاني مع ذلك كالولد الشفيق الذي يتمنّى أن تجد الجمهورية لنفسها رئيسا تراه أهلا لها بعد موتي.

قال أميانس مرقلانس: فهل في العالم كثير من الرؤساء يستطيعون أن يقولوا كهذه الأقوال؟و لما مات يوليانس لم يكن له من العمر إلا اثنتان و ثلاثون سنة كعمر الاسكندر في بابل، إن الموضع الذي هلك فيه ينبغي أن يكون قريبا جدا من بغداد (1) .

و انتخب الجيش الرومي يوينيانس لرئاسة الانبراطورية بعد حدوث عدّة دسائس، فعقد معاهدة مخزية مع ملك الفرس سابور المذكور التزم فيها الروم أن يردوا على الفرس فيما يردون الأصقاع الخمسة في غربي دجلة و هي الأرزن و ماكسين و زبديسين و رهيمين و كورداسين، و كانت مدة الصلح ثلاثين سنة، و كان من شروط هذه المعاهدة أن يتخلى الروم عن جميع فتوحهم فيما بين النهرين حتى نصيبين، فنقل سكانها إلى آمد، إن ارتداد الجيش الروميّ يحتوي على قليل من الأحداث المعتبرة، إن عدّة إشارات خططيّة، مستحقّة للتدقيق من حيث الصحة، إلى المواضع، يمكن لها في سهولة و يسر، تعرّف طريق الروم في ذلك النكوص، فبعد انتخاب «يوينيانس» بلغ الجيش قبيل المساء و الفرس يزعجونه دائما، حصن «سوميز» (2) Sumeze فهناك

____________

(1) هذا كلام المترجم الأفرنسي بالبداهة و ان كانت بغداد غير منشأة قبل عصر يوليانس.

(2) هكذا ورد بالزاي و ورد في مجلة سومر «مج 17 ص 167» سومير بالراء المهملة و قيل هناك إن لين يعينه بسامراء، و الأولى عندي أن يكون حصن القادسية جنوبي سامراء و هو قائم حتى اليوم و مبني باللبن. و يبقى الاستغراب في الزاي كيف صارت راءا أو الراء كيف صارت زايا؟؟ثم ان كان يوليانس قتل في منطقة كفري و هو متوجه الى الشمال «ص 165 من سومر» فكيف يعود الجيش الى حصن القادسية «ص 166» ثم حصن سامرا؟

27

اتصل به أشراف خدمة القصر الجمهوري و كانوا قد التجأوا إلى حصن «وكّات» . و في اليوم التالي لهذا اليوم خيّم الرومان في واد يبدو للناظر محوّط بسور و ليس له إلا مخرج واسع بعض السعة، فغرز الجيش فيه، كما يدور، أوتادا مؤلّلة الرؤوس، و بالليلة التالية لذلك اليوم خيّم الجيش في «كرخا» (1) و كان حيالها باشورات من التراب أي حواجز ترابيّة، في طفوفها الشاطئية لمنع العرب من العدوان على بلاد آشور، ثم سار الجيش ثلاثين استادا فوصل إلى «دور» (2) ، و هي مدينة فلبث فيها أربعة أيام، و في أثناء هذه الاقامة عبرت بالليل نهر دجلة من الجيش كتيبة ثقيلة مؤلفة من رجال سبّاحين، و هزمت العدوّ الموكل بحفظ ضفة النهر، هذه الضربة ضربها الجيش الروميّ في أثناء زيادة الماء خاصّة، لأن الوقت كان فائظا، و سرعان ما عبر الجيش كله فمنهم من عبر بانحراف سباحة و عوما و منهم من عبره على زقاق المعزى و آخرون حاولوا قيادة الكراع أي حيوانات النقل، فكانوا يعومون هنا و هناك على إبّالات‏ (3) من الصفصاف، و آخر الأمر أنهم بلغوا الضفّة اليمنى لدجلة، عدا الذين هلكوا في هذه العبرة (4) . و بعد مسيرة سريعة وصل الجيش الى «حضرا» أي الحضر، مدينة عتيقة قائمة في صحراء و مهجورة منذ زمن بعيد، و كان الانبراطور «تراجان» و الانبراطور «سيفير» حاولا تدميرها فهلكا مع جيوشهما. قال أميانس: و علمنا أن طول هذا السهل الفاصل سبعون فرسخا، فليس فيه إلا ماء ملح آسن و لا طعام إلا القيصوم و الشّيح و اللوف و أعشاب أخرى قليلة التشهية. و في آخر مسيرة كان أمدها ستة أيام لم نجد

____________

(1) الظاهر لنا أنها كرخ سامرا.

(2) الظاهر لنا أنها الدور الحالية شمال سامرا.

(3) الابالة الحزمة من الحطب أو الحشيش. و الكلمة الفرنسية تعني الحصر و ذلك غير ممكن البتة.

(4) قال المؤرخ الفرنسي «فيردهوفر» مترجم هذه الرحلة: ما يأتي من الأخبار يدل على ان الجيش الرومي عبر دجلة من موضع بين 25 الى 30 فرسخا شمال بغداد، فلعله القائم او سامرا بازاء بحيرة ملحة في صقع قاحل و هو قول مقارب للصواب و هي بحيرة الشارع، الا ان ذكر الكاتب الروماني «الكرخ و الدور» يؤيد ما قلناه، فالعبور كان فوق سامرا لا عندها و لا عند قائم القاطول.

28

شيئا حتى العشب، و لحسن حظّنا التحق بنا في حصن «أور» الاطربون موريتيوس و دوق ما بين النهرين كاسين و أنقذانا من الجوع بما جاءا به إلينا من الأزواد، و لكنها سرعان ما نفدت و كدنا نأكل اللحوم البشرية لو لم يبق معنا لحم الحيوانات التي قتلناها بعض الزمان، و مع ذلك تابع الجيش سيره، فبلغ بعد أن كابد كثيرا من الجوع «تيسالفاتا» و من ثمّ وصل إلى نصيبين و فيها انتهت الأسواء التي أصابته، ثم دفن «پروكوپ» جثة الانبراطور يوليانس في ربض «تارز» على حسب مراده. و توفي يوينياس بعد برهة قصيرة في دودستان على سنكاريوس، المدينة التي تفصل «بثيني» «عن كلاتي» (1) .

____________

(1) M. Fred Hoefer) Chaldee. Paris 2581,p. 561-271.

29

ديارات سامرا و القاطول الكسروي‏

كانت ديارات سامرا و نواحيها أقدم المواضع المسكونة قبل إنشاء المعتصم باللّه مدينته الجديدة فيها و كانت الديارات كما هو معلوم تقام على ضفاف الأنهار الكبيرة و القنوات، و لذلك كان القاطول الكسرويّ أقوى أسباب السكن هناك و أدعى الدواعي إلى إنشاء الديارات فلا حياة بغير ماء و لا نبات، قال ابن رافيون في معرفة الأنهار التي تحمل من دجلة و إليها تصب: «و يحمل منها أيضا من شرقيها (القاطول الأعلى الكسروي) أو له أسفل من دور الحارث بشي‏ء يسير، مماسّ لقصر المتوكل‏ (1) على اللّه المعروف بالجعفري و عليه هناك قنطرة حجارة ثم يمرّ إلى الايتاخية و عليه هناك قنطرة كسروية ثم يمر الى المحمدية و عليه هناك جسر زواريق ثم يمرّ إلى الأجمة: قرية كبيرة ثم يمرّ الى الشاذروان ثم يمر إلى المأمونية و هي قرية كبيرة ثم يمر الى القناطر. و هذه قرى عامرة و ضياع متصلة ثم يمرّ إلى قرية يقال لها (صولا) و باعقوبا (2) و يسمّى هناك

____________

(1) هذا الوصف بالنسبة الى عصر المؤلف و هو القرن الثالث للهجرة، و لكونه أقدم وصف قدمناه في النقل.

(2) مزج ابن سرافيون في وصفه القاطول الكسروي بقاطول «القناية» قال ياقوت: القناية بكسر اوله و تشديد ثانيه و بعد الالف ياء مثناة من تحت هو نهر في سواد العراق من نواحي الراذانين «و قال ابن عبد الحق في المراصد: «هو مسيل عميق كالوادي بين القاطول و تامرا قرب بعقوبا» . و مجراه لا يزال ظاهرا بين أول الغرفة و ديالى بالجانب الغربي من بعقوبا، و كثير من الباحثين لم يهتدوا الى معرفته و لذلك تجنبوا وصف ابن سرافيون بالنص.

30

تامرّا (1) ثم يمرّ إلى باجسرا و يجي‏ء إلى الجسر المعروف بجسر النهروان‏ (2) و يعرف النهر هناك بالنهروان ثم يمرّ الى الشاذروان الأعلى ثم يمرّ إلى جسر بوران ثم يمرّ الى عبرتا (3) ثم إلى برزاطية ثم إلى الشاذروان الأسفل‏ (4) . و هذه قرى و ضياع جليلة، ثم يمر الى إسكاف بني الجنيد (5) و هي مدينة في جانبين و النهر يشقها ثم يمرّ بين قرى متصلة و ضياع مادة إلى أن يصب في دجلة أسفل ماذرايا بشي‏ء يسير في الجانب الشرقي» (6) .

و قال ياقوت الحموي: «القاطول فاعول من القطل و هو القطع...

اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة و هو نهر كان في موضع سامرا قبل ان تعمر كان الرشيد أول من حفر هذا النهر و بنى على فوهته قصرا و سمّاه (أبا الجند) لكثرة ما كان يسقي من الأرضين و جعله لأرزاق جنده... و فوق هذا القاطول (القاطول الكسروي) حفره كسرى أنو شروان العادل، يأخذ من جانب دجلة في الجانب الشرقي أيضا و عليه أيضا شاذروان فوقه يسقي رستاقا بين النهرين من طسّوج بزرج سابور و حفر بعده الرشيد هذا القاطول الذي قدمنا ذكره تحته مما يلي بغداد (7) و هو أيضا يصب في النهروان تحت الشاذروان قال جحظة البرمكي يذكر القاطول و القادسية المجاورة لها:

ألا هل الى الغدران و الشمس طلقة # سبيل و نور الخير مجتمع الشمل؟

____________

(1) مزجه المؤلف هنا بالنهر المعروف بديالى و كانت اعاليه فقط تسمى تامرا و أسافلة تسمى ديالى تحت السد.

(2) و هو الموضع الذي جرت فيه وقعة النهروان المشهورة، قرب الموضع المعروف اليوم بالاسم الافرنجي «كاسل بوست» شرقي خان بني سعد.

(3) لا تزال أطلالها قائمة مع منارة صغيرة على النهروان العتيق.

(4) لا تزال اكثر منشآته قائمة في شمال العزيزية الشرقي.

(5) لا تزال أطلالها قائمة شرقي العزيزية.

(6) ابن سرافيون «ص 19 من الطبعة الخاصة» .

(7) ذكر ابن عبد الحق في المراصد كلام ياقوت ثم قال: «و هذا كلام فيه اختلال لأن الذي ذكره قال في موضع سامرا فكيف صار الى بغداد و في طريقه و اديان كبيران هما العظيم و الراجع لا يمكن ان يجتاز عليهما و إنما القاطول الذي بباب بغداد هو نهر يأخذ من تامرا تحت نهر الخالص و يصل ماؤه الى پاب بغداد و هو نهر كلواذي» .

غ

31

و مستشرف للعين تغدو ظباؤه # صوائد الباب الرجال بلا نبل

إل شاطي‏ء القاطول بالجانب الذي # به القصر بين القادسية و النخل

إلى مجمع للطير فيه رطانة # يطيف بها القنّاص بالخيل و الرّجل

فحانة مرعبد اليهودي إنّها # مشهّرة بالراح معشوقة الأهل

و كم راكب ظهر الظلام مغلّس # إلى قهوة صفراء معدومة المثل

إذا نفّذ الخمار دنّا بمبزل # تبينت وجه السكر في ذلك البزل

و كم من صريع لا يدير لسانه # و من ناطق بالجهل ليس بذي جهل

ترى شرس الأخلاق من بعد شربها # جديرا ببذل المال و الخلق السهل

جمعت بها شمل الخلاعة برهة # و فرّقت مالا غير مصغ إلى عذل

لقد غنيت دهرا بقربي نفيسة # فكيف تراها حين فارقها مثلي» (1) ؟

و قد ورد ذكر القاطول في شعر علي بن الجهم و البحتريّ و غيرهما و في عدة تواريخ‏ (2) .

و القاطول الكسروي له صلة بنهر يكاد يكون خياليا لأن اسمه يعني كل انكسار كان يحدثه الفيضان في ضفته اليسرى، قال ياقوت: «القورج:

بالضم ثم السكون وراء مفتوحة و جيم، هو نهر بين القاطول و بغداد منه يكون غرق بغداد كل وقت تغرق. و كان السبب في حفر هذا النهر أن كسرى لما حفر القاطول أضرّ ذلك بأهل الأسافل و انقطع عنهم الماء حتى افتقروا و ذهبت أموالهم، فخرج أهل تلك النواحي إلى كسرى يتظلمون إليه مما حل بهم، فوافوه و قد خرج متنزها، فقالوا: أيها الملك إنّا جئنا نتظلم. فقال:

ممّن؟قالوا: منك، فثنى رجله و نزل عن دابّته و جلس على الأرض،

____________

(1) معجم البلدان في «القاطول» . و للدكتور أحمد سوسه. بحث مفصل عن القاطول الكسروي و القواطيل الأخرى في كتابه البارع «ري سامراء في عهد الخلافة العباسية» «1: 144-211» ظن فيه أن مجرى قاطول القناية هو مجرى نهر القورج.

(2) ذكر الجهشياري أن يحيى بن خالد البرمكي هو الذي احتفر قاطول الرشيد و استخرج نهرا سماه أبا الجند و أنفق عليه عشرين مليون درهم أي مليوني دينار بالقيمة الشرعية «الوزراء و الكتاب ص 177 طبعة البابي بمصر» .

32

فأتاه بعض من معه بشي‏ء يجلس عليه، فأبى و قال: لا أجلس إلا على الأرض إذ أتأني قوم يتظلمون منّي. ثم قال: ما مظلمتكم؟قالوا: حفرت قاطولك فخرّب بلادنا و انقطع عنا الماء (1) ، ففسدت مزارعنا و ذهب معاشنا. فقال:

إني آمر بسدّه ليعود اليكم ماؤكم. قالوا: لا نجشّمك أيها الملك هذا فيفسد عليك اختيارك و لكن مر أن يعمل لنا مجرى من دون القاطول. فعمل لهم مجرى بناحية القورج يجري فيه الماء، فعمرت بلادهم و حسنت أحوالهم، و أمّا اليوم فهو بلاء على أهل بغداد فانهم يجتهدون في سدّه و احكامه بغاية جهدهم، و إذا زاد الماء فأفرط بثقه و تعدّى إلى دورهم و بلدهم فخرّبه» .

و اختصر ابن عبد الحق كلام ياقوت و لم يعقب عليه و لا ذكر فوهة نهر القورج أين كانت فيما بين القاطول و بغداد و لا كون هذا النهر جاريا أو مندرسا أو مندفنا في زمانه بخلاف عادته مع أنّه لما ذكر وصف ياقوت للقاطول الكسروي عقّب عليه باستحالة امتداده إلى نواحي بغداد كما زعم ياقوت، و قد نقلت ذلك التعقيب في حاشية سابقة. و العجيب في أمر هذا النهر الخيالي أنه لم يرد ذكره في تاريخ سوى من نقل من معجم ياقوت الحموي و منهم مؤلف عجائب المخلوقات «ص 163» . و مؤلف جريدة العجائب «ص 111» و مؤلفات المراصد من التواريخ و لا ذكرت عليه قرية من القرى و لا ضيعة من الضياع و لا رآه جغرافي و لا بلداني و لا سائح من القدامى و لا من المتأخرين، و كل ما ذكر من أخباره أنه انكسار عام في ضفة دجلة، ليس له موضع معلوم و لا مجرى خاص، و يسمّى بالعربية «البثق» قال ابو الفرج بن الجوزي في حوادث سنة 461؛ «و في جمادي الأولى بلغت زيادة الماء إحدى و عشرين ذراعا و ثلثين و بلغ إلى الثريّا (2) ، و فجّرت (بثقا)

____________

(1) يقال هنا: كيف أضر ذلك بأهل الأسافل و أي ماء انقطع عنهم؟

(2) الثريا موضع كان في قصر ريفي عظيم للمعتضد و هو على تقديري و تحريري الموضع الذي بني فيه مخزن «السايلو» حتى شمالي محلة الجعدان و الفضل من شرقي بغداد.

33

فوق الدار المعزّية (1) و بلغ الماء الى مشهد النذور (2) و مشهد السبتي‏ (3) » فهذا البثق كان يسمّى باصطلاح ذلك العصر «القورج» و قد سمّاه المؤرخ نفسه بعد ذلك «القورج» قال في حوادث سنة 466: «و في جمادى الآخرة ورد الحاجب السليماني من عكبرا فدخل الديوان، فرسم له تدارك القورج الذي هو فوق الدار المعزّية و كانت دجلة قد زادت زيادة مفرطة و اتصل المطر بالموصل و الجبال و نودي بالعوام أن يخرجوا معه لذلك. فخرج من الديوان و أراد قصد الموضع فرأى الماء قد حجز بينه و بين الطريق، فرجع إلى دار المملكة (4) وجلا و جمع زواريق و طرح فيها رحله ليعبر فيهرب‏ (5) ... » .

فقوله «القورج الذي هو فوق الدار المعزية» يدل على أنّ القورج لم يكن واحدا و أنه اسم جنس عام، و أنه بثق يجوز أن يحدث في كل موضع من الضفة يثلمه الماء و مما نذكره هنا للبرهنة على ذلك أن أبا الفرج ابن الجوزي قال في حوادث سنة 489: «و في هذه السنة حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس يقارب طوفان نوح... فقبل ما يجتمع في بلد ما يجتمع في بغداد و ربّما غرقت فتقدّم باحكام المسنيات و المواضع التي يخشى منها الانفجار، و كان الناس ينتظرون الغرق» (6) . و قال ابن تغري بردي في كلامه على هذه الحادثة:

«فأمر الخليفة بأحكام المسنيّات و سد القوارج‏ (7) و كان الناس يتوقعون الغرق‏ (8) » .

فقوله: «و سد القورج أو القوارج» يفسّره قول ابن الجوزي «بأحكام المسنيات و المواضع التي يخشى منها الانفجار» . و هذا المؤرخ نفسه يقول

____________

(1) هي ارض الدار التي ابتناها معز الدولة بن بويه الأمير بباب الشماسية أي محلة الصليخ بالأعظمية.

(2) مشهد النذور هو قبر عبيد اللّه العلوي و يعرف اليوم بأم رابعة.

(3) المنتظم «8: 254» .

(4) دار المملكة كانت في محلة المخرم و هي أرض العلوزاية الحالية و الصرافية من شرقي بغداد.

(5) المنتظم «8: 284» .

(6) المنتظم 9: 97» .

(7) في النجوم الزاهرة طبعة مصر و هو مرجعنا «الفروج» و هو تصحيف القورج و القوارج.

(8) النجوم الزاهرة «5: 158» .

ج 1-سامراء (3)

34

في حوادث سنة 516: «و في هذه السنة زاد الماء حتى خيف على بغداد من الغرق و تقدّم الى القاضي أبي العباس بن الرّطبي بالخروج الى القورج» و مشاهدة ما يحتاج إليه، و لهذا (القورج) الذي غرق الناس منه في سنة ست و ستين (و أربعمائة) تولى عمارته نوشتكين خادم أبي نصر بن جهير و كتب اسمه عليه و ضرب عليه خيمة و لم يفارقه حتى أحكمه و غرم عليه ألوف دنانير من مال نفسه... و في يوم الاربعاء رابع عشر صفر مضى الوزير أبو علي بن صدقة و معه موكب الخليفة الى القورج و اجتمع بالوزير ابي طالب و وقفا على ظهور مراكبهما ساعة ثم انصرفا» (1) .

و قال سبط ابن الجوزي في حوادث سنة 466 المذكورة آنفا: «في جمادى الأولى زادت دجلة زيادة عظيمة لم يعهد مثلها و أمر الخليفة العوام بالخروج مع الحاجب (السليماني) أيتكين إلى عمل القورج، فخرجوا، و إذا بالماء قد أقبل مثل الجبال، فرجع أيتكين و الناس، و جمع الزواريق و جعل فيها رحله و رحل أصحابه... » (2) ثم قال: «و انكسر القورج على دار الخلافة و صار كالبحر ثم جاء من ناحية الجانب الغربي من الفرات» (3) فتأمل قوله:

«ثم جاء من ناحية الجانب الغربي من الفرات» لتتحقق انه أراد مطلق انبثاق سد الماء أو ضفة النهر في أي موضع كان. و قال عز الدين ابن الأثير في حوادث السنة المذكورة-أعني سنة 467-: «في هذه السنة غرق الجانب الشرقي و بعض الغربي من بغداد و سببه أن دجلة زادت زيادة عظيمة و انفتح القورج عند المسناة المعزية و جاء في الليل سيل عظيم و طفح الماء من البريّة مع ريح شديدة و جاء الماء الى المنازل من فوق، و نبع من البلاليع و الآبار بالجانب الشرقي و هلك خلق كثير تحت الهدم... » (4) .

و قال العماد الأصفهاني في حوادث سنة 554: «و عند عودة المقتفي

____________

(1) المنتظم «9: 232» .

(2) مرآة الزمان «نسخة دار الكتب الوطنية بباريس 1506 الورقة 146» .

(3) المرجع المذكور «و 147» .

(4) الكامل في حوادث سنة 466.

35

غرقت بغداد و ذلك في شهر ربيع الأول سنة 554 و ذلك لأن الماء زاد في تلك السنة على خلاف عادته و تهوّر بثق القورج و تقوّر و غلب و بلغ السور من صوب الظفريّة (1) و تسوّر و طاف بتلك النواحي طوفان نوح... و ركب الوزير و أرباب الدولة فصدّوه و سدّوه» (2) . و قال أبو الفرج إبن الجوزي في حوادثها: «و في ثامن عشر ربيع الأول كثر المدّ بدجلة و خرق القورج و أقبل الى البلد و امتلأت الصحارى و خندق السور و أفسد الماء السّور ففتح فتحة... (3) » ثم قال في حوادث سنة 569: «و في غرة رمضان زادت دجلة زيادة كبيرة... ثم زاد الماء في يوم الأحد عاشر رمضان فزاد على كل زيادة...

و تقدم بالعوام (أن) يخرجوا بالوعاظ الى القورج ليعملوا فيه فخرجنا (4) و قد انفتح موضع فوق القورج بقرية يقال لها الزورتقية و جاء الماء من قبله فتداركه الناس فسدوه و بات عليهم الجند و تولى العمل الأمير قيماز بنفسه وحده ثم انفتح يومئذ بعد العصر فتحة من جانب دار السلطان و ساح الماء فملأ الجواد ثم سدّ بعد جهد» ،

و قال عز الدين بن الأثير في حوادث سنة 554: «في هذه السنة ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة في دجلة و خرق القورج فوق بغداد و أقبل المدّ إلى البلد فامتلأت الصحاري، و خندق البلد و أفسد الماء السور» (6) . ثم قال في حوادث سنة 568: «في هذه السنة زادت دجلة زيادة كثيرة أشرفت بها بغداد على الغرق في شعبان... و اشتغل الناس بالعمل في القورج ثم نقص و كفي الناس شرّه‏ (7) » ثم قال في حوادث سنة 569: «و زادت دجلة زيادة عظيمة و كان أكثرها ببغداد... و خاف الناس الغرق و فارقوا البلد و أقاموا على شاطي‏ء

____________

(1) الظفرية محلة من محال الجانب الشرقي من بغداد أيامئذ و كانت في أرض شارع الشيخ عمر الحالي و ما يليه الى مقبرة الشيخ المذكور.

(2) زبدة النصرة في أخبار الدولة السلجوقية «ص 266 طبعة مصر» .

(3) المنتظم «10: 189» .

(4) كان المؤلف من الوعاظ المشهورين فلذلك خرج معهم.

(5) المنتظم «10: 244» .

____________

(6) الكامل في حوادث سنة 554.

(7) المرجع المذكور في حوادث سنة 568.

36

دجلة خوفا من انفتاح القورج و غيره، و كانوا كلما انفتح موضع بادروا بسدّه» (1) ، و جاء في كتاب آخر: «ثم إن دجلة زادت زيادة عظيمة في سنة أربع و خمسين‏ (2) في خلافة المقتفي لأمر اللّه و انفتح القورج و احاط بالسّور (3) » و ورد في مختصر الدول في حوادث سنة 554: «و في سنة أربع و خمسين (و خمسمائة) ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة في دجلة و خرج القورج بغداد فامتلأت الصحاري و خندق البلد و وقع بعض السّور (4) » .

و قال عز الدين ابن الأثير في حوادث سنة 614: «و فيها زادت دجلة زيادة عظيمة لم يشاهد في قديم الزمان مثلها و أشرفت بغداد على الغرق، فركب الوزير و كافة الأمراء و الأعيان و جمعوا الخلق العظيم من العامة و غيرهم لعمل القورج حول البلد و قلق الناس لذلك و انزعجوا و عاينوا الهلاك و أعدّوا السفن لينجوا فيها» (5) ، ثم قال في حوادث سنة 623: «و فيها في ربيع الأول زادت دجلة زيادة عظيمة و اشتغل الناس باصلاح سكر القورج و خافوا فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولة ثم نقص الماء و استبشر الناس» (6) .

و جاء في حوادث سنة 646 لمؤرخ ينقل من تاريخ ابن الساعي: «و في السابع و العشرين من شوال زادت دجلة زيادة عظمية و أغرقت بالجانب الغربي الدور و الدكاكين و المساكن و الحمامات... و أمر الخليفة على نائب المخزن بملازمة القورج و إحكامه، و أطلق من الديوان ذهب لاقامته الرجال و لزوم العمل ليلا و نهارا و خرج الوزير في غرّة ذي القعدة مسرعا قاصدا للقورج و تتابع خروج الناس في أثره و نزل عن مركوبه و حمل باقة حطب و سار إلى آخر القورج و نبّه الناس على المواضع المستضعفة منه و نقص الماء في ذلك اليوم أربع أصابع» (7) . و جاء في كتاب الحوادث في الحادثة نفسها: «و كان

____________

(1) المرجع المذكور في حوادث سنة 569.

(2) يعني «و خمسمائة» كما هو ظاهر.

(3) مختصر مناقب بغداد «ص 17، 18» .

(4) تاريخ مختصر الدول «ص 363» .

(5) الكامل في حوادث سنة 614.

(6) المرجع المذكور في حوادث سنة 623.

(7) العسجد المسبوك «نسخة المجمع المصورة، الورقة 174» تأليف أبي الحسن علي بن الحسن الخزرجي.

37

من حيث تزايد الماء في دجلة تقدّم باحكام القورج و خرج الوزير ابن العلقمي إلى هناك و نزل عن فرسه و حمل باقة حطب فوافقه كافة الناس و اشتد العمل فاتفق أن دجلة نقصت» (1) . و قال الخزرجي في حوادث سنة 652 ناقلا أيضا: «و في شهر ربيع الأول انفتحت فتحة في القورج أغرقت قرية يحي‏ (2) و ما يجاورها ثم انفتحت في السبت فتحة أخرى أغرقت عدة نواح بنهر عيسى و نهر الملك ثم زادت الفرات زيادة جاوزت المقدار المعتاد» (3) .

و جاء في الحوادث في سنة 654: «في هذه السنة زادت دجلة زيادة عظيمة و انفتح في القورج فتحة كبيرة عجز من يتولاها عن استدراكها فركب الوزير و كافة الولاة معه و أخذ الوزير في يده باقة شوك، ففعل سائر العالم مثل ذلك و لم يقع التمكن من سدّها فتركت و انهزم الناس كلهم و الماء في أثرهم و أحاط ببغداد (4) » . و قال الخزرجي في حوادث سنة 654: «و زادت دجلة إزيادة أغرقت الجانب الغربي و وقع به دور كثيرة و انفتح في القورج بعد حكامه فتحة عظيمة و منع الناس من تداركها، و توالت الأهوية و خرج الوزير و كافة الناس و أرادوا سدّ الفتحة فتعذر الوصول إليها» (5) .

و قال مؤلف الحوادث في أخبار سنة 674: «و فيها زادت دجلة و غرق ببغداد عدّة أماكن و انفتح في القورج فتحة عظيمة، فخرج علاء الدين صاحب الديوان و كافة الولاة و الأكابر و العوام و أخذ الصاحب باقة شوك وضعها على فرسه فلم يبق أحد الا فعل مثله و نزل الصاحب و عمل بيده و تكاثر الناس و تساعدوا فاستدركوها و سدّوها» (6) .

و ورد في حوادث سنة 765 هـ، أن الخواجة أمين الدين مرجان بن عبد اللّه

____________

(1) كتاب الحوادث المسمى و هما «الحوادث الجامعة ص 231» .

(2) ذكر المؤرخ نفسه في حوادث سنة 653 ان قرية يحيى من نواحي الخالص فتأمل كون الطورج غير معلوم الموضع.

(3) العسجد المسبوك «الورقة 183» .

(4) كتاب الحوادث المذكور «ص 317» .

(5) العسجد المسبوك «و 178» .

(6) كتاب الحوادث «ص 394» .

38

نائب السلطان أويس إبن السلطان الشيخ حسن الكبير ببغداد «قد فتح سدود دجلة فأغرق أطراف بغداد لمسافة أربع ساعات، فقد كسر سد القورج و قطع الطريق، فلم يتمكن السلطان أويس من الاستيلاء على البلد و مضت أيام و الوضع في توقف و لم يتيسر الأمر» (1) .

و مما يدل على شيوع اسم القورج أنه كان بالقرب من واسط موضع يعرف بباب القورج منذ العصر الأموي فقد جاء في حوادث سنة 127 في حرب الخوارج ما هذا نصه «فشدّ منصور بن جمهور على قائد من قواد الضحّاك كان عظيم القدر في الشراة يقال له عكرمة بن شيبان فضربه على باب القورج فقطعه باثنين فقتله» (2) . و ذكر المقريزي أن عبد اللّه بن ميمون القداحي -اعني عبد اللّه- «كان أصله من موضع بالأهواز يعرف بقورج العباس» (3) .

و قال الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال-رح-: «لم أجد في المراجع التي بين يدي تعريفا لموضع هذا البلد (3) » . قلت ذكره الطبري في حوادث سنة 258 في أخبار صاحب الزنج و قتل صاحبه يحي بن محمد البحراني، و يفهم من النص التاريخي أنه كان في نواحي البصرة لا في الأهواز قال:

«فلما قربوا من نهر العباس جعل يحي بن محمد سليمان بن جامع على مقدمته فمضى يقود أوائل الزنج و هم يجرون سفنهم يريدون الخروج من نهر العباس و في النهر للسلطان شذوات و سميريات تحمي فوهته من قبل أصغجون و معها جمع من الفرسان و الرجالة فراعه و أصحابه ذلك، فخلّوا سفنهم و ألقوا أنفسهم في غربي نهر العباس و أخذوا على طريق الزيدان ماضين نحو عسكر الخبيث و يحي غارّ بما أصابهم، لم يأته علم شي‏ء من خبرهم و هو متوسط عسكره و قد وقف على قنطرة قورج العباس» (4) .

____________

(1) العراق بين احتلالين «2: 110» للأستاذ عباس العزاوي، و قد جاء القورج في الخبر منكرا لأن الفرس ينكرونه في لغتهم.

(2) الطبري في حوادث سنة 127 «ج 8:

61 من طبعة المطبعة الحسينية المصرية» .

(3) اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء «ص 28» .

(4) الطبري في حوادث سنة 258 «ج 11 ص 226 من الطبعة المذكورة» .

غ

39

دير سامرّا
و الآن نشرع في ذكر ديارات سامرا العتيقة فقد كانت أقدم زمانا من «سامرا المعتصم» و المألوف في انشاء الديارات أن تكون على ضفاف الأنهار و القنيّ في الأرضين الخصبة لتسهيل العيش على الرهبان و الراهبات، و القدرة على القيام بضيافة المضطرين من أهل الأسفار و الطرّاء و المنقطعين، فأول دير نذكره هو «دير سامرا» فانّا لم نجد له اسما و لكننا وجدنا له ذكرا في الأخبار فقد ذكر جماعة من المؤرخين أن المعتصم اشترى ديرا بسامرا و بنى في أرضه و صار هذا الدير بعد إنشاء دار العامة في أرضه «بيت المال» و لكنهم لم يذكروا اسم هذا الدير الشائع أيامئذ و لا اسمه الحقيقي فمن الديارات ما كان يشيع له اسم غير اسمه الحقيقي بسبب قوي من أسباب الشيوع، قال اليعقوبي و هو و البلاذري أقدم من أرّخ إنشاء سامرا المعتصم: «و خرج المعتصم الى القاطول في النصف من ذي القعدة سنة (220) فاختط موضع المدينة التي بناها و أقطع الناس المقاطع وجدّ في البناء حتى بنى الناس القصور و الدور و قامت الأسواق ثم ارتحل من القاطول إلى (سر من رأى) فوقف في الموضع الذي فيه (دار العامة) و هناك (دير) للنصارى فاشترى من أهل الدير الأرض و اختط فيه و صار إلى موضع القصر المعروف بالجوسق على دجلة فبنى هناك عدة قصور للقواد و الكتاب و سمّاها بأسمائهم» (1) . و قال في كتاب البلدان: «قال أحمد بن أبي يعقوب: كانت سرّ من رأى في متقدم الأيام صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها و كان بها دير للنصارى بالموضع الذي صارت فيه دار السلطان المعروفة بدار العامة و صار الدير بيت المال» و كرّر الحديث عودا على بدء فقال: «ثم ركب المعتصم متصيدا فمرّ في مسيره حتى صار إلى موضع (سرّ من رأى) . صحراء من أرض الطيرهان لا عمارة بها و لا انيس فيها إلا دير للنصارى فوقف بالدير و كلّم من فيه من

____________

(1) تاريخ اليعقوبي «3: 199 طبعة النجف» .

40

الرهبان و قال: ما اسم هذا الموضع؟فقال له بعض الرهبان: نجد في كتبنا المتقدمة أن هذا الموضع يسمى (سرّ من رأى) و أنه كان مدينة سام بن نوح و أنه سيعمر بعد دهور على يد ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن وجوههم وجوه طير الفلاة (1) ينزلها و ينزلها ولده... » (2) .

و جاء في تاريخ الطبري «ذكر عن أبي الوزير أحمد بن خالد أنه قال:

بعثني المعتصم في سنة 219 و قال لي: يا أحمد اشتر لي بناحية سامرّا (3) موضعا ابني فيه مدينة فاني أتخوف أن يصيح هؤلاء الحربية صيحة فيقتلون غلماني، حتى أكون فوقهم فان رابني منهم ريب أتيتهم في البرّ و البحر حتى آتي عليهم.

و قال لي: خذ مائة ألف دينار. قلت: آخذ خمسة آلاف دينار فكلما احتجت إلى زيادة بعثت اليك فاستزدت. قال: نعم. فأتيت الموضع فاشتريت سامرّا بخمس مئة درهم من النصارى أصحاب الدير و اشتريت موضع البستان الخاقاني بخمسة آلاف درهم و اشتريت عدّة مواضع حتى أحكمت ما أردت ثم انحدرت فأتيته بالصكاك فعزم على الخروج إليها في سنة (220) فخرج حتى إذا قارب القاطول ضربت له فيه القباب و المضارب و ضرب الناس الأخبية ثم لم يزل يتقدم و تضرب له القباب حتى وضع البناء بسامرّا في سنة 221» (4) .

فهذا الخبر يؤكد وجود الدير و ابتياع المعتصم له و لمرافقه و ثبت وجود عمران في تلك البقعة لا كونها صحراء لا عمارة بها و لا أنيس كما زعم اليعقوبي و إنما كانت هناك قرى منشأة على الأنهار كالقاطول الكسروي و فروعه.

و لم أجد في المراجع النصرانية و لا كتاب الديارات للشابشتي و لا غيره

____________

(1) يعني الأتراك من جند المعتصم.

(2) البلدان «ص 23، 24 طبعة النجف، و آخر الخبر ضرب من ضروب الملاحم المخترعة.

(3) هكذا ورد مقصورا في تاريخ الطبري كما ذكرت في أول البحث و أحلت على هذا النقل.

(4) تاريخ الطبري في حوادث سنة 220، و هي في «ج 10 ص 311 طبعة المطبعة الحسينية المصرية» .

41

من الكتب التي أرّخت الديارات ذكرا لدير سامرا، كما سميته انا، فماري ابن سليمان مؤرخ الفطاركة النساطرة و هم اهل المذهب النصراني الغالب بالعراق أيامئذ يقول: «و في السنة الثانية من خلافة المعتصم وقع الحريق ببغداد و تلفت أموال التجار قربا و بعدا و لم يمكن طفيه-يعني إطفاءه-و اخرج المعتصم مالا و سلّمه الى قاضيين لاستحلاف كل إنسان على ما ذهب له و يدفع إليه خمسه، و خرج إلى الطيرهان للتصيد و صاد و جعل في أعناق السباع الأطواق الحديد و وسم على أفخاذ الظباء و حمير الوحش اسمه و استطاب الموضع و ابتاع من سكان ذلك الموضع النصارى الخرابات المتصلة بالمطيرة و جدّد بناء «سرّ من رأى» (1) . و لم يذكر ديرا بعينه بل ذكر خرابات كما قرأت.

هذا و قد جاء ذكر بني الصقر و كان بموضع الايتاخية التي سميت بعد ذلك المحمدية كما سيأتي في الكلام على الجوسق.

دير مرماري
كان هذا الدير في الطيرهان عند سامرا قرب الموضع الذي عرف بعد تمصير المعتصم لسامرا باسم قنطرة و صيف، قال الشابشتي: «و هذا الدير بسرّ من رأى» (2) ، و هو دير عامر كثير الرهبان، حوله كروم و شجر و هو من المواضع النزهة و البقاع الطيبة الحسنة» (3) . و ماري الذي أضيف اليه هذا الدير عرف في تاريخ النصارى النساطرة و هو فطركهم باسم «مارماري السليم» .

و هو الذي نشر النصرانية النسطورية في الشرق و نصّر كثيرا من الناس ببابل و العراقيين و اليمن و الجزائر و بحر اليمن و بحر الهند و الأهواز و كور دجلة و فارس و كسكر و أهل الراذانين و حمل رجلا واسع الحال على إنشاء

____________

(1) أخبار فطاركة كرسي المشرق لماري بن سليمان «ص 77 طبعة رومة سنة 1899» .

(2) يعني في عصره و هو القرن الرابع للهجرة و لذلك سمي «سامرا» سر من رأى.

(3) الديارات «ص 163 من طبعة مكتبة المثنى، تحقيق كوركيس عواد» .

42

ثلاث مئة و ستين بيعة و عمرا و ديرا و وقف عليها الوقوف و توجه الى مدينة سلوقية مقابل المدائن من الجانب الغربي و نشر فيها النصرانية و قاوم المجوسيّة الثنوية، و عمل العجائب في بناء البيع و من جملتها البيعة الكبيرة بالمدائن التي كانت مركزا لنصب الجثالقة بالجدد و بيعة داورتا (1) ببغداد قبل ان يمصرها المنصور و قبل الدولة الاسلامية أصلا، و مضى الى الطيرهان منطقة سامرا ثم مضى الى دور قنّى و كان بها امرأة نبيلة جليلة اسمها قنّى‏ (2) ، فسارعت الى تصديقه و الايمان بدينه و وهبت له ضياعها و بنى الدير هناك و هو الذي دفن فيه و كان بيتا لنار المجوس ثم صار الى كسكر و كان اهلها و ثنيين فنصّرهم و حملهم على كسر الوثنين اللذين كانا عندهم ثم انحدر الى دستميسان و دخل الابلة و بنى البيعة التي عرفت ببيعة القدس فكانت الابلة هي المدينة الاصلية هناك قبل الاسلام و بلغت دعوته البحر، و صوّر في البيع صور السيدة مريم-ع-و ابرار النصارى ثم توفي سنة (82 م) و دفن بدير قنّى عن يمين المذبح بعد فطركة دامت ثلاثا و ثلاثين سنة» (3) . هذا موجز ما ذكره المؤرخان النصرانيان النسطوريان المذكوران في الحاشية و عليهما عهدة اقوالهما، و في هذا الدير يقول الفضل بن العباس بن المأمون:

انضيت في سر من راخيل لذاتي # و نلت فيها منى نفسي و شهواتي

عمرت فيها بقاع اللهو منغمسا # في القصف ما بين انهار و جنات

بدير مرمار إذ نحيي الصبوح به # و نعمل الكأس فيه بالعشيات

بين النواقيس و التقديس آونة # و تارة بين عيدان و نايات

و كم به من غزال اغيد غزل # يصيدنا باللحاظ البابليات‏ (4)

____________

(1) ذكرها ياقوت باسم «ديردرتا» قال: في غربي بغداد و قد تقدم ذكر درتا و هو دير يحاذي باب الشماسية راكب على دجلة، حسن العمارة، كثير الرهبان و له هيكل في نهاية العلو» .

(2) التاريخ العربي يذكران قنى كان رجلا نبطيا نصرانيا اكولا وهب له احد الأكاسرة مالا لكثرة اكله فأنشأ هذا الدير «المجموع اللفيف» .

(3) أخبار فطاركة كرسي المشرق ص 3، 4، 5» لماري بن سليمان، و أخبارهم لعمر بن متى «ص 1، 2» .

(4) الديارات، ص 163» -

43

و ذكر الفضل هذا انه خرج ذات يوم مع المعتز للصيد قال: فانقطعنا عن الموكب انا و هو و يونس بن بغا، فشكا المعتز العطش، فقلت له: يا أمير المؤمنين ان في هذا الدير راهبا اعرفه له مودة حسنة، خفيف الروح و فيه آلات جميلة فهل لأمير المؤمنين أن نعدل اليه؟قال: افعل فصرنا الى الديراني فرحب بنا و تلقانا أجمل لقاء و جاءنا بماء بارد فشربنا، و عرض علينا النزول عنده و قال: تتبردون عندنا و نحضركم ما تيسر في ديرنا فتنالون منه. فاستظرفه المعتز و قال: انزل بنا اليه فنزلنا. فسألني الديراني عن المعتز و يونس بن بغا.

فقلت: هما من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من ازواج الحور. فقلت:

هذا ليس من دينك و لا اعتقادك. قال: هو الآن من ديني و اعتقادي‏ (1) .

فضحك المعتز. ثم جاءنا بخبز و أشاطير و ما يكون مثله في الديارات، فكان من أنظف طعام و اطيبه و أحسن آنية، فأكلنا و غسلنا ايدينا. فقال لي المعتز:

قل له بينك و بينه من تحب ان يكون معك من هذين و لا يفارقك؟قال الفضل فقلت له. فقال: كلاهما و تمرا. فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير من الضحك. فقلت للديراني: لا بدّ من ان تختار فقال الاختيار في هذا دمار، ما خلق اللّه عقلا يميز بين هؤلاء. ثم لحقنا الموكب فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه فاني لمن ثم مولى و لمن ها هنا صديق. فجلسنا ساعة و أمر له المعتز بخمسين الف درهم. فقال: و اللّه لا قبلتها إلا على شرط.

قال: و ما هو؟قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أحبّ. قال المعتز:

ذاك اليك. فاتفقنا ليوم جئناه فيه على ما أحب، فلم يبق غاية و أقام بمن كان معه و جاء باولاد النصارى فخدمونا احسن خدمة. فسر المعتز سرورا ما رأيته

____________

ق-و ذكر الأبيات ياقوت الحموي في الكلام على «دير مرماري» من معجم البلدان و ابن فضل اللّه العمري في مسالك الأبصار «1: ص 282» .

(1) ذكر ابو هلال العسكري في باب اللام من جمهرة الأمثال و الكرماني في تنقيح أمثال الميداني المثل «الوط من راهب» قال الأخير:

و هذا من قول الشاعر:

و الوط من راهب يدعي # بان النساء عليه حرام‏

قلت: هو من ابيات ذكرها الشابشتي في كلامه على دير العذارى «ص 108» و سياتي الكلام عليه.

44

سرّ مثله. و وصله في ذلك اليوم بمال كثير، و لم يزل يطرقه اذا اجتاز به و ياكل عنده و يشرب مدة حياته» (1) .

دير السوسي
قال الشابشتي: «هذا الدير لطيف‏ (2) على شاطى‏ء دجلة بقادسية سرّ من رأى و بين القادسية (3) و سر من رأى أربعة فراسخ، و المطيرة بينهما و هذه النواحي كلها متنزهات و بساتين و كروم و الناس يقصدون هذا الدير و يشربون في بساتينه و هو من مواطن السرور و مواضع القصف و اللعب‏ (4) » . و قال ياقوت:

«قال البلاذري: هو دير مريم بناه رجل من أهل السوس و سكنه هو و رهبان معه فسمي به و هو بنواحي سر من رأى بالجانب الغربي» (5) . و لابن المعتز في دير السّوسي:

يا لياليّ بالمطيرة و الكر # خ و دير السّوسي باللّه عودي

كنت عندي انموذجات من الجنّ # ... ة لكنها بغير خلود

أشرب الراح و هي تشرب عقلي # و على ذاك كان قتل الوليد (6)

و جاء في مسالك الأبصار: «دير السوسي و هو في الجانب الغربي بسر من رأى و منه أرضها فابتاعها المعتصم من أهله» . و هذا القول لا يصح بعد قول الشابشتي إنه بقادسية سامرا بينها و بين سامرا، إلا ان ياقوتا الحموي ذكر انه بالجانب الغربي و قد نقلنا قوله، و قول الشابشتي أثبت و أقدم.

و قال الخالدي: «حدثنا جحظة عن احمد بن ابي طاهر قال: قصدت سرّ من رأى

____________

(1) الديارات للشابشتي «ص 164، 165» و مسالك الأبصار «1: 283» .

(2) يعني بلطيف صغير الساحة و المساحة.

(3) سيأتي ذكر قادسية سامرا لأنها كانت اقدم زمانا منها.

(4) الديارات «ص 149 من الطبعة الثانية» .

(5) معجم البلدان في «دير السوسي» و الظاهر انه كان بالجانب الشرقي.

(6) الديارات «149» و معجم البلدان في «دير السوسي» و المسالك» (1: 263» .

45

زائرا بعض كتابها بشعر مدحته به، فقبلني و أحسن الي و أجزل صلتي و وهب لي غلاما روميا حسن الوجه و رحلت أريد بغداد سائرا على الظهر (1) و لم اركب الماء فلما سرت نحو الفرسخ أخذتنا السماء بأمر عظيم من القطر و نحن بالقرب من دير السوسي، فقلت للغلام: اعدل بنا يا بني الى هذا الدير نقم فيه الى ان يخف هذا المطر ففعل و ازداد القطر و اشتد و جاء الليل، فقال الراهب: أنت العشية ها هنا و عندي شراب جيد فتبيت و تقصف و يسكن المطر و تجف الطريق و تبكّر.

فقلت: أفعل. فأخرج اليّ شرابا ما رأيت قط اصفى منه و لا أعطر. فقلت:

هات مدامك. و أمرت بحط الرحل، و بتّ و الغلام يسقيني و الراهب نديمي حتى مت سكرا، فلما اصبحت رحلت و قلت:

سقى (سرّ من را) و سكانها # و ديرا لسوسيّها الراهب

سحاب تدفق عن رعده الصـ # .... فوق و بارقه الواصب

فقد بت في ديره ليلة # و بدر على غصن صاحبي

غزال سقاني حتى الصبا # ح صفراء كالذهب الذائب

على الورد من حمرة الوجنتين # و في الآس من خضرة الشارب

سقاني المدامة مستيقظا # و نمت و نام إلى جانبي

فكانت هنات لك الويل من # جناها الذي خطّه كاتبي

فيا ربّ تب و اعف عن مذنب # مقر بزلته تائب‏ (2)

دير باشهرا (3)
قال الشابشتي: «هذا الدير على شاطى‏ء دجلة (بين سامرا و بغداد (4) ) و هو

____________

(1) كان طريق سامرا الى بغداد بالجانب الشرقي من دجلة و هذا يؤيد كون الدير بالجانب الشرقي.

(2) معجب الأدباء «1: 157 طبعة مرغوليوث الأولى، و قد نقل الخبر ابن فضل اللّه العمري في المسالك «1: 263» و حذف اسم الخالدي و لم يذكر المرجع التاريخي فتأمل ذلك.

(3) جاء في حاشية محقق الديارات للشابشتي ان معنى باشهرا «محل السهر» .

(4) الزيادة من معجم البلدان و قد صرح صاحبه بأنه نقل كلام الشابشتي.

غ

46

دير حسن عامر نزه، كثير البساتين و الكروم، و هو احد المواضع المقصودة و الديارات المشهودة، و المنحدرون من سرّ من رأى و المصعدون اليها ينزلونه، فمن جعله طريقا بات فيه و أقام به ان طاب له و من قصده أقام به في ألذّ عيش و أطيبه و أحسن مكان و أنزهه، و لأبي العيناء فيه و كان نزله و أقام به و استطابه و قال فيه:

نزلنا دير باشهرا # على قسيسه ظهرا (1)

على دين يسوعي‏ (2) # فما أختى و ما أسرى

فأولى من جميل الفعـ # ل ما يستعبد الحرّا

و سقّانا و روّانا # من الصافية العذرا

و طاب الوقت في الدير # فرابطنا به عشرا

و سقّينا به الشمس # و أخدمنا به البدرا

و أحيت لذة الكأس # و لكن قتّلت سكرا

و نلنا كل ما نهوا # ه من لذاتنا جهرا

تصابينا و غنّينا # و أرغمنا به الدهرا

و قد ساعدنا ربّن... # طوعا منه لا جبرا

جزاه اللّه عن خير # به قابلنا خيرا

فقد أوسعته شكرا # كما أوسعنا برّا (3)

دير عبدون
قال ياقوت الحموي: «دير عبدون هو بسر من رأى الى جنب المطيرة

____________

(1) ذكر ياقوت من هذه القصيدة خمسة ابيات و قال: «فان صح و هو غريب لأن أبا العيناء قليل الشعر جدا لم يصح عندي له شي‏ء من الشعر البتة» . مع ان الشابشتي قال: «و كان حسن الشعر جيد العارضة مليح الكتابة و الترسل» .

(2) في الديارات المطبوع «ايسوع» و لا يوفي الوزن و الذي ذكرناه من معجم البلدان.

(3) الديارات للشابشتي «ص 79، 80» و ذكره ابن فضل اللّه العمري بايجاز «المسالك 1: 282» .

47

و سمي بدير عبدون لأن عبدون أخا صاعد بن مخلد، كان كثير الالمام به و المقام فيه فنسب اليه و كان عبدون نصرانيا و أسلم أخوه صاعد على يد الموفق و استوزره و زاد ابن فضل اللّه العمري «و بلغ معه المبالغ العظيمة. و حكى البحتري أنه كان مع عبدون في هذا الدير في يوم فصح و معه ابن خرداذبه، قال فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها و أولها:

لا جديد الصبا و لا ريعانه # راجع بعد ما تقضى زمانه‏

فأمر لي بمائتي دينار و ثياب خزّ و شهريّ‏ (1) بسرجه و لجامه، و أخوه حينئذ مع الموفق في قتال العلوي البصري (صاحب الزنج) ، فسرّ بذلك و قال لي:

يا ابا عبادة، قل في هذا شعرا أنفذه الى ذي الوزارتين-يعني أخاه-و كان لقّب بهذا، فقلت:

ليكتنفك السرور و المرح # و لا يفتك الابريق و القدح

فتح و فصح قد و افياك معا # فالفتح يقرى و الفصح يفتتح

فانعم سليم الاقطار تغتبق الصهـ # ......... باء كن دنها و تصطبح

فان أردت اجتراح سيئة # فهاهنا السيئات تجترح‏

و أقمنا يومنا الى الليل و خلع على ابن خرداذبه و حمله و انصرفنا» (2) .

و استطرد الشابشتي الى ذكر عبدون بن مخلد هذا بغير باعث يبعثه على الاستطراد و لعل في كتاب الديارات نقصانا حدث به زوال الباعث قال: «و كان عبدون بن مخلد اخو صاعد بن مخلد عند وفاة اخيه و اطلاقه من الحبس صار الى دير قنى فأقام فيه و تعبّد.. و مات و هو مترهب بدير قنى في سنة عشر و ثلاث مئة» (3) قال: «و كان عبدون هذا متخلف الصنعة شديد التخلف و بلغ مع ذلك مبلغا عظيما في ايام اخيه. قال‏ (4) : فأهدت ريق المغنية الى عبدون فاكهة مبكرة

____________

(1) الشهري بكسر الشين احد الشهرية نوع من البراذين بين البرذون المعروف و المقرف من الخيل أو بين الرمكة و الفرس العتيق و تجمع على شهارى.

(2) المسالك «1: 264» .

(3) الديارات «ص 270، 273» .

(4) ماندري الى من يعود ضمير قال.

48

مبكرة فيها تين و رمان و غيرهما، فقال لكاتبه: اكتب اليها جواب رقعتها بشعر. فحلف انه ما قال شعرا قط. فغضب عبدون غضبا شديدا و قال:

أنت بين يدي منذ سنين لا تحسن القصائد السبع يا حمار اكتب اليها:

قد أتتنا هديتانك # في يوم مهرجانك

و أكلنا من رمانك # لأنك جانجاننا و نحن جانجانك‏ (1)

ثم ذكر خبر القبض عليه و على اخيه و استصفاء أموالهما.

و ذكر ماري بن سليمان و عمر بن متى في اخبار فطاركة كرسي المشرق ان عبدون بن مخلد كان من اعيان النصارى النساطرة بسر من رأى، و شارك في انتخاب الفطرك «يوحنا بن نرسي» و كان الاجتماع بالمطيرة (2) و لعله كان بدير عبدون. و قال ياقوت: «و في هذا الدير يقول ابن المعتز الشاعر:

سقى المطيرة ذات الظل و الشجر # و دير عبدون هطال من المطر

يا طالما نبهتني للصبوح به # في ظلمة الليل و العصفور لم يطر

اصوات رهبان دير في صلاتهم # سود المدارع نقارين في السحر

مزنّرين على الأوساط قد جعلوا # على الرؤوس أكاليلا من الشعر

كم فيهم من مليح الوجه مكتحل # بالسحر يطبق جفنيه على حور

لاحظته بالهوى حتى استقاد له # طوعا و أسلفني الميعاد بالنظر

و جاءني في ظلام الليل مستترا # يستعجل الخطو من خوف و من حذر

فقمت افرش خدي في التراب له # ذلا و اسحب اذيالي على الأثر

فكان ما كان مما لست اذكره # فظن خيرا (3) و لا تسال عن الخبر (4)

____________

(1) الديارات «ص 270» . قلت: الظاهر ان «جان» لفظة فارسية و هي بمعنى الروح العربية، و لا يزال المغنون العراقيون يستعملونها في أغاني المقامات من باب الاستعانة على تزجية النغمات فيكررونها بقولهم «جان جان» و لعلها كانت مستعملة قديما ايضا في الغناء لأن القصة قصة ريق المغنية.

(2) أخبار الفطاركة «لماري ص 82، و لعمرو ص 75» .

(3) كان اجدر به ان يقول: فظن شرا، و هكذا كان خلق هذا الأديب الحكيم الشاعر الذي بويع بالخلافة فلبث-

49

و قد ذكر ابن خلكان هذه الأبيات في ترجمة عبد اللّه بن المعتز، و في نقله زيادة هذا البيت:

و لاح ضوء هلال كاد يفضحنا # مثل القلامة قد قدت من الظفر (1)

دير صبّاعي
قال الشابشتي: «هذا الدير شرقي‏ (2) . تكريت مقابل لها، مشرف على دجلة، نزه عامر، له ظاهر عجيب فسيح و مزارع حوله على نهر يصب من دجلة الى الاسحاقي‏ (3) و هو خليج كبير، فيقصد هذا الدير من قرب منه في أعياده و أيام الربيع، و هو اذ ذاك منظر حسن فيه خلق كثير من رهبانه و قسانه، و لبعض الشعراء فيه:

حنّ الفؤاد الى دير بتكريت # لبر (4) صباعي و قس الدير عفريت‏ (5)

و زاد ياقوت الحموي على ما ورد في الديارات قوله: «و فيه مقصد لأهل الخلاعة» (6) . و قال ابن فضل اللّه العمري: «دير صباعي و هو على شاطي‏ء دجلة الشرقيّ فوق تكريت بقليل و هو كثير الرهبان و له مزارع و جنينات، و لرهبانه يسار و غنى و فيه يقول بعض لصوص بني شيبان:

ألا يا ربّ سلم دير صبّاعا!؟ # و زد رهبان هيكله اجتماعا

____________

ق-فيها يوما واحدا و قتل، فالخلق الفاضل هو العاصم الأكبر. وعد الباحث حبيب الزيات قول ابن المعتز هذا من بابة الخيال دفاعا عن الرهبان «الديارات ص 71» .

ق (48-4) معجم البلدان في «دير عبدون» .

(1) وفيات الأعيان «1: 280 طبعة ايران» .

(2) كونه في شرقي تكريت يقربه من سامرا، و قد اراد بالشرقي الجنوبي لأنهما في جهة واحدة.

(3) الاسحاقي نهر كان يحمل ماءه من دجلة من غربيها أسفل من تكريت و يصب في دجلة بازاء المطيرة، ذكره ابن سرافيون في كثابه «ص 18 الطبعة الجزئية» و هو منسوب الى اسحاق احد رجال دولة المعتصم باللّه.

(4) في الديارات «بين» و نحسبها محرفة من «لبر» و قد اثبتنا ما استرجحنا للصحة و الوزن.

(5) الديارات «ص 175» .

(6) معجم البلدان في «دير صباعي» .

ج 1-سامراء (4)

50

فكم جئناه أمواتا سغابا # و رحنا منه أحياءا شباعا

فيا للقصف ما أسرى نبيذا # ألذّ طلا و أحسنه شعاعا

لنعمته و منته علينا # عمرناه و خرّبنا الضياعا (1) »

قال كوركيس عواد المحقق الفاضل بكتاب الديارات: «تصحف اسم هذا الدير تصحفا غريبا في دائرة المعارف الاسلامية (باللغات الفرنجية) إلى (دير سعابة) فليصحّح، و في نسخة الديارات للشابشتي إلى (دير ضباعى) بالضاد المعجمة و هو تحريف أيضا و الصواب (دير صبّاعى) بصاد مهملة مفتوحة فباء مشددة. و المقصود به هنا القديس الشهيد (شمعون بر صباعي) .

و بر صباعي لفظ سرياني بمعنى (ابن الصباغين) لأن أهله كانوا يصبغون ثياب الملك و باسمه عرف هذا الدير، كان شمعون بر صباعي جاثليق المشرق في المدائن و أصله من السّوس و قد ابتدأت جثلقته سنة 329 م ثم أذاقه سابور الثاني الملك الساساني شديد الاضطهاد و مر العذاب إكراها له على جحد النصرانية ليدين بالمجوسية، لكن شمعون لم يحد عن دينه، فكان مصيره القتل مع جملة كبيرة من رفاقه سنة 341 م في مدينة كرخ ليدان من أعمال الأهواز، و لشمعون بر صباعي تآليف سريانية مختلفة ضاع أغلبها و بقي منها رسائل و قصائد دينية اتخذها النصارى الكلدان في صلواتهم الكنائسيّة و هي تعد من أقدم الآثار الأدبيّة في السريانيّة و أنفسها» (2) .

و ذكر عمرو بن متّى أن الفطرك شمعون بن صباعي كان من مدينة السوس و كان أكثر مقامه بالمدائن، و نصب للفطركة في السنة السادسة لسابور الثاني -يعني سنة 316-و في أيامه اشتد اضطهاده للنصرانيّة و تقتيله لهم، و ذلك لأنه عرض على هذا الفطرك المجوسيّة ليدين بها هو و أتباعه فأبى كل الاباء و حرّض النصارى على التمسّك بنصرانيّتهم حتى الموت و خصوصا نصارى

____________

(1) المسالك «1: 305» .

(2) ملحق الديارات المرقم 12 «ص 372» و ذكر الفاضل في الحاشية مراجع ترجمة الجاثليق المذكور و هي اثنا عشر مرجعا.

51

المدائن و اسفاين، فأمر سابور بالقبض عليه و لكنه لاطفه ليتمجّس فامتنع كل الامتناع فغضب عليه و على مائة و ثلاثة من رجال النصرانية و أمر بسجنهم ثم جمع من مملكته ستين ألف نصراني و أخرجهم إلى الميدان بكرخ ليذان و طلب من الفطرك المذكور أن يأمر النصارى الحاضرين أن يكفروا بالمسيح -ع-و يدخلوا في دينه فان فعلوا ذلك فانه يعطيهم ما أحبّوا من المال و الجاه و يجعلهم أشرافا (1) ، و إن أبوا فانه يأمر بضرب أعناقهم بلا تأخير.

فلما سمع شمعون ذلك حمّسهم و حضّضهم على الاباء و الرفض، فغضب سابور و أمر أن تضرب رقابهم بحد الحسام و معهم الفطرك المذكور، و في تمام تلك السنة أمر سابور بقتل النصارى في باجرما و كرخ سلوخ و الأهواز و الدير الأحمر و إربل و آشور و الموصل و نينوى و المرج و الجزيرة و الفرات فقتل منهم مائة ألف و تسعون ألفا (2) و كان بينهم دخنان شاه بنت ملك الأهواز» (3) .

و ذكر ماري بن سليمان أنّ الفطرك شمعون بن صباعي كان يلبس الثياب الديباج، و لما رتّب في منصب الفطركة منع النساء من الاختلاط بالرجال في الصلاة، و أنه في عهده بسط سابور ذو الأكتاف أذيته على النصارى و كان يعذبهم بأنواع العذاب من الجوع و الضرّ و الحبس و غير ذلك و يسفك دماءهم و يبقر بطون الحوامل، و يمنع من دفنهم حتى تأكلهم الطير، و أغراه أولياؤه و اليهود بشمعون بن صباعي و قالوا له: لا ينفعك شي‏ء مما تفعل لأن شمعون يشجع النصارى و يمدهم بالنفقات فقبض عليه و على مائة رجل و رجلين منهم مطارنة و أساقفة و قسّان و شمامسة، و طلب من ابن صباعي تطبيق الجزية على أصحابه و أخذها من أصحاب الصرف و غيرهم فقال له: إني لست جابي مال لكن راعي غنم المسيح. و انتهى أمره إلى القتل‏ (4) على النحو الذي ذكرت.

____________

(1) و معنى ذلك جعلهم من طبقة الأحرار و النبلاء المسماة (آزادان) راجع كتاب «ايران في الساسانيين» تأليف العلامة كريستنسن «ص 87 من الترجمة العربية» ترجمة يحيى الحشاب.

(2) و هذا من مبالغات مؤرخي النصرانبة.

(3) أخبار فطاركة كرسي المشرق لعمرو بن متى 15-19»

(4) أخبار الفطاركة لماري بن سليمان «ص 16-19» .

52

و قال كريستنسن: «و لم يكن أول اضطهاد الحق النصارى أيام كسرى راجعا إلى التعصب الديني بل كان مرجعه إلى أمور سياسيّة، و يحكي الكتاب السرياني الذي يصف حياة القديس أوجين أنّ سابور قد رغب في رؤية هذا الزاهد النصراني و كان يجلّه كثيرا فقد شفى أوجين ولدين للملك‏ (1) ، كانا فريستين للشيطان، و حق أنّ كتاب حياة أوجين مصدر مشكوك فيه كثيرا...

و مع ذلك فان البغض الدفين الذي يحمله نصارى ايران للدولة كان خطرا دائما عليها، ذلك بعد أن اتخذ ملوك الروم شعارا الصليب و لم يتردد سابور في اضطهاد هذا العدو المواطن و قد استمر هذا الاضطهاد إلى نهاية عهده الطويل» (2)

دير العذارى
قال الشابشتي: «هذا الدير اسفل الحظيرة (3) ، على شاطي‏ء دجلة، و هو دير حسن، حوله البساتين و الكروم، و فيه جميع ما يحتاج إليه، و لا يخلو من متنزه يقصده للشرب و اللعب، و هو من الديارات الحسنة و بقعته من البقاع المستطابة، و إنما سمّي بدير العذارى لأن فيه جواري متبتلات عذارى هنّ سكانه و قطانه فسمي الدير بهنّ، و ذكر يموت بن المزرع عن الجاحظ قال: حدثني ابن فرج الثعلبي أن قوما من بني ثعلب‏ (4) أرادوا قطع الطريق على مال السلطان فأتتهم المعاينة فأعلمتهم أن السلطان قد نذربهم فساروا ثم أزمعوا على الاستخفاء في دير العذارى، فصاروا الى الدير ففتح لهم فما استقرّوا حتى سمعوا وقع حوافر الخيل في طلبهم، فلما أمنوا و جاوزتهم الخيل خلا كل واحد منهم بجارية هي عنده عذراء فاذا القسّ قد فرغ منهنّ فقال بعضهم:

____________

(1) على حسب قصة «سيرة القديس أوجين» تأليف مؤرخ نصراني بالسريانية.

(2) ايران في عهد الساسانيين «ص 237» .

(3) قرية كبيرة من نواحي دجيل، جنوب سامرا، خربت بانقطاع الماء عن نهر دجيل و آثارها معروفة اليوم.

(4) الصواب «ثعلبة» كما في معجم البلدان في مادة «دير العذارى» .

غ