نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج25

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
412 /
5

الجزء الخامس و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقديم‏

هذا هو الجزء الخامس و العشرون من نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين النويرى، يروعنا منه منهج المؤرخ النزيه، عفة في اللفظ وحيدة في الحكم و دقة في النقل، تلاحظ عفة اللفظ بخاصة و أنت تقارن لفظه و هو يتحدث عن القرمطة بلفظ غيره من المؤرخين الذين سبقوه دون استثناء، هذا بالإضافة إلى أسلوب في العرض فريد في زمنه، و إلى تضمّنه لنقول تبيّن عقائد و آراء عبثت بها الأساطير، نقلها عن الشريف محمد بن على العلوى المعروف بأخى محسن، و هو مؤرخ ضاعت- أو بتعبير أدق- لم يصلنا من كتبه إلا شي‏ء يسير.

و هذا الجزء أيضا ثمرة لثلاث مخطوطات محفوظة بدار الكتب المصرية برقمى 549، 551 معارف عامة و رقم 699 تاريخ (الخزانة التيمورية)، و لقد رمزت للأولى بحرف ك و للثانية بحرف ا و للثالثة بحرف ت. أما المخطوطة ت فلو لا ما فيها من سقط في مواضع مختلفة لكانت فائدتها محققة، أما المخطوطتان ك، ا فقد سبق لى أن تحدثت عنهما و أنا أقدم الجزء الثانى و العشرين، و يزيدنى هذا الجزء اقتناعا بأن المخطوطة ا يتميز ناسخها بالدقة و الأمانة في النقل، هذه الدقة

6

فى النقل و رسم الحروف ثمرة عناية ناسخ يعمل للسلطان، ترى ذلك واضحا- على غلاف النصف الأول من هذا الجزء- بالقول قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم و الخاقان المعظم مالك البرين و البحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان ابن السلطان السلطان محمود، وقفا شرعيا لمن طالع و تبصّر و اعتبر و تذكر أجزل اللّه تعالى لواءه و أوفره، حرره الفقير أحمد شيخ زادة المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين غفر لهما.

و مما هو جدير بالذكر، أنّه رغم هذا الوقف فقد تداولتها أيد بيعا و شراء، كما يتبين ذلك مما على غلافها، و مهما يكن من أمر هذا التداول فإنه لم يؤثر على المخطوطة تأثيرا يفسدها، و كل ما طرأ هو رغبة في تجليد ترتّب عليها تأثير المادة الملصقة على الصفحة الأولى، فذهبت أنصاف سطورها، و هو شي‏ء يمكن تداركه بيسر.

و أخيرا أرجو أن أكون قد أديت واجبى، و اللّه ولى التوفيق.

القاهرة في مايو سنة 1962 م د. محمد جابر الحينى‏

7

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

الباب السابع فى أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبيين فى مدة الدولتين الأموية و العباسية

محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب و أخوه ابراهيم‏

و نحن نذكر سبب ظهورهما و ما كان من أمرهما و ما اتفق لأولاد الحسن (رضى اللّه عنه) بسبب ذلك، ثم نذكر ظهور محمد و ما اتفق له.

إلى أن قتل، و ظهور إبراهيم بعده، و ما كان من خبره و حروبه و مقتله، و ما يتصل بذلك فنقول:

كان سبب ظهورهما أنّ محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن‏ (1) ابن على هذا، كان يدّعى أنّ أبا جعفر المنصور كان ممّن بايعه، لمّا تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، عند اضطراب‏ (2).

أمر مروان بن محمد الحمار، فلما قامت الدولة العباسية و بويع السفاح، و اتفق حج المنصور في سنة ست و ثلاثين و مائة سأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد اللّه الحارثى: ما يهمك من أمرهما؟ أنا آتيك بهما،

____________

(1) فى ك: الحسين و هو خطأ من الناسخ.

(2) هذا الشطر من الجزء في ا هو الصفحة الأولى، و من الملاحظ أن الجانب الأيمن من هذه الصفحة أزال الأجزاء الأولى للسطور مادة التجليد، و على ذلك فان هذه الصفحة في ا لا تصلح مرجعا.

8

و كان معه بمكة، فردّه المنصور إلى المدينة، فلما استخلف المنصور لم يكن همّه إلا أمر محمد، و المسألة عنه و ما يريد، فدعا بنى هاشم رجلا رجلا يسأل كل واحد سرا عنه، فكلهم يقول قد علم أنّك عرفته بطلب هذا الأمر، فهو يخافك على نفسه، و هو لا يريد لك خلافا، و ما أشبه هذا الكلام، إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب‏ (1) فإنّه أخبره خبره، و قال: و اللّه ما آمن و ثوبه عليك، فإنّه لا ينام عنك، فأيقظ بكلامه‏ (2) من لم ينم عنه، و زاده ذلك حرصا على طلبه، و شدة في طلبه، و كان موسى بن عبد اللّه بن حسن يقول بعد ذلك: اللهم اطلب حسن بن زيد (3) بدمائنا.

ثم ألحّ المنصور على عبد اللّه بن حسن في إحضار ابنه محمد سنة حج، فقال عبد اللّه لسليمان بن على بن عبد اللّه بن عبّاس: يا أخى بيننا من الصهر (4) و الرحم ما تعلم، فما ترى؟ فقال سليمان: و اللّه لكأنّى أنظر إلى أخى عبد اللّه بن على حين حال الستر (5) بيننا و بينه، و هو يشير إلينا، إن هذا الذى فعلتم بى، فلو كان المنصور عافيا عن أحد عفا عن عمّه، يشير إلى خبر المنصور لما حبس عمه عبد اللّه بن على،

____________

(1) تذكرة ك: الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب و هو خطأ نسخ.

(2) فى هذه الصفحة الثالثة من أ تمزيق أضاع بعض كلماتها.

(3) فى ك: حسن بن يزيد.

(4) فى ك: الصبر، و التصويب عن ا، ت و الكامل ح 5 ص 391 (ط. أوروبا) و يلاحظ أن التلخيص مأخوذ عن ابن الأثير في الكامل (راجع ح 5 ص 391).

(5) فى الكامل ح 5 ص 391: الميتة و موضوعها ممزقة في ا و مقاتل الطالبيين ص 210:

حين أحال أبو جعفر الستر بيننا و بينه.

9

فقبل عبد اللّه بن حسن رأى‏ (1) سليمان، و علم أنه قد صدقه و لم يظهر ابنه.

ثم شرع المنصور في إعمال الفكرة، و التوصل إلى أن يطلع على حقيقة خبر محمد بن عبد اللّه، و جعل عليه العيون و المراصد، و توصل بكل طريق‏ (2)، حتى إنه اشترى رقيقا من رقيق الأعراب، و أعطى الرجل منهم البعير، و الرجل البعيرين، و الرجل الزود (3)، و فرّقهم في طلب محمد في ظهر المدينة، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمارّ و كالضال فيسألون عنه؛ و بعث المنصور عينا و كتب معه كتابا على ألسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم و مسارعتهم، و بعث معه بمال و ألطاف، فقدم الرجل المدينة فدخل على عبد اللّه‏ (4) بن حسن، [و] سأله عن ابنه محمد فكتم خبره، فتردّد إليه الرجل و ألحّ في المسألة فذكر له أنه في جبل جهينة، و قال له: أمرر بعلى بن حسن، الرجل الصالح الذى يدعى الأغرّ، و هو بذى الإبر، فهو يرشدك إليه، فأتاه فأرشده، و كان للمنصور كاتب على سرّه يتشيع، فكتب إلى عبد اللّه بن حسن يخبره بخبر ذلك العين، فلما قدم الكتاب ارتاع له، و بعث إلى محمد ابنه و إلى على بن حسن يحذرهما الرجل، و أرسل بذلك أبا هبّار، فخرج أبو هبّار فنزل بعلى بن حسن و أخبره، ثم سار إلى محمد بن عبد اللّه في‏

____________

(1) فى ك، ت: بن و التصويب عن أر؟؟؟ الكامل ح 5 ص 391.

(2) فى ك: رقيق و التصويب عن ا، ت.

(3) الذود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة و قيل إلى العشرة و قيل غير ذلك، و لا يكون إلا من الإناث، و هو واحد و جمع كالفلك (أقرب الموارد).

(4) فى ك: على بن حسن و هو خطأ و يؤيد أ، ت الكامل ح 5 ص 391.

10

موضعه الذى هو به، فإذا هو جالس في كهف و معه جماعة من أصحابه، و ذلك العين معهم أعلاهم صوتا و أشدّهم انبساطا، فلما رأى أبا هبّار خافه، فقال أبو هبار لمحمد: إنّ لى حاجة، فقام معه فأخبره الخبر، قال: فما الرأى؟ قال: أرى إحدى ثلاث، قال: و ما هى؟ قال:

تدعنى أقتل هذا الرجل، قال: ما أنا بمقارف دما إلا مكرها، قال:

أثقله حديدا، و تنقله معك حيث تنقّلت، قال: و هل بنا فراغ مع الخوف و الإعجال‏ (1)؟ قال: تشدّه و تودعه عند بعض أهلك من جهينة قال: هذه إذن، فرجعا فلم يريا الرجل، فقال محمد: أين الرجل؟

قالوا: قام بركوة فيها ماء و توارى، فطلبوه فلم يجدوه فكأنّ الأرض التأمت عليه، و سعى على قدميه حتى اتصل بالطريق، فمرّ به أعرابى معه حمولة إلى المدينة، فقال له: فرّغ هذه الغرارة و أدخلنيها أكن عدلا لصاحبتها، و لك كذا و كذا ففعل، و حمله حتى أقدمه المدينة، ثم قدم على المنصور فأخبره الخبر كله، و نسى اسم أبى هبّار و كنيته، فقال: و بر (2)، فكتب أبو جعفر في طلب و بر المرّى، فحمل إليه فسأله عن قصة محمد، فحلف أنه لا يعرف من ذلك شيئا، فأمر به فضرب سبعمائة سوط، و حبس حتى مات المنصور.

ثم أحضر المنصور عقبة بن سلم الأزدى، فقال له: إنى أريدك لأمر أنا به معنى، لم أزل أرتاد له رجلا عسى أن تكونه، و إن كفيتنيه‏

____________

(1) العبارة في الكامل ح 5 ص 392: و هل لنا فرار مع الخوف و الإعجال، و عبارة المخطوطات أصح لاتفاقها مع السياق، هذا و المرجح أن عبارة الكامل هذه فيها تحريف تصوبه عبارة النويرى هذه لأنه ينقل عن الكامل.

(2) فى الكامل ح 5 ص 392: و بار و يؤيد المخطوطات الطبرى: ح 11 ص 158 (ط أوروبا).

11

رفعتك؟ فقال: أرجو أن أصدق ظنّ أمير المؤمنين فيّ، قال: فاخف شخصك و استر أمرك، و ائتني يوم كذا و كذا في وقت كذا، فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إنّ بنى عمّنا قد أبوا إلا كيدا لملكنا و اغتيالا له، و لهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم و يرسلون إليهم بصدقات أموالهم و ألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكتبى و بمال و ألطاف، حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تعلم حالهم فإن كانوا نزعوا (1) عن رأيهم فأحبب و اللّه بهم و أقرب، و إن كانوا على رأيهم علمت ذلك و كنت على حذر، فاشخص حتى تلقى عبد اللّه ابن حسن متخشعا متقشفا، فإن جبهك- و هو فاعل- فاصبر و عاوده‏ (2)، حتى يأنس بك و تلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما قبله فعجّل إلىّ؛ فشخص عقبة حتى قدم على عبد اللّه بن حسن، فلقيه بالكتاب فأنكره و نهره، و قال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل يتردد إليه حتى قبل كتابه و ألطافه و أنس به، فسأله عقبه الجواب فقال: أمّا الكتاب فإنّى لا أكتب إلى أحد، و لكن أنت كتابى إليهم، فأقرهم السلام و أعلمهم أنّ ابنىّ خارجان لوقت كذا و كذا، فرجع عقبة إلى المنصور و أعلمه الخبر، فأنشأ المنصور الحجّ، و قال لعقبة: إذا لقينى بنو حسن فيهم عبد اللّه بن حسن، فأنا مكرمه و رافع مجلسه و داع بالغذاء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائما، فإنه سيصرف بصره عنك، فاستدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك، حتى يملأ عينه منك ثم حسبك، و إياك أن يراك ما دام يأكل؛ و خرج‏

____________

(1) ساقطة من ك.

(2) فى ك: و غادره و هو خطأ كما يدل على ذلك قوله بعد ذلك: فلم يزل يتردد إليه.

12

المنصور إلى الحج، فلما لقيه بنو حسن أجلس عبد اللّه إلى جانبه، ثم دعا بالغداء فأصابوا منه ثم رفع، فأقبل المنصور على عبد اللّه بن حسن فقال له: قد علمت ما أعطيتنى من العهود و المواثيق ألا تبغينى سوءا.

و لا تكيد لى سلطانا، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين، فلحظ.

المنصور عقبة بن سلم، فاستدار حتى وقف بين يدى عبد اللّه، فأعرض عنه، فاستدار حتى قام وراء ظهره فغمزه بإصبعه، فرفع رأسه فملا عينه منه، فوثب حتى قعد بين يدى المنصور، و قال: أقلنى يا أمير المؤمنين أقالك اللّه، قال: لا أقالنى اللّه إن أقلتك، ثم أمر بحبسه.

و كان محمد قد قدم قبل ذلك البصرة فنزلها في بنى راسب، يدعو إلى نفسه، و قيل نزل على عبد اللّه بن شيبان- أحد بنى مرّة بن عبيد، ثم خرج منها، فبلغ المنصور مقدمه البصرة، فسار إليها مجدا (1).

فلقيه عمرو بن عبيد (2)، فقال له: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا، قال: لا، قال: فأقتصر على قولك و أنصرف؟

قال: نعم، و كان محمد قد سار عنها قبل مقدم المنصور، فرجع المنصور و اشتد الخوف على محمد و إبراهيم ابنى عبد اللّه، فخرجا حتى أتيا عدن، ثم صارا إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة.

و كان المنصور حجّ سنة أربعين و مائة، فقسم أموالا عظيمة في آل أبى طالب، فلم يظهر محمد و إبراهيم، فسأل أباهما عبد اللّه عنهما فقال: لا علم لى بهما، فتغالظا فأمصّه المنصور، فقال امصص كذا و كذا

____________

(1) هذه العبارة بين الفصلتين ساقطة من ك.

(2) فى ك: عمرو بن عبد اللّه، و في الكامل ح 5 ص 393: عمر بن عبيد و التصويب عن ل، ت و الطبرى ح 11 ص 149.

13

من أمك!! فقال عبد اللّه: يا أبا جعفر بأى أمهاتى تمصّنى!! أ بفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟! أم بفاطمة بنت الحسين بن على؟! أم بأم إسحاق بنت طلحة؟! أم بخديجة بنت خويلد؟! قال لا بواحدة منهن، و لكن بالجرباء بنت قسامة بن زهير، و هى امرأة من طيئ‏ (1)، فقال المسيّب بن زهير (2): يا أمير المؤمنين دعنى أضرب عنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبيد اللّه فألقى عليه رداءه، و قال: هبه لى يا أمير المؤمنين، فأنا أستخرج لك ابنيه، فخلّصه.

و كان محمد و إبراهيم ابنا عبد اللّه قد تغيّبا حين حجّ المنصور سنة أربعين و مائة عن المدينة، و حجّا أيضا، فاجتمعوا كلهم بمكة و أرادوا اغتيال المنصور، فقال لهم الأشتر عبد اللّه بن محمد: أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا و اللّه لا أقتله عيلة أبدأ حتى أدعوه، فنقض‏ (3) ما كانوا أجمعوا عليه، و كان قد دخل معهم قائد من قواد المنصور من أهل خراسان- اسمه خالد بن حسّان يدعى أبا العساكر- على ألف رجل، فنمى الخبر إلى المنصور فطلب القائد فلم يظفر به، و ظفر بأصحابه فقتلهم، و أما القائد فإنه لحق بمحمد بن عبد اللّه فسيّره إلى خراسان، و معه ابنه عبد اللّه بن محمد، ثم إن المنصور حث زياد بن عبيد اللّه على طلب محمد و إبراهيم، فضمن له ذلك و وعده به، فقدم محمد بن عبد اللّه المدينة قدمة، فبلغ ذلك زيادا فتلطّف له و أعطاه الأمان، على أن يظهر وجهه للناس، فوعده محمد ذلك، فركب‏

____________

(1) فى ك: ظى و يؤيد ا، ت الكامل ح 5 ص 394.

(2) فى ك: زهر و يؤيد ا، ت الكامل ح 5 ص 394.

(3) فى ك: فينقض.

14

زياد مغلسا و وعد محمدا سوق الظهر، و ركب محمد فتصايح الناس: يا أهل المدينة، المهدىّ المهدىّ، فوقف هو و زياد فقال زياد: يا أيها الناس هذا محمد بن عبد اللّه بن حسن، ثم قال: الحق بأى بلاد اللّه شئت، فتوارى محمد؛ و سمع المنصور الخبر فأرسل أبا الأزهر في جمادى الآخرة سنة إحدى و أربعين و مائة إلى المدينة، و أمره: أن يستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطّلب، و أن يقبض زيادا و أصحابه و يسير بهم إليه، فقدم أبو الأزهر المدينة ففعل ما أمره، و أخذ زيادا و أصحابه و سار بهم نحو المنصور، و خلّف زياد ببيت مال المدينة ثمانين ألف دينار، فسجنهم المنصور ثم منّ عليهم بعد ذلك.

و استعمل المنصور على المدينة محمد بن خالد بن عبد اللّه القسرى، و أمره بطلب محمد بن عبد اللّه و بسط يده بالنفقة في طلبه، فقدم المدينة في شهر رجب سنة إحدى و أربعين و مائة، فأخذ المال، و رفع فى محاسبته أموالا كثيرة أنفقها في طلب محمد، فاستبطاه المنصور و أتهمه، فكتب إليه يأمره بكشف المدينة و أعراضها، فطاف ببيوت الناس فلم يجد محمدا، فلما رأى المنصور ما قد أخرج من الأموال و لم يظفر بمحمد استشار أبا السّعلاء (1)- رجلا من قيس عيلان- فى أمر محمد و أخيه، فقال: أرى أن تستعمل رجلا من ولد الزبير أو طلحة فإنهم يطلبونهما بذحل‏ (2)، و يخرجونهما إليك، فقال: قاتلك اللّه، ما

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 395: أبا العلاء، و يؤيد الطبرى المخطوطات راجع ح 11 ص 62.

هذا و السعلاء بكسر السين: الغول أو ساحرة الحن (راجع تاج العروس و القاموس المحيط مادة سعل).

(2) الذحل: الثأر أو طلب المكافأة بجناية جنيت أو عداوة أتيت أو هو العداوة و الحقد.

15

أجود ما رأيت!! و اللّه ما خفى علىّ هذا، و لكنّى أعاهد اللّه ألّا أنتقم من بنى عمى و أهل بيتى بعدوّى و عدوّهم، و لكنّى أبعث عليهم صعيليكا من العرب يفعل بهم ما قلت، فاستشار يزيد بن أسيد (1) السّلمى، و قال له: دلّنى على فتى مقلّ من قيس أغنيه و أشرّفه، و أمكنه من سيد اليمن- يعنى ابن القسرى- (2)، قال: نعم، رياح بن عثمان بن حيّان المرىّ، فسيّره المنصور أميرا على المدينة في شهر رمضان سنة أربع و أربعين و مائة؛ و قيل إنّ رياحا ضمن للمنصور أن يخرج محمدا و إبراهيم ابنى عبد اللّه، إن استعمله على المدينة، فاستعمله عليها، فسار حتى دخلها، فلما دخل دار مروان، و هى التى كان ينزلها الأمراء قال لحاجب كان له، يقال له أبو البخترى، هذه دار مروان؟

قال: نعم، قال أما إنّها محلال‏ (3) مظعان، و نحن أول من يظعن منها، فلما تفرّق الناس عنه قال لحاجبه أبى البخترى: خذ بيدى فدخل على هذا الشيخ- يعنى عبد اللّه بن الحسن- فدخلا عليه، فقال له رياح: أيها الشيخ، إن أمير المؤمنين- و اللّه- ما استعملنى لرحم قريبة، و لا ليد سلفت إليه منّى، و اللّه لا لعبت بى كما لعبت بزياد و ابن القسرى، و اللّه لأزهقنّ نفسك أو لتأتينّى بابنيك محمد و إبراهيم، فرفع عبد اللّه رأسه إليه و قال نعم، أما و اللّه إنّك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة، قال، أبو البخترى:

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 395: يزيد بن يزيد السلمى و يؤيد الطبرى (ح 11 ص 162) المخطوطات.

(2) فى الكامل ح 5 ص 395. القشيرى و هو خطأ واضح.

(3) فى الكامل ح 5 ص 396: فحلال، و عند الطبرى ح 11 ح ص 163: و اللّه إنها لمحلال مظعان.

16

فانصرف- و اللّه- رياح آخذا بيدى أجد برد يده، و إنّ رجليه لتخطّان الأرض ممّا كلمه، قال: (1) فقلت له: إن هذا ما اطلع على الغيب، قال: إيها ويلك، فو اللّه ما قال إلا ما سمع، فذبح كما نذبح الشاة، ثم إنه دعا القسرى و سأله عن الأموال، فضربه و سجنه، و جدّ رياح في طلب محمد، فأخبر أنّه في شعب من شعاب رضوى، جبل جهينة، و هو في عمل ينبع، فأمر عامله بطلب محمد.

فطلبه بالخيل و الرجل، ففزع منه محمد فهرب راجلا فأفلت، و له ابن صغير ولد في خوفه ذلك، و هو مع جارية له. فسقط من الجبل فتقطع، فقال محمد:

منخرق السربال‏ (2)يشكو الوجى‏ * * * تنكبه أطراف مرو حداد

شرّده الخوف فأزرى به‏ * * * كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة * * * و الموت حتم في رقاب العباد

قال‏ (3): و بينا رياح يسير بالحرّة إذ لقى محمدا، فعدل محمد إلى بئر هناك فجعل يستقى، فقال رياح: قاتله اللّه أعرابيا ما أحسن ذراعه‏ (4).

____________

(1) الإشارة إلى النقل عن الكامل لابن الأثير.

(2) فى مقاتل الطالبيين ص 231: منخرق الخفين.

(3) الإشارة إلى النقل عن الكامل لابن الأثير.

(4) فى ك، ت: ذراعية و يؤيد أ الكامل ح 5 ص 397 و الطبرى ح 11 ص 168.

17

ذكر حبس أولاد الحسن‏

قد ذكرنا أن المنصور حبس عبد اللّه بن حسن، و قيل إن رياحا هو الذى حبسهم، حكى عن على بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن على أنه قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: من كان هاهنا من بنى حسن‏ (1) فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة، و خرجوا من باب مروان، ثم قال: من كان هاهنا من بنى حسن فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة، و دخل الحدادون من باب‏ (2) مروان، فدعا بالقيود فقيدهم و حبسهم، و كانوا: عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ابن على، و حسن و إبراهيم ابنى حسن، و حسن بن جعفر بن حسن ابن حسن‏ (3)، و سليمان و عبد اللّه ابنى داود بن حسن بن حسن، و محمد و إسماعيل و إسحاق بنى إبراهيم بن حسن بن حسن، و عباس ابن حسن بن حسن‏ (4)، فلما حبسهم لم يكن فيهم على بن حسن بن حسن بن على العابد، فلما كان الغد بعد الصبح و إذا برجل قد أقبل متلففا، فقال له رياح: مرحبا بك ما حاجتك؟ قال: جئتك لتحبسنى مع قومى، فإذا هو على بن حسن بن حسن، فحبسه معهم.

و كان محمد قد أرسل ابنه عليا إلى مصر يدعو إليه، فبلغ خبره‏

____________

(1) فى ك: بنى خير و هو خطأ واضح و يؤيدا، ت الكامل ح 5 ص 397.

(2) فى الكامل ح 5 ص 397: بنى مروان و هو خطأ و يؤيد المخطوطات الطبرى: ح 11 ص 171.

(3) فى المخطوطات و الكامل ح 5 ص 397: جعفر بن حسن بن حسن و التصويب عن الطبرى ح 11 ص 169 و المسعودى في مروج الذهب (طبعة بولاق) ح 2 ص 189.

(4) فى المخطوطات: موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن و التصويب عن الكامل ح 5 ص 397 و الطبرى ح 11 ص 169.

18

عامل مصر، و قيل له إنّه على الوثوب بك، و القيام عليك بمن شايعه، فقبضه و أرسله إلى المنصور، فاعترف له و سمّى أصحاب أبيه، و كان فيمن سمّى عبد الرحمن بن أبى الموال‏ (1) و أبو جبير (2)، فضربهما المنصور و حبسهما و حبس عليا، فبقى محبوسا إلى أن مات؛ و كتب المنصور إلى رياح أن يحبس معهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان المعروف بالديباج، و كان أخا عبد اللّه بن حسن بن حسن لأمه- أمهما جميعا فاطمة بنت الحسين بن على (رضى اللّه عنهما)؛ فأخذه معهم، و قيل إن المنصور حبس عبد اللّه بن حسن بن حسن بن على وحده و ترك باقى أولاد حسن، فترك حسن بن حسن بن حسن خضابه حتى نصّل حزنا على أخيه عبد اللّه، فكان المنصور يقول: ما فعلت الحادّة؟ و مرّ حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن و هو يعلف إبلا فقال: أ تعلف إبلك و عبد اللّه محبوس!! يا غلام- أطلق عقلها ففعل، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها بعير، فلما طال حبس عبد اللّه بن حسن قال عبد العزيز بن سعيد للمنصور:

أ تطمع في خروج محمد و إبراهيم و بنو حسن مخلّون؟! و اللّه للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد، فكان ذلك سبب حبس الباقين في سنة أربع و أربعين‏ (3).

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 397: عبد الرحمن بن أبى الوالى، و في مقاتل الطالبيين ص 295:

ابن أبى الموالى، و يؤيد المخطوطات الطبرى ح 11 ص 171.

(2) هكذا في المخطوطات و الكامل 5 ص 397 و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 171:

أبو حنين و من الواضح أن النويرى ينقل عن ابن الأثير في الكامل، و من العسير الوصول إلى القطع أيهما أدق لعدم شهرة صاحب الاسم.

(3) يعنى: و مائة.

19

ذكر حملهم الى العراق‏

قال المؤرخ‏ (1): و لما حجّ المنصور في سنة أربع و أربعين و مائة أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة (2) و مالك بن أنس إلى بنى الحسن و هم في الحبس، يسألهم‏ (3) أن يدفعوا إليه محمدا و إبراهيم ابنى عبد اللّه، فدخلا عليهم و عبد اللّه قائم يصلى فأبلغاهم الرسالة، فقال حسن بن حسن أخو عبد اللّه: هذا عمل ابنى المشئومة!! أما و اللّه ما هذا عن رأينا و لا عن ملأ منّا و لا لنا فيه حيلة (4) فقال له أخوه إبراهيم: علام تؤذى أخاك في ابنيه؟! و تؤذى ابن أخيك في أمه؟! ثم فرغ عبد اللّه من صلاته فأبلغاه الرسالة، فقال:

و اللّه، لا أرد عليكما حرفا، إن أحبّ أن يأذن لى فألقاه فليفعل، فانطلق الرسولان إلى المنصور فأبلغاه قوله، فقال: أراد أن يسحرنى لا و اللّه لا ترى عينه عينى حنى‏ (5) يأتينى بابنيه، و كان عبد اللّه بن حسن لا يحدّث أحدا قط إلا فتله‏ (6) عن رأيه.

ثم سار المنصور لوجهه، فلما حجّ و رجع لم يدخل المدينة و مضى إلى‏

____________

(1) يشير إلى الطبرى محمد بن جرير، و ينبغى أن تشير إلى ذكره هنا لا يغنى أن النويرى ينقل عنه، و إنما النقل عن ابن الأثير في الكامل ح 5 ص 398، و من المعروف أن ابن الأثير ينقل عن الطبرى و يشير إليه صراحة أحيانا.

(2) فى المخطوطات: محمد بن عمران بن إبراهيم بن طلحة بن محمد و التصويب عن الكامل ح 5 ص 398 و الطبرى ح 11 ص 172.

(3) فى ك، ت: فسألهم و يؤيد الكامل ح 5 ص 398.

(4) فى الكامل ح 5 ص 398: حكم و يؤيد المخطوطات الطبرى ح 11 ص 173.

(5) يؤيد الكامل ح 5 ص 398 ا، و في ك: متى، و في ت: فتى و كلاهما خطئان.

(6) فى الكامل ح 5 ص 398: قبله و هو خطأ.

20

الربذة، فخرج إليه رياح إلى الربذة فردّه إلى المدينة، و أمره بإشخاص بنى حسن إليه، و معهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان أخو بنى حسن لأمهم، فرجع رياح و أخذهم و سار بهم إلى الربذة، و جعلت القيود فى أرجلهم و أعناقهم، و جعلهم في محامل بغير وطاء، و لما خرج بهم رياح من المدينة وقف جعفر بن محمد من خلف ستر يراهم و لا يرونه، و هو يبكى و دموعة تجرى على لحيته و هو يدعو اللّه، ثم قال: و اللّه، لا تحفظ. للّه حرمة بعد هؤلاء، و لما ساروا كان محمد و إبراهيم ابنا عبد اللّه يأتيان كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما و يستأذنانه في الخروج، فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك و قال لهما إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين، فلما وصلوا إلى الربذة أدخل محمد بن عبد اللّه العثمانى على المنصور، و عليه قميص و إزار رقيق، فلما وقف بين يديه قال: أيها يا ديوث، قال محمد: سبحان اللّه!! و اللّه لقد عرفتنى بغير ذلك صغيرا و كبيرا، قال: فممّن حملت ابنتك رقيّة؟ و كانت تحت إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن، و قد أعطيتنى الأيمان ألّا تغشنى، و لا تمالأ علىّ عدوا، و أنت ترى ابنتك حاملا و زوجها غائب!! فأنت بين أن تكون حانثا أو ديوثا، و أيم اللّه إنى لأهمّ برجمها، قال محمد:

أما أيمانى فهى علىّ؛ إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، و أما ما رميت به هذه الجارية فإنّ اللّه قد أكرمها بولادة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إيّاها، و لكنى ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين‏

21

غفلة منّا، فاغتاظ (1) المنصور من كلامه، و أمر بشق ثيابه‏ (2) و إزاره‏ (3) فبدت عورته، ثم أمر به فضرب خمسين و مائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ و المنصور يفترى عليه لا يكنّى‏ (4)، فأصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك!! اكفف عن وجهى، فإنّ له حرمة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأغرى المنصور فقال للجلاد: الرأس الرأس، فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا، و أصاب إحدى عينيه سوط فسالت، ثم أخرج و كأنه زنجى من الضرب، و كان من أحسن الناس، و كان يكنى الديباج لحسنه، فلما أخرج وثب إليه مولى له فقال: أ لا أطرح ردائى عليك، قال: بلى جزيت خيرا، و اللّه لشق إزارى أشدّ علىّ من الضرب. و كان سبب أخذه أنّ رياحا قال للمنصور: يا أمير المؤمنين، أمّا أهل خراسان فشيعتك، و أمّا أهل العراق فشيعة آل أبى طالب، و أما أهل الشام فو اللّه ما علىّ عندهم إلا كافر، و لكن محمد بن عبد اللّه العثمانى لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم أحد، فوقعت في نفس المنصور فأمر به فأخذ معهم، و كان حسن الرأى فيه قبل ذلك.

ثم إنّ أبا عون كتب إلى المنصور أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا (5)

____________

(1) فى جميع المخطوطات فاغتاض، و في بعض البلاد العربية ينطقون الضاد ظاء؛ و هذا أصل موروث‏

(2) فى تاريخ الطبرى ح 11 ص 176: ... و أمر بشق ثيابه فشق قميصه عن إزاره و مثيل لهذا ما في الكامل ح 5 ص 399.

(3) فى تاريخ الطبرى ح 11 ص 176: ... و أمر بشق ثيابه فشق قميصه عن إزاره و مثيل لهذا ما في الكامل ح 5 ص 399.

(4) هكذا في الكامل ح 5 ص 399 أيضا و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 176 و لا ينكى.

(5) فى ك، ت: تفاغوا، و في الكامل ح 5 ص 400: تفاغشوا، و يؤيد الطبرى ح 11 ص 183 (ط. أوروبا).

22

عنّى، و طال عليهم أمر محمد بن عبد اللّه العثمانى، فأمر المنصور به فقتل، و أرسل رأسه إلى خراسان، و أرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد اللّه، و أنّ أمّه فاطمة بنت الحسين بن على، فلما قتل قال أخوه عبد اللّه بن الحسن: إنّا للّه!! إن كنّا لنأمن به في سلطانهم، ثم قد قتل بنا في سلطاننا. قال: ثم سار بهم المنصور من الربذة فمرّ بهم و هو على بغلة شقراء، فناداه عبد اللّه بن حسن: يا أبا جعفر؛ ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر، فأخسأه‏ (1) أبو جعفر و تغل عليه و مضى، فلما قدموا إلى الكوفة قال عبد اللّه لمن معه: أ لا ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية!! قال:، فلقيه الحسن و علىّ ابنا (2) حى مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك يا ابن رسول اللّه، فمرنا بالذى تريد، قال: قد قضيتما ما عليكما، و لن تغنيا في هؤلاء شيئا فانصرفا، فانصرفا، ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقىّ الكوفة، و أحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن حسن، و كان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ قال: نعم، قال: لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحدا، ثم أمر به فبنى عليه أسطوانة و هو حىّ، فمات فيها، و هو أول من مات منهم، ثم عبد اللّه بن حسن، ثم مات على بن حسن؛ و قيل إن المنصور أمر بهم فقتلوا، و قيل بل أمر بهم فسقوا السمّ، و قيل وضع المنصور على عبد اللّه من قال له: إنّ ابنه محمدا قد خرج و قتل، فانصدع قلبه فمات و اللّه أعلم، و لم ينج‏

____________

(1) فى ت: فأعشاه.

(2) فى الكامل ح 5 ص 400: ابنا أخيه و يؤيد الطبرى ح 11 ص 182 المخطوطات.

23

منهم إلا سليمان و عبد اللّه ابنا داود بن حسن بن حسن، و جعفر بن حسن‏ (1)، و بقيّتهم ماتوا في حبس المنصور.

ذكر ظهور محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب‏

كان ظهوره بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس و أربعين و مائة، و قيل بل كان في رابع عشر رمضان منها. و كان سبب خروجه أن المنصور لما حمل أهله إلى العراق، و سار من الربذة، ردّ رياحا إلى المدينة أميرا عليها، فألحّ في طلب محمد، و أرهقه الطلب يوما فتدلى في بئر في المدينة، يناول أصحابه الماء، و انغمس في الماء إلى حلقه، و كان بدنه لا يخفى لعظمه، و بلغ رياحا خبره أنه بالمذاد، فركب نحوه في جنده، فتنحّى محمد عن طريقه و اختفى في دار الجهنيّة، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان، فلما اشتد الطلب على محمد خرج قبل وقته، و كان قد واعد أخاه إبراهيم أنّه يخرج لوقت عيّنه بالمدينة، و يخرج إبراهيم بالبصرة، و قيل بل خرج لميعاده مع أخيه، و إنما أخوه تأخر لجدرى لحقه.

و كان عبيد اللّه بن عمرو بن أبى ذؤيب‏ (2) و عبد الحميد بن جعفر يقولون لمحمد بن عبد اللّه: ما تنتظر بالخروج؟ فو اللّه ما على هذه‏

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 401 «و لم ينج منهم إلا سليمان و عبد اللّه ابنا داود بن الحسن بن الحسن بن على، و اسحاق و إسماعيل ابنا إبراهيم بن الحسن بن الحسن و جعفر بن الحسن و انقضى أمرهم» و لا يختلف الطبرى ح 11 ص 186 عن ذلك.

(2) فى ك: عبد اللّه و في الكامل ح 5 ص 402: عبيد اللّه بن عمرو بن أبى ذئب، و يؤيد ا، ت الطبرى ح 11 ص 190.

24

الأمة انتقام منك، اخرج و لو لوحدك‏ (1)، فحرّكه ذلك للخروج أيضا، و أتى رياحا الخبر: أنّ محمدا خارج الليلة، فأحضر محمد ابن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضى المدينة و العباس بن عبد اللّه ابن الحارث بن العباس و غيرهما عنده، فصمت طويلا ثم قال لهم:

يا أهل المدينة؛ أمير المؤمنين يطلب محمدا في شرق الأرض و غربها، و هو بين أظهركم، أقسم باللّه: لئن خرج لأقتلنكم أجمعين، و قال لمحمد بن عمران: أنت قاضى أمير المؤمنين فادع عشيرتك، فجمع بنى زهرة فجاءوا في جمع كبير، فأجلسهم بالباب، و أرسل فأخذ نفرا من العلويين و غيرهم، فيهم: جعفر بن محمد بن على بن الحسين‏ (2)، و حسين بن على بن حسين بن على، و حسن بن على بن حسين بن على‏ (3)، و رجال من قريش فيهم: إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد اللّه بن الوليد بن المغيرة و ابنه خالد، فبيناهم عنده إذ ظهر محمد فسمعوا التكبير، فقال ابن مسلم بن عقبة المرّى: أطعنى في هؤلاء و اضرب أعناقهم، فقال له الحسين بن على بن الحسين بن على:

و اللّه، ما ذاك إليك، إنّا لعلى السمع و الطاعة، و أقبل محمد من المذاد فى مائة و خمسين رجلا في بنى سلمة تفاؤلا بالسلامة، و قصد السجن فكسر بابه و أخرج من فيه، و ممّن كان فيه محمد بن خالد بن عبد

____________

(1) هكذا التعبير في المخطوطات، فى الكامل ح 5 ص 403 (فو اللّه ما على هذه الأمة أشأم منك، اخرج و لو لوحدك (و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 190: و اللّه ما نجد في هذه الأمة أحدا أشأم عليها منك؛ ما يمنعك أن تخرج وحدك.

(2) فى ك: الحسن.

(3) هذا الاسم ساقط من ك، ت، و هو موجود في الكامل ح 5 ص 403، و الطبرى ح 11 ص 191 مما يؤيد أ.

25

اللّه القسرى و ابن أخيه النّذير بن يزيد و رزام‏ (1) فأخرجهم، و جعل على الرجّالة خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير (2)، و أتى دار الإمارة و هو يقول لأصحابه: لا تقتلوا لا تقتلوا، فامتنع منهم رياح فدخلوا من باب المقصورة، و أخذوا رياحا أسيرا و أخاه عباسا و ابن مسلم ابن عقبة المرّى، فحبسهم في دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية- عدوّ اللّه أبى جعفر؛ ما لم يخف عليكم، من بنائه القبة الخضراء التى بناها معاندة للّه في ملكه، و تصغيرا للكعبة الحرام، و إنما أخذ اللّه فرعون حين قال، أنا ربكم الأعلى، و إنّ أحقّ الناس بالقيام في هذا الأمر (3) أبناء المهاجرين و الأنصار المواسين، اللهم إنّهم قد أحلّوا حرامك و حرّموا حلالك، و أمّنوا من أخفت، و أخافوا من أمّنت؛ اللهم فاحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تغادر منهم أحدا؛ أيها الناس: إنّى و اللّه ما خرجت بين أظهركم، و أنتم عندى أهل قوّة و لا شدّة، و لكنّى اخترتكم لنفسى، و اللّه ما جئت هذه و في الأرض مصر يعبد اللّه فيه إلا أخذ لى فيه البيعة.

و كان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد اللّه على ألسن قواده،

____________

(1) و هذا الاسم ساقط أيضا من ك، ت و هو موجود في الكامل ح 5 ص 403 مما يؤيد أ و الظاهر أن ك، ت نقلا عن مصدر واحد.

(2) فى المخطوطات: خوات بن جبير و التصويب عن الكامل ح 5 ص 403 و الطبرى ح 11 ص 201.

(3) فى الكامل ح 5 ص 404: فى هذا الدين، و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 167:

بهذا الدين.

26

يدعونه إلى الظهور و يخبرونه أنهم معه، فكان محمد يقول هذا، و يقول: لو التقينا مال القوّاد كلهم إلىّ، و استولى محمد على المدينة.

و استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، و على قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد اللّه المخزومى، و على بيت السلاح عبد العزيز الدّراوردى، و على الشرط أبا القلمّس عثمان بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و على ديوان العطاء عبد اللّه بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة؛ و قيل كان على شرطته عبد الحميد بن جعفر فعزله، و أرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز:

إن‏ (1) كنت لأظنّك ستنصرنا و تقوم معنا، فاعتذر إليه و قال أفعل، ثم انسلّ منه و أتى مكة، و لم يتخلّف عن محمد أحد من وجوه الناس، إلا نفر منهم الضحّاك بن عثمان بن عبد اللّه بن حزام‏ (2)، و عبد اللّه بن المنذر بن المغيرة بن عبد اللّه بن خالد، و أبو سلمة بن عبيد اللّه بن اللّه بن‏ (3) عمر، و خبيب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير (4).

و كان أهل المدينة (5) قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع‏

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 404، و الطبرى ح 11 ص 199: انى.

(2) فى ا، ت: حرام، و في إحدى مخطوطات تاريخ الطبرى (ط. أوروبا) ح 11 هامش ص 199، فى الكامل لابن الأثير ح 5 ص 404 (ط. أوروبا) و في إحدى مخطوطات الطبرى ح 11 هامش ص 199: خرام، و في ك: حزام يؤيده الطبرى ح 11 ص 199 و طبقات ابن سعد ح 5 ص 312 (ط. أوروبا)، و هو الأصح.

(3) فى ك: أبو سلمة عبد اللّه بن عبد اللّه بن الزبير و الخطأ و الخلط واضحان، و في ت أبو سلمة عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عمر و يؤيد ا الكامل ح 5 ص 404 و الطبرى ح 11 ص 199

(4) ورد في ص 414 ح 5 من الكامل: خبيب بن ثابت بالخاء المعجمة المضمومة و بباءين موحدتين و بينهما ياء مثناة من تحتها.

(5) فى ك: مكة و يؤيد ا، ت الكامل ح 5 ص 405.

27

محمد، و قالوا: إنّ في أعناقنا بيعة لأبى جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين؛ و ليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، و لزم مالك بيته، و أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب، و كان شيخا كبيرا، فدعاه إلى بيعته فقال: يا ابن أخى أنت و اللّه مقتول فكيف أبايعك!! فارتدع الناس عنه قليلا، و كان بنو معاوية بن عبد اللّه بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد، فأتت حمّادة ابنة معاوية إلى إسماعيل بن عبد اللّه، و قالت له يا عم: إن إخوتى قد أسرعوا إلى ابن خالهم، و إنّك إن قلت هذه المقالة ثبّطت الناس عنهم، فيقتل ابن خالى و إخوتى، فأبى إسماعيل إلا النهى عنه، فيقال إن حمّادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد اللّه‏ (1) ابن إسماعيل، و قال: أ تأمر بقتل أبى و تصلّى عليه!! فنحّاه الحرس و صلّى عليه محمد.

و لما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسرى في حبس رياح فأطلقه، قال محمد بن خالد: لما سمعت دعوة محمد الى دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حق، و اللّه لأبلينّ اللّه فيها بلاء حسنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّك قد خرجت بهذا البلد، و اللّه لو وقف على نقب من أنقابه أحد، مات أهله جوعا و عطشا، فانهض معى فإنما هى عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف، فأبى علىّ، فبينما أنا عنده إذ قال:

ما وجدنا من حرّ المتاع‏ (2) شيئا أجود من شي‏ء وجدناه عند ابن أبى‏

____________

(1) فى ك، ت: محمد بن إسماعيل و يؤيد أ الكامل ح 5 ص 405 و الطبرى ح 11 ص 200.

(2) هكذا في أ، ك و الطبرى ح 11 ص 201، و في ت و الكامل ح 5 ص 405: خير المتاع ضنينا و هو خطأ واضح.

28

فروة ختن أبى الخصيب‏ (1)، و كان انتهبه، قال، فقلت له: ألا أراك قد أبصرت حرّ المتاع، فكتبت إلى المنصور فأخبرته بقلة من معه، فأخذنى محمد فحبسنى حتى أطلقنى عيسى بن موسى بعد قتله إياه‏ (2).

و كان رجل من آل أويس بن أبى سرح العامرى- عامر بن لؤى- اسمه الحسين بن صخر بالمدينة لمّا ظهر محمد، فسار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة (3) أيام، فقدم ليلا فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى علموا به فأدخلوه، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة و أمير المؤمنين نائم؟ قال: لا بدّ لي منه، فدخل الربيع على المنصور فأخبره خبره، و أنّه قد طلب مشافهته فأذن له، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد اللّه بالمدينة، قال:

قتلته و اللّه؛ إن كنت صادقا، قال: أخبرنى من‏ (4) معه؟ فسمّى له من معه من وجوه أهل المدينة و أهل بيته، قال: أنت رأيته؟ قال: أنا رأيته و عاينته و كلمته على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جالسا، فأدخله أبو جعفر بيتا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار- غلام عيسى ابن موسى يلى أمواله بالمدينة، فأخبره بأمر محمد و تواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسى فقال: لأوطئنّ الرجال عقبيك و لأغنينّك، و أمر له بتسعة آلاف درهم، لكل ليلة ألف درهم، و أشفق من محمد، فقال له الحارثى المنجّم: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك منه؟! فو اللّه لو ملك‏

____________

(1) فى ك، ت: حين أتى الخصيب و يؤيد ا الكامل ح 5 ص 405.

(2) هكذا في المخطوطات و يؤيدها الطبرى ح 11 ص 201، و في الكامل ح 5 ص 405:

بأيام.

(3) الكلمة في المخطوطات غير واضحة و لا يمكن الحزم إن كانت سبعة أو تسعة، و اعتمدنا على الكامل ح 5 ص 406 و الطبرى ح 11 ص 205.

(4) هكذا في ا و يؤيده الكامل ح 5 ص 406، و في ك، ت: بمن.

29

الأرض ما لبث إلا تسعين يوما، فأرسل المنصور إلى عمّه عبد اللّه بن على و هو محبوس: إن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشر به علينا، و كان ذا رأى عندهم، فقال: إن المحبوس محبوس الرأى، فأرسل إليه المنصور: لو جاءنى حتى يضرب بابى ما أخرجتك، و أنا خير لك منه، و هو ملك أهل بيتك، فأعاد إليه عبد اللّه: ارتحل الساعة حتى تأتى الكوفة، فاجثم‏ (1) على أكبادهم فإنّهم شيعة أهل هذا البيت و أنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه، أو أتاها من وجه من الوجوه، فاضرب عنقه، و ابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر إليك و كان بالرىّ، و اكتب إلى أهل الشام فمرهم: أن يحملوا إليك من أهل البأس و النجدة ما حمل البريد، فأحسن جوائزهم و وجّههم مع سلم، ففعل. و قيل أرسل المنصور إلى عبد اللّه إخوته يستشيرونه فى أمر محمد، و قال لهم: لا يعلم عبد اللّه أنّى أرسلتكم إليه، فلمّا دخلوا عليه قال: لأمر ما جئتم، ما جاء بكم جميعا و قد هجرتمونى جميعا؟! قالوا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشى‏ء، فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد بن عبد اللّه، قال: فما ترون ابن سلامة صانعا- يعنى المنصور؟ قالوا: لا ندرى و اللّه، قال: إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال، و ليعط الأجناد، فإن غلب فما أسرع ما يعود إليه ماله، و إن غلب لم يقدم صاحبه على دينار و لا درهم.

____________

(1) هكذا في ا، ت و يؤيدهما الطبرى ح 11 ص 206، و في ك: فاختم و في الكامل ح 5 ص 406: فاحشم.

30

قال‏ (1): و لمّا ورد الخبر على المنصور بخروج محمد، كان قد خطّ مدينة بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة و معه عبد اللّه بن الربيع ابن عبيد اللّه بن عبد المدان‏ (2)، فقال له المنصور: إنّ محمدا قد خرج بالمدينة، فقال عبد اللّه: هلك و اللّه و أهلك، خرج في غير عدد و لا رجال. حدّثنى سعيد بن عمر بن جعدة المخزومى قال: كنت مع مروان يوم الزاب واقفا فقال لى مروان‏ (3): من هذا الذى يقاتلنى؟

قلت: عبد اللّه بن على بن عبد اللّه بن العباس، قال: وددت و اللّه أن على بن أبى طالب يقاتلنى مكانه، إن عليا و ولده لا حظ لهم في هذا الأمر، و هذا رجل من بنى هاشم و ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و معه ريح الشام و نصر الشام، يا ابن جعدة: تدرى ما حملنى على أن عقدت لعبد اللّه و عبيد اللّه‏ (4) بعدى، و تركت عبد الملك و هو أكبر من عبيد اللّه، قال ابن جعدة: لا، قال: وجدت الذى يلى هذا الأمر عبد اللّه و عبيد اللّه، و كان عبيد اللّه أقرب إلى عبد اللّه من عبد الملك فعقدت له، فاستخلفه المنصور على صحة ذلك فحلف له فسرّى عنه.

____________

(1) غالبا ما تكون الإشارة إلى ابن الأثير الذى ينقل المؤلف عن كتابه الكامل، و خاصة فى هذا الشطر من الجزء.

(2) هكذا في او الكامل ح 5 ص 406: باختلاف في الاسم الأخير عبد المداد. و في ك، ت: عبد اللّه بن الربيع بن عبد اللّه بن عبد المدان، بخطإ في اسم الجد عبيد اللّه و عند الطبرى ح 11 ص 204 عبد اللّه بن الربيع بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عبد المدان.

(3) هكذا في ا و يؤيده الكامل ج 5 ص 407 و الطبرى ج 11 ص 204، و هو الأصح، أما: ما في ك: ... يوم للزاب و أتقا إلى مروان: من ...

و ما في ت: ... يوم الزاب واقفا إلى مروان: من ... فكلاهما مخطئان.

(4) فى ك، ت: عبد اللّه و التصويب عن ا و يؤيده الكامل ح 5 ص 407 و الطبرى ح 11 ص 204.

31

قال: و لما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبى أيوب و عبد الملك:

هل من رجل تعرفانه بالرأى نجمع رأيه إلى رأينا؟ قالا بالكوفة:

بديل بن يحيى، و كان السفاح يشاوره، فأرسل إليه، و قال له:

إنّ محمدا قد ظهر بالمدينة! قال: فاشحن الأهواز بالجنود، قال:

إنّه إنما ظهر بالمدينة، قال: قد فهمت، و إنما الأهواز الباب الذى تؤتون منه، فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك، قال:

فعاجله بالجنود و اشغل الأهواز عليه، و شاور المنصور أيضا جعفر بن حنظلة البهرانى عند ظهور محمد قال: وجّه الجند إلى البصرة، قال:

انصرف عنّى حتى أرسل إليك، فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه، فقال له ذلك فقال: إياها خفت، بادره بالجنود، قال:

و كيف خفت البصرة؟ قال: لأن محمدا ظهر بالمدينة و ليسوا أهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، و أهل الكوفة تحت قدمك، و أهل الشام أعداء آل أبى طالب، فلم يبق إلا البصرة.

ثم إن المنصور كتب إلى محمد بن عبد اللّه كتابا ابتدأه بأن قال:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) (1)، و لك عهد اللّه و ميثاقه و ذمة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن أؤمّنك و جميع ولدك و إخوتك و أهل بيتك و من اتبعكم على دمائكم و أموالكم و أسوّغك ما أصبت من دم أو مال و أعطيك ألف ألف درهم، و ما سألت من الحوائج‏

____________

(1) سورة 5 آية 33.

32

و أنزلك من البلاد حيث شئت، و أن أطلق من في حبسى من أهل بيتك، و أن أؤمّن كل من جاءك و بايعك و اتبعك أو دخل في شي‏ء من أمرك، ثم لا أتبع أحدا منهم بشى‏ء كان منه أبدا، فإن أردت أن تتوثّق لنفسك فوجّه من أحببت يأخذ لك من الأمان و العهد و الميثاق ما تتوثق به و السلام.

فكتب إليه محمد: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ (طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) (1)، و أنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علىّ، فإن الحق حقنا، و إنما ادّعيتم هذا الأمر لنا، و خرجتم له بشيعتنا، و حظيتم بفضلنا (2)، فإن أبانا عليا كان الوصى، و كان الإمام، فكيف ورثتم ولايته و ولده أحياء، ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا و شرفنا و حالنا و شرف آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء و لا الطرداء و لا الطلقاء، و ليس يمتّ أحد من بنى هاشم بمثل الذى نمتّ به من القرابة و السابقة و الفضل- و إنا بنو أم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- فاطمة بنت عمرو (3) فى الجاهلية،

____________

(1) سورة 28 الآيات من 1 إلى 6.

(2) فى الكامل ح 5 ص 409: و حظيتم بفضله و الطبرى ح 11 ص 209 يؤيد المخطوطات.

(3) أثبت الناسخ للمخطوطة ا في هامش تعليقا و توضيحا (يشير إلى فاطمة بنت عمرو بن عابد ابن عمران بن مخزوم و هى أم عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم جد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏

33

و بنو بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- فاطمة في الإسلام- دونكم إنّ اللّه اختارنا و اختار لنا، فوالدنا من النبيّين محمد صلى اللّه عليه و سلم أفضلهم، و من السّلف أوّلهم إسلاما على بن أبى طالب، و من الازواج أفضلهم خديجة الطاهرة، و أوّل من صلى إلى القبلة، و من البنات خيرهن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، و من المولودين فى الإسلام حسن و حسين سيّدا شباب أهل الجنة، و إن هاشما ولد عليا مرتين، و إنّ عبد المطلب ولد حسنا مرّتين، و إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ولدنى مرّتين، من قبل حسن و حسين، و إنى أوسط بنى هاشم نسبا، و أصرحهم أما و أبا (1)، لم تعرّق فيّ العجمة، و لم تنازع فيّ أمّهات الأولاد، فما زال يختار لى الآباء و الأمّهات في الجاهلية و الإسلام، حتى اختار لى في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، و أهونهم عذابا في النار، فلك ذمّة اللّه علىّ، إن دخلت في طاعتى، و أجبت دعوتى، أن أؤمّنك على نفسك و مالك، و على كل حدث‏ (2) أحدثته، إلا حدا من حدود اللّه أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمنى من ذلك، و أنا أولى بالأمر منك و أوفى بالعهد، لأنك أعطيتنى من الأمان و العهد ما أعطيته رجالا قبلى، فأى الأمانات تعطينى؟ أمان ابن هبيرة!! أم أمان عمّك عبد اللّه بن على!! أم أمان أبى مسلم!! فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو أيوب الموريانى: دعنى‏

____________

(1) النص في الكامل ح 5 ص 409 و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 210 لم يذكر «أما»

(2) فى الكامل ح 5 ص 409 و الطبرى ح 11 ص 211: أمر.

34

أجبه عنه، قال: لا، إذا تقارعنا على الأحساب دعنى و إياه، ثم كتب إليه المنصور:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغنى كلامك، و قرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء، لتضلّ به الجفاة و الغوغاء، و لم يجعل اللّه النساء كالعمومة و الآباء، و لا كالعصبة (1) و الأولياء، لأن اللّه جعل العم أبا، و بدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، و لو كان اختار اللّه لهن على قدر قرابتهنّ، لكانت آمنة أقربهنّ رحما، و أعظمهنّ حقا، و أولى من يدخل الجنة غدا، و لكن اختيار اللّه لخلقه على علمه فيما قضى فيهم‏ (2) و اصطفائه لهم؛ و أمّا ما ذكرت من فاطمة أم أبى طالب و ولادتها، فإن اللّه لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام، لا بنتا و لا ابنا، و لو أن رجلا رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد اللّه، و لكان أولاهم بكل خير في الدنيا و الآخرة، لكنّ الأمر للّه يختار لدينه من يشاء، قال اللّه عز و جل‏ (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (3)، و لقد بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه و سلم و له عمومة أربعة، فأنزل اللّه عز و جل‏ (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (4)، فأنذرهم و دعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبى، و أبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع اللّه ولايتهما منه، فلم يجعل بينه و بينهما إلّا و لا ذمة و لا ميراثا؛ و زعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا، و ابن خير الأشرار، و ليس‏

____________

(1) عصبة الرجل: بنوة و قرابته لأبيه.

(2) هكذا في المخطوطات و في الكامل ح 5 ص 410: فيما مضى منهم، و الطبرى ح 11 ص 211: لما مضى منهم.

(3) سورة 28 آية 56.

(4) سورة 26 آية 214.

35

فى الكفر باللّه صغير، و لا في عذاب اللّه خفيف و لا يسير، و ليس في الشر خيار، و لا ينبغى لمؤمن- يؤمن باللّه- أن يفخر بالنار، و سترد فتعلم، (وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (1)؛ و أما أمر حسن و أن عبد المطلب ولده مرتين، و أن النبىّ ولدك مرتين، فخير الأوّلين و الآخرين رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لم يلده هاشم إلا مرة، و لا عبد المطلب إلا مرة؛ و زعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبا و أصرحهم أما و أبا، و أنه لم تلدك العجم، و لم تعرّق‏ (2) فيك أمّهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرا، فانظر ويحك أين أنت من اللّه غدا!! فإنك قد تعدّيت طورك، و فخرت على من هو خير منك- نفسا و أبا و أوّلا و آخرا (3)- إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و ما خيار بنى أبيك خاصة و أهل الفضل منهم إلا بنو أمّهات الأولاد، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أفضل من على بن حسين، و هو لأم ولد و لهو خير من جدّك حسن بن حسن‏ (4)، و ما كان فيكم بعده مثل محمد بن على، و جدّته أم ولد، و لهو خير من أبيك، و لا مثل ابنه جعفر و جدّته أم ولد، و هو خير منك؛ و أما قولك إنكم بنو رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فإن اللّه تعالى يقول في كتابه‏ (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ...) (5)،

____________

(1) سورة 26 آية 227.

(2) فى ك: تعرف و كذلك الكامل. ح 5 ص 410 التصويب عن ا يؤيده الطبرى ح 11 ص 212.

(3) فى الكامل ح 5 ص 411: ... نفسا و أبا و أولادا و أخا ابراهيم ابن رسول اللّه و الخطأ واضح.

(4) فى الكامل ح 5 ص 411: حسن بن حسين و هو خطأ.

(5) سورة 33 آية 40.

36

و لكنكم بنو ابنته و إنها لقرابة قريبة، و لكنّها لا تجوّز الميراث و لا ترث الولاية، و لا تجوز لها الإمامة فكيف يورّث بها، و لقد طلبها أبوك بكل وجه، فأخرج فاطمة (رضى اللّه عنها) نهارا، و مرّضها سرا و دفنها ليلا، فأبى الناس إلا الشيخين، و لقد جاءت السنة التى لا اختلاف فيها بين المسلمين: أن الجد أبا الأم و الخال و الخالة لا يورّثون؛ و أمّا ما فخرت به من علىّ و سابقته، فقد حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه‏ (1)، و كان في الستّة فتركوه كلهم دفعا له‏ (2)، و لم يروا له حقا فيها؛ و أما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، و قتل عثمان و هو له متّهم، و قاتله طلحة و الزبير، و أبى سعد بيعته و أغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده؛ ثم طلبها بكل وجه و قاتل عليها، و تفرّق عنه أصحابه، و شكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضى بهما، و أعطاهما عهد اللّه و ميثاقه‏ (3)، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق و دراهم، و لحق بالحجاز و أسلم شيعته بيد معاوية، و دفع الأمر إلى غير أهله، و أخذ مالا من غير حله‏ (4)، فإن كان لكم فيها شي‏ء فقد بعتموه و أخذتم ثمنه، ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه، حتى قتلوه و أتوا برأسه إليه؛

____________

(1) فى ك، ت: فلم يأخذه و يؤيد ا الكامل ح 5 ص 411 و الطبرى ح 11 ص 213.

(2) فى الكامل ح 5 ص 411 الطبرى ح 11 ص 213: دفعا له عنها.

(3) هكذا في المخطوطات و الكامل ح 5 ص 411، و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 213 ... و أعطاهما عهد و ميثاقه.

(4) هكذا في المخطوطات و في الكامل ح 5 ص 411، و الطبرى ح 11 ص 214: ...

و أخذ مالا من غير ولاية و لا حلة.

37

ثم خرجتم على بنى أمية، فقتلوكم و صلبوكم على جذوع النخل، و أحرقوكم بالنيران و نفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان، و قتلوا رجالكم و أسروا الصبية و النساء، و حملوكم بلا وطاء فى المحامل، كالسبى المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم و طلبنا بثأركم، و أدركنا بدمائكم و أورثناكم أرضهم و ديارهم، و سنّينا سلفكم و فضّلناه فاتخذت ذلك علينا حجة، و ظننت أنا إنما ذكرنا أباك و فضّلناه للتقدمة منّا له، على حمزة و العباس و جعفر، و ليس ذلك كما ظننت، و لكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلّما منهم مجتمعا عليهم بالفضل، و ابتلى أبوك بالقتال و الحرب، و كانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا عليهم‏ (1) و ذكرناهم فضله، و عنّفناهم و ظلّمناهم بما نالوا منه. و لقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم و ولاية زمزم، فصارت للعباس من بين إخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية و الإسلام، و لقد قحط أهل المدينة، فلم يتوسل عمر إلى ربّه و لم يتقرّب إليه إلا بأبينا، حتى نعشهم‏ (2) اللّه و سقاهم الغيث، و أبوك حاضر لم يتوسل به، و لقد علمت أنه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد النبى صلى اللّه عليه و سلم غيره، فكانت وراثته من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بنى هاشم، فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، و ميراث النبى صلى اللّه عليه و سلم له، و الخلافة في‏

____________

(1) فى تاريخ الطبرى ح 11 ص 214: فاحتججنا له و هو أما في الكامل ح 5 ص 412 فلم يذكر حرف الجر.

(2) هكذا في المخطوطات و يؤيدها الطبرى ح 11 ص 214 و في الكامل ح 5 ص 412:

يغشيهم و هو خطأ.

38

ولده، فلم يبق شرف و لا فضل في جاهلية و لا إسلام- فى دنيا و لا آخرة- إلا و العباس وارثه و مورّثه. أمّا ما ذكرت من بدر فإنّ الاسلام جاء، و العباس يمون أبا طالب و عياله، و ينفق عليهم للأزمة التى أصابته، و لو لا أن العبّاس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب و عقيل جوعا، و للحسا جفان عتبة و شيبة، و لكنه كان من المطعمين، فأذهب عنكم العار و السّبة، و كفاكم النفقة و المئونة، ثم فدا عقيلا يوم بدر، فكيف تفخر علينا و قد علناكم في الكفر، و فديناكم و حزنا عليكم مكارم الآباء، و ورثنا دونكم خاتم الأنبياء، و طلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، و لم تدركوا لأنفسكم، و السلام عليكم و رحمة اللّه.

و كان محمد قد استعمل الحسن‏ (1) بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب على مكة، و القاسم بن إسحاق على اليمن، و موسى ابن عبد اللّه على الشام، فأما الحسن و القاسم فسارا إلى مكة، فخرج إليها السرىّ بن عبد اللّه، عامل المنصور على مكة، فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه، و دخل الحسن‏ (2) مكة و أقام بها يسيرا، فأتاه كتاب محمد بن عبد اللّه يأمره بالمسير إليه فيمن معه، و يخبره بمسير عيسى ابن موسى إليه ليحاربه، فسار إليه من مكة هو و القاسم، فبلغه بنواحى قديد قتل محمد، فهرب هو و أصحابه و تفرّقوا، فلحق الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم، و اختفى القاسم بالمدينة

____________

(1) فى المخطوطات و الكامل ح 5 ص 413: .. استعمل محمد بن الحسن بن معاوية ابن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب، و هو خطأ تصويبه عن الطبرى ح 11 ص 202.

(2) فى المخطوطات و الكامل ح 5 ص 413 محمد و هو خطأ نشأ من الخطأ في ذكر الاسم أول الأمر، و التصويب عن الطبرى ح 11 ص 219.

39

حتى أخذت له ابنة عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه بن جعفر امرأة عيسى الأمان له و لإخوته معاوية و غيره، و أما موسى بن عبد اللّه فسار نحو الشام و معه رزام مولى محمد بن خالد القسرى، فانسل منه رزام بتيماء، و سار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسرى، فظهر محمد بن عبد اللّه على ذلك فحبس محمد القسرى، و وصل موسى إلى الشام فرأى منهم سوء ردّ غليه و غلظة، فكتب إلى محمد:

أخبرك أنى لقيت الشام و أهله، فكان أحسنهم قولا الذى قال:

و اللّه لقد مللنا البلاء، و ضقنا حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، و لا لنا به حاجة؛ و منهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا أو أمسينا من غد ليرفعنّ أمرنا؛ فكتبت إليك، و قد غيّبت وجهى، و خفت على نفسى.

ثم رجع إلى المدينة، و قيل أتى البصرة، و أرسل صاحبا له يشترى له طعاما فاشتراه، و جاء به على حمّال أسود، فأدخله الدار التى سكنها و خرج، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار، و أخذ موسى و ابنه عبد اللّه و غلامه فحملوا إلى محمد بن سليمان بن على بن عبد اللّه بن العباس، فلما رأى موسى قال: لا قرّب اللّه قرابتكم، و لا حيّا وجوهكم، تركت البلاد كلها إلا بلدا أنا فيه!! فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير المؤمنين، و إن أطعته قطعت أرحامكم، ثم أرسلهم إلى المنصور، فأمر بضرب موسى و ابنه كل واحد خمسمائة سوط فلم يتأوّها، فقال المنصور: عذرت أهل الباطل في صبرهم، فما بال هؤلاء!! فقال موسى: أهل الحق أولى بالصبر، ثم أخرجهم و أمر بهم فسجنوا.

40

ذكر مسير عيسى بن موسى لقتال محمد بن عبد اللّه بن حسن و قتل محمد

قال‏ (1): ثم إن المنصور أحضر ابن اخيه عيسى بن موسى بن محمد ابن على بن عبد اللّه بن عباس، و أمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد ابن عبد اللّه بن حسن، فقال: شاور عمومتك يا أمير المؤمنين، قال: فأين قول ابن هرمة:

نزور امرأ لا يمخض القوم سرّه‏ * * * و لا ينتجى الأدنين فيما يحاول‏

إذا ما أتى شيئا مضى كالذى أتى‏ * * * و إن قال إنى فاعل فهو فاعل‏

فقال المنصور: أمض أيها الرجل- فو اللّه ما يراد غيرى و غيرك، و ما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا، فسار و سيّر معه الجنود، و كان عيسى ولى عهد المنصور إذ ذاك؛ فقال المنصور حين سار عيسى:

لا أبالى أيهما قتل صاحبه؛ و بعث معه محمد بن أبى العباس السفاح، و كثير بن حصين العبدى، و حميد بن قحطبة، و هزار مرد و غيرهم، و قال له المنصور حين ودّعه: يا عيسى، إنّى أبعثك إلى ما بين هذين، و أشار إلى ما بين جنبيه‏ (2)، فإن ظفرت بالرجل فاغمد سيفك، و ابذل الأمان، و إن تغيّب فضمنهم إياه فإنّهم يعرفون مذاهبه، و من لقيك من آل أبى طالب، فاكتب إلىّ باسمه، و من لم يلقك فاقبض ماله، و كان جعفر الصادق تغيّب عنه، فقبض ماله، فلما قدم المنصور

____________

(1) هنا ينقل النويرى عن ابن الأثير- راجع الكامل ح 5 ص 414- فهو المعنى.

(2) هكذا في المخطوطات يؤيدها الطبرى ح 11 ص 225 و في الكامل ح 5 ص 415:

جبينه و هو خطأ كما هو واضح.

41

المدينة قال له جعفر في معنى ما له، فقال: قبضه مهديّكم، فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق الحرير، منهم عبد العزيز ابن المطلب المخزومى، و عبيد اللّه بن محمد بن صفوان الجمحى، و كتب إلى عبد اللّه بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه، فخرج هو و عمر (1) بن محمد ابن عمر، و أبو عقيل محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عقيل فأتوا عيسى.

قال: و لما بلغ محمدا قرب عيسى من المدينة، استشار أصحابه فى الخروج من المدينة و المقام بها، فأشار بعضهم بالخروج عنها، و بعضهم بالمقام بها، لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: رأيتنى في درع حصينة فأوّلتها المدينة، فأقام ثم استشارهم في حفر خندق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال له جابر بن أنس- رئيس سليم- يا أمير المؤمنين: نحن أخوالك و جيرانك و فينا السلاح و الكراع، فلا تخندق الخندق، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خندقه لمّا أعلمه اللّه به، و إن خندقته لم يحسن القتال رجالة، و لم توجّه لنا الخيل بين الأزقة، و أن الذين نخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم؛ فقال له أحد بنى شجاع: خندق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فاقتد أنت به، و تريد أن تدع أثر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لرأيك!! قال:

إنه و اللّه- يا ابن شجاع- ما شي‏ء أثقل عليك و على أصحابك من لقائهم، و ما شي‏ء أحبّ إلينا من مناجزتهم، فقال محمد: إنما اتبعنا

____________

(1) فى ك: عمرو يؤيد ا، ت: الكامل ح 5 ص 415، و الطبرى ح 11 ص 226

42

فى الخندق أثر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فلا يردّنى أحد عنه فلست بتاركه، فأمر به فحفر، و بدأ هو فحفر بنفسه الخندق‏ (1)، الذى حفره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للأحزاب، و سار عيسى حتى نزل الأعوص، و كان محمد قد جمع الناس و أخذ عليهم الميثاق:

ألا يخرج منهم أحد، ثم خطبهم فقال:

إنّ عدوّ اللّه و عدوّكم قد نزل الأعوص، و إنّ أحق الناس بالقيام بهذا الأمر، لأبناء المهاجرين و الأنصار، ألا و إنّا قد جمعناكم و أخذنا عليكم الميثاق، و عدوّكم في عدد كثير، و النصر من اللّه و الأمر بيده، و أنّه قد بدا لى أن آذن لكم، فمن أحبّ منكم أن يقيم أقام، و من أحبّ أن يظعن ظعن؛ فخرج عالم كثير، و خرج ناس من أهل المدينة بذراريهم و أهليهم إلى الأعراض و الجبال، و بقى محمد في شرذمة يسيرة (2)، فأمر أبا القلمّس بردّ من قدر عليه، فأعجزه كثير منهم فتركهم.

قال: و كان المنصور قد أرسل ابن الأصم مع عيسى بن موسى ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من المدينة، فقال ابن الأصم: إن الخيل لا عمل لها مع الرجّالة، و إنى أخاف إن كشفوكم كشفة (3) أن يدخلوا عسكركم، فتأخّروا إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف و هو على أربعة أميال من المدينة، و قال: و لا يهرول الراجل أكثر من‏

____________

(1) هكذا في ا و يؤيده الكامل ح 5 ص 415 و في ك: و بدأ هو بنفسه بحفر الخندق، و في ت: و بدأ هو يحفر بنفسه الخندق.

(2) فى ك: قليلة و يؤيد ا الكامل ح 5 ص 416.

(3) هذه الكلمة غير موجودة في ك، ت و هى عن ا، و يؤيده الكامل ح 5 ص 426.

43

ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل، و أرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء ابن أزهر- على ستة أميال من المدينة- فأقاموا بها، و قال:

أخاف أن ينهزم محمد فيأتى مكة، فيردّه هؤلاء، فكانوا بها حتى قتل محمد، و أرسل عيسى إلى محمد يخبره أن المنصور أمّنه و أهله، فأعاد الجواب: يا هذا، إن لك برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قرابة قريبة، و إنى أدعوك إلى كتاب اللّه و سنة نبيّه و العمل بطاعته، و أحذرك نقمته و عذابه، و إنى و اللّه ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى اللّه عليه، و إياك أن يقتلك من يدعوك إلى اللّه: فتكون شر قتيل، أو تقتله‏ (1) فيكون أعظم لوزرك. فلما بلغته الرسالة قال عيسى: ليس بيننا و بينه إلا القتال؛ و قال محمد للرسول: علام تقتلونى؟ و إنما أنا رجل فرّ من أن يقتل، قال: إن القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك، على ما قاتل عليه خير آبائك طلحة و الزبير، على نكث بيعتهم و كيد ملكه.

قال، و نزل عيسى بالجرف لاثنتى عشرة خلت من شهر رمضان سنة خمس و أربعين و مائة و ذلك يوم السبت، فأقام السبت و الأحد و غدا يوم الاثنين فوقف على سلع، فنظر إلى المدينة و من فيها، و نادى يا أهل المدينة: إن اللّه تعالى حرّم دماء بعضنا على بعض، فهلمّوا إلى الأمان، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن‏ (2)، و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن، و من خرج من المدينة فهو آمن،

____________

(1) هكذا في ك، ا و يؤيدهما الكامل ح 5 ص 416 و في ت: يقتلك.

(2) بعد ذلك يذكر الكامل ح 5 ص 417 و الطبرى ح 11 ص 234: و من دخل داره فهو آمن، و يظهر أن هذه العبارة سقطت من النويرى.

44

خلوا بيننا و بين صاحبنا فإمّا لنا و إمّا له. فشتموه فانصرف من يومه و عاد من الغد، و قد فرّق القوّاد من سائر جهات المدينة، و أخلى ناحية مسجد أبى الجرّاح و هو على بطحان، أخلى تلك الناحية لخروج من ينهزم، و برز محمد في أصحابه و رايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، و كان شعاره: أحد أحد، فبرز أبو القلمّس و هو من أصحاب محمد، فبرز إليه أخو أسد، فاقتتلوا طويلا فقتله أبو القلمّس، و برز إليه آخر فقتله، و قال حين ضربه: خذها و أنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيرا من ألف فاروق، و قاتل محمد يومئذ قتالا عظيما، فقتل بيده سبعين رجلا، و أمر عيسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة (1) كلهم راجل سواه، فزحفوا حتى بلغوا جدارا دون الخندق، عليه ناس من أصحاب محمد، فهدم حميد الحائط و انتهى إلى الخندق، و نصب عليه أبوابا و عبر هو و أصحابه عليها، فجازوا الخندق و قاتلوا من وراءه أشد قتال من بكرة النهار إلى العصر، و أمر عيسى أصحابه فألقوا الحقائب و غيرها في الخندق، و جعل الأبواب عليها و جازت الخيل، فاقتتلوا قتالا شديدا، و انصرف محمد فاغتسل و تحنط ثم رجع، فقال له عبد اللّه بن جعفر: بأبى أنت و أمّى، و اللّه مالك بما ترى طاقة أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإنّ معه جلّ أصحابك!! فقال: لو خرجت لقتل أهل المدينة، و اللّه لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، و أنت منى في سعة فاذهب حيث شئت، فمشى معه قليلا ثم رجع عنه، و تفرّق عنه جل أصحابه، حتى بقى في ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا، فقال بعض أصحابه: نحن اليوم بعدة

____________

(1) بعد هذه الكلمة إلى آخر الفصل أى إلى عنوان ظهور إبراهيم ساقط من ك‏

45

أهل بدر؛ و صلّى محمد الظهر و العصر، و كان معه عيسى بن خضير و هو يناشده: إلا ذهب إلى البصرة أو غيرها، و محمد يقول: لا و اللّه لا تبتلون بى مرّتين، و لكن اذهب أنت حيث شئت، فقال ابن خضير: و أين المذهب عنك!؟ ثم مضى فأحرق الديوان، الذى فيه أسماء من بايعهم، و قتل رياح بن عثمان و أخاه عباس بن عثمان، و قتل ابن مسلم بن عقبة المرسى، و مضى إلى محمد بن خالد القسرى و هو محبوس ليقتله فعلم به، فردم الأبواب دونه فلم يقدر على قتله، و كان محمد بن عبد اللّه قد حبس محمد بن خالد بعد ما أطلقه، و رجع عيسى بن خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل، و تقدّم حميد بن قحطبة، و تقدّم محمد بن عبد اللّه فلما صار ببطن مسيل سلع عرقب فرسه، و عرقب بنو شجاع الجهنيون‏ (1) دوابّهم، و لم يبق أحد منهم إلا كسر جفن سيفه، فقال لهم محمد: قد بايعتمونى و لست بارحا حتى أقتل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنت له، و اشتد القتال فهزموا أصحاب عيسى بن موسى مرّتين أو ثلاثا، فقال يزيد بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر (2): ويل أمّه فتحا، لو كان له رجال!! و صعد نفر من أصحاب عيسى على جبل سلع، و انحدروا منه إلى المدينة، و أمرت أسماء بنت حسن بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس‏ (3)

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 418: الحميسيون و هو خطأ.

(2) فى الكامل ح 5 ص 418: يزيد بن معاوية بن عباس بن جعفر و يؤيد المخطوطات الطبرى ح 11 ص 243.

(3) فى ا: أسماء بنت حسن بن عبيد اللّه بن اللباس و في ت: أسماء بنت حسن بن عبد اللّه ابن العباس و التصويب عن الكامل ح 5 ص 418 و الطبرى ح 11 ص 244.

46

بخمار أسود فرفع على منارة مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال أصحاب محمد بن عبد اللّه: دخلت المدينة فهربوا، فقال يزيد:

لكل قوم جبل يعصمهم، و لنا جبل لا نؤتى إلا منه!!- يعنى سلعا، و فتح بنو أبى عمرو الغفاريّون طريقا في بنى غفار لأصحاب عيسى، فدخلوا منه أيضا و جاءوا من وراء أصحاب محمد، و نادى محمد حميد بن قحطبة: أبرز إلىّ فأنا محمد بن عبد اللّه، فقال حميد:

قد عرفتك، و أنت الشريف ابن الشريف، الكريم ابن الكريم، و اللّه، لا أبرز إليك و بين يدىّ من هؤلاء الأغمار واحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك، و جعل حميد يدعو ابن خضير إلى الأمان، و ابن خضير يحمل على الناس راجلا، لا يصفى إلى أمانه و هو يأخذهم بين يديه، فضربه رجل من أصحاب عيسى على إليته فحلها، فرجع إلى أصحابه فشدّها بثوب، ثم عاد إلى القتال، فضربه إنسان على عينه فغاص‏ (1) السيف، و سقط فابندروه فقتلوه و أخذوا رأسه، و كأنه باذنجانة مفلقة من كثرة الجراح فيه، فلما قتل تقدّم محمد فقاتل على جيفته، فجعل يهدّ الناس هدا، و كان أشبه الناس بقتال حمزة بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه)، و لم يزل محمد يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه و جعل يذبّ عن نفسه، و يقول: ويحكم ابن نبيّكم مجرّح مظلوم، فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل إليه فأخذ رأسه و أتى به عيسى، و هو لا يعرف من كثرة الدماء؛ و قيل إن عيسى بن موسى اتّهم حميد بن قحطبة و كان على الخيل، فقال‏

____________

(1) فى ت: فخاص و يؤيد ا الكامل ج 5 ص 419.

47

له: ما أراك تبالغ!! فقال له: أ تتهمنى!! فو اللّه لأضربنّ محمدا حين أراه بالسيف أو أقتل دونه، قال: فمرّ به و هو مقتول فضربه ليبرّ يمينه، و قيل بل رمى بسهم و هو يقاتل، فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره، و هو ذو الفقار، سيف على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، و قيل بل أعطاه رجلا من التجار، كان معه و له عليه‏ (1) أربعمائة دينار، و قال خذه فإنّك لا تلقى أحدا من آل أبى طالب إلا أخذه و أعطاك حقّك، فلم يزل عنده حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة، فأخبر به فأخذ السيف منه و أعطاه أربعمائة دينار، و لم يزل معه حتى أخذه منه المهدى، ثم صار إلى الهادى فجرّبه فى كلب فانقطع السيف؛ و قيل بل بقى إلى أيام الرشيد، و كان يتقلّده و كان به ثمانى عشرة فقارة.

قال: و لما أتى عيسى برأس محمد قال لأصحابه: ما تقولون فيه؟

فوقعوا فيه، فقال بعضهم: كذبتم ما لهذا قاتلناه، و لكنّه خالف أمير المؤمنين، و شقّ عصا المسلمين، و إن كان لصوّاما قوّاما فسكتوا.

و أرسل عيسى بن موسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبى الكرام بن عبد اللّه بن على بن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب، و بالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، و أرسل معه رءوس بنى شجاع، فأمر المنصور برأس محمد فطيف به في الكوفة و سيّره إلى الآفاق. قال: و لمّا رأى المنصور رءوس بنى شجاع قال: هكذا فليكن الناس! طلبت محمدا فاشتمل عليه‏

____________

(1) فى ت: تزيد دين (العبارة فيها: و له عليه دين أربعمائة دينار).

48

هؤلاء، ثم نقلوه و انتقلوا معه، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا. و كان مقتل محمد و أصحابه يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان خمس و أربعين و مائة.

قال‏ (1): و كان المنصور قد بلعه أن عيسى بن موسى قد هزم، فقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر و مشورة النساء؟

ما أتى‏ (2) لذلك بعد. ثم بلغه أنّ محمدا هرب، فقال: كلّا، إنّا أهل بيت لا نفرّ، فجاءته بعد ذلك الرءوس. قال: و لما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب عنده، فلما رأى الرأس عظم عليه و تجلّد خوفا من المنصور، فالتفت المنصور إليه و قال: أ هو هو؟ قال: نعم، و لوددت أن اللّه تعالى قاده إلى طاعتك، و لم تكن فعلت به كذا، قال: و أنا و إلّا فأم موسى طالق، و لكنه أراد قتلنا فكانت نفسنا أكرم علينا من نفسه.

قال: و أرسل عيسى بن موسى ألوية فنصبت في مواضع بالمدينة، و نادى مناديه: من دخل تحت لواء منها فهو آمن؛ و أخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفّين، و وكل بخشبة ابن خضير من يحفظها، فاحتمله قوم من الليل فواروه سرا، و بقى الآخرون ثلاثا، ثم أمر بهم عيسى فألقوا في مقابر اليهود، ثم ألقوا بعد ذلك في خندق ذباب، فأرسلت زينب بنت عبد اللّه،

____________

(1) لا يزال المؤلف ينقل عن الكامل لابن الأثير.

(2) فى الكامل ج 5 ص 420: ما أتي كذلك بعد و هو خطأ، و في المخطوطات:

ما أن و التصويب عن الطبرى ح 11 ص 250.

49

أخت محمد- و ابنته‏ (1) فاطمة إلى عيسى: إنّكم قد قتلتموه و قضيتم حاجتكم منه، فلو أذنتم لنا في دفنه!! فأذن لهما فدفن بالبقيع. قال: و قطع المنصور الميرة عن المدينة في البحر، ثم أذن فيها المهدى.

قال: ورد الخبر بقتل محمد بن عبد اللّه على أخيه إبراهيم بالبصرة يوم العيد، و كان إبراهيم قد استولى على البصرة، فخرج فصلى بالناس، و نعاه على المنبر و أظهر الجزع عليه.

قال: و كان محمد بن عبد اللّه بن حسن أسمر شديد السمرة سمينا شجاعا كثير الصوم و الصلاة شديد القوّة (رحمه الله تعالى). قال:

و سئل جعفر الصادق عن أمر محمد فقال: فتنة يقتل فيها محمد، و يقتل أخوه لأبيه و أمّه بالعراق، و حوافر فرسه في ماء. قال: و قال محمد بن عبد اللّه لعبد اللّه بن عامر السّلمى: تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا، و إن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمى عند أحجار الزيت، قال:

فو اللّه لقد أطلّتنا سحابة فلم تمطرنا، و تجاوزتنا إلى عيسى و أصحابه فظفروا، و قتلوا محمدا و رأيت دمه عند أحجار الزيت، و كان محمد يلقّب المهدى (رحمه الله).

____________

(1) فى الكامل ح 5 ص 421: ابنة و يؤيد المخطوطات الطبرى ح 11 ص 252.

50

ذكر تسمية المشهورين ممن كان مع محمد بن عبد اللّه بن حسن‏

كان معه من بنى هاشم أخوه موسى بن عبد اللّه بن حسن، و حسين‏ (1) و على ابنا زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ و لمّا بلغ المنصور أن ابنى زيد أعانا محمدا عليه قال: عجبا لهما!! قد خرجا علىّ و قد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، و صلبناه كما صلبه و أحرقناه كما أحرقه؛ و كان معه حمزة بن عبد اللّه بن محمد بن على بن الحسين، و على و زيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، و كان أبوهما مع المنصور، و الحسن‏ (2) و يزيد و صالح بنو معاوية بن عبد اللّه ابن جعفر بن أبى طالب، و القاسم بن إسحاق بن عبد اللّه بن جعفر، و المرجّى على بن جعفر بن إسحاق بن على بن عبد اللّه بن جعفر، و كان أبوه مع المنصور (3)؛ و كان معه من غيرهم:

محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن سعيد بن العاص، و محمد بن عجلان، و عبد اللّه‏ (4) بن عمر بن حفص بن عاصم أخذ أسيرا، فأتى به المنصور فقال له: أنت الخارج علىّ؟ قال: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل اللّه على محمد، و كان معه أبو بكر بن عبد اللّه بن محمد بن‏

____________

(1) فى تاريخ الطبرى ح 11 ص 258: حسين و عيسى، و في الهامش تذكرا احدى المخطوطات أنه على، و يتفق الكامل مع المخطوطات لأن النقل كان منه راجع ح 5 ص 421.

(2) هذا الجزء ساقط من ت.

(3) هذا الجزء ساقط من ت.

(4) فى تاريخ الطبرى ح 11 ص 259: عبيد اللّه و يتفق الكامل مع المخطوطات لان النقل منه راجع ح 5 ص 421، ص 422.

51

أبى سبرة، و عبد الواحد بن أبى عون- مولى الأزد، و عبد اللّه بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، و عبد العزيز بن محمد الدّراوردى، و عبد الحميد بن جعفر، و عبد اللّه بن عطاء بن يعقوب، مولى بنى سباع، و إبراهيم و إسحاق و ربيعة (1) و جعفر و عبد اللّه و عطاء و يعقوب و عثمان و عبد العزيز بنو عبد اللّه بن عطاء، و عيسى بن خضير و عثمان بن خضير، و عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير هرب بعد مقتل محمد، فأتى البصرة فأخذ منها و أتى به المنصور، فقال له:

هيه يا عثمان، أنت الخارج علىّ مع محمد!! قال: بايعته أنا و أنت بمكة، فوفيت ببيعتى و غدرت ببيعتك، قال: يا ابن اللخناء، قال:

ذاك من قامت عنه الاماء يعنى المنصور، فأمر به فقتل، و كان مع مجمد عبد العزيز بن عبد اللّه‏ (2) بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و أخذ أسيرا فأطلقه المنصور؛ و عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللّه بن مطبع؛ و على بن المطّلب بن عبد اللّه بن حنطب؛ و إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير؛ و هشام بن عمارة بن الوليد بن عدى بن الخيار، و عبد اللّه بن يزيد بن هرمز و غيرهم.

____________

(1) فى ت: زمعة و يؤيد ك، ا الطبرى ح 11 ص 260.

(2) فى المخطوطات متابعة الكامل ح 5 ص 422: عبيد اللّه و هو خطأ صححته المخطوطات في فصل ظهور الحسين بن على قتيل فخ و ذكره الطبرى صحيحا ح 11 ص 243، ص 264.

52

ذكر ظهور ابراهيم بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب أخى محمد

كان ظهوره بالبصرة في أول شهر رمضان سنة خمس و أربعين و مائة، و كان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب، فحكت جارية له أنّهم لم تقرّهم أرض خمس سنين، مرة بفارس، و مرة بكرمان، و مرة بالجبل، و مرة بالحجاز، و مرة باليمن، و مرة بالشام، ثم إنّه قدم الموصل و قدمها المنصور في طلبه، فحكى إبراهيم عن نفسه قال: اضطرّنى الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور، ثم خرجت و قد كفّ الطلب، و كان قوم من أهل العسكر يتشيّعون، فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم عليهم ليثبوا بالمنصور فقدم عسكر أبى جعفر و هو ببغداد و قد خطّها، و كانت له مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه، فنظر فيها فقال: يا مسيّب قد رأيت إبراهيم في عسكرى، و ما في الأرض أعدى لى منه، فانظر أىّ رجل يكون؟ ثم إنّ المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، فخرج إبراهيم ينظر إليها مع الناس، فوقعت عليه عين المنصور، فجلس إبراهيم و ذهب في الناس، فأتى فاميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له، و جدّ المنصور فى طلبه و وضع الرصد بكل مكان، فثبت‏ (1) إبراهيم مكانه، فقال له صاحبه سفيان بن حيّان العمىّ‏ (2): قد نزل بنا ما ترى، و لا بد

____________

(1) موضع هذه الكلمة في الكامل ح 5 ص 428 و الطبرى ح 11 ص 285:

فنشب و المعنى واحد.

(2) فى الكامل ح 5 ص 428: القمى و يؤيد المخطوطات الطبرى ح 11 ص 285.

53

من المخاطرة، قال: فأنت و ذاك، فأقبل سفيان إلى الربيع، فسأله الإذن على المنصور فأدخله إليه، فلمّا رآه شتمه فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، غير أنى أتيتك تائبا و لك عندى كلّ ما تحبّ، و أنا آتيك بإبراهيم بن عبد اللّه، إنّى قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا، فاكتب لى جوازا و لغلام معى، و احملنى على البريد و وجّه معى جندا، فكتب له جوازا و دفع إليه جندا، و قال له: هذه ألف دينار (1) فاستعن بها، قال: لا حاجة لى فيها، فأخذ منها ثلاثمائة دينار، و أقبل و الجند معه فدخل البيت على إبراهيم، و على إبراهيم جبة صوف و قباء كأقبية الغلمان، فصاح به فوثب فجعل يأمره و ينهاه، و سار على البريد، و قيل لم يركب البريد، و سار حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع جوازه إليه، فلما جازها قال له الموكّل بالقنطرة: ما هذا غلام و إنّه لإبراهيم بن عبد اللّه، اذهب راشدا فأطلقهما، فركبوا سفينة حتى قدموا البصرة، فجعل يأتى بالجند الدار لها بابان، فيقعد البعض منهم على أحد البابين، و يقول:

لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر و يتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه و بقى وحده، و بلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة، فأرسل إلى الجند فجمعهم، و طلب العمىّ فأعجزه و كان إبراهيم قد قدم الأهواز قبل ذلك فاختفى عند الحسن بن حبيب‏ (2)،

____________

(1) فى ك: درهم و يؤيد ا، ت الكامل ح 5 ص 429، و الطبرى ح 11 ص 286، و ما هو مذكور بعد.

(2) فى الكامل ح 5 ص 429: الحسن بن خبيب و يؤيد المخطوطات الطبرى ح 11 ص 288.

54

و كان محمد بن حصين يطلبه، فقال يوما: إنّ أمير المؤمنين كتب إلى يخبرنى أن المنجّمين أخبروه: أنّ إبراهيم نازل بالأهواز، و هو في جزيرة بين نهرين، و قد طلبته في الجزيرة و ليس هناك، و قد عزمت أن أطلبه غدا بالمدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعنى بقوله- بين نهرين- بين دجيل و المسرقان، فرجع الحسن بن حبيب إلى إبراهيم فأخبره، و أخرجه إلى ظاهر البلد، و لم يطلبه محمد ذلك اليوم، فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم، فأدخله البلد و هما على حمارين وقت العشاء الآخرة، فلحقه أوائل خيل ابن الحصين، فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول، فسأل ابن الحصين الحسن بن حبيب عن مجيئه، فقال: جئت من عند بعض أهلى، فمضى و تركه، و رجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه و أدخله إلى منزله، فقال له إبراهيم: و اللّه لقد بلت دما، فأتيت الموضع فرأيته و قد بال دما، ثم إن إبراهيم قدم البصرة، قيل قدمها في سنة خمس و أربعين و مائة، بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة، و قيل قدمها فى سنة ثلاث و أربعين و مائة، و كان الذى أقدمه و تولى أمره- فى قول بعضهم- يحيى بن زياد بن حيان‏ (1) النبطى، و أنزله في داره في بنى ليث، و قيل نزل في دار أبى فروة، و دعا الناس إلى بيعة أخيه، و كان أوّل من بايعه نميلة بن مرّة العبشمى، و عفو اللّه بن سفيان،

____________

(1) هكذا في المخطوطات و في الكامل ح 5 ص 430 و في تاريخ الطبرى ح 11 ص 288 و البداية و النهاية لأبى الفدا (ابن كثير) ح 10 ص 91: يحيى بن زياد بن حسان النبطى.