نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج22

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
393 /
5

الجزء الثاني و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقديم‏

هذا هو الجزء الثانى و العشرون من نهاية الأرب، قد اعتمدت فى تحقيقه على ثلاث مخطوطات محفوظة بدار الكتب بأرقام 592، 551، 549 معارف عامة، رمزت للأولى 592 بحرف ف، و الثانية 551 بحرف ص، و الثالثة 549 بحرف ك، و هى مخطوطات تستحق الدراسة و التنويه عنها إلا أن هذا الجزء ليس موضعا لهذه الدراسة، ذلك لأن هذا الجزء سبقه واحد و عشرون، و كلها جميعا تعتمد على هذه المخطوطات.

و لكن على الرغم من هذا فأرى من واجبى- أداء للأمانة العلمة- أن أورد ملحوظة، ربما كان هذا الجزء وحده يستقل بها أو لعلها شائعة فى الأجزاء كلها، و هى على أية حال تستحق التسجيل، فقد لاحظت:

أن المخطوطة رقم 549 المرموز لها بحرف ك كثيرة الأخطاء، و لا يتحرى ناسخها الدقة فى النقل عن المصدر الذى ينقل منه، و يتفرد بخصيصة غريبة هى عدم العناية و الإهمال، إهمالا جعله يضطرب فيخلط بين الأحداث، و هو- بعد هذا- لا يستقل بذلك بل يفرض نفسه على المنسوخ، يحكم‏

6

ذوقه البيانى على ما ينقل فيقدم من حروف الجر و يؤخر وفق هواه، و يغير من الألفاظ فيأتينا بألفاظه لا بألفاظ المصدر، و لكن هذا قليل قلة يمكن التجاوز عنه، و لكن الذى لا نستطيع التجاوز عنه و لا الصبر عليه هو وضعه ألفاظا لما لم يستطع قراءته، و الحق أن كل هذه العيوب تسقط من قيمة هذه المخطوطة، و فى نظرى إن عيبا واحدا منها كاف ليجعلنى أنفر أو بتعبير أدق و أصح يجعلنى أربأ بالعمل العلمى أن يجعل هذه المخطوطة إحدى عمد نشر كتاب نهاية الأرب، و أرى أن تكون عونا يسعف إذا كان فيها ما يسعف.

أما المخطوطة رقم 592 و هى المرموز لها بحرف ف فهى بلا شك يجب أن تكون إحدى عمد النشر، ذلك لأن ناسخها معاصر أو يمكن اعتباره معاصرا للمؤلف، و هذا يجعل قيمتها التاريخية فى درجة عالية، و لكن على الرغم من هذه القيمة لعلمية لهذه المخطوطة فإنها لا تسلم من العيوب، و هى عيوب خطيرة، نتجت فى رأيى من ضعف ناسخها فى قراءة نسخة المؤلف، و يجب علينا ألا ندع الحديث عن هذه المخطوطة دون أن نشير إلى أن ناسخ ك ينقل من هذه المخطوطة ف و دليل ذلك أن كل سقط فى ف نجده فى ك و العكس غير صحيح، ذلك لأننا نجد فى ك سقطا ليس فى ف.

و المخطوطة التى تستحق كل تقدير علمى هى المخطوطة رقم 551 و هى المرموز لها بحرف ص، ذلك لأن الناسخ أمين فى نقله، دقيق فى نقل الألفاظ دقة تجعله يرسم الكلمة التى لم يستطع قراءتها، و حسبك هذا لتقييم هذه المخطوطة، و لكن على الرغم من هذه القيمة العلمية فإنها لا تسلم من عيب، ذلك لأن الناسخ كثيرا ما يهمل النقط، و النقط أساس فى قراءة الكلمات العربية، و لكن الذى ييسر و يهون من خطر هذا العيب أن النويرى ينقل عن غيره بالنص رغم التزامه الإيجاز، ينقل العبارة بنص صاحبها إلا فى أندر الأحوال، و من ثمّ كان هذا العيب لا يعوق المحقق من أداء عمله‏

7

و بعد فهذه إشارة تغنى عن التصريح و الاسهاب عن هذه المخطوطات المشار إليها فى هوامش الكتاب، و هذا هو الجزء الثانى و العشرون أرجو أن أكون قد أديت واجبى نحوه، فإن جاء مطابقا لما يطلب من المحقق شكرت ربى على التوفيق و إن كان هناك تقصير فجهدى قد بذلته و الكمال للّه وحده، و اللّه ولى التوفيق.

مايو سنة 1961 محمد جابر الحينى‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة العباسية بالعراق و غيره‏

و الديار المصرية و ما معها خاصة و ابتداء أمر الشيعة و ظهورهم و ما كان منهم إلى أن أفضى إلى أبى العباس عبد اللّه السفاح و من قام بالأمر بعده إلى وقتنا هذا.

[في سنة مائة من الهجرة]

ذكر ابتداء ظهور دعوة بنى العباس و أمر الشيعة

قال ابن الأثير الجزرى (رحمه الله تعالى) فى تاريخه الكامل، كان ابتداء ظهور دعوة بنى العباس فى خلافة عمر بن عبد العزيز، و ذلك أن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس- و هو والد أبى العباس السفاح- بث دعاته فى الآفاق فى سنة مائة من الهجرة، و كان ينزل بأرض الشّراة من أعمال البلقاء بالشام، و كان أمر الشيعة بعد قتل الحسين بن على (رضى اللّه تعالى عنهما) صار إلى أخيه محمد بن الحنفية، و قال بعض المؤرخين‏ (1) إنه صار إلى على بن الحسين، ثم إلى محمد بن على الباقر، ثم إلى جعفر بن محمد، و الذى عليه الأكثر (2) أن محمد بن الحنفية أوصى به إلى ابنه أبى هاشم، فلم يزل قائما بأمر الشيعة، فلما كان فى أيام سليمان بن عبد الملك وفد عليه فأكرمه سليمان، و قال ما ظننت قرشيا قط يشبه هذا و قضى حوائجه، ثم شخص من عنده‏

____________

(1) الإشارة هنا إلى مؤرخى الشيعة و من يميلون إلى مذهبهم و خاصة الإمامية.

(2) الطبرى و ابن الأثير و من يتبعها.

10

يريد فلسطين، فلما كان ببلد لخم و جذام ضربت له أبنية فى الطريق و معهم اللبن المسموم، فكلما مرّ بقوم قالوا (1): هل لك فى الشراب، فيقول جزيتم خيرا، حتى مرّ بآخرين فعرضوا عليه، و هو يظنهم‏ (2) أنهم من لخم و جذام، فقال هاتوا و شرب، فلما استقر فى جوفه أحسّ بالسم، فقال لأصحابه إنى ميت، فانظروا من القوم؟ فنظروا من القوم فإذا هم قوّضوا (3) أبنيتهم و رحلوا، فقال ميلوا بى إلى ابن عمى و أسرعوا، فإنى أحسب أنى لا ألحقه، و كان محمد بن على والد أبى العباس السفاح بالحميمة من أرض الشراة بالشام.

ذكر تفويض أمر الشيعة إلى محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس و بثه الدعاة

قال: فلما وصل أبو هاشم إلى محمد بن على قال: يا ابن عم، إنى ميت و أنت صاحب هذا الأمر، و ولدك ابن الحارثيّة هو القائم به، ثم أخوه من بعده، و اللّه لا يتم هذا الأمر حتى ترج الرايات السود من خراسان، ثم ليغلبنّ على ما بين حضرموت و أقصى أفريقية و ما بين الهند و أقصى فرغانة، فعليك بهؤلاء الشيعة فهم دعاتك و أنصارك و لتكن دعوتك خراسان، و استبطن هذا الأمر الحىّ من اليمن، فإنّ كل ملك لا يقوم بهم، فأمره‏ (4) إلى انتقاض و أمرهم فليجعلوا اثنى عشر نقيبا و بعدهم سبعين نقيبا، فإنّ اللّه تعالى لم يصلح بنى إسرائيل إلا بهم، و قد فعل ذلك النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإذا مضت سنة الحمار فوجّه رسلك نحو خراسان. فمنهم من يقتل‏

____________

(1) فى ك قال.

(2) فى ك يظن.

(3) فى ك قرضوا

(4) فى ص فمصيره، و المعنى أن كل ملك لا يقوم الا بهم فأمره الى انتقاض. و أمرهم إلى انتقاض اذا لم يقم الملك بهم.

11

و منهم من ينجو، حتى يظهر اللّه دعوتكم، فقال محمد بن على: أبا هاشم و ما سنة الحمار، قال إنه لم تمض مائة سنة من نبوّة إلا انتقض أمرها، لقوله تعالى‏ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ إلى قوله‏ فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ‏ (1).

و اعلم أن صاحب هذا الأمر من ولدك عبد اللّه بن الحارثية، ثم مات أبو هاشم و كان قد (2) أعلم شيعته من أهل خراسان و العراق عند ترددهم إليه، أن الأمر صائر إلى ولده محمد بن على، و أمرهم بقصده بعده، فلما مات أبو هاشم قصدوا محمدا و بايعوه، و عادوا فدعوا الناس إليه فأجابوهم، و كان الذين سيّرهم إلى الآفاق جماعة، فوجّه ميسرة إلى العراق، و محمد بن خنيس و أبا عكرمة السرّاج- و هو أبو محمد الصادق- و حيّان العطّار- خال إبراهيم بن سلمة (3)- إلى خراسان، و عليها يوم ذاك الجرّاح الحكمى، و أمرهم بالدعاء إليه و إلى أهل بيته، فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب إلى محمد بن على فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها إلى محمد، و اختار أبو محمد الصادق لمحمد بن على اثنى عشر نقيبا، منهم سليمان بن كثير الخزاعى، و لاهز بن قريظ التميمى، و قحطبة بن شبيب الطائى، و موسى ابن كعب التميمى، و خالد بن إبراهيم أبو داود من بنى شيبان بن ذهل، و القاسم بن مجاشع التميمى، و عمران بن إسماعيل أبو النجم مولى أبى معيط، و مالك بن الهيثم الخزاعى، و طلحة بن زريق الخزاعى، و عمرو ابن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، و شبل بن طهمان أبو على الهروى مولى لبنى حنيفة، و عيسى بن أعين مولى خزاعة، و اختار سبعين رجلا فكتب إليهم‏

____________

(1) يشير الى الآية 259 من سورة البقرة و هى‏ (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى‏ حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ).

(2) هنا بدأ المؤلف ينقل عن ابن الأثير بشى‏ء من التصرف، و كان قبل ذلك يلخص.

(3) مسلمة فى المخطوطات و التصويب عن الطبرى ج 5 ص 316 القاهرة 1939 م و ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 159 القاهرة 1357 ه.

12

محمد بن على كتابا، ليكون لهم مثالا و سيرة يسيرون بها، و ذلك فى سنة مائة من الهجرة.

[في سنة اربع و مائة من الهجرة]

ذكر مولد أبى العباس السفاح‏

قال: كان عبد الملك بن مروان قد منع محمد بن على أباه من زواج أمه، و هى ريطة بنت عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عبد المدان‏ (1) الحارثى، ثم منعه الوليد و سليمان بعده لأنهم كانوا يرون أن ملكهم يزول على يد رجل من بنى العباس يقال له ابن الحارثية، فلما ولى عمر بن عبد العزيز شكى محمد بن على ذلك، و سأله ألا يمنعه من زواجها و كانت بنت خاله، فقال له عمر:

تزوّج من شئت فتزوّجها، فولدت له أبا العباس السفاح فى شهر ربيع الآخر سنة أربع و مائة، و وصل إلى أبيه محمد بن على أبو محمد الصادق من خراسان فى عدة من أصحابه، فأخرج إليهم أبا العباس فى خرقة و له خمسة عشر يوما، و قال لهم هذا صاحبكم الذى يتم الأمر على يديه، فقبلوا أطرافه، و قال لهم: و اللّه ليتمنّ هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم.

و فى سنة خمس و مائة:

قدم بكير بن ماهان من السند و كان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن، فلما عزل الجنيد قدم بكير إلى الكوفة، و معه أربع لبنات من فضة و لبنة من ذهب، فلقى أبا عكرمة الصادق، و ميسرة، و محمد بن خنيس، و سالم الأعين، و أبا يحيى مولى بنى مسلمة، فذكروا له أمر دعوة بنى هاشم فقبل ذلك، و أنفق ما معه عليهم و دخل إلى محمد بن على، فأقامه مقامه.

و فى سنة سبع و مائة.

وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة و محمد بن خنيس‏

____________

(1) ذكرت المخطوطتان ف، ص هذا الاسم صحيحا هنا، بينما ذكرتاه مغلوطا فى فصل قادم هو:

بيعة ابى العباس السفاح أماك فقد أخطأت فى الموضعين. و جميع المخطوطات هنا تخطئ فى سلسلة آبائها تقول ريطة بنت عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عبد المدان الحارثى و بالمقابلة بما جاء فى تاريخ الطبرى ج 6 ص 121 و ما ورد فى الكامل لابن الاثير ج 4 ص 346 نجد أن «عبد اللّه» الأولى مضافة خطأ. فالخطأ لم يلحق اسمها فحسب بل و لحق اسماء آبائها كما سنرى فيما بعد.

13

و عمّار العبادى و زيادا- خال الوليد الأزرق- فى عدة من شيعتهم دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد اللّه القسرى و هو أمير خراسان، فوشى بهم فأتى بأبى عكرمة و محمد بن خنيس و عامة أصحابه، و نجا عمّار، فقطع أسد أيدى من ظفر به منهم و صلبه، و أقبل عمار إلى بكير ابن ماهان فأخرجه، فكتب إلى محمد بن على بذلك، فأجابه: الحمد للّه الذى صدق دعوتكم و مقالتكم، و قد بقيت منكم قتلى ستقتل. و قيل إن أول من قدم خراسان من دعاة بنى العباس زياد (1) أبو محمد مولى همدان.

و فى سنة تسع و مائة.

بعثه محمد بن على و قال له: انزل اليمن‏ (2) و الطف مضر، و نهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب، فلما قدم دعا إلى بنى العباس و ذكر سيرة بنى أمية و ظلمهم، و أطعم الناس الطعام، و قدم عليه غالب و تناظرا فى تفضيل آل علىّ و آل العباس، و افترقا و أقام زياد بمرو شتوة يختلف إليه من أهلها يحيى بن عقيل الخزاعى و غيره، فأخبر به‏ (3) أسد فدعاه و قال له: ما هذا الذى بلغنى عنك؟ قال: الباطل، إنما قدمت فى تجارة و قد فرّقت مالى على الناس، فإذا اجتمع خرجت، فقال له أسد: اخرج عن بلادى، فانصرف و عاد إلى أمره، فرفع أمره إلى أسد و خوّف جانبه، فأحضره و قتله و قتل معه عشرة من أهل الكوفة، و لم ينج منهم إلا غلامان استصغرهما و قيل- أمر بزياد أن يوسط بالسيف، فضربوه فلم يعمل السيف فيه فكبّر الناس، فقال أسد: ما هذا؟ فقالوا نبا السيف عنه، ثم ضرب مرة أخرى فنبا عنه، ثم ضرب الثالثة فقطعه باثنتين، و عرض البراءة منه على أصحابه، فمن تبرّأ خلى سبيله، فتبرأ اثنان فتركا، و أبى البراءة ثمانية فقتلوا، فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد، فقال أسألك أن تلحقنى‏

____________

(1) فى جميع المخطوطات زياد بن محمد و هو خطأ و التصحيح عن ابن الأثير: الكامل ج 4 ص 200 و الطبرى ج 5 ص 394

(2) أى اقم بين القبائل اليمنية القاطنة خراسان‏

(3) فى ك فأخبره أسد و هو خطأ واضح‏

14

بأصحابى فقتله، و ذلك قبل الأضحى بأربعة أيام من سنة تسع و مائة، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيرا، فنزل على أبى النجم و كان يأتيه الذين لقوا زيادا، فكان على ذلك سنة أو سنتين و كان أميا، فقدم عليه خداش و اسمه عمارة، فغلب كثيرا على أمره. و يقال إن أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علىّ حرب بن عثمان مولى بنى قيس بن ثعلبة، من أهل بلخ- و اللّه تعالى أعلم.

و فى سنة ثمانى عشرة و مائة:

وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد (1) الخزاعى إلى خراسان واليا على شيعة بنى العباس، فنزل مرو و غيّر اسمه و تسمى بخداش، و دعا إلى محمد بن على فسارع إليه الناس و أطاعوه، ثم غيّر ما دعاهم إليه و أظهر دين الخرميّة، و رخّص لبعضهم فى نساء بعض، و قال لهم إنه لا صوم و لا صلاة و لا حج، و أن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، و الصلاة الدعاء له، و الحج القصد إليه و كان يتأول من القرآن قوله تعالى‏ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ (2)، قال و كان خداش نصرانيا بالكوفة فأسلم و لحق بخراسان، و كان ممن اتبعه على مقالته: مالك ابن الهيثم، و الحريش بن سليم الأعجمى و غيرهما، و أخبرهم أن محمد بن علىّ أمره بذلك، فبلغ خبره أسد بن عبد اللّه فظفر به، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه و سمل عينيه، و أمر يحيى بن نعيم الشيبانى فقتله و صلبه بآمل.

و فيها مات على بن عبد اللّه بن عباس بالحمّيمة من أرض الشّراة بالشام، و هو ابن ثمان أو سبع و سبعين‏ (3)، و هو والد محمد الإمام، و قيل‏

____________

(1) فى ص: زيد

(2) المائدة آية 93. تلك كانت وسيلة غلاة الشيعة للتأثير على أتباعهم و لتحقيق اغراض كانوا يهدفون اليها راجع كتابى: حركات الشيعة المتطرفين.

(3) فى ص: و تسعين و هو تحريف لأن الطبرى و ابن الأثير فى الكامل و المخطوطتين الأخريين يجمعون على سبعين.

15

إنه ولد فى الليلة التى قتل فيها على بن أبى طالب (رضى اللّه تعالى عنه) فسمّاه عليّا، و قال سميته باسم أحب الناس إلىّ، و كناه بأبى الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه و أجلسه معه على سريره، و سأله عن اسمه و كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع هذا الاسم و الكنية لأحد فى عسكرى، و سأله:

هل لك ولد؟ قال: نعم و قد سميته محمدا، قال: فأنت أبو محمد. و قيل إنه خلف اثنين و عشرين ولدا.

و فى سنة عشرين و مائة:

وجّهت الشيعة بخراسان إلى محمد الإمام سليمان بن كثير، ليعلمه أمرهم و ما هم عليه، و كان محمد قد ترك مكاتبتهم و مراسلتهم، لطاعتهم لخداش و قبولهم منه ما رواه عنه من الكذب، فقدم سليمان على محمد فعنّفه محمد فى ذلك، ثم صرفه إلى خراسان و معه كتاب مختوم، فلم يجدوا فيه إلا البسملة، فعلموا مخالفة خداش لأمره، ثم وجّه محمد إليهم‏ (1) بكير بن ماهان بعد عود سليمان من عنده، و كتب إليهم يعلمهم كذب خداش فلم يصدقوه و استخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد، فبعث معه بعصا مضبّبة بعضها بحديد و بعضها بنحاس، فجمع بكير النقباء و الشيعة و دفع إلى كل واحد منهم عصى، فتابوا و رجعوا.

ذكر خبر أبى مسلم الخراسانى و ابتداء أمره‏

قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل، قد اختلف الناس فى أمر أبى مسلم، فقيل كان حرا، و كان اسمه إبراهيم بن عثمان بن بشار (2) بن سدوس بن جود زده‏ (3) من ولد بزرجمهر (4) و يكنى أبا إسحاق، ولد

____________

(1) فى ف، ك إليه‏

(2) فى ك: يسار

(3) فى جميع المخطوطات جودرز و التصويب عن ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 252 ط. القاهرة 1357 ه

(4) فى ك: إبراهيم بزرجمهر.

16

بأصفهان و نشأ بالكوفة، و كان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السرّاج، فحمله إلى الكوفة و هو ابن سبع سنين، فلما اتصل بإبراهيم بن محمد بن على ابن عبد اللّه بن عباس الإمام قال له: غيّر اسمك فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك، على ما وجدته فى الكتب، فسمى نفسه‏ (1) عبد الرحمن بن مسلم و كان يكنى أبا مسلم، و مضى لشأنه، و له ذؤابة و هو على حمار بإكاف‏ (2) و له تسع عشرة سنة، و زوّجه إبراهيم الإمام ابنة عمران بن إسماعيل الطائى المعروف بأبى النجم؛ هذا نسبه على زعم من يقول إنه حر، و لما تمكّن و قوى أمره ادّعى أنه من ولد سليط بن عبد اللّه بن عباس، و كان من حديث سليط هذا أن عبد اللّه بن عباس كان له جارية مولدة صفراء تخدمه، فواقعها مرة ثم تركها دهرا، فاستنكحت عبدا من أهل المدينة فولدت له غلاما، فاستعبده عبد اللّه بن عباس و سماه سليطا، فنشأ جلدا ظريفا و خدم ابن عباس، ثم صار له من الوليد بن عبد الملك منزلة (3)، فادعى أنه من ولد عبد اللّه بن عباس، و أعانه الوليد على ذلك لما كان فى نفسه من على بن عبد اللّه بن عباس، و أمره بمخاصمته فخاصمه، و احتال فى شهود على إقرار عبد اللّه أنه ولده، فشهدوا بذلك عند قاضى دمشق، و اتبع القاضى رأى الوليد فى ذلك، فأثبت نسبه و خاصم عليّا فى الميراث.

و أما من زعم أنه كان عبدا فإنه حكى، أن بكير بن ماهان كان كاتبا لبعض عمال السند، فقدم الكوفة فاجتمع بشيعة بنى العباس. فغمز بهم فحبس و خلّى عن الباقين، و كان فى الحبس أبو عاصم يونس. و عيسى بن معقل العجلى و معه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه، ثم قال لعيسى بن معقل: ما هذا منك؟ قال: هو مملوك. قال: أ تبيعه؟ قال: هو

____________

(1) فى ك: اسمه‏

(2) برذعة

(3) فى ك: ثم صار له منزلة عند عبد الملك و هو خطأ.

17

لك، قال: أحب أن تأخذ ثمنه، قال هو لك بما شئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثم خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى موسى السرّاج فسمع منه و حفظ، ثم صار يتردد إلى خراسان.

و قيل إنه كان لبعض أهل هراة بوشنج شيخ، فقدم مولاه على إبراهيم الإمام و أبو مسلم معه، فأعجبه فابتاعه منه و أعتقه، و مكث عنده عدة سنين، و كان يتردد بكتب إلى خراسان على حمار له بإكاف، ثم ولاه إبراهيم أمر الشيعة بخراسان على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

و فى سنة أربع و عشرين و مائة:

مات محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس فى قول بعضهم، و أوصى إلى ابنه إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة، و قيل بل مات فى سنة خمس و عشرين و مائة فى ذى القعدة، هو ابن ثلاث و ستين سنة.

و فى سنة ست و عشرين و مائة:

وجّه إبراهيم بن محمد (1) الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، فقدم مرو و جمع النقباء و الدعاة و نعى لهم محمد بن على، و دعاهم إلى ابنه إبراهيم و دفع إليهم كتابه فقبلوه، و دفعوا له ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم.

و فى سبع و عشرين و مائة:

توجّه سليمان بن كثير، و لاهز بن قريظ، و قحطبة إلى مكة فلقوا إبراهيم الإمام بها، و أوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار و مائتى ألف درهم و مسكا و متاعا، و كان معهم أبو مسلم.

و فيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره أنه فى الموت، و أنه قد استخلف أبا سلمة حفص بن ماهان و هو رضى للأمر،

____________

(1) غير مذكور فى ف، ك و يبدو أنه سهو لأنهما يذكرانه كما هو واضح فى السنة القادمة.

18

فكتب إبراهيم إلى أبى سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه‏ (1)، و كتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، و مضى أبو سلمة إليهم فقبلوا أمره، و دفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة و خمس أموالهم.

قال‏ (2) و فى سنة ثمان و عشرين و مائة:

ذكر ولاية أبى مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراسانى أمر الشيعة

وجّه إبراهيم بن محمد الإمام أبا مسلم‏ (3) الخراسانى إلى خراسان و عمره تسع عشرة سنة، و كتب إلى أصحابه: إنى قد أمرته بأمرى، فاسمعوا له و أطيعوا، فإنى قد أمّرته على خراسان و ما غلب عليه بعد ذلك، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، و خرجوا فالتقوا بمكة عند إبراهيم الإمام، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه و أمره، فقال إبراهيم: هل عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علىّ؟ و كان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألى على اثنين أبدا (4)، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه على أبى مسلم، و أمرهم بالسمع و الطاعة له، ثم قال: إنك رجل منّا أهل البيت، فاحفظ وصيتى: انظر هذا الحىّ من اليمن فالزمهم‏ (5)، و اسكن بين أظهرهم فإن اللّه تعالى لا يتم هذا الأمر إلا بهم، و اتهم ربيعة فى أمرهم، و أما مضر فإنهم‏

____________

(1) فى ك: الشيعة

(2) هذا التعبير من المؤلف يشير دائما إلى أنه يأخذ عن الكامل لابن الأثير و هو المعنى بقال‏

(3) يخطئ ناسخ ك فى هذا الباب فى نقله فيذكره أبا مسلمة و فى هذا التنبيه ما يغنى عن التتبع‏

(4) جاء فى تاريخ الطبرى ج 10 ص 1937 ط أوروبا: (... فقال إبراهيم: إنى قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علىّ، و ذلك أنه كان عرض ذلك قبل أن يوجه أبا مسلم على سليمان بن كثير فقال: لا ألى اثنين أبدا) و تعبير النويرى منقول عن ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 295 بالنص‏

(5) فى ص، ك: فاكرمهم و التصويب عن ف و ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 295 لأن المؤلف ينقل عنه.

19

العدو القريب الدار، و اقتل من شككت فيه، و إن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم العربية [فافعل‏ (1)]، و أيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، و لا تخالف هذا الشيخ يعنى سليمان بن كثير و لا تعصه، و إذا أشكل عليك أمر فاكتف به منّى.

و فى سنة تسع و عشرين و مائة:

ذكر إظهار الدعوة بخراسان‏

كتب إبراهيم الإمام إلى أبى مسلم يستدعيه، فسار فى النصف من جمادى الآخرة مع سبعين من النقباء، فلما وصل إلى قومس أتاه كتاب إبراهيم، يقول: إنى قد بعثت إليك براية النصر (2)، فارجع من حيث لقيك كتابى، و وجّه إلىّ قحطبة بما معك يوافينى به فى الموسم، و كتابا إلى سليمان بن كثير، فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، و وجّه قحطبة إلى إبراهيم بما معه من الأموال و العروض، و قدم أبو مسلم إلى مرو و دفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، يأمره بإظهار الدعوة، فنصبوا (3) أبا مسلم و قالوا رجل من أهل البيت، و دعوا إلى طاعة بنى العباس، و أرسلوا إلى من قرب منهم و بعد ممن أجابهم بإظهار الدعوة، و نزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين، على أبى الحكم عيسى بن أعين النقيب، و وجّه منها أبا داود النقيب و معه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ، و أمرهما بإظهار الدعوة فى شهر رمضان، و كان نزوله القرية فى شعبان، و بث الدعاة إلى مرو الرّوذ و الطّالقان و خوارزم، و أمرهم بإظهار الدعوة فى شهر رمضان لخمس بقين منه، و قال لهم فإن أعجلكم عدوكم دون الوقت بالأذى و المكروه فقد حلّ لكم أن تدفعوا عن أنفسكم،

____________

(1) ما بين القوسيم غير موجود بجميع المخطوطات: و أثبتناه عن ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 295 لأنه ينقل عنه‏

(2) فى المخطوطات: التصرف و هو خطأ و التصويب عن ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 299 و الطبرى ج 6 ص 23

(3) فى ص، ك: فنعتوا.

20

و تجردوا السيوف و تجاهدوا أعداء اللّه، و من شغله منكم عدوه عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعده، ثم تحرك أبو مسلم فنزل فى قرية سفيذنج على كثير بن سليمان الخزاعى لليلتين خلتا من شهر رمضان، و الكرمانى و شيبان يقاتلان نصر بن سيّار، فبث أبو مسلم دعاته فى الناس و أظهر أمره، فأتاه فى ليلة واحدة نحو ستين قرية، فلما كان ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان عقد اللواء، الذى بعث به الإمام إليه و يدعى الظل‏ (1)، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، و هو يتلو أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (2)، و لبسوا السواد هو و أخوه سليمان بن كثير و مواليه، و من كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، و أوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم‏ (3) فكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، و قدم عليه الدعاة الذين بثهم فى الدعوة بمن أجابهم، و ذلك بعد ظهوره بيومين، فلما وافى عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى به و بالشيعة، و نصب له منبرا فى العسكر، و أمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان و لا إقامة، و كان بنو أمية يبدءون بالخطبة قبل الصلاة بأذان و إقامة، و أمره أيضا أن يكبّر ست تكبيرات تباعا، ثم يقرأ و يركع بالسابعة، و يكبر فى الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ثم يقرأ و يركع بالسادسة، و يفتح الخطبة بالتكبير و يختمها بالقرآن، و كان‏ (4) بنو أمية يكبّرون فى الأولى أربع تكبيرات و فى الثانية ثلاثا، فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم و الشيعة، إلى طعام قد أعدّه لهم فأكلوا مستبشرين. و كتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار و بدأ

____________

(1) لاحظ هذا الاصطلاح و لاحظ ما ظهر بعد ذلك من قول بامام صامت و آخر ناطق و لاحظ ما كان يجرى من تطور هذه الفكرة فى بيئة المتطوفين فى القرن الثانى الهجرى حتى استخدمها الفاطميون و غيرهم فى مآربهم السياسية و اعتبرت جزءا من العقيدة.

(2) الحج آية 39

(3) فى ف، ك: لبيعتهم، و التصويب عن ص و ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 300 و الطبرى ج 6 ص 25.

(4) فى ف، ك: كانوا و هما يستخدمان هذه الصيغة فى هذا الفصل.

21

بنفسه، و كتب إلى نصر و لم يقل إلى الأمير: أما بعد فإن اللّه تباركت أسماؤه عيّر (1) أقواما فى القرآن فقال: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّئِ وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (2)، فتعاظم نصر الكتاب و كسر له إحدى عينيه، و قال: هذا كتاب له أخوات‏ (3) ثم كان من خبر الكرمانى و مقتله ما قدمناه فى أيام مروان، فلما قتل انضم ابنه علىّ إلى أبى مسلم فى جموع كثيرة، فاستصحبه معه و قاتلوا نصر بن سيّار حتى أخرجوه من دار الإمارة، و أقبل أبو مسلم إلى مرو و أتاه على بن الكرمانى و سلّم عليه بالإمارة.

و فى سنة ثلاثين و مائة:

ذكر دخول أبى مسلم مرو و البيعة بها

دخل أبو مسلم الخراسانى مرو و نزل قصر الإمارة فى شهر ربيع الآخر و قيل فى جمادى الأولى، و كان سبب ذلك و سبب اتفاق ابن الكرمانى أن ابن الكرمانى و من معه و سائر القبائل بخراسان كانوا قد تعاقدوا على قتال أبى مسلم، فجمع أصحابه لحربهم، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرمانى، فقال له سليمان إن أبا مسلم: يقول لك أ ما تأنف من مصالحة نصر و قد قتل بالأمس أباك و صلبه! و ما كنت أحسبك تجامع نصرا فى مسجد تصليان فيه! فرجع ابن الكرمانى عن رأيه و انتقض صلح العرب، فبعث نصر بن سيار إلى أبى مسلم يلتمس منه أن يدخل مع‏

____________

(1) فى المخطوطات: غر و التصويب عن الكامل ج 4 ص 301 و الطبرى ج 6 ص 26

(2) فاطر: 42، 43

(3) فى ك: اخوة، و فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 301: هذا كتاب ماله جواب، و فى الطبرى ج 6 ص 26: هذا كتاب له جواب.

22

مضر (1)، و بعث أصحاب الكرمانى و هم ربيعة و اليمن إلى أبى مسلم بمثل ذلك، و راسلوه أياما فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين، حتى يختار أحدهما ففعلوا، فأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا أصحاب الكرمانى.

فتقدم الوفدان فأجلسهم أبو مسلم، و جمع عنده من الشيعة سبعين رجلا.

فقال لهم: لتختاروا أحد الفريقين، فقام سليمان بن كثير فتكلم و كان خطيبا مفوّها، فاختار ابن الكرمانى و أصحابه و اختارهم السبعون، فقام وفد نصر و عليهم الكآبة و الذلة، و أرسل إليه ابن الكرمانى أن يدخل إلى مدينة مرو من ناحية، ليدخل هو و عشيرته من الناحية الأخرى، فأرسل إليه أبو مسلم أنى لست آمن أن تجمع يدك و يد نصر على محاربتى، و لكن ادخل أنت و انشب الحرب، ففعل ابن الكرمانى و دخل أبو مسلم مرو، و الفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف و تلى قوله تعالى: وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ‏ ... الآية (2) و مضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة، و أرسل إلى الفريقين أن ينصرف كل منهما إلى عسكره ففعلوا، وصفت مرو لأبى مسلم و أمر بأخذ البيعة من الجند، و كان الذى يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق و هو أحد النقباء، و كان عالما بحجج الهاشمية و معايب الأموية، و كانت البيعة: أبايعكم على كتاب اللّه و سنة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، عليك بذلك عهد اللّه و ميثاقه و الطلاق و العتاق و المشى إلى بيت اللّه الحرام، و على أ لا تسألوا رزقا و لا طمعا (3) حتى يبدأكم به ولاتكم.

____________

(1) فى المخطوطات: نصر و هو خطأ تصويبه عن ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 309 و الطبرى ج 6 ص 43

(2) القصص آية 15 و الآية هى‏ (وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ).

(3) هكذا فى جميع المخطوطات و كذلك فى الطبرى ج 6 ص 46 أما فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 310: طعما

23

ذكر هرب نصر بن سيّار أمير خراسان من مرو

و كان سبب هربه أن أبا مسلم لما دخل مرو أرسل لاهز بن قريظ فى جماعة إلى نصر، يدعوه إلى كتاب اللّه و سنة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الرضا من آل محمد، فلما نظر ما جاءه من اليمانية و الربيعية و العجم و أنه لا قبل له بهم أظهر قبول ما أتاه به، و أنه يأتيه و يبايعه و استمهلهم، و أمر أصحابه بالتهيؤ و الخروج إلى مكان يأمنون فيه، فأشار عليه سلّم بن أحوز بالبيات ليلته تلك و الخروج من القابلة؛ فلما أصبح عبأ أصحابه و كتائبه إلى بعد الظهر، فأعاد أبو مسلم إليه لاهز بن قريظ فى جماعة، فقال: ما أسرع ما عدتم، فقال له لاهز: لا بدّ لك من ذلك، فاستمهله نصر بقدر ما يتوضأ و يصلى، و يرسل إلى أبى مسلم يستأذنه فى المضى إليه، فأجابه لاهز؛ فلما قدم نصر للوضوء تلا لاهز: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ‏ (1)، فدخل نصر منزله و أعلمهم أنه ينتظر عود رسوله من عند أبى مسلم، و أقام حتى جنّه الليل‏ (2) فخرج من خلف حجرته، و معه تميم ابنه، و الحكم بن نميلة النّميرى، و امرأته المرزبانة (3) و انطلقوا هربا، فلما استبطأه لاهز و أصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب، فلما بلغ أبا مسلم هربه سار إلى عسكر نصر، و أخذ ثقات أصحابه و صناديدهم فكتفهم، و فيهم سلّم بن أحوز صاحب شرطة نصر، و البخترى كاتبه، و ابنان له، و يونس بن عبد ربه‏ (4)، و محمد بن قطن، و مجاهد بن يحيى بن‏

____________

(1) القصص آية 20 و الآية هى:

(وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏ قالَ يا مُوسى‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.)

(2) من بعد الآية إلى كلمة الليل ساقط فى ك‏

(3) فى ف، ك: المرزبانية و التصويب عن ص و الكامل ح 4 ص 314 و الطبرى ح 10 ص 1995 ط أوروبا.

(4) هكذا فى جميع المخطوطات و فى الطبرى ح 6 ص 49، أما فى الكامل لابن الأثير ح 4 ص 311 فيذكره يونس بن عبدويه على أن بالهامش ذكر أن إحدى المخطوطات تنقله عبد ربه‏

24

حضين و غيرهم، فاستوثق منهم بالحديد و حبسهم، و سار أبو مسلم و ابن الكرمانى فى طلب نصر ليلتهما، فأدركا امرأته قد حلفها، و سار نصر إلى سرخس و اجتمع معه ثلاثة آلاف رجل، و رجع أبو مسلم و سأل من كان أرسلهم إلى نصر: ما الذى ارتاب به نصر حتى هرب؟ و هل تكلم أحد منكم بشى‏ء؟ فذكروا له ما تلاه لاهز بن قريظ، فقال هذا الذى دعاه للهرب، ثم قال: يا لاهز تدغل فى الدين، و قتله، و استشار أبو مسلم أبا طلحة فى أصحاب نصر، فقال: اجعل سوطك السيف، و سجنك القبر، فقتلهم و كانوا أربعة و عشرين رجلا، و أما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها، و دخل ابن الكرمانى مرو مع أبى مسلم و تابعه على رأيه.

ذكر مقتل ابنى الكرمانى‏

و فى سنة ثلاثين و مائة أيضا: قتل أبو مسلم عليا و عثمان ابنى الكرمانى.

و كان سبب ذلك أن أبا مسلم كان وجّه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها.

و وجه أبا داود إلى بلخ و فيها زياد بن عبد الرحمن. فلما بلغه قصد أبى داود بلخ خرج فى أهلها و أهل الترمذ و غيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان.

فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ، و دخل أبو داود مدينة بلخ.

فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم عليه، و وجّه مكانه أبا الميلاء (1) يحيى بن نعيم على بلخ، فلما قدم كاتبه زياد بن عبد الرحمن أن يصيّر أن أيديهم واحدة فأجابه، فرجع زياد و مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم‏ (2) الباهلى و عيسى بن‏

____________

(1) تختلف المخطوطات فى نقله و تذكره أقدمها و هى ف أبا ليلى و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 312 و الطبرى ج 6 ص 51

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 312، الطبرى ج 6 ص 52 مسلم بن عبد الرحمن الباهلى‏

25

زرعة السّلمى و أهل بلخ و ترمذ و ملوك طخارستان و ما وراء النهر و دونه فنزلوا على فرسخ من بلخ، و خرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه، فصارت كلمتهم واحدة- مضر و ربيعة و اليمن و من معهم- على قتال المسوّدة، و جعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النّبطى، فأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان‏ (1)، و كان زياد و أصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشى مسلحة، لئلا يأتيهم أصحاب أبى داود من خلفهم، و كانت أعلام أبى سعيد (2) سودا، فلما أقبل أبو سعيد و رأى زياد و من معه أعلام أبى سعيد و راياته سودا ظنوهم كمينا لأبى داود فانهزموا و تبعهم أبو داود فوقع عامة أصحاب زياد فى النهر، و قتل منهم خلق كثير ممّن تخلف، و نزل أبو داود معسكرهم و حوى ما فيه، و مضى زياد و يحيى و من معهما إلى ترمذ، و استقامت بلخ له فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم عليه، و وجّه النّضر بن صبيح المرّى على بلخ، و قدم أبو داود على أبى مسلم و اتفقا على أن يفرّقا بين ابنى الكرمانى، فبعث أبو مسلم عثمان بن الكرمانى عاملا على بلخ، فلما قدمها أقبلت المضرية من ترمذ و عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلى، فالتقوا و اقتتلوا فانهزم أصحاب عثمان و غلب مسلم على بلخ، و كان عثمان بن الكرمانى بمرو الرّوذ لم يشهد هذه الوقعة، فلما بلغه الخبر أقبل هو و النّضر بن صبيح المرّى‏ (3) فهرب أصحاب مسلم من ليلتهم، فلم يمعن النظر فى طلبهم، و لقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب عثمان و قتل منهم خلق كثير، و رجع أبو داود من مرو إلى بلخ، و سار أبو مسلم إلى نيسابور و معه على بن الكرمانى، و اتفق رأى أبى مسلم و رأى أبى داود على أن يقتلا ابنى‏

____________

(1) غير واضح بالمخطوطات فى ف مرسوم لسرحبان، و فى ص لسرحستان و القراءة عن الكامل ج 4 ص 312 و الطبرى ج 6 ص 51

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 312: أبى داود و هو خطأ، و يؤيد المخطوطات السياق و الطبرى ج 6 ص 51

(3) فى ك صبيح الوجه و هو تحريف المرى‏

26

الكرمانى‏ (1)، فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان‏ (2) عاملا على الختّل‏ (3) فلما خرج عثمان من بلخ تبعه أبو داود و أخذه هو و أصحابه فحبسهم جميعا، ثم ضرب أعناقهم صبرا، و قتل أبو مسلم فى ذلك اليوم على بن الكرمانى، و كان أبو مسلم أمره قبل ذلك أن يسمى له خاصته، ليوليهم و يأمر لهم بجوائز و كساوى، فسماهم له فقتلهم جميعا.

ذكر قدوم قحطبة بن شبيب من قبل إبراهيم الإمام على أبى مسلم‏

و كان قدومه سنة ثلاثين و مائة فقدم و معه لواء عقده له إبراهيم، فوجّهه أبو مسلم فى مقدمته، و ضمّ إليه الجيوش و جعل إليه العزل و الاستعمال، و كتب إلى الجنود بالسمع و الطاعة له.

ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور و استيلائه عليها و من استعمله أبو مسلم على الجهات‏

قال: و لما استولى أبو مسلم على خراسان و قتل ابنا الكرمانى على ما تقدم بعث العمال على البلاد، فاستعمل سبّاع بن النّعمان الأزدى على سمرقند، و أبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، و محمد بن الأشعث على الطّبسين‏ (4)، و جعل مالك بن الهيثم على شرطته، و وجّه قحطبة إلى طوس‏

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 312: و اتفق رأى أبى مسلم و رأى أبى داود على أن يقتل أبو مسلم عليا و يقتل أبو داود عثمان. و نفس التعبير فى الطبرى ج 6 ص 52 بزيادة: فى يوم واحد.

(2) فى ك عمار و هو خطأ.

(3) فى ف: بدون نقط، و فى ص: الجبل و كذلك ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 312 و هو خطأ، و التصويب عن الطبرى ج 6 ص 52

(4) من غير أل فى المخطوطات‏

27

و معه عدة من القواد، منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد، و خالد بن برمك، و عثمان بن نهيك، و خازم بن خزيمة و غيرهم، فلقى قحطبة من بطوس فهزمهم، و بلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفا، و وجّه أبو مسلم القاسم ابن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجّة، و كتب إلى قحطبة يأمره‏ (1) بقتال تميم بن نصر بن سيّار و النّابى بن سويد و من لجأ إليهما من أهل خراسان، و وجه أبو مسلم على بن معقل فى عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، و أمره أن يكون مع قحطبة، و سار قحطبة إلى السوذقان- و هو (2) معسكر تميم بن نصر و النابى بن سويد، و قد عبّأ أصحابه فدعاهم إلى كتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إلى الرضا من آل محمد فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل تميم فى المعركة، و قتل من أصحابه خلق كثير، و هرب النابى ابن سويد فتحصن بالمدينة، فحصره قحطبة و نقبوا سورها و دخلوا المدينة فقتلوا النابى و من كان معه، و بلغ الخبر نصر بن سيّار فهرب إلى قومس و تفرّق عنه أصحابه، فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، و قدم قحطبة نيسابور فأقام بها هو و من معه رمضان و شوال.

ذكر مقتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان‏

قد ذكرنا هرب نصر بن سيّار و لحاقه بنباتة بن حنظلة، فلما كان فى ذى القعدة أقبل قحطبة إلى جرجان، و قد نزل نباتة و نصر بن سيار بالجورجان‏ (3)، و خندقوا عليهم و هم فى عدد و عدد، فهابهم أهل خراسان حتى تكلّموا بذلك و ظهر عليهم، فبلغ قحطبة فقام فيهم و قوّى عزائمهم‏

____________

(1) ساقطة فى ك‏

(2) فى الطبرى ج 6 ص 24: و معه و هو خطأ.

(3) هكذا كتبها المؤلف فيما يبدو- و هى جرجان- فظنها النساخ الجوزجان بالزاى لا بالراء.

و الجوزجان اسم للمنطقة الغربية من مقاطعة بلخ (راجع كتاب بلاد الخلافة الشرقية ص 423- لوسترينج ط/ كمبردج 1930).

28

و شجّعهم، و قال: (1) إنّ الإمام وعدكم النصر عليهم، و قد عهد إلىّ أنكم تلقونهم فينصركم اللّه عليهم، فالتقوا فى مستهل ذى الحجة سنة ثلاثين و مائة فى يوم الجمعة، و على ميمنة قحطبة ابنه الحسن، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل نباتة و عشرة آلاف من أهل الشام، و انهزم من بقى منهم، و سار نصر ابن سيّار و كان بقومس فنزل خوار (2) الرىّ، و كاتب ابن هبيرة يستمده و هو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان، و قال له: أمدنى بعشرة آلاف قبل أن تمدنى بمائة ألف ثم لا تغنى شيئا، فحبس ابن هبيرة رسله، فأرسل إلى مروان بن محمد يعلمه ما فعل ابن هبيرة برسله، و أنه استمده فلم يمده، فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمده، فجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا عليهم ابن عطيف إلى نصر بن سيّار، قال: أما قحطبة فإنه بلغه أن أهل جرجان يريدون الخروج عليه، فاستعرضهم و قتل منهم ما يزيد على ثلاثين ألفا.

ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و مائة

ذكر وفاة نصر بن سيار و دخول قحطبة الرىّ‏

قال: ثم وجه قحطبة ابنه الحسن لقتال نصر فى المحرم من هذه السنة، و وجّه أبا كامل و أبا القاسم‏ (3) محرز بن إبراهيم، و أبا العباس المروزى إلى الحسن ابنه، فلما كانوا قريبا منه انحاز أبو كامل و ترك عسكره و أتى نصر بن‏

____________

(1) قال ابن الأثير- ج 4 ص 313، ص 314: فبلغ قحطبة قولهم فقام فيهم فقال:

يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم، و كانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم و حسن سيرتهم حتى بدلوا و ظلموا فسخط اللّه عز و جل عليهم فانتزع سلطانهم و سلّط عليهم أذل أمة كانت فى الأرض عندهم فغلبوهم على بلادهم و كانوا بذلك يحكمون بالعدل و يوفون بالعهد و ينصرون المظلوم، ثم بدّلوا و غيّروا و جاروا فى الحكم و أخافوا أهل البر و التقوى من عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسلط عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا أشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثأر. و قد عهد إلىّ الامام أنكم تلقونهم فى مثل هذه العدة فينصركم اللّه عز و جلّ عليهم فتهزمونهم و تقتلونهم.

(2) فى المخطوطات: جوار الرى و التصحيح عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 317 و الطبرى ج 6 ص 62.

(3) فى ك: أبا القاسم بن محرز بن إبراهيم و هو خطأ.

29

سيّار فأعلمه، فصار معه و أعلمه مكان الجند، فوجه إليهم جندا فهرب جند قحطبة، و خلفوا شيئا من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له ابن عطيف‏ (1) بالريّ فأخذ الكتاب و المتاع من رسول نصر، و بعثه إلى ابن هبيرة فغضب نصر، و قال: أما و اللّه لأدعنّ ابن هبيرة فليعرفنّ أنه ليس بشي‏ء، و كان ابن عطيف فى ثلاثة آلاف، قد بعثه ابن هبيرة مددا لنصر، فأقام بالرى و لم يأت نصرا، فسار نصر حتى نزل الرى و عليها حبيب بن بديل‏ (2) النهشلى، فلما قدمها سار ابن عطيف منها إلى همذان، ثم عدل إلى أصفهان إلى عامر بن ضبارة، و لما قدم نصر الريّ أقام بها يومين ثم مرض، فحمل إلى ساوة فمات بها لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول منها، و عمره خمس و ثمانون سنة، و دخل أصحابه همذان؛ و لما مات نصر بعث الحسن بن قحطبة خازم بن خزيمة (3) إلى سمنان، و أقبل قحطبة من جرجان و قدم أمامه زياد بن زرارة القشيرى، و كان قد ندم على اتباع أبى مسلم، فأخذ طريق أصفهان يريد عامر بن ضبارة، فوجّه قحطبة، المسيّب بن زهير الضّبى فلحقه، و قاتله فانهزم زياد و قتل عامّة من معه، و رجع المسيّب إلى قحطبة، ثم سار قحطبة إلى قومس و بها ابنه الحسن، فقدّمه إلى الرىّ، و بلغ حبيب بن بديل النّهشلى و من معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا عن الرىّ و دخلها الحسن فى‏

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 317: ابن غطيف بالغين و يؤيد المخطوطات أنه بالعين الطبرى ج 6 ص 64.

(2) فى المخطوطات و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 317 يزيد و هو خطأ تصححه المخطوطات فيما بعد و يذكره الطبرى صحيحا ج 6 ص 64 كما يذكره ابن الأثير مصححا بعد ذلك.

(3) كما أخطأت المخطوطات فى ذكر اسم حبيب بن بديل النهشلى نقلا عن خطأ فى الكامل لابن الأثير، كذلك تخطئ فى اسم خازم بن خزيمة فتذكره نقلا عن ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 317:

خزيمة بن خازم و يذكر انه صحيحا بعد ذلك و يظهر أن الالتباس نشأ عن شهرة ابنه خزيمة الذى كان من أكابر قواد الرشيد و الأمين و المأمون، و انضم إلى المأمون فى الصراع بين المأمون و الأمين و اشترك فى حصار بغداد و توفى بها سنة 203 ه، أما خازم فهو الذى اشترك فى أحداث قيام الدولة العباسية.

30

صفر، و أقام حتى قدم أبوه، فبعثه بعد مقدمه بثلاث ليال إلى همذان، فسار عنها مالك بن أدهم و من كان معه من أهل الشام و أهل خراسان إلى نهاوند، فأقام بها و فارقه ناس كثير، و دخل الحسن همذان و سار منها إلى نهاوند، فنزل على أربعة فراسخ منها، و أمده أبوه بأبى الجهم بن عطية مولى باهلة فى سبعمائة فحصر المدينة.

ذكر مقتل عامر بن ضبارة و دخول قحطبة أصفهان‏

كان عامر بن ضبارة قد بعثه يزيد بن هبيرة لقتال عبد اللّه بن معاوية، لما خرج و دعا إلى نفسه على ما نذكره فى أخبار آل أبى طالب إن شاء اللّه، و بعث معه ابنه داود بن يزيد فهزمه‏ (1) ابن ضبارة، و سار فى أثره، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان كتب إلى عامر و إلى ابنه داود، أن يسيرا إلى قحطبة و كانا بكرمان، فسارا فى خمسين ألفا و نزلوا بأصفهان، و كان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر، فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد عليهم جميعا مقاتل بن حكيم العكّى، فساروا حتى نزلوا قمّ، و بلغ ابن ضبارة نزول الحسن بن قحطبة نهاوند، فسار ليفتن من بها من أهلها، فأرسل مقاتل إلى قحطبة يعلمه بمسيره، فأقبل قحطبة من الرىّ حتى لحق بمقاتل، ثم ساروا و التقوا بعامر بن ضبارة و داود بن يزيد، و كان عسكر قحطبة عشرين ألفا فيهم خالد بن برمك، و عسكر ابن ضبارة مائة ألف و قيل خمسون و مائة ألف، فأمر قحطبة بمصحف فوضع على رمح، و نادى يا أهل الشام إنما ندعوكم إلى ما فى هذا المصحف، فشتموه و فحشوا فى القول، فأمر قحطبة أصحابه بالحملة عليهم، فحمل عليهم العكّى و تهايج الناس، و لم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أهل الشام، و قتلوا قتلا ذريعا، فقتل ابن ضبارة و هرب داود، و أخذ أصحاب قحطبة من‏

____________

(1) أى هزم عبد اللّه بن معاوية، و لهذا الرجل حركة معروفة بين الغلاة مفصلة فى كتابى حركات الشيعة المتطرفين.

31

عسكرهم ما لا يعلم قدره، من السلاح و المتاع و الرقيق و الخيل، و ما رئي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما فى هذا العسكر، كان كأنه مدينة، فكان فيه من البرابط و الطنابير و المزامير و الخمر ما لا يحصى، و حقيق لعسكر فيه مثل ذلك أن ينهزم، و كانت هذه الوقعة بنواحى أصفهان فى شهر رجب.

ذكر دخول قحطبة نهاوند

قال: و لما قتل ابن ضبارة كان الحسن بن قحطبة يحاصر نهاوند، فكتب إليه أبوه بالخبر، فلما قرأ كتابه كبّر هو و جنوده و نادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير (1) السّغدى: ما نادوا بقتله إلا و هو حق، فاخرجوا إلى الحسن قبل أن يأتى أبوه أو يمده بمدد، فقالت الرجّالة: تخرجون و أنتم فرسان و تتركونا! فقال مالك بن أدهم: لا أبرح حتى يقدم قحطبة، و أقام قحطبة بأصفهان عشرين يوما ثم سار، فقدم على ابنه بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر آخرها شوّال، و نصب عليهم المجانيق، و أرسل إلى من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه، و بذل لهم الأمان فأبوا ذلك، فأرسل إلى من بها من أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه، و قبلوا أمانه و بعثوا إليه أن يشغل عنهم أهل البلد بالقتال، ليفتحوا له الباب ففعل ذلك، ففتح أهل الشام الباب الذى يليهم‏ (2) و خرجوا، فلما رأى أهل البلد ذلك سألوهم عن سبب خروجهم، فقالوا: أخذنا لنا و لكم الأمان، فخرج رؤساء خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى قائد من قواده، ثم أمر فنودى: من كان بيده أسير فليضرب عنقه و ليأت برأسه، ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبى مسلم إلا قتل، إلا أهل الشام فإنه وفّى لهم و خلّى‏

____________

(1) فى المخطوطات: عمر، و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 319 و الطبرى ج 6 ص 67، هذا و الاختلاف أيضا فى نسبته فالمخطوط ف و الطبرى يذكر انه السغدى و هو الصحيح و ابن الأثير فى الكامل، ص، ك: السعدى.

(2) فى ك: بينهم.

32

سبيلهم، و أخذ عليهم الأيمان و العهود. قال: و لما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه إلى مرج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان، و عليها عبد اللّه بن العلاء الكندى، فهرب من حلوان.

ذكر فتح شهر زور

قال: ثم وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانى و مالك بن طواف‏ (1) فى أربعة آلاف إلى شهر زور، و بها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد اللّه بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهر زور فى العشرين من ذى الحجة، و قاتلوا عثمان بعد يوم و ليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان و قتل، و أقام أبو عون فى بلاد الموصل، و قيل إن عثمان لم يقتل و لكنه هرب إلى عبد اللّه بن مروان، و غنم أبو عون عسكره، و قتل من أصحابه مقتلة عظيمة، و سيّر قحطبة العساكر إلى أبى عون، فاجتمع معه ثلاثون ألفا، و لما بلغ مروان خبر أبى عون- و كان بحرّان- سار منها بجنود الشام و الجزيرة و الموصل و بنى أمية، و أقبل نحو أبى عون حتى نزل الزّاب الأكبر، و أقام أبو عون بشهر زور بقية ذى الحجة و المحرم سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و فرض بها لخمسة (2) آلاف.

و دخلت سنة اثنتين و ثلاثين و مائة

____________

(1) تضطرب المخطوطات و المصادر فى ذكر هذا الاسم هنا، فى ف، ص يبدو الحرف الثانى بين الواو و الراء، لا هو براء واضحة و لا بواو صريحة أماك فهو طوان تجعل الحرف الأخير نونا، و فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 319 و فى إحدى المخطوطات لطبعة أوروبا ج 11 ص 9 للطبرى المرموز لها (1) تذكر طرافة كما أن إحدى المخطوطات ج 11 ص 5 المرموز لها بحرف () تذكره طراف و فى المطبوع من الطبرى ج 6 ص 69: مالك بن طريف و يذكره دائما هكذا.

و لكن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326 و مخطوطات النويرى تذكره واضحا باسم الطواف بإضافة أل فى فصل بيعة أبى العباس السفاح، و لم أجد من المصادر القديمة ما يرجح مخطوطات الطبرى على مخطوطات ابن الأثير، و لما كان النويرى ينقل عن ابن الأثير فقد اثرنا اتباعه احتفاظا بنقل المؤلف.

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 320 (و فرض بها بخمسة آلاف) و هو تعبير يخالف الطبرى ج 6 ص 69 و ما فى المخطوطتين ف، ص.

33

ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق و هلاك قحطبة و هزيمة ابن هبيرة

قال: و لما قدم داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة على أبيه منهزما، خرج يزيد نحو قحطبة فى عدد كثير لا يحصى، و معه حوثرة بن سهيل الباهلى، و كان مروان قد أمدّه به، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء، و احتفر الخندق الذى كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء و أقام به، و أقبل قحطبة حتى نزل عكبراء، و دخل دجلة و مضى حتى نزل ما دون الأنبار، و أرسل طائفة من أصحابه إلى الأنبار و غيرها، و أمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دممّا ليعبر الفرات‏ (1)، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع الفرات إلى غربيّة، و ذلك لثمان مضين من المحرم، و ارتحل ابن هبيرة منصرفا مبادرا إلى الكوفة، فعبر دجلة من المدائن، و استعمل على مقدمته حوثرة و أمره بالمسير إلى الكوفة، و الفريقان يسيرون على جانبى الفرات، فقال قحطبة: إن الإمام أخبرنى أن لى بهذا المكان وقعة، يكون النصر لنا، و استدلّ على مخاضة فعبر منها، و قاتل حوثرة و محمد بن نباتة فانهزم أهل الشام، و فقد قحطبة فقال أصحابه: من كان عنده علم من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العكى‏ (2): سمعت قحطبة يقول: إن حدث بى حدث فالحسن ابنى أمير الناس، فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، و كان أبوه قد سيّره فى سريّة، فأرسلوا إليه فأحضروه و سلموا الأمر إليه، و كشفوا عن قحطبة فوجدوه فى جدول و حرب بن سلّم‏ (3) فتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل‏

____________

(1) فى ص: و أمرهم بأخذ ما فيها من السفن إلى دمما لتعبر الفرات و فى ك: و أمرهم يأخذوا ما فيها من السفن إلى دجلة ليعبروا الفرات و كلاهما يخطئان فى قراءة بإحدار التى وردت فى نص ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 320 و التى ينقلها ناسخ ف صحيحة

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 321: العتكى و هو خطأ نلقاه فى مواضع أخرى يترتب عليه فى هذه المواضع خطأ النويرى هذا و قد ذكره ابن الأثير من قبل صحيحا متفقا مع الطبرى ج 6 ص 72.

(3) هو حرب بن سلّم بن أحوز القائد الأموى المشهور و ذكره الكامل فى ج 4 ص 321 باسم حرب بن سالم بن أحوز و هو خطأ.

34

الآخر، و قيل إن معن بن زائدة ضرب قحطبة، لما عبر الفرات على حبل عاتقه فسقط فى الماء، فقال: شدوا يدى إذا أنا مت و ألقونى فى الماء، لئلا يعلم الناس بقتلى، و قاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة و أهل الشام، و مات قحطبة و قال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلّال، فسلّموا هذا الأمر إليه، و قيل بل غرق قحطبة. و لما انهزم ابن نباثة و حوثرة لحقا بابن هبيرة فانهزم لهزيمتهم، و لحقوا بواسط و تركوا عسكرهم و ما فيه من الأموال و السلاح و غير ذلك، فأمر الحسن بن قحطبة بجمع ذلك فجمع و غنموه.

ذكر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوّدا

فى هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد اللّه القسرى بالكوفة و سوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، و أخرج عامل ابن هبيرة، و كان خروجه ليلة عاشوراء سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و كان على الكوفة يوم ذاك زياد بن صالح الحارثى، فسار محمد إلى القصر و دخله، و ارتحل زياد و من معه من أهل الشام، و سمع حوثرة الخير فسار نحو الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه، فأرسل أبو سلمة الخلال إليه يأمره بالخروج من القصر، خوفا عليه من حوثرة، هذا و لم يبلغ أحدا من الفريقين بهلاك قحطبة، فأبى محمد أن يخرج و بلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيّأ لقصده، فبينما محمد فى القصر إذ أتاه بعض طلائعه، فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجّه إليهم عدة من مواليه، فناداهم الشاميون:

نحن جئنا لندخل فى طاعة الأمير، و دخلوا و فيهم مليح بن خالد البجلى، ثم جاءه جهم بن الأصبح‏ (1) الكنانى فى خيل أعظم من تلك، ثم جاءت خيل‏

____________

(1) هكذا فى المخطوطات و هو الأشبه بالصواب، و فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 321: جهم بن الأصفح، و لم أجده فى المراجع التى يعتمد عليها حتى أرجح أحدهما على الآخر، لا فى الطبرى و لا فى النجوم الزاهرة و لا فى الأعلام و لا فى البداية و النهاية لأبى الفدا و لا فى تاريخ ابن عساكر المخطوط أو المطبوع.

35

أعظم منها مع رجل من آل بحدل‏ (1)، فلما رأى حوثرة ذلك من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط، و كتب محمد بن خالد إلى قحطبة يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة، فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فقرأ الكتاب على لناس و ارتحل نحو الكوفة، فوصلها يوم الاثنين، و قد قيل إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة، بعد هزيمة ابن هبيرة و عليها عبد الرحمن بن بشير العجلى فهرب منها، فسود محمد بن خالد، و خرج فى أحد عشر رجلا و بايع الناس، و دخلها الحسن من الغد و لما دخل الحسن و أصحابه الكوفة أتوا أبا سلمة الخلال و هو فى بنى سلمة، فاستخرجوه و كان مختفيا، فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين، و وجّه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، و بايع أبا سلمة الناس و كان يقال وزير آل محمد، و هو أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، و استعمل محمد بن خالد على الكوفة، و وجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن فى جماعة من القواد، و بعث المسيّب بن زهير و خالد بن برمك إلى دير قنّى، و بعث المهلّبى و شرحبيل إلى عين العمر، و بعث بسّام بن إبراهيم بن بسّام إلى الأهواز و بها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فقاتله و أخرجه منها فالتحق عبد الواحد بالبصرة، و بعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملا عليها و عليها سلّم‏ (2)، و قد لحق به عبد الواحد فأرسل سفيان إليه، يأمره بالتحول من دار الإمارة فأبى، و قاتل و نادى من جاء برأس فله خمسمائة و من جاء بأسير فله ألف درهم، فقتل معاوية و أتى برأسه إلى سلّم فأعطى قاتله عشرة آلاف، و انكسر سفيان لقتل ابنه فانهزم و ذلك فى صفر.

ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام‏

و كان مقتله فى سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و سبب ذلك أن مروان بن‏

____________

(1) فى ك: نجد

(2) هو سلّم بن قتيبة الباهلى، قائد عربى معروف.

36

محمد أرسل للقبض عليه بالحميمة، و وصف للرسول صفة أبى العباس السفاح، لأنه كان يجد فى الكتب: أن من هذه صفته يقتلهم و يسلبهم ملكهم، و سمّى لرسوله إبراهيم بن محمد، فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم و أمن قيل للرسول إنما أمرت بإبراهيم و هذا عبد اللّه، فترك أبا العباس و أخذ إبراهيم، و انطلق به إلى مروان، فلما أتاه به قال: ليس هذه الصفة التى وصفت لك، فقال رسله قد رأينا الصفة و إنما سميت إبراهيم، و هذا إبراهيم فحبسه بحرّان، و أعاد الرسل فى طلب أبى العباس فلم يظفروا به، و كان قد توجّه إلى الكوفة على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى. و قد اختلف فى قتل إبراهيم، فقيل إن مروان لما حبسه حبس سعيد ابن هشام بن عبد الملك و ابنيه عثمان و مروان، و عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، و العباس بن الوليد بن عبد الملك، و أبا محمد السفيانى، فهلك إبراهيم فى السجن فى وباء وقع بحرّان، و هلك العباس بن الوليد، و عبد اللّه ابن عمر، فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام و من معه، و قتلوا صاحب السجن فقتلهم أهل حرّان‏ (1)، و تخلّف أبو محمد بالسجن فلم يخرج فيمن خرج هو و غيره، فلما قدم مروان من الزاب خلّى عنهم. و قيل إن مروان هدم‏ (2) على إبراهيم بيتا فقتله. و قيل بل جعل رأسه فى جراب مملوء نورة فمات، و قيل إن شراحيل‏ (3) بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوسا مع إبراهيم، فكانا يتزاوران و صار بينهما مودة، فأتى رسول من عند شراحيل إلى إبراهيم يوما بلبن، فقال: يقول لك أخوك إنى شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه، فشرب منه فشكى من ساعته، و كان يوما يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه، فأرسل إليه شراحيل:

إنك قد أبطأت فما حبسك عنى؟ فأعاد عليه إنى لما شربت اللبن الذى بعثت‏

____________

(1) فى ك: خراسان، و هو خطأ واضح.

(2) فى ك: قدم.

(3) فى ك: شرحبيل، و يؤيد ف. ص الكامل لابن الأثير ج 4 ص 329 فى أنه شراحيل.

37

به إلىّ فاشتكيت، فأتاه شراحيل- و حلف باللّه أنه ما شرب لبنا فى يومه، و لا بعث به إليك و استرجع، و قال: احتيل و اللّه عليك، فبات إبراهيم ليلته و أصبح ميتا. و كان إبراهيم خيّرا فاضلا كريما، قدم المدينة مرّة ففرّق فى أهلها مالا جليلا، فنال بعضهم منه ألف دينار- و خمسمائة دينار- و أربعمائة دينار، و كانت هذه عطاياه و هباته. و كان مولده فى سنة اثنتين و ثمانين، و أمه أم ولد بربرية اسمها سلمى.

قال: و لما قبض على إبراهيم بالحميمة نعى نفسه إلى أهل بيته، و أمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبى العباس عبد اللّه بن محمد- و هو السفاح، و أوصاهم بالسمع و الطاعة له، و أوصاه و جعله الخليفة من بعده و ودّعهم، و سار فهلك على ما ذكرنا، و كان من أمر أبى العباس ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر ابتداء الدولة العباسية و انقضاء الدولة الأموية

ذكر بيعة أبى العباس عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه بن العباس عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

و هو ابن الحارثية الذى نصّ عليه أبو هاشم محمد بن الحنفيّة، لما فوّض أمر الشيعة إلى والده، و وعدهم أنه صاحب الأمر، و كان ذلك قبل مولد أبى العباس على ما قدّمنا، و أمه ريطة بنت عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عبد المدّان‏ (1) الحارثى، بويع له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و ذلك أنه لما قبض على أخيه إبراهيم بن محمد الإمام عهد إليه كما ذكرناه، و أمره بالمسير إلى الكوفة؛ سار من الحميمة و معه أهل بيته و أخوه أبو جعفر المنصور، و عبد الوهاب و محمد

____________

(1) تضطرب المخطوطات أيضا فى كتابة الاسم صحيحا، فالمخطوطات جميعا تكتب عبد المدان «عبد الملك» رغما من أنها فى فصل (ذكر مولد أبى العباس السفاح) ذكرته صحيحا، و لا يقتصر هذا الخطأ على المخطوطات فقد ذكره أبو الفدا فى تاريخه خطأ و كتبه عبد الدار (ج 10 ص 58) أو لعله خطأ من الناسخ أو الناشر.

38

ابنا أخيه إبراهيم، و عمومته داود، و عيسى، و صالح، و إسماعيل و عبد اللّه و عبد الصمد- بنو على بن عبد اللّه بن عباس، و موسى ابن عمه داود، و ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن على، و يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، فقدموا الكوفة فى صفر من هذه السنة، و شيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد (1) مولى بنى هاشم فى بنى أود (2)، و كتم أمرهم من جميع القواد نحو أربعين ليلة، و أراد فيما ذكر أن يحوّل الأمر إلى آل طالب، لما بلغه موت إبراهيم الإمام، فكان أبو الجهم يقول له: ما فعل الإمام، فيقول لم يقدم بعد، فلما ألحّ عليه قال: ليس هذا وقت خروجه، لأن واسط لم تفتح بعد، و كان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل هذا دأبه حتى دخل أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميرى من حمام أعين يريد الكناسة، فلقى خادما لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمى فعرفه، فقال له ما فعل إبراهيم؟ فأخبره أن مروان قتله، و أنه أوصى إلى أخيه أبى العباس من بعده، و أنه قدم الكوفة و معه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم فقال له سابق: الوعد بينى و بينك غدا فى هذا الموضع، و كره سابق أن يأتيهم به إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد إلى أبى الجهم و أخبره، و هو فى عسكر أبى سلمة، فأمره أن يتلطف للقائهم، فرجع أبو حميد إلى موضع ميعاد سابق، فلقيه و انطلق به إليهم، فلما دخل سأل من‏ (3) الخليفة منهم؟

فقال له داود بن على: هذا إمامكم و خليفتكم، و أشار إلى أبى العباس، فسلّم عليه بالخلافة و قبّل يديه و رجليه و عزّاه بإبراهيم، و قال: مرنا بأمرك، ثم رجع و صحبه‏ (4) إبراهيم بن سلمة- رجل كان يخدم بنى‏

____________

(1) فى ك: سعيد و هذه المخطوطة تخطئ كثيرا فى ذكر الاسماء و يشير إلى أهمها.

(2) فى المخطوطات و الطبرى ج 6 ص 80 ذكر صحيحا، و الخطأ فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 323 فقد كتب: داود.

(3) فى المخطوطات: عن، و اتبعنا ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 324 لأن المؤلف ينقل منه.

(4) فى ك: و معه.

39

العباس- إلى أبى الجهم، فأخبره عن منزلتهم و أن الإمام بعثه إلى أبى سلمة (1)، يسأله مائة دينار يعطيها أجرة الجمال التى حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم و أبو حميد و إبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب، و قصّوا عليه القصّة، و بعثوا إلى الإمام بمائتى دينار مع إبراهيم بن سلمة، و اتفق رأى القواد أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب و أبو الجهم و غيرهم‏ (2) من القواد إلى أبى العباس، و بلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل له إنهم دخلوا الكوفة لحاجة لهم، و أتى القوم إليهم فقالوا: أيكم عبد اللّه بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا- فسلموا عليه بالخلافة و عزّوه بإبراهيم، و رجع موسى بن كعب و أبو الجهم، و أمر أبو الجهم بقية القواد فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبى الجهم: أين كنت؟ قال:

ركبت إلى إمامى، فركب أبو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبى حميد: أن أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلا وحده، فلما انتهى إليهم أدخلوه وحده و منعوا حفدته من الدخول، فسلّم بالخلافة، فقال له رجل منهم: على رغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه، فنهاه أبو العباس و أمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره فعاد، و أصبح الناس يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح، و اصطفوا لخروج أبى العباس، و أتوه بالدواب‏ (3) فركب برذونا أبلق، و ركب معه أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب و صلّى بالناس، ثم صعد المنبر ثانية فقام فى أعلاه، و صعد عمه داود فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال:

الحمد للّه الذى اصطفى الإسلام لنفسه، فكرّمه‏ (4) و شرفه و عظّمه‏

____________

(1) فى ك: سلمى.

(2) ذكر ابن الأثير فى الكامل ج 4 ص 324 أكثر من اثنين فقال و غيرهم و لم يتنبه المؤلف الى انه اكتفى بذكر اثنين أو لعله سهو منه.

(3) فى المخطوطات: الدراب و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 324.

(4) فى الطبرى ج 6 ص 82: تكرمة.

40

و اختاره لنا، و أيّده بنا و جعلنا أهله و كهفه و حصنه، و القوّام به و الذابّين عنه و الناصرين له، و ألزمنا كلمة التقوى و جعلنا أحقّ بها و أهلها، و خصّنا برحم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قرابته، و أنشأنا من آبائه‏ (1)، و أنبتنا من شجرته، و اشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا، حريصا علينا بالمؤمنين رءوفا رحيما، و وضعنا من الإسلام و أهله بالموضع الرفيع، و أنزل بذلك كتابا على أهل الإيمان‏ (2) يتلى عليهم فقال تبارك و تعالى فيما أنزل فى محكم كتابه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3) و قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (4) و قال: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ (5) و قال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ (6) و قال: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ (7) فأعلمهم جلّ ثناؤه فضلنا، و أوجب عليهم حقنا و مودتنا، و أجزل من الفى‏ء و الغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا و فضلا علينا، و اللّه ذو الفضل العظيم؛ و زعمت السبأيّة (8) الضلال أن غيرنا أحق بالرئاسة و السياسة و الخلافة منّا فشاهت وجوههم، ثم و لم أيها الناس؟ و بنا هدى اللّه الناس بعد ضلالتهم، و بصّرهم بعد جهالتهم، و أنقذهم بعد هلكتهم، و أظهر بنا الحق و أدحض بنا الباطل، و أصلح بنا منهم ما كان فاسدا، و رفع بنا الخسيسة، و تمّم بنا النقيصة، و جمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف‏

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 324: آبائنا.

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 324. و الطبرى ج 6 ص 82: و أنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم.

(3) الأحزاب من الآية: 33.

(4) الشورى من الآية: 23.

(5) الشعراء آية: 214.

(6) الحشر من الآية: 7.

(7) الانفال من الآية: 41

(8) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 324: الشآمية و يظهر أنه تحريف. لأن لنزاع فى الأحقية لم يكن بين الشآمين و بين الأمويين الذين لا تزال خلافتهم آنئذ قائمة و يعتبرون لعباسيين ثوارا، و إنما كان بين العباسيين و شيعة علىّ (رضى اللّه عنه)، الذى قامت الحركة مستغلة لدعاية التى اتخذت أحقية أهل البيت شعارا، و يؤيد الطبرى ج 6 ص 82 المخطوطات.

41

و برّ و مواساة فى دينهم، و إخوانا على سرر متقابلين فى آخرتهم، فتح اللّه ذلك منّة و منحة (1) لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما قبضه اللّه إليه قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدّلوا فيها، و وضعوها مواضعها، و أعطوها أهلها، و خرجوا خماصا منها، ثم وثب بنو حرب و بنو مروان فابتزوها و تداولوها، فجاروا فيها و استأثروا بها و ظلموا أهلها، فأملى اللّه لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، و ردّ علينا حقنا، و تدارك بنا أمتنا، و ولى نصرنا و القيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استضعفوا فى الأرض، و ختم بنا كما افتتح بنا، و إنى لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، و لا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، و ما توفيقنا أهل البيت إلا باللّه. يا أهل الكوفة، أنتم أهل محبّتنا، و منزل‏ (2) مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، و لم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدرككم‏ (3) زماننا، و أتاكم اللّه بدولتنا، و أنتم أسعد الناس بنا و أكرمهم علينا، و قد زدتكم فى أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح‏ (4)، و الثائر المنيح‏ (5).

و كان موعكا فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر و قام عمه داود على مراقى المنبر، فقال:

الحمد للّه شكرا الذى أهلك عدوّنا، و أصار إلينا ميراثنا من نبيّنا محمد صلى اللّه عليه و سلّم. أيها الناس: الآن قد قشعت حنادس الدنيا، و انكشف غطاؤها و أشرقت أرضها و سماؤها، و طلعت الشمس من‏

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325: بهجة، و يؤيد الطبرى ج 6 ص 82 المخطوطات.

(2) تقرأ فى المخطوطات: منزلة، و التصويب عن الطبرى ج 6 ص 83. و الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325.

(3) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325: أدركتم.

(4) المبيح: اسم لأحد قداح الميسر يرجى منه حظ عظيم.

(5) فى ف: المبير، و فى ص: المثير، و فى ك: المبين، و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325 و الطبرى ج 6 ص 83.

42

مطالعها، و بزغ القمر من مبزغه، و أخذ القوس باريها، و عاد السهم إلى منزعه، و رجع الحق إلى نصابه، فى أهل بيت نبيّكم أهل الرأفة و الرحمة و العطف عليكم.

أيها الناس: و اللّه ما خرجنا فى طلب هذا الأمر لنكنز (1) لجينا، و لا عقيانا، و لا نحفر نهرا، و لا نبنى قصرا، و إنما أخرجتنا الأنفة من ابترازهم حقنا، و الغضب لبنى عمنا، و ما كرهنا (2) من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا، و نحن على فراشنا، و تشتد علينا سوء سيرة بنى أمية فيكم و استذلالهم‏ (3) لكم. و استئثارهم بفيئكم و صدقاتكم و مغانمكم عليكم، لكم ذمة اللّه تبارك و تعالى و ذمة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم). تبا تبا لبنى حرب و بنى أمية (4)، آثروا مدتهم العاجلة على الآجلة، و الدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، و ظلموا الأنام، و انتهكوا المحارم، و غشوا الجرائم‏ (5)، و جاروا فى سيرتهم فى العباد و سنّتهم‏ (6) فى البلاد (7)، و مرحوا فى أعنة المعاصى، و ركضوا فى ميدان‏ (8) الغى، جهلا باستدارج اللّه. و أمنا لمكر اللّه فأتاهم بأس اللّه بياتا و هم نائمون.

فأصبحوا أحاديث و مزّقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الظالمين، و أدالنا اللّه من مروان و قد غرّه باللّه الغرور، و أرسل لعدو اللّه فى عنانه حتى عثر فى فضل‏

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325 و الطبرى ج 6 ص 83: لنكثر.

(2) فى المخطوطات: ذكر بنا، و فى الطبرى ج 6 ص 83: كرثنا و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325.

(3) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325: و استنزالهم أما الطبرى ج 6 ص 83 فمثل المخطوطات.

(4) ورد التعبير فى الكامل ج 4 ص 325 و الطبرى ج 6 ص 83: و ذمة العباس (رحمه الله) أن نحكم فيكم بما أنزل اللّه. و نعمل فيكم بكتاب اللّه، و نسير فى العامة [منكم‏] و الخاصة بسيرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، تبا تبا لبنى حرب بنى أمية و بنى مروان، آثروا ... (ما بين القوسين زيادة فى الطبرى).

(5) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325: بالجرائم.

(6) فى المخطوطات: و سبّهم و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 325.

(7) يزيد الطبرى ج 6 ص 83: التى بها استلذوا تسربل الأوزار و تجليب الآصار.

(8) و فى المرجع السابق: ميادين.

43

خطامه، أظنّ عدو اللّه أن لن يقدر عليه، فنادى حزبه، و جمع مكايده.

و رمى بكتائبه‏ (1). فوجد أمامه و وراءه. و عن يمينه و شماله، من مكر اللّه و بأسه و نقمته، ما أمات باطله. و محق ضلاله، و جعل دائرة السوء به، و أحيا شرفنا و عزّنا، و ردّ إلينا حقّنا و إرثنا.

أيها الناس: إن أمير المؤمنين- نصره اللّه نصرا عزيزا- إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، لأنه كره‏ (2) أن يخلط بكلام الجمعة غيره، و إنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا اللّه لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم‏ (3) اللّه بمروان. عدو الرحمن و خليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا فى الأرض بعد صلاحها (4) الشاب‏ (5) المكتهل المتمهل‏ (6)، المقتدى بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد إفسادها (7) بمعالم الهدى و مناهج التقوى. فعجّ الناس بالدعاء له ثم قال:

يا أهل الكوفة: إنا و اللّه ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح اللّه (لنا) (8) شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، و أفلج‏ (9) بهم حجتنا، و أظهر بهم دولتنا، فأراكم اللّه بهم ما كنتم تنتظرون‏ (10)، و أظهر فيكم الخليفة من هاشم، و بيّض به وجوهكم، و أدالكم على أهل الشام،

____________

(1) فى ف: بكنانته و هى بدون نقط فى ص.

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326: كاره.

(3) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326: بدلكم.

(4) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326: اصلاحها.

(5) قبل هذه الكلمة ورد فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326 و كذلك فى الطبرى ج 6 ص 84- و لعله سقط من المؤلف- ما يأتى:

بإبدال الدين و انتهاك حريم المسلمين.

(6) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326: المكتمل المتمهل: و فى الطبرى ج 6 ص 84. المتكهل المتمهل.

(7) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326، و الطبرى ج 6 ص 84 فسادها.

(8) زيادة عن الطبرى ج 6 ص 84.

(9) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326 أبلج.

(10) يزيد الطبرى ج 6 ص 84 بعدها: و إليه تتشوفون.

44

و نقل إليكم السلطان و عزّ الإسلام، و منّ عليكم بإمام منحه العدالة، و أعطاه حسن الإيالة، فخذوا ما أتاكم اللّه بشكر، و الزموا طاعتنا، و لا تخدعوا عن أنفسكم، فإنّ الأمر أمركم، و إنّ لكل أهل بيت مصرا، و إنكم مصرنا، ألا و إنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا أمير المؤمنين على بن أبى طالب، و أمير المؤمنين عبد اللّه بن محمد (و أشار بيده إلى أبى العباس). و اعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الحمد للّه على ما أبلانا و أولانا.

ثم نزلا، و داود أمامه حتى دخل القصر، و أجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس فى المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلّى بهم العصر ثم المغرب و جهنّم الليل، و خرج أبو العباس فعسكر بحمام أعين فى عسكر أبى سلمة، و نزل معه فى حجرته‏ (1) بينهما ستر، و حاجب السفاح يومئذ عبد اللّه بن بسّام، و استخلف على الكوفة و أرضها عمه داود بن على، و بعث عمه عبد اللّه بن على إلى أبى عون‏ (2) بن يزيد بشهر زور، و بعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، و هو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط (3)، و بعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، و بعث أبا اليقظان عثمان بن عروة (4) بن محمد بن عمّار بن ياسر إلى بسّام بن إبراهيم بن بسّام بالأهواز، و بعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. و أقام السفاح بالعسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة، و كان قد تنكّر لأبى سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك منه.

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326: عمرته و يتفق الطبرى ج 6 ص 87 مع المخطوطات.

(2) فى المخطوطات: أبى عون يزيد و قد سبق أن ذكر صحيحا فى فتح شهرزور.

(3) هذه العبارة ساقطة فى ك.

(4) فى المخطوطات: عمرو (بدلا من عروة) و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 326 و الطبرى ج 6 ص 87 و البداية و النهاية: ج 10 ص 43.

45

ذكر هزيمة مروان بالزاب‏

قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد (1) الملك بن يزيد الأزدى إلى شهرزور، و أنه سار إلى ناحية الموصل، و أن مروان سار من حرّان حتى بلغ الزاب و حفر خندقا، و كان فى عشرين و مائة ألف، و سار أبو عون إلى الزاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبى عون عيينة بن موسى، و المنهال بن فتّان، و إسحاق بن طلحة، كل واحد فى ثلاثة آلاف، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد فى ألفين، و عبد اللّه الطائى فى ألف و خمسمائة، و عبد الحميد ربعى الطائى فى ألفين، و وداس بن نضلة فى خمسمائة- إلى أبى عون، ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتى؟ قال عبد اللّه بن على:

أنا، فسيّره إلى أبى عون فقدم عليه، فتحوّل أبو عون عن سرادقه له، فلما كان لليلتين خلتا من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة سأل عبد اللّه ابن على عن مخاضة بالزاب فدلّ عليها، فأمر عيينة بن موسى فعبر فى خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا، و رجع إلى عبد اللّه، و أصبح مروان فعقد جسرا و عبر النهر، و سيّر ابنه عبد اللّه فنزل أسفل من عسكر عبد اللّه، فبعث عبد اللّه بن على المخارق بن غفار فى أربعة آلاف نحو عبد اللّه بن مروان، فبعث ابن مروان إليه الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق و ثبت هو، فأسر فى جماعة و سيّروهم إلى مروان، فأمر أن يؤتى برجل من الأسرى، فأتى بالمخارق، فقال له: أنت المخارق، قال: لا بل أنا من عبيد أهل العسكر، قال:

أ فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر هل تراه فى هذه الرءوس؟

فنظر إلى رأس منها فقال: هذا هو المخارق، فخلّى سبيله، و لما بلغت الهزيمة عبد اللّه بن على أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر، و أشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال، قبل أن يظهر أمر المخارق،

____________

(1) فى المخطوطات: أبا عون بن عبد الملك بن يزيد الأزدى و هو خطأ سبق الإشارة إليه.

46

فنادى فى الناس بلبس السلاح و الخروج إلى الحرب فركبوا، و سار نحو مروان، و كان عسكره عشرين ألفا و قيل اثنا عشر ألفا، فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم و لم يقاتلونا كنّا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، فإن قاتلونا قبل الزوال فإنا للّه و إنا إليه راجعون، فأرسل مروان إلى عبد اللّه يسأله الموادعة، فقال عبد اللّه: كذب، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء اللّه، ثم التقوا و اقتتلوا فجعل عبد اللّه بن على يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك!! و نادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم و اشتد القتال، فأمر مروان بالأموال فأخرجت، و قال للناس: اصبروا و قاتلوا فهذه الأموال لكم، فجعل ناس يصيبون منها، فقيل له: إن الناس قد مالوا على المال، و لا نأمنهم أن يذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد اللّه أن يسير فيقتل من أخذ من المال شيئا، فمال عبد اللّه برايته و أصحابه، فقال الناس: الهزيمة، الهزيمة، فانهزموا و انهزم مروان و قطع الجسر، و كان من غرق يومئذ أكثر ممّن قتل، و كان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع، فاستخرجوه فى الغرقى‏ (1)، فقرأ عبد اللّه: وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‏ (2)، و قيل بل قتله عبد اللّه بالشام، و حوى عبد اللّه عسكر مروان بما فيه، فوجد سلاحا كثيرا و أموالا و كتب إلى السفاح بالفتح، فلما أتاه الكتاب أمر لكل من شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، و رفع أرزاقهم، و كانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة.

ذكر مقتل مروان بن محمد و دخول أهل الشام و غيرهم فى الطاعة

قال: و لما انهزم مروان أتى مدينة الموصل، و عليها هشام بن عمرو (3)

____________

(1) ساقطة فى ف، ك.

(2) البقرة آية: 50.

(3) فى المخطوطات عمر، و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 330 و الطبرى ج 6 ص 94

47

التغلبى و بشر بن خزيمة الأسدى فقطعا الجسر، فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان، فقالوا: كذبتم، لا يفر، و سبّه أهل الموصل، و قالوا له: يا جعدى، يا معطل‏ (1)، الحمد للّه الذى أزال سلطانكم، و ذهب بدولتكم، الحمد للّه الذى أتانا بأهل بيت نبيّنا، فسار إلى حرّان فأقام بها نيّفا و عشرين يوما، و سار عبد اللّه حتى دخل الموصل فعزل هشاما، و استعمل عليها محمد بن صول، ثم سار فى أثر مروان، فلما دنا منه حمل مروان أهله و عياله و مضى منهزما، و خلّف بحرّان ابن أخيه إبان بن يزيد، فقدم عبد اللّه حرّان فلقيه إبان مسوّدا مبايعا، فبايعه و أمّنه هو و من كان معه بحرّان و الجزيرة، و مضى مروان إلى حمص فلقيه أهلها بالطاعة، فأقام يومين أو ثلاثا و سار، فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، و قالوا: مرعوب منهزم فاتبعوه، و التقوا فقاتلهم و هزمهم، و أتى مروان دمشق و عليها الوليد بن معاوية بن مروان، فخلّفه بها و مضى إلى فلسطين. قال: و كان السفاح قد كتب إلى عبد اللّه بن على باتباع مروان، فسار من حرّان بعد أن هدم الدار التى كان إبراهيم قد حبس بها، و وصل إلى منج و قد سوّدوا فأقام بها، و أتته بيعة أهل قنسرين، و قدم عليه أخوه عبد الصمد بن على مددا من قبل السفاح فى أربعة آلاف، فسار عبد اللّه الى قنسرين ثم إلى حمص فبايع أهلها، و أقام بها أياما ثم سار إلى بعلبك فأقام بها يومين، ثم سار فنزل قرية مزّة، و نزل أخوه صالح بن على مرج عذراء فى ثمانية آلاف، و كان السفاح قد بعثه مددا لعبد اللّه، ثم تقدم عبد اللّه فنزل على الباب الشرقى، و نزل صالح على باب الجابية، و أبو عون على باب كيسان، و بسّام بن إبراهيم على الباب الصغير، و حميد بن قحطبة على باب توما، و عبد الصمد و يحيى بن صفوان و العباس بن يزيد على باب الفراديس، و بدمشق يومئذ الوليد بن معاوية فحصروه بها و دخلوها عنوة فى يوم الأربعاء لخمس مضين من شهر

____________

(1) كان الجعد بن درهم أستاذا لمروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، و كان الجعد من المنكرين للصفات أى من المعطلة و استغل العباسيون هذه الصلة و سموا مروان معطلا.

48

رمضان منها، فقاتلوا (1) فيها ثلاث ساعات، و قتل الوليد بن معاوية فيمن قتل، و أقام عبد اللّه بدمشق خمسة عشر يوما، ثم سار يريد فلسطين فلقيه أهل الأردن و قد سوّدوا، فأقام بفلسطين، و أتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن على فى طلب مروان، فسار صالح فى ذى القعدة، و معه ابن فتّان، و عامر بن إسماعيل الحارثى، و أبو عون- فبلغوا العريش، و أحرق مروان ما كان حوله من علف و طعام و هرب إلى جهة مصر، و سار صالح فنزل النيل، ثم نزل الفسطاط، ثم سار و نزل موضعا يقال له ذات الساحل‏ (2)، و هرب مروان إلى الصعيد، و قدّم صالح أبا عون، و عامر بن إسماعيل الحارثى و شعبة بن كثير المازنى- فساروا، فلقوا خيلا لمروان فهزموهم و أسروا منهم رجالا، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم فأمنوهم، و ساروا فوجدوه نازلا فى كنيسة ببوصير فقاتلوه ليلا، و كان أصحاب أبى عون قليلا، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا و رأوا قلّتنا أهلكونا، فكسر جفن سيفه و فعل أصحابه مثله، و حملوا على أصحاب مروان فانهزموا، و حمل رجل على مروان فطعنه و هو لا يعرفه فصرعه، و صالح صالح جرح أمير المؤمنين فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة- كان يبيع الرمّان- فاحتز رأسه، فأخذه عامر بن إسماعيل فبعث به إلى أبى عون، و بعثه أبو عون إلى صالح، فلما وصل إليه أمر أن يقص‏ (3) و يقطع لسانه فأخذته هرّة، فقال صالح: لو لم ترنا الأيام من عجائبها إلا لسان مروان فى فم هرة لكفانا، و قيل: إن عبد اللّه بن على هو الذى قال هذا، قال: و سيّره صالح إلى عبد اللّه فبعثه إلى السفاح، و كان قتله لليلتين بقيتا من ذى الحجة، و رجع صالح إلى الشام، و خلف أبا عون‏

____________

(1) فى جميع المخطوطات: قتلوا و هو خطأ واضح.

(2) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 331: ذات السلاسل و هو تحريف أما الطبرى ج 6 ص 66 فمتفق مع المخطوطات.

(3) فى ف، ص: ينقض، و يتفق الكامل لابن الأثير ج 4 ص 331 مع المخطوطة ك.

49

بمصر. و لما وصل الرأس الى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه، فقال: الحمد للّه الذى أظهرنى عليك، و أظفرنى بك، و لم يبق ثأرى قبلك و قبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل:

لو يشربون دمى لم يرو شاربهم‏ * * * و لا دماؤهم للغيظ تروينى‏

قال: و لما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التى فيها حرم مروان، و كان قد وكل بهنّ خادما له، و أمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر و أخذهن، و هنّ نساء مروان و بناته، فسيّرهن إلى صالح بن على، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين، حفظ اللّه لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك و بنات أخيك و ابن عمك، فليسعنا من عفوك ما وسعكم من جورنا، قال: إذن لا أستبقى منكنّ واحدة، أ لم يقتل أبوك ابن أخى إبراهيم؟! أ لم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن على بن الحسين و صلبه فى الكوفة؟! أ لم يقتل الوليد بن يزيد- يحيى بن زيد و صلبه بخراسان؟! أ لم يقتل ابن زياد الدعىّ مسلم بن عقيل؟! أ لم يقتل يزيد بن معاوية- الحسين بن على و أهل بيته؟! أ لم يخرج إليه بحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبايا فوقفهن موقف السبى؟! أ لم يحمل إليه رأس الحسين و قد فرغ دماغه؟! فما الذى يحملنى على الإبقاء عليكن؟! قالت: فليسعنا عفوكم، أما هذا فنعم، و إن أحببت زوّجتك ابنى الفضل، فقالت: بل تحملنا إلى حرّان، فحملهن إليها.

ذكر من قتل من بنى أمية بعد مقتل مروان بن محمد

قال: دخل سديف مولى للسفاح عليه و عنده سليمان بن هشام بن عبد الملك و قد أكرمه السفاح، فقال سديف:

لا يغرنك ما ترى من رجال‏ * * * إن تحت الضلوع داء دويا

فضع السيف و ارفع السوط حتى‏ * * * لا ترى فوق ظهرها أمويا

50

فقال سليمان قتلتنى يا شيخ و دخل السفاح، و أخذ سليمان فقتل، قال:

و دخل شبل بن عبد اللّه مولى بنى هاشم على عبد اللّه بن على و عنده من بنى أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:

أصبح الملك ثابت الأساس‏ * * * بالبهاليل من بنى العباس‏

طلبوا وتر هاشم فشفوها * * * بعد ميل من الزمان و باس‏

لا تقيلن عبد شمس عثارا * * * و اقطعن كل رقلة و غراس‏

ذلها أظهر التودد منها * * * و بها منكم كحر المواسى‏

فلقد غاظنى و غاظ سوائى‏ * * * قربهم من نمارق و كراسى‏

أنزلوها بحيث أنزلها الل * * * ه بذات‏ (1)الهوان و الإتعاس‏

و اذكروا مصرع الحسين و زيدا * * * و قتيلا بجانب المهراس‏

و القتيل الذى بحرّان أضحى‏ * * * ثاويا بين غربة و تناسى‏

فأمر بهم عبد اللّه فضربوا بالعمد حتى قتلوا، و بسط عليهم الانطاع فأكل الطعام عليها، و هو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا، و أمر عبد اللّه بن على بنبش قبور بنى أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء، و نبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاما كالرماد، و نبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا فيه جمجمة، و كان يوجد فى القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط ثم صلبه ثم حرقه و ذراه فى الريح، و تتبع بنى أمية من أولاد الخلفاء و غيرهم فأخذهم، فلم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس، و استصفى ما لهم من أموال و غيرها، فلما فرغ منهم قال:

بنى أمية قد أفنيت جمعكم‏ * * * فكيف لى منكم بالأول الماضى‏

____________

(1) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 333: بدار.

51

يطيّب النفس إن النار تجمعكم‏ * * * عوضتم من لظاها شر معتاض‏

إن كان غيظى لفوت منكم فلقد * * * رضيت‏ (1)منكم بما ربى به راض‏ (2)

و قيل إن سديفا أفسد الشعر، الذى ذكرناه عنه للسفاح و معه كانت الحادثة، و قتل سليمان بن على بن عبد اللّه بن العباس بالبصرة منهم جماعة.

و ألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، فاختفى من قدر من بنى أمية.

و تشتت شملهم، و كان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان ابن عتبة بن أبى سفيان، قال: فكنت لا آتى مكانا إلا عرفت فيه، فضاقت علىّ الأرض فقصت سليمان بن على، و هو لا يعرفنى، فقلت له: لفظتنى البلاد إليك، و دلّنى فضلك عليك، فإما قتلتنى فاسترحت، و إما رددتنى سالما فأمنت، فقال من أنت؟ فعرّفته بنفسى فعرفنى، فقال: مرحبا بك.

حاجتك؟ فقلت: إن الحرم التى أنت أولى الناس بهنّ، و أقربهم إليهن قد خفن لخوفنا، و من خاف خيف عليه، فبكى كثيرا ثم قال: بل يحقن اللّه دمك، و يوفّر مالك. و يحفظ حرمك، ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنّه قد وفد وافد (3) بنى أمية علينا، و إنّا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنّا يجمعنا و إياهم عبد مناف، فالرحم تبل و لا تفل‏ (4)، و ترفع و لا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لى فليفعل.

و إن فعل فليجعل‏ (5) كتابا عاما إلى البلدان، شكرا (6) للّه تعالى على نعمه عندنا و إحسانه إلينا، فأجابه إلى ذلك. و كتب لهم أمانا، و كان هذا أول أمان بنى أمية.

____________

(1) نفس المصدر السابق ص 334: منيت.

(2) فى نفس المصدر السابق بيت يسبق هذا:

منيتم لا أقال الله عثرتكم‏ * * * بليث غاب إلى الأعداء نهاض‏

(3) فى المخطوطات: دفّت دفّة و لتصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 334.

(4) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 334: تبل و لا تقتل- و المتأمل فى النص يرى صواب المخطوطات لأنه يشتمل على الكلمة و نقيضها و على ذلك فهى أصوب و المعنى: توصل و لا تقطع.

(5) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 334: فيجعل.

(6) فى نفس المصدر السابق شكر.

52

ذكر الخلاف على أبى العباس السفاح و أخبار من خالف و خلع‏

فى هذه السنة: خلع حبيب بن مرّة المرّى، و معه أهل البثنيّة و حوران، و كان من قواد مروان، فحمله الخوف على نفسه على الخلاف، فخرج إليه عبد اللّه بن على و قاتله دفعات، ثم صالحه عبد اللّه لما خلع أبو الورد.

ذكر خلع أبى الورد و أهل قنّسرين و دمشق‏

و فيها خلع أبو الورد مجزأة (1) بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابى، و كان من أصحاب مروان و قواده، و كان قد بايع عبد اللّه بن على و أقام بقنّسرين، و كان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس و الناعورة، فقدم قائد من قواد عبد اللّه إلى بالس، فبعث بولد مسلمة و نسائهم، فشكى بعضهم ذلك إلى أبى الورد، فقتل ذلك القائد و من معه و أظهر الخلع لعبد اللّه، و دعا أهل قنّسرين إلى ذلك فبيّضوا بأجمعهم، و السفاح يومئذ بالحيرة و عبد اللّه بن على يقاتل حبيب بن مرّة، فلما بلغ عبد اللّه ذلك صالح حبيب بن مرّة و أمّنه، و سار إلى قنّسرين للقاء أبى الورد، فمرّ بدمشق فخلّف بها أبا غانم‏ (2) عبد الحميد بن ربعى الطائى فى أربعة آلاف، و كان بدمشق أهل عبد اللّه و أمهات أولاده و ثقله، فلما قدم حمص انتقض أهل دمشق و بيّضوا، و قاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدى فلقوا أبا غانم و من معه فهزموه، و قتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، و انتهبوا ثقل عبد اللّه و لم يتعرضوا لأهله، و أجمعوا على الخلاف، و سار عبد اللّه و كان قد اجتمع مع أبى الورد جماعة أهل قنّسرين، و كاتبوا من يليهم من‏

____________

(1) فى نفس المصدر: مجزة، و يؤيد المخطوطات الطبرى ج 6 ص 97.

(2) فى المخطوطات: أبا غانم بن عبد الحميد بن ربعى الطائى: و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 334 و الطبرى ج 6 ص 98 و مخطوطة تاريخ ابن عساكر فى الجزء الثانى و العشرين (المكتبة التيمورية). هذا و قد ذكره الناسخ صحيحا فى فصل هزيمة مروان بالزاب.

53

أهل حمص و تدمر (1)، فقدم منهم ألوف، و قدّموا عليهم أبا محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية و دعوا إليه، و قالوا هو السفيانى، و اجتمعوا فى نحو أربعين ألفا فعسكروا بمرج الأخرم، و دنا عبد اللّه منهم و وجّه إليهم عبد الصمد بن على فى عشرة آلاف، و كان أبو الورد هو المدبّر لعسكر قنّسرين و صاحب القتال، فناهضهم و اقتتلوا و كثر القتل بينهم فانكشف عبد الصمد، و لحق بأخيه عبد اللّه فأقبل عبد اللّه و التقوا بمرج الأخرم، و اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب أبى الورد، و ثبت هو فى خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا، و هرب أبو محمد و من معه حتى لحقوا بتدمر، و أمّن عبد اللّه أهل قنّسرين و سوّدوا، و بايعوه و دخلوا فى طاعته، ثم انصرف راجعا إلى دمشق، فلما دنا منها هرب الناس بغير قتال، فأمّن عبد اللّه أهلها و لم يؤاخذهم و بايعوه؛ و أما أبو محمد السفيانى فتغيّب إلى أيام المنصور، و لحق بالحجاز، فكان كذلك إلى أن بلغ زياد بن عبد اللّه الحارثى عامل المنصور مكانه، فبعث إليه خيلا فقاتلوه فقتلوه. و قيل إن حرب أبى الورد كانت فى سلخ ذى الحجة سنة ثلاث و ثلاثين.

ذكر تبييض أهل الجزيرة و خلعهم‏

قال: و فى هذه السنة بيّض أهل الجزيرة و خلعوا السفاح، و ساروا إلى حرّان و بها موسى بن كعب فى ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها، و ليس على أهل الجزيرة رأس تجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلى من أرمينية فاجتمع عليه أهل الجزيرة، و حاصر موسى بن كعب نحوا من شهر، فوجّه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة فساروا، و اجتاز بقرقيسيا و الرّقة و قد بيّض أهلها، فلما انتهى إلى حرّان رحل إسحاق بن مسلم إلى الرّها، و ذلك فى سنة ثلاث و ثلاثين، و خرج موسى بن كعب إليه، و وجّه إسحاق بن مسلم أخاه‏

____________

(1) فى ك: ترمذ و هو خطأ واضح.

54

بكّار بن مسلم إلى جماعة ربيعة بدارا و ماردين، و رئيس ربيعة يومئذ رجل من الحروريّة يقال له بريكة (1)، فعمد (2) إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل بريكة فى المعركة، و انصرف بكّار بن مسلم إلى أخيه بالرها فخلّفه إسحاق بها، و سار إلى سميساط فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بها، و إسحاق يومئذ فى ستين ألفا و بينهم الفرات، و أقبل أبو جعفر من الرها و حاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، و كان إسحاق يقول: فى عنقى بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل، فلما تيقّن قتله طلب الصلح و الأمان، فكتبوا إلى السفاح فى ذلك فأمرهم أن يؤمنوه هو و من معه، فكتبوا بينهم كتابا بذلك، و خرج إسحاق إلى أبى جعفر و كان عنده من آثر أصحابه‏ (3)، فاستقام أهل الجزيرة و الشام، و استعمل أبو العباس السفاح أبا جعفر على الجزيرة و أرمينية و أذربيجان، فلم يزل عليها حتى استخلف.

ذكر قتل أبى سلمة الخلّال و سليمان بن كثير

قد ذكرنا ما كان من أمر أبى سلمة مع أبى العباس السفاح فى مبتدأ الأمر، و ما عامله به عند مقدمه و تنكّر السفاح له، فلما فارق العسكر و نزل المدينة الهاشمية كتب إلى أبى مسلم الخراسانى، يعلمه بخبره و ما كان من أمره، فكتب إليه: إن كان أمير المؤمنين قد اطلع على ذلك فليقتله، فلما قدم عليه كتابه قال داود بن على: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتجّ بها أبو مسلم عليك، و أهل خراسان الذين معك أصحابه، و لكن اكتب إلى أبى مسلم أن يبعث إليه من يقتله، فكتب إليه فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبّى ليقتله، فقدم على السفاح و أعلمه، فأمر السفاح مناديا فنادى: إن أمير

____________

(1) فى المخطوطات بركه و التصويب عن الكامل لابن الأثير ج 4 ص 335 و الطبرى ج 6 ص 101.

(2) فى المخطوطات: فصمد و التصويب عن المصدرين السابقين.

(3) فى الكامل لابن الأثير ج 4 ص 336: صحابته.