نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج23

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
480 /
5

الجزء الثالث و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[تتمة الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الدولة العباسية بالعراق و غيره‏]

مقدمة

هذا هو الجزء الحادى و العشرون من «نهاية الأرب» بتجزئة النويرى، و الثالث و العشرون بالتجزئة التى يصدر بها اليوم.

نختصر فى تقديمه مكتفين بما جاء قبل، مقرين بأن الطريقة هنا هى تقريبا الطريقة هناك، و أن الرجوع إلى المظان عندنا لا يختلف عن الرجوع عند غيرنا إلا فى ربط القديم بالجديد إيمانا منا بأن للتاريخ فلسفة لم يبلورها الأولون! و لقد كان العمل فى إخراج «نهاية الأرب» موكولا لأكفاء من غير شك غير أن صدور كل واحد منهم بأسلوبه الخاص أناح للجميع أن يبسطوا أديمهم و يكشفوا عن منهجهم، و من ثم تهيأ لنا أن نتقدم بما يبيّن دورنا فى نشر هذا الجزء، و إذا كان علينا أن نقول شيئا بادئ ذى بدء قلنا إننا اعتمدنا فى نشر هذا الجزء على نسخة صوّرتها الجامعة العربية من نسخة محفوظة

6

تحت رقم 1369 بأمانة خزينة فى استنبول، و قد كتب فى نهايته أنه كمل «على يد مؤلفه الفقير إلى عفو ربه أحمد بن عبد الوهاب ...

و وافق الفراغ منه فى يوم الثلاثاء لخمس ليال بقين من صفر سنة أربع و عشرين و سبعمائة».

على أن احتمال كون هذا الجزء مع ذلك بخط المؤلف هو قدر احتماله ألا يكون؛ فإن تحرّر الخط، و جودته- برغم قلة النقط.

فيه- و عدم السقط، و ندرة الأخطاء التى تقع عادة من الملخصين و النويرى واحد منهم ... كل ذلك كان من غير شك حافزا إلى أن نقابل هذه المصورة- و قد رمزنا لها بالحرف «ا»- بمصورتين أخريين إحداهما عن نسخة من كوبريلي بالآستانة، و الأخرى عن نسخة من الفاتيكان.

أما مصورة كوبريلي- و نرمز لها بالحرف «ك» و هى تحت رقم 549 بدار الكتب- فهى فى جودة الخطر الذى حررت به «ا» .. بل قد تفضلها بكثرة نقطها و إن يكن الخطأ فيها متعددا! و تمتاز بزيادات مفيدة لعل لناسخها فضل إضافتها- إن كان هذا فضلا- و تدل على حسن إدراك يرفع من قيمتها على نحو من الأنحاء، و لعل هذا هو ما حدا بنا إلى أن نجعلها فى المرتبة الثانية بعد «ا».

فإذا عرضنا لمصورة الفاتيكان 739- و هى محفوظة بدار الكتب تحت رقم 592 معارف عامة و رمزنا لها بالحرف «ف»- فكأننا نعرض للمصورة «ا» تماما .. فهى من الناحية التاريخية نسخت سنة

7

739 للهجرة و النويرى مات سنة 732 كما فى المنهل الصافى، و هى من الناحية الفنية لا تخرج عن الإطار الذى حدّده المؤلف لأجزائه، بل ربما وضّحت بعض الأعلام و ضبطتها.

نقول إن للمصورة «ف» هذه القيمة، إلا أن رداءة خطها- بالنسبة إلى نسخة المؤلف- و صغر حروفها، و عدم تحديد بدايات السنين، و ضياع العناوين فى سياق الكلام .. كل أولئك يقيم شتى صعوبات أمام القارئ العادى. و يحمّل ناسخها إبراهيم بن محمد ابن ناهض الحلبى بعض وزر ما كان يصرف أحدا عن الانتفاع بها كما ينبغى أن يكون الانتفاع.

و مع ذلك فهى كاملة إذا قيست بغيرها من المخطوطات القديمة، و هى فى 137 صفحة مزدوجة وقفنا إزاءها وقفتنا إزاء «ا» ..

فكنا نذكر رقم الصفحة الواحدة متبوعا بألف أو بباء، على حسب وقوع الكلام فيها يمينا أو شمالا؛ فذكر خلافة المعتصم باللّه مثلا يقع فى صفحة 94- ا، و ذكر مقتله يقع فى 94- ب، و ذكر إمارة عبد الرحمن بن محمد فى صفحة 116- ا، و ذكر إمارة الحكم فى 116- ب و هكذا ...

و الجدير بالذكر أنها، باستثناء ما ورد فى 132- ب، تخلو من العناوين الجانبية إلا ما فات من السياق؛ فكان يثبت فى الهامش على ما جاء فى 57- ب و 67- ا،، و ثمة سقط. واحد فى 61- ب، لم ينوه عنه إطلاقا، و محو بعض كلام فى 38- ب، و بقعتا حبر فى 124

8

يبقى بعد ذلك شي‏ء طريف لا مندوحة عن ذكره، هو أن القارئ يجد لأحد رجال دار الكتب تعليقا ظهر الغلاف يقول: «بداية هذا الجزء توافق بداية الجزء الواحد و العشرين من تجزئة المؤلف و ينتهى بنهايته، و ما كتب على صفحة عنوانه تدليس» و أما ما كتب فهو «الجزء الثانى من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب» بخط يخالف خطّ المتن، ثم نرى ضربا بالحبر على كلام فى السياق يخفى شيئا أراد أحدهم ألا يصلنا. و الظاهر أن هذه النسخة امتحنت مرتين، إحداهما حين نزع غلافها الأصلى و أضيف لها غلاف جديد، و الأخرى حين طمس آثم جانبا أراد طمسه، و استتبع هذا إخفاء بعض سياق الخاتمة بالريشة نفسها، و هكذا يعبث بالتراث! و أخيرا، فكم كنا نحبّ ألا نختم هذه المقدمة الآن .. كنا نحب ألا نختمها حتى نستوفى الكلام على صنيع النويرى من تصنيف و رواية عمن سبقه فى حقل التاريخ كابن الأثير و ابن الجوزى و ابن الرفيق و ابن شدّاد، بل على صنيعه إزاء بعض الحوادث دون بعض، و مروره على موقف مرّ المتعجل و تلبّثه على آخر تلبّث المتأنى ..

و نستخرج خصائص تأليفه و سمات أسلوبه و نكشف عن شخصيته التى تركها على نقوله من غيره، بيد أننا رأينا أن هذا- فضلا عن أنه يحتاج إلى تفصيل كبير يحيد بهذا الجزء عن الطريق الذى رسم لإخوته.

من أجل ذلك طرحنا كل شي‏ء و فى النفس أن نعود إلى المؤلّف فى مكان آخر و بدراسة أوفى .. نبين فيها ما نريد،

9

و نوسع ما يضيق عنه المجال هنا، غير أننا تأمل أن تكون إشاراتنا فى الهوامش لبعض ما وقف عنده النويرى دليلا على خطره هو بين الموسوعيين الذين تفخر بهم عربيتنا على الأجيال.

إن هذا الرجل أحد المصريين القلائل الذين جمعوا إلى فن الكتابة صناعات أخر، و فى ظلّ السلطان الملك الناصر باشر نظر الجيش و تولى ديوان الدقهلية و المرتاحية، و رصد تاريخا يعتبر إلى الآن من أهم المراجع كما يقول فازيليف.

دكتور أحمد كمال زكى‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

ذكر خلافة المكتفى بالله‏

هو أبو محمد علىّ بن المعتضد باللّه أبى العباس أحمد بن الموفّق باللّه أبى أحمد بن المهدىّ- و هو الملقب بالناصر لدين اللّه- بن المتوكّل على اللّه أبى الفضل جعفر بن المعتصم باللّه أبى إسحاق محمد بن هارون الرشيد أبى محمد بن المهدىّ أبى عبد اللّه محمد بن أبى جعفر المنصور بن محمد بن علىّ ابن عبد اللّه ابن عباس، (رضى اللّه تعالى عنهم اجمعين)(1). و أمّه خاضع أمّ ولد و تلقّب جيجك‏ (2)، و قيل اسمها جنجورا، و هو الخليفة السابع عشر من الخلفاء العباسيين. بويع له يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين و مائتين-

____________

(1) المفروض أن اعتمد فى إخراج هذا النص على «ا» و هى صورة النسخة التى بخط المؤلف، غير أن الصفحات الأولى منها غير واضحة فكان لا بد من الرجوع إلى مصورة «ك» مع مقابلتها بالمصورة «ف».

(2) فى ك صفحة 140 و فى ف صفحة 2- ا «جيجقة» قريبة لما فى التنبيه و الإشراف 321 «جيجق» و ما هاهنا من تاريخ الطبرى 8: 25 و الكامل 6: 119 لفظ تركى معناه زهرة. راجع‏vahit فى‏An English and Turkish Dictionary .)1391 istanpul( ففى صفحة 164 يقول‏cicek :flower

12

و كان إذ ذاك بالرقة- فبايع له الوزير القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان ابن وهب، و كتب له يعلمه بوفاة أبيه و أخذ البيعة له.

فلما و صله الخبر، أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، و وضع لهم العطاء، و سار إلى بغداد، و وجّه إلى النواحى بديار ربيعة و مضر و نواحى العرب‏ (1) من يضبطها. و دخل بغداد لثمان خلون من جمادى الأولى، فلما صار إلى منزله أمر بهدم المطامير التى. كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم‏

ذكر قتل بدر غلام المعتضد بالله‏

و كان سبب قتله أنّ القاسم- الوزير- كان قد همّ بنقل الخلافة إلى غير ولد المعتضد بعده، فقال لبدر ذلك فى حياة المعتضد بعد أن استحلفه أن يكتم عليه فقال بدر: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاى و ولىّ نعمتى! فلم يمكنه مخالفته لأنه صاحب الجيش، و حقدها عليه فلما مات المعتضد كان بدر بفارس فعقد القاسم البيعة للمكتفى، و عمل على هلاك بدر خوفا على نفسه أن يذكر للمكتفى ما كان منه.

و كان المكتفى مباعدا لبدر فى حياة المعتضد، فوجّه إلى القوّاد الذين مع بدر يأمرهم بمفارقته و المصير إليه، ففارقه جماعة و أقبلوا إلى المكتفى فأحسن إليهم.

و سار بدر إلى الموصل و واسط فوكل المكتفى بداره، و قبض‏

____________

(1) فى ك صفحة 140 و فى ف صفحة 2- 1، «نواحى المغرب» و ما هنا من الكامل 6: 101

13

على أصحابه و قواده فحبسهم، و أمر بمحو اسمه من الأعلام و التّراس‏ (1). و سير الحسن بن على إلى كورة (2) واسط فى جيش، و أرسل بدر يعرض عليه أىّ النواحى شاء، فأبى ذلك و قال: لا بدّ من المصير إلى باب مولاى! فوجد القاسم مساغا للقول‏ (3)، و خوّف المكتفى غائلته.

و بلغ بدرا ما فعل بأصحابه فأرسل من يأتيه بولده هلال سرّا، فعلم الوزير بذلك فاحتاط عليه، و دعا قاضى الجانب الشرقىّ و أمره بالمسير إلى بدر و أن يطيّب قلبه عن المكتفى و يعطيه الأمان على نفسه و ولده و ماله، فقال القاضى أبو حازم: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين! فصرفه و دعا أبا عمر القاضى، و أمره بمثل ذلك فأجابه، و سار بكتاب الأمان. فسار بدر عن واسط إلى إلى بغداد فأرسل إليه الوزير من قتله، فلما أيقن بالقتل سأله المهلة إلى أن يصلّى ركعتين، فأمهل حتى صلاهما. و ضربت عنقه يوم الجمعة لستّ خلون من رمضان، و أخذ رأسه و تركت جثته هنالك، فوجّه عياله من أخذها سرا و جعلوها فى تابوت، فلما كان وقت الحجّ حملوها إلى مكة فدفنوها بها- و كان أوصى بذلك- و أعتق كلّ مملوك له. و رجع أبو عمر إلى داره كئيبا لما كان منه، و قال الناس فيه الشعر، فمن ذلك قول بعضهم:

____________

(1) التراس: من آلات الحرب للوقاية، و هى جمع مفرده ترس، و يجمع أيضا على تروس و أتراس (القاموس المحيط)

(2) ك، ف كما فى الطبرى 8: 210. و الكامل 6: 102 «الحسين بن على كوره»

(3) فى ك، ف «مشاعا للقول»

14

قل لقاضى مدينة المنصور * * * كيف أحللت أخذ رأس الأمير (1)

عند إعطائه المواثيق و العه * * * د و عقد الأيمان فى منشور (2)

أين أيمانك التى شهد اللّ‏ * * * ه على أنها يمين فجور

إنّ كفيك لا تفارق كفّي * * * ه إلى أن ترى مليك السرير (3)

يا قليل الحياء يا أكذب الأم * * * ة .. يا شاهدا شهادة زور

ليس هذا فعل القضاة و لا يح * * * سن أمثاله ولاة الجسور

أىّ أمر ركبت فى الجمعة الزّه * * * راء منه فى خير هذى الشهور (4)

قد مضى من قتلت فى رمضان‏ * * * صائما بعد سجدة التعفير

يا بنى يوسف بن يعقوب أضحى‏ * * * أهل بغداد منكم فى غرور

بدّد اللّه شملكم و أرانى‏ * * * ذلّكم فى حياة هذا الوزير

فأعدوا الجواب للحكم العا * * * دل من بعد منكر و نكير (5)

أنتم كلكم فداء أبى حا * * * زم المستقيم كلّ الأمور (6)

و فيها (7) لحق إسحاق الفرغانى- و هو من أصحاب بدر-

____________

(1) فى الطبرى 8: 212، و فى الكامل 6: 102 «بم أحللت أخذ رأس الأمير»

(2) فى الطبرى 8: 212 «بعد إعطائه» ...

(3) فى الكامل 6: 102 «إلى أن ترى عليل السرير»

(4) فى ك، ف صفحة 2- ب بتصحيف صوابه ما أثبتناه، و فى الطبرى 8: 212 «أى أمر ركبت فى الزهراء من خير خير الشهور» و هو خطأ واضح.

(5) فى ك، ف صفحة 3- 1، يقول: العدل، فيختل وزنه، و أقامه ابن الأثير فى الكامل 6: 103 بروايته «العدل و من بعد ...)

(6) فى الكامل 6: 103 البيت هكذا

أنتمو كلكم فدى لأبى حازم‏ * * * المستقيم كل الأمور

(7) أى فى سنة 289

15

بالبادية و أظهر الخلاف على الخليفة المكتفى، فحاربه أبو الأغرّ (1) فهزمه إسحاق و قتل جماعة من أصحابه.

و فيها خلع المكتفى على هلال بن بدر و غيره من أصحاب أبيه فى جمادى الأولى.

و فيها فى فصل الصيف هبت ريح باردة بحمص و بغداد من جهة الشمال، فبرد الوقت و اشتد البرد حتى جمد الماء، و احتاج الناس إلى النار. و فيها هبت ريح عاصفة بالبصرة قلعت كثيرا من نخلها، و خسف بموضع هلك فيه. ستون ألف نفس. و زلزلت بغداد فى شهر رجب عشر مرات فتضرّع الناس فى الجامع فسكنت. و حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمى‏ (2) و دخلت سنة تسعين و مائتين: فى هذه السنة اشتد أمر القرامطة، فجاء أهل الشام و مصر إلى المكتفى يشكون ما يلقون من القرمطى‏ (3) من الأسر و السّبى و التخريب؛ فأمر الجند بالتأهب، و خرج من بغداد فى شهر رمضان، و قدم بين يديه أبا الأغرّ فى‏

____________

(1) هو خليفة بن المبارك أحد قواد العباسيين الكبار، قامت بينه و بين القرامطة معارك كبار عدة.

(2) ينتهى نسبه إلى عبد اللّه بن عباس، و كان صاحب الصلاة ببغداد و أمير مكة و الموسم، حج بالناس نحو عشرين سنة، و توفى فى صفر من عام 306

(3) هو كما فى البداية و النهاية 11: 196 الحسين بن زكرويه بن مهدويه، واحد من أتباع حمدان قرمط هؤلاء الذين قاموا بحركة دينية اجتماعية هددت دعامهم العالم الإسلامى، و علاقة هذه الحركة بالإسماعيلية مضطربة، و لكن جمهور المؤرخين يرى أنها فى العراق و سورية و مصر جزء من الإسماعيلية، و يظن بعض المستشرقين أن القرامطة فى الأصل كسيسانيون ثم اتحدوا بالإسماعيلية متحللين من الفرائض الدينية المعروفة مجمعين على ضرورة قتل أعدائهم‏

16

عشرة آلاف، و سار إلى الشام و جعل طريقه على الموصل.

فنزل أبو الأغرّ بالقرب من حلب‏ (1)، فكبسهم القرمطى صاحب الشامة (2) فقتل منهم خلقا كثيرا. و دخل أبو الأغر حلب فى ألف رجل و ذلك فى شهر رمضان، و سار القرمطى إلى باب حلب فحاربه أبو الأغرّ بمن بقى معه و أهل البلد، فرجع عنهم. و سار المكتفى حتى نزل الرّقّة، و سيّر الجيوش إليه و جعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب، و كان للقرامطة حروب كثيرة و وقائع نذكرها- إن شاء اللّه تعالى- فى أخبارهم‏ (3).

و فيها أراد المكتفى البناء بسامرّاء، و خرج إليها و معه الصناع فقدّروا ما تحتاج إليه فكان ما لا جزيلا، فعظّم الوزير ذلك عليه و صرفه عنها، و رجع إلى بغداد .. و حجّ بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد اللّه بن عبيد اللّه العباسى.

و دخلت سنة إحدى و تسعين و مائتين: فى هذه السنة سار من طرسوس غلام زرافة (4) نحو بلد الروم ففتح مدينة أنطاكية عنوة بالسيف؛ فقتل خمسة آلاف و أسر نحوهم، و استنقذ من الأسارى خمسة آلاف، و أخذ لهم ستين مركبا حمّلها ما غنم من الأموال، و قدّر نصيب كلّ رجل فكان ألف دينار.

____________

(1) فى وادى «بطنان» على ما تذكر الأثبات.

(2) كان للحسين شامة فى وجهه «ذكر أنها آيته» على ما يقول المؤرخون.

(3) استطاع الكاتب ذلك القائد اليقظ أن يقضى على قوة الحسين القرمطى قرب حماه فيفر و لكنه لا ينجو!

(4) يقول عنه ابن الأثير إنه قائد معروف، و قال عن أنطاكية إنها مدينة تعادل القسطنطينية و هى على أية حال مدينة عظيمة بآسيا الصغرى قريبة من بحر الروم (ياقوت فى معجم البلدان)

17

و فيها مات الوزير القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان‏ (1). و حج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك.

و دخلت سنة اثنتين و تسعين و مائتين: فى هذه السنة انقرضت الدولة الطولونية، و استولى المكتفى باللّه على ما بأيديهم بمصر و الشام.

و أرسل محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر بمواطأة قوّاد هارون بن خمارويه فتوجّه، و قاتله هارون فقتل هارون، و استولى ابن سليمان على مصر، على ما نذكر ذلك مبيّنا- إن شاء اللّه تعالى- فى أخبار الدولة الطولونية.

قال‏ (2): و كتب ابن سليمان بالفتح إلى المكتفى باللّه، فأمر باشخاص آل طولون إلى بغداد ففعل ذلك، و ولى معونة مصر عيسى النّوشرى. ثم ظهر بمصر رجل يعرف بالخليجى‏ (3)- و هو من قواد الدولة الطولونية- فخالف على الخليفة و كثر جمعه، و عجز النّوشرىّ عنه فتوجّه إلى الإسكندرية، و دخل إبراهيم الخليجى مصر. فسيّر إليه المكتفى الجنود مع فاتك‏ (4)- ولى المكتفى- و بدر الحماص، فساروا فى شوّال فوصلوا حدود مصر

____________

(1) مات فى ذى القعدة من هذه السنة و كان عمره اثنين و سبعين عاما و ثمانية أشهر تقريبا.

(2) ابن الأثير فى الكامل 6: 111

(3) تتردد الأثبات فى رسمه هكذا و رسمه «الخلبخى» و قد اختار الطبرى الأول، و اختار ابن الأثير الثانى، و قد قال عنه ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة (3: 153) إنه محمد بن على الخلبخى الأمير أبو عبد اللّه الطولونى ملك مصر عنوة من النوشرى.

(4) فى ف صفحة 3- ب «مع قابل» كما فى ك و ما هاهنا من الكامل 6: 111

18

فى صفر سنة ثلاث و تسعين‏ (1). و تقدّم أحمد بن كيغلغ فى جماعة من القواد، فلقيهم الخليجى فهزمهم بالقرب من العريش أقبح هزيمة. فندب من بغداد جماعة من القوّاد فيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا فى شهر ربيع الأول. و برز المكتفى إلى باب الشّمّاسية (2) يريد المسير لحرب الخليجى لما/ بلغه من قوّته- و كان ذلك فى شعبان- فورد كتاب فاتك فى شعبان أن «القوّاد رجعوا إلى الخليجى و قاتلوه أشدّ قتال، و كانت بينهم حروب آخرها أنه انهزم و دخل فسطاط مصر و استتر بها، و دخل عسكر الخليفة المدينة و ظفروا به، و حبس هو و من استتر عنده».

فكتب المكتفى إلى فاتك بحمله و من معه إلى بغداد، فوصلوا بغداد فى شهر رمضان سنة ثلاث و تسعين، و دخل المكتفى بغداد و أمر بردّ خزائنه و كانت قد بلغت تكريت‏ (3).

وصيها- أعنى سنة اثنتين و تسعين أخذ بالبصرة رجل ذكر أنه أراد الخروج، و أخذ معه ولده و تسعة و ثلاثون رجلا، و حملوا إلى بغداد و هم يستغيثون و يحلفون أنهم براء (4)، فأمر المكتفى بحبسهم‏

____________

(1) من عادة النويرى أن يتعقب الواقعة بحذافيرها حتى ينتهى منها، و إن جاوز السنة التى يؤرخ لها كما نرى هاهنا.

(2) كان فى الشماسية التى كانت تجاور دار الروم فى أعلى بغداد (معجم البلدان لياقوت)

(3) بلدة مشهورة بين بغداد و الموصل، سميت على ما ذكر ياقوت بتكريت بنت وائل، و تقع غربى دجلة و بها قلعة حصينة بناها سابور بن أردشير

(4) نقول فى جمع بري‏ء «براء» (القاموس المحيط)

19

و فيها أغار أندرونقس‏ (1) الرومى على مرعش‏ (2) و نواحيها، فنفر أهل المصيصة و طرسوس فأصيب أبو الرجال بن أبى بكار فى جماعة من المسلمين. فعزل الخليفة أبا العشائر عن الثغور و استعمل عليهم رستم بن بدر (3)، و افتدى رستم فكان جملة من فودى به المسلمون ألف نفس و مائتى نفس. و حج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد اللّه.

و فيها كان ابتداء إمارة بنى حمدان بالموصل، و ذلك أن المكتفى باللّه ولّى على الموصل و أعمالها أبا الهيجاء عبد اللّه بن حمدان بن حمدون التغلبىّ العدوىّ‏ (4)، فقدمها فى المحرم، و خرج فى اليوم الثانى من مقدمه لقتال الأكراد على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى فى أخبار الدولة الحمدانية.

و دخلت سنة ثلاث و تسعين و مائتين: فى هذه السنة كان الظّفر بإبراهيم الخليجى المغلّب على ديار مصر، و قد ذكرنا ذلك فى سنة اثنتين و تسعين و مائتين.

____________

(1) فى ك «أندريس» و ما هنا من ف صفحة 3- ب كما فى صلة الطبرى صفحة 2

(2) مدينة فى الثغور بين الشام و بلاد الروم، يقول ياقوت إنها حصينة و لها سوران، و بوسطها قلعة، و لها ربض يعرف بالهارونية.

(3) «بن بردو» فى الكامل 6: 111

(4) هو رأس الأسرة الحمدانية و صاحب قلعة ماردين القريبة من الموصل، و يظهر ابن حمدون على مسرح التاريخ لأول مرة عام 254 يوم احتل الموصل مساور بن عبد الحميد فجمع صاحبها التغلبى جيشا كان فيه حمدان.

20

و فيها أغارت الروم على قورس- من أعمال حلب- فقاتلهم أهلها قتالا شديدا، ثم انهزموا و قتل كثير منهم‏ (1). و دخل الروم قورس، و أحرقوا جامعها، و أخذوا من بقى من أهلها. و حج بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الملك الهاشمى.

و دخلت سنة أربع و تسعين و مائتين: فى هذه السنة قتل زكرويه رئيس القرامطة على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى- فى أخبارهم‏ (2) و فيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من الروم أربعة آلاف رأس سبيا، و دوابّ و متاعا، و دخل بطريق من بطارقة الروم فى الأمان فأسلم. و غزا ابن كيغلغ أيضا فبلغ شلندو (3) و افتتح اللّيس‏ (4) فغنم نحوا من خمسين ألف رأس، و قتل‏

____________

(1) ذكر ابن الأثير فى الكامل 6: 115 أن معظم القتلى من الرءوس كانوا من تميم.

(2) لن يقع ذلك فى هذا الجزء الذى بأيدينا فنقول إنه خرج يغزو الحاج فأوقع بهم مرات، فأرسل المكتفى قائده و صيفا فقضى على قوته و أسره بعد أن جرح، و عاش بعد أسره خمسة أيام ثم مات، و تفرق أصحاب زكرويه فى البرية و ماتوا عطشا.

(3) فى الكامل 6: 117 «شكند» و فى عقد الجمان 9، ه «شلندو» و فى النجوم الزاهرة 3: 78 (سلند» و كلها لا وجه لها: إلا أن تكون «سمندو» قال عنها ياقوت إنها بلد فى وسط بلاد الروم غزاه سيف الدولة الحمدانى فقال المتنبى:

رضينا و الدمستق غير راض‏ * * * بما حكم القواضب و الوشيح‏

فان يقدم فقد زرنا سمندو * * * و إن يحجم فموعدنا الخليج‏

(4) مدينة فى بلاد الروم‏

21

مقتلة عظيمة، و انصرف و من معه سالمين. و كاتب أندرونقس البطريق المكتفى باللّه فى طلب الأمان فأعطاه ما طلب- و كان على حرب الثغور من قبل ملك الروم- فخرج و معه نحو من مائتى ألف أسير (1) من المسلمين فى السلاح، فقبضوا على بطريق كان ملك الروم أرسله ليقبض على أندرونقس- ليحاربوه- فسار إليه جمع من المسلمين لإغاثته، فبلغوا قونية (2) و انصرف الروم عنه. و سار جماعة من المسلمين إلى أندرونقس و هو فى حصنه، فخرج إليهم و معه أهله، و سار معهم إلى يطلب و خرّب المسلمون قونية، فأرسل ملك الروم إلى الخليفة يطلب الفداء. و حج بالناس الفضل بن عبد الملك.

و دخلت سنة خمس و تسعين و مائتين: فى هذه السنة كانت وفاة إسماعيل بن أحمد السامانى أمير خرسان و ما وراء النهر و قام بعده ابنه أحمد على ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى- فى أخبارهم‏ (3)

____________

(1) فى الكامل 6: 117 «مائتى» فقط

(2) من أعظم مدن الإسلام بالروم و بها سكنى ملوكها، و فى كتاب الفتوح يقول ياقوت «انتهى معاوية بن حديج فى غزوه أفريقية إلى قونية و هى موضع مدينة القيروان».

(3) يحق لنا هنا أن نعرف أن هذه الأسرة- و هى زردشتية الأصل- اعتنقت المذهب السنى، و أنه لم يظهر بعد إسماعيل بن أحمد أمير فيها قدير، إلا أن متانة الإدارة السامانية مكنها من المحافظة على ملكها مائة عام.

22

ذكر وفاة المكتفى بالله‏

كانت وفاة المكتفى ببغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة خمس و تسعين و مائتين، و طالت مرضته عدّة شهور، و لما مات دفن بدار محمد بن عبد اللّه بن طاهر. و كان عمره ثلاثا و ثلاثين سنة، و اختلف فيه إلى إحدى و ثلاثين سنة و شهور (1)، و كانت مدة خلافته ستّ سين و ستّة أشهر و عشرين يوما. و كان أسمر أعين‏ (2)، قصيرا، حسن اللحية و الوجه. و هو الذى بنى/ جامع القصر بمدينة السلام- و كان موضعه مطامير فغطاها- و بنى تاج دار الخلافة على دجلة. و أنفق الأموال العظيمة فى حرب القرامطة، و كان نقش خاتمه «باللّه يثق علىّ بن أحمد».

أولاده: المستكفى باللّه، و ثمانية ذكور.

وزراؤه: القاسم بن عبيد اللّه، ثم أبو العباس بن الحسن بن أيوب بن سواد جرجرايا (3)، و هو أوّل وزير منع أصحاب الدواوين الوصول إلى الخليفة.

____________

(1) الواقع أن المكتفى مات صغيرا و خلال حكمه القصير بدا للناس أن العباسية استعادت مجد الخلافة و استرجعت عز سلطانها، و حسبها أنها تستطيع به أن تقضى على ثورات القرامطة فى الشام و على سلطان الطولونيين فى مصر!

(2) أعين: عظيم سواد العينين فى سعة (المحيط)

(3) جرجرايا: بلد من أعمال النهروان بين واسط و بغداد من الجانب الشرقى (معجم البلدان 2: 132)

23

قضاته: أبو حازم، ثم يوسف بن يعقوب، ثم أبو عمر بن على بن أبى الشوارب حاجبه: خفيف السمرقندى.

الأمراء بمصر: هارون بن خمارويه، ثم سنان بن أحمد بن طولون بمبايعة الجند له، ثم محمد بن سليمان الكاتب دبّرها إلى أن قدم- بأمر المكتفى- عليها عيسى بن محمد النوشرى.

القضاة بها: أبو زرعة و أبو عبيدة مستتر إلى أن قدم محمد بن سليمان، فظهر أبو عبيدة بعد استتاره عشر سنين، و عاد إلى القضاء و اللّه أعلم!

ذكر خلافة المقتدر بالله‏

هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد باللّه أبى العباس أحمد- و قد تقدّم ذكر نسبه- و أمّه أمّ ولد اسمها شغب! و هو الثامن عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة خمس و تسعين و مائتين و عمره يومذاك ثلاث عشرة سنة.

قال ابن الأثير (1): كان سبب ولاية المقتدر أنّ المكتفى لما ثقل مرضه فكّر الوزير أبو العباس بن الحسن فيمن يصلح للخلافة، فاستشار محمد بن داود الجراح فى ذلك فأشار بعبد

____________

(1) فى الكامل 6: 119

24

اللّه بن المعتز و وصفه بالعقل و الرأى و الأدب، و استشار بعده أبا الحسن بن الفرات‏ (1) فامتنع، و قال: هذا شي‏ء ما جرت عادنى أشير به، و إنما أشاور فى العمال لا فى الخلفاء! فغضب الوزير و قال: هذه مقاطعة و ليس يخفى عليك الصحيح! و ألحّ عليه فقال: إن كان رأى الوزير قد استقرّ على أحد فليفعل.

فعلم أنه عنى ابن المعتز لاشتهار خبره، فقال الوزير: لا أقنع إلا أن تمحضنى‏ (2) النصيحة! و ألحّ عليه فقال ابن الفرات: فليتّق اللّه الوزير و لا ينصب إلا من قد عرفه و اطّلع على جميع أحواله، و لا ينصب بخيلا فيضيّق على الناس و يقطع أرزاقهم، و لا طامعا فيشره فى أموالهم فيصادرهم و يأخذ أملاكهم و أموالهم، و لا قليل الدّين فلا يخاف العقوبة و الآثام و يرجو الثّواب فيما يفعله، و لا من قد عرف دار هذا و نعمة هذا و بستان هذا و ضيعة هذا و فرس هذا، و من قد لقى الناس و لقوه و عاملهم و عاملوه و تحنّك و حسب حساب الناس و عرف وجوه دخلهم و خرجهم! فقال الوزير: صدقت و نصحت، فيمن تشير؟ قال:

أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد باللّه. قال: ويحك هو صبى! قال: إلا أنه ابن المعتضد، و لم نأتى برجل يباشر الأمور

____________

(1) ابن الفرات و الجراح من أسرتين حملتا لواء الكتابة فى هذا العصر، و يبدو أن المنافسة بينهما و ظهور كتاب كبار فى آل الفرات و آل الجراح انتهيا إلى تكوين حزبين متعارضين، و لعل هذا يفسر موقف داود الجراح.

(2) محضه النصيحة: أخلصها و صدقها (المحيط).

25

بنفسه غير محتاج إلينا؟ فمالت نفس الوزير إلى ذلك، و انضاف إليه وصيّة المكتفى له بالأمر. فلما مات المكتفى باللّه أرسل الوزير صافيا الحرمىّ‏ (1) ليحدر المقتدر من داره الغربى.

فركب فى الحراقة (2) و انحدر. فلما صارت الحرّاقة مقابل دار الوزير صاح غلمان الوزير بالملّاح ليدخل إلى دار الوزير، فظنّ صافى الحرمىّ أنه يريد القبض على جعفر و ينصب فى الخلافة غيره، فمنع الملّاح من ذلك. و سار إلى دار الخلافة و أخذ له صافى البيعة على جميع الخدم و حاشية الدّار، و لقب نفسه المقتدر باللّه و لحق الوزير به و جماعة الكتاب فبايعوه ثم جهزوا- جماعة الكتاب- المكتفى و دفنوه.

قال‏ (3): و كان فى بيت المال حين بويع خمسة عشر ألف ألف دينار، فأطلق يد الوزير فى بيت المال فأخرج حقّ البيعة! قال: ثم استصغر الوزير المقتدر، فعزم على خلعه و تقليد الخلافة أبا عبد اللّه بن المعتمد على اللّه. فراسله فى ذلك و استقرّت الحال، و انتظر الوزير قدوم بارس‏ (4) حاجب إسماعيل صاحب‏

____________

(1) يعرف بصافى الرومى و كان غلام أحمد بن طولون، و عمل للخليفة فلما مات سنة 298 قلد المقتدر مكانه مؤنسا الخادم على ما سنرى بعد (راجع النجوم الزاهرة 3: 174) و فى ك «صائفا» و هو تحريف صوبه بنفسه فى السطور التالية، و فى ف صفحة 4- ب «الخرمى» بالخاء و الراء المشددة و هو تحريف أيضا.

(2) ضرب من مركبات الماء.

(3) ابن الأثير فى الكامل 6: 119

(4) يقال له بارس الكبير، و كان عامل إسماعيل بن أحمد السامانى على جرجان.

26

خراسان، و كان قد أذن له فى القدوم و أراد أن يستعين به على ذلك و يتقوّى به على غلمان المعتضد باللّه، فتأخّر بارس.

و اتّفق أنه وقع بين أبى عبد اللّه بن المعتمد و بين ابن عمرويه- صاحب الشرطة- منازعة فى ضيعة مشتركة بينهما، فأغلظ له ابن عمرويه، فغضب ابن المعتمد غضبا شديدا و أغمى عليه، و فلج فى المجلس فحمل إلى بيته فى محفّة فمات فى اليوم الثانى.

فأراد الوزير البيعة لأبى الحسن بن المتوكل فمات أيضا بعد خمسة أيام، و تمّ أمر المقتدر. و حجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد اللّه الهاشمى و دخلت سنة ستّ و تسعين و مائتين:

ذكر خلع المقتدر و ولاية ابن المعتز

و انتقاض ذلك و عودة المقتدر و وفاة عبد اللّه بن المعتزّ قال‏ (1): و فى هذه السنة اجتمع القوّاد و القضاة و الكتاب مع الوزير (2) على خلع المقتدر و البيعة لابن المعتز باللّه. و أرسلوا إلى عبد اللّه بن المعتز فأجابهم إلى ذلك على أن لا يكون فيه سفك دم و لا حرب، فأخبروه أنّ كلمتهم اجتمعت عليه، و أنه ليس له منازع و لا محارب. و كان القائم فى ذلك الوزير المذكور و محمد

____________

(1) ابن الأثير فى الكامل 6: 121

(2) هو العباس بن الحسن، و كان موقفه ينم عن تردد بالغ، فهو ليلة وفاة المكتفى يؤيد على بن عيسى فى ترشيح ابن المعتز للخلافة، فهو يستحسن رأى داود الجراح، و لكنه يميل إلى ابن الفرات و يبايع للمقتدر، و تكون النهاية قتله من آل الجراح.

27

ابن داود الجراح و أبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضى، و من القوّاد الحسين بن حمدان و بدر الأعجمى و وصيف بن صوار تكين ثم إن الوزير رأى أمره صالحا مع المقتدر، و أنه على ما يحب، فبدا له فى ذلك فوثب به الآخرون فقتلوه، و كان الذى تولّى قتله منهم الحسين بن حمدان و بدر الأعجمى و وصيف .. لحقوه و هو سائر إلى بستان له فقتلوه، و قتلوا معه فاتكا المعتضدى، و ذلك فى العشرين من شهر ربيع الأول، و خلع المقتدر من الغد، و بايع الناس لابن المعتز.

و ركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة (1) ظنا منه أن المقتدر يلعب هناك بالكرة فيقتله، فلم يصادفه لأنه لما بلغه قتل الوزير ركض دابته‏ (2) و دخل الدار. و غلّقت الأبواب، فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر! و أحضروا ابن المعتز و بايعوه بالخلافة، و تولى أخذ البيعة له محمد بن سعيد الأزرق، و حضر الناس و القواد و أصحاب الدواوين سوى أبى الحسن بن الفرات و خواصّ المقتدر فإنهم لم يحضروا.

و لقّب ابن المعتزّ المرتضى باللّه‏ (3) أبا العباس عبد اللّه بن المعتز.

و وجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر- التى كان‏

____________

(1) اعتاد المقتدر أن يلعب فيها بالصوالجة، مفردها صولجانة و صولج أى العود المعوج يضرب به الكرة.

(2) ركض دابته: ركلها برجليه يستحثها لتسرع به (المحيط)

(3) كذا فى الطبرى و ابن الأثير، و قيل «لقبوه بالمنصف باللّه، و قيل بالغالب باللّه و قيل بالراضى باللّه» (النجوم الزاهرة 3: 165)

28

بها قبل الخلافة- لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع و الطاعة، و سأل الإمهال الى الليل: و عاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافة فقاتله الخدم و العلمان و الرّجّالة (1)/ من وراء السور عامة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار. فلما جنّه الليل‏ (2) سار عن بغداد بأهله و ماله الى الموصل لا يدرى لم فعل ذلك؟ و لم يكن قد بقى مع المقتدر من القوّاد غير مؤنس الخادم و مؤنس و غريب الخال‏ (3) و حاشية الدار. فلما همّ المقتدر بالانتقال عن الدار قال بعضهم لبعض: لا نسلم الخلافة من غير أن نبلى عدوا (4) و نجتهد فى دفع ما أصابنا! فاجتمع رأيهم على أن يصعدوا فى الماء إلى الدار التى فيها ابن المعتز يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح و الزرديات‏ (5) و ركبوا السميريات‏ (6). فلما رآهم من عند ابن المعتزّ هالهم كثرتهم، و اضطربوا، و هربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، و قال بعضهم لبعض: إنّ الحسين بن حمدان ما يريد يجرى، فلهذا هرب من الليل، و هذه مواطأة بينه و بين المقتدر. و لما رأى عبد اللّه بن المعتزّ ذلك ركب و معه وزيره محمد بن داود و هربا،

____________

(1) من هنا تبدأ نسخة «ا» التى اتخذتها أصلا للنشر، و بذا ينتهى النقل عن «ك» إلا فى حالات المقابلة

(2) جنه: ستره (المحيط)

(3) هو خال المقتدر و قد توفى سنة 305.

(4) نبلى عدوا: نسلمه للغم، لأن البلوى و البلية و البلاء: الغم كأنه يبلى الجسم، و التكليف بلاء لأنه شاق على البدن (المحيط)

(5) الزرديات: هى الزرد دارجة تعنى الدروع.

(6) السيريات: ضرب من القوارب الخفيفة السريعة.

29

و غلام له ينادى: يا معشر العامة ادعوا لخليفتكم السّنىّ اليربهارى! و إنما نسبه لذلك لأنّ الحسين بن القاسم بن عبيد اللّه البربهارى كان مقدّم الحنابلة و السّنّة من العامة و لهم فيه اعتقاد عظيم، فأراد استمالتهم بهذا القول.

ثم إنّ ابن المعتزّ و من معه ساروا نحو الصحراء ظنّا منهم أنّ من بايعه من الجند يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد. فرجعوا،/ و اختفى محمد بن داود فى داره، و نزل ابن المعتزّ عن دابته و معه غلامه يمن، و انحدرا إلى دار عبد اللّه بن الجصّاص، فاستجارا به. و استتر أكثر من بايع ابن المعتز، و وقعت الفتنة و النّهب و القتل ببغداد، و ثار العيارون و السّفلة (1) ينهبون الدّور.

و كان ابن عمرويه- صاحب الشرطة- ممن بايع ابن المعتزّ، فلما هرب جمع ابن عمرويه أصحابه و نادى بشعار المقتدر يدلّس بذلك فناداه العامّة: يا مراء يا كذاب! و قاتلوه، فهرب و استتر و تفرّق أصحابه.

و قلّد المقتدر فى تلك الساعة الشرطة مؤنسا الخازن، و خرج بالعسكر و قبض على .. و صيف بن صوار تكين و غيره، فقتلهم.

____________

(1) فى ا، ك، ف «السفل» و لا وجه لها لأننا نقول سفلة (بكسر فتسكين) و سفلة (بفتح و كسر) بمعنى أسافل الناس و غوغائهم، استعير من سفلة الدابة أى قوائمها. و أما العيارون فالأصل فيها الذين يروحون و يجيئون و تعنى الأذكياء أيضا، ثم أصبحت تدل على فئة الأشرار المخادعين، و يبدو أن الأمر قد انتهى بهم إلى أن يكون لهم تنظيم يلعب دوره الخطير فيما بعد (راجع دراسات فى العصور العباسية المتأخرة للدكتور عبد العزيز الدورى صفحة 282 و ما بعدها، طبعة السريان سنة 1945.

30

و قبض على القاضى أبى المثنّى أحمد بن يعقوب فقتله لأنه قيل له «بايع المقتدر» فقال: لا أبايع صبيا! فذبح، و أرسل المقتدر إلى أبى الحسن على بن الفرات- و كان مختفيا- فأحضره، و استوزره، و خلع عليه.

و كان فى هذه الحادثة عجائب منها أنّ الناس كلّهم أجمعوا على خلع المقتدر و البيعة لابن المعتزّ، فلم يتم ذلك، بل كان بالعكس. و منها أنّ ابن حمدان على شدّة تشيّعه يسعى فى البيعة لابن المعتزّ على غلوّه فى النّصب‏ (1).

ثم إن خادما لابن الجصاص- يعرف بسوسن‏ (2)- أخبر صافيا الحرمى أن ابن المعتز عند مولاه و معه جماعة، فكبست داره و أخذ ابن المعتزّ منها/ و حبس إلى الليل، ثم عصرت خصيتاه حتى مات و سلّم إلى أهله‏ (3). و صودر ابن الجصّاص على مال كثير، و أخذ محمد بن داود وزير المعتزّ فقتل، و نفى علىّ بن عيسى إلى واسط، و صودر القاضى أبو عمرو على مائة ألف دينار، و سيّرت العساكر من بغداد فى طلب الحسين بن حمدان، فتبعوه إلى الموصل ثم إلى بلده، فلم يظفروا به، فعادوا إلى بغداد. و أخذ الوزير الجرائد التى كان فيها أسماء من أعان‏

____________

(1) أهل النصب: الذين ينصبون لعلى بن أبى طالب وجهه كارهين له لأن من ينصب لآخر يعاديه و يبغضه، فأهل النصب على ذلك هم المتدينون ببغضة على، لأنهم نصبوا له أى عادوه (المحيط و أساس البلاغة للزمخشري)

(2) كذا فى ا و فى ك صفحة 4 و فى ف صفحة 6- 1، و لكن ابن الأثير يسميه «سوس» الكامل 6: 122

(3) كانت خلافته يوما و ليلة، و قيل نصف نهار فقط! و المعروف أنه كان أديبا عالما كبيرا، قال الشعر، و صنف فى طبقات رجاله المحدثين و وضع فى البديع كتابا.

31

على المقتدر فغرّقها فى دجلة، و بسط ابن الفرات العدل و الإحسان و أخرج الإدارات للطالبيين و العباسيين. و أرضى القواد بالأموال، ففرّق معظم ما كان فى بيوت الأموال و فى هذه السنة كان ابتداء ظهور الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية بأفريقية على ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى- فى أخبارهم‏ (1).

و فيها سيّر المقتدر القاسم بن سيما و جماعة من القوّاد فى طلب الحسين بن حمدان، فساروا حتى بلغوا قرقيسيا فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبى الهيجاء عبد اللّه بن حمدان- و هو الأمير على الموصل- يأمره بطلب أخيه الحسين. فسار هو و القاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت فانهزم الحسين، و أرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب له الأمان فأجيب إلى ذلك، و دخل بغداد و خلع عليه و عقد له على قم و قاجان‏ (2) فسار إليهما.

/ و فيها وصل بارس غلام إسماعيل السامانى، و قلّد ديار ربيعة.

و فيها خلع على المظفر مؤنس الخادم، و أمر بالمسير إلى غزو

____________

(1) يفوتنا ذلك فى هذا الجزء و من ثم نقول إنها تنسب لعبيد اللّه المهدى أبى الخلفاء الفاطميين، بدأت فى سجلماسة حيث كان حبيسا، ثم راح يوطد لها بالقضاء على قوة الكتاميين و الصنهاجيين و الأدارسة و غيرهم، و لما تم له كل شي‏ء و بنى المهدية حاضرته اتجه إلى المشرق و نجح.

(2) تكتب قاشان أيضا، و هى مدينة قرب أصبهان تذكر مع قم، و أهلها كلهم شيعة إمامية، و بين قاشان و قم اثنا عشر فرسخا و بين قاشان و أصبهان ثلاث مراحل (ياقوت فى معجم البلدان)

32

الروم. فسار فى جمع كثيف فغزا من ناحية ملطية (1) و معه أبو الأغرّ السّلمى، فظفر و غنم، و أسر منهم جماعة، و عاد.

و فيها قلّد يوسف بن أبى الساج‏ (2) أعمال أرمينية و أذربيجان، و ضمنها بمائة ألف و عشرين ألف دينار.

و فيها أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود و النّصارى، فألزموا بيوتهم، و أخذوا بلبس العسلىّ‏ (3) و [تعليق‏] (4) الرّقاع من خلف و من قدام، و أن يكون ركبهم خشنا. و حجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك.

و دخلت سنة سبع و تسعين و مائتين: فى هذه السنة وجه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة (5)، و حجّ بالناس، الفضل بن عبد الملك.

و فيها مات عيسى النّوشرى- أمير مصر- و استعمل المقتدر

____________

(1) بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة كما يقول ياقوت تتاخم الشام استولى عليها المسلمون و بنوا بها مسجدا و كانوا يخرجون منها فى غزو الصائفة، و قد ذكرها الشعراء كثيرا و لا سيما المتنبى و أبو فراس الحمدانى.

(2) الواقع أن بداية هذا الرجل كانت بداية قاطع طريق، و إن يكن أخوه الأفشين أمير أذربيجان، و كان يهاجم الحجاج فأوقعوا به، و سير إليه المكتفى الحملات لإخضاعه، و لما استماله المقتدر أشركه فى حروب القرامطة.

(3) عسلى اليهود: علامتهم‏

(4) ليست فى سياق الأصل و لا فى غيره و لكن المقام يقتضيها و ذكرها ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة 3: 165

(5) الصائفة: غزو الروم فى الصيف لأن جليد الشتاء يحول دون الغزو المحيط

33

تكين‏ (1) الخادم، و خلع عليه فى منتصف رمضان. و قال أبو الفرج بن الجوزى‏ (2) فى حوادث هذه السنة «قال ثابت بن سنان رأيت فى صدر أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين و لا عضدين، و كان لها كفّان بأصابع تامة متعلقة فى رأس كتفيها لا تعمل بهما/ شيئا و كانت تعمل أعمال اليدين برجليها، و رأيناها تغزل برجليها و تمدّ الطاقة و تسوّيها- قال- و رأيت امرأة أخرى بعضدين و ذراعين و كفّين إلا أنّ كلّ واحد من الكفين ينخرط و يدقّ إذا فارق النّهدين حتى ينتهى إلى رأس دقيق يمتدّ و يصير إصبعا واحدة، و كذلك رجلها على هذه الصورة، و معها ابن لها على مثل صورتها!» و دخلت سنة ثمان و تسعين و مائتين: فى هذه السنة جعلت أم موسى الهاشمية قهرمانة دار (3) المقتدر باللّه، فكانت تؤدي الرسائل عن المقتدر باللّه و أمّه إلى الوزراء. ثم صار لها [أن‏] (4) تحكم كثيرا فى الدولة على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى. و حج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

و دخلت سنة تسع و تسعين و مائتين:

____________

(1) هو ابن عبد اللّه الحربى الأمير منصور المعتضد الخزرى، و قد أضيفت إليه دمشق‏

(2) فى المنتظم 6: 89

(3) فهرمانة: مسيطرة و حفيظة، قال سيبويه القهرمان فارسى، و قال ابن برى القهرمان من أمناء الملك و خاصته فارسى معرب (اللسان مادة قهرم)

(4) زيادة ليست فى الأصل و لا فى غيره و لكن السياق يقتضيها.

34

ذكر القبض على ابن الفرات و وزارة الخاقانى‏

فى هذه السنة قبض المقتدر باللّه على وزيره ابن الفرات، و وكل بداره، و هتك حرمه، وهب أمواله و دور أصحابه و من يتعلّق به فافتتنت بغداد لقبضه، و كانت مدة وزارته- و هى الأولى- ثلاث سنين و ثمانية أشهر/، و ثلاثة عشر يوما. و قلد أبو على محمد بن يحيى بن عبيد اللّه بن خاقان الوزارة، فرتّب أصحاب الدواوين، و تولى مناظرة ابن الفرات‏ (1). ثم انجلت أمور الخاقانى لأنه كان ضجورا (2) ضيّق الصدر، مهملا لقراءة كتب العمال، و جباية الأموال، و كان يتقرّب إلى الخاصة و العامة؛ فكان إذا رأى جماعة من الملاحين و العامة يصلون- جماعة- ينزل و يصلّى معهم، و إذا سأله أحد حاجة دقّ صدره و قال: نعم و كرامة! فسمّى «دقّ صدره» إلا أنه قصّر فى إطلاق الأموال للقوّاد و الفرسان فنفروا عنه. و كان أولاده قد تحكّموا عليه و كلّ منهم يسعى لمن يرتشى منه؛ فكان يولّى فى الأيام القليلة عدّة من العمال حتى إنه ولّى ماه الكوفة (3) فى مدة عشرة أيام‏ (4) سبعة من العمال،

____________

(1) فى الكامل 6: 139 أن الذى تولى مناظرته أحمد بن يحيى بن أبى البغل.

(2) نقول ناقة ضجور فنعنى التى ترعو عند الحلب، و فى س، ف «صحور» نقول أتان صحور فنعنى أن نفوحا برجلها و قد نعنى أن فيها بياضا و حمرة (المحيط).

(3) الماه: لفظ فارسى معناه الزمام و الحوز.

(4) كذا فى الأصل و فى ك صفحة 6 و فى ف صفحة 8- 1، إلا أن ابن الأثير يقول فى الكامل 6: 139 «عشرين يوما و هو أكثر قبولا.

35

فاجتمعوا فى الطريق فعرضوا توقيعاتهم، فسار الأخير و عاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل فى ذلك:

وزير قد تكامل فى الرقاعه‏ * * * يولّى ثم يعزل بعد ساعه‏ (1)

إذا أهل الرّشا اجتمعوا لديه‏ * * * فخير القوم أوفرهم بضاعه‏ (2)

و ليس يلام فى هذا بحال‏ * * * لأنّ الشيخ أفلت من مجاعه‏ (3)

قال‏ (4): ثم زاد الأمر حتى تحكّم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال و يفسدون الأحوال؛ فانحلّت القواعد، و خبثت النيات/ و اشتغل الخليفة بعزل وزرائه و القبض عليهم و الرجوع إلى قول النساء و الخدم و التصرف على مقتضى إرادتهم، فخرجت الممالك و طمع العمّال فى الأطراف، فصار مآل الأمر إلى ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

قال‏ (5): ثم أحضر المقتدر الوزير ابن الفرات من محبسه، و جعله فى حجرة- من ضمن الحجر- مكرّما، فكان يعرض عليه مطالعات العمال و غير ذلك بارّا به بعد أن أخذ أمواله.

و فى هذه السنة غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية

____________

(1) فى صلة الطبرى 8: 29 «وزير ما يضيق من الرقاعه»

(2) فى الطبرى «إذا أهل الرشا صاروا إليه .. فأحظى القوم أوفرهم بضاعة»

(3) فى الطبرى «و ليس بمنكر ذا الفعل منه»

(4) ابن الأثير فى الكامل 6: 139

(5) ابن الأثير فى الكامل 6: 140.

36

طرسوس‏ (1) و معه دميانة (2)، فحصر حصن مليح الأرمنى، ثم دخل بلده و أحرقه.

قال ابن الجوزى‏ (3): و فى هذه السنة ورد من مصر أربعة أحمال مال، و قيل إنه وجد هناك كنز قديم. و كان معه ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا فى عرض شبر، و زعموا أنه من قوم عاد ..

و كان مبلغ المال خمسمائة ألف دينار، و كان مع ذلك هدايا عجيبة- قال- و ذكر الصولى أنه كان فى الهدايا تيس له ضرع يحلب اللبن و وردت رسل أحمد بن إسماعيل بهدايا فيها بدنة (4) مرصّعة بفاخر الجوهر، و تاج من ذهب مرصّع بجوهر له قيمة كبيرة، و مناطق ذهب مرصعة، و خلع سلطانية فاخرة، و ربعة ذهب مرصعة فيها شمّامات مسك و عنبر كلّه مرصع، و عشر/ أفراس بسروجها و لاحداها سرج ذهب. و وردت هدايا ابن أبى السّاج و هى أربعمائة دابّة و ثمانون ألف دينار و فرش أرمنى لم ير مثله، فيه بساط طوله سبعون ذراعا فى عرض ستين، لا قيمة له! و حجّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ.

و دخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة النبوية

____________

(1) طرسوس: مدينة بثغور الشام بين أنطاكية و حلب و بلاد الروم (معجم البلدان)

(2) هو أحد القواد المشهورين يلقب بالبحرى لأن المكتفى حين طلب إليه التوجه إلى مصر أمره بركوب البحر، و كان قبل غلام يا زمان الخادم.

(3) المنتظم 6: 109

(4) البدنة من الإبل أو البقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة (المحيط)

37

ذكر عزل الخاقانى عن الوزارة

وزارة علىّ بن عيسى فى هذه السنة ظهر للمقتدر باللّه تخليط الخاقانىّ و عجزه عن الوزارة، فأراد عزله و إعادة أبى الحسن بن الفرات، فمنعه مؤنس الخادم و قال له: متى أعدته ظنّ النّاس أنّك إنما قبضت عليه شرها فى ماله! و أشار عليه باستدعاء علىّ بن عيسى من مكة و تقليده الوزارة و شكره مؤنس الخادم و أثنى عليه.

فأمر المقتدر باحضاره، فوصل إلى بعداد فى أوّل سنة إحدى و ثلاثمائة، فجلس فى الوزارة و سلّم إليه الخاقانىّ فأحسن إليه و وسّع عليه. و لما تولّى علىّ بن عيسى لازم العمل و النظر فى الأمور و ردّ المظالم، و أطلق من المكوس شيئا كثيرا، و أسقط زيادات كان الخاقانى قد زادها/ للجند؛ لأنه عمل معدّل الدّخل و الخرج فرأى الخرج أكثر من الدّخل، فأسقط الزيادات. و أمر بعمارة المساجد و الجوامع و تبييضها و بسطها بالحصر و إشعال الأضواء فيها. و أمر بإصلاح البيمارستانات و عمل ما تحتاج إليه، و غير ذلك من وجوه البر و القربات‏ (1).

قال‏ (2): و لما عزل الخاقانى أكثر الناس التزوير على خطّ الخاقانىّ بصلات و إدرارات، فنظر علىّ بن عيسى فى ذلك فأنكر

____________

(1) لخص مسكويه فى تجارب الأمم 1: 28، 29 سياسة هذا الوزير العامة بحيث ظهر لنا بوضوح أنه نجح فى إصلاح الوضع المالى و فى إقامة لون من العدل المنشود، و قرر بصراحة أنه ساس الدنيا أحسن سياسة فاستقام أمر السلطان و صلح أمر الرعية.

(2) ابن الأثير فى الكامل 6: 141

38

الخطوط و أراد إسقاطها، فخاف ذمّ الناس، فأنفذها للخاقانىّ فقال: كلّها خطّى و أنا أمرت بها فلما عاد الرسول إلى علىّ بن عيسى قال: و اللّه لقد كذب، و قد علم المزوّر من غيره و لكنه اعترف بها لتحمده الناس و يذمونى! و أمر بإحراقها (1)، و قال الخاقانىّ لولده: يا بنى، هذه ليست خطى و لكنه أنفذها إلىّ و قد عرف الصحيح من السقيم و أراد أن نأخذ الشّوك بأيدينا و يبغضنا إلى النّاس، و قد علمت مقصوده، و عكسته عليه! قال ابن الجوزىّ‏ (2): و فيها لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بانخساف جبل بالدّينور يعرف بالتل و خرج من تحته ماء كثير أغرق عدّة من القرى، و وصل الخبر بانخساف قطعة عظيمة من جبل لبنان و سقوطها فى البحر (3).

و فى هذه السنة خرج أهل صقيلة عن طاعة المهدىّ صاحب/ أفريقية، و خطب للمقتدر باللّه بها. و كان الذى قام بهذه الدعوة أحمد بن قرهب، فسيّر إليه الخلع السّود و الألوية، ثم خرج أهل الجزيرة عليه و قبضوه و بعثوه للمهدى فقتله. و حجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك.

و دخلت سنة إحدى و ثلاثمائة: و فى هذه السنة خلع المقتدر باللّه على ابنه أبى العباس و قلّده أعمال مصر و المغرب و عمره أربع‏

____________

(1) فى الكامل 6: 141 «و أمر بها فأجيزت»

(2) المنتظم 6: 115 و قد أورد عريب الخبر نفسه فى صلة الطبرى صفحة 28.

(3) أورد الخبر ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة 3: 180.

39

سنوات، و استخلف [له‏] (1) على مصر مؤنس الخادم. و هذا أبو العباس الذى و لى الخلافة بعد القاهر و لقّب الراضى باللّه على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى. و خلع أيضا على ابنه على و ولاه الرىّ‏ (2) و دنباوند (3) و قزوين و زنجان‏ (4) و أبهر (5).

و فيها خالف أبو الهيجاء بن حمدان بالموصل على المقتدر باللّه، فسير إليه المظفّر مؤنسا، فأتاه ابن حمدان مستأمنا، و ورد [مؤنس‏] (6) معه إلى بغداد فخلع المقتدر عليهما.

و فيها استولى الحسن بن علىّ بن عمر بن الحسين بن علىّ على برسنان، و تلقّب بالناصر على ما نذكره- إن شاء اللّه تعالى- فى أخبار الطالبيين.

و فيها جهّز المهدىّ- صاحب أفريقية- العساكر مع ابنه القائد إلى الديار المصرية، فسار إلى برقة و استولى عليها، و سار إلى مصر فملك الإسكندرية و الفيوم، و صار فى يده أكثر البلاد فسيّر المقتدر لحربه مؤنسا الخادم فى جيش كثيف،/ فحارب عساكر

____________

(1) زيادة من الكامل 6: 144 يقتضيها السياق.

(2) من أمهات البلاد كما يقول ياقوت و كانت قصبة بلاد الجبال أى ما بين أصبهان إلى زنجان و قزوين و همذان و الدينور و قرميسين و كان العجم يطلقون على هذه المناطق خطأ اسم العراق‏

(3) جبل من نواحى الرى و هو من فتوح سعيد بن العاصى أيام عثمان لما ولى الكوفة، ذلك بين 29، 30 للهجرة.

(4) بلد كبير مشهور من نواحى الجبال بين أذربيجان و بينها و هى قريبة من قزوين و أبهر.

(5) أبهر مدينة مشهورة بين قزوين و زنجان و همذان من نواحى الجبل (معجم ياقوت)

(6) زيادة ضرورية السياق‏

40

المهدىّ و أجلاهم عن الديار المصرية، فعادوا إلى المغرب منهزمين.

و حجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك أيضا و دخلت سنة اثنتين و ثلاثمائة: فى هذه السنة أمر المقتدر بالقبض على أبى عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه الجوهرىّ المعروف بابن الجصاص و أخذ ما فى بيته من صنوف الأموال؛ فأخذ منه ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار، و كان هو يدّعى أن ما أخذ منه عشرون ألف ألف دينار، و أكثر من ذلك‏ (1).

و فيها أنفذ الملقّب بالمهدى- صاحب أفريقية- جيشا إلى الديار المصرية مع قائد من قواده يقال له حباسة (2) فى البحر، فغلب على الاسكندرية ثم سار منها إلى مصر. فأرسل المقتدر لحربه مؤنسا الخادم فى عسكر فالتقوا فى جمادى الأولى و اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الفريقين و جرح خلق كثير. ثم كانت بينهم وقعة ثانية، ثم وقعة ثالثة و رابعة انهزم فيها المغاربة و قتل منهم و أسر سبعة آلاف و ذلك فى سلّخ جمادى الآخرة. و عاد من بقى إلى المهدى فقتل حباسة.

____________

(1) قال أبو المظفر فى مرآة الزمان: و أكثر أموال ابن الجصاص المذكور من قطر الندى بنت خمارويه صاحب مصر، فإنه لما حملها من مصر إلى زوجها المعتضد، كان معها أموال و جواهر عظيمة، فقال لها ابن الجصاص: الزمان لا يدوم و لا يؤمن على حال، دعى عندى بعض هذه الجواهر تكن ذخيرة لك! فأودعته، ثم ماتت فأخذ الجميع.

(2) فى الأصل «حباشة» و كذلك فى س، ف و أما الطبرى و ابن الأثير و ياقوت فقالوا «حباسة». و قال صاحب القاموس فى مادة «حبس» و كغراب و بهاء قائد من قواد العبيديين. و قال الهورينى شارحه: و قد ضبطه الحافظ بن حجر بفتح الحاء المهملة و الشين المعجمة!

41

و فيها غزا بشر الخادم و الى طرسوس بلاد الروم، ففتح فيها و غزا و سبى و أسر مائة و خمسين بطريقا، و كان السّبى نحوا من ألفى رأس.

و فيها قلّد أبو الهيجاء [عبد اللّه‏] بن حمدان الموصل [و الجزيرة] (1)/ قال ابن الجوزى‏ (2): و فيها فى جمادى الأولى ختن المقتدر خمسة أولاد له، و نثر عليهم خمسة آلاف دينار و مائة ألف درهم ورقا- قال- و يقال إنه بلغت النفقة فى هذا الختان ستمائة ألف دينار، و ختن قبل ذلك جماعة من الأيتام و فرّقت فيهم دراهم كثيرة. و حجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمى.

و دخلت سنة ثلاث و ثلاثمائة:

ذكر خروج الحسين بن حمدان‏

عن طاعة المقتدر فى هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن الطاعة، و سبب ذلك أن الوزير علىّ بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة- و هو يتولّاها- فدافعه فأمر بتسليم البلاد إلى العمال، فامتنع، فجهّز الوزير رائقا الكبير فى جيش لمحاربته، و كتب إلى مؤنس الخادم- و هو بمصر- يأمره بالمسير إلى الجزيرة لقتال ابن حمدان بعد فراغه من أصحاب المهدىّ. فسار رائق إلى الحسين بن حمدان‏

____________

(1) ما بين حاصرتين زيادة عن النجوم الزاهرة 3: 185

(2) المنتظم 6: 127

42

فالتقيا و اقتتلا قتالا شديدا، فانهزم رائق، و غنم الحسين سواده، و سار رائق إلى مؤنس فأمره بالمقام بالموصل، و جدّ مؤنس فى السّير فى طلب الحسين. فلما قارب منه راسله الحسين و اعتذر و تكرّرت الرسائل بينهما، فلم يستقر حال. فرحل مؤنس نحو الحسين، فسار إلى أرمينية بثقله و أولاده، و تفرق عسكر الحسين عنه، و صاروا إلى مؤنس.

ثم جهز مؤنس جيشا فى أثره مقدّمهم يلبق‏ (1) فتبعوه إلى تلّ فافان، فإذا هى خاوية على عروشها قد قتل أهلها، و أحرقها فجدّوا فى اتّباعه، فأدركوه فقاتلوه، فانهزم من بقى معه من أصحابه، و أسر هو و ابنه عبد الوهاب و جميع أهله و أكثر من صحبه و قبض أملاكهم. و عاد مؤنس إلى بغداد على طريق الموصل و الحسين معه، فأركب على جمل هو و ابنه و عليهما اللّبود (2) الطّوال و قمصان من شعر أحمر. و حبس الحسين و ابنه عند زيدان القهرمانة، و قبض المقتدر على أبى الهيجاء بن حمدان و على جميع إخوته و حبسوا.

و كان بعض أولاد الحسين بن حمدان قد هرب فجمع جمعا و مضى نحو آمد (3)، فأوقع بهم مستحفظها و قتل ابن الحسين و أنفذ رأسه إلى بغداد.

____________

(1) كذا فى التنبيه و الإشراف للمسعودى، و فى صلة الطبرى و فى تجارب الأمم لابن مسكويه، و فى «ا» و فى ك صفحة 8 و فى ف صفحة 10- ا، و الكامل «بليق» و يقال له يلبق المؤنسى لأنه كان غلام مؤنس.!

(2) أردية من شعر الصوف للمطر، و اللبادة (كرمانة) ما يلبس من اللبود ..

(المحيط)

(3) أعظم مدن ديار بكر و أشهرها ذكرا، تحيط دجلة بأكثرها، و فى وسطها عيون و آبار قريبة الغور، قال ياقوت إنها حصينة مبنية بالحجارة السود على نشز.

43

و فيها خرج مليح الأرمنى إلى مرعش، فعاث فى بلدها، و أسر جماعة ممّن حولها. و حجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك.

و دخلت سنة أربع و ثلاثمائة:

ذكر وزارة ابن الفرات الثانية

و عزل على بن عيسى/ فى هذه السنة فى ذى الحجة عزل على بن عيسى عن الوزارة و أعيد إليها أبو الحسن على بن الفرات. و كان سبب ذلك أن أبا الحسن بن الفرات كان محبوسا، و كان المقتدر باللّه يشاوره فى الأمور و هو فى محبسه، و يرجع إلى قوله. و كان على بن عيسى يمشّى أمر الوزارة و لم يتّبع أصحاب ابن الفرات و لا أسبابه و لا غيره و كان جميل المحضر قليل الشر، فبلغه أن ابن الفرات قد تحدّث له جماعة من أصحاب الخليفة فى إعادته إلى الوزارة، فاستعفى من الوزارة، و سأل فى ذلك فأنكر المقتدر عليه و منعه من ذلك.

فلما كان فى آخر ذى القعدة جاءت أمّ موسى القهرمانة لتتفق معه على ما يحتاج إليه حرم الدار و الحاشية التى للدار من الكسوات و النفقات فوصلت إليه و هو نائم فقال لها حاجبه: إنه نائم و لا أجسر أن أوقظه فاجلسى فى الدار حتى يستيقظ! فغضبت من هذا و عادت، و استيقظ. الوزير فى الحال فأرسل إليها حاجبه و ولده يعتذر فلم تقبل منه، و دخلت إلى المقتدر و خاطبته فى عزله و حرّضته على ذلك فعزله عن الوزارة و قبض عليه فى ثامن ذى الحجة (1).

____________

(1) فى الكامل 6: 154 «فى ثامن ذى القعدة» و الخلاف ليس كبيرا على أية حال، و يكفى أن نعلم أن هذا الوزير مكث فى منصبه أكثر من ثلاث سنوات برغم اضطراب أحوال المقتدر، و ربما كانت الفرصة أمامه مهيأة ليبقى لو لا ضجره من سوء أدب الحاشية، و يقال إنه استعفى أكثر من مرة (راجع النجوم الزاهرة 3: 191).

44

و أعيد ابن الفرات إلى الوزارة و ضمن على نفسه أن يحمل فى كلّ يوم ألف دينار إلى بيت المال و خمسمائة دينار، فقبض على أصحاب الوزير علىّ بن عيسى و عاد فقبض على الخاقانى الوزير و أصحابه، و اعترض العمّال و غيرهم/ و عاد عليهم بأموال عظيمة.

و كان أبو علىّ بن مقلة قد استخفى منذ قبض على ابن الفرات إلى الآن، فلما عاد ابن الفرات إلى الوزارة ظهر فأشخصه ابن الفرات الوزير و قرّبه و أحسن إليه و حكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزىّ فى تاريخه المنتظم‏ (1) أنّه لما قلّد الوزارة خلع عليه سبع خلع و حمل إليه من دار السّلطان ثلاثمائة ألف درهم، و عشرون خادما، و ثلاثون دابّة لرحله، و خمسون دابة لغلمانه، و خمسون بغلا لنقله، و بغلان للعمارية بقبابها و ثلاثون جملا، و عشر تخوت ثياب‏ (2) و أنه ركب معه مؤنس الخادم، و غلمان المقتدر، و صار إلى داره بسوق العطش، و ردّت إليه ضياعه، و أقطع الدار التى بالمخرم فسكنها. و أنه سقى النّاس فى ذلك اليوم و تلك الليلة أربعين ألف رطل ثلج، و زاد ثمن الشّمع و الكاغد (3) و كانت هذه عادته! قال: (4)

____________

(1) راجع الجزء السادس صفحة 138

(2) تخوت: مفردها تخت أى خزانة الملابس، و يقال تخت الملك أى عرشه كما يقال المقعد و السرير تخت.

(3) الكاغد: الورق (فارسية)

(4) ابن الأثير فى الكامل 6: 154

45

و كانت مدّة اعتقاله إلى أن رجع إلى الوزارة خمس سنين و أربعة أيام. قال: و سمع بعض العوام يقول يوم خلع على ابن الفرات:

و اللّه خذلونا، أخذوا منّا مصحفا و أعطونا طنبورا! فبلغ ذلك إلى الخليفة، فكان ذلك سببا للإحسان إلى على بن عيسى و حسن النيّة فيه إلى أن خرج من الحبس [و اللّه تعالى أعلم‏]

ذكر أمر يوسف بن أبى الساج‏

/ كان يوسف بن أبى السّاج على أذربيجان و أرمينة قد ولى الحرب و الصلاة و الأحكام و غيرها منذ أول وزارة ابن الفرات الأولى، فلما عزل ابن الفرات و تولى الخاقانىّ طمع فأخر حمل بعض المال، فاجتمع له من المال ما قويت به نفسه على الامتناع، و بقى كذلك إلى هذه السنة. فلما بلغه القبض على على الوزير علىّ بن عيسى أظهر أنّ الخليفة أنفذ إليه عهد الرىّ و أن الوزير علىّ بن عيسى سعى له فى ذلك، و جمع العساكر و سار إلى الرىّ و بها محمد بن صعلوك يتولّى أمرها لصاحب خراسان نصر بن أحمد السامانى. و كان ابن صعلوك قد تغلّب على الرىّ و ما يليها أيام وزارة على بن عيسى، ثم أرسل إلى ديوان الخلافة يقاطع عليها بمال يحمله، (1) فلما بلغه مسير يوسف نحوه سار إلى خراسان، فدخل يوسف الرّىّ و استولى عليها و على قزوين و زنجان و أبهر، فلما اتصل فعله بالمقتدر باللّه أنكره‏

____________

(1) كذا فى ف صفحة 11- 1

46

و كتب يوسف إلى الوزير ابن الفرات يعرفه أنّ علىّ بن عيسى أنفذ إليه بالعهد و اللواء و أنه افتتح هذه الأماكن و طرد عنها المتغلّبين عليها و اعتدّ بذلك، و ذكر كثرة ما أخرج عليه من الأموال، فعظم ذلك على المقتدر و أمر ابن الفرات أن يسأل علىّ بن عيسى عن الذى ذكره يوسف فأحضره و سأله فأنكر ذلك فصدّقه. و كتب ابن الفرات إلى ابن أبى الساج/ ينكر عليه تعرّضه إلى هذه البلاد و كذبه على الوزير و جهّز العساكر لمحاربته. فسارت فى سنة خمس و ثلاثمائة و عليها خاقان المفلحى و معه جماعة من القواد (1)، فساروا و لقوا يوسف و اقتتلوا، فهزمهم يوسف و أسر منهم جماعة و أدخلهم الرىّ مشهّرين على الجمال.

فسيّر الخليفة مؤنسا الخادم فى جيش كثيف لمحاربته، فسار و انضم إليه من كان مع خاقان، فصرف خاقان عن أعمال الجبل و وليها نحرير الصغير و سار مؤنس و أتاه أحمد بن على- و هو أخو محمد بن صعلوك- مستأمنا فأكرمه، و وصلت كتب ابن أبى الساج يسأل الرّضى عنه و أن يقاطع على أعمال الرى و ما يليها على سبعمائة ألف دينار لبيت المال سوى ما تحتاج إليه الجند و غيرهم، فلم يجبه المقتدر إلى ذلك و قال: لو بذل ملك الأرض لما أقررته على الرّىّ يوما واحدا لإقدامه على التّزوير! فلما عرف ابن أبى السّاج ذلك سار عن الرّىّ بعد أن أخربها وجبى خراجها فى‏

____________

(1) يقول ابن الأثير فى الكامل (6: 155) منهم أحمد بن مسرور البلخى و سيما الجزرى و نحرير الصغير.

47

عشرة أيام. و قلّد المقتدر الرّىّ و قزوين و أبهر و صيفا البكتمريّ‏ (1)، و طلب يوسف بن أبى الساج أن يقاطع على ما كان بيده من الولاية فأشار ابن الفرات بإجابته إلى ذلك، فعارضه نصر الحاجب و ابن الحوارىّ و قالا: لا يجاب إلى ذلك إلا بعد أن يطأ البساط.!

و نسب الوزير ابن الفرات إلى مواطأته و الميل معه. فامتنع/ المقتدر باللّه من إجابته إلا أن يحضر إلى الخدمة بنفسه.

فلما رأى يوسف ذلك حارب مؤنسا فانهزم مؤنس إلى زنجان، و قتل من قواده جماعة (2) و أسر جماعة منهم هلال بن بدر، فأدخلهم أردبيل مشهّرين على الجمال.

و أقام مؤنس بزنجان بجمع من العساكر و يستمد الخليفة، و كاتبه يوسف فى الصّلح و راسله فيه؛ فكتب مؤنس إلى الخليفة فلم يجبه إليه. فلما كان فى المحرم سنة نسع‏ (3) و ثلاثمائة اجتمع لمؤنس خلق كثير فسار نحو يوسف، فتواقعا على باب أردبيل، فانهزم عسكر يوسف، و أسر هو و جماعة من أصحابه فعاد بهم مؤنس إلى بغداد فدخلها فى المحرم.

و أدخل يوسف مشهّرا على جمل و عليه برنس بأذناب الثعالب، فأدخل على المقتدر، ثم حبس عند زيدان القهرمانة.

____________

(1) هكذا ضبط عند ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة 3: 138 و فى الطبرى «البكتمرى» بفتح الباء و إسكان الكاف و كسر التاء.

(2) فى الكامل 6: 155 أن الذى قتل هو سيما

(3) فى الكامل 6: 155 «سنة سبع»

48

و فى سنة أربع و ثلاثمائة نوفّى الناصر العلوىّ صاحب طبرستان.

و فيها خالف أبو يزيد خالد بن محمد على المقتدر بكرمان- و كان يتولى الخراج- و سار منها إلى شيراز يريد التغلب على فارس، فحاربه بدر الحمامى و قتله و حمل رأسه إلى بغداد.

و فيها سار مؤنس المظفّر إلى بلاد الروم للغزاة، فسار إلى ملطية و غزا منها، و كتب إلى أبى القاسم على بن أحمد بن بسطام.

أن يغزو من طرسوس فى أهلها، ففعل و فتح مؤنس حصونا كثيرة من الروم و أثر آثارا جميلة و عاد إلى بغداد فأكرمه الخليفة و خلع عليه.

قال أبو الفرج [عبد الرحمن بن الجوزى‏] (1) و فيها ورد الخبر من خراسان أنه وجد بالقندهار فى أبراج سورها أزج‏ (2) متصل بها، فيه ألف رأس فى سلاسل، من هذه الرءوس تسعة و عشرون رأسا (3) فى أذن كلّ رأس رقعة مشدودة بخيط إبريسم‏ (4) مكتوب فيها اسم الرجل. قال و كان من الأسماء شريح بن حيان و خباب بن الزبير و الخليل بن موسى و طلق ابن معاد، و حاتم بن حسنة، و هانئ بن عروة، و فى الرقاع تاريخ من سنة [سبعين من‏] (5) الهجرة، و وجدوا على حالهم لم لم يتغيّر شعرهم إلا أن جلودهم قد جفّت.

____________

(1) الإضافة من ك صفحة 10 و هى ليست فى ف 12- ا و الخبر فى المنتظم 6: 139

(2) أزج: ضرب من الأبنية، الجمع أزج و آزاج (المحيط)

(3) يعنى رأس شهيد.

(4) الإبريسم: بفتح السين أو ضمها الحرير (المحيط)

(5) فى الأصل و فى ك و ف «من سنة الهجرة» و الزيادة من المنتظم.

49

و دخلت سنة خمس و ثلاثمائة: قال أبو الفرج‏ (1): فى هذه السنة ورد على السلطان هدايا جليلة من أحمد بن هلال صاحب عمان، و فيها أنواع من الطّيب و طرائف من طرائف البحر و طائر أسود يتكلم بالفارسية و الهندية أفصح من الببغاء و ظباء سود قال: ابن الأثير: (2) و فى هذه السنة من المحرم وصل رسولان من مالك الرّوم إلى المقتدر يطلبان المهادنة و الفداء فأجاب المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء، و سير مؤنسا الخادم ليحضر الفداء، و جعله أميرا على كل بلد يدخله، يتصرف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه، و أرسل معه/ مائة ألف و عشرين ألف دينار لفداء أسارى المسلمين.

قال [أبو الفرج‏] بن الجوزىّ فى خبر الرسل‏ (3) إنهما أدخلا و قد عبّى العسكر بالأسلحة التّامة و كانوا مائة ألف و ستين ألفا، و كانوا من أعلى باب الشماسية إلى الدار، و بعدهم الغلمان الحجرية و الخدم الخوص بالبزة الظاهرة (4) و المناطق المحلاة، و كانوا سبعة آلاف خادم منهم أربعة آلاف بيض و ثلاثة آلاف سود، و كان الحجّاب سبعمائة حاجب، و فى دجلة الطيّارات و الزّبازب و السّميريّات بأفضل زينة. فسار الرسولان فمرّا على دار نصر القشورى الحاجب، فرأيا منظرا عجيبا فظنّاه الخليفة و هاباه حتى‏

____________

(1) راجع المنتظم 6: 145

(2) فى الكامل 6: 158

(3) راجع المنتظم فى تاريخ الملوك و الأمم 6: 143

(4) فى المنتظم «بالسمة الظاهرة»

50

قيل إنه الحاجب، ثم حملا إلى دار الوزير فرأيا أكثر من ذلك و لم يشكا أنه الخليفة فقيل إنه الوزير.

قال: و زيّنت دار الخلافة، و طيف بهما فيها فشاهدا ما هالهما، و كانت الستور ثمانية و ثلاثين ألف ستر من الديباج، المذهبة منها اثنا عشر ألفا و خمسمائة، و كانت البسط و النّخاخ‏ (1) اثنين و عشرين ألفا و كان فى الدار من الوحش قطعان تأنس بالناس و تأكل من أيديهم، و كان هناك مائة سبع كلّ سبع بيد سبّاع.

ثم أخرجا إلى دار الشجرة، و كانت شجرة فى وسط بركة فيها ماء صاف، و الشجرة/ ثمانية عشر غصنا لكلّ غصن منها شاخات كثيرة عليها الطيور و العصافير من كلّ نوع مذهبة و مفضضة.

و أكثر قضبان الشجرة فضة و بعضها مذهبة و هى تتمايل، و بها ورق مختلف الألوان، و كل من هذه الطيور تصفر. ثم أدخلا إلى الفردوس، و كان فيه من الفراش و الآلات ما لا يحصى، و فى دهاليزه عشرة آلاف جوشن‏ (2) مذهبة معلقة قال: و يطول شرح ما شاهدا من العجائب إلى أن وصلا إلى المقتدر و هو جالس على سرير أبنوس قد فرش بالدّيبقى المطرّز و عن يمنة السرير تسعة عقود معلقة و عن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر يضي‏ء ضوؤها على ضوء النهار

____________

(1) فى ا، ك لفط غير منقوط، وضحته فى صفحة 12- ب، و النخاخ: جمع نخ و هو البساط. الذى يكون طوله أكثر من عرضه، و هو لفظ فارسى معرب (لسان العرب)

(2) جوشن، ردع، و قيل أن الجوشن من السلاح زرد يوضع على المصدر.

51

قال: فلما وصل الرسولان إلى الخليفة، وقفا على نحو مائة ذراع و ابن الفرات قائم بين يديه و التّرجمان قائم يخاطب الخليفة.

ثم أخرجا و طيف بهما فى الدار حتى أخرجا إلى دجلة و قد أقيمت على الشطوط الفيلة و السباع و الفهود! قال: ثم خلع عليهما و حمل إليهما خمسون بدرة ورقا فى كلّ بدرة خمسة آلاف درهم.

قال: و فيها ورد كتاب من مرو أنّ نفرا عثروا على نقب فى سور المدينة فكشفوا عنه فوصلوا إلى أزج فأصابوا فيه ألف رأس، و فى أذن كلّ رأس رقعة قد أثبت فيها اسم صاحبها (1)/ و فيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان و إخوته و أهل بيته من الحبس، و حج بالناس فى هذه السنة الفضل بن عبد الملك.

و دخلت سنة ست و ثلاثمائة:

ذكر عزل ابن الفرات عن الوزارة

و وزارة حامد بن العباس فى هذه السنة فى جمادى الآخرة قبض على الوزير أبى الحسن ابن الفرات، و كانت مدة وزارته هذه- و هى الثانية- سنة و خمسة أشهر و سبعة عشر يوما و كان سبب ذلك أنّه أخّر إطلاق أرزاق الفرسان، و احتجّ عليهم بضيق الأموال و أنها خرجت فى محاربة ابن أبى السّاج و أنّ الارتفاع نقص‏

____________

(1) ما أشبه هذه الواقعة بما ذكر فى سنة أربع و ثلاثمائة على ما مرينا!

52

بأخذ يوسف أموال الرىّ؛ فشغب الجند شغبا عظيما و خرجوا إلى المصلّى فالتمس الوزير من المقتدر إطلاق مائتى ألف دينار من بيت مال الخاصّة ليضيف إليها مائتى ألف دينار يحصّلها و يصرف الجميع فى أرزاق الجند، فاشتد ذلك على المقتدر و أرسل إليه:

إنك ضمنت أن ترضى جميع الأجناد و تقوم بجميع النفقات و تحمل بعد ذلك ما ضمنت حمله يوما بيوم و أراك الآن تطلب من بيت مال الخاصة! فاحتج بقلة/ الارتفاع و ما أخذه! ابن أبى السّاج منه و ما خرج على محاربته، فلم يسمع المقتدر حجّته و تنكّر له. و قيل كان سبب قبضه أن المقتدر قيل له إنّ ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان لمحاربة ابن أبى الساج فإذا صار عنده اتفقا عليك. ثم إن ابن الفرات قال للمقتدر أن يرسل ابن حمدان لحربه فقتل ابن حمدان فى جمادى الأولى، و قبض ابن الفرات فى جمادى الآخرة.

قال: (1) و كان بعض العمال قد ذكر لابن الفرات ما يتحصّل لحامد بن العبّاس من أعمال واسط زيادة على ضمانه فاستكثره، و كاتبه فى ذلك، فخاف حامد أن يؤخذ و يطالب بالمال، فكتب‏ (2) إلى نصر الحاجب و إلى والدة المقتدر و ضمن لهما مالا ليتحدّثا له فى الوزارة. فذكر للمقتدر حاله وسعة نفسه و كثرة أتباعه و أنّ له‏

____________

(1) فى الكامل 6: 160 «و تسعة عشر يوما»

(2) ابن الأثير فى الكامل 6: 160

53

أربعمائة مملوك يحملون السّلاح، و وافق ذلك نفرة المقتدر عن ابن الفرات فأمره بالحضور من واسط، فحضر و قبض على ابن الفرات و ولده المحسن و أصحابهما و أتباعهما.

و لما وصل حامد إلى بغداد أقام ثلاثة أيام فى دار الخلافة، فكان يتحدّث مع النّاس و يضاحكهم و يقوم لهم، فبان للخدم و حاشية الدّار قلة معرفته بالوزارة، و قال له حاجبه/ يا مولانا .. الوزير يحتاج إلى لبسة و جلسة و عبسة! فقال له: تعنى أنه يلبس و يقوم و يقعد و لا يقوم لأحد و لا يضحك فى وجه أحد؟ قال نعم! قال حامد: إنّ اللّه تعالى أعطانى وجها طلقا و خلقا حسنا و ما كنت بالذى أعبس وجهى و أقبّح خلقى لأجل الوزارة (1)! فأمر المقتدر بإطلاق علىّ بن عيسى من محبسه، و جعله يتولى الدواوين شبه النائب عن حامد (2) فكان يراجعه فى الأمور و يصدر عن رأيه.

ثم إنه استبد بالأمور دون حامد، و لم يبق لحامد غير اسم الوزارة و معناها لعلى حتى قيل فيهما:

أعجب من كلّ ما تراه‏ * * * أنّ وزيرين فى بلاد

هذا سواد بلا وزير * * * و ذا وزير بلا سواد (3)

____________

(1) الواقع أن حامد بن العباس- و إن يكن مثريا فاضلا- كان يجهل آداب البلاط و شئون الدولة، و قيل فى تعليل ذلك إنه كان من أصل و ضيع سقاء و يبيع التمر (معجم الأدباء 5: 325)

(2) فى تحفة الأموال لهلال الصابى 347، صلة الطبرى 73 ما يدل على أن على بن عيسى قبل ذلك بعد تردد

(3) فى الكامل 6: 160 بيت واحد على هذا النحو:

هذا وزير بلا سواد * * * و ذا سواد بلا وزير

54

قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى‏ (1): و فى هذه السنة أمرت السيدة أم المقتدر. قهرمانة لها تعرف بثمل أن تجلس بالتّربة التى بنتها بالرّصافة للمظالم و تنظر فى رقاع الناس فى كل جمعة (2)، فجلست و أحضرت القاضى أبا الحسين الإسنانى‏ (3) و خرجت التوقيعات على السداد- قال- و قال أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ: قعدت ثمل القهرمانة فى أيام المقتدر باللّه للمظالم، و حضر مجلسها القضاة و الفقهاء.

/ و فيها غزا يسر الأفشينى بلاد الرّوم فافتتح عدّة حصون و غنم و سلم، و غزا ثمال‏ (4) فى بحر الروم فغنم و سبى و عاد. و فيها أمر المقتدر ببناء بيمارستان فبنى و أجرى عليه النفقات الكثيرة، و كان يسمّى المقتدرىّ، و حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمى‏ (5).

و دخلت سنة سبع و ثلاثمائة:

فى هذه السنة وصل القائم بن المهدى من أفريقية من قبل أبيه بجيش كثيف فكان وصوله إلى الإسكندرية فى شهر ربيع‏

____________

(1) فى المنتظم 6: 148

(2) كذا فى الأصل نقلا عن المنتظم، و فى صلة الطبرى 71 «يوما فى كل جمعة»

(3) فى المنتظم 6: 148 «و أحضرت القاضى أبا الحسن بن الأشناني» و فى الهامش قال المحقق «فى ترجمته من تاريخ بغداد كناه أبا الحسين» و هو على أية حال من الفقهاء حفاظ الحديث، ولى القضاء للمقتدر ثلاثة أيام ثم عزل و كان قبل ذلك محتسبا ببغداد!

(4) كان متولى الغزو فى البحر، و قد حطم مراكب المهدى العلوى صاحب أفريقيا

(5) فى النجوم الزاهرة 3: 194 «و قيل أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة»