الاشباه و النظاير في النحو - ج1

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
350 /
3

الجزء الاول‏

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ عاش الإمام السيوطي في مصر في الفترة ما بين منتصف القرن التاسع الهجري و أوائل القرن العاشر الهجري (849 هـ-911 هـ/1445 م-1505 م) أي في أواخر العصر الذي اصطلح المؤرخون على تسميته بـ «عصر المماليك» .

هو الإمام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر الكمال بن ناصر الدين محمد بن سابق الدين أبي بكر بن فخر الدين عثمان بن ناصر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري الأسيوطي الشافعي‏ (1) .

تحلّى الجلال السيوطي بكريم الأخلاق، و جميل الصفات، و عظيم الشمائل، فقد كان عالما، عاملا بما وهبه اللّه من أنواع العلوم و الفنون، توّج ذلك كله تقوى اللّه تعالى، و الخوف منه، و حبّ سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و العمل على تطبيقها، و كراهية البدع و البعد عن أصحابها، و قد اتّصف بإعراضه عمن آذاه و مسامحته لهم.

و من صفاته التمسك بالأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و عدم الخوف من لوم لائم و لا قهر سلطان.

و من فتاواه الجريئة فتواه بهدم منزل معدّ للفساد و غيرها من الفتاوى.

و من صفاته عدم التردد إلى السلاطين، و سلوكه في ذلك طريق السلف الصالح، و قال مرة: «مالي و للسلطان، إن كان للسلطان عندي حاجة فليأت إلى منزلي» .

و قد عرضت عليه المناصب الرفيعة فتركها و لم يلتفت إليها، و ذكر تلميذه الشاذلي أنه كان إذا احتاج إلى شي‏ء من النفقة باع من كتبه و أكل من ثمنها.

____________

(1) حسن المحاضرة (1/355) .

4

و من صفاته كثرة التأني في الأمور، و حسن الاعتقاد في الفقراء، و أهل الصلاح، و الزهد و التعبد و كل من ينسب إلى شي‏ء من خصال الخير.

حياته العلمية:

كانت أسرته من أهل العلم و الصلاح، و لها اعتقاد بالأولياء، و لكن السيوطي نشأ يتيما فقد توفّي والده و لم يتمّ السادسة من عمره. و قد شبّ السيوطي على حفظ القرآن و كان قد ختمه و له دون ثماني سنين، و حفظ بعد ذلك (عمدة الأحكام) في الحديث و هو لعبد الغني المقدسي، و (منهاج الطالبين) للنووي، و (الألفية في النحو) لابن مالك.

و استمر السيوطي مواظبا على طلب العلم لا يعرف الكلل أو الملل، فلازم العلماء ملازمة تامة يشغل وقته كله متنقّلا من حلقة شيخ إلى مجلس عالم.

و استمر السيوطي مواظبا على طلب العلم مما جعل أساتذته يجيزونه بالإفتاء و التدريس و هو في سن مبكرة، و بتنوع مناهله، و كثرة شيوخه كان نبوغ السيوطي، فهو قد أخذ الفقه، و النحو عن جماعة من الشيوخ، و أخذ الفرائض عن العلاّمة فرضي زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي. و قد بدأ التأليف في سنة (866 هـ) و كان أول شي‏ء ألّفه (شرح الاستعاذة و البسملة) .

و لزم في الحديث و العربية تقي الدين الشّمنّي أربع سنين و كتب له تقريظا على شرح «ألفية ابن مالك» و على «جمع الجوامع» في العربية.

و قد شهد له بالتقدم و النبوغ أكثر من مرة.

و قد أخذ جملة من العلوم و الفنون، منها التفسير و الأصول و العربية و المعاني عن العلامة محي الدين الكافيجي إلى غير ذلك من الدروس التي حضرها على كبار العلماء في ذلك العصر.

يقول: «قد رزقت، و للّه الحمد» ، التبحّر في سبعة علوم: «التفسير، و الحديث، و الفقه، و النحو، و المعاني، و البيان، و البديع، على طريقة العرب و البلغاء لا على طريق المتأخرين من العجم و أهل الفلسفة، بحيث أن الذي وصلت إليه في هذه العلوم سوى الفقه لم يصل إليه، و لا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمّن دونهم، و أما

5

الفقه فلا أقول ذلك فيه بل شيخي فيه أوسع نظرا، و أطول باعا، و دون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه و الجدل و التصريف، و دونها الفرائض و الإنشاء و الترسّل» (1) .

و قد أدلى السيوطي بدلوه في علم البديع و المحسّنات، و سابق أهل الفصاحة و البيان فكتب المقامات الأدبية، و الطبية و غيرها، و هي كثيرة إذ بلغت بعد التحقيق /30/مقامة (2) ، و قد سيطرت الروح العلمية على كثير من مقاماته فهي مملوءة بالنصوص المنقولة و الفوائد العلمية، و كثيرا ما صوّر في هذه المقامات حالة عصره و ما عاناه من خصومه و حسّاده و ذلك بأسلوب سهل، و عبارة واضحة بعيدا عن الغموض و التعقيد.

و له إلى جانب ذلك «شعر كثير أكثره متوسّط و جيّده كثير، و غالبه في الفوائد العلمية و الأحكام الشرعية» (3) .

و له ديوان شعر اسمه: «حديقة الأريب و طريقة الأديب» .

و قد نظم السيوطي في الأغراض الشعرية المختلفة فله في المديح و الرثاء و المديح النبوي و الإخوانيات و الأحداث العامة، غير أن له باع طويل في نظم العلوم و الفنون، و الفوائد العلمية و الأحكام الشرعية.

بعد أن أخذ السيوطي العلم على علماء بلده، شرع في الرحلة في طلب العلم كعادة العلماء، و كانت أولى رحلاته إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، و قد جمع فوائد هذه الرحلة و ما وقع فيها و ما ألّفه أو طالعه أو نظمه و ما أخذه عن شيوخ الرواية في تأليف سمّاه (النحلة الركية في الرحلة المكية) ، و في طريقه إلى مكة اختتم مختصره على ألفية العراقي في المصطلح. و عند وصوله إلى مكة ألّف كرّاسا سمّاه (النفحة المسكية و التحفة المكية) .

و لما رجع إلى مصر ابتدأ رحلة أخرى إلى دمياط و الإسكندرية و الفيوم و المحلّة استمرت نحوا من ثلاثة أشهر، و قد جمع فوائد هذه الرحلة في مؤلّف سمّاه (الاغتباط في الرحلة إلى الإسكندرية و دمياط) .

____________

(1) التحدث بنعمة اللّه (ص 203) .

(2) انظر شرح مقامات السيوطي (ص 143) سمير الدروبي.

(3) الكواكب السائرة (2/227) .

6

مؤلّفاته:

يعدّ السيوطي في أغزر كتّاب العربية قاطبة، و أصبح مضرب المثل في كثرة التصنيف و بالعقلية الموسوعية المميزة. و قد بلغت مؤلّفاته نحوا من (538) كتابا ذكرها في فهرس‏ (1) لمؤلّفاته سنة (904 هـ) .

و قد قام الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال بجمع مؤلفات السيوطي في كتابه (مكتبة الجلال السيوطي) و كذلك نشر الدكتور عبد الإله نبهان فهرسا لمؤلّفات السيوطي و غيرهم.

أهم كتبه:

حسن المحاضرة-المزهر-تاريخ الخلفاء-الأشباه و النظائر الفقهية- الأشباه و النظائر النحوية-التحدّث بنعمة اللّه-المقامات-الردّ على من أخلد إلى الأرض دعواه-الإتقان في علوم القرآن-الدر المنثور في التفسير بالمأثور- و ترجمان القرآن-أسرار التنزيل-الإكليل في استنباط التنزيل-تناسق الدرر في تناسب الآيات و السور. و غيرها كثير.

كتاب الأشباه و النظائر النحوية:

و الكتاب الذي بين أيدينا من أجلّ كتبه و أكثرها استيعابا للنحو، و هو ثمرة من ثمرات التفاعل الحاصل بين العلوم الدينية و العلوم العربية.

و يعدّ هذا الكتاب من مبتكرات السيوطي التي لم يسبق إلى مثله، و قد بنى كتابه على سبعة فنون، جعل لكل فنّ عنوانا خاصا و خطبة لأن كلا منها يصلح أن يكون مؤلفا مستقلا.

و قد طبع هذا الكتاب عدّة طبعات بحيدر آباد سنة (1317 هـ) و طبعة ثانية بها سنة (1361 هـ) ، ثم صدر في القاهرة بتحقيق طه عبد الرؤوف سعيد سنة (1395 هـ) عن مكتبة الكليات الأزهرية، ثم أصدره مجمع اللغة العربية بدمشق بتقديم الدكتور شاكر الفحام و تحقيق أجزائه لمحقّقين مختلفين: 1-تح عبد الإله

____________

(1) طبع بالهند ضمن مجموع تسع رسائل.

7

نبهان (1985) . 2-تح غازي طليمات (1986) ، 3-تح إبراهيم العبد اللّه (1986) ، 4-تح أحمد مختار الشريف (1987) .

أما عملنا في هذا الكتاب و باعتمادنا النسخ المطبوعة مسبقا و اعترافنا بفضلها فقد أضفنا في تخريج الشواهد النحوية التي اعتمدها السيوطي، و أرجعناها إلى مصادرها النحوية، و قمنا بكتابة الشطر الثاني من الشعر و وضعناه في‏[]، بالإضافة إلى تخريج الآيات القرآنية و الحديث النبوي الشريف من مصادرهما و كذلك الأعلام المهمّ تخريجها.. و اللّه وليّ التوفيق.

غريد الشيخ‏

20/6/2000

8

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم‏

مقدّمة المؤلف:

سبحان اللّه المنزّه عن الأشباه و النّظائر، و الحمد للّه المتفضّل بغفران الكبائر و الصغائر، و لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له العالم بما في الضمائر، و اللّه أكبر من أن يضاف إليه سمة حدث أو يحاط بإشارة مشير أو عبارة عابر، و لا حول و لا قوة إلا باللّه في جميع الموارد و المصادر. و الصلاة و السّلام على رسوله محمد المنسوب إليه جموع الفضائل و المفاخر، المذكور في كتب اللّه تعالى بأشرف الأسماء و الألقاب و النعوت و المآثر، و على آله الطيّبين الأماثل و صحبه النجوم الزواهر.

العربية أول فنون المؤلف:

أما بعد، فإنّ الفنون العربية على اختلاف أنواعها هي أول فنوني، و مبتدأ الأخبار التي كان في أحاديثها سمري و شجوني، طالما أسهرت في تتبع شواردها عيوني، و أعملت فيها بدني إعمال المجدّ ما بين قلبي و بصري و يدي و ظنوني.

و لم أزل من زمن الطلب أعتني بكتبها قديما و حديثا، و أسعى في تحصيل ما دثر منها سعيا حثيثا، إلى أن وقفت منها على الجمّ الغفير، و أحطت بغالب الموجود مطالعة و تأمّلا بحيث لم يفتني منها سوى النّزر اليسير، و ألّفت فيها الكتب المطوّلة و المختصرة، و علّقت التعاليق ما بين أصول و تذكرة، و اعتنيت بأخبار أهلها و تراجمهم و إحياء ما دثر من معالمهم و ما رووه أو رأوه، و ما تفرّد به الواحد منهم من المذاهب و الأقوال ضعّفه الناس أو قوّوه، و ما وقع لهم مع نظرائهم و في مجالس خلفائهم و أمرائهم، من مناظرات و محاورات، و مجالسات و مذاكرات، و مدارسات و مسايرات، و فتاو و مراسلات، و معاياة و مطارحات، و قواعد و مناظيم، و ضوابط و تقاسيم، و فوائد و فرائد، و غرائب و شوارد، حتى اجتمع عندي من ذلك جمل، و دوّنتها رزما لا أبالغ و أقول: وقر جمل.

و كان مما سوّدت من ذلك كتاب ظريف، لم أسبق إلى مثله، و ديوان منيف لم‏

9

ينسج ناسج على شكله، ضمّنته القواعد النحوية ذوات الأشباه و النظائر، و خرّجت عليها الفروع السّائرة سير المثل السائر، و أودعته من الضوابط و الاستثناءات جملا عديدة، و نظمت في سلكه من النوادر الغريبة و الألغاز كل فريدة، و لم يكن انتهى المقصود منه لاحتياجه إلى إلحاق، و لا سوّد بتسطير جميع ما أرصد له من بياض الأوراق، فحبسته بضع عشرة سنة و حرم منه الكاتبون و المطالعون، ثم قدّر اللّه أنّي أصبت بفقده-فإنا للّه و إنا إليه راجعون. فاستخرت اللّه تعالى في إعادة تأليفه ثانيا و العود-إن شاء اللّه تعالى-أحمد، و عزمت على تجديده طالبا من اللّه سبحانه المعونة؛ فهو أجل من في المهمات يقصد.

سبب تأليف الكتاب:

و اعلم أن السبب الحامل لي على تأليف ذلك الكتاب الأول أني قصدت أن أسلك بالعربية سبيل الفقه فيما صنفه المتأخّرون فيه و ألّفوه من كتب الأشباه و النظائر.

و قد ذكر الإمام بدر الدين الزركشي‏ (1) في أول قواعده: أن الفقه أنواع:

أحدها: معرفة أحكام الحوادث نصا و استنباطا، و عليه صنّف الأصحاب تعاليقهم المبسوطة على مختصر المزني‏ (2) .

الثاني: معرفة الجمع و الفرق، و من أحسن ما صنّف فيه كتاب الشيخ أبي محمد الجوينيّ‏ (3) .

الثالث: بناء المسائل بعضها على بعض لاجتماعها في مأخذ واحد، و أحسن

____________

(1) الزّركشيّ: محمد بن بهادر بن عبد اللّه الزركشيّ، أبو عبد اللّه، عالم بفقه الشافعية و الأصول، تركي الأصل، مصري المولد و الوفاة. له تصانيف عديدة منها: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» ، و «لقطة العجلان» في أصول الفقه، و «البحر المحيط» في أصول الفقه، و «إعلام الساجد بأحكام المساجد» و غيرها. (ت 794 هـ/1392 م) . ترجمته في: شذرات الذهب (6/335) ، و كشف الظنون (125 و 226) ، و (108. 2 s. kcorB) ، و الدرر الكامنة (3/397) .

(2) المزنيّ: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني: صاحب الإمام الشافعي، من أهل مصر. من كتبه: «الجامع الكبير» ، و «الجامع الصغير» ، و «المختصر» ، و «الترغيب في العلم» .

(ت 264 هـ/878 م) . ترجمته في: وفيات الأعيان (1/71) ، و الانتقاء (110) .

(3) أبو محمد الجويني: عبد اللّه بن يوسف بن محمد بن حيّوية الجويني، من علماء التفسير و اللغة و الفقه، من كتبه: «التفسير» ، و «التبصرة و التذكرة» ، و «الوسائل في فروق المسائل» و غيرها. (ت 438 هـ/1047 م) . ترجمته في: الوفيات (1/252) ، و مفتاح السعادة (2/184) ، و السبكي (3/208) ، و (667: I. S. kcorB) .

10

شي‏ء فيه كتاب «السلسلة» للجوينيّ، و قد اختصره الشيخ شمس الدين بن القمّاح‏ (1) و قد يقوى التسلسل في بناء الشي‏ء على الشي‏ء، و لهذا قال الرافعي‏ (2) مثله، و هذه سلسلة طولها الشيخ.

الرابع: المطارحات و هي مسائل عويصة يقصد بها تنقيح الأذهان.

الخامس: المغالطات.

السادس: الممتحنات.

السابع: الألغاز.

الثامن: الحيل، و قد صنّف فيه أبو بكر الصّيرفيّ‏ (3) ، و ابن سراقة (4) ، و أبو حاتم القزويني‏ (5) و غيرهم.

التاسع: معرفة الأفراد و هو معرفة ما لكلّ من الأصحاب من الأوجه الغريبة و هذا يعرف من كتب الطبقات.

العاشر: معرفة الضوابط التي تجمع جموعا، و القواعد التي ترد أكثرها إليها

____________

(1) ابن القمّاح: محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة بن علي بن عقيل المصري، الشافعي، أبو عبد اللّه، فقيه، محدّث له مجاميع كثيرة مشتملة على فوائد غزيرة منها: «سلسلة الواصل» . (ت 741 هـ/1340 م) . ترجمته في: الدرر الكامنة (3/303) ، و كشف الظنون (2/996) .

(2) الرّافعي: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم، القزويني الرافعي، فقيه، من كبار الشافعية. من كتبه: «التدوين في ذكر أخبار قزوين» ، «الإيجاز في أخطار الحجاز» و غيرها. (ت 623 هـ/1226 م) . ترجمته في: فوات الوفيات (2/3) ، و مفتاح السعادة (1/443) ، و طبقات الشافعية (5/119) .

(3) الصّيرفي: محمد بن عبد اللّه الصيرفي، الشافعي، البغدادي، أبو بكر، فقيه، أصولي، محدّث. تفقّه على ابن سريج و سمع الحديث. من تصانيفه: «شرح رسالة الشافعي» ، و «دلائل الأعلام على أصول الأحكام» و غيرها. (ت 330 هـ/941 م) . ترجمته في: تاريخ بغداد (5/449) ، و وفيات الأعيان (1/580) ، و طبقات الشافعية (2/169) .

(4) ابن سراقة: محمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري، الشاطبي المصري، أبو بكر، محدّث، فقيه، فرضي، صوفي، أديب، شاعر. من تصانيفه: «إعجاز القرآن» ، و «الحيل الشرعية» ، و «شرح الكافي في الفرائض» و غيرها. (ت 662 هـ/1264 م) . ترجمته في: حسن المحاضرة (1/215) ، و شذرات الذهب (5/310) ، و هدية العارفين (2//127) .

(5) أبو حاتم القزويني: محمود بن الحسن بن محمد بن يوسف الطبري القزويني، الشافعي، فقيه، أصولي. من تصانيفه: «كتاب الحيل في الفقه» ، و «تجريد التجريد» . (ت 414 هـ/1023 م) ، ترجمته في: تهذيب الأسماء و اللغات (2/207) ، و طبقات الشافعية (4/12) ، و طبقات الفقهاء (109) .

غ

11

أصولا و فروعا، و هذا أنفعها و أعمّها و أكملها و أتمّها، و به يرتقي الفقيه إلى الاستعداد لمراتب الاجتهاد، و هو أصول الفقه على الحقيقة، انتهى.

و هذه الأقسام أكثرها اجتمعت في كتاب (الأشباه و النظائر) للقاضي تاج الدين السّبكي‏ (1) ، و لم تجتمع في كتاب سواه، و أما (قواعد الزركشي) فليس فيه إلاّ القواعد مرتبة على حروف المعجم. و كتاب (الأشباه و النظائر) للإمام صدر الدين ابن الوكيل‏ (2) دونهما بكثير، و قد قصد السبكي بكتابه تحرير كتاب ابن الوكيل بإشارة والده له في ذلك كما ذكره في خطبته.

و أول من فتح هذا الباب سلطان العلماء شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السّلام‏ (3) في (قواعده الكبرى) و (الصغرى) ، و ألف الإمام جمال الدين الأسنويّ‏ (4) كتابا في الأشباه و النظائر لكنه مات عنه مسوّدة و هو صغير جدا نحو خمس كراريس مرتّب على الأبواب، و له كتابان في قسمين من هذا النوع و هما: (التمهيد) في تخريج الفروع الفقهية على القواعد الأصولية، و (الكوكب الدري) في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية، و هذان القسمان مما تضمّنه كتاب القاضي تاج الدين

____________

(1) تاج الدين السّبكي: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري الشافعي السبكي، فقيه، أصولي، مؤرّخ، أديب، ناظم. من تصانيفه: «طبقات الشافعية الصغرى و الوسطى و الكبرى» ، و «معيد النعم و مبيد النقم» و غيرها. (ت 771 هـ/1370 م) .

ترجمته في: النجوم الزاهرة (11/108) ، و شذرات الذهب (6/221) ، و هدية العارفين (1/639) .

(2) صدر الدين بن الوكيل: محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد اللّه، صدر الدين بن الوكيل، شاعر، من العلماء بالفقه. من مصنفاته: «الأشباه و النظائر» في فقه الشافعية و غيره. (ت 716 هـ/1317 م) .

ترجمته في: فوات الوفيات (2/253) ، و النجوم الزاهرة: (9/233) .

(3) عزّ الدين: عبد العزيز بن عبد السّلام، أبو القاسم، فقيه مشارك في الأصول و العربية و التفسير. من مصنّفاته: «القواعد الكبرى في أصول الفقه» ، و «الغاية في اختصار النهاية في فروع الفقه الشافعي» و غيرها. (ت 660 هـ/1262 م) . ترجمته في: تاريخ علماء بغداد (104) ، و النجوم الزاهرة (7/208) ، و شذرات الذهب (5/301) .

(4) جمال الدين الأسنوي: عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم الأسنوي الشافعي، مؤرّخ، مفسّر، فقيه، و عالم بالعربية و العروض، من تصانيفه: «التمهيد في تنزيل الفروع على الأصول» ، و «شرح ألفية ابن مالك في النحو» و غيرها. (ت 772 هـ/1307 م) . ترجمته في:

بغية الوعاة (304) ، و شذرات الذهب (6/224) ، و النجوم الزاهرة (11/114) .

12

السّبكي. و ألّف الإمام سراج الدين بن الملقّن‏ (1) كتاب (الأشباه و النظائر) مرتّبا على الأبواب و هو فوق كتاب الأسنوي و دون ما قبله.

و ألّفت (كتاب الأشباه و النظائر) مرتّبا على أسلوب آخر يعرف من مراجعته، و هذا الكتاب الذي شرعنا في تجديده في العربية يشبه كتاب القاضي تاج الدين الذي في الفقه فإنه جامع لأكثر الأقسام، و صدره يشبه كتاب الزركشي من حيث أن قواعده مرتبة على حروف المعجم.

و قد قال الكمال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري في كتابه (نزهة الألباء في طبقات الأدباء) : «علوم الأدب ثمانية: اللغة، و النحو، و التصريف، و العروض، و القوافي، و صنعة الشعر، و أخبار العرب، و أنسابهم» . قال: «و ألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما، علم الجدل في النحو، و علم أصول النحو، فيعرف به القياس، و تركيبه، و أقسامه، من قياس العلّة و قياس الشبه و قياس الطرد، إلى غير ذلك على حد أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به، لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول» (2) .

و قال الزركشيّ في أول قواعده: «كان بعض المشايخ يقول: العلوم ثلاثة، علم نضج و ما احترق و هو علم النحو و الأصول، و علم لا نضج و لا احترق و هو علم البيان و التفسير، و علم نضج و احترق و هو علم الفقه و الحديث» . انتهى.

ما اشتمل عليه الكتاب:

و هذا الكتاب بحمد اللّه مشتمل على سبعة فنون:

الأول: فنّ القواعد و الأصول التي تردّ إليها الجزئيات و الفروع و هو مرتّب على حروف المعجم، و هو معظم الكتاب و مهمّه، و قد اعتنيت فيه بالاستقصاء و التتبّع و التّحقيق، و أشبعت القول فيه، و أوردت في ضمن كل قاعدة ما لأئمّة العربية فيها من مقال و تحرير و تنكيت و تهذيب، و اعتراض، و انتقاد و جواب و إيراد، و طرّزتها بما عدوّه من المشكلات من إعراب الآيات القرآنية، و الأحاديث النبوية، و الأبيات الشعرية،

____________

(1) سراج الدين بن الملقّن: عمر بن علي بن أحمد بن محمد.. الأنصاري الأندلسي الشافعي، أبو حفص، فقيه، أصولي، حافظ، مؤرّخ. من مصنّفاته: «الإشارات إلى ما وقع في المنهاج النووي من الأسماء و المعاني و اللغات في فروع الفقه الشافعي» ، و «العقد المذهب» و غيرها. (ت 804 هـ/ 1401 م) . ترجمته في: شذرات الذهب (7/44) ، و حسن المحاضرة (1/249) ، و طبقات الشافعية (90) .

(2) انظر نزهة الألباء (76) .

13

و تراكيب العلماء في تصانيفهم المرويّة، و حشوتها بالفوائد، و نظمت في سلكها فرائد القلائد.

الثاني: فنّ الضّوابط و الاستثناءات و التقسيمات، و هو مرتّب على الأبواب لاختصاص كلّ ضابط ببابه، و هذا هو أحد الفروق بين الضابط و القاعدة، لأن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتّى، و الضابط يجمع فروع باب واحد. و قد تختصّ القاعدة بالباب و ذلك إذا كانت أمرا كليا منطبقا على جزئياته، و هو الذي يعبّرون عنه بقولهم: قاعدة الباب كذا، و هذا أيضا يذكر في هذا الفنّ لا في الفنّ الأول، و قد يدخل في الفن الأول قليل من هذا الفن، و كذا من الفنون بعده لاقتضاء الحال ذلك.

الثالث: فنّ بناء المسائل بعضها على بعض، و قد ألّفت فيه قديما تأليفا لطيفا مسمّى بـ (السلسلة) كما سمّى الجوينيّ تأليفه في الفقه بذلك، و ألّف الزركشيّ كتابا في الأصول كذلك و سمّاه (سلاسل الذهب) .

الرابع: فنّ الجمع و الفرق.

الخامس: فنّ الألغاز و الأحاجي و المطارحات و الممتحنات، و جمعتها كلها في فنّ، لأنها متقاربة، كما أشار إليه الأسنويّ في أول ألغازه.

السادس: فنّ المناظرات و المجالسات و المذاكرات و المراجعات و المحاورات و الفتاوى و الواقعات و المراسلات و المكاتبات.

السابع: فن الأفراد و الغرائب.

و قد أفردت كلّ فنّ بخطبة و تسمية؛ ليكون كلّ فن من السبعة تأليفا مفردا، و مجموع السبعة هو كتاب (الأشباه و النظائر) فدونكه مؤلّفا تشدّ إليه الرّحال، و تتنافس في تحصيله فحول الرجال، و إلى اللّه سبحانه الضراعة أن ييسّر لي فيه نيّة صحيحة، و أن يمنّ فيه بالتوفيق للإخلاص، و لا يضيع ما بذلته فيه من تعب الجسد و القريحة، فهو الذي لا يخيب راجيه، و لا يردّ داعيه.

أول من كتب في النحو:

قال أبو القاسم الزجاجي في (أماليه) : «حدّثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، قال: حدّثنا أبو حاتم السجستاني، حدّثني يعقوب ابن إسحاق الحضرمي، حدّثنا سعيد بن سالم الباهليّ، حدّثنا أبي عن جدّي عن أبي الأسود الدؤلي قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب-رضي اللّه عنه-فرأيته مطرقا متفكّرا، فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا و بقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد ثلاث فألقى إليّ صحيفة فيها:

14

-بسم اللّه الرحمن الرحيم-الكلام كلّه اسم و فعل و حرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل.

ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، و اعلم يا أبا الأسود: أن الأشياء ثلاثة:

ظاهر، و مضمر، و شي‏ء ليس بظاهر و لا مضمر، و إنما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر و لا مضمر.

قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء و عرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إنّ و أنّ و ليت و لعلّ و كأنّ، و لم أذكر «لكنّ» فقال لي: لم تركتها؟فقلت: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها فزدها فيها» (1) .

قال ابن عساكر في (تاريخه) : «كان أبو إسحاق إبراهيم بن عقيل النحويّ المعروف بابن المكبريّ يذكر أن عنده تعليقة أبي الأسود الدؤليّ التي ألقاها عليه الإمام عليّ بن أبي طالب-رضي اللّه عنه-و كان كثيرا ما يعد بها أصحاب الحديث إلى أن دفعها إلى الفقيه أبي العباس أحمد بن منصور المالكي و كتبها عنه و سمعها منه في سنة ستّ و ستين و أربعمائة، و إذا به قد ركّب عليها إسنادا لا حقيقة له، و صورته: قال أبو إسحاق، إبراهيم بن عقيل: حدّثني أبو طالب عبيد اللّه بن أحمد ابن نصر بن يعقوب بالبصرة، حدّثني يحيى بن أبي بكير الكرماني، حدّثني إسرائيل، عن محمد بن عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه. قال: و حدّثني محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن عياش، عن عمّه عن عبيد اللّه بن أبي رافع، أن أبا الأسود الدّؤليّ دخل على عليّ رضي اللّه عنه، و ذكر التعليقة، فلما وقفت على ذلك بيّنت لأبي العباس أحمد بن منصور أن يحيى بن أبي بكير الكرماني مات سنة ثمان و مائتين، فجعل إبراهيم بن عقيل هذا بين نفسه و بين يحيى بن أبي بكير رجلا واحدا، و هذه التي سمّاها (التعليقة) هي في أول أمالي الزجاجي نحو من عشرة أسطر فجعلها إبراهيم قريبا من عشرة أوراق» (2) . انتهى.

____________

(1) انظر أمالي الزجاجي (238) .

(2) انظر تاريخ ابن عساكر (2/336) ، و تهذيب ابن عساكر (2/232) ، بتصرف.

15

الفن الأول‏ فن القواعد و الأصول العامة المصاعد العليّة في القواعد النحوية

و هو الفن الأول من كتاب الأشباه و النظائر و لا يحتاج إلى إفراده بخطبة اكتفاء بخطبة الكتاب لقرب العهد بها و هو مسمّى (بالمصاعد العليّة في القواعد النحوية) .

16

حرف الهمزة

الإتباع‏

هو أنواع، فمنه:

-إتباع حركة آخر الكلمة المعربة لحركة أول الكلمة بعدها كقراءة من قرأ الحمدِ لله : بكسر الدال إتباعا لكسرة اللام.

-و إتباع حركة أول الكلمة لحركة آخر الكلمة قبلها كقراءة من قرأ الحمدُ للّه : بضمّ اللاّم إتباعا لحركة الدال.

-و إتباع حركة الحرف الذي قبل آخر الاسم المعرب لحركة الإعراب في الآخر و ذلك في (امرئ) ، و (ابنم) ، فإنّ الراء و النون يتبعان الهمزة و الميم في حركتهما نحو إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: 176]، مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ [مريم: 28]، لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ [النور: 11]و كذا ابنم، و لا ثالث لهما في إتباع العين اللاّم.

-و إتباع حركة الفاء اللاّم و ذلك في مرئ و فم خاصة؛ فإنّ الميم و الفاء يتبعان حركة الهمزة و الميم في بعض اللغات فيقال: هذا مرء و فم، و رأيت مرءا و فما، و نظرت إلى مرء و فم، و لا ثالث لهما.

-و إتباع حركة اللاّم للفاء في المضاعف من المضارع المجزوم، و الأمر إذا لم يفكّ الإدغام فيهما في بعض اللغات، فيقال: عضّ، و لم يعضّ بالفتح؛ و فرّ و لم يفرّ بالكسر، و ردّ و لم يردّ بالضّمّ.

-و إتباع حركة العين للفاء في الجمع بالألف و التاء حيث وجد شرطه، كتمرة و تمرات بالفتح، و سدرة و سدرات بالكسر، و غرفة و غرفات بالضم.

-و إتباع حركة اللاّم للفاء في البناء على الضم في (منذ) ، فإنّ الذال ضمّت إتباعا لحركة الميم و لم يعتدّ بالنون حاجزا، قال ابن يعيش‏ (1) : و نظيرها في ذلك بناء

____________

(1) انظر شرح المفصّل (3/48) بتصرف.

17

(بله) على الفتح إتباعا لفتحة الباء، و لم يعتد باللام حاجزا لسكونها، و قولهم:

[الطويل‏]

____________

1_

-[ألا ربّ مولود و ليس له أب # و ذي ولد]لم يلده أبوان‏

فتح الدال إتباعا لفتحة الياء عند سكون اللام.

-و إتباع حركة الفاء للعين في لغة من قال في لدن: لد، قال ابن يعيش: «من قال: لد، بضمّ الفاء و العين فإنه أتبع الضمّ الضّمّ بعد حذف اللاّم» (1) .

-و إتباع حركة الميم لحركة الخاء و التاء و الغين في قولهم: منخر و منتن و مغيرة. و قال ابن يعيش: «منهم من يقول: منتن بضمّ التاء إتباعا لضمة الميم، و منهم من يقول: منتن بكسر الميم إتباعا لكسرة التاء إذ النون لخفائها و كونها غنّة في الخيشوم حاجز غير حصين» (2) . و قالوا: كلّ فعل على فعل-بكسر العين- و عينه حرف حلق يجوز فيه كسر الفاء إتباعا لكسر العين نحو: نعم و بئس.

-و منه: إتباع حركة فاء كلمة لحركة فاء أخرى لكونها قرنت معها، و سكون عين كلمة لسكون عين أخرى، أو حركتها لحركتها كذلك. قال ابن دريد في (الجمهرة) : «تقول: ما سمعت له جرسا، إذا أفردت، فإذا قلت: ما سمعت له حسّا و لا جرسا، كسرت الجيم على الإتباع» (3) .

و قال الفارابي في (ديوان الأدب) : «يقال: -رجس نجس-فإذا أفردوا قالوا نجس» (4) .

-و منه: إتباع الكلمة في التنوين لكلمة أخرى منوّنة صحبتها كقوله تعالى:

وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: 22]، إِنََّا أَعْتَدْنََا لِلْكََافِرِينَ سَلاََسِلَ وَ أَغْلاََلاً

____________

(1_) -الشاهد لرجل من أزد السّراة في الكتاب (2/277) ، و شرح التصريح (2/18) ، و شرح شواهد الإيضاح (257) ، و شرح شواهد الشافية (22) ، و له أو لعمرو الجنبي في خزانة الأدب (2/381) ، و الدرر (1/173) ، و شرح شواهد المغني (1/398) ، و المقاصد النحوية (3/354) ، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر (1/19) ، و الجنى الداني (441) ، و الخصائص (2/333) ، و الدرر (4/119) ، و رصف المباني (ص 189) ، و شرح الأشموني (2/298) ، و شرح المفصّل (4/48) ، و المقرّب (1/199) ، و مغني اللبيب (1/135) ، و همع الهوامع (1/54) .

(1) انظر شرح المفصل (4/94) بتصرف.

(2) انظر شرح المفصل (4/95) .

(3) انظر الجمهرة (2/75) .

(4) انظر ديوان الأدب (1/186) .

18

وَ سَعِيراً [الإنسان: 4]في قراءة من نوّن الجميع، و حديث- «أنفق بلالا و لا تخش من ذي العرش إقلالا» (1) .

-و منه: إتباع كلمة لأخرى في فكّ ما استحقّ الإدغام كحديث- «أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب» (2) -فكّ الأدبب و قياسه الأدبّ إتباعا للحوأب.

-و منه: إتباع كلمة في إبدال الواو فيها همزة لهمزة أخرى كحديث: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» (3) و الأصل موزورات لأنه من الوزر.

و قال أبو علي الفارسي في (التذكرة) : لا يصحّ أن يكون القلب فيه من أجل الإتباع لأن الأول ينبغي أن يجي‏ء على القياس، و الإتباع يقع في الثاني، و إنما مأزورات على يأجل، قال: و الغدايا و العشايا، لا دلالة فيه، لأن غدايا في جمع غدوة مثل حرّة و حرائر و كنّة و كنائن.

-و منه: إتباع كلمة في إبدال واوها ياء لياء في أخرى كحديث: «لا دريت و لا تليت» (4) و الأصل تلوت لأنه من التلاوة.

-و منه: إتباع ضمير المذكّر لضمير المؤنّث كحديث: «اللّهم ربّ السّماوات السّبع و ما أظللن و ربّ الأرضين و ما أقللن و ربّ الشّياطين و ما أضللن» (5) . و الأصل

____________

(1) الحديث في مجمع الزوائد للهيثمي (3/126 و 10/241) ، و جمع الجوامع للسيوطي (4584) ، و المعجم الكبير للطبراني (10/192) ، و تفسير ابن كثير (7/439) ، و حلية الأولياء (2/280) .

(2) أخرجه أحمد في مسنده (6/97) ، و هو في السلسلة الصحيحة للألباني (474) ، و البداية و النهاية لابن كثير (6/240) ، و دلائل النبوة للبيهقي (6/410) .

(3) أخرجه ابن ماجه في سننه (1/502) ، و الحديث في الجامع الصغير (1/62) .

(4) أخرجه البخاري في صحيحه (1/397) (المكتبة العصرية) هكذا: عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «العبد إذا وضع في قبره و تولّي و ذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلّى اللّه عليه و سلّم؟فيقول: أشهد أنه عبد اللّه و رسوله. فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة. فيراهما جميعا، أما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقوله الناس. فيقال: لا دريت و لا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثّقلين» . و الحديث في إصلاح خطأ المحدّثين للخطابي (33) .

(5) الحديث في مستدرك الحاكم (1/446) ، و تفسير القرطبي (8/175) ، و مشكل الآثار للطحاوي (2/312) ، و زاد المسير لابن حجر (8/299) ، و الدر المنثور للسيوطي (4/224) ، و البداية و النهاية (4/183) .

غ

19

أضلّوا بضمير الذّكور، لأن الشياطين من مذكّر من يعقل، و إن أنّث إتباعا لأظللن و أقللن.

و كذا قوله في حديث المواقيت: «.. هنّ لهن» (1) أصله لهم أي لأهل ذي الحليفة (2) و ما ذكر معها، و إنما قيل: لهن إتباعا لقوله: هن.

-و منه: إتباع اليزيد للوليد في إدخال اللاّم عليه و هو علم في قول الشاعر:

[الطويل‏]

____________

2_

-رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # [شديدا بأعباء الخلافة كاهله‏]

قال ابن جرير: «حسن دخول اللاّم في اليزيد لإتباع الوليد» (3) . و قال ابن يعيش في (شرح المفصل) (4) : لمّا كثر إجراء (ابن) صفة على ما قبله من الأعلام إذا كان مضافا إلى علم أو ما يجري مجرى الأعلام من الكنى و الألقاب، فلما كان ابن لا ينفكّ من أن يكون مضافا إلى أبّ و أمّ و كثر استعماله، استجازوا فيه من التخفيف ما لم يستجيزوه مع غيره، فحذفوا ألف الوصل من ابن لأنه لا ينوى فصله مما قبله، إذ كانت الصفة و الموصوف عندهم مضارعة للصلة و الموصول من وجوه، و حذفوا تنوين الموصوف أيضا، كأنهم جعلوا الاسمين اسما واحدا لكثرة الاستعمال، و أتبعوا حركة الاسم الأول حركة الاسم الثاني، و لذلك شبّهه سيبويه‏ (5) بامرئ و ابنم في كون حركة الراء تابعة لحركة الهمزة، و حركة النون في (ابنم) تابعة لحركة الميم، فإذا قلت: هذا زيد بن عمرو و هند ابنة عاصم، فهذا مبتدأ و زيد الخبر و ما بعده نعته، و ضمّة زيد ضمّة إتباع لا ضمّة إعراب، لأنك عقدت الصفة و الموصوف و جعلتهما اسما واحدا

____________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه (4/5) .

(2) الحليفة: قرية بينها و بين المدينة ستة أميال أو سبعة. انظر معجم البلدان (2/295) .

(2_) -الشاهد لابن ميّادة في ديوانه (192) ، و خزانة الأدب (2/226) ، و الدرر (1/87) ، و سرّ صناعة الإعراب (2/451) ، و شرح شواهد الشافية (ص 12) ، و شرح شواهد المغني (1/164) ، و لسان العرب (زيد) ، و المقاصد النحوية (1/218) ، و لجرير في لسان العرب (وسع) ، و ليس في ديوانه، و بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب (1/322) ، و الإنصاف (1/317) ، و أوضح المسالك (1/73) ، و خزانة الأدب (7/247) ، و شرح شافية ابن الحاجب (1/36) ، و شرح قطر الندى (ص 53) .

(3) انظر تفسير الطبري (11/511) .

(4) انظر شرح المفصل (2/5) .

(5) انظر الكتاب (4/262) .

20

و صارت المعاملة مع الصفة و الموصوف كالصدر له، و لذلك لا يجوز السكوت على الأول، و كذلك النصب، تقول: رأيت زيد بن عمرو، فتفتح الدال إتباعا لفتحة النون، و تقول في الجرّ: مررت بزيد بن عمرو، فتكسر الدال إتباعا لكسرة النون من ابن. و قد ذهب بعضهم إلى أن التنوين إنما سقط لالتقاء الساكنين: سكونه و سكون الباء بعده و هو فاسد، إنما هو لكثرة استعمال ابن.

تنبيه‏
قال ابن جنّي في (المحتسب) (1) في قراءة اَلْحَمْدُ لِلََّهِ [الفاتحة: 1]، بالإتباع: «هذا اللّفظ كثر في كلامهم و شاع استعماله، و هم لما كثر في استعمالهم أشدّ تغييرا كما جاء عنهم كذلك: لم يك، و لم أدر، و لم أبل، و أيش تقول، و جايجي، و سا يسو بحذف همزتيهما، فلما اطّرد هذا و نحوه لكثرة استعماله أتبعوا أحد الصوتين الآخر و شبهوهما بالجزء الواحد فصارت (الحمد للّه) كعنق و طنب، و (الحمد للّه) كإبل و إطل، إلاّ أن (الحمد للّه) بضمّ الحرفين أسهل من (الحمد للّه) بكسرهما من موضعين: أحدهما: أنه إذا كان إتباعا فأقيس الإتباع أن يكون الثاني تابعا للأول، و ذلك أنه جار مجرى السبب و المسبب. و ينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبّب، فتكون ضمّة اللاّم تابعة لضمة الدال، كما تقول: مدّ و شدّ و شمّ و فرّ، فتتبع الثاني الأول فهذا أقيس من إتباعك الأول للثاني في نحو: أقتل، اخرج. و الآخر أن ضمّة الدال في (الحمد للّه) إعراب و كسرة اللام في (للّه) بناء، و حركة الإعراب أقوى من حركة البناء، و الأولى أن يغلب الأقوى على الأضعف لا عكسه، و مثل هذا في إتباع الإعراب البناء قوله: [الطويل‏]

(3) -و قال: اضرب السّاقين إمّك هابل‏

كسر الميم لكسرة الهمزة، انتهى» .

و في (الكشاف) (2) قرأ أبو جعفر لِلْمَلاََئِكَةِ اُسْجُدُوا [البقرة: 34]بضمّ التاء للإتباع و لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلاّ في لغة ضعيفة كقولهم‏ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ [الفاتحة: 1].

____________

(1) انظر المحتسب (1/37) ، بتصرّف.

(3) -الشاهد بلا نسبة في الكتاب (4/259) ، و الخصائص (2/145) ، و شرح شافية ابن الحاجب (2/79) ، و شرح شواهد الشافية (179) ، و لسان العرب (أمم) ، و المحتسب (1/38) .

(2) انظر الكشاف (1/95) .

21

فائدة
قال ابن إياز في (شرح الفصول) (1) : «اعلم أنّ العرب قد أكثرت من الإتباع حتى قد صار ذلك كأنه أصل يقاس عليه، و إذا كانت قد زالت حركة الدال مع قوّتها للإتباع و ذلك ما حكاه الفراء (2) من (الحمد للّه) بكسر الدّال إتباعا لكسرة اللام، و قلبوا أيضا الياء إلى الواو مع أن القياس عكس ذلك، فقالوا: أنا أخوّك يريدون أنا أخيّك، حكاه سيبويه، كان الإتباع في نحو مدّ و شدّ أجوز و أحسن، إذ ليس فيهما نقل خفيف إلى ثقيل، و أمّا السّاكن الحاجز فلا يعتد به لضعفه، انتهى» .

فائدة
عدّ من الإتباع حركة الحكاية. قال أبو حيان في (شرح التسهيل) : اختلف الناس في الحركات اللاّحقة اللاّئي في الحكاية، فقيل: هي حركات إعراب نشأت عن عوامله، و قيل ليست للإعراب، و إنما هي إتباع للفظ المتكلّم على الحكاية.

و قال أبو الحسن بن عبد الرحمن بن عذرة الخضراوي في كتابه المسمّى بـ (الإعراب عن أسرار الحركات في لسان الأعراب) : حركة المحكيّ في حال حكاية الرفع، منهم من يقول: إنّها للإعراب لأنه لا ضرورة في تكلّف تقدير رفعه مع وجود أخرى، و إنما قيل به في حالة النصب و الجرّ للضرورة، و منهم من يقول: إنّها لا للبناء و لا للإعراب حملا لحالة الرفع على حالة النصب و الجرّ. قال: و هذا أشبه بمذاهب النحاة و أقيس بمذاهب البصريين، ألا تراهم ردّوا على الكوفيين في اعتقادهم الرفع في خبر (إنّ) و أخواتها و في اسم (كان) و أخواتها على ما كان عليه قبل دخول العامل، انتهى.

الاتّساع‏

عقد له ابن السّرّاج بابا في (الأصول) (3) فقال: «اعلم أن الاتّساع ضرب من الحذف، إلاّ أن الفرق بينهما أنك لا تقيم المتوسّع فيه مقام المحذوف و تعربه بإعرابه، و في الحذف تحذف العامل فيه و تدع ما عمل فيه على حاله في الإعراب،

____________

(1) انظر: المحصول في شرح الفصول، مخطوط الظاهرية ورقة (54) .

(2) انظر معاني القرآن للفراء (1/3) .

(3) انظر كتاب الأصول (2/265) .

22

و الاتّساع العامل فيه بحاله، و إنما تقيم فيه المضاف إليه مقام المضاف، أو الظرف مقام الاسم، فالأول: نحو: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]، و المعنى: أهل القرية وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ [البقرة: 177]، و الثاني: نحو: صيد عليه يومان، و المعنى:

صيد عليه الوحش في يومين. ولد له ستّون عاما، و المعنى: ولد له الولد لستين، بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [سبأ: 33]، نهاره صائم و ليله قائم: [الرجز]

(4) -يا سارق اللّيلة أهل الدّار

و المعنى: مكر في اللّيل، صائم في النهار، سارق في اللّيلة، قال: و هذا الاتّساع في كلامهم أكثر من أن يحاط به.

قال: و تقول: سرت فرسخين يومين، إن شئت جعلت نصبهما على الظرفية و إن شئت جعلت نصبهما على أنهما مفعولان على السّعة، و على ذلك قولك: سير به يومان، فتقيم (يومين) مقام الفاعل، و قال في موضع آخر: إن بابيّ المفعول له، و المفعول معه نصبا على الاتّساع إذ كان من حقّهما أن لا يفارقهما حرف الجرّ، و لكنه حذف فيهما و لم يجريا مجرى الظروف في التصرّف، و في الإعراب، و في إقامتهما مقام الفاعل، فدلّ ترك العرب لذلك أنهما بابان وضعا في غير موضعهما و أنّ ذلك اتّساع منهم فيهما، لأن المفعولات كلّها تقدّم و تؤخّر و تقام مقام الفاعل و تقع مبتدأ و خبرا» و هذا كلّه كلام ابن السّراج.

و أنا أشبع القول في هذا الباب لقلّة من عقد له بابا من النحاة فأقول: قال أبو حيان في (شرح التسهيل) : الاتّساع يكون في المصدر المتصرّف فينصب مفعولا به على التوسّع و المجاز، و لو لم يصحّ ذلك لما جاز أن يبنى لفعل ما لم يسمّ فاعله، حين قلت: ضرب ضرب شديد؛ لأن بناءه لفعل ما لم يسمّ فاعله فرع عن التوسّع فيه بنصبه نصب المفعول به، و تقول: الكرم أكرمته زيدا، و أنا ضارب الضّرب زيدا.

قال في (البسيط) : و هذا الاتّساع إن كان لفظيا جاز اجتماعه مع المفعول الأصليّ إن كان له مفعول، و إن كان معنويا بأن يوضع بدل المفعول به فلا يجتمع معه لأنه كالعوض منه حال التوسع نحو قولك: ضرب الضّرب، على معنى ضرب الذي وقع به الضّرب ضربا شديدا، فوضعت بدله مصدره، و قيل: يجوز الجمع بينهما على

____________

(4) -الشاهد بلا نسبة في الكتاب (1/233) ، و خزانة الأدب (3/108، و 4/233) ، و الدرر (3/98) ، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص 655) ، و شرح المفصّل (2/45) ، و المحتسب (2/295) ، و همع الهوامع (1/203) .

23

أن يكون المفعول منصوبا نصب التشبيه بالمفعول به، و إذا كان الاتّساع معنى فلا يجمع بين المتوسّع فيه و المطلق.

و في (البسيط) أيضا: المصادر يتوسّع فيها فتكون مفعولا، كما يتّسع في الظروف فتكون إذا جرت أخبارا بمنزلة الأسماء الجامدة، و لا تجري صفة بهذا الاعتبار، و إذا كان بمعنى فاعل جاز أن يكون صفة-قال: و إذا توسّع بها و كانت عامّة على أصلها لم تثنّ و لم تجمع رعيا للمصادر، أو خاصة نحو: ضرب زيد و سير البريد، فربما جازت التثنية و الجمع بينهما-انتهى.

و أما الاتّساع في الظرف، ففيه مسائل:
-الأولى: أنه يجوز التوسّع في ظرف الزمان و المكان بشرط كونه متصرفا، فلا يجوز التوسّع فيما لزم الظرفية لأن عدم التصرف مناف للتوسّع؛ إذ يلزم من التوسّع فيه كونه يسند إليه، و يضاف إليه، و ذلك ممنوع في عادم التصرف، و سواء في المتصرف المشتقّ نحو المشتى و المصيف، و غيره كاليوم، و المصدر المنتصب على الظرف كمقدم الحاج و خفوق النجم، و منه‏ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: 94]، و لا يمنع التوسّع إضافة الظرف إلى المظروف المقطوع عن الإضافة المعوض مما أضيف إليه التنوين نحو: سير عليه حينئذ.

-الثانية: إذا توسّع في الظرف جعل مفعولا به مجازا، و يسوغ حينئذ إضماره غير مقرون بفي نحو: اليوم سرته، و كان الأصل عند إرادة الظرفية سرت فيه، لأن الظرف على تقدير (في) ، و الإضمار يوجب الرجوع إلى الأصل.

و قال الخضراوي: الضمائر من الزمان و المكان لم تقع في شي‏ء من كلام العرب خبرا للمبتدأ منصوبة كما يقع الظرف، و لم يسمع نحو: يوم الخميس سفري إيّاه، إلا أن يقرن (بفي) فدلّ هذا على أن الضمائر لا تنتصب ظروفا، لأنّ كل ما ينتصب ظرفا يجوز وقوعه خبرا إذا كان مما يصحّ عمل الاستقرار فيه، قال: و لم أر أحدا نبّه على هذا التنبيه.

-الثالثة: يضاف إلى الظرف-المتوسّع فيه-المصدر على طريق الفاعلية نحو بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [سبأ: 33]، و على طريق المفعولية نحو تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة: 226]و الوصف كذلك نحو:

يا سارق اللّيلة أهل الدار (1)

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (4) .

24

و يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما سيبويه‏ (1) .

قال الفارسي: و إذا أضيف إلى الظرف لم يكن إلاّ اسما، و خرج بالإضافة عن أن يكون ظرفا، لأن (في) مقدّرة في الظرف و تقديرها يمنع الإضافة إليه، كما لا يجوز أن يحال بين المضاف و المضاف إليه بحرف جرّ في نحو: غلام لزيد.

و قال الخضراوي: هذا غير ظاهر، لأن المضاف يقدّر باللام، و بمن، و مع ذلك لم يمنع من الإضافة، قال: و قولهم الظرف على تقدير (في) إنما هو تقدير معنى، و ليس المراد أنها مضمرة و لا مضمنة؛ و لذا لم تقتض البناء.

و قال ابن عصفور: ما قاله الفارسيّ ضعيف عندي، لأن الفصل بين المضاف و المضاف إليه بحرف الجرّ ملفوظا به وجد في باب (لا) و النداء، فإذا جاز ظاهرا فمقدّرا أولى. قال: نعم، العلّة الصحيحة أن يقال: إنّ الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية؛ ألا ترى أن (وسطا) إذا دخل عليها الخافض صارت اسما بدليل التزامهم فتح سينها، و وسط المفتوحة السين لا تكون إلا اسما، و السبب في خروج الظروف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره الأخفش في كتابه (الكبير) من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم و لا فعل لشبهه به من حيث كان أكثر الظروف قد أخرج منها الإعراب، و أكثرها أيضا لا تثنّى و لا تجمع و لا توصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء.

-الرابعة: قد يسند إلى المتوسّع فيه فاعلا نحو: في يوم عاصف، يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان: 10]و نائبا عن الفاعل نحو: ولد له ستّون عاما؛ و صيد عليه اللّيل و النهار، و يرفع خبرا نحو: الضرب اليوم. قال بعضهم: و يؤكّد و يستثنى منه و يبدل و إن لم يجز ذلك في الظرف، لأنه زيادة في الكلام غير معتمد عليها بخلاف المفعول، و توقّف في إجازته صاحب (البسيط) .

-الخامسة: ظاهر كلام ابن مالك جواز التوسّع في كلّ ظرف متصرّف‏ (2) .

و قال في (البسيط) : ليس التوسّع مطردا في كلّ ظروف الأمكنة كما في الزمان، بل التوسع في الأمكنة سماع نحو: نحا نحوك، و قصد قصدك، و أقبل قبلك، و لا يجوز في (خلف) و أخواتها، لا تقول: ضربت خلفك، فتجعله مضروبا، و كذا لا

____________

(1) انظر الكتاب (1/234) .

(2) انظر التسهيل (98) .

25

يتوسّع فيها بجعلها فاعلا كما في الزمان، و إنما كان ذلك لأن ظروف الزمان أشدّ تمكّنا من ظروف المكان.

-السادسة: لا يتوسّع في الظرف، إذا كان عامله حرفا، أو اسما جامدا بإجماعهم، لأن التوسّع فيه تشبيه بالمفعول به، و الحرف و الجامد لا يعملان في المفعول به‏ (1) .

و هل يتوسّع فيه مع كان و أخواتها؟قال أبو حيان‏ (2) : يبنى على الخلاف في كان، أتعمل في الظرف أم لا؟فإن قلنا لا تعمل فيه فلا توسع، و إن قلنا تعمل فيه فالذي يقتضيه النظر أنه لا يجوز الاتّساع معها لأنه يكثر المجاز فيها، لأنها إنما رفعت المبتدأ و نصبت الخبر تشبيها بالفعل المتعدّي إلى واحد فعملنا بالتشبيه و هو مجاز، فإذا نصبت الظرف اتّساعا كان مجازا أيضا فيكثر المجاز فيمنع منه. و نظير ذلك قولهم: دخلت في الأمر، لا يجوز حذف (في) لأن هذا الدخول مجاز، و وصول دخل إلى الظرف بغير وساطة (في) مجاز فلم يجمع عليها مجازان؛ و الذي نصّ عليه ابن عصفور جواز الاتّساع معها كسائر الأفعال.

و يجوز الاتّساع مع الفعل اللازم و مع المتعدّي إلى واحد بلا خلاف. و هل يجوز مع المتعدّي إلى اثنين أو ثلاثة خلاف؟ذهب الجمهور إلى الجواز، و صحّح ابن عصفور المنع، لأنه لم يسمع معهما كما سمع مع الأولين، قالوا: يوم الجمعة صمته، و قال: [الطويل‏]

(5) -و يوما شهدناه سليما و عامرا # [قليل سوى الطّعن النّهال نوافله‏]

لأنه ليس له أصل يشبه به، لأنه لا يوجد ما يتعدّى إلى ثلاثة بحقّ الأصل، و باب أعلم و أرى فرع من علم و رأى، و الحمل إنما يكون على الأصول لا على الفروع.

و صحّح ابن مالك‏ (3) الجواز مع المتعدّي إلى اثنين، و المنع مع المتعدي إلى ثلاثة، لأنه ليس لنا ما يشبه به، إذ ليس لنا فعل يتعدّى إلى أربعة.

و أجاب الجمهور بأن الاتّساع ليس معتمده التشبيه بدليل جريانه مع اللازم.

____________

(1 و 2) انظر همع الهوامع (1/203) .

(5) -الشاهد لرجل من بني عامر في الكتاب (1/235) ، و الدرر (3/96) ، و شرح المفصّل (2/46) ، و لسان العرب (جزي) ، و بلا نسبة في خزانة الأدب (7/181) ، و شرح ديوان المرزوقي (88) ، و المقتضب (3/105) ، و المقرّب (1/147) ، و همع الهوامع (1/203) .

(3) انظر التسهيل (98) .

غ

26

-السابعة: إذا توسّع في واحد لم يتوسّع فيه نفسه مرة أخرى؛ مثال ذلك: أن يتوسع فتضيف إليه ثم تنصبه نفسه نصب المفعول به توسعا، و هل يجوز أن يتوسّع في الفعل أكثر من واحد بأن يتوسع معه في الظرف ثم يتوسع في المصدر؟إن قلنا:

يتوسع في اللفظ لم يبعد، أو في المعنى فيبعد؛ لأنه لا يوضع شيئان بدل شي‏ء واحد. و ذهب بعضهم إلى أنه لا يتوسّع في شي‏ء من الأفعال إلا إذا حذف المفعول الصريح إن كان التوسع في المعنى، و إن كان توسعا في اللفظ جاز مطلقا نحو:

يا سارق الليلة أهل الدار (1)

و سببه أن التوسع في المعنى يجعل المتوسع فيه واقعا به المعنى، و لا يكون معنى واحد في محلين من غير عطف و لا ما يجري مجراه.

اجتماع الأمثال مكروه‏

و لذلك يفرّ منه إلى القلب أو الحذف أو الفصل.

فمن الأول: قالوا في دهدهت الحجر: دهديت، قلبوا الهاء الأخيرة ياء كراهة اجتماع الأمثال، و كذلك قولهم في: حاحا زيد، حيحي زيد، قلبوا الألف ياء لذلك، و قال الخليل: أصل مهما الشرطية، ماما، قلبوا الألف الأولى هاء لاستقباح التكرير (2) .

و قالوا في النسب إلى نحو شج و عم: شجويّ و عمويّ، بقلب الياء واوا كراهة لذلك. و كذا قالوا في نحو حيّ: حيوي، و في نحو: تحية تحويّ لذلك، و هنيهة أصلها: هنية فأبدلت الهاء من الياء كراهة لاجتماع الأمثال‏ (3) . و الحيوان من مضاعف الياء و أصله: حييان، قلبت الياء الثانية واوا و إن كان الواو أثقل منها كراهة اجتماع الأمثال، و كذا دينار و ديباج و قيراط و ديماس و ديوان أصلها: دنّار و دبّاج و دوّان، قلب أحد حرفي التضعيف ياء لذلك. و لبّى أصله لبب، قلبت الباء الثانية التي هي اللاّم ياء هربا من التضعيف فصار لبّى، ثم أبدلت الياء ألفا لتحرّكها و انفتاح ما قبلها فصار لبّى. و نحو حمراء و صفراء تقلب منه الهمزة في التثنية واوا.

قال الشلوبين: و سببه اجتماع الأمثال، فإن هناك ألفين و بينهما همزة و الهمزة

____________

(1) مرّ الشاهد رقم (4) .

(2) انظر الكتاب (3/68) .

(3) انظر الكتاب (3/505) .

27

قريبة من الألف، قال: و كان قلبها واوا أولى من قلبها ياء، لأن الياء قريبة من الألف و الواو ليست في القرب إليها مثلها، و الجمع بين الأمثال مكروه عندهم، فكان قلب الهمزة واوا أذهب في أن لا يجمع بين الأمثال من قلبها ياء.

و من الثاني: حذف أحد مثلي ظللت و مسست و أحسست فقالوا: ظلت و مست و أحست‏ (1) ، و حذف إحدى اليائين من سيّد و ميّت و هيّن و ليّن، و قيل: و هو مقيس على الأصحّ، و قال ابن مالك: يحفظ و لا يقاس. و قال الفارسي: يقاس في ذوات الواو دون ذوات الياء، و حذف الياء المشدّدة من الاسم المنسوب إليه عند إلحاق ياء النسب كراهة اجتماع الأمثال ككرسيّ و شافعيّ و بختيّ و مرميّ، إلاّ في نحو كساء إذ صغّر ثم نسب إليه فإنه يقال فيه: كسيّيّ بياءين مشدّدتين و ستأتي علّته، و حذف الياء الأخيرة في تصغير نحو غطاء و كساء ورداء و إداوة و غاوية و معاوية و أحوى؛ لأنه يقع في ذلك بعد ياء التصغير ياءان فيثقل اجتماع الياءات.

و بيانه: أن ياء التصغير تقع ثالثة فتنقلب ألف المدّ ياء، و تعود الهمزة إلى أصلها من الياء أو الواو، و تنقلب ياء لانكسار ما قبلها، فاجتمع ثلاث ياءات: ياء التصغير و ياء بدل ألف المدّ و ياء بدل لام الكلمة، و لفظة غطيي فتحذف الأخيرة لأنها طرف و الطرف محل التغيير، و لأن زيادة الثقل حصلت بها، ثم تدغم ياء التصغير في المنقلبة عن ألف المدّ و يقال: غطيّ‏ (2) ، و في إداوة تقع ياء التصغير بعد الدال فتنقلب الألف ياء و تحذف الياء الأخيرة، و يقال: (أديّة) (3) و يقال في غاوية و معاوية: غويّة و معيّة، و في أحوى (أحيّ) (4) ، ذكره في البسيط، و من ذلك قولهم، لتضربن يا قوم و لتضربنّ يا هند، فإن أصله لتضربوننّ و لتضربيننّ، فحذفت نون الرفع لاجتماع الأمثال، كما حذفت مع نون الوقاية في نحو أَ تُحََاجُّونِّي [الأنعام: 80] كراهة اجتماعها مع نون الوقاية.

قال ابن عصفور في (شرح الجمل) : و التزم الحذف هنا و لم يلتزم في أَ تُحََاجُّونِّي لأن اجتماعها مع النون الشديدة أثقل من اجتماعها مع نون الوقاية، لأن النون الشديدة حرفان و نون الوقاية حرف، و حكم النون الخفيفة حكم النون الثقيلة في التزام حذف علامة الإعراب معها لأنها في معناها و مخففّة منها، انتهى.

و من ذلك قال أبو البقاء في (التبيين) : تصغير (5) ذا، ذيّا، و أصله ثلاث ياءات:

____________

(1) انظر الممتع في التصريف لابن عصفور (661) .

(2-3-4) انظر الكتاب (3/524) .

(5) انظر المسألة في الكتاب (3/540) .

28

عين الكلمة، و ياء التصغير، و لام الكلمة، فحذفوا إحداها لثقل الجمع بين ثلاث ياءات، و المحذوفة الأولى، لأن الثانية للتصغير فلا تحذف، و الثالثة تقع بعدها الألف و الألف لا تقع إلا بعد المتحركة، و الألف فيها بدل عن المحذوف، و التصغير يردّ الأشياء إلى أصولها.

و من ذلك قولهم في الجمع أخون و أبون، و لم يردّ المحذوف كما هو القياس فيقال: أخوون و أبوون، قال الشلوبين: لأنه كان يؤدّي إلى اجتماع ضمّات أو كسرات، فلما أدى إلى ذلك لم يرد و أجري الجمع على حكم المفرد، و لما كان هذا المانع مفقودا في التثنية ردّ فقيل: أخوان و أبوان. و من ذلك قال ابن هشام في تذكرته: الأصل في يا بنيّ‏ (1) : يا بنييّ بثلاث ياءات الأولى ياء التصغير و الثانية لام الكلمة و الثالثة ياء الإضافة، فأدغمت ياء التصغير فيما بعدها لأن ما أول المثلين فيه مسكن فلا بد من إدغامه، و بقيت الثانية غير مدغم فيها؛ لأن المشدّد لا يدغم لأنه واجب السكون فحذفت الثالثة.

و منهم من بالغ في التخفيف فحذف الياء الثانية المتحرّكة المدغم فيها و قال يا بني بالسكون كما حذفوها في سيّد و ميّت لما قالوا سيد و ميت‏ (2) . و من ذلك قال ابن النحاس في التعليقة: إنما لم تدخل اللام في خبر (إنّ) إذا كان منفيا؛ لأن غالب حروف النفي أولها لام (لا) و (لم) و (لما) و (لن) فيستثقل اجتماع اللامين، و طرد الحكم يأتي في باقي حروف النفي.

و من الثالث: وجوب إظهار (أن) بعد لام كي إذا دخلت على (لا) نحو «لئلا يعلم» حذرا من توالي مثلين لو قيل للا يعلم، و وجوب إبقاء الياء و الواو في النسب إلى نحو شديدة و ضرورة، فيقال شديديّ و ضروريّ، إذ لو حذفت كما هو قاعدة فعيلة و فعولة و قيل: شديدّ و ضرريّ لاجتمع مثلان.

و من كراهة اجتماع الأمثال: حكايتهم المنسوب بـ (من) دون (أي) ، خلافا للأخفش، لما يؤدّي إليه من اجتماع أربع ياءات فيقال لمن قال: رأيت المكي المكي المني، و أجاز الأخفش الأيي.

و من ذلك قال الشّلوبين (في شرح الجزولية) : إنما قدّرت الضمة في جاء القاضي، و زيد يرمي و يغزو، و الكسرة في مررت بالقاضي لثقلهما في أنفسهما و انضاف

____________

(1) انظر الكتاب (3/504) .

(2) انظر الكتاب (3/506) .

29

إلى ثقلهما اجتماع الأمثال، و هم يستثقلون اجتماع الأمثال، قال: و الأمثال التي اجتمعت هنا هي الحركة التي في الياء و الواو و الحركة التي قبلهما، و الياء و الواو مضارعتان للحركات لأنهما من جنسها ألا ترى أنهما ينشآن عن إشباع الحركات، فلما اجتمعت الأمثال خفّفوا بأن أسقطوا الحركة المستثقلة.

قال: و يدلّ على صحة هذه العلّة أنهم إذا سكّنوا ما قبل الواو و الياء في نحو:

غزو و ظبي لم يستثقلوا الضمّة لأنه قد قلّت الأمثال هناك لكون ما قبل الواو و الياء ساكنا لا متحركا فاحتملوا ما بقي من الثقل لقلته. و من ذلك قال ابن عصفور: لم تدخل النون الخفيفة على الفعل الذي اتصل به ضمير جمع المؤنث لأنه يؤدّي إلى اجتماع المثلين و هو ثقيل فرفضوه لذلك، و لم يمكنهم الفصل بينهما بالألف؛ فيقولون هل تضربنان لأن الألف إذا كان بعدها ساكن غير مشدّد حذفت، فيلزم أن يقال هل تضربنن فتعود إلى مثل ما فررت منه، فلذلك عدلوا عن إلحاق الخفيفة و ألحقوا الشديدة، و فصلوا بينها و بين نون الضمير بالألف كراهية اجتماع الأمثال فقالوا هل تضربنانّ.

قال ابن فلاح في (المغني) : فإن قيل قد وجد اجتماع الأمثال في نحو زيديّ من غير استثقال، قلنا: ياء النسب بمنزلة كلمة مستقلة.

و قال ابن الدهان في (الغرة) : إذا كنا قد استثقلنا الأمثال في الحروف الصحاح حتى حذفنا الحركة و أدغمنا، و منه ما حذفنا أحد الحرفين، و منه ما قلبنا أحد الحروف. فمثال الأولى: مدّ و أصله: مدد. و مثال الثاني: ظلت و أصله ظللت. و مثال الثالث: [الرجز]

(6) -تقضّي البازي‏[إذا البازي كسر]

و أصله (تقضّض) ، فالأولى أن نستثقلها في الحروف المعتلّة، فإن اعترض (بزيديّ) و اجتماع الأمثال ياءات و كسرات-فالجواب: إنّ ياء النسب في تقدير الطّرح كتاء التأنيث.

و من كراهة اجتماع المثلين فتح: من الرجل‏ الم `اَللََّهُ [آل عمران: 1] لتوالي الكسرتين و لهذا لم يفتحوا عن الرجل.

____________

(6) -الشاهد للعجاج في ديوانه (1/42) ، و أدب الكاتب (487) ، و إصلاح المنطق (302) ، و الدرر (6/20) ، و شرح المفصّل (10/25) ، و الممتع في التصريف (1/374) ، و بلا نسبة في الخصائص (2/90) ، و شرح الأشموني (3/179) ، و المقرّب (2/171) ، و همع الهوامع (2/157) ، و مقاييس اللغة (4/21) ، و المخصّص (8/132) ، و تهذيب اللغة (8/252) .

30

و في (شرح المفصل) للسّخاوي: لا يجوز: «إنّ أنّ زيدا منطلق يعجبني» عند سيبويه‏ (1) ، و ذكر أن العرب اجتنبت ذلك كراهة اجتماع اللفظين المشتبهين، و أجاز ذلك الكوفيون، فإن فصلت بشي‏ء جاز ذلك باتفاق نحو: «إنه عندنا أنّ زيدا في الدار» .

و من ذلك قال السيرافي: إن قيل: لم وجب ضمّ الأول في المصغّر؟قيل: لما لم يكن بدّ من تغيير المصغّر ليمتاز عن المكبر بعلامة تلزم الدلالة على التصغير كان الضمّ أولى، لأنهم قد جعلوا الفتح في الجمع من نحو ضوارب فلم يبق إلا الكسر أو الضم، فاختاروا الضم لأن الياء علامة التصغير، و إن وقع بعدها حرف ليس حرف الإعراب وجب تحريكه بالكسر، فلو كسروا الأول لاجتمعت كسرتان مع الياء، فعدلوا إلى الضمة فرارا من اجتماع الأمثال.

إجراء اللازم مجرى غير اللازم و إجراء غير اللازم مجرى اللازم‏

عقد لذلك ابن جني بابا في الخصائص و قال‏ (2) : من الأول قوله: [الرجز]

(7) -الحمد للّه العليّ الأجلل‏

و قوله: [الرجز]

(8) -تشكو الوجى من أظلل و أظلل‏

و قوله: [الرجز]

____________

(1) انظر الكتاب (3/143) .

(2) انظر الخصائص (3/87) .

(7) -الرجز لأبي النجم في خزانة الأدب (2/390) ، و اللسان (جلل) ، و الدرر (6/138) ، و شرح شواهد المغني (1/449) ، و المقاصد النحوية (4/595) ، و جمهرة اللغة (471) ، و بلا نسبة في الخصائص (3/87) ، و شرح الأشموني (3/508) ، و المقتضب (1/142) ، و الممتع في التصريف (2/649) ، و المنصف (1/339) ، و نوادر أبي زيد (44) ، و همع الهوامع (2/157) و بعده:

«أعطى فلم يبخل و لم يبخّل»

.

(8) -الشاهد للعجاج في ديوانه (1/236) ، (و ينسب لأبي النجم العجلي) ، و الخصائص (1/161) ، و شرح أبيات سيبويه (2/310) ، و كتاب الصناعتين (150) ، و نوادر أبي زيد (44) ، و بلا نسبة في الكتاب (4/19) ، و شرح شافية ابن الحاجب (3/244) ، و لسان العرب (كفح) ، و (كدس) ، و المقتضب (1/252) ، و الممتع في التصريف (2/650) ، و المنصف (1/339) .

31

(9) -و إن رأيت الحجج الرّواددا # قواصرا بالعمر أو مواددا

و نحو ذلك مما ظهر تضعيفه، فهذه عندنا على إجراء اللازم مجرى غير اللازم، من المنفصل نحو: جعل لك، و ضرب بكر، كما شبّه غير اللازم من ذلك باللازم فأدغم نحو: ضربكر، و جعلكّ، فهذا مشبّه في اللفظ: بشدّ و مدّ و استعدّ و نحوه مما لزم فلم يفارق. و من ذلك ما حكوه من قول بعضهم: عوى الكلب عوية، و هذا عندي -و إن كان لازما-فإنه أجري مجرى بنائك من باب طويت فعلة، و هو قولك: طوية، كقولك: امرأة جوية و لوية، من الجوى و اللّوى، فإن خففّت حركة العين فأسكنتها قلت طوية و جوية و لوية فصححت العين و لم تعلّها بالقلب و الإدغام؛ لأن الحركة فيها منويّة. و على ذلك قالوا في فعلان من قويت قويان، فإن أسكنوا صححوا العين أيضا، و لم يردّوا اللاّم أيضا، و إن زالت الكسرة من قبلها لأنها مرادة في العين فلذلك قالوا:

عوى الكلب عوية، تشبيها بباب: امرأة جوية و لوية و قويان.

فإن قلت: فهلاّ قالوا أيضا على قياس هذا: طويت الثوب طوية و شويت اللحم شوية؟

فالجواب: أنه لو فعل ذلك لكان قياسه قياس ما ذكرنا و أنه ليست لـ (عوى) فيه مزية على طوى و شوى، كما لم يكن لجاشم و قاثم مزية يجب لها العدل بهما إلى جشم و قثم على مالك و حاتم، إذ لم يقولوا ملك و لا حتم، و على أن ترك الاستكثار مما فيه إعلال أو استثقال هو القياس. و من ذلك قراءة ابن مسعود فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه: 44]و ذلك أنه أجرى حركة اللام هنا و إن كانت لازمة مجراها إذا كانت غير لازمة في نحو قوله تعالى: قُلِ اَللََّهُمَّ [آل عمران: 26]، و قُمِ اَللَّيْلَ [المزمل: 2]و قول الشاعر: [الطويل‏]

(10) -زيارتنا نعمان لا تنسينّها # تق اللّه فينا و الكتاب الذي نتلو

و يروي خف اللّه، و يروى لا تنسينها اتّق اللّه، و نحوه ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: [الطويل‏]

(11) -و أطلس يهديه إلى الزّاد أنفه # أطاف بنا و اللّيل داجي العساكر

____________

(9) -الشاهد بلا نسبة في النوادر (164) ، و الخصائص (1/161) .

(10) -الشاهد لعبد اللّه بن همام السلولي في شرح شواهد الشافية (496) ، و الفاضل (79) ، و اللسان (وقي) ، و الخصائص (2/386) ، و النوادر (4/27) ، و الأمالي الشجرية (1/205) .

(11) -البيتان في الخصائص (3/89) .

32

فقلت لعمرو صاحبي إذ رأيته # و نحن على خوص دقاق عواسر

أي عوى الذئب فسر أنت، فلم يحفل بحركة الراء فيردّ العين التي كانت حذفت لالتقاء الساكنين، فكذلك شبه ابن مسعود حركة اللام من قوله تعالى:

فَقُولاََ، و إن كانت لازمة بالحركة في التقاء الساكنين في‏ قُلِ اَللََّهُمَّ [آل عمران: 26]، و قُمِ اَللَّيْلَ [المزمل: 2]، و حركة الإطلاق الجارية مجرى حركة التقائهما في سر، و مثله قوله الضبيّ: [المنسرح‏]

(12) -في فتية كلّما تجمّعت الـ # بيداء لم يهلعوا و لم يخموا

يريد و لم يخيموا فلم يحفل بضمّة الميم و أجراها مجرى غير اللازم مما ذكرناه و غيره، فلم يردد العين المحذوفة من (لم يخم) ، و إن شئت قلت في هذين: إنه اكتفى بالحركة من الحرف كما اكتفى الآخر بها منه في قوله: [الرجز]

13-كفّاك كفّ ما تليق درهما # جودا و أخرى تعط بالسّيف الدّما

و قول الآخر:

14-بالذي تردان‏

أي تريدان.

و من الثاني: و هو إجراء غير اللازم مجرى اللازم قول بعضهم في الأحمر إذا خففت همزته: لحمر، حكاها أبو عثمان، و من قال: الحمر، قال: حركة اللام غير لازمة إنّما هي لتخفيف الهمزة، و التحقيق لها جائز فيها، و نحو ذلك قول الآخر:

[الطويل‏]

(15) -و قد كنت تخفي حبّ سمراء حقبة # فبح لان منها بالّذي أنت بائح‏

فأسكن الحاء التي كانت محركة لالتقاء الساكنين في: بح الآن لما تحركت لتخفيف اللام، و عليه قراءة من قرأ: قََالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة: 71]فأثبت واو قالوا لما تحركت لام (لان) ، و القراءة القويّة (قالوا الان) بإقرار الواو على حذفها لأن الحركة عارضة للتخفيف. و على القول الأول قول الآخر: [الرجز]

____________

(12) -الشاهد لمحمد بن شحاذ الضّبي في لسان العرب (جمع) ، و تاج العروس (جمع) .

(15) -الشاهد لعنترة في ديوانه (ص 298) ، و المقاصد النحوية (1/478) ، و بلا نسبة في تذكرة النحاة (ص 31) ، و الخصائص (3/35) ، و شرح الأشموني (1/81) ، و شرح التصريح (1/147) ، و شرح ابن عقيل (ص 92) ، و لسان العرب (أين) .

غ

33

(16) -حدبد بى حدبد بى منكم لان # إن بني فزارة بن ذبيان

قد طرقت ناقتهم بإنسان # مشيئا سبحان ربي الرحمن‏

أسكن ضم ميم (منكم) لما تحركت لام (لان) و قد كانت مضمومة عند التحقيق في قوله: (منكم الان) ، فاعتد حركة اللام بالتخفيف و إن لم تكن لازمة.

و ينبغي أن تكون قراءة أبي عمرو وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عََاداً اَلْأُولى‏ََ (1) [النجم: 50]على هذه اللغة و هي قولك مبتدئا (لوّلى) ، لأن الحركة على هذا في اللام أثبت منها على قول من قال الحمروان، كان حملها على هذا أيضا جائزا؛ لأن الإدغام و إن كان بابه أن يكون في المتحرّك فقد أدغم أيضا في الساكن، فحرك في شدّ و مدّ و فرّ يا رجل و عضّ و نحو ذلك، و مثله ما أنشده أبو زيد: [الوافر]

(17) -ألا يا هند هند بني عمير # أرثّ لان وصلك أم جديد؟؟

أدغم تنوين رث في لام (لان) .

و مما يجري على سمته قول اللّه عز و جل: لََكِنَّا هُوَ اَللََّهُ رَبِّي (2) [الكهف:

38]، و أصله لكن أنا، فخفّف الهمزة بحذفها و إلقاء حركتها على نون (لكن) فصارت لكننا، فأجري غير اللازم مجرى اللازم فاستثقل التقاء المثلين المتحركين فأسكن الأول و أدغم في الثاني فصار (لكنا) كما ترى، و قياس قراءة من قرأ قََالُوا اَلْآنَ [البقرة: 71]، فحذف الواو و لم يحفل بحركة اللام أن يظهر النونين، لأن حركة الثانية غير لازمة فتقول: لكننا بالإظهار، كما تقول في تخفيف جوأبة و جيأل، جوبة، و جيل‏ (3) ، فيصحّ حرفا اللّين هنا، و لا يقلبان لما كانت حركتهما غير لازمة.

و من ذلك قولهم في تخفيف رؤيا و نؤى: رويا و نوى فيصحّ الواو هنا و إن سكنت قبل الياء أن التقدير فيها الهمزة كما صحّت في ضو و نو تخفيف ضوء و نوء، لتقديرك الهمز و إرادتك إياه، و كذلك أيضا صحّ نحو: شي وفي، تخفيف شي‏ء وفي‏ء كذلك.

و سألت أبا عليّ فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم، فقال: (لكنّا)

____________

(16) -الشعر لسالم بن دارة في الخزانة (2/147) .

(1) انظر البحر المحيط (8/166) .

(17) -الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (أين) ، و الخصائص (3/91) ، و تاج العروس (أين) .

(2) انظر كتاب التيسير في القراءات السبع للداني (ص 117) (قرأ ابن عامر بإثبات الألف في الوصل و الباقون بحذفها فيه و إثباتها في الوقف إجماع) .

(3) في نسخة: حوأبه و جيأل، و حوبه و جيل.

34

كيف قياس قوله إذا خفّف نحو جوأبة و جيأل أتقلب؟فتقول: جابة و جال، أم تقيم على الصحيح فتقول: جوبة و جيل، قال: القلب هنا لا سبيل إليه و أومأ إلى أنه أغلظ من الإدغام فلا يقدم عليه.

فإن قيل: فقد قلبت العرب الحرف للتخفيف و ذلك قول بعضهم: ريّا و ريّة في تخفيف رؤيا و رؤية.

قيل: الفرق أنّك لمّا صرت إلى لفظ (رويا و روية) ثم قلبت الواو إلى الياء فصار إلى (ريّا و ريّة) ، إنما قلبت حرفا إلى آخر كأنه هو، ألا ترى إلى قوة شبه الواو بالياء و بعدها عن الألف، فكأنك لما قلبت مقيم على الحرف نفسه و لم تقلبه، لأن الواو كأنها هي الياء نفسها و ليست كذلك الألف لبعدها عنهما بالأحكام الكثيرة التي قد أحطنا بها علما. قال: و ما يجري من كلّ واحد من الفريقين مجرى صاحبه كثير و فيما مضى كفاية، انتهى.

و في تذكرة الشيخ جمال الدين بن هشام: قال ابن هشام الخضراوي: أجرت العرب حركات الإعراب للزومها على البدل مجرى الحركة اللازمة لكون حروفها لا تعرى من حركة؛ فلذلك قالوا: عصا و رحى، كما قالوا: قال و باع. و كذلك قالوا:

يخشى و يرضى، كما قالوا في الماضي: رمى و غزا، انتهى.

إجراء المتّصل مجرى المنفصل و إجراء المنفصل مجرى المتّصل‏

عقد (1) ابن جني في الخصائص بابا لذلك قال:

فمن الأولى قولهم: اقتتل القوم و اشتتموا، فهذا بيانه بيان: (شئت تلك) ، و (جعل لك) ، إلا أنه أحسن من قوله:

الحمد للّه العلي الأجلل‏ (2)

و بابه، لأن ذلك إنما يظهر مثله ضرورة، و إظهار نحو اقتتل و اشتتم مستحسن و عن غير ضرورة.

و كذلك باب قوله: هم يضربونني، و هما يضربانني أجرى، و إن كان متصلا، مجرى: يضربان نعم، و يشتمان نافعا. و وجه الشبه بينهما أن نون الإعراب هذه لا

____________

(1) انظر الخصائص (3/93) .

(2) مرّ الشاهد رقم (7) .

35

يلزم أن تكون بعدها نون، ألا ترى أنك تقول: يضربان زيدا و يكرمونك. و لا تلزم هي أيضا نحو: لم يضرباني، و من أدغم نحو هذا، و احتجّ بأن المثلين في كلمة واحدة فقال يضرباني: و قُلْ أَ تُحَاجُّونَنََا [البقرة: 139]فإنه يدغم أيضا نحو اقتتل فتقول:

قتّل، و منهم من يقول: قتّل، و منهم من يقول: قتّل، و منهم من يقول: اقتّل فيثبت همزة الوصل مع حركة الفاء لما كانت الحركة عارضة للثقل أو لالتقاء الساكنين.

و من الثاني: قولهم (ها اللّه) أجري مجرى دابّة و شابّة، و كذلك قراءة من قرأ فلا تّناجوا [المجادلة: 9]و حَتََّى إِذَا اِدََّارَكُوا فِيهََا [الأعراف: 38]و منه عندي قول الراجز:

(18) -في أيّ يوميّ من الموت أفر # أيوم لم يقدر ام يوم قدر

كذا أنشده أبو زيد (يقدر) بفتح الراء، و قال: أراد النون الخفيفة فحذفها، و حذف نون التوكيد و غيرها من علاماته جار عندنا مجرى إدغام الملحق في أنه نقض الغرض، إذ كان التوكيد من مظانّ الإسهاب و الإطناب، و الحذف من مظانّ الاختصار و الإيجاز، لكن القول فيه عندي أنه أراد: أيوم لم يقدر أم يوم قدر، ثم خفّف همزة أم فحذفها، و ألقى حركتها على راء يقدر، فصار تقديره: أيوم لم يقدرم، ثم أشبع فتحة الراء فصار تقديره: أيوم لم يقدر أم، فحرّك الألف لالتقاء الساكنين، و انقلبت همزة فصار تقديره: (يقدر أم) ، و اختار الفتحة إتباعا لفتحة الراء. و نحو من هذا التخفيف قولهم في المرأة و الكمأة إذا خفّفت الهمزة: المراة و الكماة.

و كنت ذاكرت الشيخ أبا علي بهذا منذ بضع عشرة سنة فقال: هذا إنما يجوز في المنفصل، قلت له فأنت أبدا تكرر ذكر إجرائهم المنفصل مجرى المتصل فلم يردّ شيئا.

و من ذاك إجراء المنفصل مجرى المتّصل قوله: [السريع‏]

(19) -[رحب و في رجليك ما فيهما] # و قد بدا هنك من المئزر

____________

(18) -الشاهد للإمام علي بن أبي طالب في ديوانه (ص 79) ، و حماسة البحتري (ص 37) ، و للحارث بن منذر الجرمي في شرح شواهد المغني (2/674) ، و بلا نسبة في الخصائص (3/94) ، و الجنى الداني (ص 267) ، و شرح الأشموني (3/578) ، و لسان العرب (قدر) ، و المحتسب (2/ 366) ، و مغني اللبيب (1/277) ، و الممتع في التصريف (1/322) ، و نوادر أبي زيد (13) .

(19) -الشاهد للأقيشر الأسدي في ديوانه (43) ، و خزانة الأدب (4/484) ، و الدرر (1/174) ، و شرح أبيات سيبويه (2/391) ، و المقاصد النحوية (4/516) ، و للفرزدق في الشعر و الشعراء (1/106) ، و بلا نسبة في الكتاب (4/317) ، و تخليص الشواهد (63) ، و الخصائص (3/95) ، و رصف المباني (ص 327) ، و شرح المفصّل (1/48) ، و لسان العرب (وأل) و (هنا) ، و همع الهوامع (1/54) .

36

فشبه هنك بعضد فأسكنه كما يسكن نحو ذلك، و منه: [السريع‏]

(20) -فاليوم أشرب غير مستحقب # [إثما من اللّه و لا واغل‏]

كأنه شبه (ربغ) بعضد، و كذلك ما أنشده أبو زيد: [السريع‏]

(21) -قالت سليمى اشتر لنا دقيقا

هو مشبه بقولهم في علم: علم، لأن نزل بوزن علم، و كذلك ما أنشده أيضا من قوله: [السريع‏]

(22) -و احذر و لا تكتر كريّا أعرجا

لأن (ترك) بوزن علم، قلت: و قد خرج على ذلك قراءة أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ [البقرة: 246]بسكون الراء، ثم قال ابن جني: و هذا الباب نحو من الذي قبله فيه ما يحسن و يقاس و فيه ما لا يحسن و لا يقاس، و لكلّ وجه.

إجراء الأصلي مجرى الزائد و إجراء الزائد مجرى الأصلي‏

قال أبو حيان‏ (1) : فمن الأول: قولهم في النسب إلى تحية: تحويّ، بحذف الياء الأولى و قلب الثانية واوا. أما القلب ففرارا من اجتماع الياءات، و أما الحذف فإن تحية أجرتها العرب مجرى رمية، و وزن رمية فعيلة كصحيفة، فكما إذا نسبت إلى صحيفة تقول: صحفي، كذلك إذا نسبت إلى رميّة تقول: رمويّ، لأنك تحذف ياء المدّة و هي المدغمة في لام الكلمة كما حذفتها في صحيفة.

و أما تحية فالياء الأولى فيها ليست للمدّة، إنما هي عين الكلمة و الثانية لام

____________

(20) -الشاهد لامرئ القيس في ديوانه (122) ، و الكتاب (4/319) ، و إصلاح المنطق (ص 245) ، و الأصمعيات (ص 130) ، و جمهرة اللغة (ص 962) ، و الدرر (1/175) ، و رصف المباني (ص 327) ، و شرح التصريح (1/88) ، و شرح شواهد الإيضاح (ص 256) ، و شرح المفصّل (1/48) ، و بلا نسبة في الخصائص (3/96) ، و الاشتقاق (ص 337) ، و خزانة الأدب (1/152) ، و همع الهوامع (1/54) .

(21) -انظر المحتسب (1/361) ، و شرح الشافية (ص 226) ، و الخصائص (2/340) ، و المنصف (2/237) .

(22) -الشاهد في المحتسب (1/361) ، و الخصائص (3/66) ، و المنصف (2/237) ، و شرح الشافية (ص 226) .

(1) انظر شرح التسهيل (6/66) .

37

الكلمة و أصله تحيية، ثم أدغم و أجري الأصلي مجرى الزائد لشبههما لفظا لا أصلا، فقالوا: تحويّ. قال: و مثل تحيّة تئية و هي التمكث، قال: و لا أحفظ لهما ثالثا، انتهى.

و منه أيضا ما أجازه أبو علي من قولهم في تثنية ما همزته أصلية نحو: قرّاء و وضّاء: قراوان بالقلب واوا تشبيها لها بالزائدة، و غيره يقرها من غير قلب لأنها أصلية فيقول: قراءان.

و من الثاني: قولهم في تثنية ما همزته منقلبة عن حرف إلحاق نحو: علباء و حرباء: علباءان، بالإقرار تشبيها لها بالمنقلبة عن الأصل، و قول بعض الكوفيين في تثنية نحو حمراءان بإقرار الهمزة من غير تغيير، لأنه لما قلبت ألف التأنيث همزة التحقت بالأصلية فلم تغير كالأصلية.

الاختصار

هو جلّ مقصود العرب و عليه مبنى أكثر كلامهم، و من ثم وضعوا باب الضمائر لأنها أخصر من الظواهر خصوصا ضمير الغيبة، فإنه يقوم مقام أسماء كثيرة فإنه في قوله تعالى: أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً [الأحزاب: 35]، قام مقام عشرين ظاهرا، و لذا لا يعدل إلى المنفصل مع إمكان المتصل، و باب الحصر بإلا و إنما و غيرهما لأن الجملة فيه تنوب مناب جملتين، و باب العطف لأن حروفه وضعت للإغناء عن إعادة العامل، و باب التثنية و الجمع لأنهما أغنيا عن العطف، و باب النائب عن الفاعل لأنه دلّ على الفاعل بإعطائه حكمه-و على المفعول بوضعه. و باب التنازع، و باب (علمت أنك قائم) لأنه محلّ لاسم واحد سدّ مسدّ المفعولين، و باب طرح المفعول اختصارا على جعل المتعدّي كاللازم، و باب النداء لأن الحرف فيه نائب مناب أدعو و أنادي، و أدوات الاستفهام و الشرط، فإن: كم مالك؟يغني عن قولك: أهو عشرون أم ثلاثون؟و هكذا إلى ما لا يتناهى و الألفاظ الملازمة للعموم كأحد و أكثروا الحذف تارة بحرف من الكلمة كـ: لم يك، و لم أبل، و تارة للكلمة بأسرها، و تارة للجملة كلها، و تارة لأكثر من ذلك، و لهذا تجد الحذف كثيرا عند الاستطالة، و حذفت ألف التأنيث إذا كانت رابعة عند النسب لطول الكلمة.

و قال ابن يعيش (في شرح المفصل) (1) : الكناية التعبير عن المراد بلفظ غير

____________

(1) انظر شرح المفصل (4/125) .

38

الموضوع له لضرب من الإيجاز و الاستحسان. و قال ابن السراج (في الأصول) : من الأفعال ضرب مستعارة للاختصار و فيها بيان أن فاعليها في الحقيقة مفعولون نحو:

مات زيد، و مرض بكر، و سقط الحائط. و قال ابن يعيش‏ (1) : المضمرات وضعت نائبة عن غيرها من الأسماء الظاهرة لضرب من الإيجاز و الاختصار كما تجي‏ء حروف المعاني نائبة عن غيرها من الأفعال فلذلك قلّت حروفها كما قلّت حروف المعاني.

و قال أبو الحسين بن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) قولهم: للّه درك من رجل، (من) فيه للتبعيض عند بعضهم و التقدير: لقد عظمت من الرجال، فوضع المفرد موضع الجمع و النكرة موضع المعرفة للعلم و طلبا للاختصار، قال و نظير هذا قولك:

كلّ رجل يفعل هذا، الأصل كل الرجال يفعل هذا، فاستخفّوا فوضعوا المفرد موضع الجمع و النكرة موضع المعرفة لفهم المعنى و طلبا للاختصار.

و قال أبو البقاء في (اللّباب) و تلميذه الأندلسي في (شرح المفصل) : إنما دخلت (إنّ) على الكلام للتوكيد عوضا من تكرير الجملة و في ذلك اختصار تامّ مع حصول الغرض من التوكيد، فإن دخلت اللام في خبرها كان آكد، و صارت إن و اللام عوضا من ذكر الجملة ثلاث مرات، و هكذا (أنّ) المفتوحة إذ لو لا إرادة التوكيد لقلت-مكان قولك: بلغني أن زيدا منطلق، بلغني انطلاق زيد، انتهى.

و من الاختصار تركيب (إمّا) العاطفة على قول سيبويه‏ (2) من (إن) الشرطية و (ما) النافية؛ لأنها تغني عن إظهار الجمل الشرطية حذرا من الإطالة، ذكره في (البسيط) .

و تركيب (أمّا) المفتوحة من (أن) المصدرية و (ما) المزيدة عوضا من كان في نحو: أما أنت منطلقا انطلقت‏ (3) ، و جعل (أما) الشرطية عوضا من حرف الشرط و فاعله في نحو: أمّا زيد فقائم.

و قال ابن إياز في (شرح الفصول) : إنما ضمنوا بعض الأسماء معاني الحروف طلبا للاختصار، ألا ترى أنك لو لم تأت (بمن) و أردت الشرط على الأناسي لم تقدر أن تفي بالمعنى الذي تفي به (من) ، لأنك إذا قلت: من يقم أقم معه، استغرقت ذوي العلم، و لو جئت (بإن) لاحتجت أن تذكر الأسماء: إن يقم زيد و عمرو و بكر، و تزيد على ذلك و لا تستغرق الجنس، و كذلك في الاستفهام، انتهى.

____________

(1) انظر شرح المفصل (3/92) .

(2) انظر الكتاب (3/364) .

(3) انظر الكتاب (4/356) .

39

و مما وضع للاختصار العدد، فإن عشرة و مائة و ألفا قائم مقام درهم و درهم و درهم إلى أن تأتي بجملة ما عندك مكررا هكذا، و من ثم قالوا: ثلاث مائة درهم، و لم يقولوا: ثلاث مئات، كما هو القياس في تمييز الثلاثة إلى العشرة أن يكون جمعا كثلاثة دراهم؛ لأنهم أرادوا الاختصار تخفيفا لاستطالة الكلام باجتماع ثلاثة أشياء:

العدد الأول و الثاني و المعدود، فخفّفوا بالتوحيد مع أمن اللّبس، هكذا علّله الزمخشري في (الأحاجي) (1) ، و أورد عليه السخاوي في شرحه أنهم قالوا: ثلاثة آلاف درهم، فلم يخفّفوا بالتوحيد مع اجتماع ثلاثة أشياء، قال: و الصواب في التوحيد أن المائة لما كانت مؤنثة استغني فيها بلفظ الإفراد عن الجمع لثقل التأنيث بخلاف الألف، و قيل: إنما جمعوا في الألف دون المائة لأن الألف آخره مراتب العدد فحملوا الآخر على الأول كما قالوا: ثلاثة رجال. و مما بني على الاختصار منع الاستثناء من العدد، لأن قولك: عندي تسعون، أخصر من مائة إلا عشرة.

و قال الشيخ جمال الدين بن هشام في تذكرته: باب التصغير معدول به عن الوصف، و قال: إنهم استغنوا بياء و تغيير كلمة عن وصف المسمّى بالصغر بعد ذكر اسمه، ألا ترى أن ما لا يوصف لا يجوز تصغيره، فدلّ ذلك على أن التصغير معدول به عن الوصف.

و قال الأندلسي: الغرض من التصغير وصف الشي‏ء بالصغر على جهة الاختصار.

و قال ابن يعيش في (شرح المفصل) (2) و صاحب (البسيط) : إنما أتي بالأعلام للاختصار و ترك التطويل بتعداد الصفات، ألا ترى أنه لو لا العلم لاحتجت إذا أردت الإخبار عن واحد من الرجال بعينه أن تعدّد صفاته حتى يعرفه المخاطب، فأغنى العلم عن ذلك أجمع.

قال صاحب (البسيط) : و لهذا المعنى قال النحاة: العلم عبارة عن مجموع صفات.

قال صاحب (البسيط) : فائدة وضع أسماء الأفعال الاختصار و المبالغة، أما الاختصار فإنها بلفظ واحد مع المذكر و المؤنث و المثنى و المجموع نحو: صه يا زيد، و صه يا هند، و صه يا زيدان، و صه يا زيدون، و صه يا هندات؛ و لو جئت بمسمّى هذه اللفظة لقلت: اسكت و اسكتي و اسكتا و اسكتوا و اسكتن، و أما المبالغة فتعلم من لفظها فإن (هيهات) أبلغ في الدلالة على البعد من (بعد) و كذلك باقيها، و لو لا إرادة الاختصار و المبالغة لكانت الأفعال التي هي مسماها تغني عن وضعها.

____________

(1) الأحاجي النحوية (ص 50) .

(2) انظر شرح المفصل (1/27) .

غ

40

و قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في التعليقة على المقرّب: كان الأصل أن يوضع لكل مؤنث لفظ غير لفظ المذكر كما قالوا: عير و أتان وجدي و عناق و جمل و رجل و حصان و حجر إلى غير ذلك، لكنهم خافوا أن يكثر عليهم الألفاظ و يطول عليهم الأمر، فاختصروا ذلك بأن أتوا بعلامة فرّقوا بها بين المذكر و المؤنث، تارة في الصفة كضارب و ضاربة، و تارة في الاسم كامرئ و امرأة و مرء و مرأة في الحقيقي، و بلد و بلدة في غير الحقيقي، ثم إنهم تجاوزوا ذلك إلى أن جمعوا في الفرق بين اللفظ و العلامة للتوكيد و حرصا على البيان، فقالوا: كبش و نعجة و حمل و ناقة و بلد و مدينة.

و قال ابن القوّاس في (شرح ألفية ابن معطي) (1) : التصغير وصف في المعنى و فائدته الاختصار، فإذا قلت: رجل، احتمل التكبير و التصغير، فإن أردت تخصيصه قلت: رجل صغير، فإن أردته مع الاختصار قلت: رجيل، و لذلك لا يصغّر الفعل.

و قال ابن النحاس: فإن قيل فما فائدة العدل؟فالجواب: إن عمر أخصر من عامر.

و قال الشلوبين في (شرح الجزولية) : الفاعل إذا كان مخاطبا في أمره و جهان:

أحدهما: أن يبنى فعل الفاعل بناء مخصوصا بالأمر و هو بناء أفعل و هو بمعناه نحو:

قم واقعد.

و الثاني: أن يدخل لام الطلب على فعله المضارع فيقال: لتقم و لتقعد و الأجود الأول لأنه أخصر، فاستغنوا بالأخصر عن غيره، كما استغنوا بالضمير المتّصل عن الضمير المنفصل في قولك: قمت و لم يقولوا: قام أنا و قمت و لم يقولوا: قام أنت، إلا أنه قد جاء المستغنى عنه في الأمر و لم يجئ في الضمائر في حال السعة. و قال في (البسيط) : لما كان الفعل يدلّ على المصدر بلفظه، و على الزمان بصيغته، و على المكان بمعناه، اشتقّ منه اسم للمصدر و لمكان الفعل و لزمانه طلبا للاختصار و الإيجاز، لأنهم لو لم يشتقوا منه أسماءها للزم الإتيان بالفعل و بلفظ الزمان و المكان، و فيه ذهب بعضهم إلى أن باب مثنى و ثلاث و رباع معدول عن عدد مكرّر طلبا للمبالغة و الاختصار.

____________

(1) ابن معطي: يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الحنفي، أبو الحسين، نحوي، فقيه، مقرئ، أديب، عروضي، تتلمذ للجزولي. من آثاره: «الدرة الألفية في علم العربية أو ألفية ابن المعطي في النحو» و «منظومة في العروض» ، و «منظومة في القراءات السبع» ، و ديوان شعر، و ديوان خطب.

(ت 628 هـ/1231 م) . ترجمته في: وفيات الأعيان (2/310) ، معجم الأدباء (20/35) ، بغية الوعاة (416) .

41

و قال أيضا: إنما عدل عن طلب التعيين بأي إلى الهمزة و أم طلبا للاختصار لأن قولك: أزيد عندك أم عمرو؟أخصر من قولك، أيّ الرجلين عندك زيد أم عمرو؟

و قال ابن يعيش‏ (1) : فصّل سيبويه‏ (2) بين ألقاب حركات الإعراب و ألقاب حركات البناء فسمّى الأولى: رفعا و نصبا و جرا و جزما، و الثانية: ضما و فتحا و كسرا و وقفا، للفرق و الإغناء عن أن يقال: ضمّة حدثت بعامل و نحوه، فكان في التسمية فائدة الإيجاز و الاختصار.

اختصار المختصر لا يجوز
لأنه إجحاف به، و من ثم لم يجز حذف الحرف قياسا. قال ابن جني في (المحتسب) (3) : أخبرنا أبو علي قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس لأن الحروف إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار، فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصرا لها هي أيضا و اختصار المختصر إجحاف به، و من ثم أيضا لم يجز حذف المصدر و الحال إذا كانا بدلا من اللفظ بفعلهما، و لا الحال النائبة عن الخبر، و لا اسم الفعل دون معموله لأنه اختصار للفعل.

و في (شرح التسهيل) لأبي حيان: لا يجوز حذف (لا) من (لا سيما) ، لأن حذف الحرف خارج عن القياس فلا ينبغي أن يقال لشي‏ء منه إلا حيث سمع، و سبب ذلك أنهم يقولون: حروف المعاني إنما وضعت بدلا من الأفعال طلبا للاختصار، و لذلك أصل وضعها أن تكون على حرف أو حرفين، و ما وضع مؤدّيا معنى الفعل و اختصر في حروف وضعه لا يناسبه الحذف لها.

و قال ابن هشام في (حواشي التسهيل) : لا يجوز حذف جواب (إما) لأن شرطها حذف، فلو حذف الجواب أيضا لكان إجحافا بها.

و قال صاحب (البسيط) : القياس يقتضي عدم حذف حروف المعاني و عدم زيادتها لأن وضعها للدلالة على المعاني؛ فإذا حذفت أخلّ حذفها بالمعنى الذي وضعت له، و إذا حكم بزيادتها نافى ذلك وضعها للدلالة على المعنى، و لأنهم جاؤوا بالحروف اختصارا عن الجمل التي تدلّ معانيها عليها، و ما وضع للاختصار لا يسوغ

____________

(1) انظر شرح المفصل (1/72) .

(2) انظر الكتاب (1/41) .

(3) انظر المحتسب (1/51) .

42

حذفه و لا الحكم بزيادته، فلهذا مذهب البصريين: المصير إلى التأويل ما أمكن صيانة عن الحكم بالزيادة أو الحذف.

و قال ابن جني في (الخصائص) (1) : تفسير قول أبي بكر أنها دخلت الكلام لضرب من الاختصار: أنك إذا قلت ما قام زيد، فقد أغنت (ما) عن (أنفي) و هي جملة فعل و فاعل، و إذا قلت: قام القوم إلاّ زيدا فقد نابت (إلا) عن (أستثني) ، و إذا قلت: قام زيد و عمرو فقد نابت (الواو) عن (أعطف) ، و كذا (ليت) نابت عن (أتمنى) ، و (هل) عن (أستفهم) ، و الباء في قولك: ليس زيد بقائم، نابت عن (حقّا) ، و (البتة) و (غير ذي شكّ) ، و في قولك: أمسكت بالحبل، نابت عن المباشرة و ملاصقة يدي له، (و من) في قولك: أكلت من الطعام، نابت عن البعض أي: أكلت في بعض الطعام، و كذا بقية ما لم نسمّه، فإذا كانت هذه الحروف نوائب عما هو أكثر منها من الجمل و غيرها لم يجز من بعد ذلك أن تنتهك و يجحف بها.

قال: و لأجل ما ذكرناه من إرادة الاختصار فيها لم يجز أن تعمل في شي‏ء من الفضلات: الظرف و الحال و التمييز و الاستثناء و غير ذلك، و علّته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل لضرب من الاختصار، فلو أعملوها لنقضوا ما أجمعوه و تراجعوا عما التزموه.

و قال ابن يعيش‏ (2) : حذف الحرف يأباه القياس لأن الحروف إنما جي‏ء بها اختصارا و نائبة عن الأفعال، فـ (ما) النافية نائبة عن أنفي، و همزة الاستفهام نائبة عن أستفهم، و حروف العطف عن أعطف، و حروف النداء نائبة عن أنادي، فإذا أخذت تحذفها كان اختصارا لمختصر و هو إجحاف. إلا أنه ورد حذف حرف النداء كثيرا لقوة الدلالة على المحذوف فصارت القرائن الدالّة على المحذوف كالتلفّظ به. و قال أيضا: ليس الأصل في الحروف الحذف إلا أن يكون مضاعفا فيخفّف نحو: إنّ و لكن و ربّ.

إذا اجتمع مثلان و حذف أحدهما فالمحذوف الأول أو الثاني؟فيه فروع:

أحدها: إذا اجتمع نون الوقاية و نون الرفع جاز حذف إحداهما تخفيفا نحو:

أَ تُحََاجُّونِّي [الأنعام: 80]، و تَأْمُرُونِّي [الزمر: 64]، و هل المحذوف نون الرفع أو نون الوقاية؟خلاف. ذهب سيبويه‏ (3) إلى الأول، و رجّحه ابن مالك؛ لأن نون الرفع قد تحذف بلا سبب.

____________

(1) انظر الخصائص (2/273) .

(2) انظر شرح المفصل (2/15) .

(3) انظر الكتاب (4/3) .

43

كقوله: [الرجز]

(23) -أبيت أسري و تبيتي تدلكي # [شعرك بالعنبر و المسك الذكي‏]

و لم يعهد ذلك في نون الوقاية، و حذف ما عهد حذفه أولى، و لأنها نائبة عن الضمة، و قد عهد حذفها تخفيفا في نحو: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ [البقرة: 67]، وَ مََا يُشْعِرُكُمْ [الأنعام: 6]، في قراءة من سكّن، و لأنها جزء كلمة و نون الوقاية كلمة، و حذف الجزء أسهل.

و ذهب المبرد و السيرافي و الفارسي و ابن جني و أكثر المتأخرين منهم: صاحب (البسيط) ، و ابن هشام إلى الثاني، لأنها لا تدلّ على إعراب فكانت أولى بالحذف، لأنها دخلت لغير عامل، و نون الرفع دخلت لعامل، فلو كانت المحذوفة لزم وجود مؤثر بلا أثر مع إمكانه، و لأن الثقل نشأ من الثانية فهي أحق بالحذف.

الثاني: إذا اجتمع نون الوقاية و نون إنّ و أنّ و كأنّ و لكنّ، جاز حذف أحدهما (1) ، و في المحذوفة قولان: أحدهما نون الوقاية و عليه الجمهور، و قيل نون (أنّ) لأن نون الوقاية دخلت للفرق بين أنني و أني، و ما دخل للفرق لا يحذف، ثم اختلف، هل المحذوفة الأولى المدغمة لأنها ساكنة و الساكن يسرع إلى الحذف؟أو الثانية المدغم فيها لأنها طرف؟على قولين، صحح أبو البقاء في (اللّباب) أولهما.

الثالث: إذا اجتمع نون الضمير و نون الحروف الأربعة المذكورة جاز حذف أحدهما نحو، أنّا و لكنّا، و هل المحذوفة الأولى المدغمة أو الثانية المدغم فيها؟ القولان السابقان، و لم يجز هنا القول بأن المحذوف نون الضمير لأنها اسم فلا تحذف. ثم رأيت ابن الصائغ قال في (تذكرته) : في كلا أبي علي في الأغفال ما يدلّ على أن المحذوف نون ضمير النصب في قولنا: كأنا، و تاء تفعل في قولنا: هل تكلّم، قال ذلك على لسان أبي العباس نقلا عن أبي بكر تقوية لمن يذهب في أن المحذوف من (لاه) اللاّم الأصلية لا لام الإضافة كما ذهب إليه سيبويه‏ (2) ، و قال:

لأنّ ما يحذف من المكرّرات إنما يحذف للاستثقال و إنما يقع الاستثقال فيما يتكرّر لا في المبدوء به الأول. ثم قال عقب ذلك: و الذي رجّحه أبو علي أن المحذوف من

____________

(23) -الشاهد بلا نسبة في الخصائص (1/388) ، و المحتسب (2/22) ، و الخزانة (3/525) ، و التصريح (1/111) ، و الهمع (1/51) ، و الدرر (1/27) .

(1) انظر الكتاب (2/391) .

(2) انظر الكتاب (4/3) .

44

أنّنا و كأنّنا إنما هو النون الوسطى دون نون الضمير، قال: لأنه عهد حذفها دون حذف نون الضمير.

الرابع: إذا اجتمع نون الوقاية و نون الإناث.

نحو: [الوافر]

(24) -[تراه كالثّغام يعلّ مسكا] # يسوء الفاليات إذا فليني‏

و الأصل فلينني، فحذف إحدى النونين، و اختلف في المحذوفة فقال المبرد:

هي نون الوقاية لأن الأولى ضمير فاعل لا يليق بها الحذف، و رجّحه ابن جنّي و الخضراوي و أبو حيان و ابن هشام. و في (البسيط) أنه مجمع عليه. و قال سيبويه:

هي نون الإناث. و اختاره ابن مالك قياسا على (تأمروني) ، و ردّه أبو حيان لأنه قياس على مختلف فيه.

الخامس: المضارع المبدوء بالتاء إذا كان ثانيه تاء نحو: تتعلم و تتكلم، يجوز الاقتصار فيه على إحدى التاءين، و هل المحذوف الأولى أو الثانية؟قولان أصحهما الثاني و عليه البصريون، لأنّ الأولى دالّة على معنى و هي المضارعة، و رجّحه ابن مالك في (شرح الكافية) (1) بأن الاستثقال في اجتماع المثلين، إنما يحصل عند النطق بثانيهما فكان هو الأحقّ بالحذف. قال: و قد يفعل ذلك بما صدر فيه نونان كقراءة بعضهم‏ وَ نُزِّلَ اَلْمَلاََئِكَةُ تَنْزِيلاً (2) [الفرقان: 25]قال: و في هذه القراءة دليل على أن المحذوف من التاءين هي الثانية لأن المحذوف من النونين في القراءة المذكورة إنما هي الثانية، و رجّحه الزنجاني في (شرح الهادي) : بأن الثانية هي التي تعلّ فتسكن و تدغم في (تذكرون) ، فلما لحقها الإعلال دون الأولى لحقها الحذف دون الأولى، إذ الحذف مثل الإعلال.

السادس: الفعل المضاعف على وزن فعل نحو: ظلّ و مسّ و أحسّ إذا أسند إلى الضمير المتحرّك نحو ظللت و مسست و أحسست، جاز حذف أحد حرفي التضعيف

____________

(24) -الشاهد لعمر بن معد يكرب في ديوانه (ص 180) ، و الكتاب (4/4) ، و خزانة الأدب (5/371) ، و الدرر (1/213) ، و شرح أبيات سيبويه (2/304) ، و شرح شواهد الإيضاح (ص 213) ، و لسان العرب (خلا) ، و المقاصد النحوية (1/379) ، و بلا نسبة في جمهرة اللغة (ص 459) ، و شرح المفصل (3/91) ، و لسان العرب (حيج) ، و المنصف (2/337) ، و همع الهوامع (1/65) .

(1) انظر شرح الكافية الشافية (4/2188) ، تح: عبد المنعم أحمد هريدي.

(2) قرأ ابن كثير (و ننزل) بنونين الثانية ساكنة و تخفيف الزاي و رفع اللام (تيسير الداني 133) .

45

فيقال: ظلت و مست و أحست، و هل المحذوف الأول و هو العين أو الثاني و هو اللام؟ قولان أصحهما الأول، و به جزم في (التسهيل) (1) ، و قال أبو علي في (الأغفال) (2) :

قد حذف الأول من الحروف المتكررة كما حذف من الثاني و ذلك قولهم: ظلت و مست و نحو ذلك.

فإن قيل: ما الدليل على أن المحذوف الأول؟قيل: قول من قال: ظلت و مست، فألقى حركة العين المحذوفة على الفاء، كما ألقاها عليها في خفت و هبت و ظلت، و لو كان المحذوف اللام دون العين لتحرك ما قبل الضمير، و كذلك قلب الأول من المتكرّرة نحو: (دينار) كما قلب الثاني نحو: تظنّيت و تقضّيت: و خفّفت الهمزة الأولى كما خفّفت الثانية نحو جََاءَ أَشْرََاطُهََا [محمد: 18].

السابع: لا سيما إذا خفّفت ياؤها كقوله: [البسيط]

(25) -ف بالعقود و بالأيمان لا سيما # عقد وفاء به من أعظم القرب‏

فهل المحذوف الياء الأولى و هي العين أو الثانية و هي اللام؟اختار ابن جنّي الثانية و أبو حيان الأولى.

قال ابن إياز في (شرح الفصول) : و اعلم أنه قد جاء تخفيف (سي) من لا سيما، إلا أنهم لم ينصّوا على المحذوف منها هل هو عينها أو لامها، و الذي يقتضيه القياس أن يكون المحذوف اللام لأن الحذف منها هل هو عينها أو لامها، و الذي يقتضيه القياس أن يكون المحذوف اللام لأن الحذف إعلال، و الإعلال في اللام شائع كثير بخلافه في العين، و بعضهم يزعم أنهم حذفوا الياء الأولى لأمرين، أحدهما:

سكونها و الثانية متحرّكة و المتحرك أقوى من الساكن، فكانت الأولى أولى بالحذف لضعفها، و الثاني: أنها زائدة و الأولى منقلبة عن واو أصلية، و الزائد أولى من الأصلي بالحذف، و لما حذفت الياء الأخيرة لم تردّ الياء إلى أصلها لإرادة المحذوف. انتهى، و في الكلام الأخير نظر.

الثامن: باب الأمثلة الخمسة إذا أكد بالنون الشديدة نحو: و اللّه لتضربنّ، فإنه يجتمع فيه ثلاثة نونات: نون الرفع و النون المشدّدة فتحذف واحدة و هي نون الرفع كما جزموا به و لم يحكوا فيه خلافا.

____________

(1) انظر التسهيل (314) .

(2) الأغفال (1/40) .

(25) -الشاهد بلا نسبة في خزانة الأدب (3/447) ، و الدرر (3/186) ، و شرح الأشموني (1/241) ، و شرح شواهد المغني (ص 413) ، و مغني اللبيب (ص 140) ، و همع الهوامع (1/235) .

46

التاسع: ذو بمعنى صاحب، أصله عند الخليل ذوو، بوزن فعل‏ (1) ، و عند ابن كيسان ذوو بالفتح فحذف إحدى الواوين، قال أبو حيان: و في المحذوف قولان أحدهما: الثانية و هي اللام و عليه أهل الأندلس و هو الظاهر، و الثاني: الأولى و هي العين و عليه أهل قرطبة.

العاشر: قال الشمس بن الصائغ في قوله: [المديد]

(26) -أيّها السّائل عنهم و عني # لست من قيس و لا قيس مني‏

الذي ذكروه أن المحذوف من (منّي) و (عنّي) نون الوقاية، و يحتمل أن تكون باقية و نون من وعن هي المحذوفة، إلا أن يقال: إن الحروف بعيدة عن الحذف منها.

الحادي عشر: ذا المشار بها عند البصريين ثلاثية الوضع‏ (2) ، و ألفها منقلبة عن ياء عند الأكثرين و عن واو عند آخرين، و لامها عن ياء باتفاق، و جزموا بأن المحذوف اللام و لم يحكوا فيه خلافا، ثم رأيت الخلاف فيه محكيّا في (البسيط) : قال أكثر النحاة على أن المحذوف لامه، لأنها طرف فهي أحقّ بالحذف قياسا على الإعلال.

و لأن حذف اللام أكثر من حذف العين فتعليق الحكم بالأعمّ أولى. و منهم من قال:

المحذوف عينه و الموجود لامه؛ لأن العين ساكنة و الساكن أضعف من المتحرّك فهو أحقّ بالحذف، و لأنه لو كان المحذوف لامه لعدمت علّة قلب الياء ألفا، لأن العين تكون ساكنة فلا توجد فيها علّة القلب، و أما اللام فمتحركة، فإذا حذفت العين وجدت علّة الإعلال و هو تحرّك حرف العلّة و انفتاح ما قبله.

الثاني عشر: قال بدر الدين بن مالك في قوله تعالى: فَأَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ `فَرَوْحٌ [الواقعة: 88-89]: إنّ أصل الفاء داخلة على (إن كان) و أخّرت للزوم الفصل بين أمّا و الفاء، فالتقى فاء إن فاء أما، و فاء جواب (إن) ، فحذفت الثانية حملا على أكثر الحذفين نظائر.

الثالث عشر: إذا صغّرت كساء قلت كسيي، و قد اجتمع فيه ثلاث ياءات: ياء

____________

(1) انظر الكتاب (3/292) .

(26) -الشاهد بلا نسبة في أوضح المسالك (1/118) ، و تخليص الشواهد (ص 106) ، و الجنى الداني (ص 151) ، و جواهر الأدب (152) ، و خزانة الأدب (5/380) ، و رصف المباني (ص 361) ، و الدرر (1/210) ، و شرح الأشموني (1/56) ، و شرح التصريح (1/112) ، و شرح ابن عقيل (ص 63) ، و شرح المفصّل (3/125) ، و المقاصد النحوية (1/352) ، و همع الهوامع (1/64) .

(2) انظر الإنصاف المسألة (95) .

غ

47

التصغير و الياء المنقلبة عن الألف، و الياء التي هي لام الكلمة فتحذف أحدها، و هل المحذوف الياء الأخيرة التي هي لام الكلمة أو الياء المنقلبة عن الألف؟قولان: نصّ سيبويه‏ (1) على الأول، كذا نقله أبو حيان بعد أن جزم بالثاني.

الرابع عشر: إذا نسبت إلى نحو طيّب و سيّد و ميّت حذفت إحدى الياءين فقلت طيبي و سيدي تخفيفا، و قد جزموا بأن المحذوف الثانية لا الأولى، كذا جزم به ابن مالك‏ (2) و أبو حيان في كتبهما، و علّله أبو حيان بأن موجب الحذف توالي الحركات و اجتماع الياءات فكان حذف المتحرّكة أولى، و قال الزمخشري في (الفائق) : هين و لين مخفّفان من هيّن و ليّن‏ (3) . و المحذوف من ياءيهما الأولى، و قيل الثانية.

الخامس عشر: يجوز حذف إحدى الياءين من أيّ، قال الشاعر: [الطويل‏]

(27) -تنظّرت نسرا و السّماكين أيهما # [عليّ من الغيث استهلّت مواطره‏]

و قد جزم ابن جنّي في ذا بأن المحذوف الثانية، و هي اللام لقلة حذف العين، قال و لهذا بقيت الأخرى ساكنة كما كانت‏ (4) .

السادس عشر: إذا اجتمعت همزة الاستفهام مع همزة قطع نحو أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ [الملك: 16]، فإنها ترسم بألف واحدة و تحذف الأخرى كذا في خطّ المصحف، و اختلف في المحذوفة فقيل: الأولى و عليه الكسائي، لأن الأصلية أولى بالثبوت، و قيل: الثانية و عليه الفراء و ثعلب و ابن كيسان لأن بها حصل الاستثقال و لأنها تسهل و المسهل أولى بالحذف، و لأن الأولى حرف معنى فهي الأولى بالثبوت.

السابع عشر: إذا وقف على المقصور المنوّن نحو: رأيت عصا، وقف عليه بالألف، قال ابن الخباز: و كان في التقدير ألفان، لام الكلمة و الألف التي هي بدل من التنوين، كما في: رأيت زيدا في الوقف، قال: و حذفت إحدى الألفين لأنه لا يمكن اجتماع ألفين، قال: و المحذوفة هي الأولى عند سيبويه‏ (5) و الباقية التي هي بدل من

____________

(1) انظر الكتاب (3/524) .

(2) انظر التسهيل (262) .

(3) انظر الفائق (3/123) .

(27) -الشاهد للفرزدق في ديوانه (281) ، و شرح عمدة الحافظ (ص 393) ، و لسان العرب (حير) و (أيا) ، و المحتسب (1/41) ، و بلا نسبة في الجنى الداني (ص 234) ، و شرح شواهد المغني (1/236) ، و مغني اللبيب (1/77) ، و في رواية (نصرا) و هو نصر بن سيّار.

(4) انظر المحتسب (1/108) .

(5) انظر الكتاب (3/343) .

48

التنوين، قال: و كانت الأولى أولى بالحذف لأن الطارئ يزيل حكم الثابت، قال: فإن كان المقصور غير منوّن نحو: رأيت العصا فالألف هي لام الكلمة اتفاقا. و في (شرح الإيضاح) لأبي الحسين بن أبي الربيع: اختلف النحويون في هذه الألف الموجودة في الوقف في الأحوال الثلاثة: في الرفع و النصب و الجرّ، فرجعت الألف الأصلية لزوال ما أزالها. و ذهب المازني إلى أنها بدل من التنوين لأن قبل التنوين فتحة في اللفظ فصار (عصا) في الأحوال الثلاثة بمنزلة زيد في قولك رأيت زيدا. و ذهب أبو علي الفارسي إلى أنها في الرفع و الخفض بدل عن الألف الأصلية لزوال التنوين، و في النصب بدل من التنوين.

الثامن عشر: تحيّة و تئيّة إذا نسبت إليهما قلت: تحويّ و تأويّ بحذف إحدى الياءين و قلب الأخرى واوا، و الياء المحذوفة هي الأولى التي هي عين الكلمة، و الباقية المنقلبة هي الثانية و هي لام الكلمة، جزم به أبو حيان.

التاسع عشر: باب رميّة ينسب إليه رمويّ كذلك، و المحذوف الياء الأولى و هي الياء المدغمة في لام الكلمة جزم به أيضا. و كذلك باب (مرميّ) إذا قيل فيه (مرموي) ، المحذوف منه الياء الأولى و هي الزائدة المنقلبة عن واو مفعول، و الباقية المنقلبة هي لام الكلمة جزموا به.

العشرون: قال صاحب (الترشيح) (1) : إذا صغّرت أسود و عقابا و قضيبا و حمارا قلت أسيّد و عقيّب و قضيّب و حميّر، بياء مشدّدة مكسورة، فإذا نسبت إلى هذه حذفت الياء المتحركة التي آخر الاسم فقلت أسيدي و قضيبي بياء ساكنة.

الحادي و العشرون: قال أبو حيان: إذا صغّرت مبيطر و مسيطر و مهيمن، أسماء فاعل من بيطر و سيطر و هيمن، تحذف الياء الأولى لأنها أولى بالحذف و تثبت ياء التصغير.

الثاني و العشرون: إذا اجتمعت همزتان متفقتان في كلمتين نحو جََاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: 34]، و اَلْبَغْضََاءَ إِلى‏ََ [المائدة: 14]، أولياء أولئك، جاز حذف إحداهما تخفيفا، ثم منهم من يقول: المحذوف الأولى لأنها وقعت آخر الكلمة

____________

(1) صاحب الترشيح هو ابن الطّراوة النحوي: هو سليمان بن محمد بن عبد اللّه السبائي المالقي، أبو الحسين، أديب من كتّاب الرسائل، له شعر، و له آراء في النحو تفرّد بها. من مؤلّفاته: «الترشيح» في النحو، و «المقدّمات على كتاب سيبويه» و «مقالة في الاسم و المسمّى» . (ت 528 هـ/ 1134 م) . ترجمته في: بغية الوعاة (263) ، و إنباه الرواة (4/107) .

49

محل التغيير، و منهم من يقول: المحذوف الثانية لأن الاستثقال إنما جاء عندها.

حكاه السيد ركن الدين في (شرح الشافية) .

الثالث و العشرون: باب الإفعال و الاستفعال مما اعتلّت عينه كإقامة و استقامة أصلهما قوام و استقوام، نقلت حركة الواو فيهما و هي العين إلى الفاء فانقلبت ألفا لتجانس الفتحة، فالتقى ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين ثم عوض منها تاء التأنيث.

و اختلف النحويون أيتهما المحذوفة، فذهب الخليل و سيبويه‏ (1) إلى أن المحذوف ألف إفعال و استفعال لأنها الزائدة و لقربها من الطرف، و لأن الاستثقال بها حصل، و إليه ذهب ابن مالك‏ (2) . و ذهب الأخفش‏ (3) و الفراء إلى أن المحذوف عين الكلمة.

الرابع و العشرون: باب مفعول المعتلّ العين نحو مبيع و مصون، أصلهما مبيوع و مصوون، ففعل بهما ما فعل بإقامة و استقامة من نقل حركة الياء و الواو إلى الساكن قبلهما، فالتقى ساكنان: الأول عين الكلمة، و الثاني واو مفعول الزائدة، فوجب حذف أحدهما، و اختلف في أيّهما حذف، فذهب الخليل و سيبويه إلى أن المحذوف واو مفعول لزيادتها و لقربها من الطرف‏ (4) . و ذهب الأخفش إلى أنّ المحذوف عين الكلمة لأن واو مفعول لمعنى، و لأن الساكنين إذا التقيا في كلمة حذف الأول‏ (5) .

الخامس و العشرون: يَسْتَحْيِي [البقرة: 26]بياءين في لغة الحجاز، و أما تميم فتقول: (يستحي) بياء واحدة، قال في (التسهيل) (6) : فيحذفون إحدى الياءين، قال أبو حيان: إما التي هي لام الكلمة، و إما التي هي عين الكلمة، أما حذف لام الكلمة فلأن الأطراف محلّ التغيير، فلما حذفت بقيت يستحي كحاله مجزوما، فنقل حركة الياء إلى الحاء التي هي فاء الكلمة و سكنت الياء، أما حذف عين الكلمة فقيل: نقل حركة الياء التي هي عين إلى الحاء فالتقى ساكنان: الياء التي هي عين

____________

(1) انظر الكتاب (4/488) .

(2) انظر تسهيل الفوائد (312) .

(3) انظر المقتضب (1/105) ، و المنصف (1/291) .

(4) انظر الكتاب (4/491) .

(5) انظر المقتضب (1/100) ، و المنصف (1/287) .

(6) انظر تسهيل الفوائد (314) .

50

الكلمة، و الياء التي هي لام، فحذف الأولى لالتقاء الساكنين. فعلى التقدير الأول يكون وزن الكلمة: يستفع، و على الثاني يكون وزنها: يستفل.

السادس و العشرون: باب صحارى و عذارى فيه لغات: التشديد و هو الأصل، و التخفيف هروبا من ثقل الجمع مع ثقل التشديد، ثم الأولى بالحذف الياء التي هي بدل من ألف المدّ، لأنه قد عهد حذفها، و لأن الكلمة خماسية، و المبدلة من ألف التأنيث بمنزلة الأصلي فهي أحقّ بالثبوت، و ما قبلها أحقّ بالحذف. قاله في (البسيط) .

السابع و العشرون: قراءة ابن محيصن سواء عليهم أنذرتهم [البقرة: 6] بحذف إحدى الهمزتين. قال‏ (1) ابن جنّي في (المحتسب) : المحذوف الأولى و هي همزة الاستفهام، قال: فإن قيل: فلعلّ المحذوف الثانية، قيل: قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام، و أما حذف همزة أفعل في الماضي فبعيد.

الثامن و العشرون: باب جاء و شاء اسم فاعل من جاء و شاء أصله جائي و شائي لأن لام الفعل همزة، فمذهب الخليل‏ (2) أن الهمزة الأولى هي لام الفعل قدّمت إلى موضع العين كما قدّمت في شاك و هار، و مذهب سيبويه‏ (3) هي عين الفعل، استثقل اجتماع الهمزتين فقلبت الأخيرة ياء على حركة ما قبلها و هي لام الفعل عنده ثم فعل به ما فعل بقاض، فوزنه على هذا فاعل. و على قول الخليل: فالع لأنه مقلوب، و آل هذا إلى أن في المحذوف قولين: قول سيبويه اللام، و قول الخليل العين.

التاسع و العشرون: نحو: [الرجز]

(28) -يا زيد زيد اليعملات‏[الذّبّل # تطاول اللّيل عليك فانزل‏]

و: [المنسرح‏]

____________

(1) المحتسب (1/50) ، و الإتحاف (128) .

(2) انظر الكتاب (4/520) .

(3) انظر الكتاب (4/520) .

(28) -الشاهد لعبد اللّه بن رواحة في ديوانه (ص 99) ، و خزانة الأدب (2/302) ، و الدرر (6/28) ، و شرح أبيات سيبويه (2/27) ، و شرح شواهد المغني (1/433) ، و لبعض بني جرير في الكتاب (2/209) ، و شرح المفصّل (2/10) ، و المقاصد النحوية (4/221) ، و بلا نسبة في شرح الأشموني (2/454) ، و اللامات (ص 102) ، و لسان العرب (عمل) ، و مغني اللبيب (2/457) ، و المقتضب (4/230) ، و الممتع في التصريف (1/95) ، و همع الهوامع (2/122) .

51

(29) -[يا من رأى عارضا أسرّ به‏] # بين ذراعي و جبهة الأسد

و في المحذوف خلاف، قال المبرد: الأول، و قال سيبويه: الثاني، و رجّحه ابن هشام.

قال ابن النحاس في (التعليقة) : قولهم قطع اللّه يد و رجل من قالها، أجمعوا على أن هنا مضافا إليه محذوفا من أحدهما، و اختلفوا من أيّهما حذف، فمذهب سيبويه حذف من الثاني و هو أسهل لأنه ليس فيه وضع ظاهر موضع مضمر، و ليس فيه أكثر من الفصل بين المضاف و المضاف إليه بغير الظرف، و حسّن ذلك و شجعه كون الدليل يكون مقدّما على المدلول عليه، و مذهب المبرّد أن الحذف من الأول و أن (رجل) مضاف إلى (من) المذكورة و (يد) مضافة إلى (من قالها) أخرى محذوفة، و يلزمه أن يكون قد وضع الظاهر موضع المضمر، إذ الأصل: يد من قالها و رجله، و حسّن ذلك عنده كون الأوّل معدوما في اللّفظ، فلم يستنكره لذلك، انتهى.

الثلاثون: نحو: زيد و عمرو قائم، و مذهب سيبويه‏ (1) أن الحذف فيه من الأول، مع أن مذهبه في نحو:

زيد زيد اليعملات‏ (2)

أن الحذف من الثاني‏ (3) ، قال ابن الحاجب: إنما اعترض بالمضاف الثاني بين المتضايفين ليبقى المضاف إليه المذكور في اللفظ عوضا مما ذهب، و أما هنا فلو كان (قائم) خبرا عن الأول لوقع في موضعه، إذ لا ضرورة تدعو إلى تأخيره، إذا كان الخبر بحذف بلا عوض نحو: زيد قائم و عمرو، من غير قبح في ذلك، انتهى.

و قيل أيضا: كلّ من المبتدأين عامل في الخبر، فالأولى إعمال الثاني لقربه، قال ابن هشام‏ (4) : و يلزم من هذا التعليل أن يقال بذلك في مسألة الإضافة، قال: و الخلاف إنما هو عند التردّد، و إلا فلا تردد في أن الحذف من الأول في قوله: [المنسرح‏]

____________

(29) -الشاهد للفرزدق في خزانة الأدب (2/319) ، و الكتاب (1/239) ، و شرح شواهد المغني (2/799) ، و شرح المفصّل (3/21) ، و المقاصد النحوية (3/451) ، و المقتضب (4/229) ، و بلا نسبة في تخليص الشواهد (87) ، و خزانة الأدب (10/187) ، و الخصائص (2/407) ، و رصف المباني (ص 341) ، و سرّ صناعة الإعراب (ص 297) ، و شرح الأشموني (2/336) ، و شرح عمدة الحافظ (ص 502) ، و لسان العرب (بعد) و (يا) .

(1) انظر الكتاب (1/123) .

(2) مرّ الشاهد رقم (28) .

____________

(3) انظر الكتاب (2/211) .

(4) انظر مغني اللبيب (2/687) .

52

(30) -نحن بما عندنا و أنت بما # عندك راض و الرّأي مختلف‏

و من الثاني قوله: [الطويل‏]

(31) -[فمن يك أمسى بالمدينة رحله‏] # فإنّي و قيّارا بها لغريب‏

الحادي و الثلاثون: ذات أصلها (ذويه) ، تحركت الواو و الياء فقلب كل منهما ألفا فالتقى ألفان فحذف أحدهما.

قال ابن هشام في (تذكرته) : و ينبغي أن ينظر هل المحذوف فيها الألف الأولى أو الثانية؟فقياس قول سيبويه و الخليل في إقامة و استقامة أن يكون المحذوف الأولى؛ و قياس قولهما في مثل (مصون) أن يكون المحذوف الثانية.

الثاني و الثلاثون: قولهم: (لاه أبوك) ، في (للّه أبوك) (1) . قال الشّلوبين في تعليقه على كتاب سيبويه: مذهبنا أن المحذوف حرف الجرّ و اللام التي للتعريف، و زعم المبرد أن المحذوف اللام المعرّفة و لام اللّه الأصلية، و المبقاة لام الجرّ فتحت ردّا إلى أصلها، كما تفتح مع المضمر، قال: و هذا أولى لأن في مذهبكم حذف الجارّ، و إبقاء عمله و هو مع ذلك حرف معنى، و أما أنا فلم أحذف حرف المعنى بل حذفت ما لا معنى له.

قال الشلوبين: و هذا المذهب قد وافق في حذف اللام المعرفة، و بقي الترجيح بين حرف الجرّ و حرف الأصل، فزعمنا أن المحذوف حرف الجرّ، و زعم أن المحذوف اللام الأصلية و رجح مذهبه بأن حرف الجرّ لمعنى و فيه إبقاء عمله.

____________

(30) -الشاهد لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ص 239) ، و الكتاب (1/123) ، و تخليص الشواهد (ص 205) ، و الدرر (5/314) ، و المقاصد النحوية (1/557) ، و لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي في الدرر (1/147) ، و شرح أبيات سيبويه (1/279) ، و شرح شواهد الإيضاح (ص 128) ، و بلا نسبة في شرح الأشموني (1/453) ، و الصاحبي في فقه اللغة (ص 218) ، و مغني اللبيب (2/622) ، و همع الهوامع (2/109) .

(31) -الشاهد لضابئ بن الحارث البرجميّ في الكتاب (1/124) ، و الأصمعيات (184) ، و الإنصاف (ص 94) ، و تخليص الشواهد (ص 385) ، و خزانة الأدب (9/326) ، و الدرر (6/182) ، و شرح أبيات سيبويه (1/369) ، و شرح التصريح (1/228) ، و شرح شواهد المغني (ص 867) ، و شرح المفصّل (8/86) ، و لسان العرب (قير) ، و بلا نسبة في رصف المباني (ص 267) ، و سرّ صناعة الإعراب (ص 372) ، و شرح الأشموني (1/144) ، و مجالس ثعلب (ص 316) ، و همع الهوامع (2/144) .

(1) انظر الكتاب (2/163) .