نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج24

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
433 /
1

الجزء الرابع و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة

يضم هذا الجزء من نهاية الأرب للنويرى تاريخ المغرب العربى، و جزيرتى صقلية و كريت (أقريطش). أما الجزيرتان فعالج تاريخهما العربى كله. و أما المغرب العربى فأراد به ما نطلق عليه الآن ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب و موريتانيا. و أرخ له منذ الفتح العربى الإسلامى إلى عصر المؤلف. فتناول عصر الولاة الخاضعين للخلافة الإسلامية فى المشرق ثم دولة الأغالبة التى كانت أول دولة نالت استقلالا ذاتيا ثم دول بنى زيرى و المرابطين و الموحدين.

و أهمل تاريخ الفاطميين في هذا الجزء، لأنه جمع تاريخهم فى المغرب مع تاريخهم فى مصر و المشرق، و وضعه فى القسم الخاص بتاريخ مصر. كذلك قلت معلوماته عن بنى مرين، فاقتصر على سرد أسمائهم.

و يتجلى فى هذا الجزء من نهاية الأرب أنّ النويرى لم يكن يؤلف تاريخا للدول التى تعرض لها، و إنما كان ينسخ تاريخا لهم. فبالرغم من أنه ذكر ابن الرقيق و ابن حزم مثلا من المؤرخين، كان اعتماده الأعظم على ابن الأثير فى كتابه الكامل فى التاريخ، و ابن شداد فى كتابه الجمع و البيان فى أخبار

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

اتخذت من هذه النسخة أصلا أول للتحقيق، تحت رمز (ع)، و اتخذت من نسخة دار الكتب أصلا ثانيا تحت الرمز (ك).

و اتخذت من نسختين أخريين مساعدا على التحقيق. أما النسخة الأولى فمصورة، و محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 551 معارف، و أعطيتها الرمز (ص). و أما النسخة الثانية فالقسم الذى طبعه المستشرق جاسبار ريميرو من الكتاب و نشره فى مجلة

revista del centro de estudios historicos de granada y su reino

تحت عنوان‏

historia de los musulmanes de espana y africa, par ennuguairi, texto arab etraduccion espanola par m. gaspar remiro

و قد كان للإمكانيات الضئيلة و الزمن المتقدم أثرهما القاسى فى هذه الطبعة، التى لست أنا الذى يصلح للحكم عليها أو المقارنة بينها و بين الطبعة الراهنة. و قد رمزت إلى هذه النسخة بالحرف (ر).

كذلك اعتمدت فى التحقيق على الترجمة التى قام بها البارون دى‏سلان‏de slane للقسم الأول الخاص بعصر الولاة من الكتاب و أعطيتها الرمز (س).

و أستطيع أن أعد الكامل لابن الأثير نسخة أخرى، اعتمدت عليها فى تحقيق الكتاب لما ذكرت قبلا. و قد قارنت بين الكتابين كلمة فكلمة، و أبنت ما بينهما من اتفاق عند اختلاف غيرهما من المؤرخين عنهما. و أثبت ما بينهما من خلاف شأن النسخ المتعددة من الكتاب الواحد.

4

ثم رجعت إلى كتب التاريخ العامة و الخاص منها بتاريخ المغرب، لأستطيع أن أخلص إلى نسخة تكاد تكون نسخة المؤلف إن لم تكن هى إياها، مضيفا إليها بعض التعليقات التى تشير فى إيجاز إلى اختلاف النّويرى و انفاقه مع غيره من المؤرخين أو بعضهم.

حسين نصار

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* و به توفيقى‏

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار أفريقية و بلاد المغرب‏

و من وليها من العمال، و من استقل منهم بالملك و سميت أيامهم بالدولة الفلانية قد ذكرنا (1) فتوح إفريقية فى خلافة عثمان بن عفان- (رضى اللّه عنه)- فى ولاية عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح، فى سنة ست و عشرين من الهجرة النبوية. و أوردنا ذلك هناك على سبيل الاختصار و الإجمال‏ (2). و نحن الآن نذكره فى هذا الباب مبينا.

و لم نقدم ذكر أخبار المغرب‏ (3) و ملوكه على أخبار ملوك‏

____________

(1) ص: و قد ذكرنا.

(2) انظر الجزء 19 من الكتاب، الصفحة 412 و ما بعدها.

(3) ر: الغرب.

6

المشرق، إلا أنا لما ذكرنا أخبار الدولة الأموية بالأندلس و من ملك الأندلس بعد بنى أمية، احتجنا إلى ذكر إفريقية (1) و بلاد المغرب، لتكون الأخبار يتلو بعضها بعضا. و لم نقدم أيضا ذكر الأندلس على إفريقية، مع كون إفريقية فتحت قبل الأندلس إلا للضرورة التى دعت إلى ذكر أخبار الدولة الأموية بالأندلس تلو الدولة العباسية. و لا ضرر فى التقديم و التأخير، لأنا لم نجعل التاريخ على حكم مساق السنين بل على الدول.

و أول دولة قامت على الدولة العباسية الدولة الأموية بالأندلس.

و لنذكر الآن فتوح إفريقية، و من وليها.

____________

(1) ص، ر: ذكر أخبار إفريقية.

7

ذكر فتوح افريقية

كان فتوحها فى سنة سبع و عشرين‏ (1)، و ذلك أن عثمان ابن عفان- (رضى اللّه عنه)- لما ولى الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر، و استعمل عليها عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح، و هو أخو عثمان لأمه. فكان عبد اللّه يبعث المسلمين فى جرائد الخيل‏ (2) فيصيبون من إفريقية. و يكتب بذلك إلى عثمان.

فلما أراد عثمان أن يغزى إفريقية استشار الصحابة، فكلّهم أشار عليه بإنفاذ الجيش إليها إلا أبا الأعور سعيد بن أبى يزيد (3) فإنه كره ذلك. فقال له عثمان: «ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيش؟» قال: «سمعت عمر بن الخطاب- (رضى اللّه عنه)- يقول: لا أغزيها أحدا من المسلمين ما حملت عينى الماء (4) و لا أرى لك خلاف عمر» و قام. ثم دعا عثمان زيد بن ثابت و محمد ابن مسلمة و استشارهما. فأشارا بإنفاذ الجيش.

فندب الناس إلى الغزو. فكان هذا الجيش يسمى جيش‏

____________

(1) اختلف المؤرخون فى تحديد هذا التاريخ. فجعله ابن خلدون 2: 1003 سنة 26.

و قال البلاذري: فتوح البلدان 226: «و كتب (عثمان) إلى عبد اللّه فى سنة 27، و يقال فى سنة 28، و يقال فى سنة 29، يأمره بغزوها». و روى كثيرون أن عبد اللّه غزا إفريقية أكثر من مرة، و لعل ذلك مرد اختلاف التواريخ. (انظر حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب 105. و الزاوى: تاريخ الفتح العربى فى ليبيا 55).

(2) جرائد الخيل: جمع جريدة، و هى الجماعة من الفرسان لا مشاة معهم.

(3) يعنى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. و لم أعثر على كنية زيد فيما بين يدى من كتب، و لعل أبى يزيد محرفة عن زيد. (انظر المالكى: رياض النفوس 9).

(4) ابن عبد الحكم 173: ما مقلت عينى الماء.

8

العبادلة (1). خرج فيه من بنى هاشم: عبد اللّه بن عباس و كان واليا على المسلمين و عبيد اللّه بن عباس‏ (2)؛ و من بنى تيم:

عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، (رضى اللّه عنهما)، و عبد الرحمن بن صبيحة (3) فى عدّة من قومه، و من بنى عدى:

عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب‏ (4) و عبيد اللّه بن عمر، و عاصم بن عمر فى عدة منهم؛ و من بنى أسد ابن عبد العزّى: عبد اللّه بن الزّبير فى عدة من قومه؛ و من بنى سهم: عبد اللّه بن عمرو بن العاص و المطّلب بن السّائب بى أبى وداعة (5)، فى عدة منهم. و خرج فى الجيش مروان بن الحكم، و أخوه الحارث، و جماعة من بنى أميّة، و المسور بن مخرمة ابن نوفل، و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، و عدة من بنى زهرة؛ و من بنى عامر بن لؤى بن غالب: السائب بن عامر

____________

(1) سمى بذلك لكثرة من خرج فيه ممن يسمى عبد اللّه. (حسين مؤنس 81. و الزاوى 51)

(2) لم يذكره أحد، و لعل المؤلف أراد أخاه معبد بن العباس أو عبد الرحمن بن العباس اللذين اشتركا فى حروب إفريقية. انظر التجريد 1: 377، 2: 91. الإصابة 5: 71، 6: 159، الاستيعاب 284، 406، أسد الغابة 3: 304، 4: 392، فتوح البلدان 226. و زاد ابن خلدون 2: 1003 إلى الهاشميين: عبد اللّه بن جعفر و الحسن و الحسين.

(3) فى الأصول: عبد الرحمن بن طلحة. و التصحيح عن كتب تراجم الصحابة. و انظر الإصابة 6219.

(4) سقط من ك، و ذكره أيضا المالكى: رياض النفوس 9.

(5) كذا فى الأصول و رياض النفوس للمالكى 9، 50. و لكن مؤرخى الصحابة (الإصابة 8028) و الزبيرى: نسب قريش 406 و السيوطى: حسن المحاضرة 1: 134 يسمونه:

المطلب بن أبى وداعة الحارث، و يجعلون السائب أخاه.

9

ابن هشام‏ (1)، و بسر بن أرطاة؛ و عدة من بنى هذيل، منهم أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلى- و توفى بإفريقية و واراه فى قبره عبد اللّه بن الزبير- و عبد اللّه بن أنيس‏ (2) و أبو ذر الغفارى، و المقداد بن عمرو البهرانى‏ (3)، و بلال بن الحارث المزنى، و عاصم، و معاوية بن حديج، و فضالة بن عبيد، و رويفع بن ثابت‏ (4)، و جرهد بن خويلد (5) و أبو زمعة البلوى، و المسيّب بن حزن، و جبلة بن عمرو الساعدى، و زياد بن الحارث الصّدائى، و سفيان بن وهب، و قيس بن يسار بن مسلمة (6) و زهير بن قيس، و عبد الرحمن بن صخر (7)، و عمرو بن عوف و عقبة بن نافع الفهرى. و خرج من جهينة ستمائة رجل، و من أسلم حمزة بن عمرو الأسلمى‏ (8)، و سلمة بن الأكوع فى‏

____________

(1) كذا فى الأصول و رياض النفوس للمالكى 9. و المعروف أنه السائب بن هشام بن عمرو بن ربيعة (الإصابة 3638 و نسب قريش 431 و حسن المحاضرة 1/ 118)

(2) فى الأصول: عبد اللّه بن أنس. خطأ. و انظر التجريد 2201، و الإصابة 4550 و أسد الغاية 3: 119، و الاستيعاب 347، و التهذيب 1: 260، و حسن المحاضرة 1: 122 و رياض النفوس 45.

(3) ر: المقدام بن عمر و البهرائى. تحريف.

(4) ر: ذو يضع بن ثابت. تحريف.

(5) فى الأصول: حمزة بن خويلد. تحريف. و انظر التجريد 1: 87 و الإصابة 1330، و أسد الغاية 4: 366، و الاستيعاب 278، و فتوح مصر لابن عبد الحكم 319، و التهذيب 2: 95، و رياض النفوس للمالكى 56.

(6) دى‏سلان: قيس بن بشار. و رياض النفوس للمالكى: قيس بن يسار بن مسلم الكنانى.

و لم أعثر عليه.

(7) لعله يريد أبا هريرة، الذى يقال إنه دخل مصر، و إن لم أعثر على من ذكر دخوله إفريقية.

(8) فى الأصول: السلمى. تحريف. و انظر التجريد 1: 149، و الإصابة 2: 38، 81 و الطبقات 4/ 2/ 45 و أسد الغابة 2: 50، 51، و الاستيعاب 1: 105 و التهذيب 1: 169 و فتوح مصر لابن عبد الحكم 319، و رياض النفوس للمالكى 49.

10

ثلاثمائة رجل، و من مزينة ثمانمائة رجل، و من بنى سليم أربعمائة رجل‏ (1)، و من بنى الدّيل و ضمرة و غفار خمسمائة رجل، و من غطفان و أشجع و فزارة سبعمائة (2) رجل، و من كعب ابن عمرو أربعمائة رجل‏ (3)، و كانوا آخر من قدم على عثمان، و الناس معرّسون بالجرف، و الجرف على ثلاثة أميال من المدينة (4) و أعان عثمان الجيش بألف بعير من ماله، فحمل عليها ضعفاء الناس، و حمل على خيل، و فرق السلاح، و أمر للناس بأعطياتهم. و ذلك فى المحرم سنة سبع و عشرين.

و خطب عثمان الناس و رغّبهم فى الجهاد. و قال لهم: «قد استعملت عليكم الحارث بن الحكم‏ (5) إلى أن تقدموا على عبد اللّه بن سعد، فيكون الأمر إليه. و استودعتكم اللّه». و ساروا حتى أتوا مصر.

فجمع عبد اللّه بن سعد جيشا عرمرما، و ضمه إليه. فبلغ عسكر المسلمين‏ (6) عشرين ألفا. و استخلف على مصر عقبة بن نافع، و توجّه.

____________

(1) زاد المالكى: رياض النفوس 10: و خمسون.

(2) ك: ستمائة.

(3) ذكر ابن عبد الحكم 184 أن جيش عبد اللّه كان يضم 600 من بنى مهرة و 700 من غنث و 700 من ميدعان. و شك حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب 81 فى أسماء الصحابة المذكورة، و رأى أنها أدخلها مؤرخو المغرب للتعظيم من شأن إفريقية.

(4) معرسون: مقيمون. و اختلف اللغويون فى ضبط الجرف، فجعلها كثيرون ساكنة الراء و بعضهم مضمومتها. و ارتضى المؤلف قول ياقوت فى تحديد بعدها عن المدينة. و ذكر البكرى عن الزبير أنها على ميل من المدينة، و عن ابن إسحاق أنها على فرسخ.

(5) ر: مروان بن الحكم.

(6) ك: عدد المسلمين.

11

و حكى الزّهرى عن ربيعة بن عباد الدّيلى قال: لما وصلنا قدّم عبد اللّه الطّلائع و المقدمات أمامه. و كنت أنا أكثر ما أكون فى الطلائع. فو اللّه إنا لبطرابلس قد أصبنا من بها من الروم قد تحصنوا منا فحاصرناهم، ثم كره عبد اللّه أن يشتغل بذلك عما قصد إليه، فأمر الناس بالرحيل‏ (1). فنحن على ذلك إذا مراكب قد أرست إلى الساحل‏ (2) فشددنا عليها، فترامى من بها إلى الماء. فأقاموا ساعة ثم استأسروا فكتفناهم، و كانوا مائة (3). حتى لحق بنا عبد اللّه فضرب أعناقهم، و أخذنا ما فى السفن. فكانت هذه أول غنيمة أصبناها.

و مضى حتى نزل بمدينة قابس فحاصرناها. فأشار عليه، الصحابة أن لا يشتغل بها عن إفريقية، فسار و بثّ السرايا فى كل وجه. و كان يؤتى بالبقر و الشاء و العلف. قال: و كان ملكهم يدعى جرجير (4)، و سلطانه من طرابلس إلى طنجة و ولايته من قبل هرقل‏ (5). فلما بلغه الخبر بورود الجيوش الإسلامية، جمع و تأهب للّقاء، فبلغ عسكره عشرين و مائة ألف‏ (6)

____________

(1) ذهب الزاوى: تاريخ الفتح العربى فى ليبيا 52 إلى أن عبد اللّه فتح طرابلس.

(2) ص: على الساحل.

(3) دى‏سلان: أربعمائة.

(4) مختصر من جريجوريوس (حسين مؤنس). و ورد اسمه بصور شتى فى التواريخ فهو عند اليعقوبى 2: 165: جرجيس، و ابن العماد: الشذرت 1: 36: جرير، و دى‏سلان: جرجيز.

(5) كان جرجير قد أعلن استقلاله عن الدولة الرومانية (حسين مؤنس 39- 47).

(6) ابن كثير 7: 152 ابن عذارى 1: 9، ز 1: 85 و قيل فى مائتى ألف. و فى رياض النفوس للمالكى 11: مائه ألف.

12

قال: ثم ذهبنا قاصدين عسكره على تعبئة، فأقمنا أياما تجري بيننا و بينهم الرسل: ندعوه إلى الإسلام، و هو يستطيل و يتجبر و قال: «لا أقبل هذا أبدا». فقلنا له «فخراج تخرجه كل عام».

فقال: «لو سألتمونى درهما واحدا لم أفعل». (1). فتأهبنا للقتال بعد الإعذار منا (2). فعبأ عبد اللّه بن سعد ميمنته و ميسرته و القلب.

و فعل ملك الروم مثل ذلك. و تلاقى الجمعان فى فحص‏ (3) متسع يسمى بعقوبة (4)، بينه و بين دار ملك الروم مسيرة يوم و ليلة، و هى المدينة المسماة سبيطلة (5)، و كذلك مدينة قرطاجنة، و هى مدينة عظيمة، شامخة البناء، أسوارها من الرخام الأبيض، و فيها العمد و الرخام الملون ما لا يحصى.

قال: و دامت الحرب بين الفريقين و طالت، و انقطع خبر المسلمين عن عثمان. فأنفذ عبد اللّه بن الزبير (6) و صحبته اثنا عشر فارسا من قومه. فسار يجد السير حتى قدم على المسلمين فوصل ليلا. فسروا به و وقع فى العسكر ضجة (7)، خافت الروم منها، و ظنوا أنهم يحملون عليهم، فباتوا بشر ليلة. و أرسل ملكهم جاسوسا يستعلم الخبر. فأعلمه أن نجدة وصلت إلى المسلمين. و كان المسلمون‏

____________

(1) ك: لا أفعل.

(2) الإعذار: الإنذار.

(3) الفحص: المتسع من الأرض.

(4) بعقوبة: كذا فى ع، ك، البلاذرى. و فى ص، و أحد أصول دى‏سلان: يعقوبة.

(5) سبيطلةsuffetula : مدينة على الطريق المؤدى من سوسة إلى جبال الأوراس على سبعين ميلا من القيروان.

(6) ابن خلدون 2: 1004: عبد الرحمن بن الزبير. خطأ.

(7) ر: صيحة.

13

يقاتلون الروم فى كل يوم إلى الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها و تضع الحرب أوزارها. فلما أصبح عبد اللّه بن الزبير، صلى الصبح و زحف مع المسلمين و قاتل. فلقى الروم فى يومهم أشد نكال. و لم ير ابن الزبير عبد اللّه بن سعد فى الحرب فسأل عنه. فقالوا: «هو فى خبائه و له أيام ما خرج منه». و لم يكن ابن الزبير اجتمع به، فمضى إليه، و سلم عليه، و بلغه وصية عثمان و سأله عن سبب تأخره. فقال: «إن ملك الروم أمر مناديا فنادى باللغة الرومية و العربية (1): معاشر الروم و المسلمين: من قتل عبد اللّه بن سعد زوّجته ابنتى، و وهبت له مائة ألف دينار» و كانت ابنته بارعة الجمال، تركب معه فى الحرب، و عليها أفخر ثياب، و تحمل على رأسها مظلة من ريش الطاوس «و غير خاف عنك من معى، و أكثرهم حديثو عهد (2) بالإسلام، و لا آمن أن يرغّبهم ما بذل لهم جرجير فيقتلونى، فهذا سبب تأخرى». فقال له ابن الزبير: «أزل هذا من نفسك، و أمر من ينادى فى عسكرك و يسمع الروم: معاشر المسلمين و الروم:

من قتل الملك فله ابنته و مائة ألف دينار (3)، و واحدة بواحدة».

ففعل ذلك. فلما سمع ملك الروم النداء، انتقل ما كان عبد اللّه يجده من الخوف إليه. و بقى القتال على ما كان عليه.

فعنّ لعبد اللّه بن الزبير رأى. فأتى عبد اللّه بن سعد ليلا و قال له:

«إنى فكّرت فيما نحن فيه فرأيت أمرا يطول و القوم فى بلادهم و الزيادة

____________

(1) ر: العربية و الرومية.

(2) ر: حديث عهد.

(3) زاد ابن خلدون 2: 1004 فى نداء عبد اللّه: و استعملته على بلاده.

14

فيهم و النقصان فينا. و قد اتصل بى أنه نفّذ إلى جميع نواحيه بالحشد و الجمع. و قد رأيت أصحابه إذا سمعوا الأذان أغمدوا سيوفهم و رجعوا إلى مضاربهم، و كذلك المسلمون، جريا على العادة. و الرأى عندى أن تترك غدا إن شاء اللّه أبطال المسلمين فى خيامهم بخيلهم و عددهم، و تقاتل ببقايا الناس على العادة، و تطوّل فى القتال حتى تتعب القوم.

فإذا انصرفوا و رجع كلّ‏ (1) إلى مضربه و أزال لأمة (2) حربه، يركب المسلمون و يحملون عليهم و القوم على غرة. فعسى اللّه سبحانه أن يظفرنا بهم و ينصرنا عليهم، و ما النصر إلا من عند اللّه». فلما سمع عبد اللّه بن سعد ذلك، أحضر عبد اللّه بن عباس و إخوته و الصحابة و رءوس القبائل، و عرض عليهم ما أشار به ابن الزبير فاستصوبوا رأيه و استخاروا اللّه. و كتموا أمرهم و باتوا على تعبئة.

و لجئوا إلى اللّه تعالى و سمحوا بنفوسهم‏ (3) فى إعزاز دين اللّه و إظهار كلمته.

و أصبح أبطال الإسلام فى خيامهم‏ (4)، و خيولهم قائمة معهم فى الخيام. و خرج لفيف الناس إلى القتال، و معهم عبد اللّه بن سعد و ابن الزبير، فقاتلوا أشد قتال‏ (5) و كان يوما حارا فلقى الفريقان فيه التعب العظيم. و ركب ملك الروم و معه الصليب، و كان متوجا عندهم، عظيم القدر فيهم. و حرض أصحابه على القتال. فاشتد

____________

(1) ك: كل منهم.

(2) اللأمة: الدرع الحصينة أو عدة السلاح من رمح و خوذة و مغفر و سيف و نبل.

(3) ك: بأنفسهم.

(4) ر: خيمهم.

(5) ر: أشد القتال.

15

الأمر فى القتال حتى أذّن الظهر (1) فهم الروم بالانصراف جريا على على العادة. فداوم ابن الزبير القتال ساعة أخرى. فاشتد الحر و عظم الخطب حتى لم يبق لأحد من الفريقين طاقة بحمل السلاح فضلا عن القتال به. فعند ذلك رجعوا (2) إلى خيامهم، و وضعوا أسلحتهم، و سيّبوا خيولهم و ألقوا أنفسهم على فرشهم.

فاستنهض عبد اللّه أبطال المسلمين. فلبسوا دروعهم و ركبوا خيولهم فى خيامهم. و تقدم عبد اللّه بن الزبير فى زى رسول، و قد لبس ثوبا فوق درعه. و قال: «إذا رأيتمونى قد قربت من خيام الروم فاحملوا حملة رجل واحد». فلما قرب من الخيام كبر المسلمون و هلّلوا، و حملوا فأعجلوا الروم عن لبس دروعهم أو ركوب خيولهم. فانهزمت الروم، و قتل ملكهم، و قتل منهم ما لا يحصى كثرة و هرب من سلم منهم إلى المدينة، و غنم المسلمون ما فى معسكرهم.

و أسرت ابنة الملك و أتى بها إلى عبد اللّه بن سعد. فسألها (3) عن أبيها.

قالت: «قتل». قال: «أ تعرفين قاتله؟» قالت: «نعم، إذا رأيته عرفته». و كان كثير من المسلمين ادعوا قتله. فعرض عليها من ادعى قتله‏ (4). فقالت: «ما من هؤلاء من قتله». فأحضر ابن الزبير. فلما أقبل، قالت: «هذا قاتل أبى». فقال له ابن سعد:

«ما منعك أن تعلمنا بذلك لنفى لك بما شرطناه؟» فقال:

«أصلحك اللّه! ما قتلته لما شرطت، و الذى قتلته له يعلم و يجازى‏

____________

(1) ص: بالظهر. ر: للظهر.

(2) أسقط ص، ك: به. و أسقط ص، ر: فعند ذلك. و روايتهما: فرجعوا.

(3) ع، ك: سألها.

(4) ص، ر: فعرضوا عليها. ر: من ادعوا.

16

عليه أفضل من جزائك، و لا حاجة لى فى غير ذلك». فنفّله ابن سعد ابنة الملك، فيقال إن ابن الزبير اتخذها أم ولد (1).

ثم نزل المسلمون على المدينة، و حاصروها حصارا شديدا حتى فتحها اللّه عليهم. فأصابوا فيها خلقا كثيرا، و أكثر أموالهم الذهب و الفضة. فجمع عبد اللّه بن سعد الغنائم و قسمها بعد أن خمسها.

فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار و سهم الراجل ألف دينار (2).

و بثّ السرايا و الغارات من مدينة سبيطلة فبلغت خيوله إلى قصور قفصة. فسبوا و غنموا. و جازوا إلى مرمجنّة (3).

فأذلت تلك الوقعة من بقى من الروم. و أصابهم رعب شديد فلجئوا إلى الحصون و القلاع. و اجتمع أكثرهم بفحص الأجم‏ (4) حول الحصن، و هو من أعظم حصون إفريقية. و راسلوا عبد اللّه بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهبا (5) على أن يكفّ عنهم و يخرج من بلادهم. فقبل ذلك منهم بعد امتناع. و قيل: إنه صالحهم‏

____________

(1) ذكر ابن عبد الحكم 184 أن ابنة جرجير وقعت من نصيب أنصارى فانتحرت.

و شك حسين مؤنس 89- 93 فى الدور الذى يقال إن عبد اللّه بن الزبير قام به فى هذه المعركة و فى قصة ابنة جرجير. و ذكر سعيد بن عفير أن الذى قتل جرجير اثنان عبد اللّه بن الزبير و مروان ابن الحكم معا (المالكى: رياض النفوس 1: 11).

(2) أوضح ابن عبد الحكم 184 التقسيم، فقال: فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار:

للفرس ألفا دينار و لفارسه ألف دينار، و للراجل ألف دينار.

(3) المالكى: رياض النفوس 1: 13: قرطاجنة.

(4) كان البيزنطيون يسمونه‏thysderas و عرف عند العرب أيضا باسم الجم و العجم و الأعجام.

(5) المالكى: رياض النفوس 1: 11 على مائة ألف رطل ذهب.

17

على ألفى ألف و خمسمائة ألف‏ (1). و قبض المال. و كان فى شرط.

صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم، و ما أصابوه بعد التّرداد (2) ردوه عليهم.

و دعا عبد اللّه بن سعد عبد اللّه بن الزبير و قال: «ما أحد أحقّ بالبشارة منك، فامض و بشّر عثمان و المسلمين بما أفاء اللّه تعالى عليهم».

فتوجه عبد اللّه يجدّ المسير. فبعض الناس يقول: دخل المدينة من سبيطلة فى عشرين ليلة، و بعضهم يقول: وافى المدينة يوم أربعة و عشرين‏ (3)، و لا يستغرب ذلك من مثله. فلما وصل المدينة أمره عثمان أن يصعد المنبر فيعلم الناس بما فتح اللّه عليهم. فبلغ الزبير. فجاء إلى المسجد و نال من عثمان بكلمات، و قال: «بلغ من عبد اللّه بن الزبير أن يرقى موضعا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يطأه بقدمه! وددت و اللّه أنّى متّ قبل هذا»! و قيل: إنّ عبد اللّه لم يرق المنبر، و إنما وقف بإزائه و خطب، و عثمان على المنبر جالسا.

قال: و كان فعل عبد اللّه بن الزبير فى القتال بإفريقية كفعل خالد ابن الوليد بالشام، و عمرو بن العاص بمصر، (رضى اللّه عنهم اجمعين).

قال: ثم انصرف عبد اللّه بن سعد إلى مصر إثر سفر ابن الزبير.

____________

(1) زاد اليعقوبى 2: 165، و ابن تغرى بردى 1: 80 عشرين ألف دينار. و جعل ابن كثير 7: 152 الصلح على ألفى و عشرين ألف.

(2) الترداد: المفاوضة. و فى ابن عذارى المراكشى 1: 8: بعد الصلح. خطأ.

(3) المالكى: رياض النفوس 1: 15 ذكر عبد اللّه بن نافع و عبد الملك بن حبيب أنه وصل من إفريقية إلى المدينة فى شهر، و ذكر حسين بن سعيد الخراط أنه وصل من سبيطلة إلى المدينة فى ثمانية عشر يوما.

18

قال: و كان مقام الجيش بإفريقية خمسة عشر شهرا (1)، و لم يفقد من المسلمين إلا ناس قلائل‏ (2). ثم كان بعد ذلك من مقتل عثمان و خلاف علىّ و معاوية ما قدمنا ذكره‏ (3)، إلى أن استقر أمر معاوية فاستعمل معاوية بن حديج.

ذكر ولاية معاوية بن حديج الكندى و فتح افريقية ثانيا (4)

كانت ولايته فى سنة خمس و أربعين من الهجرة. و سبب ذلك أن هرقل صاحب القسطنطينية كان يؤدّى إليه من كل ملك من ملوك البر و البحر إتاوة معلومة فى كل سنة. فلما بلغه ما صالح عليه أهل إفريقية عبد اللّه‏ (5) بن سعد بن أبى سرح، بعث بطريقا إلى إفريقية يقال له «أوليمة» و أمره أن يأخذ من أهلها ثلاثمائة قنطار ذهبا كما أخذ منهم ابن أبى سرح. فنزل البطريق قرطاجنة و أخبرهم بأمر الملك. فأبوا عليه و نابذوه و قالوا: «الذى كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا، و الملك فهو سيدنا يأخذ منا كما كنا نعطيه فى‏

____________

(1) المالكى: رياض النفوس 1: 17: سنة و شهرين.

(2) ابن الأثير 3: 46: ثلاثة نفر.

(3) انظر الصفحة 485 من الجزء 19 من هذا الكتاب.

(4) اختلف المؤرخون فى حملة معاوية، فجعلها ابن عبد الحكم 193 ثلاث غزوات، و جعلها غيره غزوة واحدة، و اختلفوا فى تاريخها. و انظر بصدد ذلك حسين مؤنس 115- 19 و الزاوى 60- 66.

(5) سقط من ع ابتداء من هنا ورقة من صفحتين.

19

كل سنة». و كان القائم بأمر إفريقية بعد جرجير رجل يقال له «جناحة» (1)، فطرد أوليمة البطريق.

ثم اجتمع أهل إفريقية و ولوا على أنفسهم رجلا يقال له «الأطريون» و قيل فيه: «الأطيلون». فسار جناحة إلى الشام إلى معاوية بن أبى سفيان. فذكر له حال إفريقية و سأله أن يبعث معه جيشا من العرب. فوجه معه معاوية بن حديج فى جيش كثيف. فلما انتهى إلى الإسكندرية هلك جناحة.

و مضى ابن حديج حتى انتهى إلى إفريقية، و هى حرب، و قد صارت نارا. و كان فى عسكره عبد الملك بن مروان، و يحيى بن الحكم، و كريب بن إبراهيم بن الصباح‏ (2)، و خالد بن ثابت الفهمى‏ (3). و قيل: كان معه عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و عبد اللّه ابن الزبير، و أشراف من جند الشام و مصر. فقدم و لا يشك أهل إفريقية أن جناحة معه. فنزل معاوية غربى قمونية (4) فى سفح جبل على عدة فراسخ‏ (5) منها. فأصابه فيه نوء شديد فقال: «إن‏

____________

(1) ابن عذارى المراكشى 1: 11: حباحبة.

(2) كذا فى الأصول، و الأشهر كريب بن أبرهة بن الصباح الأصبحى. انظر التجريد 2:

32، و الإصابة 5: 320، و أسد الغابة 4: 238، و الاستيعاب 234، و فتوح مصر لابن عبد الحكم 113، و ولاة مصر للكندى 63.

(3) كذا فى الأصول. و فى رياض النفوس للمالكى 18: الثقفى، خطأ. و انظر التجريد 1:

159، و الإصابة 2: 87، و فتوح مصر 112، 231.

(4) قمونية: إقليم فسيح كثير العمران و الزرع. و حددها ابن عبد الحكم 193 بأنها موضع مدينة القيروان. و كذا فعل النويرى حين ذكر فى وصفه لبناء القيروان أنها حصن لطيف كان للروم فى موضع القيروان.

(5) ر: عشرة فراسخ.

20

جبلنا هذا لممطور» فسمّى الجبل ممطورا (1) إلى اليوم. ثم قال:

«اذهبوا بنا إلى ذلك القرن» فسمى أيضا القرن‏ (2).

و بعث ملك الروم بطريقا يقال له نجفور (3) فى ثلاثين ألف مقاتل. فنزل على ساحل البحر بسنطبريّة (4). فبعث ابن حديج إليه خيلا. فقاتلوه فانهزم و أقلع فى البحر.

و قاتل معاوية أهل جلولاء (5) على باب المدينة. فكان يقاتلهم صدر النهار، فإذا مال الفى‏ء (6) انصرف إلى معسكره بالقرن.

فقاتلهم ذات يوم. فلما انصرف نسى عبد الملك بن مروان قوسا (7) له معلقة بشجرة. فانصرف ليأخذها، و إذا جانب المدينة قد انهدم.

فصاح فى أثر الناس فرجعوا. و كانت بينهم حرب شديدة و قتال عظيم حتى دخلوا المدينة عنوة، و احتووا على جميع ما فيها، و قتلوا المقاتلة، و سبوا الذرية. و قيل: بل كان معاوية بن حديج مقيما بالقرن و بعث عبد الملك‏ (8) بن مروان إلى جلولاء، فى ألف فارس‏ (9). فحاصرها أياما فلم يظفر بها. و انصرف الناس منكسرين‏

____________

(1) ر: المطور.

(2) القرن: أعلى الجبل.

(3) ر: تحفور. و جعله حسين مؤنس نقفور من‏NicePhore

(4) دى‏سلان: بسنطبيرته. ك: يسنطيرطة.

(5) جلولا،GoulouliS : مدينة كبيرة كانت تبعد عن القير و ان بأربعة و عشرين ميلا.

و يعرف موقعها اليوم بعين جلولا.

(6) الفى‏ء: الظل.

(7) ص: فرسا.

(8) انتهى هنا الساقط من ع.

(9) ابن عذارى بالمراكشي 1: 4: ألفى فارس.

21

فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى فى ساقة الناس غبارا كثيرا، فظنوا أن العدو قد اتبعهم. فرجعوا فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها من جهة واحدة. فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها و غنموا و سبوا.

و انصرف عبد الملك إلى معاوية و هو معسكر بالقرن ينتظره. فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها. فقال عبد الملك: «هى لأصحابى خاصة».

و قال ابن حديج: «بل لجماعة المسلمين». و كتب إلى معاوية بن أبى سفيان. فعاد جوابه: « [العسكر] (1) ردء السّرية، فأقسم بين الناس جميعهم» فوقع سهم الفارس ثلاثمائة دينار (2).

قال البلاذرى‏ (3). أول من غزا صقلية معاوية بن حديج، بعث إليها عبد اللّه بن قيس، و سنذكر ذلك فى أخبارها إن شاء اللّه تعالى‏ (4).

قال: ثم انصرف معاوية بن حديج إلى مصر. فأقره معاوية بن أبى سفيان عليها، و عزله عن إفريقية، و أفردها عن مصر، و استعمل عليها من قبله.

ذكر ولاية عقبة بن نافع الفهرى و فتح افريقية الفتح الثالث و بناء القيروان‏

قال: ثم أرسل معاوية بن أبى سفيان عقبة بن نافع إلى إفريقية فى سنة خمسين، و كان مقيما ببرقة و زويلة من أيام عمرو بن العاص‏

____________

(1) زيادة ضرورية عن ابن عبد الحكم 194. و الردء: العيون.

(2) ابن عذارى المراكشى 1: 10: مائتى مثقال. و ياقوت (جلولاء): فكان لكل رجل من المسلمين مائتا درهم و حظ الفارس أربعمائة درهم.

(3) فتوح البلدان 235 بتصرف.

(4) انظر صفحة 353 من هذا الجزء.

22

فجمع من أسلم من البربر و ضمه إلى الجيش الوارد عليه. و كان جملة الجيش الوارد من معاوية عشرة آلاف فارس من المسلمين. فسار عقبة إلى إفريقية فافتتحها (1)، و وضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى.

ثم قال: «إن إفريقية إذا دخلها إمام تحرّموا بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم منهم و ارتد إلى الكفر (2). و أرى لكم- يا معشر المسلمين- أن تتخذوا بها مدينة نجعل بها عسكرا و تكون عزّ الإسلام إلى آخر الدهر». فأجابه الناس إلى ذلك.

ذكر بناء مدينة القيروان‏

قال المؤرخون: لما أراد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان و أجابه المسلمون إلى ذلك، أتى بهم إلى موضعها، و هو إذ ذاك شعارى‏ (3) لا تسلك و قال: «شأنكم». فقالوا له: «إنك أمرتنا بالبناء فى شعارى و غياض لا تسلك و لا ترام، و نحن نخاف من السباع و الحيات و غير ذلك من خشاش الأرض» (4). و كان عقبة مستجاب الدعوة، فدعا اللّه عز و جل. و جعل أصحابه يؤمّنون على دعائه. و كان فى عسكره‏ (5) ثمانية عشر رجلا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه‏

____________

(1) ك: ففتحها.

(2) ر: الكفار.

(3) الشعارى: جمع شعراء، و هى الأجمة. و كذا الغيضة.

(4) الخشاش: الحشرات و الأفاعى و ما لا دماغ له من الدواب.

(5) ك: أصحابه.

23

و سلم، فجمعهم و نادى: «أيتها الحيات و السباع، نحن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ارحلوا عنّا إنا نازلون. و من وجدناه بعد ذلك قتلناه». فنظر الناس فى ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها، و الذئاب تحمل أجراءها، و الحيات تحمل أولادها. فأسلم كثير من البربر. و نادى عقبة فى الناس «كفّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا». فلما خرج ما فيها من ذلك، جمع عقبة وجوه أصحابه و دار بهم حول المكان و أقبل يدعو اللّه و يقول: «اللهم املأها علما و فقها، و اعمرها بالمطيعين و العابدين، و امنعها من جبابرة الأرض». ثم نزل عقبة الوادى.

و أمر الناس أن يختطوا و يقلعوا الشجر. قال: فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية و لا عقربا.

قال: و اختط دار الإمارة و المسجد الأعظم، و لم يحدث فيه بناء، و كان يصلى فيه و هو كذلك. فاختلف الناس فى القبلة و قالوا: «إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك فى أمرها». فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء و الصيف من النجوم و مشارق الشمس. فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك و سأل اللّه تعالى، فأتاه آت فى منامه فقال له: «يا ولىّ رب العالمين، إذا أصبحت فخذ اللواء و اجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيرا لا يسمعه غيرك. فالموضع الذى ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك و محرابه مسجدك‏ (1). و قد رضى اللّه عز و جل أمر هذه المدينة و هذا المسجد. و سوف يعزّ بها دينه و يذل بها من كفره إلى آخر الدهر».

فاستيقظ من منامه و قد جزع جزعا شديدا. فتوضأ و أخذ فى‏

____________

(1) ر: و محراب مسجدك.

24

الصلاة فى المسجد و هو لم يبن بعد، و معه أشراف الناس. فلما طلع الفجر و ركع عقبة سمع التكبير بين يديه. فقال لمن حوله:

«أ لا تسمعون؟» قالوا: «لا نسمع شيئا». فقال: «إن الأمر من عند اللّه عز و جل». و أخذ اللواء و وضعه على عاتقه. و أقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى محراب المسجد. فانقطع التكبير فركز لواءه‏ (1) و قال: «هذا محرابكم». ثم أخذ الناس فى بنيان الدور (2) و المساكن و المساجد فعمرت. و كان دورها ثلاثة آلاف باع‏ (3) و ستمائة باع‏ (4). فكملت فى سنة خمس و خمسين. و سكنها الناس و عظم قدرها. و كان فى موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى قمونية.

قال: و دبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن أبى سفيان معاوية بن حديج عن مصر و ولى مسلمة بن مخلّد الأنصارى مصر و إفريقية (5).

ذكر ولاية مسلمة بن مخلد

قال: و لما وصل مسلمة إلى مصر، استعمل على إفريقية مولى له يقال له دينارا و يكنى أبا المهاجر، و ذلك فى سنة خمس و خمسين،

____________

(1) ر: اللواء.

(2) ابن عذارى المراكشى: ثم أخذ فى بناء السور.

(3) ابن عذارى المراكشى 1: 16: ذراع.

(4) لم يل معاوية بن حديج مصر قط، و إنما وليها فى ذلك الوقت عقبة بن عامر الجهنى (44- 47 ه)

(5) ثم مسلمة بن مخلد (47- 62 ه). و إذن فعزل عقبة بن نافع لم يكن نتيجة عزل معاوية و لا أعقب تولية مسلمة فورا. و قد اضطرب المؤرخون فى تواريخ تولية عقبته و عزلوا غزواته كثيرا.

25

و عزل عقبة. فلما وصل كره أن ينزل بالموضع الذى اختطه عقبة، فنزل عنه بمسافة ميلين. و اختط مدينة و أراد أن يكون له ذكرها و يفسد ما عمله عقبة. فسماها البربر تيكيروان‏ (1). فأخذ فى عمارتها.

و أمر الناس أن يخربوا القيروان و يعمروا مدينته‏ (2).

و توجه عقبة مغضبا إلى معاوية بن أبى سفيان. فقال له: «إنى فتحت البلاد، و دانت لى، و بنيت المساجد، و اتخذت المنازل، و أسكنت الناس. ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلى» فاعتذر إليه معاوية و قال: «قد رددتك إلى عملك واليا». و تراخى الأمر حتى توفى معاوية و ولى يزيد ابنه. فلما علم حال عقبة غضب و قال:

«أدركها قبل أن تهلك و تفسد». و رده واليا على إفريقية.

ذكر ولاية عقبة بن نافع ثانية

قال: و كانت ولايته فى سنة اثنتين و ستين، (3) فسار من الشام. فلما مر على مصر، ركب إليه مسلمة بن مخلد و سلم عليه،

____________

(1) اختلفت صور كتابة هذا الاسم بين تيكروان و تكروان و تاكروان و تكيروان و تكرر و دكرور. و انظر حسين مؤنس. و فى دى‏سلان: بيكيروان.

(2) يرى حسين مؤنس 170 أن المؤرخين بالغوا فى وصف ما أنزله أبو المهاجر بالقيروان.

(3) اضطرب المؤرخون فى معالجتهم لتواريخ و أحداث ولايتى عقبة بن نافع. فذكر الطبرى 6: 134 فى أحداث سنه 50: و فيها عزل معاوية بن حديح عن مصر، و ولى مسلمة بن مخلد مصر و إفريقية و كان معاوية بن أبى سفيان قد بعث قبل أن يولى مسلمة مصر و إفريقية عقبة بن نافع الفهرى إلى إفريقية فافتتحها و اختط قيروانها. و علق على ذلك ابن الأثير 1: 230 فقال:

و الذى ذكره أهل التاريخ من المغاربة أن ولاية عقبة بن نافع إفريقية كانت هذه السنة (50 ه) .. ثم بقى إلى سنة خمس و خمسين، و وليها مسلمة بن مخلد. و هم أخبر ببلادهم. و قال ابن الاثير 1: 231 و ابن خلدون 3: 22، 289: «ذكر الواقدى أن عقبة بن نافع ولى إفريقية سنة ست و أربعين و اختط القيروان. و لم يزل عقبة بن نافع على إفريقية إلى سنة اثنتين و ستين فعزله يزيد ابن معاوية، و استعمل أبا المهاجر ...» و كذا تضاربوا و اختلفوا عن النويرى فى تاريخ غزواته بين الولايتين. و انظر حسين مؤنس 130 و ما بعدها.

26

و اعتذر من فعل أبى المهاجر (1)، و أقسم باللّه لقد خالفه فيما صنع.

فقبل عقبة عذره. و مضى مسرعا حتى قدم إفريقية. فأوثق أبا المهاجر فى الحديد، و أمر بخراب مدينته، و رد الناس إلى القيروان ثم عزم على الغزو و ترك بالقيروان جندا و عليهم زهير بن قيس‏ (2) و دعا أولاده فقال لهم: «إنى بعت نفسى من اللّه تعالى بيعا مربحا أن أجاهد من كفر حتى ألحق باللّه. و لست أدرى أ تروني بعدها أو أراكم، لأن أملى الموت فى سبيل اللّه». ثم قال: «عليكم سلام اللّه، اللهم تقبل منى نفسى فى رضاك».

و مضى فى عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، و قاتل أهلها قتالا شديدا، و أخذ لهم خيلا لم ير المسلمون فى مغازيهم أصلب منها (3). و دخل الروم حصنهم.

فكره عقبة أن يقيم عليه. فمضى إلى لميش‏ (4)، و هى من أعظم مدن الروم. فلجأ إليها من كان حولها منهم. و خرجوا إليه و قاتلوه قتالا شديدا حتى ظن الناس أنه الفناء. فهزمهم و تبعهم إلى باب حصنهم و أصاب غنائم كثيرة.

و كره المقام عليها فرحل‏ (5) إلى بلاد الزاب. فسأل عن أعظم‏

____________

(1) جعل ابن عبد الحكم 197 اعتذار مسلمة لعقبة عند مروره بمصر عائدا من إفريقية بعد عزله.

(2) ذكر ابن عبد الحكم 198 و المالكى 22 أن عقبة استخلف على القيروان عمر بن على القرشى و زهيرا

(3) ر: أصلت منها.

(4) ص بليش: ر و ابن خلدون 4: 399 لميس. المالكى 23: تلمسان. و رجح حسين مؤنس 187 أنها لمبيزةLambeisis أحد الحصون الرومانية المعروفة- البيان المغرب (بشرة كولان و بروفنسال) ص 34 ذكر (المنستير) فى هذا الموضع.

(5) ر: فرجع.

27

مدائنهم قدرا فقالوا: مدينة يقال لها أربة (1) فيها الملك، و هى مجمع ملوك الزاب، و حولها ثلاثمائة قرية و ستون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم أمره لجئوا إلى حصنهم، و هرب بعضهم إلى الجبال و الوعر. فنزل عليها وقت المساء. فلما أصبح أمر بالقتال فكانت بينهم حروب حتى يئس المسلمون من الحياة. فأعطاه اللّه الظفر. فانهزم القوم و قتل أكثر فرسان الروم. و ذهب عزهم من الزاب و ذلوا آخر الدهر.

و رحل حتى نزل تاهرت. فلما بلغ الروم خبره، استعانوا بالبربر فأجابوهم و نصروهم. فقام عقبة و خطب الناس و حرضهم على القتال و التقوا و اقتتلوا فلم يكن للروم و البربر طاقة بقتالهم. فقتلهم قتلا ذريعا و فرق جموع الروم عن المدينة.

ثم رحل حتى نزل طنجة. فلقيه رجل من الروم يقال له إيليان‏ (2) و كان شريفا فى قومه. فأهدى إليه هدية حسنة و لاطفه و نزل على حكمه. فسأله عن بحر الأندلس. فقال: «إنه محفوظ لا يرام».

فقال: «دلنى على رجال البربر و الروم». فقال: «قد تركت الروم خلفك و ليس أمامك إلا البربر. و فرسانهم فى عدد لا يعلمه إلا اللّه تعالى‏

____________

(1) ص: أزبة. البكرى: وصف إفريقية 144 و المالكى 23: أدنة. ابن خلدون 4: 399: أذنة. و رجح حسين مؤنس 189: أزبة، اعتمادا على تسمية الإقليم كله بالزاب.

(2) ابن الأثير 3: 308 ابن خلدون 4: 399: يليان. و هما من‏Julien و اختلف المؤرخون فى جنسيته فذكر ابن خلدون أنه بربرى، و استبعد ذلك حسين مؤنس 192، بل شك فى وجوده، و علل ذكر العرب له بما هو معروف من طريقة العرب فى تسمية الأعلام الأجنبية: فكل من وجد على القسطنطينية هرقل، و كل من وجد على مصر مقوقس، و كل من وجد فى إفريقية جرجير، و كل من أقام فى طنجة يليان. و لا يبعد أن يكون وجود يليان صاحب طارق ذا أثر رجعى على الشخص الذى وجد على طنجة إذ ذاك.

28

و هم أنجاد البربر و فرسانهم». فقال عقبة: «فأين موضعهم؟» قال: «فى السوس الأدنى، و هم قوم ليس لهم دين، يأكلون الميتة؛ و يشربون الدم من أنعامهم. و هم أمثال البهائم، يكفرون باللّه و لا يعرفونه». فقال عقبة لأصحابه: «ارحلوا (1) على بركة اللّه».

فرحل من طنجة إلى السّوس الأدنى، و هو فى جنوب مدينة طنجة التى تسمى تارودانت. فانتهى إلى أوائلهم فقتلهم قتلا ذريعا. و هرب من بقى منهم، و تفرقت خيله فى طلبهم.

و مضى حتى دخل السّوس الأقصى فاجتمع البربر فى عدد كثير لا يحصيهم إلا اللّه تعالى. فقاتلهم قتالا لم يسمع بمثله. فقتل خلقا كثيرا منهم. و أصاب نساء لم ير الناس مثلهن. فقيل: إن الجارية كانت تساوى بالمشرق ألف مثقال و أكثر و أقل.

و سار حتى بلغ البحر المحيط لا يدافعه أحد و لا يقوم له. فدخل فيه حتى بلغ الماء لبان فرسه‏ (2). و رفع يده إلى السماء و قال: «يا رب، لو لا هذا البحر لمضيت فى البلاد إلى ملك ذى القرنين‏ (3) مدافعا عن دينك، و مقاتلا من كفر بك و عبد غيرك» (4).

ثم قال لأصحابه: «انصرفوا على بركة اللّه و عونه». فخلا الناس عن طريق عساكره هاربين. و خاف المشركون منه أشد مخافة.

و انصرف إلى إفريقية. فلما انتهى إلى ماء اسمه اليوم ماء فرس و لم‏

____________

(1) ك: اركبوا.

(2) اللبان: الصدر.

(3) ابن عذارى: مسلك ذى القرنين. (طبعة كولان).

(4) ر: عبد لغيرك.

29

يكن به ماء، فأصابهم‏ (1) عطش أشفى منه عقبة و من معه على الموت. فصلى ركعتين و دعا اللّه عز و جل. فجعل فرسه يبحث الأرض بيديه حتى كشف عن صفاة (2). فانفجر منها الماء. و جعل الفرس يمص ذلك الماء فنادى عقبة فى الناس أن احتفروا فحفروا سبعين حسا (3) فشربوا و أسقوا (4). فسمى ماء فرس.

و سار حتى انتهى إلى مدينة طبنة، و بينها و بين القيروان ثمانية أيام. فأمر أصحابه أن يتقدموا فوجا بعد فوج إلى إفريقية ثقة منه بما دوخ من البلاد، و أنه لم يبق أحد يخشاه. و سار يريد تهوذة لينظر إليها و إلى بادس، و يعرف ما يسدهما من الفرسان، فيترك‏ (5) فيهما بقدر الحاجة. فلما نظر الروم إلى قلة ما معه، طمعوا فيه و أغلقوا أبواب حصونهم دونه، و شتموه، و رموه بالنبل و الحجارة، و هو يدعوهم إلى اللّه عز و جل. فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كسيلة ابن بهرم الأوربى‏ (6) و كان فى عسكر عقبة.

____________

(1) كذا فى الأصول، و هى عادة المؤلف، و الصواب: أصابهم.

(2) الصفاة: الحجر الصلد الضخم لا ينبت شيئا.

(3) الحسا و الحسى (بكسر الحاء و إسكان السين و فتحها): الرمل المتراكم أسفله جبل صلد فاذا مطر الرمل تسرب الماء إلى أسفل فيمسكه الجبل، فاذا حفرت قليلا بزغ الماء.

(4) ك: و استقوا.

(5) ر: فينزل.

(6) ابن عبد الحكم 198، ابن عذارى المراكشى 1: 19، ابن خلدون 6: 216: كسيلة ابن لمزم. ابن الأثير 3: 308 كسيلة بن لمرم البربرى. و فى أسد الغاية: لمرم. و كناه اليعقوبى 2: 229: ابن الكاهنة. و الأوربى: نسبة لأوربة إحدى قبائل البربر. و ضبطه ابن الأثير فى أسد الغابة 3: 421: بفتح الكاف و كسر السين. و لمرم بفتح اللام و الراء و بينهما ميم ساكنة و آخره ميم.

30

ذكر خروج كسيلة و قتل عقبة بن نافع و استيلائه على القيروان‏

كان كسيلة هذا من أكابر البربر. و كان قد أسلم فى ولاية أبى المهاجر و حسن إسلامه. و قدم عقبة فعرّفه أبو المهاجر بحال كسيلة و عظمه فى البربر و انقيادهم إليه. فلم يعبأ به‏ (1) عقبة و استخف به و أهانه. فكان من إهانته له أنه أتى بغنم فأمر بذبحها، و أمر كسيلة أن يسلخ منها شاة. فقال: «أصلح اللّه الأمير! هؤلاء فتيانى و غلمانى يكفوننى المئونة». فسبه عقبة و أمره بالقيام. فقام مغضبا و ذبح الشاة. و جعل يمسح لحيته بما على يديه من دمها. فجعلت العرب يمرون به و يقولون له: «يا بربرى، ما هذا الذى تصنع؟». فيقول: «هذا جيد للشعر». حتى مر به شيخ من العرب فقال: «كلا، إن البربرى يتواعدكم». فقال أبو المهاجر لعقبة: «ما صنعت؟ أتيت إلى رجل جبار فى قومه و بدار عزه، و هو قريب عهد بالشّرك، فأفسدت قلبه.

أرى أن توثقه كتافا، فإنى أخاف عليك من فتكه‏ (2)». فتهاون به عقبة.

فلما رأى كسيلة الروم قد راسلوه و رأى فرصة، وثب و قام فى بنى عمه و أهله و من اجتمع إليه من الروم. فقال أبو المهاجر لعقبة:

«عاجله قبل أن يجتمع أمره‏ (3)». و أبو المهاجر مع ذلك كله صحبة

____________

(1) ص، ر: يعبأ بهم.

(2) ك: قتله.

(3) ك: يجمع أمره.

31

عقبة و هو فى الحديد. فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى عنه. فقال البربر له: «لم تنحيت من بين يديه و نحن فى خمسة آلاف‏ (1)؟» فقال: «إنكم كل يوم فى زيادة و هو فى نقصان، و مدد الرجل قد افترق عنه. فإذا طلب إفريقية زحفت إليه». و أما أبو المهاجر فإنه تمثل بقول أبى محجن الثقفى‏ (2):

كفى حزنا أن تمزع الخيل بالقنا (3) * * * و أترك مشدودا علىّ وثاقيا

إذا قمت غنانى الحديد و أغلقت‏ (4) * * * مصارع من دونى تصم المناديا

فبلغ ذلك عقبة بن نافع. فأطلقه‏ (5) و قال له: «الحق بالمسلمين فقم بأمرهم و أنا أغتنم الشهادة». فقال أبو المهاجر: «و أنا أغتنم ما اغتنمت». فصلى عقبة ركعتين و كسر جفن سيفه. و فعل أبو المهاجر كفعله. و كسر المسلمون أغماد سيوفهم. و أمر عقبة أن ينزلوا عن خيلهم، ففعلوا و قاتلوا قتالا شديدا. و كثر عليهم العدو فقتلوا عن آخرهم و لم يفلت منهم أحد (6).

____________

(1) المالكى: رياض النفوس 21: و نحن فى خمسين ألفا و هو فى خمسة آلاف. و لعلها سقطت من النويرى.

(2) ديوانه ص 16- طبع بريل 1887.

(3) ابن تغرى بردى 1: 159: أن تطعن الخيل بالقنا.

(4) ك، المالكى 27، ابن الأثير 3: 309: عنانى الحديد.

(5) ذكر ابن عبد الحكم 198 و المالكى 25، 27 روايتين فى مقتل أبى المهاجر تحكى إحداهما أنه قتل موثقا فى الحديد.

(6) ابن الأثير 3: 309: و أسر محمد بن أوس الأنصارى فى نفر يسير.

32

فعزم زهير بن قيس على قتال البربر فخالفه بعض أصحابه‏ (1) ففارق القيروان، و سار إلى برقة و أقام بها. و تبعه أكثر الناس. و أما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير (2) فقصد القيروان و بها أصحاب الأثقال و الذرارى من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمّنهم.

و دخل القيروان و استولى على إفريقية. و أقام بها إلى أن قوى أمر عبد الملك بن مروان. فذكر عنده أمر القيروان و من بها من المسلمين.

فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إليها، ليستنقذها من يد كسيلة.

فاستعمل عليها زهير بن قيس‏ (3).

ذكر ولاية زهير بن قيس البلوى و قتل كسيلة البربرى‏

قال: و لما أشير على عبد الملك بن مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية، قال: «لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع من المشركين إلا من هو مثله فى دين اللّه عز و جل». فاتفق رأيهم على زهير بن قيس، و قالوا: «هو صاحب عقبة و أعرف الناس بسيرته و أولاهم بطلب ثأره». و كان زهير ببرقة مرابطا منذ قفل من إفريقية. فكتب إليه عبد الملك بالخروج على أعنّة الخيل إلى إفريقية. فكتب إليه زهير يستمده بالرجال و الأموال. فوجه إليه بالأموال و وجوه أهل الشام.

____________

(1) ابن عذارى المراكشى 1: 18، ابن الأثير 3: 309، ز 1: 159: حنش بن عبد اللّه الصنعانى.

(2) ك: كثير.

(3) جعل ابن عبد الحكم 202 خروج زهير و مقتله بعد معارك حسان بن النعمان الغسانى لا قبلها.

33

فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية فى عسكر عظيم، و ذلك فى سنة تسع و ستين‏ (1). فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر (2) و تحول عن القيروان إلى ممش‏ (3). و جاء زهير فأقام بظاهر القيروان‏ (4) ثلاثة أيام حتى استراح و أراح. ثم رحل إلى كسيلة. و التقيا و اشتد القتال و كثر القتل فى الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة و جماعة من أصحابه. و انهزم من بقى منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه.

و عاد زهير إلى القيروان. فرأى ملك إفريقية ملكا عظيما، فقال: «إنما أحببت الجهاد، و أخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك». و كان عابدا زاهدا. فترك بالقيروان عسكرا و رحل فى جمع كبير (5) يريد المشرق. و كان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى إفريقية و خلوها، فخرجوا إليها فى مراكب كثيرة من جزيرة صقلية (6).

فأغاروا على برقة و قتلوا و نهبوا. و وافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه أشدّ قتال. و ترجل هو و من معه و قاتلوا فعظم الخطب.

و تكاثر الروم عليهم فقتل زهير و أصحابه، و لم ينج منهم أحد (7).

و عاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية.

____________

(1) ابن خلدون 4: 400، 6: 217: سنة سبع و ستين.

(2) ابن الأثير 3: 309، المالكى: 1: 30: البربر و الروم.

(3) ابن خلدون 4: 400: ميس. المالكى 30: ممس. ياقوت: ممسى، و هى مدينة بيزنطية قديمةMamma .

(4) المالكى 30: نزل بالقيروان.

(5) ك: كثير.

(6) ذكر ابن خلدون 4: 440 أن الجيش خرج من القسطنطينية، و لكن ابن الأثير 3:

31 ذكر أن الجيش كان مؤلفا من قوتين آتيتين من الموضعين.

(7) المالكى 31: و لم يخلص منهم سوى رجل واجد.

34

و لما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه‏ (1)، و كانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة. و شغل عبد الملك عن القيروان‏ (2) ما كان بينه و بين عبد اللّه بن الزبير. فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها.

ذكر ولاية حسان بن النعمان الغسانى افريقية

قال: كان عبد الملك قد أمر حسان بن النعمان بالمقام بمصر في عسكر عدته أربعون ألفا (3). و تركه بها عدة لما يحدث. فكتب إليه بالنهوض إلى إفريقية و يقول: «إنى قد أطلقت يدك فى أموال مصر، فاعط من معك و من ورد عليك من الناس، و اخرج إلى جهاد إفريقية على بركة اللّه». قال ابن الأثير فى تاريخه الكامل: إنه استعمله فى سنة أربع و سبعين بعد مقتل عبد اللّه بن الزبير. و قال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية فى سنة تسع و ستين‏ (4). قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان و تجهز منها إلى قرطاجنة.

____________

(1) ك: عظم عليه ذلك.

(2) ص: بما.

(3) المالكى 1: 31: فى ستة آلاف. و خطأه محققه.

(4) ذكر ابن كثير 8/ 317 أن مسير حسان إلى إفريقية كان فى سنة 71 ه و جعله ابن عبد الحكم 200 فى سنة 73 ه، و ابن عذارى 1: 22 فى سنة 78، و ابن خلدون 6: 218 فى سنة 79، و تواريخ أخرى أوردها مؤرخون آخرون غير ما أتى به النويرى. و أجمل ذلك ابن عذارى فى قوله 1: 31 «و غزوات حسان لم تنضبط بتاريخ». و علل حسين مؤنس 235 هذا التباين بأن حسانا قام بحملتين لا حملة واحدة، فتح فى الأولى قرطاجنة ثم هزمته الكاهنة، و فى الثانية هزم الكاهنة و فتح قرطاجنة مرة أخرى. فاختلط الأمر على المؤرخين لتشابه أعمال الرجل فى كلتيهما.

35

ذكر فتح قرطاجنة و تخريبها

قال: و لما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقى بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، و هى بلدة عظيمة، و لم تفتح بعد، و لا قدر عليها عقبة. فسار إليها. و قاتل من بها من الروم و البربر أشد قتال. فانهزموا و ركبوا فى البحر. و سار بعضهم إلى صقلية و بعضهم إلى الأندلس. و دخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل و سبى و نهب. و أرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم و البربر قد اجتمعوا فى صطفورة (1) و بنزرت. فسار إليهم و قاتلهم، فهزمهم و أكثر القتل فيهم. و استولى المسلمون على بلادهم. و لم يترك موضعا منها حتى وطئه.

فخافه أهل إفريقية خوفا شديدا. و لجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها. و تحصن البربر بمدينة بونة. و عاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح و استراح.

ذكر حروب حسان و الكاهنة و تخريب افريقية و قتل الكاهنة

قال: ثم قال حسّان للناس: «دلونى على أعظم من بقى من ملوك إفريقية». فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، و قالوا:

«إنها بجبل أوراس، و هى بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل‏

____________

(1) صطفورة: يرجح أنها شبه الجزيرة الواقع شمالى تونس و تقع فيه بنزرت. و فى الأصول: صفطقورة. و وردت صحيحة فى جاسبار، دى‏سلان، ابن عذارى المراكشى 1:

2 ابن خلدون 4: 401، و المالكى 1: 31.

36

قتل كسيلة». و كانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها. و عظّموا محلّها عند حسان و قالوا: «إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك».

فسار إليها. فلما قاربها هدمت حصن باغاية، ظنّا منها أنه يريد الحصون. فلم يعرج‏ (1) حسان على ذلك و سار إليها. فالتقوا على نهرتينى‏ (2) و اقتتلوا أشد قتال. فانهزم المسلمون و قتل منهم خلق كثير و أسرت جماعة من أصحابه‏ (3). فأكرمتهم الكاهنة و أطلقتهم إلا خالد بن يزيد القيسى‏ (4)، و كان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا.

و سار حسان منهزما و فارق إفريقية. و كتب إلى عبد الملك بما كان من أمره. فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين‏ (5) فسمّى ذلك المكان قصور حسان. و ملكت الكاهنة إفريقية كلها و أساءت السيرة فى أهلها.

ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال و الجيوش. و أمره بالمسير إلى إفريقية و قتال الكاهنة. فسار إليها. فقالت الكاهنة لقومها:

«إن العرب يريدون البلاد و الذهب و الفضة، و نحن إنما نريد المزارع و المراعى، و لا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها». و فرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، و هدموا الحصون، و قطعوا الأشجار

____________

(1) يعرج: يقف و يقيم.

(2) رجح حسين مؤنس 247 أنه أحد النهيرات التى تصب فى جرعة الطرف، قريبا من تبسة.

و فى ابن عذارى المراكشى 1: 25: وادى سكتاتة، و فى ابن خلدون 6: 218: وادى مسكيانة.

و فى الاستقصاء: وادى مليانة.

(3) ص: الصحابة. و ذكر ابن عذارى 1: 25، 27 أنها أسرت ثمانين رجلا. و ذكر المالكى 1: 33 أنها أسرت ثمانية و قيل ثمانين.

(4) اضطربت المصادر فى قبيلة خالد: أهى قيس أم عبس، حتى نسبه المصدر الواحد إلى القبيلتين فى موضعين مختلفين.

(5) المالكى 1: 33: ثلاث سنين. و رجحها حسين مؤنس 256.

37

و نهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: «و كانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلّا واحدا و قرى متصلة، فأخربت ذلك». فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. و سار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال و الطاعة، و كانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاما (1).

و سار على قفصة (2). فأطاعه من بها. و استولى عليها و على قسطيلية و نفزاوة.

و بلغ مقدمه الكاهنة، فأحضرت ولدين لها و خالد بن يزيد و قالت لهم: «إننى مقتولة، فامضوا إلى حسان و خذوا لأنفسكم منه أمانا».

فساروا إليه. فوكل بولديها من يحفظهما. و قدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل.

و سار حسان نحو الكاهنة فالتقوا و اقتتلوا، و اشتد القتال و كثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء. ثم نصر اللّه المسلمين. و انهزم البربر و قتلوا قتلا ذريعا. و انهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت. ثم استأمن البربر إلى حسان فأمنهم. و قرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو. و قدم عليهم ابنى الكاهنة ثم فشا الإسلام فى البربر.

و عاد حسان إلى القيروان و بطل النزاع و استقامت إفريقية له.

فلما مات عبد الملك و ولى الوليد- و كان على مصر و إفريقية

____________

(1) ابن الأثير 4: 32: عاملا، و هى أدق.

(2) كذا فى ع، ك. و فى ص، ر: إلى قفصة، و هى أوضح.

38

عبد العزيز بن مروان‏ (1)- فعزل حسان و استقدمه. و بعث إليه بأربعين رجلا من أشراف أصحابه، و أمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه.

فعلم حسان ما يراد منه، فعمد إلى الجوهر و اللؤلؤ و الذهب‏ (2)، فجعله فى قرب الماء و طرحها فى المعسكر، و أظهر ما وراء ذلك. فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدى إليه مائتى جارية و وصيف من خيار ما كان معه‏ (3) و يقال: إن حسان كان معه من السبى خمسة و ثلاثون ألف رأس. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد و أخذ منه خيلا كثيرة.

و رحل حسان بما بقى معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز. فغضب الوليد و أنكره. فقال حسان لمن معه:

«ائتونى بالقرب». فأتى بها فأفرغها بين يدى الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر و اللؤلؤ و الذهب. فقال حسان: «يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدا فى سبيل اللّه، و لم أخن اللّه تعالى و لا الخليفة».

فقال له الوليد: «أردك إلى عملك و أحسن إليك». فحلف حسان أنه لا ولى لبنى أمية ولاية أبدا. فغضب الوليد على عمه عبد العزيز لما عامل به حسانا. و كان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته و أمانته ثم ولى بعده موسى بن نصير.

____________

(1) كان عبد العزيز واليا على مصر و وليا لعهد أخيه عبد الملك ثم توفى قبله. فليس بصحيح إذن أنه كان واليا على مصر للوليد بن عبد الملك، و إنما كان واليه عليها عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان. و كذا قال ابن الأثير: الكامل 4: 32 إن عبد اللّه هو الذى فعل ما فعل مع حسان. و لكن غير ابن الأثير ذكر أن عبد العزيز هو صاحب الفعلة فى آخر عهده، و أن الخليفة الذى قابله عبد الملك لا ابنه الوليد.

(2) ابن عذارى المراكشى 1: 30: الجوهر و الذهب و الفضة.

(3) ابن عذارى المراكشى 1: 30: من بنات ملوك الروم و البربر.

39

ذكر ولاية موسى بن نصير افريقية و ما كان من حروبه و آثاره‏

كانت ولايته فى سنة تسع و ثمانين‏ (1)، و ذلك أن حسان بن النعمان لما امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز (2) أن يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية و أن تكون ولايته من قبل الوليد. و أفرد إفريقية عن مصر. فسار موسى حتى قدم إفريقية و عزل عنها صالحا (3) خليفة حسان بها.

فبلغه أن بأطراف إفريقية قوما خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد اللّه‏ (4) فقاتلهم و ظفر بهم. و أتاه بمائة ألف رأس من سبيهم.

ثم وجه ولده مروان‏ (5) إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتى بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: «فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس و لم يسمع بمثل هذا فى الإسلام».

____________

(1) كثر الاختلاف حول تاريخ ولاية موسى. فذكر اليعقوبى 2: 227 أنه تولى إفريقية فى سنة 77، و جعلها الذهبى: دول الإسلام 1: 37، و ابن العماد: الشذرات 1: 84، و ابن الأثير الكامل 4: 112 فى أحد قوليه سنة 78، و جعلها ابن كثير: البداية و النهاية 9: 21، 171 و الحميدى: جذوة المقتبس 317 و صاحب الإمامة و السياسة 2: 61 سنة 79، و ابن عبد الحكم 203 سنة 78 أو 79 و المقرى: نفح الطيب 1: 141 سنة 88.

(2) انظر ما سبق أن قلناه عن عبد العزيز و الوليد، إلى جانب أن كثيرا من المؤلفين ذكر أن عبد العزيز ولى موسى بن نصير دون استشارة الخليفة عبد الملك.

(3) ابن عبد الحكم 203، الإمامة و السياسية 2: 62: أبا صالح.

(4) الإمامة و السياسة 2: 63: عبد الرحمن، تحريف.

(5) ابن الأثير 4: 112: هارون، تحريف. و هو ابن أخ لموسى لا ابنه، و لم يذكر ابن عبد الحكم 204، و ابن كثير 9: 173 عبد اللّه، و استبدلا به ابن أخ لموسى.

40

ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقى من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد.

فاستأمن البربر إليه و أطاعوه. فقبل طاعتهم و ولى عليهم واليا.

ثم استعمل على طنجة و بلادها مولاه طارق بن زياد. و تركه بها فى تسعة عشر ألف فارس من البربر و طائفة يسيرة من العرب‏ (1) لتعلّم البربر القرآن و فرائض الإسلام.

و رجع إلى إفريقية فمر بقلعه مجّانة. فتحصن أهلها منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان‏ (2) ففتحها، فسميّت قلعة بسر. و لم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر و لا من الروم.

ذكر فتح جزيرة الأندلس و شي‏ء من أخبارها

كان فتح الأندلس فى سنة اثنتين و تسعين على يد طارق ابن زياد مولى موسى بن نصير. و قد ذكر ابن الأثير فى تاريخه الكامل‏ (3) أخبار الأندلس و ابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.

____________

(1) قال ابن عبد الحكم 204 عن جيش طارق: و كانوا ألفا و سبع مائة. و يقال: بل كان مع طارق اثنا عشر ألفا من البربر إلا ستة عشر رجلا من العرب، و ليس ذلك بالصحيح. و جعل ابن عذارى 1: 37 عدد المعلمين العرب 17. و لم يتنبه بعض المؤرخين إلى أنهم معلمون فأخطئوا فى عدهم و بالغوا. فجعلهم ابن عذارى فى موضع آخر 1: 36: 1700، و ابن خلدون 6: 22:

27.

(2) فى الأصول عن ابن الأثير 4: 112: بشر بن فلان. و الصواب بسر بن أرطاة، الذى ذكر ابن عبد الحكم 205، و البلاذرى 227 أن عقبة بن نافع أو موسى بن نصير وجه به إلى هذه القلعة، و قد بلغ من العمر 82 سنة، فافتتحها، و سميت باسمه. و انظر معجم البلدان لياقوت مجانة.

(3). 4: 119.

41

قال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلش- بشين معجمة (1)- ثم عرّب بعد ذلك بسين مهملة، و النصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش‏ (2)، و قيل: باسم ملك كان لها (3) فى الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش‏ (4). و هذا هو اسمها عند بطليموس. و قيل:

سميت بأندلس بن يافث بن نوح‏ (5)، و هو أول من عمرها.

و قيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها و تداولوا ملكها دهرا طويلا، و كانوا مجوسا. ثم حبس اللّه عنهم المطر و توالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، و فر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة.

ثم ابتعث اللّه لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط (6) توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها.

فحملهم فى السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزيرة قادس.

فرأوا الأندلس و قد أخصبت بلادها و جرت أنهارها. فسكنوها و عمروها. و نصبوا لهم ملوكا ضبطوا أمرهم‏ (7). و كانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها و سكنوها. و أقاموا

____________

(1) ر: بالشين المعجمة. و زاد ابن الأثير: فسمى البلد بهم.

(2) ك، ابن الأثير: إشبانس.

(3) ص، ابن الأثير: بها.

(4) ابن الأثير: طيطس.

(5) المقرى 1: 81 عن ابن سعيد: إنما سميت بأندلس بن طوبال بن يافث بن نوح.

(6) زاد ابن الأثير: تخففا منهم.

(7) زاد ابن الأثير: و هم على دين من قبلهم.

42

مدة تزيد على مائة و خمسين‏ (1) سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكا.

ثم أرسل اللّه عليهم عجم رومة، و ملكهم إشبان بن طيطش‏ (2) فغزاهم و مزقهم و قتل منهم و حاصرهم‏ (3) بطالقة، و قد تحصنوا بها، فابتنى‏ (4) عليها إشبانية- و هى إشبيلية- و اتخذها دار مملكته.

و كثرت جموعه و عتا و تجبر. و غزا بيت المقدس و غنم ما فيه، و قتل منه مائة ألف، و نقل المرمر منه إلى إشبيلية و غيرها. و غنم منه مائدة سليمان بن داود (عليهما السلام)، و هى التى غنمها طارق لما فتح طليطلة، و غنم قليلة الذهب و الحجر الذى لقى بماردة.

و كان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر (5)، و هو يحرث الأرض فقال له: «يا إشبان، سوف تحظى و تعلو و تملك. فإذا ملكت إيليا (6) فارفق بذرية الأنبياء». فقال له: «أ تسخر بي و كيف ينال مثلى الملك؟». فقال له: «قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى» فنظر إليها، فإذا هى قد أورقت.

فارتاع و ذهب عنه الخضر و قد وثق بقوله. فداخل الناس و ارتقى‏

____________

(1) ابن عذارى المراكشى 2: 2: نحو مائة و خمسين سنة. المقرى: نفح الطيب 1:

86: 156 سنة.

(2) ك، ابن الأثير: طيطس.

(3) ك: و حصرهم.

(4) ك: فبنى.

(5) الذى حكى القرآن أنه لقى موسى و أنبأه بالغيب و يوصف بأنه معمر محجوب عن الأبصار، باق إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة.

(6) إيلياء: بيت المقدس.

43

حتى ملك ملكا عظيما. و كان ملكه عشرين سنة و دام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة و خمسون ملكا.

ثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات‏ (1)، و ملكهم طلوبش بن بيطة (2)، و ذلك حين بعث اللّه المسيح (عليه السلام). فغلبوا عليها، و استولوا على ملكها، و قتلوا ملكها.

و ملك منهم سبعة و عشرون ملكا. و كانت مدينة ماردة دار ملكهم.

ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس و اقتطعوها (3) من صاحب رومة. و كان ظهورهم من ناحية أنطالية (4) شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية فى أيام قليوديوس‏ (5) قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم و هزمهم و قتل فيهم‏ (6). و لم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. و أعادوا الغارة. فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له.

و انقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنطين، فقدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق، و كان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه و ظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه و مالوا إلى أخيه و حاربوه. فاستعان بصاحب‏

____________

(1) كذا فى ر و المقرى 1: 89. و فى ع، ك البشتومات، و فى ابن الأثير: البشتوليات و فى ابن عذارى المراكشى 2: 3: البشتولقات.

(2) كذا فى ر، المقرى 1: 89 دى‏سلان. و فى ع، ص: طاويش بن نيطة. و فى ك:

طارش بن بيطة. و فى ابن الأثير: طويش بن نيطة.

(3) كذا فى، ر، ابن الأثير. و فى ع، ص، ك: و اقتلعوها.

(4) ر. انطاكية. و فى ابن الأثير: ايطالية.

(5) ابن الأثير: قلبوذيوس. ر: فليودونوس.

(6) ر: و قتل منهم.

44

رومة. فبعث إليه‏ (1) جيشا فهزم أخاه و دان بدين النصارى.

و كانت ولايته ثلاث عشرة سنة. ثم ولى بعده أقريط، و بعده أمريق‏ (2) و بعده و غديش‏ (3)، و كانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان.

فجمع من أصحابه مائة ألف و سار إلى رومة. فسير إليه‏ (4) ملك الروم جيشا فهزموه و قتلوه. ثم ملك بعده الريق.

ثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير (5): منهم من عبد الأوثان و منهم من دان بدين النصرانية، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة (6)، و كانت ولايته سنة سبع و سبعين للهجرة. ثم توفى و خلف ولدين. فلم يرض بهما أهل الأندلس و رضوا برجل يقال له رذريق‏ (7)، و كان شجاعا و ليس من بيت الملك.

و كانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور و الإناث إلى مدينة طليطلة يكونون فى خدمة الملك لا يخدمه غيرهم، يتأدبون بذلك. فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضا

____________

(1) ك: إليهم.

(2) ك: افريق. ابن الأثير: أماريق. و هوAmalarico

(3) ك: و غديس.

(4) ك: إليهم.

(5) الكامل: 4: 120.

(6) المقرى: 1: 155: إغطشة، و هما من‏Witiza

(7) كذا فى ابن الأثير 4: 121، ابن عذارى المراكشى 2: 4، ر، ابن تغرى بردى 1: 232Roderic و فى ع، ص: و ذريق. و فى ابن الأثير: دوريق. و فى المقرى و ابن عبد الحكم 205، و المعجب 10: لذريق. و فى ابن القوطية: لوذريق. و فى ابن خلدون 4: 253 لزريق. و فى اليعقوبى 2: 285: الادريق. و فى ابن كثير 9: 83 أدريقون.

و فى الطبرى 8: 82: أدرينوق. و ذكر المقرى 1: 161، 168 أن أبناء غيطشة ثلاثة و هو الصواب. انظر حسين مؤنس: فجر الأندلس 15.

45

و تولى تجهيزهم. فلما ولى رذريق، أرسل إليه يليان‏ (1)- و هو صاحب الجزيرة الخضراء و سبتة و غيرهما- ابنته فاستحسنها رذريق فافتضها. فكتبت إلى أبيها بذلك. فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع و الطاعة. و استدعاه فسار إليه. فأدخله يليان مدائنه. و أخذ عليه العهود له و لأصحابه بما يرضى به. ثم وصف له الأندلس و دعاه إليها، و ذلك فى آخر سنة تسعين. فكتب موسى إلى الوليد بذلك، و استأذنه فى غزوها. فأذن له إذا لم يكن الوصول إلها فى بحر متسع.

فبعث موسى مولى من مواليه، يقال له طريف‏ (2)، فى أربعمائة رجل و معهم مائة فارس‏ (3). فساروا فى أربع سفن.

فخرجوا فى جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف. ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم كثيرة و رجع سالما، فى شهر رمضان سنة إحدى و تسعين. فلما رأي الناس ذلك، تسرعوا إلى الغزو.

ثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد، و كان على مقدمات جيوشه، فبعثه فى سبعة آلاف من المسلمين‏ (4) أكثرهم البربر و الموالى و أقلهم العرب. فساروا فى البحر. و قصدوا جبلا

____________

(1) البلاذرى 230: أليان. ابن الأثير 4: 121: يوليان. و جعل ابن القوطية يليان تاجرا يتنقل بين أسبانيا و المغرب.

(2) يفهم من ابن خلدون 4: 254 أن غزوتى طريف و طارق تمتا فى وقت واحد.

(3) المقرى 1: 159: و قيل دخل طريف فى ألف رجل.

(4) اختلف المؤرخون فى عدد جيش طارق. فهو فى ابن خلدون 4، 254 و المقر 1: 143 زهاء 000، 10 من البربر و 300 من العرب، و فى الإمامة و السياسة 2: 73: 1700.

46

منيفا (1) فى البحر، و هو متصل بالبر. فنزله فسمّى الجبل جبل طارق. و لما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل و سماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم، و جرت الألسن على الاسم الأول. و كان حلول طارق به فى شهر رجب سنة اثنتين و تسعين‏ (2).

قال: و لما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبى صلى اللّه عليه و سلم و معه المهاجرون و الأنصار و قد تقلدوا السيوف و تنكّبوا القسى. فقال النبى صلى اللّه عليه و سلم له: «يا طارق تقدم لشأنك». و أمره بالرفق بالمسلمين و الوفاء بالعهد. و نظر طارق فرأى النبى صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه. فاستيقظ من نومه، و بشر أصحابه، و قويت نفسه، و أيقن بالظفر.

فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، و فتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا. فقالت له: «إنّى كان لى زوج، و كان عالما بالحوادث، و كان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم و يغلب عليه، و وصف من صفته أنه ضخم الهامة و أن فى كتفه الأيسر شامة عليها شعر». فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر.

قال: و لما فتح الجزيرة الخضراء و فارق الحصن الذى فى‏

____________

(1) ك: منيعا.

(2) ذكر ابن حيان: المقتبس 1: 155 أن العبور كان لسبع خلون من ربيع الأول.

47

الجبل، بلغ رذريق خبره. فأعظم ذلك، و كان غائبا فى غزاة فرجع منها، و قد دخل طارق بلاده. فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف‏ (1). فكتب طارق إلى موسى يستمده و يخبره بما فتح. فأمده بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثنى عشر ألفا، و معهم يليان يدلّهم على عورة البلاد و يتجسس لهم الأخبار. و أتاهم رذريق فى جنده. فالتقوا على نهر بكّة (2) من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين و تسعين. و اتصلت الحرب بينهم ثمانية أيام‏ (3). و كان على ميمنة رذريق و ميسرته ولدا الملك الذى كان قبله و غيرهما من أبناء الملوك. فاتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق و قالوا: «إنّ المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم و بقى الملك لنا». فانهزموا. و هزم اللّه رذريق و من معه و غرق فى النهر (4).

و سار طارق إلى مدينة إستجة (5) فى اتباعهم. فلقيه أهلها و معهم من المنهزمين خلق كثير. فقاتلوه قتالا شديدا ثم‏

____________

(1) المقرى 1: 149، و الإمامة و السياسة 2: 74: 000، 70 فارس. و فى ابن خلدون 4: 254: زهاء 000، 40.

(2) كذا فى ابن القوطية 5، و صححه حسين مؤنس: فجر الأندلس 071 و فى الأصول و المقرى 1: 155، 162: لكة. و فى المقرى 1: 144 أيضا كان التقاء بفحص شريش.

(3) ابن عذارى المراكشى: 13: اختلفوا أيضا كم أيام المزاحفة التى أعقبها الفتح و انهزم آخرها رذريق. فقيل: يوم كامل. و قيل: يومان. و قيل: ثلاثة. و قيل: ثمانية.

(4) ابن عذارى المراكشى 2: 10، 11، 13 صاحب الإمامة و السياسة 2: 74 أن رذريق قتل و احتز رأسه. و ذكر ابن عذارى المراكشى 2: 11 أن رذريق لم يعرف له موضع و لا وجدت له جثة، و انما وجد له خف مفضض فقالوا إنه غرق، و قالوا إنه قتل. و ذكر حسين مؤنس: فجر الأندلس 74 أنه لم يمت.

(5) ص، ك، ر: أسيجة. ابن عذارى المراكشى 2: 14: أسجة.

48

انهزم أهل الأندلس. و نزل طارق على عين بينها و بين مدينة إستجة أربعة أميال فسميت عين طارق.

قال: و لما سمع القوط بهاتين الهزيمتين، قذف اللّه فى قلوبهم الرعب، و هربوا إلى طليطلة، و أخلوا مدائن من الأندلس‏ (1) فقال له يليان: «قد فرغت من الأندلس، ففرّق جيوشك، و سر أنت إلى طليطلة». ففرق جيوشه من مدينة إستجة: فبعث جيشا إلى قرطبة، و جيشا إلى أغرناطة (2)، و جيشا إلى مالقة، و جيشا إلى تدمير (3).

و سار هو و معظم الجيش إلى طليطلة. فلما بلغها وجدها خالية و قد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها مائة. قال: و فتح سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد. قال: و لما رأى طارق طليطلة خالية، ضم إليها اليهود و ترك معهم رجالا من أصحابه.

و سار هو إلى وادى الحجارة. و قطع الجبل من فج فيه فسمّى بفج طارق. و انتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة (4)، و فيها مائدة سليمان بن داود (عليهما السلام)(5)، و هى من زبرجدة

____________

(1) ص، ك: ابن الأثير 4: 122: و أخلوا مدائن الأندلس.

(2) ك: غرناطة.

(3) أنكر ذلك حسين مؤنس: فجر الأندلس 77، و ذكر أن المسلمين لم يفتحوا غرناطة و مالقة و تدمير الا فى ولاية عبد العزيز بن موسى و إن لم يستبعد أن يكون طارق قد بعث سرايا صغيرة إلى المدن الثلاثة و غيرها لمجرد الاستطلاع لا للفتح.

(4) رجح حسين مؤنس 79 أنها على مقربة من قلعة هنارس.

(5) رجح حسين مؤنس 78 أنها مذبح كنيسة طليطلة.

49

خضراء (1)، حافاتها و أرجلها منها مكللة باللؤلؤ و المرجان و الياقوت و غير ذلك، و كان لها ثلاثمائة و ستون رجلا.

ثم مضى إلى مدينة ماية (2) فغنم منها. و رجع إلى طليطلة فى سنة ثلاث و تسعين. و قيل: إنه اقتحم أرض جليقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة، و انصرف إلى طليطلة. و وافته جيوشه التى وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التى سيرهم إليها.

و دخل موسى بن نصير الأندلس فى شهر رمضان سنة ثلاث و تسعين فى جمع كثير (3)، و قد بلغه ما صنع طارق فحسده‏ (4).

فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له: «تسلك طريق طارق؟» فأبى.

فقال له الأدلاء: «نحن ندلّك على طرق‏ (5) أشرف من طريقه و مدائن لم تفتح بعد» (6). و وعده يليان بفتح عظيم، فسر بذلك.

فساروا به إلى مدينة ابن السليم‏ (7) فافتتحها عنوة. ثم سار إلى مدينة قرمونة، و هى أحصن‏ (8) مدن الأندلس. فتقدم إليها يليان و خاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم. و أرسل موسى إليهم الخيل‏

____________

(1) ابن الأثير 4: 123: من زبر جد أخضر.

(2) استبعد حسين مؤنس 79 أن يكون طارق قد سار إلى مايةAmaya و اشترجةAstorga فى ذلك الوقت، و رجح أنه قام بحملاته نحو هذين البلدين بعد ذلك بزمن ليس بالقصير.

(3) ص: جمع كبير.

(4) ذكر صاحب الإمامة و السياسة 2: 74 و ابن عذارى المراكشى 2: 19 أن موسى دخل الأندلس إجابة لاستغاثة من طارق.

(5) ص، ابن الأثير 4: 123: طريق.

(6) ك: قبل.

(7) ذكر ابن عذارى المراكشى 7: 19 أن أول فتوحات موسى مدينة شذونةSidonia

(8) ر، ص: أحسن.

50

ففتحوها لهم ليلا. فدخلها المسلمون و ملكوها. ثم سار موسى إلى إشبيلية، و هى من أعظم مدائن الأندلس بنيانا و أغربها آثارا (1) فحصرها (2) أشهرا و فتحها، و هرب من بها. فأنزلها موسى اليهود.

و سار إلى مدينة ماردة فحصرها، و قد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه‏ (3) قتالا شديدا. فكمن لهم موسى ليلا فى مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار. فلما أصبحوا زحف إليهم. فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم.

فخرج عليهم الكمين، و أحدقوا بهم، و حالوا بينهم و بين البلد، و قتلوهم قتلا ذريعا. و نجا من سلم منهم فدخل المدينة، و كانت حصينة. فحصرهم بها أشهرا. و زحف إليهم بدبابة عملها و نقبوا سورها. فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمّى برج الشهداء.

ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع و تسعين صلحا (4)، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين و أموال الهاربين إلى جليقية و أموال الكنائس و حليها للمسلمين‏ (5).

ثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا و قصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين. فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها و قتل من بها من أهلها.

____________

(1) ابن الأثير 4: 123: و أعزها آثارا.

(2) ك: فحاصرها.

(3) ص: فقاتلهم.

(4) زاد ابن الأثير 4: 123: يوم الفطر. فأبان أن الصلح كان فى أول شوال، كما قال ابن عذارى المراكشى 2: 22 و غيره.

(5) كذا فى الأصول، و ابن عذارى المراكشى 2: 22، ابن الأثير 4: 123. و فى المقرى 1: 171، و الأخبار المجموعة 18: جميع أموال القتلى يوم الكمين و أموال الهاربين إلى جليقية للمسلمين، و أموال الكنائس و حليها لها.