نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج19

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
523 /
5

الجزء التاسع عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تصدير

هذا هو الجزء التاسع عشر من كتاب «نهاية الأرب» لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى، تصدره الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعد أن أصدرت دار الكتب منه ثمانية عشر جزءا.

و يشتمل هذا الجزء على تاريخ الثلاثة الأوائل من الخلفاء الراشدين:

أبى بكر و عمر و عثمان (رضى اللّه عنهم)، و ذكر صفاتهم و مناقبهم و الأحداث التى عاصرت حياتهم، و الفتوح التى كانت فى أثناء خلافتهم.

و قد سرت فىتحقيقه على المنهج الذى سار عليه القسم الأدبى بدار الكتب فيما أخرج من أجزاء؛ من الاعتماد على ما يقابل كل جزء من النسخ المخطوطة و المصورة بها.

و قد وافق هذا الجزء من هذه النسخ نسختان:

الأولى: النسخة المصورة عن مكتبة كبريلى بالأستانة، و هى نسخة كاملة تقع فى واحد و ثلاثين جزءا؛ محفوظة بالدار برقم (549- معارف عامة).

و الثانية: نسخة مصورة عن نسخة محفوظة بمكتبة أيا صوفيا بالأستانة، و هذه النسخة كسابقتها تقع فى واحد و ثلاثين جزءا أيضا. و يظن أنها بخط المؤلف؛ إلا أنها نسخة ناقصة، و الأجزاء الموجودة منها بدار الكتب ثمانية عشر جزءا غير متصلة، محفوظة بدار الكتب برقم (551- معارف عامة)

6

و قد سبق أن وصفت هاتان النسختان فى مقدمة الجزء السادس عشر.

و قد رمزت إلى النسخة الأولى بالحرف (ك) و إلى الثانية بالحرف (ص).

و قد رجعت فى التحقيق أيضا إلى تاريخ اليعقوبى، و تاريخ الطبرى، و المسعودى، و ابن الأثير، و ابن كثير، و كتاب الرياض النضرة للمحبّ الطبرى؛ إذ كانت هذه الكتب هى المادة نقل عنها المؤلف فى هذا الفن؛ فن التاريخ.

و وشيت حواشيه بالقدر من التعليقات الذى يعين على تحرير النص و فهمه.

و أسأل اللّه أن يوفق لإتمام نشر بقية أجزائه و طبعها، كما أسأله جلّ شأنه أن يجعل هذا العمل نافعا مقبولا.

محمد أبو الفضل إبراهيم‏

7

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*اللهمّ يسّر و لا تعسّر، و اختم بخيراتك إنّك على كل شي‏ء قدير، و صلّى اللّه على سيّدنا محمد.

الباب الثانى من القسم الخامس فى أخبار الخلفاء الراشدين‏

أبى بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان، و علىّ ابن أبى طالب، و أيّام الحسن بن علىّ (رضوان الله عليهم اجمعين)

8

ذكر خلافة أبى بكر الصديق و شي‏ء من أخباره و فضائله‏

هو أبو بكر، و اسمه عبد اللّه بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم [1] بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب، و مجتمع نسبه مع نسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند مرّة بن كعب.

و أمه سلمى- و كنيتها أمّ الخير- بنت صخر بن كعب بن سعد ابن تيم [1] بن مرّة، و هى بنت عمّ أبيه.

و كان (رضى اللّه عنه) ينعت بعتيق، و قد اختلف فى سبب نعته بذلك؛ فقال اللّيث بن سعد، و جماعة معه: إنّما قيل له عتيق لجماله و عتاقة وجهه.

و قال مصعب الزّبيرىّ و طائفة من أهل النّسب: إنّما سمّى عتيقا لأنّه لم يكن فى نسبه شي‏ء يعاب.

و قال آخرون: كان له أخوان: أحدهما يسمّى عتيقا، و الآخر عتيقا؛ مات عتيق قبله، فسمّى باسمه.

و روى عن موسى بن طلحة، قال: سألت أبى طلحة بن عبيد اللّه، قلت له: يا أبت، بأىّ شي‏ء سمّى أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمّه لا يعيش لها ولد، فلمّا ولدته استقبلت به البيت، و قالت:

اللهمّ إنّ هذا عتيقك من الموت فهبه لى.

____________

[1] ك: «تميم» و صوابه ما أثبته من ص.

9

و قال آخرون: إنّما سمّى عتيقا لأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى هذا»، فسمّى عتيقا بذلك.

و روى عن عائشة أمّ المؤمنين (رضى اللّه عنها)، قالت:

إنّى لفى بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أصحابه بالفناء:؛ و بينهم الستر، إذ أقبل أبو بكر (رضى اللّه عنه)، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا»

. قالت: و إنّ اسمه الذى سمّاه أهله لعبد اللّه بن عثمان، و سمّى (رضى اللّه عنه) بالصّدّيق؛ لمبادرته إلى تصديق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى كلّ ما جاء به.

و قيل: بل قيل له الصديق؛ لتصديقه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى خبر الإسراء.

و قال أبو محجن الثقفىّ فى أبى بكر (رضى اللّه عنه):

و سمّيت صدّيقا، و كلّ مهاجر * * * سواكتسمّى باسمه غير منكر [1]

سبقت إلى الإسلام، و اللّه شاهد، * * * و كنت جليسا بالعريش المشهّر

و بالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا * * * و كنت رفيقا للنّبىّ المطهّر

يعنى بقوله: «بالعريش» فى يوم بدر؛ لأنه (رضى اللّه عنه) كان مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى العريش؛ لم يكن معه فيه غيره.

و بقوله:

و بالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا

____________

[1] الاستيعاب 965.

10

قوله تعالى:ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. [1]

و لنبدأ من أخباره (رضى اللّه عنه) بذكر شي‏ء من فضائله، و اللّه المستعان، و عليه التّكلان.

ذكر نبذة من فضائل أبى بكر الصديق و مآثره فى الجاهلية و الإسلام‏

كان (رضى اللّه عنه) فى الجاهلية وجيها، رئيسا من رؤساء قريش، و إليه كانت الأشناق فى الجاهلية- و الأشناق الدّيات- فكان إذ حمل شيئا قالت فيه قريش: صدّقوه، و امضوا حمالته [2] و حمالة من قام معه أبو بكر، و إن احتملها غيره خذلوه و لم يصدّقوه.

و كان (رضى اللّه عنه) ممّن حرّم الخمر على نفسه، و تنزّه عنها فى الجاهليّة، و كانت أشراف قريش تختلف إليه و تزوره، و تستشيره و تقتدى برأيه، و تتربص فى الأمور المعضلة إذا غاب إلى أن يقدم، و يدلّ على ذلك ما قدّمناه فى أوائل السّيرة النبويّة من خبره مع الشيخ الكبير الأزدىّ فى سفره إلى اليمن، و ما بشّره الأزدىّ به من مبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنّه يعاونه على أمره، و أنّ أبا بكر (رضى اللّه عنه) لمّا رجع إلى مكّة، جاءه شيبة بن ربيعة و أبو جهل ابن هشام و أبو البخترىّ، و عقبة بن أبى معيط، و رجالات قريش‏

____________

[1] سورة التوبة 40.

[2] الحمالة بالفتح: الدية يحملها قوم عن غيرهم.

11

مسلمين عليه. و قولهم له: حدث أمر عظيم؛ هذا محمد بن عبد اللّه يزعم أنه نبىّ أرسله اللّه إلى الناس، و لو لا أنت ما انتظرنا به؛ فإذ جئت فأنت النّهية [1]، و قد تقدم ذكر هذه القصة فى المبشرات برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) [2].

و مثل ذلك لا ينتظر به إلا من لا يمكن أن يقطع الأمر دونه.

و فى هذا أقوى دلالة على فضله و شرفه، و مكانته لديهم. و كان أنسب قريش لقريش، و أعلم قريش بما فيها من خير و شر.

و أما فضائله (رضى اللّه عنه) و مناقبه فى الإسلام فكثيرة جدا، قد أبانه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بفضائل و مناقب، و خصّه بمزايا لم يخصّ بها غيره، و ذكره فى مواطن لم يذكر فيها سواه.

و قد تقدم من ذلك جملة فى أثناء السيرة النبوية فنشير الآن إليها، و نذكر ما سواها ممّا تقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

فمن فضائله التى تقدم ذكرها سابقته فى الإسلام، و أنّه (رضوان الله عليه) أول من أسلم من الذكور، و أول من صلّى مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

روى أبو عمر بن عبد البرّ بسنده إلى الشعبىّ، قال: سألت ابن عباس- أو سئل ابن عباس (رضى اللّه عنهما): أىّ الناس كان أوّل إسلاما؟ فقال: أ ما سمعت قول حسان بن ثابت:

____________

[1] فى السيرة الحلبية 1: 275: «فأنت الغاية و الكفاية».

[2] نهاية الأرب 16: 148.

12

إذا تذكّرت شجوا من أخى ثقة * * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا [1]

خير البرية، أتقاها و أعدلها [2] * * * بعد النبىّ، و أوفاها بما حملا

الثانى التالى المحمود مشهده [3] * * * و أوّل الناس حقّا صدّق الرّسلا [4]

و يروى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لحسان بن ثابت:

هل قلت فى أبى بكر شيئا؟ قال: نعم؛ و أنشده هذه الأبيات، و فيها بيت رابع، و هو:

و ثانى اثنين فى الغار المنيف و قد * * * طاف العدوّ به إذ صعّدوا الجبلا

فسرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال: «أحسنت يا حسان».

و روى أنّ فيها بيتا خامسا، و هو:

و كان حبّ رسول اللّه إذ علموا [5] * * * خير البرية لم يعدل به رجلا [6]

و مما يؤيد أنه (رضوان الله عليه) أول من أسلم ما رواه الجريرىّ، عن أبى نضرة، قال: قال أبو بكر لعلىّ (رضى اللّه عنهما):

أنا أسلمت قبلك ...، فى حديث ذكره، فلم ينكر عليه.

و من ذلك أنه (رضى اللّه عنه) فدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بنفسه.

روى عن أسماء بنت أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنهما): أنها قالت، و قد قيل لها: ما أشدّ ما رأيت المشركين بلغوا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقالت: كان المشركون قعودا فى المسجد الحرام، فتذكّروا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما يقول فى آلهتهم، فبينما هم كذلك إذ دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)،

____________

[1] ديوانه 299.

[2] الديوان: «أتقاها و أرأفها».

[3] الديوان: «المحمود شيمته».

[4] الديوان: «و أول الناس طرا».

[5] الديوان: «قد علموا».

[6] الاستيعاب 3: 963- 965.

13

فقاموا إليه، و كانوا إذا سألوه عن شي‏ء صدقهم، فقالوا: أ لست تقول فى آلهتنا كذا و كذا؟ قال: بلى، قال: فتشبّثوا به بأجمعهم، فأتى الصّريخ إلى أبى بكر، فقيل له: أدرك صاحبك، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد، فوجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس مجتمعون عليه، فقال: ويلكم!أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ‏ [1]! فلهوا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أقبلوا يضربونه. قالت: فرجع إلينا فجعل لا يمسّ شيئا من غدائره إلا جاء معه و هو يقول: تباركت يا ذا الجلال و الإكرام.

و منها، أنه (رضى اللّه عنه) أنفق على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما كان يملكه، طيّبة بذلك نفسه.

روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أسلم أبو بكر و له أربعون ألفا، أنفقها كلّها على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و فى سبيل اللّه.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«ما نفعنى مال مثل ما نفعنى مال أبى بكر»

. و من رواية أخرى عنه قال: أسلم أبو بكر يوم أسلم و له أربعون ألف دينار، و أعتق سبعة كلّهم يعذّب فى اللّه، أعتق بلالا، و عامر ابن فهيرة، و زنّيرة، و النّهدية [2] و ابنتها، و جارية بنى نوفل، و أم عبيس. و قد تقدّم خبرهم فى السيرة النبوية.

و منها، أنه (رضى اللّه عنه) أسلم على يديه بدعائه نصف العشرة

____________

[1] سورة غافر 28.

[2] ص: «و الهدية».

14

المشهود لهم بالجنة، و هم: الزّبير بن العوّام، و عثمان بن عفّان، و طلحة بن عبيد اللّه، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبى وقّاص، (رضوان الله عليهم اجمعين).

و أسلم أبواه، و صحبا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أسلم بنوه كلّهم، و صحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هو و أبوه أبو قحافة، و ابنه عبد الرحمن بن أبى بكر، و ابن ابنه محمد ابن عبد الرحمن، و ليست هذه المنقبة لأحد من الصحابة غيره.

و من ذلك أنه (رضى اللّه عنه) كان مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى الغار، و رفيقه فى هجرته، و ناهيك بهما! و سمّاه عز و جل فى كتابه: «صاحبه». فقال تعالى:إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [1].

روى عن على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، قال: خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و خرج أبو بكر معه؛ لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار.

و عن حبيب بن أبى ثابت فى قوله تعالى:فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏ [2]. قال: على أبى بكر؛ فأمّا النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقد كانت عليه السّكينة.

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأبى بكر:

«أنت صاحبى على الحوض، و صاحبى فى الغار»

. و عن سفيان بن عيينة، قال: عاتب اللّه عز و جلّ المسلمين‏

____________

[1] سورة التوبة 40.

15

كلّهم فى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلّا أبا بكر، فإنه خرج من المعاتبة، قال اللّه تعالى:إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ.

و من فضائله و مزاياه (رضى اللّه عنه)، أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قدمه للصّلاة [1] بالمسلمين فى حياته، و أمر بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلّا باب أبى بكر، و قد تقدّم ذلك [2].

و منها ما

روى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أنه قال:

«رأيت فى المنام أنّى وزنت بأمّتى فرجحت، ثم وزن أبو بكر فرجح، ثمّ وزن عمر فرجح»

. و هذا دليل على أنه (رضوان الله عليه) أرجح من الأمة أكثر من مرتين، فإنه رجح الأمة، و عمر (رضى اللّه عنه) فيهم، و رجح عمر الأمة. و رؤيا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حقّ لا محالة.

و روى عن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) أنه قال: ما سابقت أبا بكر إلى خير قطّ. إلّا سبقنى إليه؛ و لوددت أنى شعرة فى صدر أبى بكر.

و عن عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهما)

، أنّ النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بالصدقة، قال عمر بن الخطاب و كان عندى مال كثير.

فقلت: و اللّه لأفضلنّ أبا بكر هذه المرّة، فأخذت نصف مالى و تركت نصفه، فأتيت به النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: «هذا مال كثير، فما تركت لأهلك»؟ قال: تركت لهم نصفه؛ و جاء أبو بكر بمال كثير، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما تركت لأهلك»؟ قال: تركت لهم اللّه و رسوله‏

.

____________

[1] ص: «فى الصلاة».

[2] ص: «ذكر ذلك».

16

و فى رواية: قلت: لا أسابقك إلى شي‏ء أبدا.

و عن عبد اللّه بن عباس (رضى اللّه عنهما) فى قوله عزّ و جلّ:فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏. وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ [1]؛ نزلت فى أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنه).

و عن عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهما)، قال: كنت عند النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و عنده أبو بكر الصديق، و عليه عباءة قد خلّها [2] فى صدره بخلال، فنزل عليه جبريل، فقال: يا محمد، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها فى صدره بخلال! فقال: «يا جبريل، أنفق ماله علىّ قبل الفتح»، قال: فإنّ اللّه عزّ و جل يقرأ عليك السّلام، و يقول: قل له: أراض أنت علىّ فى فقرك هذا، أم ساخط؟

فقال أبو بكر: أسخط على ربّى! أنا عن ربّى راض، أنا عن ربى راض، أنا عن ربى راض.

و عن ابن عبّاس (رضى اللّه عنهما)، عن النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، قال:

هبط علىّ جبريل و عليه طنفسة، و هو متخلّل بها، فقلت:

يا جبريل، لم نزلت إلىّ فى مثل هذا الزّىّ [3]؟ قال إنّ اللّه أمر الملائكة أن تتخلّل فى السماء كتخلل أبى بكر فى الأرض.

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«من أصبح منكم صائما اليوم؟» قال أبو بكر (رضى اللّه عنه): أنا، قال: «من أطعم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا،

____________

[1] سورة الليل 5، 6.

[2] خلها فى صدره، يريد ربطها فى صدره.

[3] ك: «الرى» تحريف.

17

قال: «من عاد اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال: «من شهد اليوم منكم جنازة؟» [فقال أبو بكر: أنا] [1]، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ما اجتمعت هذه الخصال فى رجل قطّ إلّا دخل الجنة»

.و عن ابن أبى أوفى، قال: خرج علينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأقبل على أبى بكر و قال:

«إنى لأعرف اسم رجل و اسم أبيه، و اسم أمّه؛ إذا دخل الجنّة لم تبق غرفة من غرفها، و لا شرفة من شرفها إلا قال: مرحبا مرحبا!»، فقال سلمان: إن هذا لغير خائب»: فقال: «ذاك أبو بكر بن أبى قحافة»

.و عن سلمان بن يسار، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«أبو بكر و عمر خير الأرض إلّا أن يكون نبيا»

.قال: و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«الخير ثلاثمائة و ستون خصلة، إذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل فيه واحدة منهنّ يدخل بها الجنة»، قال: فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، هل فىّ شي‏ء منهنّ؟ قال: «نعم، جميعا من كلّ»

.و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

أتانى جبريل فأخذ بيدى، فأرانى باب الجنّة الذى تدخل منه [2] أمّتى، فقال أبو بكر: وددت أنى كنت معك حتى أنظر إليه! فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنك يا أبا بكر أوّل من يدخل الجنّة من أمّتى»

.و عن أبى أمامة قال:

استطال أبو بكر ذات يوم على عمر، فقام‏

____________

[1] تكملة من ص‏

[2] ص: عنه.

18

عمر مغضبا، فقام أبو بكر فأخذ بطرف ثوبه، فجعل يقول: ارض عنى، اعف عنّى، عفا اللّه عنك! حتى دخل عمر الدّار و أغلق الباب دون أبى بكر و لم يكلّمه؛ فبلغ ذلك النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) فغضب لأبى بكر، فلمّا صلّى الظهر جاء عمر، فجلس بين يديه، فصرف النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) وجهه عنه، فتحوّل يمينا فصرف وجهه عنه، فلمّا رأى ذلك ارتعد و بكى، ثم قال: يا رسول اللّه، قد أرى إعراضك عنى، و قد علمت أنك لم تفعل هذا إلّا لأمر قد بلغك عنى، موجدة علىّ فى نفسك [1]، و ما خير حياتى و أنت علىّ ساخط، و فى نفسك علىّ شي‏ء! فقال: «أنت القائل لأبى بكر كذا و كذا، ثم يعتذر إليك فلا تقبل منه!» ثم قام النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: «إنّ اللّه عز و جل بعثنى إليكم جميعا، فقلتم:

كذبت، و قال صاحبى: صدقت؛ فهل أنتم تاركون لى صاحبى! فهل أنتم تاركون لى صاحبى! فهل أنتم تاركون لى صاحبى!» ثلاثا.

فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول اللّه، رضيت باللّه ربّا.

و بالإسلام دينا، و بمحمّد نبيا. فقام أبو بكر فقال: و اللّه لأنا بدأته، و لأنا كنت أظلم، فأقبل عمر على أبى بكر فقال: ارض عنى رضى اللّه عنك، فقال أبو بكر: يغفر اللّه لك! فذهب عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غضبه.

و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«لقد هممت أن أبعث رجالا من أصحابى إلى ملوك الأرض يدعونهم إلى الإسلام كما بعث عيسى بن مريم الحواريّين».

____________

[1] كذا فى ص و فى ك: «نفسى».

19

قالوا: يا رسول اللّه، أ فلا تبعث أبا بكر و عمر فهما أبلغ! فقال: «لا غنى لى عنهما؛ إنما منزلتهما من الدّين منزلة السمع و البصر من الجسد»

.و عن أبى أروى الدّوسىّ، قال:

كنت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالسا، فطلع أبو بكر و عمر، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الحمد للّه الذى أيّدنى بكما»

.و عن علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأبى بكر:

«يا أبا بكر، إنّ اللّه أعطانى ثوابمن آمن بى منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، و إن اللّه أعطاك يا أبا بكر ثواب من آمن بى منذ بعثنى إلى يوم تقوم الساعة»

و عن أبى سعيد الخدرىّ (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«لى وزيران من أهل السماء: جبريل و ميكائيل، و وزيران من أهل الأرض: أبو بكر و عمر»

.و عن ابن عبّاس (رضى اللّه عنهما): أنّ النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأبى بكر [و عمر] [1]:

«أ لا أخبر كما بمثلكما من الملائكة، و مثلكما فى الأنبياء؟ أمّا مثلك أنت يا أبا بكر فى الملائكة فمثل ميكائيل، ينزل بالرحمة، و مثلك أيضا فى الأنبياء كمثل إبراهيم إذ كذّبه قومه، و صنعوا به ما صنعوا، فقال:

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏

[2]. و مثلك يا عمر فى الملائكة كمثل جبريل، ينزل بالبأس و الشدّة و النّقمة على أعداء اللّه؛ و مثلك فى الأنبياء كمثل نوح إذ قال:

رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً

[3]

____________

[2] تكملة من ص.

[1] سورة إبراهيم 36.

[3] سورة نوح 26.

20

و عن عمّار بن ياسر، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«أتانى جبريل آنفا، فقلت له: يا جبريل، حدّثنى بفضائل عمر ابن الخطاب فى السماء. فقال: يا محمد، لو حدّثتك بفضائل عمر بن الخطاب فى السّماء مثل ما لبث نوح فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر، و إنّ عمر حسنة من حسنات أبى بكر»

. و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه)، قال: هبط جبريل على النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) فوقف ثلاثا يناجيه؛ فمرّ أبو بكر الصديق فقال جبريل: يا محمّد، هذا ابن أبى قحافة؛ قال: يا جبريل، و تعرفونه فى السماء؟ قال: إى و الذى بعثك بالحقّ؛ لهو أشهر فى السماء منه فى الأرض، و إن اسمه فى السماء للحليم».

و عن ابن عمر (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه سلم:

«لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان أهل الأرض لرجح»

. و عن عبد الرحمن بن أبى بكر؛ أنّه كان يوم بدر مع المشركين، فلمّا أسلم قال لأبيه: لقد اهتدفت [1] لى يوم بدر، فصرفت، عنك و لم أقتلك؛ فقال أبو بكر: لكنّك لو اهتدفت لى لم أنصرف [2] عنك.

و عن ابن غنم، أن النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأبى بكر، و عمر:

«لو اجتمعتما فى مشورة ما خالفتكما»

.و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«أتانى جبريل فقال: يا محمّد، إنّ اللّه يأمرك أن تستشير أبا بكر»

.

____________

[1] ك: «اهتديت».

[2] ص: «أصرف».

21

و عن أنس قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج إلى المسجد و معه المهاجرون و الأنصار، ما أحد منهم يرفع رأسه من حبوته إلا أبو بكر و عمر، فإنّه كان يبتسم إليهما و يبتسمان إليه.

و عن الزّبير بن العوّام، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى غزوة تبوك:

«اللّهمّ بارك لأمّتى فى أصحابى، فلا تسلبهم البركة، و بارك لأصحابى فى أبى بكر، فلا تسلبه البركة، و اجمعهم عليه، و لا تشتّت أمره؛ فإنه لم يزل يؤثر أمرك على أمره. اللهم أعن عمر ابن الخطاب، و صبّر عثمان بن عفّان، و وفّق علىّ بن أبى طالب، و ثبّت الزبير، و اغفر لطلحة، و سلّم سعدا، و وقّر عبد الرحمن، و ألحق بى [1] السّابقين الأوّلين من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان.

و قيل: لمّا قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من حجّة الوداع صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: «يا أيّها الناس، إنّ أبا بكر لم يسؤنى قطّ، فاعرفوا ذلك له. يا أيّها الناس، إنّى راض عن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و علىّ بن أبى طالب، و طلحة ابن عبيد اللّه و الزّبير بن العوام و سعد بن مالك و عبد الرحمن ابن عوف و المهاجرين الأولين، فاعرفوا ذلك لهم. يا أيّها الناس، إنّ اللّه قد غفر لأهل بدر و الحديبية. يا أيّها الناس، احفظونى فى أحبابى و أصهارى و فى أصحابى، لا يطلبنّكم اللّه بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست فيما يوهب. يا أيّها النّاس، ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، إذا مات الرجل، فلا تقولوا فيه إلا خيرا»

، ثم نزل (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

[1] ك: «فى» تحريف.

22

و عن عمرو بن العاص، أنّه أتى النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال:

أىّ الناس أحب إليك يا رسول اللّه؟ قال: عائشة، قال: من الرجال، قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر

.و عن عبد اللّه بن أبى أوفى، قال:

كنّا مع النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: «إنّى مشتاق إلى إخوانى»، فقلنا: أ و لسنا إخوانك يا رسول اللّه! قال: «كلّا، أنتم أصحابى و إخوانى»، فجاء أبو بكر الصديق، فقال عمر: إنه قال: «إنى لمشتاق إلى إخوانى، فقلنا:

أ لسنا إخوانك؟ فقال: لا، إخوانى قوم يؤمنون بى و لم يرونى.

فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «أ لا تحبّ قوما بلغهم أنّك تحبنى فأحبوك لحبّك إياى، فأحبهم اللّه»!

و عنه قال:

رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) متّكئا على علىّ، و إذا أبو بكر و عمر قد أقبلا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«أحبّهما فحبّهما يدخل الجنّة»

.و عن أنس بن مالك (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«حبّ أبى بكر و شكره واجب على أمتى»

.و عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«حبّ أبى بكر و عمر إيمان، و بغضهما كفر»

.و عن ابن عمر (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«لمّا ولد أبو بكر الصّديق أقبل اللّه تعالى على جنّة عدن، فقال: و عزّتى و جلالى لا أدخلك إلّا من يحبّ هذا المولود»

- يعنى أبا بكر.

23

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

إنّ فى السماء الدنيا ثمانين ألف ملك يستغفرون اللّه تعالى لمن أحبّ أبا بكر و عمر؛ و فى السماء الثانية ثمانين ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر و عمر»

و عن ابن عمر (رضى اللّه عنهما)، قال:

دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المسجد بين أبى بكر و عمر، و هو معتمد عليهما، فقال:

«هكذا ندخل الجنة جميعا»

.و عن عائشة (رضى اللّه عنها)، قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«أوّل من يعطى كتابه من هذه الأمّة أبو بكر؛ الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر»

.و عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«تأتى الملائكة بأبى بكر الصديق مع النبيّين و الصّدّيقين تزفّه إلى الجنة زفّا»

.و عن ثابت، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«أوّل من يعطى كتابه من هذه الأمّة عمر بن الخطاب، و له شعاع كشعاع الشمس» فقيل له: فأين أبو بكر يا رسول اللّه؟ قال: «هيهات! زفّته الملائكة إلى الجنة»

.و عن أنس بن مالك (رضى اللّه عنه)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«كأنّى بك يا أبا بكر على باب الجنّة تشفع لأمّتى»

.و عن ابن عباس (رضى اللّه عنهما)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش:

24

ألا هاتوا أصحاب محمد»، قال: فيؤتى بأبى بكر الصديق و عمر ابن الخطاب و عثمان بن عفان، فيقال لأبى بكر: قف على باب الجنّة، فأدخل الجنة من شئت برحمة اللّه، ودع من شئت بعلم اللّه، و يقال لعمر بن الخطاب: قف على الميزان فثقّل من شئت برحمة اللّه، و خفّف من شئت بعلم اللّه، و يعطى عثمان بن عفّان عصا آس، التى غرسها اللّه عزّ و جل فى الجنة، و يقال له: ذد النّاس عن الحوض»

. و قد ورد فى الصحيحين من فضائل أبى بكر (رضى اللّه عنه) ما فيه مقنع، و فضائله (رضوان الله عليه) كثيرة، و قد ذكرنا جملة كافية، فلنذكر صفته.

ذكر صفة أبى بكر الصديق‏

كان رجلا نحيفا [1] طويلا أبيض، خفيف العارضين أجنأ [2]، لا يستمسك إزاره، يسترخى عن حقويه [3]، معروق الوجه [4]، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عارى الأشاجع [5].

هكذا وصفته عائشة أم المؤمنين (رضى اللّه عنها). و كان يخضب بالحنّاء و الكتم [6].

____________

[1] ك: «منحفا» تحريف.

[2] أجنأ: أشرف كاهله على صدره.

[3] الحقو، بالفتح و يكسر: الكشح و الإزار أو معقد.

[4] معروق الوجه: قليل اللحم فيه.

[5] الأشاجع: أصول الأصابع التى تتصل بعصب ظاهر الكف.

[6] الكتم: نبت يخلط بالحناء و يخضب به الشعر فيبقى لونه.

25

ذكر ما ورد من أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) استخلف أبا بكر على أمته من بعده و حجة من قال ذلك‏

قال الفقيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البرّ النمرىّ (رحمه الله): استخلف [1] رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبا بكر الصديق (رضى اللّه عنه) على أمته من بعده؛ بما أظهر من الدلائل البيّنة على محبّته فى ذلك، و بالتعريض الذى يقوم مقام التّصريح، و لم يصرّح بذلك لأنه لم يؤمر فيه بشى‏ء.

و كان (صلى اللّه عليه و سلم) لا يصنع شيئا فى دين اللّه إلا بوحى، و الخلافة ركن من أركان الدين.

قال: و من الدليل الواضح [2] على ما قلنا، ما حدّثنا سعيد ابن نصر و عبد الوارث بن سفيان، قالا: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا منصور بن سلمة.

و أخبرنا أحمد بن عبد اللّه، قال: حدثنا الميمون بن حمزة الحسينىّ بمصر، قال: حدثنا الطّحاوىّ؛ قال: حدثنا المزنىّ، قال: حدّثنا الشافعىّ؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد بن أبى وقّاص عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فسألها عن شي‏ء، فأمرها أن ترجع إليه.

فقالت: يا رسول اللّه، أ رأيت إن جئت و لم أجدك؟- تعنى الموت- فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن لم تجدينى فأت أبا بكر».

____________

[1] الاستيعاب 969 و ما بعدها.

[2] الاستيعاب: «الدلائل الواضحة».

26

قال الشافعىّ (رحمه الله): فى هذا الحديث دليل على أن الخليفة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبو بكر.

و قد تقدم فى السيرة النبويّة

عن عاصم، عن قتادة، قال:

ابتاع النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بعيرا من رجل إلى أجل، فقال: يا رسول، إن جئت فلم أجدك؟- يعنى الموت-، قال: فائت أبا بكر، قال: فإن جئت فلم أجد أبا بكر؟ [يعنى‏] [1]- بعد الموت، قال: فائت عمر، قال: إن جئت فلم أجد عمر؟ قال: إن استطعت أن تموت إذا مات عمر، فمت.

و ساق أبو عمر [2] بن عبد البرّ فى أدلّته على استخلاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) له أحاديث الصلاة، و كونه استخلفه أن يصلّى بالناس فى مرضه.

و قد قدمنا ذكر ذلك كلّه فى خبر وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و ممّا يؤيد ذلك و يعضّده ما قدّمناه من‏

حديث عائشة (رضى اللّه عنها)، و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لها:

«لقد هممت- أو أردت- أن أرسل إلى أبيك، أو أخيك فأقضى أمرى، و أعهد عهدى؛ فلا يطمع فى الأمر طامع، و لا يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون» ثم قال: «كلا يأبى اللّه و يدفع المؤمنون»، أو «يدفع اللّه و يأبى المؤمنون».

و قال بعضهم فى حديثه:

«و يأبى اللّه إلا أبا بكر»

. و فى الحديث الآخر

عن أبى مليكة، قال: قال النبىّ صلّى اللّه‏

____________

[1] تكملة يقتضيها السياق.

[2] ك: «أبو بكر» و هو خطأ.

27

عليه و سلّم فى مرضه الذى مات فيه:

«ادعوا إلىّ أبا بكر»، فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجل يغلبه البكاء؛ و لكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب؛ قال: «ادعوا إلىّ أبا بكر، قالت: إن أبا بكر يرقّ، و لكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب، فقال: «إنكن صواحب يوسف، ادعوا أبا بكر و ابنه؛ فليكتب؛ أن يطمع فى أمر أبى بكر طامع، أو يتمنى متمنّ». ثم قال: «يأبى اللّه ذلك و المؤمنون، يأبى اللّه ذلك و المؤمنون!»

. قالت عائشة: فأبى اللّه ذلك و المؤمنون.

و فى هذا الحديث و الذى قبله تصريح [1] على أنه الخليفة بعده، و دليل على أن الكتاب الّذى أراد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يكتبه، و تركه لما كثر عنده التنازع؛ إنما كان المراد به أن ينصّ على أبى بكر فى الخلافة. و اللّه تعالى أعلم.

و روى أبو عمر بسنده إلى عبد اللّه بن مسعود، أنه قال: اجعلوا إمامكم خيركم؛ فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جعل إمامنا خيرنا بعده.

و روى الحسن البصرىّ، عن قيس بن عباد، قال: قال لى علىّ ابن أبى طالب (رضى اللّه عنه): إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مرض ليالى و أياما، ينادى بالصلاة فيقول: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس»؛ فلما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، نظرت، فإذا الصّلاة علم الإسلام، و قوام الدّين، فرضينا لدنيانا ما رضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لديننا، فبايعنا أبا بكر [2].

____________

[1] ص: «التصريح».

[2] الاستيعاب 971.

28

و كان أبو بكر (رضى اللّه عنه) يقول: أنا خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و لذلك كان يدعى: يا خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و روى عن ابن أبى مليكة، قال: قال رجل لأبى بكر يا خليفة اللّه، قال: لست خليفة اللّه؛ و لكن أنا خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنا راض بذلك.

و روى أبو عمر بسنده، عن علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر و عمر (رضى اللّه عنهما).

و كان علىّ (رضى اللّه عنه) يقول: سبق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و صلّى أبو بكر، و ثلّث عمر، ثم خبطتنا [1] فتنة يغفر اللّه فيها عمّن يشاء. و قال: رحم اللّه أبا بكر! كان أول من جمع بين اللّوحين [2].

و قال أبو عمر بن عبد البر: و روينا من وجوه، عن عبد اللّه ابن جعفر بن أبى طالب، أنه قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا؛ و أحناه علينا [3].

و قال مسروق: حبّ أبى بكر و عمرو معرفة فضلهما من السنّة.

و روى عن علىّ رضى اللّه أنه قال: لا يفضّلنى أحد على أبى بكر و عمر إلّا جلدته جلد المفترى.

و اللّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب.

____________

[1] كذا فى ك، و فى ص «خبطنا» و فى الاستيعاب: «حفتنا».

[2] الاستيعاب 972.

[3] الاستيعاب 972.

29

ذكر بيعة أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنه) و خبر السقفية، و ما وقع بين المهاجرين و الأنصار من التراجع فى الإمارة

بويع أبو بكر الصّديق (رضى اللّه عنه) بالخلافة فى يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل، سنة إحدى عشرة من الهجرة؛ و هو اليوم الّذى مات فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فى سقيفة [1] بنى ساعدة، و ذلك قبل أن يشرع فى جهاز رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و كان من خبر سقيفة بنى ساعدة، أنّه لمّا توفّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، اجتمعت الأنصار فى سقيفة بنى ساعدة، و قالوا: نولّى هذا الأمر بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سعد ابن عبادة، و أخرجوا سعدا إليهم و هو مريض، فلمّا اجتمعوا قال سعد لأبيه- أو لبعض بنى عمّه: إنى لا أقدر أشكو، أى أن أسمع القوم كلهم كلامى؛ و لكن تلقّ منى قولى فأسمعهموه [2]، فكان سعد يتكلّم و يحفظ الرجل قوله، فيرفع به صوته، فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه: يا معشر الأنصار، إنّ لكم سابقة فى الدين، و فضيلة فى الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) لبث بضع عشرة سنة فى قومه يدعوهم إلى عبادة

____________

[1] ك: «فى السقيفة».

[2] ص: «فاستمعوه»، و خبر يوم السقيفة فى تاريخ الطبرى 3: 203- 223

30

الرحمن، و خلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلّا رجال قليل؛ و اللّه ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله، و لا أنيعزّوا دينه، و لا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عمّوا به؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة؛ ساق إليكم الكرامة، و خصّكم بالنعمة، و رزقكم الإيمان به و برسوله، و المنع له و لأصحابه، و الإعزاز له و لدينه، و الجهاد لأعدائه. فكنتم أشدّ الناس على عدوّه من غيركم؛ حتى استقامت العرب لأمر اللّه طوعا و كرها، و أعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا [1]؛ و حتى أثخن [2] اللّه لرسوله بكم الأرض، و دانت بأسيافكم له العرب.

و توفّاه اللّه إليه و هو عنكم راض، و بكم قرير العين. استبدّوا بهذا الأمر دون النّاس؛ فإنه لكم دون الناس.

فأجابوه بأجمعهم، أن قد وفّقت فى الرأى، و أصبت فى القول، و لن نعدو ما رأيت؛ نولّيك هذا الأمر؛ فإنك فينا رفيع، و لصالح المؤمنين رضا.

ثم إنهم ترادّوا الكلام، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش؟ فقالوا:

نحن المهاجرون و صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الأولون.

و نحن عشيرته و أولياؤه؛ فعلام تنازعوننا الأمر من بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا فمنّا أمير و منكم أمير، و لن نرضى بدون هذا أبدا. فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن! و أتى عمر (رضى اللّه عنه) الخبر، فأقبل إلى منزل النبىّ صلّى اللّه‏

____________

[1] داخرا، أى ذليلا.

[2] أثخن: أوغل.

31

عليه و سلّم، فأرسل إلى أبى بكر، و أبو بكر فى الدار، و علىّ بن أبى طالب دائب فى جهاز النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فأرسل إلى أبى بكر، أن اخرج إلىّ؛ فأرسل إليه: إنّى مشتغل، فأرسل إليه: إنه قد حدث [1] أمر لا بدّ لك من حضوره، فخرج إليه، فقال: أ ما علمت أنّ الأنصار قد اجتمعت فى سقيفة بنى ساعدة، يريدون أن يولّوا هذا الأمر سعد بن عبادة؛ و أحسنهم مقالة من يقول: منّا أمير و من قريش أمير! فخرجا [2] مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح، فتماشوا إليهم ثلاثتهم، فلقيهم عاصم بن عدىّ و عويم بن ساعدة، فقالا لهم: أين تريدون؟ قالوا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار.

قالا: فارجعوا. فاقضوا أمركم بينكم؛ فإنّه لم يكن إلا ما تحبون، فقالوا: لا نفعل.

قال عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) فى حديثه: فقلت: و اللّه لنأتينّهم! قال: فأتيناهم [3] و هم مجتمعون فى سقيفة بنى ساعدة و إذا بين أظهرهم رجل مزمّل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد ابن عبادة. قلت: ما شأنه؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم، فحمد اللّه و قال: أمّا بعد، فنحن الأنصار، و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر قريش رهطنا، و قد دفّت إلينا من قومكم دافّة.

قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، و يغصبونا

____________

[1] ك: «قد حدث لك أمر».

[2] ص: «فخرجنا».

[3] ص: «خلفناهم».

32

الأمر. و قد كنت زوّرت فى نفسى مقالة أقدّمها بين يدى أبى بكر، و كنت أدارى منه بعض الحدّ، و هو كان أوقر منى و أحلم، فلمّا أردت أن أتكلّم قال لى: على رسلك! و كرهت أن أغضبه، فقام، فحمد اللّه، و أثنى عليه، فما ترك شيئا زوّرت فى نفسى أن أتكلم به لو تكلمت، إلا قد جاء به، أو بأحسن منه.

و قال: أمّا بعد، يا معشر الأنصار، فإنّكم لا تذكرون منكم فضلا إلّا أنتم له أهل، و إنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحىّ من قريش؛ هم أوسط العرب دارا و نسبا، و إنّى قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيّهما شئتم. و أخذ بيدى و بيد أبى عبيدة بن الجراح.

يقول عمر و هو على المنبر: و إنّى و اللّه ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة، أن كنت أقدّم فتضرب عنقى أحبّ إلىّ من أن أؤمّر على قوم فيهم أبو بكر.

قال: فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل، فقال: أنا جذيلها المحكّك، و عذيقها المرجّب؛ منّا أمير و منكم أمير يا معشر قريش.

قال عمر: و ارتفعت الأصوات، و كثر اللغظ، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبى بكر: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعته، و بايعه المهاجرون، و بايعه الأنصار، ثمّ نزوا على سعد؛ حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل اللّه سعدا! و إنا و اللّه ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبى بكر، إنّا خشينا إن‏

33

فارقنا القوم و لم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على ما نرضى، أو نخالفهم فيكون فشل.

و من رواية عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبى عمر الأنصارىّ، و ذكر ما تكلّم به أبو بكر الصديق (رضى اللّه عنه)، و ما قاله الأنصار، فقال بعد أن ساق ما تقدم أو نحوه، ثم قال: فبدأ أبو بكر، فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثم قال: إنّ اللّه بعث محمّدا (صلى اللّه عليه و سلم) رسولا إلى خلقه، و شهيدا على أمّته؛ ليعبدوا اللّه و يوحّدوه و هم يعبدون من دونه آلهة شتى، يزعمون أنّها لهم عنده شافعة، و لهم نافعة، و إنّما هى حجر منحوت، و خشب منجور.

ثم قرأ:وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ‏ [1]، و قالوا:ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏ [2] فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ اللّه المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه و الإيمان به، و المواساة [له‏] [3] و الصبر معه، على شدّة أذى قومهم لهم، و تكذيبهم إيّاهم، و كلّ الناس لهم مخالف، و عليهم زار [4]، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، و شنف النّاس لهم، و إجماع قومهم عليهم، فهم أوّل من عبد اللّه فى الأرض، و آمن باللّه و الرّسول، و هم أولياؤه و عشيرته، و أحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، و لا ينازعهم‏

____________

[1] سورة يونس 18.

[2] سورة الزمر 3.

[3] تكملة من ص.

[4] زار: محتقر.

34

ذلك إلا ظالم. و أنتم يا معشر الأنصار، أنتم من لا ينكر فضلهم فى الدّين، و لا سابقتهم العظيمة فى الإسلام، رضيكم اللّه أنصارا لدينه و رسوله، و جعل إليكم هجرته، و فيكم جلّة أزواجه و أصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن الأمراء، و أنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة و لا تقضى دونكم الأمور.

قال: فقام الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم. فإنّ الناس فى فيئكم و فى ظلّكم، و لن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لن يصدر الناس إلا عن رأيكم؛ و أنتم أهل العزّ و الثّروة، و أولو العدد و التجربة، و ذوو البأس و النّجدة؛ و إنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، و تنتقض [عليكم‏] [1] أموركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير و منهم أمير.

فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان فى قرن! إنه و اللّه لا يرضى العرب أن يؤمّروكم و نبيّها (صلى اللّه عليه و سلم) من غيركم؛ و لكن العرب لا تمتنع أن تولّى أمورها من كانت النبوّة فيهم، و ولىّ أمورهم منهم؛ و لنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة و السلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد و إمارته؛ و نحن أولياؤه و عشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم أو متورّط. فى هلكة!.

فقام الحباب بن المنذر، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من‏

____________

[1] زيادة من تاريخ الطبرى.

35

هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فأجلوهم عن هذه البلاد، و تولّوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم و اللّه أحق بهذا الأمر منهم؛ فإنه بأسيافكم دان [1] لهذا الدّين من لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكّك و عذيقها المرجّب؛ أما و اللّه لئن شئتم لنعيدنّها جذعة [2]! فقال له عمر: إذن يقتلك اللّه! قال: بل إياك يقتل.

فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنّكم أوّل من نصر و آزر، فلا تكونوا أوّل من بدّل و غيّر.

فقال بشير بن سعد، أبو النعمان بن بشير:

يا معشر الأنصار، إنّا و اللّه لئن كنّا أولى فضيلة فى جهاد المشركين، و سابقة فى هذا الدّين، ما أردنا به إلا رضا ربّنا، و طاعة نبيّنا (صلى اللّه عليه و سلم)، و الكدح لأنفسنا؛ ما ينبغى لنا أن نستطيل بذلك على الناس، و لا نبتغى به من الدنيا عرضا، فإن اللّه ولىّ المنة علينا بذلك؛ ألا إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) من قريش، و قومه أحقّ به و أولى. و ايم اللّه لا يرانى اللّه أنازعهم هذا الأمر أبدا! فاتقوا اللّه و لا تخالفوهم، و لا تنازعوهم.

فقال أبو بكر (رضى اللّه عنه): هذا عمر و أبو عبيدة، فأيّهما شئتم فبايعوا؛ فقالا: و اللّه لا نتولّى هذا الأمر عليك، و أنت أفضل المهاجرين، و ثانى اثنين إذ هما فى الغار، و خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على الصلاة، و الصّلاة أفضل دين المسلمين،

____________

[1] دان: خضع.

[2] جذعة: فتية.

36

فمن ذا ينبغى له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك! ابسط نبايعك [1] فلمّا ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه المنذر بن الحباب: يا بشير بن سعد، عققت عقاق [2]! ما أحوجك [3] إلى ما صنعت! أ نفست على ابن عمّك الإمارة! قال: لا و اللّه، و لكن كرهت أن أنازع قوما [حقا] [4] جعله اللّه لهم.

قال: و لما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، و ما تدعو إليه قريش، و ما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض- و فيهم أسيد بن حضير: و اللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، و لا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا [فقوموا] [4] فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، و انكسر على سعد بن عبادة و على الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم.

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه: فروى عن أبى بكر بن محمد الخزاعىّ: إنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بها السكك ليبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلّا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنّصر.

قال عبد اللّه بن عبد الرحمن: فأقبل النّاس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، و كادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد:

اتقوا سعدا لا تطئوه، فقال عمر: اقتلوه، اقتلوه، قتله اللّه! ثم قام‏

____________

[1] ص: «ابسط يدك نبايعك».

[2] ك: «عقتك عقاق».

[3] ص: «ما أخرجك إلى ما صنعت».

[4] تكملة من تاريخ الطبرى.

37

على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك [1]؛ فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر، ثم قال: و اللّه لو حصصت منها شعرة ما رجعت و فى فيك واضحة [2].

فقال أبو بكر: مهلا يا عمر، الرفق هاهنا أبلغ! فأعرض عنه عمر؛ و قال سعد: أما و اللّه لو أنّ بى من قوتى ما أقوى على النهوض لسمعتم منى فى أقطارها و سككها زئيرا يجحرك [3] و أصحابك.

أما و اللّه إذا لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع. احملونى عن هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره، و ترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع؛ فقد بايع الناس و بايع قومك؛ فقال: أما و اللّه حتّى أرميكم بما فى كنانتى من نبل، و أخضب منكم سنان رمحى، و أضربكم بسيفى ما ملكته يدى، و أقاتلكم بأهل بيتى و من أطاعنى من قومى، فلا أفعل وايم اللّه: لو أن الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربى و أعلم ما حسابى.

فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع؛ فقال له بشير بن سعد: إنه قد لجّ [و أبى‏] [4] و إنه ليس يبايعكم حتى يقتل، و ليس بمقتول حتى يقتل معه ولده و أهل بيته و طائفة من عشيرته. فاتركوه، فليس تركه يضارّكم، إنما هو رجل واحد. فتركوه، و قبلوا مشورة بشير بن سعد، و استنصحوه‏

____________

[1] أى تزال عن موضعها، و فى الطبرى: «عضدك».

[2] الواضحة من الأسنان: التى تبدو عند الضحك.

[3] يجحرك و أصحابك، أى يدخلكم المضايق.

[4] زيادة من تاريخ الطبرى.

38

لما بدا لهم منه؛ فكان سعد بن عبادة لا يصلّى بصلاتهم، و لا يجمع معهم، و يحجّ و لا يفيض معهم بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر الصديق (رضى اللّه عنه).

و عن الضّحاك بن خليفة، أنّ سعد بن عبادة بايع.

و عن جابر، قال: قال سعد بن عبادة يومئذ لأبى بكر: إنّكم يا معشر المهاجرين حسدتمونى على الإمارة، و إنّك و قومى أجبرتمونى على البيعة؛ فقال أبو بكر: إنّا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت فى سعة، و لكنّا أجبرناك على الجماعة فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يدا من طاعة، أو فرّقت جماعة لأضربنّ الذى فيه عيناك.

و حكى أبو عمر بن عبد البرّ (رحمه الله)؛ أنّ عمر (رضى اللّه عنه) قال: نشدتكم اللّه! هل تعلمون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس! فقالوا: اللهمّ نعم، قال:

فأيّكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)! فقالوا: كلنا لا تطيب نفسه، و نستغفر اللّه. و بايعوه [1].

قال: ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم، و تخلّف عن بيعته سعد بن عبادة، و طائفة من الخزرج، و فرقة من قريش، ثم بايعوه بعد غير سعد.

____________

[1] الاستيعاب 970.

39

و قيل: إنه لم يتخلّف عن بيعته يومئذ أحد من قريش.

و قيل: تخلّف عنه من قريش: علىّ، و الزّبير، و طلحة، و خالد ابن سعد بن العاص. ثم بايعوه بعد.

و قد قيل: إن علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة (رضى اللّه عنها)، ثم لم يزل سامعا مطيعا له؛ يثنى عليه و يفضّله.

و قيل: إنه تخلّف علىّ و بنو هاشم و الزّبير و طلحة عن البيعة، و قال الزّبير: لا أغمد سيفى حتى يبايع علىّ، فقال عمر:

خذوا سيفه، فاضربوا به الحجر؛ ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة.

و قيل: إنّ عليّا لما سمع ببيعة أبى بكر خرج فى قميص، ما عليه إزار و لا رداء، عجلا حتى بايعه، ثم استدعى إزاره و رداءه.

و حكى محمد بن إسحاق (رحمه الله)؛ عن عبد اللّه بن أبى بكر، أنّ خالد بن سعيد بن العاص قدم من اليمن بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فتربّص ببيعته لأبى بكر شهرين، و كان يقول:

قد أمّرنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يعزلنى، ثم بايع أبا بكر.

فلمّا بعث أبو بكر الجنود إلى الشام، كان أول من بعث على ربع منها خالد بن سعيد، فلم يزل به عمر حتى عزله، و أمّر يزيد ابن أبى سفيان، و كان عمر (رضى اللّه عنه) قد اضطغن عليه تأخره عن بيعة أبى بكر.

و عن عكرمة، قال: لمّا بويع لأبى بكر تخلّف عن بيعته علىّ، و جلس فى بيته، فلقيه عمر، فقال: تخلّفت عن بيعة أبى بكر،

40

فقال: إنّى أكتب بيمين حين قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ألّا أرتدى برداء إلّا إلى الصلاة المكتوبة؛ حتى أجمع القرآن؛ فإنى خشيت أن ينفلت، ثم خرج فبايع.

و عن مالك بن مغول [1]، عن ابن أبجر، قال: لما بويع لأبى بكر الصديق جاء أبو سفيان بن حرب إلى علىّ، فقال: غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت فى قريش! أما و اللّه لأملأنّها خيلا و رجلا! فقال له علىّ: ما زلت عدوّ الإسلام و أهله، فما ضرّ ذلك الإسلام و أهله شيئا.

إنّا رأينا أبا بكر لها أهلا. و رواه عبد الرزاق، عن ابن المبارك.

و روى أبو عمر بن عبد البر بسنده، عن زيد بن أسلم، عن أبيه:

أن عليّا و الزبير كانا حين بويع [2] لأبى بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها فى أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها فقال: يا بنت رسول اللّه، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، و ما أحد أحبّ إلينا بعده منك، و قد بلغنى أن هؤلاء النّفر يدخلون عليك، و لئن بلغنى لأفعلنّ و لأفعلنّ! ثم خرج و جاءوها فقالت لهم: إن عمر قد جاءنى و حلف إن عدتم ليفعلنّ، و ايم اللّه ليفينّ بها، فانظروا فى أمركم، و لا تنظروا إلىّ؛ فانصرفوا و لم يرجعوا حتى بايعوا لأبى بكر. (رضى اللّه عنهم اجمعين) [3].

و هذا الحديث يردّ قول من زعم أن علىّ بن أبى طالب لم يبايع إلا بعد وفاة فاطمة (رضى اللّه عنها).

____________

[1] ص: «معول».

[2] ص: «بايع».

[3] الاستيعاب 975.

41

و لما بويع لأبى بكر (رضى اللّه عنه)، قال ابن [أبى‏] [1] عزّة القرشى الجمحىّ:

شكرا لمن هو بالثّناء خليق‏ * * * ذهب اللّجاج و بويع الصّدّيق‏

من بعد ما ذهبت بسعد بغلة * * * و رجا رجاء دونه العيّوق‏

جاءت به الأنصار عاصب رأسه‏ * * * فأتى به الصديق و الفاروق [2]

و أبو عبيدة و الّذين إليهم‏ * * * نفس المؤمّل للبقاء تتوق‏

كنّا نقول لها علىّ و الرضا * * * عمر و أولاهم بتلك عتيق‏

فدعت قريش باسمه فأجابها * * * إنّ المنوّة باسمه الموثوق‏

و روى عن سعيد بن المسيّب، قال: لما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ارتجّت مكة، فسمع أبو قحافة، فقالوا:

ما هذا؟ فقالوا: قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قالوا:

أمر جلل، فمن ولى بعده؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف و بنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: لا مانع لما أعطى اللّه، و لا معطى لما منع اللّه. و اللّه تعالى أعلم، و الحمد للّه وحده، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

____________

[1] من الاستيعاب 976.

[2] ص: «فأتاهم الصديق».

42

ذكر ما تكلم به أبو بكر الصديق بعد بيعته و ما قاله عمر بن الخطاب بعد البيعة الأولى و قبل البيعة الثانية العامة

روى [1] أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر (رضى اللّه عنه) فى السّقيفة، و كان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلّم قبل أبى بكر، فحمد اللّه، و أثنى عليه بما هو أهله، و قال:

أيها الناس، إنّى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلّا عن رأيى، و ما وجدتها فى كتاب اللّه، و لا كانت عهدا عهده إلينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لكن قد كنت أرى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سيدبّر أمرنا حتى يكون آخرنا، و إنّ اللّه قد أبقى فيكم كتابه الّذى هدى به رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم اللّه لما كان هداه له، و إنّ اللّه قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و ثانى اثنين إذ هما فى الغار؛ فقوموا فبايعوا. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السقيفة.

ثم تكلّم أبو بكر، فحمد اللّه و أثنى عليه بالّذى هو أهله، ثم قال: أمّا بعد؛ أيها النّاس، فإنّى قد ولّيت عليكم، و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، و إن أسأت فقوّمونى، الصّدق أمانة، و الكذب خيانة، و الضّعيف فيكم قوىّ عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء اللّه، و القوىّ منكم الضعيف عندى، حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه. لا يدع قوم الجهاد فى سبيل اللّه، فإنّه لا يدعه قوم إلّا ضربهم اللّه بالذل، و لا تشيع الفاحشة فى قوم إلّا عمّهم اللّه بالبلاء.

____________

[1] تاريخ الطبرى 3: 210.

43

أطيعونى ما أطعت اللّه و رسوله، فإذا عصيت اللّه و رسوله فلا طاعة لى عليكم؛ قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم اللّه.

- يعنى بالصّلاة هنا، الصّلاة على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- فإن خطبته هذه كانت قبل دفنه (صلى اللّه عليه و سلم).

و قول عمر بن الخطاب فى كلامه: «إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة»، إشارة إلى ما كان قد تكلّم به عند وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من إنكاره أنّه مات،على ما قدّمنا ذكره فى خبر وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و إنّما أوضحنا هذا الكلام فى هذا الموضع لئلا يتبادر إلى ذهن من يسمعه ممن لم يطالع ما قبله، و لا علم الواقعة فيتوهّم أن كلامه بذلك رجوع عمّا تكلّم به بالأمس فى شأن بيعه أبى بكر (رضى اللّه تعالى عنه).

و عن عاصم بن عدىّ، أنه قال [1]: و قام أبو بكر (رضى اللّه عنه) من بعد الغد- يعنى من يوم بيعته- فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس؛ إنما أنا مثلكم، و إنّى لا أدرى لعلكم ستكلّفوننى ما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يطيق، إنّ اللّه اصطفى محمّدا على العالمين، و عصمه من الآفات، فإنّما أنا متّبع و لست بمبتدع فإن استقمت فاتّبعونى، و إن زغت فقوّمونى، و إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبض، و ليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة؛ ضربة سوط فما دونها؛ ألا و إنما لى شيطان يعترينى، فإذا أتانى فاجتنبونى، لا أؤثّر فى أشعاركم و أبشاركم، و إنكم تغدون و تروحون‏

____________

[1] تاريخ الطبرى 3: 223، 224.

44

فى أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم ألّا يمضى هذا الأجل إلّا و أنتم فى عمل صالح فافعلوا، و لن تستيطعوا ذلك إلّا باللّه. فسابقوا فى مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإنّ قوما نسوا آجالهم، و جعلوا أعمالهم لغيرهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم. الجدّ الجدّ، و الوحى الوحى [1]، و النّجاة النّجاة، و إنّ وراءكم طالبا حثيثا، أجلا مرّه سريع. و احذروا الموت، و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الإخوان، و لا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبط به الأموات.

و قام أيضا (رضى اللّه عنه)، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

إنّ اللّه لا يقبل من الأعمال إلّا ما أريد به وجهه، فأريدوا اللّه بأعمالكم، و اعلموا أنّ ما أخلصتم للّه من أعمالكم، فطاعة أتيتموها، و حظّ ظفرتم به، و ضرائب أدّيتموها، و سلف قدّمتموه من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم و حاجتكم، و اعتبروا يا عباد اللّه بمن مات منكم، و فكّروا فيمن كان قبلكم.

أين كانوا أمس و أين هم اليوم! أين الجبّارون الذين كان لهم ذكر القتال و الغلبة و مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدّهر و صاروا رميما، قد تركت عليهم القالات [2]؛ الخبيثات للخبيثين، و الخبيثون للخبيثات.

____________

[1] الوحى: الإسراع.

[2] ص: «المقالات».

45

و أين الملوك الّذين أثاروا الأرض و عمروها، قد بعدوا، و نسى ذكرهم، و صاروا كلا شي‏ء. ألا إنّ اللّه قد أبقى عليهم التّبعات، و قطع عنهم الشّهوات، و مضوا و الأعمال أعمالهم، و الدّنيا دنيا غيرهم، و بقينا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا.

أين الوضّاء الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم! صاروا ترابا، و صار ما فرّطوا فيه حسرة عليهم.

أين الذين بنوا المدائن؛ و حصّنوها بالحوائط، و جعلوا فيها الأعاجيب! قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية و هم فى ظلمات القبور، هل تحسّ منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزا [1]! أين من تعرفون من أبنائكم و إخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم؛ فوردوا على ما قدّموا، فحلّوا عليه، و أقاموا للشّقوة أو السّعادة فيما بعد الموت؛ ألا إنّ اللّه لا شريك له، ليس بينه و بين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا، و لا يصرف به عنه شرّا إلا بطاعته و اتّباع أمره.

و اعلموا أنكم عبيد مذنبون، و أنّ ما عنده لا يدرك إلّا بطاعته.

ألا و إنّه لا خير بخير بعده النّار، و لا شرّ بشرّ بعده الجنة.

و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

____________

[1] الركز: الصوت الخفى.

46

ذكر انفاذ جيش أسامة

قد ذكرنا فى السّيرة النبويّة فى الغزوات و السّرايا؛ أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان قد جهّز أسامة بن زيد قبل وفاته، و ندب معه جماعة من أعيان المهاجرين و الأنصار، منهم أبو بكر و عمر.

و ذكرنا أيضا ما تكلّم به من تكلّم من الصحابة فى شأنه، و ما قاله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند ما بلغه ذلك، من الثناء على أسامة ابن زيد و على أبيه زيد بن حارثة، و استخلافه للإمارة، و أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبض و جيش أسامة بالجرف.

فلمّا [1] بويع أبو بكر الصديق (رضى اللّه عنه)، كان أوّل ما بدأ به أن أمر مناديه فنادى فى الناس من بعد الغد من متوفّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليتمّم بعث أسامة: ألا لا يبقينّ فى المدينة أحد من جند أسامة إلّا خرج إلى عسكره بالجرف.

روى ذلك عن عاصم بن عدىّ. و عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: لما بويع أبو بكر الصّديق (رضى اللّه عنه)، و جمع الأنصار على الأمر الذى افترقوا عنه، قال: ليتمّ بعث أسامة، و قد ارتدّت العرب، إمّا عامّة، و إمّا خاصّة فى كلّ قبيلة، و نجم النّفاق، و اشرأبّت اليهوديّة و النّصرانية، و المسلمون كالغنم المطيرة، فى اللّيلة الشاتية؛ لفقد نبيّهم و قلّتهم، و كثرة عدوّهم.

فقال له النّاس: إن هؤلاء جلّ المسلمين، و العرب على ما ترى قد انتقضت بك، فليس ينبغى لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين.

____________

[1] تاريخ الطبرى 3: 225 و ما بعدها.

47

فقال أبو بكر: و الذى نفس أبى بكر بيده، لو ظننت أنّ السّباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته.

و عن الحسن بن أبى الحسن، قال: ضرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل وفاته بعثا على أهل المدينة و من حولهم، و فيهم عمر ابن الخطاب، و أمّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فوقف أسامة بالناس، ثم قال [1] لعمر بن الخطاب: ارجع إلى خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فاستأذنه، يأذن لى [أن‏] [2] أرجع بالناس، فإنّ معى وجوه الناس وحدهم، و لا آمن على خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ثقل رسول اللّه و أثقال المسلمين أن يتخطّفهم المشركون.

و قالت الأنصار: فإن أبى إلّا أن نمضى؛ فأبلغه عنّا، و اطلب إليه أن يولّى أمرنا رجلا أقدم سنّا من أسامة.

فخرج عمر بأمر أسامة، فأتى أبا بكر، فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خطفتنى الكلاب أو الذّئاب لم أردّ قضاء قضى به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: فإنّ الأنصار أمرونى أن أبلغك أنّهم يطلبون إليك أن تولّى أمرهم رجلا أقدم سنّا من أسامة. فوثب أبو بكر و كان جالسا. فأخذ بلحية عمر، و قال: ثكلتك أمّك و عدمتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و تأمرنى أن أنزعه!

____________

[1] ص: «ثم قام».

[2] تكملة من ص.

48

فخرج عمر إلى النّاس، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمّهاتكم! ما لقيت فى سببكم اليوم من خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)! ثم خرج أبو بكر (رضى اللّه عنه) حتى أتاهم، فأشخصهم و شيّعهم و هو ماش؛ و أسامة راكب، و عبد الرحمن بن عوف يقود دابّة أبى بكر، فقال له أسامة: يا خليفة رسول اللّه، و اللّه لتركبن أو لأنزلنّ! فقال: و اللّه لا تنزل و و اللّه لا أركب، و ما علىّ أن أغبّر قدمىّ فى سبيل اللّه ساعة؛ فإنّ للغازى بكلّ خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له، و سبعمائة درجة ترفع له، و تمحى عنه سبعمائة خطيئة؛ حتى إذا انتهى أبو بكر، قال لأسامة: إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل، فأذن له. ثم قال:

يا أيّها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّى: لا تخونوا و لا تغلّوا [1] و لا تغدروا، و لا تمثّلوا، و لا تقتلوا طفلا صغيرا، و لا شيخا كبيرا، و لا امرأة، و لا تعقروا [2] نخلا، و لا تحرقوه، و لا تقطعوا شجرة مثمرة، و لا تذبحوا شاة و لا بقرة و لا بعيرا إلّا لمأكلة، و سوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم بالصوامع فدعوهم و ما فرّغوا أنفسهم له، و سوف تقدمون على أقوام يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شي‏ء فاذكروا اسم اللّه عليها. و سوف تلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم [3]،

____________

[1] الغلول: أخذ شي‏ء من الغنيمة خفية قبل القسمة.

[2] عقر النخلة: قطعها من أصلها فسقطت.

[3] فحصوا رءوسهم. أى أن الشيطان جعلها مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها.

49

و تركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقا، اندفعوا باسم اللّه.

ثم أوصى أسامة أن يفعل ما أمره به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فسار و أوقع بقبائل قضاعة الّتى ارتدّت، و غنم و عاد، و كانت غيبته أربعين يوما، و قيل: سبعين يوما، و قيل: أربعين؛ سوى مقامه و مقفله راجعا.

و كان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعا للمسلمين، فإنّ العرب قالوا: لو لم تكن لهم قوّة ما أرسلوا هذا الجيش؛ فكفّوا عن كثير مما كانوا عزموا على فعله. و ذلك ببركة اتّباع أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

ذكر أخبار من ادعى النبوة من الكذابين‏

و ما كان من أمرهم، و تجهيز أبى بكر الصديق الجيوش إليهم، و إلى من ارتدّ من قبائل العرب قال المؤرّخون: كان ادّعى النبوّة فى حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة، و هم: الأسود العنسى، و طليحة الأسدىّ، و مسيلمة الكذّاب، و ادّعت النبوّة سجاح بنت الحارث التميميّة.

فأما [1] الأسود العنسى، و اسمه عبهلة بن كعب بن عوف العنسىّ- بالنّون الساكنة. و عنس بطن من مذحج- فكان يلقّب ذا الخمار لأنه كان متخمّرا أبدا.

____________

[1] تاريخ الطبرى 3: 227 و ما بعدها.

50

و قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرىّ: إنه كان له حمار [1] معلم يقول له: اسجد لربك، فيسجد. و يقول له: ابرك فيبرك.

فقيل له: ذا الحمار. و اللّه تعالى أعلم.

و كانت ردّته أوّل ردّة كانت فى الإسلام، و غلب على صنعاء إلى عمان إلى الطائف و كان من خبره ما روى عن الضحّاك بن فيروز الدّيلى عن أبيه؛ قال: أوّل ردّة كانت فى الإسلام باليمن، ردّة كانت على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، على يد ذى الخمار عبهلة بن كعب- و هو الأسود- فى عامّة مذحج، خرج بعد الوداع. و كان الأسود كاهنا مشعبذا [2]، و كان يريهم الأعاجيب، و يسبى قلوب من سمع منطقه، و كان أول ما خرج أن خرج من كهف خبّان- و هى كانت موطنه و داره، و بها ولد و نشأ- فكاتبته مذحج و واعدوه نجران، فوثبوا عليها، و أخرجوا عمرو بن حزم و خالد بن سعيد بن العاص، ثم أنزلوه منزلهما، و وثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك فأجلاه، و نزل منزله، فلم يلبث عبهلة بنجران أن سار إلى صنعاء فأخذها، و كتب بذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جمع لباذام، حين أسلم، و أسلمت اليمن كلّها على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أيام حياته لم يعزله عنها و لا عن شي‏ء منها،

____________

[1] ك: «جمار» تحريف.

[2] الشعوذة و الشعبذة: أخذ كالسحر، يرى شي‏ء بغير ما عليه.

51

و لا أشرك معه فيها شريكا حتى مات باذام، ففرّق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمل اليمن على جماعة من أصحابه، و هم: شهر بن باذام، و عامر بن شهر الهمدانىّ، و عبد اللّه بن قيس أبو موسى، و خالد ابن سعيد بن العاص، و الطّاهر بن أبى هالة، و يعلى بن أميّة، و عمرو ابن حزم. و على بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضىّ، و عكّاشة ابن ثور بن أصغر الغوثىّ؛ على السّكاسك و السّكون، و معاوية بن كندة.

و بعث معاذ بن جبل معلّما لأهل البلدين: اليمن و حضرموت.

و روى عن عبيد بن صخر، قال: بينما نحن بالجند؛ قد أقمناهم على ما ينبغى، و كتبنا بيننا و بينهم الكتب؛ إذ جاءنا كتاب من الأسود: أيها المتورّدون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، و وفّروا ما جمعتم، فنحن أولى به. و أنتم على ما أنتم عليه، فقلنا للرسول: من أين جئت؟ قال: من كهف خبّان؛ ثم كان وجهه إلى نجران حتى أخذها فى عشر لمخرجه، و طابقه عوامّ مذحج؛ فبينا نحن ننظر فى أمرنا، و نحن نجمع جمعنا إذ أتينا. فقيل: هذا الأسود بشعوب [1]، و قد خرج إليه شهر بن باذام، و ذلك لعشرين ليلة من منجمه؛ فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون الدّبرة [2]؛ إذ أتانا أنه قتل شهرا، و هزم الأبناء، و غلب على صنعاء، لخمس و عشرين ليلة من منجمه.

و خرج معاذ هاربا حتى مرّ بأبى موسى و هو بمأرب، فاقتحما حضرموت، فأمّا معاذ فإنه نزل فى السّكون، و أما أبو موسى فإنّه‏

____________

[1] شعوب: قصر باليمن معروف بالارتفاع، أو بساتين بظاهر صنعاء- ياقوت.

[2] الدبرة: الهزيمة فى القتال، و فى ص: «الدائرة».

52

نزل فى السّكاسك، و انحاز سائر أمراء اليمن إلى الطّاهر [1] إلّا عمرا و خالدا، فإنّهما رجعا إلى المدينة، و الطّاهر يومئذ فى وسط بلاد عك بحيال صنعاء؛ و غلب الأسود على ما بين صهيد- مفازة حضرموت- إلى عمل الطائف، إلى البحرين قبل عدن، و طابقت عليه اليمن، و عكّ بتهامة معترضون عليه، و جعل يستطير استطارة الحريق، و كان معه يوم لقى شهر بن باذام سبعمائة فارس سوى الرّكبان، و استغلظ أمره، و دانت له سواحل من السواحل و عدن و الجند؛ ثم صنعاء إلى عمل الطائف إلى الأحسية و غيرها.

و عامله المسلمون بالبقيّة، و عامله أهل الرّدة بالكفر، و الرجوع عن الإسلام.

و كان خليفته فى مذحج عمرو بن معدى‏كرب، و أسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، و أسند أمر الأبناء إلى فيروز و داذويه.

فلمّا أثخن فى الأرض استخفّ بقيس و بفيروز و بداذويه و تزوّج امرأة شهر، و هى ابنة عم فيروز.

قال أبو عبيد بن صخر: فبينا نحن كذلك بحضرموت، و لا نأمن أن يسير إلينا الأسود، أو أن يبعث إلينا جيشا، أو يخرج بحضرموت خارج يدّعى بمثل ما ادّعى به الأسود، فنحن على ظهر، تزوّج معاذ إلى بنى بكرة- حىّ من السّكون- امرأة يقال لها: رملة، فحدبوا لصهره علينا- و كان معاذ بها معجبا- فإن كان يقول فيما يدعو اللّه به: اللّهم ابعثنى يوم القيامة مع السّكون، و يقول أحيانا:

____________

[1] هو الطاهر بن أبى هالة و انظر الصفحة السابقة.

53

اللّهم اغفر للسّكون؛ إذ جاءتنا كتب النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، يأمرنا [فيها] [1] أن نبعث الرجال لمجاولته و مصاولته، و أن نبلغ كلّ من رجا عنده شيئا من ذلك عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

فقام معاذ فى ذلك بالّذى أمره به، فعرفنا القوّة، و وثقنا بالنّصر.

و عن جشيش بن الدّيلمىّ، قال: لمّا قدم علينا وبر بن يحنّس بكتاب النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم) يأمرنا فيه بالقيام على ديننا، و النّهوض فى الحرب، و العمل فى الأسود، إمّا غيلة، و إمّا مصادمة، و أن نبلغ عنه من رأينا أنّ عنده نجدة [و دينا] [2]، فعملنا فى ذلك، فرأينا أمرا كثيفا، و رأيناه قد تغيّر لقيس بن عبد يغوث- و كان على جنده- فقلنا: يخاف على دمه [فهو لأول دعوة] [2]، فدعوناه و أنبأناه الشأن، و أبلغناه عن النبىّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فكأنّما وقعنا عليه من السّماء، و كان فى غمّ و ضيق بأمره، فأجابنا إلى ما أحببنا من ذلك، و كاتبنا النّاس، و دعوناهم. فأخبره الشيطان بشى‏ء، فأرسل إلى قيس و قال: يا قيس، ما يقول هذا؟ قال: و ما يقول؟ قال:

يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته؛ حتى إذا دخل منك كل مدخل، و صار فى العزّ مثلك؛ مال ميل عدوّك، و حاول ملكك، و أضمر على الغدر، إنه يقول: يا أسود يا أسود! يا سوأة، يا سوأة! اقطف قنّته، و خذ من قيس أعلاه؛ و إلّا سلبك، أو قطف قنّتك.

____________

[1] تكملة من ص.

[2] تكملة من تاريخ الطبرى.

54

فقال قيس و حلف به؛ كذب و ذى الخمار؛ لأنت أعظم فى نفسى، و أرجى عندى من أن أحدّث بك نفسى! فقال: ما أجفاك! أ تكذّب الملك! صدق الملك، و عرفت الآن أنّك تائب مما اطّلع عليه منك، ثم خرج فأتانا فقال: يا جشيش، يا فيروز، يا داذويه! إنه قد قال و قلت: فما الرأى؟ فقلنا: نحن على حذر؛ فإنا فى ذلك، إذ أرسل إلينا؛ فقال: أ لم أشرّفكم على قومكم! أ لم يبلّغنى عنكم! فقلنا: أقلنا مرّتنا هذه؛ فنجونا، و لم نكد، و هو فى ارتياب من أمرنا و أمر قيس، و نحن فى ارتياب و على خطر عظيم؛ إذ جاءنا اعتراض عامر بن شهر و ذى زود و ذى مرّان و ذى الكلاع و ذى ظليم عليه، و كاتبونا و بذلوا لنا النّصر، و كاتبناهم؛ و أمرناهم ألا يحرّكوا شيئا حتى نبرم الأمر، و إنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم. و كتب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أهل نجران، إلى عربهم و ساكنى الأرض من غير عربهم، فتنحّوا، و انضمّوا إلى مكان [واحد] [1]. و بلغه [2] ذلك، و أحسّ بالهلاك، و فرق لنا الرأى، فدخلت على آزاد- و هى امرأته- فقلت: يا بنت عمّ، قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك؛ قتل زوجك، و طأطأ فى قومك القتل، و سفل بمن بقى منهم، و فضح النساء، فهل عندك من ممالأة عليه؟ فقالت: على أىّ أمره؟ قلت:

إخراجه، فقالت: أو قتله! قلت: أو قتله، قالت: نعم و اللّه ما خلق اللّه شخصا أبغض إلىّ منه؛ ما يقوم للّه على حقّ، و لا ينتهى له‏

____________

[1] من ص و الطبرى.

[2] ص: «و بلغهم».