نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج1

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
431 /
1

الجزء الأول‏

[مقدمة الكتاب‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه رافع السماء و فاتق رتقها، و منشئ السّحاب و موكف ودقها؛ و مجرى الأفلاك و مدبّرها، و مطلع النّيّرات و مكوّرها، و مرسل الرياح و مسخّرها؛ و مزيّن سماء الدنيا بزينة الكواكب، و حافظها عند استراق السمع بإرسال الشّهب الثواقب، و هادى السارى بمطالع نجومها فى ظلم الغياهب؛ و جاعل الليل سكنا و لباسا، و مبدّل وحشة ظلمائه يفلق الإصباح إيناسا؛ و ماحى آيته بآية النهار المبصرة، و مذهب دجنّته بإشراق شمسه النّيرة؛ و باسط الأرض فراشا و مهادا، و مرسى الجبال و جاعلها أوتادا؛ و مفجّر العيون من جوانبها و خلالها، و مضحك ثغور الأزهار ببكاء عيون الأمطار و انهمالها؛ و مكرّم بنى آدم بتفضيلهم على كثير من خلقه، و مذلّل الأرض لهم ليمشوا فى مناكبها و ليأكلوا من رزقه؛ و حاملهم على ظهر اليمّ فى بطون الجوارى المنشآت، و معوّضهم عن أعواد السّفن غوارب اليعملات [1]. خلق كلّ دابّة من ماء و أودعها من خفىّ حكمه ما أودع، و باين بين أشكالهم (فمنهم من يمشى على بطنه و منهم من يمشى على رجلين و منهم من يمشى على أربع). و هدى الطير إلى ما اتخذته من الأوكار و اتّخذ لها من المبانى، و جعلها من رسائل المنايا و وسائل الأمانى.

أحمده على نعمه التى كم أولت من منّه؛ و مننه التى كم والت من نعمه، و أشكره على ألطافه التى كم كشفت من غمّه، و أزالت من نقمه.

____________

[1] اليعملة (بفتح الياء و الميم) الناقة النجيبة المعتملة المطبوعة و الجمل يعمل. و هو اسم لا وصف.

2

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، شهادة عبد نطق بها لسانه و قلبه، و أنس بها ضميره و لبّه.

و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، الذى جعلت له الأرض مسجدا و ترابها طهورا، و أنزل عليه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً. صلّى اللّه و سلّم عليه و على آله الذين رقوا بنسبهم إليه أعلى المراتب، و تسنّموا من ذروة الشرف و الثناء كاهل الكواكب، و على أصحابه الذين اتّطدت بهم قواعد الشريعة و علا منارها، و هدمت معاقل الكفر و عفت آثارها؛ و أنفقوا من قبل الفتح و قاتلوا، و جالدوا فى دين اللّه و جادلوا: صلاة ترفع منار قائلها، و ترسل عليه سحائب المغفرة بوابلها! و بعد، فمن أولى ما تدبّجت به الطروس و الدفاتر، و نطقت به ألسنة الأقلام عن أفواه المحابر؛ و أصدرته ذوو الأذهان السليمة، و انتسبت إليه ذوو الأنساب الكريمة؛ و جعله الكاتب ذريعة يتوصّل بها إلى بلوغ مقاصده، و محجّة لا يضلّ سالكها فى مصادره و موارده: فنّ الأدب الذى ما حلّ الكاتب بواديه، إلّا و عمرت بواديه؛ و لا ورد مشارعه، إلّا و استعذب شرائعه؛ و لا نزل بساحته إلّا و اتّسعت له رحابها، و لا تأمّل مشكلاته إلّا و تبيّنت له أسبابها.

و كنت ممن عدل فى مباديه، عن الإلمام بناديه؛ و جعل صناعة الكتابة فننه الذى يستظلّ بوارفه، و فنّه الذى جمع له فيه بين تليده و طارفه. فعرفت جليّها، و كشفت خفيّها؛ و بسطت الخرائد [1] و نظمت منها الارتفاع، و كنت فيها كموقد نار على‏

____________

[1] لعلها: الجرائد. أى جرائد الحسبانات التى يستخرج منها الارتفاع أى مقدار الإيراد. و بقية الكلام تدل على ذلك لأنه استعار اصطلاحات أهل الحساب.

3

يفاع. و استرفعت القوانين، و وضعت الموازين؛ و عانيت المقترحات، و اعتمدت على المقايسات؛ و فذلكت على الأصل و ما أضيف إليه، و حررت ما بعد الفذلكة فكان العمل على ما استقرّت الجملة عليه؛ و استخرجت و حصّلت، و جمّلت من عرضه و خصّلت؛ و سقت الحواصل، و أوردت المحاسيب و فذلكت على الواصل؛ و طردت ما انساق إلى الباقى و الموقوف، و نضّدت شواهد المصروف؛ و شطبت شواهد الارتفاع، و قرنت أعمال المبيع بالمبتاع؛ و استوفيت أعمال الاعتصار و توالى الغلّات، و تأمّلت سياق الأصناف و الآلات؛ و نظرت فى سياقات العلوفات و العوامل، و أجبت عن المخرج و المردود فأعجزت المناظر و المناضل؛ و أتقنت موادّ هذه الصناعة، و تاجرت فيها بأنفس بضاعة.

ثمّ نبذتها وراء ظهرى، و عزمت على تركها فى سرّى دون جهرى؛ و سألت اللّه تعالى الغنية عنها، و تضرّعت إليه فيما هو خير منها. و رغبت فى صناعة الآداب و تعلّقت بأهدابها، و انتظمت فى سلك أربابها، فرأيت غرضى لا يتمّ بتلقّيها من أفواه الفضلاء شفاها، و موردى منها لا يصفو ما لم أجرّد العزم سفاها.

فامتطيت جواد المطالعة، و ركضت فى ميدان المراجعة. و حيث ذلّ لى مركبها، و صفا لى مشربها، آثرت أن أجرّد منها كتابا أستأنس به و أرجع إليه، و أعوّل فيما يعرض لى من المهمّات عليه. فاستخرت اللّه سبحانه و تعالى و أثبتّ منها خمسة فنون حسنة الترتيب، بيّنة التقسيم و التبويب: كلّ فنّ منها يحتوى على خمسة أقسام.

4

الفن الأوّل فى السماء و الآثار العلويّة، و الأرض و المعالم السّفليّة و يشتمل على خمسة أقسام:

القسم الأوّل- فى السماء و ما فيها.

و فيه خمسة أبواب:

الباب الأوّل- فى مبدإ خلق السماء.

الباب الثانى- فى هيئتها.

الباب الثالث- فى الملائكة.

الباب الرابع- فى الكواكب السبعة.

الباب الخامس- فى الكواكب الثابتة.

القسم الثانى- فى الآثار العلويّة.

و فيه أربعة أبواب:

الباب الأوّل- فى السّحاب، و سبب حدوثه، و فى الثلج، و البرد.

الباب الثانى- فى الصواعق، و النّيازك، و الرعد، و البرق.

الباب الثالث- فى أسطقسّ الهواء.

الباب الرابع- فى أسطقسّ النار، و أسمائها.

القسم الثالث- فى الليالى، و الأيام، و الشهور، و الأعوام، و الفصول، و المواسم، و الأعياد.

و فيه أربعة أبواب:

الباب الأوّل- فى الليالى، و الأيّام.

5

الباب الثانى- فى الشهور، و الأعوام.

الباب الثالث- فى الفصول.

الباب الرابع- فى المواسم، و الأعياد.

القسم الرابع- فى الأرض، و الجبال، و البحار، و الجزائر، و الأنهار، و العيون.

و فيه سبعة أبواب:

الباب الأوّل- فى مبدإ خلق الأرض.

الباب الثانى- فى تفصيل أسماء الأرض.

الباب الثالث- فى طول الأرض، و مساحتها.

الباب الرابع- فى الأقاليم السبعة.

الباب الخامس- فى الجبال.

الباب السادس- فى البحار، و الجزائر.

الباب السابع- فى الأنهار، و الغدران، و العيون.

القسم الخامس- فى طبائع البلاد، و أخلاق سكّانها، و خصائصها، و المبانى القديمة، و المعاقل، و القصور، و المنازل.

و فيه خمسة أبواب:

الباب الأوّل- فى طبائع البلاد، و أخلاق سكّانها.

الباب الثانى- فى خصائص البلاد.

الباب الثالث- فى المبانى القديمة.

الباب الرابع- فيما وصفت به المعاقل.

الباب الخامس- فيما وصفت به القصور، و المنازل.

6

الفن الثانى فى الإنسان و ما يتعلّق به و يشتمل على خمسة أقسام:

القسم الأوّل- فى اشتقاقه، و تسميته، و تنقّلاته، و طبائعه؛ و وصف أعضائه، و تشبيهها، و الغزل، و النّسيب، و المحبة، و العشق، و الهوى، و الأنساب.

و فيه أربعة أبواب:

الباب الأوّل- فى اشتقاقه، و تسميته، و تنقّلاته، و طبائعه.

الباب الثانى- فى وصف أعضائه، و تشبيهها. و ما وصف به طيب الرّيق، و النّكهة، و حسن الحديث و النّغمة، و اعتدال القدود. و وصف مشى النساء.

الباب الثالث- فى الغزل، و النسيب، و الهوى، و المحبّة، و العشق.

الباب الرابع- فى الأنساب.

القسم الثانى- فى الأمثال المشهورة عن النبىّ ((صلى الله عليه و سلم)).

و عن جماعة من الصحابة ((رضى اللّه عنهم))، و المشهور من أمثال العرب، و أوابد العرب، و أخبار الكهنة، و الزجر، و الفأل، و الطّيرة، و الفراسة، و الذّكاء، و الكنايات، و التعريض، و الأحاجىّ، و الألغاز.

و فيه خمسة أبواب:

الباب الأوّل- فى الأمثال.

7

الباب الثانى- فى أوابد العرب.

الباب الثالث- فى أخبار الكهنة، و الزجر، و الفأل، و الطّيرة، و الفراسة، و الذّكاء.

الباب الرابع- فى الكنايات، و التعريض.

الباب الخامس- فى الأحاجىّ، و الألغاز.

القسم الثالث- فى المدح، و الهجو، و المجون، و الفكاهات، و الملح، و الخمر، و المعاقرة، و النّدمان، و القيان، و وصف آلات الطرب.

و فيه سبعة أبواب:

الباب الأوّل- فى المدح.

و فيه ثلاثة عشر فصلا. و هى:

حقيقة المدح، و ما قيل فيه.

ما قيل فى الجود، و الكرم، و أخبار الكرام.

ما قيل فى الإعطاء قبل السؤال.

ما قيل فى الشجاعة، و الصبر، و الإقدام.

ما قيل فى وفور العقل.

ما قيل فى الصدق.

ما قيل فى الوفاء، و المحافظة.

ما قيل فى التواضع.

ما قيل فى القناعة، و النزاهة.

8

ما قيل فى الشكر، و الثناء.

ما قيل فى الوعد، و الإنجاز.

ما قيل فى الشفاعة.

ما قيل فى الاعتذار، و الاستعطاف.

الباب الثانى- فى الهجاء.

و فيه أربعة عشر فصلا:

ما قيل فى الهجاء، و من يستحقّه.

ما قيل فى الحسد.

ما قيل فى السّعاية و البغى.

ما قيل فى الغيبة و النميمة.

ما قيل فى البخل و اللّؤم، و أخبار البخلاء، و احتجاجهم.

ما قيل فى التطفّل. و يتصل به أخبار الأكلة و المؤاكلة.

ما قيل فى الجبن، و الفرار.

ما قيل فى الحمق، و الجهل.

ما قيل فى الكذب.

ما قيل فى الغدر، و الخيانة.

ما قيل فى الكبر، و العجب.

ما قيل فى الحرص، و الطمع.

ما قيل فى الوعد، و المطل.

ما قيل فى العىّ، و الحصر.

9

الباب الثالث- فى المجون، و النوادر، و الفكاهات، و الملح.

الباب الرابع- فى الخمر، و تحريمها، و آفاتها، و جناياتها، و أسمائها. و أخبار من تنزّه عنها فى الجاهليّة، و من حدّ فيها من الأشراف، و من اشتهر بها، و لبس ثوب الخلاعة بسببها. و ما قيل فيها من جيّد الشعر، و ما قيل فى وصف آلاتها، و آنيتها، و ما قيل فى مبادرة اللذّات، و ما وصفت به المجالس، و ما يجرى هذا المجرى.

الباب الخامس- فى النّدمان، و السّقاة.

الباب السادس- فى الغناء، و السّماع، و ما ورد فى ذلك من الحظر و الإباحة، و من سمع الغناء من الصحابة ((رضوان الله عليهم)) و التابعين، و الأئمة، و العبّاد، و الزّهّاد، و من غنّى من الخلفاء، و أبنائهم، و الأشراف، و القوّاد، و الأكابر، و أخبار المغنّين ممن نقل الغناء من الفارسيّة إلى العربيّة.

الباب السابع- فيما يحتاج إليه المغنّى، و يضطرّ إلى معرفته، و ما قيل فى الغناء، و ما وصفت به القيان، و ما وصفت به آلات الطرب.

10

القسم الخامس- فى الملك، و ما يشترط فيه، و ما يحتاج إليه؛ و ما يجب له على الرعيّة، و ما يجب للرعيّة عليه. و يتّصل به ذكر الوزراء، و قادة الجيوش، و أوصاف السلاح، و ولاة المناصب الدينيّة، و الكتّاب، و البلغاء.

و فيه أربعة عشر بابا:

الباب الأوّل- فى شروط الإمامة: الشرعيّة، و العرفيّة.

الباب الثانى- فى صفات الملك و أخلاقه، و ما يفضل به على غيره. و ذكر ما نقل من أقوال الخلفاء و الملوك الدّالة على علوّ همّتهم، و كرم شيمتهم.

الباب الثالث- فيما يجب للملك على الرعايا من الطاعة، و النصيحة، و التعظيم، و التوقير.

الباب الرابع- فى وصايا الملوك.

الباب الخامس- فيما يجب على الملك للرعايا.

الباب السادس- فى حسن السياسة، و إقامة المملكة. و يتّصل به الحزم، و العزم، و انتهاز الفرصة، و الحلم، و العفو، و العقوبة، و الانتقام.

الباب السابع- فى المشورة، و إعمال الرأى، و الاستبداد، و من يعتمد على رأيه، و من كره أن يستشير.

الباب الثامن- فى حفظ الأسرار، و الإذن. و الحجاب.

11

الباب التاسع- فى الوزراء، و أصحاب الملك، الباب العاشر- فى قادة الجيوش، و الجهاد، و مكايد الحروب؛ و وصف الوقائع، و الرباط، و ما قيل فى أوصاف السلاح.

الباب الحادى عشر- فى القضاة، و الحكام.

الباب الثانى عشر- فى ولاية المظالم، و هى نيابة دار العدل.

الباب الثالث عشر- فى نظر الحسبة، و أحكامها.

الباب الرابع عشر- فى ذكر الكتّاب، و البلغاء؛ و الكتابة، و ما تفرّع عنها من الوظائف و الكتابات، و هى: كتابة الإنشاء، و كتابة الديوان، و التصرّف، و كتابة الحكم، و الشروط، و كتابة النسخ، و كتابة التعليم.

12

الفن الثالث فى الحيوان الصامت و يشتمل على خمسة أقسام:

القسم الأوّل- فى السباع، و ما يتصل بها من جنسها.

و فيه ثلاثة أبواب:

الباب الأوّل- فى الأسد، و الببر، و النّمر.

الباب الثانى- فى الفهد، و الكلب، و الذئب، و الضّبع، و النّمس.

الباب الثالث- فى السّنجاب، و الثّعلب، و الدّبّ، و الهرّ، و الخنزير.

القسم الثانى- فى الوحوش، و الظباء، و ما يتّصل بها من جنسها.

و فيه ثلاثة أبواب:

الباب الأوّل- فيما قيل فى الفيل، و الكركدن، و الزّرافة، و المهاة، و الإيّل [1].

الباب الثانى- فى الحمر الوحشيّة، و الوعل، و اللّمط.

الباب الثالث- فيما قيل فى الظّبى، و الأرنب، و القرد، و النّعام.

____________

[1] و يقال أيضا: الأيّل و الأيّل (قاموس).

13

القسم الثالث- و فيه ثلاثة أبواب:

الباب الأوّل- فى الخيل.

الباب الثانى- فى البغال، و الحمير.

الباب الثالث- فى الإبل، و البقر، و الغنم.

القسم الرابع- و فيه بابان:

الباب الأوّل- فى ذوات السموم القواتل.

الباب الثانى- فيما هو ليس بقاتل بفعله، من ذوات السموم.

القسم الخامس- و فيه سبعة أبواب: ستّة منها فى الطير، و باب فى السمك.

(و ذيّلت عليه بباب ثامن، أوردت فيه ما قيل فى آلات صيد البرّ، و البحر).

الباب الأوّل- فى سباع الطير، و هى: العقبان، و البوازى، و الصقور، و الشواهين.

الباب الثانى- فى كلاب الطير، و هى: النّسر، و الرّخم، و الحدأة، و الغراب.

الباب الثالث- فى بهائم الطير، و هى: الدّرّاج، و الحبارى، و الطاوس، و الدّيك، و الدّجاج، و الإوزّ، و البطّ، و النّحام، و الأنيس، و القاوند، و الخطّاف، و القيق، و الزّرزور، و السّمانى [1]، و الهدهد، و العقعق، و العصافير.

____________

[1] فى الأصل السّمّان. و قال فى الصحاح و السّمانى و لا شدّد الميم.

14

الباب الرابع- فى بغاث الطير، و هو: القمرى، و الدّبسىّ، و الورشان، و الفواخت، و الشّفنين، و العبطبط، و النّواح، و القطاة، و اليمام، و أصنافه، و الببّغاء.

الباب الخامس- فى الطير الليلىّ، و هو: الخفّاش، و الكروان، و البوم، و الصّدى.

الباب السادس- فى الهمج، و هو: النمل، و الزّنبور، و العنكبوت، و الجراد، و دود القزّ، و الذّباب، و البعوض، و البراغيث، و الحرقوص.

الباب السابع- فى أنواع الأسماك.

الباب الثامن- يشتمل على ذكر شي‏ء مما وصفت به آلات الصيد فى البرّ، و البحر، و وصف رماة البندق، و ما يجرى هذا المجرى.

15

الفن الرابع فى النبات و يشتمل على خمسة أقسام:

(و ذيّلت على هذا الفن، فى القسم الخامس، بشى‏ء من أنواع الطّيب، و البخورات، و الغوالى، و النّدود، و المستقطرات، و غير ذلك).

القسم الأوّل- فى أصل النبات، و ما تختصّ به أرض دون أرض.

(و يتّصل به ذكر الأقوات، و الخضراوات، و البقولات).

و فيه ثلاثة أبواب:

الباب الأوّل- فى أصل النبات، و ترتيبه.

الباب الثانى- فيما تختصّ به أرض دون أرض، و ما يستأصل شأفة النبات الشاغل للأرض عن الزراعة.

الباب الثالث- فى الأقوات، و الخضراوات، و البقولات.

القسم الثانى- فى الأشجار.

و فيه ثلاثة أبواب:

الباب الأوّل- فيما لثمره قشر لا يؤكل.

الباب الثانى- فيما لثمره نوى لا يؤكل.

الباب الثالث- فيما ليس لثمره قشر و لا نوى.

16

القسم الثالث- فى الفواكه المشمومة.

و فيه بابان:

الباب الأوّل- فيما يشمّ رطبا، و يستقطر.

و يشتمل على أربعة أنواع: و هى «الورد، و النّسرين، و الخلاف، و النّيلوفر».

الباب الثانى- فيما يشمّ رطبا، و لا يستقطر.

و يشتمل على ما قيل فى البنفسج، و النرجس، و الياسمين، و الآس، و الزعفران، و الحبق.

القسم الرابع- فى الرياض، و الأزهار.

(و يتصل به الصّموغ، و الأمنان، و العصائر).

و فيه أربعة أبواب:

الباب الأوّل- فى الرياض، و ما وصفت به نظما، و نثرا.

الباب الثانى- فى الأزهار، و ما وصفت به.

الباب الثالث- فى الصموغ.

و فيه ثمانية و عشرون صنفا.

الباب الرابع- فى الأمنان.

القسم الخامس- فى أصناف الطيب، و البخورات، و الغوالى، و النّدود، و المستقطرات، و الأدهان، و النّضوحات، و أدوية الباه، و الخواصّ.

و فيه أحد عشر بابا:

الباب الأوّل- فى المسك، و أنواعه‏

17

الباب الثانى- فى العنبر، و أنواعه، و معادنه.

الباب الثالث- فى العود، و أصنافه، و أنواعه، و معادنه.

الباب الرابع- فى الصّندل، و أصنافه، و معادنه.

الباب الخامس- فى السّنبل الهندىّ، و أصنافه؛ و القرنفل، و جوهره.

الباب السادس- فى القسط، و أصنافه.

الباب السابع- فى عمل الغوالى، و النّدود.

الباب الثامن- فى عمل الرامك، و السّكّ من الرامك و الأدهان.

الباب التاسع- فى عمل النّضوحات، و المياه المستقطرة، و غير المستقطرة.

الباب العاشر- فى الأدوية التى تزيد فى الباه، و تلذّذ الجماع، و ما يتصل بذلك.

الباب الحادى عشر- فما يفعل بالخاصّيّة.

18

الفن الخامس فى التاريخ و يشتمل على خمسة أقسام:

القسم الأوّل- فى مبدإ خلق آدم ((عليه السلام)) و حوّاء، و أخبارهما، و من كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرّس.

و فيه ثمانية أبواب:

الباب الأوّل- فى مبدإ خلق آدم ((عليه السلام))، و موسى ((عليه السلام))، و ما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.

الباب الثانى- فى خبر شيث بن آدم ((عليهما السلام))، و أولاده.

الباب الثالث- فى أخبار إدريس: النبىّ ((عليه السلام)).

الباب الرابع- فى قصّة نوح ((عليه السلام))، و خبر الطّوفان.

الباب الخامس- فى قصّة هود ((عليه السلام)) مع عاد، و هلاكهم بالريح العقيم.

الباب السادس- فى قصة صالح ((عليه السلام)) مع ثمود، و عقرهم الناقة، و هلاكهم.

الباب السابع- فى أخبار أصحاب البئر المعطّلة، و القصر المشيد، و هلاكهم.

الباب الثامن- فى أخبار أصحاب الرّسّ، و ما كان من أمرهم.

19

القسم الثانى- فى قصّة إبراهيم، الخليل ((عليه السلام))، و خبره مع نمرود؛ و قصّة لوط؛ و خبر إسحاق، و يعقوب؛ و قصّة يوسف؛ و أيّوب؛ و ذى الكفل؛ و شعيب ((عليهم السلام)).

و فيه سبعة أبواب:

الباب الأوّل- فى قصّة إبراهيم، الخليل ((عليه الصلاة و السلام))، و أخبار نمرود بن كنعان.

الباب الثانى- فى خبر لوط ((عليه السلام)) مع قومه، و قلب المدائن.

الباب الثالث- فى خبر إسحاق، و يعقوب ((عليهما السلام)).

الباب الرابع- فى قصّة يوسف بن يعقوب ((عليهما السلام)).

الباب الخامس- فى قصّة أيوب ((عليه السلام))، و ابتلائه، و عافيته.

الباب السادس- فى خبر ذى الكفل بن أيوب ((عليهما السلام)).

الباب السابع- فى خبر شعيب ((عليه السلام))، و قصته مع مدين.

القسم الثالث- يشتمل على قصّة موسى بن عمران ((عليه السلام))، و خبره مع فرعون؛ و خبر يوشع، و من بعده؛ و حزقيل، و إلياس، و اليسع، و عيلا، و أشموئيل، و طالوت، و جالوت، و داود، و سليمان بن داود، و شعيا، و أرميا، و خبر بخت نصّر، و خراب بيت المقدس، و عمارته؛ و ما يتصل بذلك من خبر عزيز؛ و قصّة

20

يونس بن متّى، و خبر بلوقيا؛ و زكريا، و يحيى، و عمران، و مريم، و عيسى ((عليهم السلام))، و قصص الحواريّين، و ما كان من أمرهم فيمن أرسلوا إليه، و خبر جرجيس.

و فيه ستة أبواب:

(و ذيّلت على هذا القسم ذيلا يشتمل على أربعة أبواب، ذكرت فيها ما قيل فى الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى- (عليه السلام)- إلى الأرض و مدّة إقامته بها، و وفاته، و ما يكون بعده، و شيئا من أخبار الحشر و المعاد).

الباب الأوّل- فى قصّة موسى بن عمران، و هارون؛ و غرق فرعون؛ و أخبار بنى إسرائيل؛ و أخبار قارون؛ و خبر بلعم بن باعوراء، و الجبّارين، و غير ذلك.

الباب الثانى- فيما كان بعد موسى بن عمران ((عليه السلام)) من أخبار يوشع بن النون، و من بعده؛ و خبر حزقيل، و إلياس، و اليسع، و عيلا، و أشموئيل، و طالوت، و جالوت، و داود، و سليمان.

الباب الثالث- فى أخبار شعيا، و أرميا، و خبر بخت نصّر، و خراب بيت المقدس، و عمارته؛ و ما يتّصل بذلك من خبر عزيز.

21

الباب الرابع- فى قصّة ذى النون يونس بن متّى ((عليه السلام))، و خبر بلوقيا.

الباب الخامس- فى خبر زكريّا، و يحيى، و عمران، و مريم ابنته؛ و عيسى بن مريم ((عليهما السلام)).

الباب السادس- فى أخبار الحواريّين الذين أرسلهم عيسى ((عليه السلام))، و ما كان من أمرهم بعد رفعه؛ و خبر جرجيس.

التذييل على هذا القسم- و يشتمل على أربعة أبواب:

الباب الأوّل- فى ذكر الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى بن مريم.

الباب الثانى- فى خبر نزول عيسى إلى الأرض؛ و قتل الدجّال؛ و خروج يأجوج، و مأجوج، و هلاكهم؛ و وفاة عيسى ((عليه السلام)).

الباب الثالث- فى ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى ابن مريم إلى النفخة الأولى.

الباب الرابع- فى أخبار يوم القيامة و الحشر، و المعاد؛ و النفخة الثانية فى الصّور.

22

القسم الرابع- فى أخبار ملوك الأصقاع، و ملوك الأمم، و الطوائف؛ و خبر سيل العرم، و وقائع العرب فى الجاهليّة.

و فيه خمسة أبواب:

الباب الأوّل- فى أخبار ذى القرنين، المذكور فى سورة الكهف.

الباب الثانى- فى أخبار ملوك الأصقاع، و هم: ملوك مصر، و الهند، و الصين، و جبل الفتح.

الباب الثالث- فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم، و هم: ملوك الفرس الأول، و ملوك الطوائف منهم؛ و الملوك الساسانيّة؛ و ملوك اليونان و السريان؛ و الكلدانيين؛ و الصقالبة؛ و البوكبرد؛ و الإفرنجة؛ و الجلالقة؛ و طوائف السودان.

الباب الرابع- فى أخبار ملوك العرب.

(و يتّصل به خبر سيل العرم).

الباب الخامس- فى أيّام العرب، و وقائعها فى الجاهليّة.

القسم الخامس- فى أخبار الملة الإسلاميّة؛ و ذكر شي‏ء من سيرة نبيّنا محمد ((صلى الله عليه و سلم))، و أخبار الخلفاء من بعده ((رضى اللّه عنهم))؛ و أخبار الدولة الأمويّة؛ و العباسيّة؛ و العلويّة؛ و دول ملوك الإسلام، و أخبارهم، و ما فتح اللّه (سبحانه و تعالى) عليهم- على ما سنبيّن ذلك- إن شاء اللّه (تعالى).

و فيه اثنا عشر بابا:

23

الباب الأوّل- فى سيرة سيدنا رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) الباب الثانى- فى أخبار الخلفاء من بعده: أبى بكر، و عمر، و عثمان، و علىّ، و ابنه: الحسن ((رضى اللّه عنهم اجمعين)).

الباب الثالث- فى أخبار الدولة الأمويّة بالشام و غيره.

الباب الرابع- فى أخبار الدولة العباسيّة بالعراق، و مصر.

الباب الخامس- فى أخبار الدولة الأمويّة بالأندلس، و أخبار الأندلس بعد انقراض الدولة الأموية.

الباب السادس- فى أخبار إفريقيّة، و بلاد المغرب، و من وليها من العمّال، و من استقلّ منهم بالملك.

الباب السابع- فى أخبار من نهض فى طلب الخلافة من الطالبيّين، فى مدّة الدولتين: الأمويّة، و العباسية، فقتل دونها، بعد مقتل الحسين ابن علىّ ((رضى اللّه عنهما)).

الباب الثامن- فى أخبار صاحب الزنج، و القرامطة، و الخوارج بالموصل.

الباب التاسع- فى أخبار من استقلّ بالملك، و الممالك، بالبلاد الشرقيّة و الشماليّة، فى خلال الدولة العباسيّة، و هم: ملوك خراسان، و ما وراء النهر، و الجبال، و طبرستان، و غزنة، و الغور

24

و بلاد السند، و الهند: كالدولة السامانيّة.

و الصّفّاريّة، و الغزنويّة، و الغوريّة، و الدّيلميّة الختليّة.

الباب العاشر- فى أخبار ملوك العراق. و ما والاه؛ و ملوك الموصل، و الديار الجزيرية، و البكريّة، و البلاد الشاميّة، و الحلبيّة: كالدولة الحمدانيّة.

و الدّيلميّة البويهيّة، و السّلجقيّة، و الأتابكيّة.

الباب الحادى عشر- فى أخبار الدولة الخوارزميّة. و الجنكزخانيّة، و هى دولة التتار، و ما تفرّع منها.

الباب الثانى عشر- فى أخبار ملوك الديار المصريّة الذين ملكوا فى خلال الدولة العباسيّة، نيابة عن خلفائها، و هم: الملوك العبيديّون الذين انتسبوا إلى علىّ بن أبى طالب ((رضى اللّه عنه))، و ما كان من أمرهم، و ما ملكوه من بلاد المغرب، و كيف استولوا على الديار المصريّة، و البلاد الشاميّة، و الخلبيّة، و الثغور، و السواحل، و غير ذلك إنى أن انقرضت دولتهم؛ و قيام الدولة الأيّوبيّة، و أخبار ملوكها بمصر، و الشام إلى حين انقراضها؛ و قيام دولة الترك، و من ملك منهم من أبنائهم، و ما حازوه من الأقاليم، و ما فتحوه من الممالك، و غير ذلك من‏

25

أخبارهم، و ما استقرّ فى ملك ملوك هذه الدولة إلى حين وضعنا لهذا التأليف فى سنة ......

و سبعمائة (فى أيّام مولانا السلطان السيد الأجل المالك الملك الناصر، ناصر الدنيا و الدين، سلطان الإسلام و المسلمين، أبى الفتح محمد، بن السلطان الشهيد، الملك المنصور، سيف الدنيا و الدين، أبى المظفر قلاون، الصالحىّ. خلد اللّه ملكه على ممرّ الزمان، و سقى عهد والده صوب الرّحمة و الرّضوان، ببركة سيد ولد عدنان!) هذا مجموع ما يشتمل عليه هذا الكتاب، من فنون و أقسام و ذيول و أبواب.

ثم ينطوى كل باب منها على فصول و أخبار، و يحتوى على وقائع و آثار.

و لما انتهت أبوابه و فصوله، و انحصرت جملته و تفصيله، ترجمته:

بنهاية الأرب فى فنون الأدب و أتيت فيه بالمقصود و الغرض، و أثبتّ الجوهر و نفيت العرض، و طوّقته بقلائد من مقولى، و رصّعته بفرائد من منقولى. فكلامى فيه كالسارية تلتها السحائب، أو السريّة ردفتها الكتائب. فما هو إلّا مترجم عن فنونه، و حاجب لعيونه.

و ما أوردت فيه إلّا ما غلب على ظنّى أنّ النفوس تميل إليه، و أن الخواطر تشتمل عليه. و لو علمت أنّ فيه خطأ لقبضت بنانى، و غضضت طرفى، و لو خبرت طريق‏

26

المعترض لعطفت عنانى، و ثنيت عطفى. لكنّى تبعت فيه آثار الفضلاء قبلى، و سلكت منهجهم فوصلت بحبالهم حبلى. فإن يكن اعتراض، فعلى علاهم لا علىّ العار. و قد علمت أنه من صنف كتابا فقد استهدف، و أصمّ الأسماع و إن كان لبعضها قد شنّف.

و خليق للواقف عليه أن يسدّ ما يجد به من خلل، و أن يغفر ما يلمح فيه من زلل.

فأسبل عليها ستر معروفك الذى سترت به قدما على عوارى. و الذى أدّى إليه اجتهادى من تأليفه فقد أصدره، و الذى وقفت عنده غايتى فقد أوردته. قد تبلّغت فيه وسعى، لكن ليس من عثرة الكتاب أمان. و باللّه سبحانه المستعان! و عليه أتوكّل، و إليه أتضرّع فى التيسير و أتوسل؛ و من فضله أستمدّ الصواب، و باسمه أستفتح الكتاب [1]!

____________

[1] ورد فى النسخة الفوتغرافية التى اعتمدنا الطبع عليها (و هى المحفوظة بكتبخانة الكوپريلى بالقسطنطينية) ما نصه فى هذا الموضع: «هذا آخر الفهرست لهذا الكتاب. و لنبتدئ إن شاء اللّه تبارك و تعالى بما بدأ به مؤلفه عفا اللّه تعالى عنه و هو الفن الأوّل. و نرجو بعون اللّه و حوله و قوّته الإتمام بسلام. و صلى اللّه و سلم على أشرف الأنام، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و أتم السلام»- و هى من زيادات الناسخ.

27

الفن الأوّل فى السماء و الآثار العلويّة، و الأرض و المعالم السّفليّة

و قد أوردت فى هذا الفن نبذة من وصف السماء، التى هى قبلة الدعاء، و باب الرجاء؛ و الكواكب السيّارات ذوات السنا و السناء؛ و الملائكة الذين هم أولو أجنحة، مثنى، و ثلاث، و رباع؛ و السحائب التى تجود بوبلها فتعدل فى قسمها بين السهل و اليفاع؛ و الرعد الذى إن ونت يحثّها؛ و الريح الذى إن اجتمعت يبثّها؛ و البرق الذى شبّه ببنان الحاسب و الكفّ الخضيب؛ و الثلج الذى خلع على الأرض رداء المشيب؛ و قوس السّحاب الذى تنكّبه الجوّ فأفرغ عليه مصبّغات الحلل، و رمى الجدب ببنادق البرد فتباشرت بالخصب أهل الحلل؛ و النّيران و عبّادها و عددها، و المياه و أمدادها و مددها؛ و الليالى و الأيام، و الشهور و الأعوام؛ و السّنة و فصولها و مباديها، و الأعياد و المواسم و متّخذيها؛ و الأرض و الجبال، و البرارى و الرمال؛ و الجزائر و البحار، و العيون و الأنهار؛ و طبائع البلاد، و أخلاق من سكنها من العباد؛ و المبانى و المعاقل، و القصور و المنازل.

و جعلته خمسة أقسام يستدلّ بها عليه، و يتوصّل من أبوابها إليه.

28

القسم الأوّل فى السماء و ما فيها و فيه خمسة أبواب:

الباب الأوّل من القسم الأوّل من الفن الأوّل‏

1- فى مبدإ خلق السماء

قال اللّه تعالى: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها.

و السماء تذكّر و تؤنّث.

فشاهد التذكير قول اللّه (عزّ و جلّ): (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ)؛ و قول الشاعر:

فلو رفع السماء إليه قوما، * * * لحقنا بالسماء مع السّحاب!

و شاهد التأنيث، قوله (تبارك و تعالى): (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ)؛ و قول الشاعر:

يا ربّ، ربّ الناس فى سماته! [1]

____________

[1] هكذا فى الأصول، أى بالتاء المثناة. و لو همزت، لفات الشاهد.

29

2- ذكر ما قيل فى أسماء السماء و خلقها

قد نطقت العرب للسماء بأسماء.

منها: الجرباء. و سمّيت بذلك لكثرة النّجوم بها.

و منها: الخلقاء. لملاستها.

و برقع [1]. و الرّقيع. و منه‏

قول رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) لسعد بن معاذ:

«لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبع أرقعة»

. أى من فوق سبع سماوات.

و منها: الطرائق. قال اللّه تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ).

و السماء مخلوقة من دخان.

3- حكى فى سبب حدوثه‏

أنّ اللّه تعالى خلق جوهرة، وصف من طولها و عرضها عظما. ثم نظر إليها نظر هيبة، فانماعت، و علاها من شدّة الخوف زبد و دخان. فخلق اللّه من الزبد الأرض، و فتقها سبعا؛ و من الدخان السماء، و فتقها سبعا. و دليله قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ‏. قال: و لما فتق اللّه تعالى السماوات، أوحى فى كل سماء أمرها.

و اختلف المفسّرون فى الأمر، ما هو؟ فقال قوم: خلق فيها جبالا من برد و بحارا؛ و قال قوم: جعل فى كل سماء كوكبا، قدّر عليه الطلوع و الأفول، و السير و الرجوع.

و قال قوم: أسكنها ملائكة سخّرهم للعالم السّفليّ، فوكّل طائفة بالسحاب و طائفة بالريح، و جعل منهم حفظة لبنى آدم و كاتبين لأعمالهم و مستغفرين لذنوبهم.

____________

[1] كز برج و قنفذ كما فى القاموس.

30

الباب الثانى‏

1- فى هيئتها

ذهب المفسّرون لكتاب اللّه عزّ و جلّ أنّ السماء مسطوحة، بدليل قوله تعالى:

(أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ).

و قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ).

و يطلق على مجموعها فلك، لقوله تعالى: (وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).

و ذهب الحسن إلى أنّ الفلك غير السماوات، و أنّه الحامل بأمر اللّه تعالى للشمس و القمر و النجوم.

قالوا: و لمّا فتق اللّه تعالى رتق السماوات، جعل بين كلّ سماء و سماء مسيرة خمسمائة عام.

و

روى عن أبى هريرة ((رضى اللّه عنه))، قال:

«بينما رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) جالس هو و أصحابه، إذ أتى عليهم سحاب. فقال النبىّ ((صلى الله عليه و سلم)) هل تدرون ما هذا؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: هذا العنان [1]، هذه روايا الأرض، يسوقها اللّه تعالى إلى قوم لا يشكرونه و لا يدعونه. ثم قال: أ تدرون ما فوقكم؟ قالوا:

اللّه و رسوله أعلم. قال: هذا الرقيع: سقف محفوظ، و موج مكفوف. ثم قال: هل تدرون ما بينكم و بينها؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: بينكم و بينها خمسمائة سنة.

ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: سماء فى بعد ما بينهما

____________

[1] العنان السحاب. واحدته بهاء. (قاموس).

31

خمسمائة سنة. قال ذلك حتّى بلغ سبع سماوات، ما بين كل سماءين، ما بين السماء و الأرض. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: إنّ فوق ذلك العرش. و بينه و بين السماء بعد ما بين السماءين. ثم قال: هل تدرون ما تحتكم؟

قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: إنّها الأرض. ثم قال: أ تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا:

اللّه و رسوله أعلم. قال: إنّ تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة. حتّى عدّ سبع أرضين، بين كل أرض و أرض خمسمائة سنة».

أخرجه أبو عيسى الترمذىّ، في «جامعه».

و يروى عن ابن عبّاس ((رضى اللّه عنهما))

أنّ رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) كان جالسا بالبطحاء، بين أصحابه، إذ مرّت عليهم سحابة. فنظروا إليها. فقال رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) هل تدرون ما اسم هذه؟ قالوا: نعم. هذا السحاب. فقال ((صلى الله عليه و سلم)): و المزن. قالوا: و المزن. قال: و العنان. قالوا: و العنان.

فقال: هل تدرون ما بين السماء و الأرض؟ قالوا: لا ندرى. قال: خمسمائة عام. و بينها و بين السماء التى فوقها كذلك. (حتّى عدّ سبع سماوات). ثمّ قال: و فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه و أسفله كما بين سماء إلى سماء (و فى لفظ: كما بين السماء و الأرض). و فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم و ركبهم [1] مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم [2] العرش، بين أسفله و أعلاه كما بين السماء و الأرض.

و جاء فى رواية أخرى ذكر الكرسىّ، و قال: «ثم ما بين السماء السابعة و الكرسىّ مسيرة خمسمائة عام. ثم ما بين الكرسىّ إلى الماء مسيرة خمسمائة عام. و العرش فوق الماء.»

و لم يذكر الأوعال.

____________

[1] فى الترمذىّ: أظلافهنّ و ركبهنّ ......... ظهورهنّ.

[2] فى الترمذىّ: أظلافهنّ و ركبهنّ ......... ظهورهنّ.

32

و جاء فى رواية أخرى ذكر الكرسىّ، و أنّ السماوات فى ضمنه. و هى بالنسبة إليه كحلقة ملقاة فى أرض فلاة، و الكرسىّ بالنسبة إلى العرش كذرّة ملقاة فى أرض فلاة فيحاء. (و فى رواية كحلقة).

و روى أن أبا ذرّ ((رضى اللّه عنه)) قال:

«يا رسول اللّه: أىّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية الكرسىّ. ثم قال: يا أبا ذرّ! أ تدري ما الكرسىّ؟ قلت: لا؛ فعلّمنى يا رسول اللّه، مما علّمك اللّه. فقال: ما السماوات و الأرض و ما فيهنّ فى الكرسىّ، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. و ما الكرسىّ فى العرش، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. و ما العرش فى الماء، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. و ما الماء فى الريح، إلا كحلقة ألقاها ملق فى فلاة. و جميع ذلك فى قبضة اللّه كالحبّة، و أصغر من الحبّة، فى كفّ أحدكم. تعالى اللّه سبحانه»

. رواه أبو حاتم فى كتاب العظمة.

و القول فى هيئة السماء، على مذاهب أصحاب علم الهيئة، كثير. أغضينا عنه، لأنه لا يقوم عليه دليل واضح. فلذلك اقتصرنا على ذكر المنقول دون المعقول.

فلنذكر ما جاء فى الأمثال التى فيها ذكر السماء، و ما وصفها الشعراء به و شبّهوها.

2- أما الأمثال‏

فقولهم: أرفع من السماء، للبالغة.

و قول الشاعر:

من ذا رأى أرضا بغير سماء؟إنّ السماء ترجّى حين تحتجب.

إنّ السماء، إذا لم تبك مقلتها، * * * لم تضحك الأرض عن شي‏ء من الزّهر

.

33

3- و أما الوصف و التشبيه‏

فمنه قول عبد اللّه بن المعتزّ:

كأنّ سماءنا، لمّا تجلّت‏ * * * خلال نجومها عند الصّباح،

رياض بنفسج خضل، نداه‏ * * * تفتّح بينه نور الأقاح.

و قال آخر:

كأنّ سماءنا، و الشّهب فيها، * * * و أصغرها لأكبرها مزاحم،

بساط زمرّد نثرت عليه‏ * * * دنانير تخالطها دراهم.

و نحوه قول الآخر:

كأنّ سماء الأرض نطع زمرّد، * * * و قد فرشت فيه الدّنانير للصّرف.

و قال آخر:

و رأيت السّماء كالبحر إلّا * * * أنّ مرسوبه من الدّرّ طافى.

فيه ما يملأ العيون كبير * * * و صغير ما بين ذلك خافى.

و قال التّنوخيّ يصف ليلة:

كأنما نجومها، * * * نصب عيون الرّمّق،

دراهم قد نثرت‏ * * * على بساط أزرق.

و قال أبو طالب الرّقّىّ:

و كأنّ أجرام السماء، لوامعا، * * * درر نثرن على بساط أزرق.

و قال ظافر الحدّاد:

كأنّ نجوم الليل، لما تبلجت، * * * توقّد جمر فى خلال رماد.

حكى، فوق ممتدّ المجرّة شكلها، * * * فواقع تطفو فوق لجّة وادى.

34

و قال آخر:

كأنّ النّجوم، نجوم السما، * * * و قد لحن للعين من فرط بعد،

مسامير من فضّة سمّرت‏ * * * على وجه لوح من اللّازورد.

و قال محمد بن عاصم:

ترى صفحة الخضراء، و النّجم فوقها، * * * ككفّ سدوسىّ بدا فيه درهم.

ترى، و على الآفاق أثواب ظلمة، * * * و أزرارها منها شمال و مرزم [1].

4- و مما قيل فى الفلك‏

قال أبو العلاء المعرّىّ:

يا ليت شعرى! و هل ليت بنافعة؟ * * * ما ذا وراءك أو ما أنت يا فلك؟

كم خاض فى إثرك الأقوام و اختلفوا * * * قدما! فما أوضحوا حقّا و لا تركوا.

شمس تغيب و يقفو إثرها قمر، * * * و نور صبح يوافى بعده حلك.

طحنت طحن الرّحى من قبلنا أمما * * * شتّى، و لم يدر خلق أيّة سلكوا.

و قال، إنّك طبع خامس، نفر. * * * عمرى! لقد زعموا بطلا و قد أفكوا!

راموا سرائر للرحمن حجبها، * * * ما نالهنّ نبىّ، لا و لا ملك.

و قال الرئيس أبو علىّ بن سينا [2]:

بربّك! أيّها الفلك المدار، * * * أقصد ذا المسير أم اضطرار؟

مدارك، قل لنا، فى أىّ شي‏ء؟ * * * ففى أفهامنا منك ابتهار!

____________

[1] المرزم: الثبت القائم على الأرض.

[2]. قال صاحب عيون الأنباء (ج 1 ص 248- 249) إن بعض الناس ينسب هذه القصيدة لابن سينا و ليست له، و نص على أنها لابن الشل البغدادى و قد أوردها فى خمسين بيتا.

35

و عندك ترفع الأرواح؟ أم هل‏ * * * مع الأجساد يدركها البوار؟

و فيك الشّمس رافعة شعاعا، * * * بأجنحة قوادمها قصار؟

قطوف، ذى النّجوم أم اللآلي؟ * * * هلال أم يد فيها سوار؟

و شهب، ذى المجرّة أم ذبال [1] * * * عليها المرخ [2] يقدح و العفار [3]؟

و ترصيع، نجومك أم حباب‏ * * * تؤلّف بينها اللّجج الغزار؟

تمدّ رقومها ليلا و تطوى‏ * * * نهارا، مثل ما طوى الإزار!

فكم بصقالها صدئ البرايا! * * * و ما يصدا لها أبدا غرار.

و تبدو ثمّ تخنس راجعات‏ * * * و تكنس مثل ما كنس الصوار [4].

فبينا الشّرق يقدمها صعودا * * * تلقّاها من الغرب انحدار.

هى العشواء، ما خبطت هشيم‏ * * * هى العجماء، ما جرحت جبار [5].

و قال أبو عبادة البحترىّ:

أناة! أيّها الفلك المدار! * * * أنهب ما تصرّف أم خيار؟

ستبلى مثل ما نبلى، و تفنى‏ * * * كما نفنى، و يؤخذ منك ثار.

____________

[1] الذبال: الفتائل.

[2] المرخ: شجر سريع الورى كثيره. و قد وصفه المؤلف فيما بعد (ص 39) بأنه شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا.

[3] العقار: شجر يتخذ منه الزناد و هو من شجر النار.

[4] الصوار كالصيار بكسر الصاد و ضمها: القطيع من البقر.

[5] الجبار (بضم الجيم) الهدر.

36

الباب الثالث من القسم الأوّل من الفن الأوّل‏

1- فى ذكر الملائكة

قال رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)):

«أطّت [1] السماء، و حقّ لها أن تئطّ.

ما فيها موضع أربع أصابع، إلّا و عليه ملك قائم أو راكع أو ساجد».

و الملائكة أولو أجنحة: مثنى، و ثلاث، و رباع، و أكثر من ذلك. فإنه قد ورد أن جبريل ((عليه السلام)) له ستمائة جناح. و هى الصورة التي رآه النبىّ ((صلى الله عليه و سلم)) فيها مرّتين:

إحداهما فى الأرض، و قد سدّ ما بين الخافقين. و وصفه اللّه تعالى بالقوّة، فقال تعالى: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ). و من قوّته، أنه اقتلع مدائن قوم لوط، و كانت خمس مدائن، من الماء الأسود، و حملها على جناحه، و رفعها إلى السماء، حتّى إنّ أهل السماء يسمعون نبّاح كلابهم، و أصوات دجاجهم؛ ثمّ قلبها.

و المرّة الثانية، رآه ((صلى الله عليه و سلم)) عند سدرة المنتهى. قال اللّه تعالى:

(وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏).

و كان هبوط جبريل ((عليه السلام)) على الأنبياء ((صلوات الله عليهم)) و رجوعه فى أوحى [2] من رجع الطّرف.

____________

[1] أطّ: صوّت.

37

و عظماء الملائكة أربعة، و هم: إسرافيل، و ميكائيل، و جبرائيل، و عزرائيل.

و أقربهم من اللّه تعالى منزلة، إسرافيل.

فإذا أراد اللّه تعالى بوحى، جاء اللوح المحفوظ حتّى يقرع جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر فيه. فإن كان إلى السماء، دفعه إلى ميكائيل؛ و إن كان إلى الأرض، دفعه إلى جبرائيل؛ و إن كان بموت أحد، أمر به عزرائيل. (صلوات الله عليهم)! و قد روى فى قوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)، هم أربعة من الملائكة:

جبريل، و ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل. فجبريل على الجنود و الرياح، و ميكائيل على القطر و النبات، و عزرائيل على قبض الأرواح، و إسرافيل يبلّغهم ما يؤمرون به.

و جعل اللّه تعالى لهم أن يتمثلوا للبشر على ما شاءوا من الصور، كما كان جبريل يتمثل سيدنا رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) على صورة دحية الكلبىّ مرارا، و فى صورة غيره من لرجال؛ و كما تمثّل لمريم (عليها السلام) بشرا سويا. و نزلت الملائكة فى غزوة بدر على الخيول المسوّمة، و قد سدلوا ذوائب عمائمهم على مناكبهم. و هم مخلوقون من نور. صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين!

38

الباب الرابع من القسم الأوّل من الفن الأوّل‏

1- فى الكواكب السبعة المتحيرة

قال اللّه تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ). ذهب المفسرون إلى أنها هى الكواكب السبعة: زحل، و المشترى، و المرّيخ، و الشمس، و الزّهرة، و عطارد، و القمر.

و قالوا: إن هذه الكواكب هى المعنيّة بقوله تعالى: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً).

و سميت كنّسا لأنها تجرى فى البروج ثم تكنس أى تستتر كما تكنس الظباء؛ و خنسا لاستقامتها و رجوعها. و قيل الخنّس و الكنّس منها خمسة، دون الشمس و القمر.

و سميت خنّسا لأن الخنوس فى كلام العرب الانقباض. و فى الحديث الشريف «الشيطان يوسوس للعبد، فإذا ذكر اللّه تعالى خنس» أى انقبض و رجع. فيكون فى الكوكب بمعنى الرجوع. و كنّسا من قول العرب كنس الظبى اذا دخل الكناس، و هو مقرّه؛ و يكون فى الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس.

و أسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من صفاتها.

فقالوا فى زحل: زحل فلان إذا أبطأ، و بذلك سمّى هذا الكوكب لبطئه فى السماء.

و قيل الزّحل و الزّحيل [1] الحقد و هو فى طبعه. و هذا الكوكب عند المفسرين هو المعنى بقول اللّه عز و جل‏ وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ).

____________

[1] الذحل الذى بمعنى الحقد بالذال المعجمة و لم يذكره أحد من أئمة اللغة فى الزاى. فهو اشتباه على الناقل.

و الذى «فى اللسان» أنه سمى بذلك لبعده.

39

و قالوا فى المشترى: إنه إنما سمّى بذلك لحسنه، كأنه اشترى الحسن لنفسه. و قيل لأنه نجم الشراء و البيع، و دليل الأموال، و الأرباح.

و قالوا فى المرّيخ: إنه مأخوذ من المرخ (و هو شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى نارا) فسمّى بذلك لاحمراره. و قال آخرون المرّيخ سهم لا ريش له إذا رمى به لا يستمرّ فى ممرّه. و كذلك المرّيخ، فيه التواء كثير فى سيره و حكمه، فشبه بذلك.

و قالوا فى الشمس: إنها لما أن كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية و ثلاثة سفلية، سميت بذلك لأن الواسطة التى فى المخنقة تسمّى «شمسة».

و قالوا فى الزّهرة: إنها مشتقة من الزاهر، و هو الأبيض النّيّر من كل شي‏ء.

و قالوا فى عطارد: إنه النافذ فى الأمور، و لهذا سمّى بالكاتب. و هكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه و يقارنه.

و قالوا فى القمر: إنه مأخوذ من القمرة، و هى البياض؛ و الأقمر الأبيض.

و الفرس تسمّى هذه الكواكب بلغتها «كيوان» و يعنون به زحل؛ و «تير»، و يعنون به المشترى (و بعضهم يسميه «البرجيس»)؛ و «بهرام» و يعنون به المرّيخ؛ و «مهر» و يعنون به الشمس؛ و «أناهيد» و يعنون به الزّهرة (و بعضهم يسميها «بيدخت»)، و «هرمس» (و يعنون به عطارد)، و «ماه» (و يعنون به القمر).

و قد جمع بعض الشعراء أسماء هذه الكواكب فى بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال:

لا زلت تبقى و ترقى للعلى أبدا * * * ما دام للسّبعة الأفلاك أحكام!

مهر، و ماه، و كيوان، و تير معا * * * و هرمس، و أناهيد، و بهرام!

40

و قال أبو إسحاق الصابى:

نل المنى فى يومك الأجود، * * * مستنجحا بالطالع الأسعد!

و ارق كمرقى زحل صاعدا * * * إلى المعالى أشرف المقصد!

و فض كفيض المشترى بالنّدى‏ * * * إذا اعتلى فى أفقه الأبعد!

و زد على المرّيخ سطوا بمن‏ * * * عاداك من ذى نخوة أصيد!

و اطلع كما تطلع شمس الضّحى‏ * * * كاسفة للحندس الأسود!

و خذ من الزّهرة أفعالها * * * فى عيشك المستقبل الأرغد!

و ضاه بالأقلام فى جريها * * * عطارد الكاتب ذا السّودد!

و باه بالمنظر بدر الدّجى‏ * * * و افضله فى بهجته و ازدد!

و قد اختص كلّ كوكب من هذه الكواكب بقول. سنذكر من ذلك ما تقوم به الحجة، و ينهض به الدليل من الكتاب و السنة، و ما يتمثّل به مما فيه ذكرها، و ما ورد فى ذلك من الأوصاف و التشبيهات: نظما و نثرا مما وقفت عليه فى أثناء مطالعتى لكتب الفضلاء و تصانيفهم و دواوينهم. و عدلت عن أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطويّة و قبح الاعتقاد: لأن منهم من يرى أن للنجوم فى الوجود تأثيرات و أفعالا. أعاذنا اللّه تعالى من ذلك!

2- ذكر ما قيل فى الشمس‏

(و الشمس هى النيّر الأعظم) و قد ذهب بعض المفسرين لكتاب اللّه تعالى إلى أن نور الشمس و القمر فى سائر السماوات بدليل قول اللّه عز و جل‏ (وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً).

41

و جاء فى الحديث‏

عن النبىّ ((صلى الله عليه و سلم)) أنه قال:

«الشمس و القمر وجوههما إلى السماء و أقفاؤهما إلى الأرض»

و فى حديث آخر

«وجوههما إلى العرش و أقفاؤهما إلى الأرض»

. و فى حديث آخر

«ان الشمس تكون فى الصيف فى السماء الخامسة، و فى الشتاء فى السماء السابعة تحت عرش الرحمن»

. و زعموا أن حركتهما و حركة سائر الكواكب مستقيمة غير مستديرة، و أن الشمس تقطع سماء الدنيا فى يومها، و تغيب فى الأرض فى عين حمئة. و معنى حمئة ذات حمأة.

و قد جاء فى تفسير قوله تعالى‏ (وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) أى إلى موضع قرارها، لأنها تجرى إلى أبعد منازلها فى الغروب، ثم ترجع؛ و من قرأ «لا مستقرّ» لها أى هى دائبة السير ليلا و نهارا. و هى قراءة شاذة [1].

و قد قال اللّه تعالى‏ (وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ)

و روى عن رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) أنه قال:

أ تدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: إنها تجرى لمستقر لها تحت العرش، فتخرّ ساجدة؛ فلا تزال كذلك حتّى يؤذن لها فى الطلوع. و يوشك أن يقال لها: ارجعى من حيث جئت؛ و ذلك طلوعها من مغربها.

و ذهب وهب بن منبّه إلى أن الشمس على عجلة لها ثلاثمائة و ستون عروة، و قد تعلق بكل عروة ملك؛ يجرّونها فى السماء و دونها البحر المسجور فى موج مكفوف كأنه جبل ممدود فى الهواء، و لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شي‏ء حتّى الجبال و الصخور. و روى عن كعب أنه قال: «خلق اللّه القمر من نور و خلق الشمس من نار».

____________

[1] هذا الرأى هو الذى استقر عليه علماء الفلك أخيرا، بعد التحقيق و التدقيق. فللّه در صاحبه! فإنه، و إن كان قد خالفه فيه الدهماء، لكنه قد أقرّه الراسخون فى العلم الآن.

42

و قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً)، و السراج لا يكون إلا من نار؛ و هما مضيئان لأهل السماوات؛ كما يضيئان لأهل الأرض.

و قد تقدّم الدليل على ذلك.

3- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الشمس‏

يقال: أشهر من الشمس، أحسن من الشمس. أدلّ على الصبح من الشمس.

و من أنصاف الأبيات:

و هل شمس تكون بلا شعاع‏فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل‏و لو لم تغب شمس النهار، لملّت‏الشمس نمّامة و اللّيل قوّادالشمس طالعة إن غيّب القمرو ربّما تنكسف الشمس‏و الشمس تنحطّ فى المجرى و ترتفع‏إذا الشمس لم تغرب، فلا طلع البدر

و من الابيات قول الطائى:

فإنّى رأيت الشّمس زيدت محبّة * * * إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد.

و قال علىّ بن الجهم.

و الشّمس لو لا أنها محجوبة * * * عن ناظريك لما أضاء الفرقد.

و قال أبو تمّام:

و إنّ ضريح الرأى و الحزم لامرئ‏ * * * إذا بلغته الشمس، أن يتحوّلا.

43

و قوله:

و كلّ كسوف فى الدّرارى شنيعة، * * * و لكنّه فى الشمس و البدر أشنع.

و قوله أيضا:

أ عندك الشمس تجرى فى منازلها، * * * و أنت مشتغل الالحاظ بالقمر؟

و قال البحترىّ:

كذاك الشّمس تبعد أن تسامى، * * * و يدنو الضّوء منها و الشّعاع.

و قال ابن الرومى:

و رأيته كالشّمس: إن هى لم تنل‏ * * * فالدّف‏ء منها و الضّياء ينال.

و قال أيضا:

كالشّمس لا تبدو فضيلتها * * * حتّى تغشّى الأرض بالظّلم.

و قال أيضا:

كالشمس فى كبد السماء محلّها، * * * و شعاعها فى سائر الآفاق.

و قال العبّاس بن الأحنف:

هى الشمس مسكنها فى السماء. * * * فعزّ الفؤاد عزاء جميلا!

و قال أبو عبيد البكرىّ:

و الشمس يستغنى، إذا طلعت، * * * أن يستضاء بغرّة البدر.

و قال أبو الطيب المتنبى:

كالشمس لا تبتغى بما صنعت‏ * * * منفعة عندهم و لا جاها

.

44

و قال ابن لنكك البصرىّ:

و هبك كالشّمس فى حسن؛ أ لم ترها * * * يفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر؟

و قال ابن عبّاد:

فقلت: و شمس الضّحى تحتمى‏ * * * إذا بسطت فى المصيف الأذى.

و قال ابن مسعويه الخالدىّ:

لا يعجبنّك حسن القصر تنزله‏ * * * فضيلة الشمس ليست فى منازلها

.

و قال أبو الفتح البستىّ:

فالحرّ حرّ عزيز النّفس حيث ثوى، * * * و الشّمس فى كلّ برج ذات أنوار

.

4- ذكر ما جاء فى وصف الشمس و تشبيهها

من ذلك قول الوزير المهلّبىّ:

الشّمس فى مشرقها قد بدت‏ * * * منيرة ليس لها حاجب.

كأنّها بودقة أحميت، * * * يجول فيها ذهب ذائب.

و قال ظافر الحدّاد:

أنظر لقرن الشّمس بازغة * * * فى الشّرق تبدو ثم ترتفع!

كسبيكة الزّجّاج ذائبة * * * حمراء ينفخها فتتّسع.

و قال أبو هلال العسكرىّ:

و الشمس واضحة الجبين كأنّها * * * وجه المليحة فى الخمار الأزرق!

45

و

كأنّها عند انبساط شعاعها * * * تبر يذوب على فروع المشرق!

و قال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ:

أ و ما ترى شمس الأصيل عليلة * * * تزداد من بين المغارب مغربا؟

مالت لتحجب شخصها فكأنها * * * مدّت على الدّنيا ملاء مذهبا!

و مما وصفت به- و قد قابلت القمر- قول الشاعر:

أما ترى الشمس، و هى طالعة، * * * تمنع عنّا إدامة النّظر؟

حمراء صفراء فى تلوّنها * * * كأنّها تشتكى من السّهر.

مثل عروس غداة ليلتها * * * تمسك مرآتها من القمر.

و قال مؤيد الدين الطغرائى، عفا اللّه عنه و رحمه:

و كأنّما الشمس المنيرة إذ بدت، * * * و البدر يجنح للمغيب و ما غرب،

متحاربان: لذا مجنّ صاغه‏ * * * من فضّة، و لذا مجنّ من ذهب.

و من أحسن ما وصفت به فى الطلوع و الزوال و الغروب قول أعرابىّ.

مخبّأة: أمّا إذا اللّيل جنّها * * * فتخفى و أما فى النّهار فتظهر.

إذا انشقّ عنها ساطع الفجر و انجلى‏ * * * دجى الليل و انجاب الحجاب المستّر

و ألبس عرض الأفق لونا كأنّه‏ * * * على الأفق الغربىّ ثوب معصفر

عليها دروع الزّعفران، يشوبه‏ * * * شعاع تلالا فهو أبيض أصفر:

ترى الظّلّ يطوى حين تبدو و تارة * * * تراه إذا زالت عن الأرض ينشر.

فأفنت قرونا، و هى فى ذاك لم تزل‏ * * * تموت و تحيا كلّ يوم و تنشر!

46

و قال آخر:

و بدا لنا ترس من الذّهب الذى‏ * * * لم ينتزع من معدن بتعمّل.

مرآة نور لم تشن بصياغة * * * كلّا و لا جليت بكفّ الصّيقل.

تسمو إلى كبد السماء كأنّها * * * تبغى هناك دفاع أمر معضل.

حتّى إذا بلغت إلى حيث انتهت‏ * * * وقفت كوقفة سائل عن منزل.

ثم انثنت تبغى الحدور كأنها * * * طير أسفّ مخافة من أجدل.

و مما وصفت به، و قد قابلت الغيم، قول ابن المعتز:

تظلّ الشمس ترمقنا بطرف‏ * * * خفىّ لحظه من خلف ستر.

تحاول فتق غيم و هو يأبى‏ * * * كعنّين يحاول نيل بكر.

و قال آخر:

و عين الشمس ترنو من بعيد * * * رنوّ البكر من خلف السّتور.

و قال محمد بن رشيق:

فكأنّ الشّمس بكر حجبت‏ * * * و كأنّ الغيم ستر قد ستر [1].

5- ذكر شي‏ء مما وصفت به على طريق الذمّ‏

فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن عمير، و قد سئل عنها فقال: مظهرة للدّاء، مثقّلة للهواء، مبلاة للثوب، جالبة للّهب.

و قال آخر: الشمس تشحب اللون، و تغيّر العرق، و ترخى البدن، و تثير المرّة.

إذا احتجمت فيها، أمرضتك؛ و إن أطلت النوم فيها، أفلجتك؛ و إن قربت منها، صرت زنجيّا، و إن بعدت عنها، صرت صقلّيّا.

____________

[1] كذا بالأصل و لعل يد الناسخ حرفته عن «سدل» كما هو ظاهر.

47

و قال ابن سنا الملك:

لا كانت الشمس! فكم أصدأت‏ * * * صفحة خدّ كالحسام الصّقيل!

و كم و كم صدّت بوادى الكرى‏ * * * طيف خيال جاءنى عن خليل!

و أعدمتنى من نجوم الدّجى‏ * * * و منه روضا بين ظلّ ظليل!

تكذب فى الوعد؛ و برهانه‏ * * * أنّ سراب القفر منها سليل.

و هى إذا أبصرها مبصر * * * حديد طرف، راح عنها كليل.

يا علّة المهموم، يا جلدة ال * * * محموم، يا زفرة صبّ نحيل!

يا قرحة المشرق عند الضّحى، * * * و سلحة المغرب عند الأصيل!

أنت عجوز، لم تبرّجت لى، * * * و قد بدا منك لعاب يسيل؟

و قال التيفاشيّ، عفا اللّه تعالى عنه و رحمه:

فى خلقة الشمس و أخلاقها * * * شتّى عيوب ستة تذكر.

رمداء، عمشاء، إذا أصبحت؛ * * * عمياء عند اللّيل، لا تبصر.

و يغتدى البدر لها كاسفا * * * و جرمها من جرمه أكبر.

حرورها فى القيظ لا تتّقى‏ * * * و دفؤها فى القرّ مستحقر.

و خلقها خلق المليك الذى‏ * * * ينكث فى العهد و لا يصبر.

ليست بحسناء. و ما حسن من‏ * * * يحسر عنه اللحظ لا يبصر؟

و قال أبو الطيب المتنبى:

تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا * * * و لا تسوّد بيض العذر و اللّمم.

و كان حالهما فى الحكم واحدة * * * لو اختصمنا من الدّنيا إلى حكم.

48

6- ذكر ما قيل فى الكسوف‏

روى أن الشمس كسفت فى عهد رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) و وافق ذلك موت إبراهيم بن رسول اللّه ((صلى الله عليه و سلم)) فقال الناس: إنما كسفت الشمس لأجله‏

فقال النبىّ ((صلى الله عليه و سلم))

«إنّ الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه تعالى يخوّف بهما عباده، و إنهما لا يكسفان لموت أحد و لا لحياته. فإذا رأيتم ذلك، فادعوا اللّه و كبّروا و صلّوا حتّى يكشف ما بكم».

و قال محمد بن هانئ فى الكسوف.

هى الحوادث لا تبقى و لا تذر! * * * ما للبريّة من محتومها وزر!

لو كان ينجى علوّ من بوائقها، * * * لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر!

7- ذكر أسماء الشمس اللغوية

و للشمس أسماء نطقت بها العرب. فمنها: ذكاء، و الجارية، و الجونة، و الغزالة، و اللاهة [1]، و الضّحى، و الضّحّ، و يوح (بالياء المثناة و الباء الموحدة)، و الشّرق، و حناذ، و العين، و المؤوّبة، و السّراج.

____________

[1] الذى فى كتب اللغة أن اللاهة اسم محيّة. و أما الشمس فاسمها إلاهة مثلثة، و أليهة. فلعل ما هنا تصحيف من الناسخ.

49

8- ذكر عبّاد الشمس‏

قال الشهرستانىّ فى كتابه المترجم «بالملل و النحل»: إن عبدة الشمس طائفة من الهنود يسمّون الديبكينية [1] أى عباد الشمس؛ و مذهبهم مذهب الصابئة. و توجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر الإلهية و الربوبيّة عليها. و يزعمون أن الشمس ملك من الملائكة، و أن لها نفسا و عقلا، و منها نور الكواكب، و ضياء العالم، و تكوّن الموجودات السفلية. و هى ملك يستحق التعظيم، و السجود، و التبخير، و الدعاء. و من سنتهم أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار. و للصنم بيت خاصّ بنوه باسمه و وقفوا عليه ضياعا، و له سدنة و قوّام. فتأتى هذه الطائفة إلى البيت، و يصلّون فيه ثلاث كرّات.

و يأتى أصحاب العلل و الأمراض فيصومون له، و يصلّون، و يدعون، و يستشفون به.

9- ذكر ما قيل فى القمر

(و هو النير الثانى) ذهب وهب بن منبّه أن القمر موضوع على عجلة فى فلك، و الفلك يدور بأمر اللّه تعالى إلى ناحية المغرب، و العجلة يجرّها ثلاثمائة و ستون ملكا إلى ناحية المشرق؛ و تدوير العجلة من تدوير الفلك الأعظم؛ و تدوير فلك القمر من تدوير العجلة.

و يقال: إن القمر كان كالشمس فى الضياء. فلم يكن يعرف الليل من النهار، فأمر اللّه تعالى جبريل أن يمرّ عليه بجناحه، فمرّ عليه، فمحاه. فهو ما ترى فيه من السواد.

____________

[1] الذى فى الشهرستانى طبع لويدرة: «الدينكيتيّة». و هو الأقرب للصواب و يقول مترجمه الألمانى العلامة هاربرد كرانه و لعله من «ديكرت» و معناه «صانع النهار».

50

و بهذا القول فسر قوله تعالى‏ (وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً).

قالوا: و لا يسمّى قمرا إلا بعد مضىّ ثلاث ليال من استهلاله. و الأقمر هو الأبيض.

10- ذكر ما قيل فى القمر

(من استهلاله إلى انقضاء الشهر و أسماء لياليه) قالوا: و للقمر من أوّل الشهر إلى آخره خمس حالات؛ و للياليه عشرة أسماء أما حالاته الخمس:

فالأولى: الهلالية، و هى خروجه من تحت شعاع الشمس و ظهوره فى الغرب فى أوّل الشهر.

الثانية: أن يفضل فيه النور على الظلمة، و ذلك فى الليلة السابعة من الشهر.

الثالثة: الاستقبال، و هو كونه فى البرج السابع من بروج الشمس، و يسمّى الامتلاء لامتلاء القمر فيه نورا، و ذلك فى الليلة الرابعة عشرة من الشهر، و يسمّى القمر فيها بدرا لكماله، و يسمّى بذلك لامتلائه، و قيل لمبادرته الشمس بالطلوع، و تسمّى الليلة التى قبلها (و هى الثالثة عشرة) ليلة السّواء لاستواء القمر فيها، و قيل: لاستواء ليلها و نهارها فى الضياء، و هى ليلة التّمام.

الرابعة: أن تفضل الظلمة فيه على النور، و ذلك فى الليلة الثانية و العشرين من الشهر.