نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج27

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
444 /
5

الجزء السابع و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة

إذا كانت الأجزاء السابقة و اللاحقة فى موسوعة «نهاية الأرب» للنويرى قد عالجت فى الجانب التاريخى دولا و أحداثا سبق النويرى إلى التأريخ لها عديد من الكتاب و المؤرخين المسلمين، فإن هذا الجزء السابع و العشرين من نهاية الأرب يمتاز بعلاج نواح فى تاريخ الشرق الأوسط. تفتقر إليها المكتبة العربية. ففى هذا الجزء يعالج النويرى تاريخ السلاجقة فى العراق و الشام و بلاد الروم (آسيا الصغرى).

و تاريخ الدولة الخوارزمية حتى سقوطها عند مقتل السلطان جلال الدين سنة ثمان و عشرين و ستمائة؛ و أخيرا تاريخ المغول و حركتهم التوسعية و دويلاتهم التى انقسمت إليها دولة جنكزخان، و ما كان من توسعهم فى الشرق الأوسط على حساب القوى الإسلامية العديدة،، و يدخل ضمن ذلك علاقتهم بسلطنة المماليك حتى عهد السلطان الناصر محمد ابن قلاوون.

و من هذا العرض الموجز نخرج بفكرة عن أن النويرى خصص معظم هذا الجزء السابع و العشرين لعلاج تاريخ السلاجقة و الخوارزمية و المغول، و قدم لنا فى علاجه لهذه الجوانب كثيرا من المعلومات الطريفة الجديدة المفصلة التى يندر أن نجد لها شبيها فى الموسوعات‏

6

العربية السابقة بل إن المؤرخين اللاحقين بالنويرى- مثل المقريزى و ابن تغرى بردى و العينى لم يعطوا تلك الجوانب- و خاصة ما يتعلق بالمغول و دولهم و أخبارهم الداخلية- القدر الكافى من الأهمية؛ مما جعل كتابات النويرى فى هذا الجزء بالذات تبدو فى نظرنا ذات أهمية خاصة.

و ربما كان فى هذه الحقيقة بعض السر فى الصعوبات الكبيرة التى اعترضتنا عند تحقيق هذا الجزء بالذات. فما أسهل أن يقوم محقق بتحقيق كتاب أو جزء من كتاب يعالج أحداثا و دولا- مثل دولة المماليك- سبق أن نشرت فيها كتب بالعربية. مما يمكنه من مقارنة الأسماء و تصحيح الأعلام فى سهولة؛ و ما أصعب أن يقوم محقق بتحقيق فصول جديدة على المكتبة العربية مما يجعله يقف وقفة طويلة أمام كل اسم و كل علم. و هو فى وقفته هذه لا بد و أن يفترض الكثير من إهمال الناسخين و خطأ الرواة و عبث الزمان على مر العصور و الأجيال.

هذا إلى أنه إذا كان النويرى نفسه قد اعتمد فى الفصول الأخرى التى حواها القسم التاريخى من كتابه على كتابات غيره من المؤرخين السابقين أو المعاصرين- مثل ابن الأثير- فإنه فما يتعلق بتاريخ الخوارزميين و المغول لم يجد فيما يبدو كتابات عربية وافية ينقل عنها- سوى المنشى النسوى- مما جعله يركن إلى الروايات الشفوية. و قد أدى ذلك إلى وجود كثير من الأخطاء أو التحريفات فيما كتبه النويرى عن المغول بصفة خاصة. الأمر الذى جعلنا نعتمد على المصادر الفارسية و المراجع الأوربية فى تحقيق هذا الجزء. و هنا لا يسعنى‏

7

سوى أن أشكر زميلى و صديقى الدكتور فؤاد عبد المعطى الصياد لما قدمه لى من معونة صادقة فى استشارة المصادر الفارسية على وجه الخصوص.

و قد اعتمدنا فى تحقيق هذا الجزء على عدة نسخ، منها نسخة مكتبة كوبريلي باستنبول و توجد منها صورة كاملة بدار الكتب المصرية (رقم 549)، و اتخذنا حرف «ك» رمزا لهذه النسخة.

و منها نسخة أيا صوفيا، و توجد أيضا منها صورة كاملة بدار الكتب المصرية (رقم 551)، و رمزنا لهذه النسخة بحرف «ص». و منها نسخة بمعهد المخطوطات بالجامعة العربية (رقم 1214). و هى التى رمزنا إليها بحرف «ع». و أخيرا تأتى نسخة المكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية (رقم 699) و هى مرموز لها بحرف «ت».

و رأت اللجنة المشرفة على تحقيق هذا الكتاب أن تتخذ النسخة الأولى «ك» أصلا معتمدا للتحقيق، و ذلك توحيدا لخطة العمل فى جميع أجزائه من ناحية، و لأنها أكمل النسخ من ناحية أخرى غير أننا عند مقابلة هذه النسخة ببقية النسخ أثناء قيامنا بتحقيق هذا الجزء، وجدنا نقصا كبيرا فيها، و صفحات عديدة ساقطة منها و خاصة فى باب المغول- الأمر الذى تطلب منا مقابلة النسخ الأربع بعضها ببعض مقابلة دقيقة، بحيث نقدم للباحث صورة صادقة كاملة للمتن كما أورده المؤلف. و لا يفوتنى فى هذا الموضع أن أقدم شكرى للدكتور حسين محمد ربيع- تلميذى سابقا و زميلى حاليا-

8

لمعاونته الصادقة لى فى عملية مقابلة نسخ الكتاب لاستكمال النقص فى النسخة الأصلية.

و اللّه نسأل أن يوفقنا دائما فى المحافظة على تراث الآباء و الأجداد ليظل حيا قويا، نستمد منه، و نتخذ منه أساسا سليما فى بناء مجدنا الحديث.

23- 8- 1966 المحقق سعيد عبد الفتاح عاشور.

9

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[تتمة الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار ملوك العراق و ...]

[تتمة ذكر أخبار الدولة السلجقية]

[تتمة ذكر أخبار الدولة السلجقية بالعراق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به توفيقى‏

ذكر أخبار السلطان مغيث الدين‏

هو أبو القاسم محمود بن محمد طبر بن ملكشاه. جلس على تخت السلطنة فى النصف من ذى الحجة، سنة إحدى عشرة و خمسمائة، كما قدمنا ذكر ذلك فى أخبار أبيه السلطان محمد، ثم خطب له بالسلطنة ببغداد بعد وفاة أبيه على عادة الملوك السلجقية، فى يوم الجمعة ثالث عشر المحرم سنة ثنتى عشرة و خمسمائة، فى خلافة المستظهر باللّه، و دبر دولته الوزير الربيب أبو منصور.

و لما ولى (السلطان مغيث الدين) عزل بهروز عن شحنكية (1)، بغداد، و ولى آق‏سنقر البرسقى،- و كان بالرحية- فى إقطاعه، فسار إلى السلطان محمد قبل وفاته يسأله الزيادة فى إقطاعه، فبلغه وفاته قبل وصوله إلى بغداد، و أرسل مجاهد الدين بهروز يمنعه من دخول بغداد، فسار إلى السلطان محمود فلقيه توقيع السلطان بولاية

____________

(1) شحنة البلد من كان فيه الكفاية لضبطها من قبل السلطان، و الشحنكية القيام مقام السلطان فى ضبط البلد، أو النيابة.

10

شحنكية بغداد و هو بحلوان‏ (1)، فلما ولى هرب بهروز إلى تكريت‏ (2) و كانت له.

ثم ولى السلطان شحنكية بغداد للأمير منكبرس‏ (3)، و هو من أكابر الأمراء، فسير إليها ربيبه الأمير حسين بن أرديل، أحد أمراء الأتراك لينوب عنه. فلما فارق باب همذان اتصل به جماعة من الأمراء البلخية، فلما بلغ البرسقى ذلك خاطب الخليفة المستظهر باللّه أن يأمره بالتوقف عن العبور إلى بغداد إلى أن يكاتب السلطان، فأرسل إليه الخليفة فى ذلك، فأجابه: إن رسم الخليفة بالعود عدت، و إلا فلا بد من الدخول إلى بغداد. فجمع البرسقى أصحابه و سار إليه و التقوا و اقتتلوا، فقتل أخ للأمير حسين و انهزم هو و من معه، و عادوا إلى عسكر السلطان، و ذلك فى شهر ربيع الأول من السنة.

قال: و كان الأمير دبيس بن صدقة عند السلطان محمد منذ قتل والده، فلما توفى السلطان خاطب السلطان محمود فى العودة إلى بلدة الحلة (4)، فأذن له فعاد إليها، فاجتمع له خلق كثير من العرب و الأكراد و غيرهم.

____________

(1) حلوان: مدينة كبيرة بالعراق، قال عنها ياقوت انها فى آخر حدود السواد مما يلى الجبال من بغداد.

(2) تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد و الموصل غرب دجلة.

(3) فى ابن الأثير منكوبرس (حوادث سنة 513 ه).

(4) استغلت قبيلة بنى مزيد- و هى إحدى قبائل الشيعة من البدو- فرصة ضعف الخلافة العباسية من ناحية و الخلافات التى دبت داخل سلطنة السلاجقة فى أواخر القرن الحادى عشر من ناحية أخرى، و أعلنت استقلالها فى منطقة نفوذها- على الضفة الغربية للفرات. و قد أقدم على هذه الخطوة الشيخ صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدى، الذى بنى منزلة الحلة سنة 1101 م و اتخذها مقرا له. و لم تلبث هذه الامارة أن امتدت من هيت إلى الكوفة و واسط.

11

ذكر مسير الملك مسعود ابن السلطان محمد و جيوش بك و ما كان بينهما و بين البرسقى و الأمير دبيس بن صدقة

قال: و فى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة و خمسمائة برز آق‏سنقر البرسقى، و نزل بأسفل الرقة فى عسكره، و من انضاف إليه، و أظهر أنه على قصد الحلة و إخراج الأمير دبيس بن صدقة عنها، و جمع جموعا كثيرة من العرب و الأكراد و فرق الأموال الكثيرة و السلاح. و كان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل عند أتابكه‏ (1) الأمير جيوش بك كما ذكرناه فى أخبار السلطان محمد، فأشار عليهما جماعة بقصد العراق، و قالوا لا مانع دونه، فسارا فى جيوش كثيرة، و مع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو على بن عمار صاحب طرابلس، و قسيم الدولة آق‏سنقر جد نور الدين الشهيد (2) و معهم صاحب سنجار، و صاحب أربل، و كرباوى بن خراسان التركمانى صاحب البوازيج‏ (3).

فلما علم البرسقى بقربهم خافهم، و تجهّز لقتالهم عند ما قربوا من بغداد، فسار إليهم ليقاتلهم، فأرسل إليه الأمير كرباوى‏

____________

(1) أتابك لفظ تركى معناه مربى الملك. و كان آل سلجوق إذا امتاز أحد قادتهم و أرادوا تشريفه أضفوا عليه هذا اللقب إمعانا فى تكريمه. و قد استطاع بعض أولئك الأتابكة تأسيس بيوت حاكمة صغيرة عند ما ضعفت دولة السلاجقة، و عرفت هذه الدويلات الصغيرة باسم الأتابكيات.

(2) المقصود به نور الدين محمود بن زنكى.

(3) البوازيج: بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصب فى دجلة، و هى من أعمال الموصل.

12

فى الصلح، و أعلمه أنهم إنما جاءوا نجدة له على دبيس، فاصطلحوا و تعاهدوا. و وصل الملك مسعود إلى بغداد، و نزل بدار المملكة، فأتاهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين منكبرس المقدم ذكره فى جيش كبير، فسار البرسقى عن بغداد ليحاربه و يمنعه من دخولها، فلما علم منكبرس بذلك قصد النعمانية و اجتمع هو و الأمير دبيس ابن صدقة و اتفقا على المعاضدة و التناصر و قوى كل منهما بصاحبه.

فلما اجتمعا سار الملك مسعود و البرسقى و جيوش بك و من معهم إلى المدائن للقاء دبيس و منكبرس، فأتتهم الأخبار بكثرة جمعهما، فعاد البرسقى و الملك مسعود و عبرا نهر صرصر (1)، و حفظا المخائض عليه، و نهب الطائفتان السواد نهبا فاحشا، و استباحوا النساء، فأرسل الخليفة المسترشد باللّه- و كان قد بويع له بعد وفاة أبيه- إلى الملك مسعود و إلى البرسقى ينكر ذلك، و يأمرهم بحقن الدماء، و ترك الفساد، و الموادعة و المصالحة. فأنكر البرسقى أن يكون ذلك قد وقع، و أجاب إلى العود إلى بغداد، و عاد، و وقع الصلح و الاتفاق بينهما. و كان سبب الاتفاق أن جيوش بك كتب إلى السلطان محمود يطلب الزيادة للملك مسعود و لنفسه، فوصل كتاب الرسول يذكر أنه لقى من السلطان إحسانا كثيرا، و أنه أقطعهم أذربيجان.

فوقع الكتاب إلى منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، و ضمن له إصلاح السلطان محمود له و للملك مسعود. و كان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود و اسمها سرجهان، فعند ذلك تفرق عن البرسقى‏

____________

(1) جاء فى معجم البلدان لياقوت «صرصر قريتان من سواد بغداد صرصر العليا و صرصر السفلى، و هما على ضفة نهر عيسى، و ربما قيل نهر صرصر فنسب النهر إليهما».

13

من كان معه، و بطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان و التحق بخدمة الملك مسعود، و استقر منكبرس فى شحنكية بغداد، و عاد الملك مسعود و جيوش بك إلى الموصل و عاد دبيس إلى الحلة و استقر منكبرس ببغداد، و أخذ فى الظلم و العسف و المصادرات، فاختفى أرباب الأموال، و انتقل جماعة إلى حريم الخلافة خوفا منه، و كثر فساد أصحابه، حتى أن بعض أهل بغداد تزوج بامرأة فلما زفت إليه أتاه بعض أصحاب منكبرس و كسر بابه و جرح الزوج عدة جراحات، و ابتنى بالمرأة. فكثر الدعاء على منكبرس و أصحابه و استغاث الناس و أغلقوا الأسواق. فبلغ السلطان ذلك فاستدعاه إليه و حثه على اللحاق به، و هو يغالط و يدافع. فلما بلغ أهل بغداد ذلك طمعوا فيه و هموا به، ففارق بغداد، و سار إلى السلطان.

و ظهر من كان قد استتر من الناس.

ذكر عصيان الملك طغرل على أخيه السلطان محمود

كان الملك طغرل لما توفى والده بقلعة من سرجهان‏ (1). و كان والده قد أقطعه ساوه و آوه‏ (2) و زنجان فى سنة أربع و خمسمائة:

و عمره إذ ذاك سنة، فإن مولده كان فى سنة ثلاث و خمسمائة.

____________

(1) قلعه حصينة على طرف جبال الديلم تشرف على قاع قزوين و زنجان و أبهر. ذكر ياقوت أنه راى هذه القلعة بنفسه فوجدها من أحصن القلاع و أحكمها (معجم البلدان ج 3 ص 207).

(2) ساوة مدينة حسنة بين الرى و همذان، و آوه مدينة أخرى تبعد عن ساوه نحو فرسخين قال ياقوت إن ساوة سنية شافعية و آوه أهلها شيعة إمامية.

14

و جعل السلطان أتابكه الأمير شيركير، ففتح عدة من قلاع الاسماعيلية فى سنة خمس و خمسمائة، منها قلعة كلام و قلعة بيرة (1).

و غيرهما. فازداد ملك طغرل بما فتحه أتابكه شيركير، فأرسل السلطان. محمود الأمير كندغدى‏ (2) ليكون أتابكا لأخيه الملك طغرل و مدبرا لأمره، و أمره بحمله إليه. فلما وصل إليه حسن له مخالفة أخيه و نزع يده من طاعته، فوافقه على ذلك، فسمع السلطان الخبر، فأرسل شرف الدين أنوشروان بن خالد، و معه خلع و تحف و ثلاثين ألف دينار، و وعد أخاه باقطاع كثير زيادة على ما بيده إن هو قصده و اجتمع به،. فلم يجب إلى الاجتماع به. و قال كندغدى: «نحن فى طاعة السلطان، و أى جهة أراد قصدناها، و معنا من العساكر ما نقاوم بهم من أمرنا بقصده». فبينما هم فى ذلك إذ ركب السلطان محمود من باب همذان فى عشرة آلاف فارس جريدة. و ذلك فى جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، و كتم مقصده، و عزم على أن يكبس أخاه طغرل و الأمير كندغدى.

فرأى أحد خواص السلطان تركيا من أصحاب الملك طغرل. فأعلم السلطان به، فقبض عليه. و كان معه رفيق سلم، و سار عشرين فرسخا فى ليلة، و وصل إلى الأمير كندغدى و هو سكران، فأيقظه بعد جهد، و أعلمه بالخبر، فقام كندغدى لوقته و أخذ الملك طغرل‏

____________

(1) كلام و بيرة من قلاع طبرستان التى استولى عليه الاسماعيلية.

(2) فى ابن الأثير كنتغدى (حوادث سنة 513 ه).

15

و سار به مختفيا، و قصدا قلعة سميران‏ (1)، فضلا عن الطريق إلى قلعة سرجا هان‏ (2)، و كان ضلالهما سببا لسلامتهما، فإن السلطان جعل طريقه على قلعة سميران، فسلما منه بما ظناه عطبا.

و وصل السلطان إلى عسكر أخيه فكبسه و نهب ما فيه و أخذ من خزانة أخيه ثلاثمائة ألف دينار. و أقام السلطان بزنجان و توجه منها إلى الرى و نزل طغرل من قلعة سرجاهان، و لحق هو و كندغدى، بكنجة (3)، و قصده أصحابه فقويت شوكته، و تمكنت الوحشية بينهما.

و فى سنة ثلاث عشرة و خمسمائة كانت الحرب بين السلطان سنجر شاه و بين السلطان محمود، و كان الظفر لعمه سنجر شاه عليه، و قطعت خطبته من بغداد، و خطب لسنجرشاه، ثم اتفقا و حضر (السلطان محمود) إلى خدمة عمه فأكرمه و أحسن إليه و جعله ولى عهده كما قدمناه فى أخبار السلطان سنجر.

قال: و أقطعه عمه سنجر شاه من حد خراسان إلى الداروم‏ (4) بأقصى الشام، و هى من الممالك: همذان، و أصفهان، و بلد

____________

(1) فى ك شميران و فى ابن الأثير و ياقوت وردت سميران بالسين و ذكر ياقوت أنها من أمهات القلاع فى الديلم.

(2) كتبها النويرى قبل ذلك سرجهان، و كذلك جاءت فى ابن الأثير (حوادث سنة 513 ه).

(3) كنجة بفتح الكاف و الجيم و سكون النون من نواحى لرستان بين خوزستان و أصبهان (معجم ياقوت).

(4) الداروم قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر.

16

الجبال جميعها، و ديار مضر (1)، و بلاد فارس، و كرمان و خوزستان و العراق، و أذربيجان، و أرمينية، و ديار بكر، و بلاد الموصل، و الجزيرة، و ديار ربيعة (2)، و ما بين هذه من الممالك.

قال القاضى عماد الدين بن الأثير فى تاريخه: و رأيت منشوره بذلك، و ليس ابن الأثير هذا هو الجزرى صاحب التاريخ المترجم بالكامل بل هو صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية و هو الذى عاصرناه.

ذكر مقتل الأمير منكبرس‏

و منكبرس هو الذى كان شحنة بغداد الذى قدمنا ذكره، و كان مقتله فى سنة ثلاث عشرة و خمسمائة. و كان سبب قتله أنه لما انهزم السلطان محمود من عمه، عاد إلى بغداد، فنهب عدة مواضع من طريق خراسان، و قصد دخول بغداد. فسير دبيس بن صدقة من منعه، فعاد و قد استقر الصلح بين السلطان و عمه. فدخل إلى السلطان سنجر و معه سيف و كفن، فقال له: «انا لا أؤاخذ أحدا» و سلمه إلى السلطان محمود و قال له: «هذا مملوكك، اصنع به ما تريد» فأخذه، و كان فى نفسه منه أشياء: منها أنه لما توفى السلطان محمد أخذ سريته والدة الملك مسعود قهرا قبل انقضاء عدتها، و منها استبداده بالأمور دونه، و مسيره إلى شحنكية العراق و السلطان‏

____________

(1) المقصود بديار مضر: الأراضى السهلة الممتدة شرق الفرات.

(2) ديار ربيعة: ما كان بين الموصل و رأس عين و حوض نهر الخابور جميعه.

17

كاره لذلك، و ما فعله ببغداد. فقتله السلطان محمود صبرا و أراح الناس من شره و اللّه أعلم.

ذكر مقتل الأمير على بن عمر

و فيها أيضا قتل الأمير على بن عمر، حاجب السلطان محمد، و كان قد صار أكبر الأمراء، و انقادت له العساكر، فحسده الأمراء و أفسدوا حاله مع السلطان محمود و حسنوا له قتله. فعلم بذلك فهرب إلى قلعة برجين- و هى بين بروجرد (1) و كرج- و كان بها أهله و ماله، و سار منها فى مائتى فارس إلى خوزستان، و كانت بيد أقبورى بن برسق و ابنى أخويه أرغلى بن يلبكى و هندو بن زنكى.

فأرسل إليهم و أخذ عهودهم بأمانه و حمايته. فلما سار إليهم أرسلوا عسكرا منعوه من قصدهم، و لقوه على ستة فراسخ من تستر (2) فانهزم هو و أصحابه و وقف به فرسه، فانتقل إلى غيره، فنشب ذيله‏ (3) بسرجه الأول (فأزاله) (4) ثم عاود التعلق فأبطأ فأدركوه و أسروه و كاتبوا السلطان محمود فى أمره، فأمرهم بقتله فقتلوه.

____________

(1) بروجرد بفتح الباء و ضم الراء و كسر الجيم بلدة بينها و بين همذان ثمانية عشر فرسخا (معجم ياقوت).

(2) تستر: بالضم ثم السكون، وصفها ياقوت بأنها كانت على أيامه أعظم مدينة فى خوزستان‏

(3) فى ابن الأثير «فتثبث ذيله».

(4) ما بين الحاصرتين سقط من ك و التكملة من النسخة (ع).

18

ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود و الحرب بينهما و الصلح‏

و فى سنة أربعة عشرة و خمسمائة فى شهر ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود و أخيه مسعود. و كان لمسعود الموصل و أذربيجان و كان سبب هذه الحرب أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك الملك مسعود، و يحثه على طلب السلطنة. و كان مقصد أن يقع الاختلاف بينهما، فينال من الجاه و علو المنزلة ما ناله أبو باختلاف السلطان محمد و بركياروق. و كان آق‏سنقر البرسقى مع الملك مسعود منذ فارق شحنكية بغداد، و أقطعه الملك مسعود مراغا مضافة إلى الرحبة. و كان بينه و بين دبيس عداوة مستحكمة.

فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بالقبض على البرسقى، فعلم البرسقى بذلك، ففارقهم إلى السلطان محمود، فأكرمه و أعلى محله و زاده.

و اتصل الأستاذ أبو اسماعيل الحسين بن على الأصبهانى الطغرائى بالملك مسعود. فاستوزره مسعود بعد (أن) عزل (أبا على) (1) بن عمار، فحسن له أيضا مخالفة السلطان، و الخروج عن طاعته. فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يحذرهم من مخالفته، و يعدهم الإحسان إن أقاموا على الطاعة، فلم يصغوا إلى قوله و أظهروا ما كانوا أضمروه،

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من الكامل فى التاريخ لابن الأثير حوادث سنة أربع عشرة و خمسمائة.

19

و خطبوا للملك مسعود بالسلطنة، و ضربوا له النوب الخمس‏ (1)، و كان ذلك على تفرق عساكر السلطان محمود، فقوى طمعهم و أسرعوا إليه ليلقوه و هو فى قلة من العسكر. و اجتمع إليه نحو خمسة عشر ألف فارس.

فسار السلطان إليهم فالتقوا عند عقبة أسترآباد (2) نصف شهر ربيع الأول، و اقتتلوا نهارا كاملا و البرسقى فى مقدمة عسكر السلطان محمود و أبلى يومئذ بلاء حسنا. فانهزم عسكر الملك مسعود فى آخر النهار، و أسر جماعة كبيرة من أعيان أصحابه. و أسر الوزير، فأمر السلطان بقتله و قال: «ثبت عندى فساد نيته» و كان حسن الكتابة و الشعر، و له تصانيف فى صنعة الكيميا ضيعت للناس من الأموال ما لا يحصى كثرة.

قال: و لما انهزم أصحاب الملك مسعود و تفرّقوا، قصد جبلا بينه و بين المصاف اثنى عشر فرسخا، و اختفى فيه بألفى فارس، و أرسل إلى أخيه يطلب منه الأمان، فرق له و أجابه إلى ما طلب، و أمر آق‏سنقر البخارى بالمسير إليه و إعلامه بعفو السلطان و بسط أمله.

و لما كتب إلى أخيه فى طلب الأمان وصل إليه بعد ذلك بعض‏

____________

(1) النوبة: فرق الجند التى تتناوب الوقوف لحراسة شخص السلطان، و هى خمس يكون تغييرها فى الظهر و العصر و العشاء و نصف الليل و عند الصباح.

(2) كذا فى ك، و فى ابن الأثير أسدآباذ و فى ع البخازى. و قد ذكر ياقوت فى معجم البلدان أن أسترآباذ بفتح الألف و سكون السين و فتح التاء بلدة كبيرة من أعمال طبرستان.

20

الأمراء، و حسن له المسير إلى الموصل، و مكاتبة دبيس بن صدقة، و الاتفاق معه، و معاودة طلب السلطنة، فسار من ذلك الموضع و وصل آق‏سنقر البخارى فلم يجده فسار فى أثره وجد المسير، فأدركه على ثلاثين فرسخا من مكانه ذلك، فاجتمع به و عرفه عفو أخيه عنه، و ضمن له ما أراد، و أعاده إلى العسكر، فأمر السلطان العساكر باستقباله و تعظيمه، ففعلوا ذلك. و أمر السلطان بإنزاله عند والدته و جلس له و أحضره، و اعتنقا و بكيا، و انعطف عليه السلطان محمود، و وفّى له، و خلطه بنفسه فى جميع أحواله، فعد الناس ذلك من مكارم السلطان محمود. و كانت الخطبة لمسعود بالسلطنة بأذربيجان و الجزيرة و الموصل ثمانية و عشرين يوما.

و أما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة أسترآباد، و انتظر الملك مسعود فلم يره، فلما أيس منه سار إلى الموصل، و نزل بظاهرها و جمع الغلات من السواد إليها، و اجتمع إليه عسكره فلما بلغه ما كان من أمر الملك مسعود و أخيه، سار إلى السلطان هو بهمذان و دخل إليه فأمنه.

و أما الأمير دبيس بن صدقة، فإنه نهب البلاد و خربها و فعل الأفعال القبيحة، فأمنه السلطان، و اللّه أعلم.

ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود

قال: كان دخول الملك طغرل فى طاعة أخيه السلطان محمود فى المحرم سنة ست عشرة و خمسمائة، و كان قد قصد أذربيجان‏

21

فى سنة أربع عشرة. و كان أتابكه كندغدى يحسن له و يقويه عليه، فاتفقت وفاته فى شوال سنة خمس عشرة و كان الأمير آق‏سنقر صاحب مراغة (1) عند السلطان ببغداد، فاستأذن السلطان فى المضى إلى إقطاعه فأذن له، فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم مقام كندغدى عند الملك طغرل و يتنزل منزلته، فسار إليه و اجتمع به، و أشار عليه بمكاشفة أخيه، و قال له: «اذا وصلت إلى مراغة، اتصل بك عشرة آلاف فارس و راجل» فسار طغرل معه، فلما وصلا إلى اردبيل‏ (2)، أغلقت أبوابها دونهما، فسارا عنها إلى قرية تبريز، فأتاهما الخبر أن السلطان محمود سير الأمير جيوش بك إلى أذربيجان، و أقطعه البلاد، و أنه نزل على مراغة فى عسكر كثيف، فعدلا إلى خويه‏ (3) و انتقض عليهما ما كانا فيه، و راسلا الأمير شيران‏ (4)- الذى كان أتابك طغرل- (أيام أبيه) (5) يدعوانه إلى إنجادهما. و كان باقطاعه أبهر و زنجان‏ (6)، فأجابهما و اتصل بهما، و ساروا إلى أبهر فلم يتم لهم ما أرادوه فعند ذلك راسلوا السلطان بالطاعة و سألوا الأمان، فأجابهم إلى ذلك، و استقرت القاعدة، و تم الصلح.

____________

(1) مراغة بفتح الميم و الراء وصفها ياقوت بأنها أعظم و أشهر بلاد أذربيجان.

(2) أردبيل بفتح الألف و سكون الراء من أشهر مدن أذربيجان.

(3) كذا كتبها النويرى، و فى ياقوت خوى بضم الخاء و فتح الواو و تشديد الياء بلد مشهور من أعمال أذربيجان «كثير الخير و الفواكه ينسب إليها الثياب الخوية».

(4) فى ابن الأثير شيركير (حوادث سنة 516 ه).

(5) أضيف ما بين الحاصرتين من ابن الأثير. حوادث سنة ست عشرة و خمسمائة.

(6) أبهر بلدة من نواحى أصبهان و كذلك زنجان بفتح أوله و سكون ثانيه.

22

ذكر قتل الوزير السميرمى‏

و فى سلخ صفر سنة ست عشرة و خمسمائة قتل الوزير كمال الدين أبو طالب السميرمى وزير السلطان محمود و كان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان، فدخل إلى الحمام و خرج و بين يديه الرجالة و الخيالة، و هو فى موكب عظيم، فاجتاز بمنفذ ضيق فيه (حظائر الشوك) (1) فتقدم أصحابه لضيق المكان، فوثب عليه باطنى، و ضربه بسكين فوقعت فى بغلته، و هرب الضارب إلى دجلة، و تبعه الغلمان فخلا الموضع، فظهر رجل آخر فضربه بسكين فى خاصرته، و جذبه عن البغلة إلى الأرض، و ضربه عدة ضربات.

و عاد أصحاب الوزير فحمل عليهم رجلان باطنيان، فانهزموا منهما ثم عادوا و قد ذبح الوزير مثل الشاة، و به نيف و ثلاثون‏ (2)، جراحة فقتلوا قتلته.

قال: و لما كان فى الحمام أخذ المنجمون له الطالع للخروج فقالوا:

«هذا وقت جيد، و إن تأخرت يفوت طالع السعد» فأسرع و ركب و أراد أن يأكل طعاما فمنعوه لأجل الطالع، فقتل و لم ينفعه ذلك.

و كانت وزارته ثلاث سنين و عشرة أشهر، و انتهب ماله، و أخذ السلطان خزانته. و كانت زوجته قد خرجت فى هذا اليوم فى موكب كبير و معها نحو مائة جارية و جمع من الخدم، و الجميع بمراكب‏

____________

(1) فى ك: «فيه حضاير» و ما هو مثبت مأخوذ عن الكامل لابن الأثير حوادث سنة 516 ه.

(2) فى ك نيفا و ثلاثين.

23

الذهب .. فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات، و قد تبدلن عن العز هوانا، و عن المسرة أحزانا.

و كان السميرمى ظالما كثير المصادرات للناس، سيئ السيرة، فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من المكوس، و استوزر بعده شمس الملك عثمان بن نظام الملك.

ذكر قتل الأمير جيوش بك‏

كان مقتله فى شهر رمضان سنة ست عشرة و خمسمائة. و كان السلطان قدمه بعد عوده إليه، و أحسن إليه، و أقطعه أذربيجان، و جعله مقدم عسكره، فجرى بينه و بين الأمراء منافرة و منازعة، فوشوا به عند السلطان فقتله. و كان عادلا، حسن السيرة.

و فيها أقطع السلطان محمود الأمير آق‏سنقر البرسقى مدينة واسط. و أعمالها، مضافة إلى ولاية الموصل و شحنكية العراق، فسير البرسقى إلى واسط عماد الدين زنكى.

ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج‏

و فى سنة سبع عشرة و خمسمائة اشتدت نكاية الكرج‏ (1) فى بلاد الإسلام، و نظم الامر على الناس، لا سيما أهل‏

____________

(1) الكرج، بضم الكاف و سكون الراء، وصفهم ياقوت بأنهم «جيل من الناس نصارى كانوا يسكنون فى جبال القبق (على حدود أرمينية) حتى ملكوا مدينة تفليس، و لهم ولاية تنسب إليهم و ملك و لغة».

24

دربند شروان‏ (1)، فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم إلى السلطان، و شكوا إليه ذلك، فسار إليهم و قد وصل الكرج إلى شماخى‏ (2) فنزل السلطان ببستان هناك، و تقدم الكرج إليه، فخافهم العسكر خوفا شديدا، و أشار الوزير على السلطان بالعود. فلما سمع أهل شروان بذلك، قصدوا السلطان و قالوا: «نحن نقاتل ما دمت عندنا و إن تأخرت ضعفت نفوس المسلمين و هلكوا» فأقام بمكانه، و بات العسكر على وجل عظيم، فأتاهم اللّه بفرج من عنده، و ألقى بين الكرج و القفجاق الاختلاف، فاقتتلوا تلك الليلة، و رحلوا شبه المنهزمين، و كفى اللّه المؤمنين القتال. و أقام السلطان بشروان ثم عاد إلى همذان.

و فى سنة ثمان عشرة و خمسمائة عزل آق‏سنقر البرسقى عن شحنكية العراق و رسم له بالعود إلى الموصل، و أرسل السلطان محمود إليه ولدا صغيرا له مع أمه ليكون عنده. فلما وصل الصغير إلى العراق تلقته المواكب، و كان لدخوله يوما مشهودا. و تسلم البرسقى الصغير و سار به و بأمه إلى الموصل. و ولى شحنكية العراق سعد الدولة برنقش‏ (3). و ملك البرسقى فى هذه السنة مدينة حلب و قلعتها.

____________

(1) دربند شروان و تسمى أيضا الدربند أو الباب أو باب الأبواب، و هى مدينة على بحر طبرستان أو الخزر، سميت الباب لأنها ثغر هام بناها انوشروان فنسب إليه (ياقوت معجم البلدان ج 1 ص 303).

(2) شماخى بفتح الشين و الميم، مدينة عامرة تعد من أعمال باب الأبواب أو دربند شروان (ياقوت).

(3) فى ابن الأثير «يرنقش الزكوى». (الكامل، حوادث سنة 518 ه).

25

ذكر وصول الملك و دبيس بن صدقة الى العراق و عودهما

كان الخليفة المسترشد باللّه خرج لقتال دبيس بن صدقة فى سنة سبع عشرة و خمسمائة، و قاتله، فانهزم دبيس كما ذكرناه فى أخبار المسترشد، ثم التحق بعد هزيمته بالملك طغرل أخى السلطان محمود. فلما وصل إليه أكرمه و أحسن إليه، و جعله من أعيان خواصه و أمرائه. فحسن له دبيس قصد العراق، و هون الأمر عليه، و ضمن له أن يملكه، فسار معه إلى العراق فى سنة تسع عشرة و خمسمائة فوصلوا إلى دقوقاء (1) فى عساكر كثيرة. فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة بذلك، فخرج الخليفة فى العساكر و الرجال و نزل بصحراء الشماسية (2)، و برنقش أمامه.

فلما بلغ الملك طغرل الخبر، عدل إلى طريق خراسان، و تفرق أصحابه للنهب و توجه هو و دبيس إلى الهارونية (3). و سار الخليفة حتى أتى الدسكرة (4)، فاستقر الأمر بين طغرل و دبيس أن يسيرا حتى يعبرا نهر ديالى‏ (5) و يقطعا جسر النهروان، و يقيم دبيس لحفظ.

المخائض، و يتقدم الملك طغرل إلى بغداد فيملكها و ينهبها.

____________

(1) دقوقاء بفتح أوله و ضم ثانيه مدينة بين اربل و بغداد. (ياقوت: ج 2 ص 459)

(2) الشماسية، «بفتح أوله و تشديد ثانيه، منسوبة إلى بعض شماسى النصارى، و هى مجاورة لدار الروم التى فى أعلى بغداد، و إليها ينسب باب الشماسية»، (ياقوت).

(3) الهارونية: مدينة صغيرة قرب مرعش بالثغور الشامية.

(4) الدسكرة بفتح أوله و سكون ثانيه و فتح كافه قرية كبيرة غربى بغداد (ياقوت ج 2 ص 455).

(5) ديالى؛ بفتح أوله نهر كبير قرب بغداد، و هو نهر بعقوبا الأعظم، و هو نهر تامرا بعينه (ياقوت).

26

فسارا على ذلك فحصل لطغرل حمى شديدة منعته من ذلك، و بلغ الخليفة الخبر، فعاد إلى بغداد. و انتقض على طغرل و دبيس ما دبراه، فقصدا السلطان سنجر و اجتازا فى طريقهما بهمذان. فبسط على أهلها ما لا كثيرا و أخذاه، فبلغ خبرهما السلطان محمود فجد السير فى إثرهما، فانهزما منه إلى خراسان، و اجتمعا بالسلطان سنجر، و شكيا من الخليفة، و برنقش، و أقاما عند السلطان سنجر؛ ثم كان من أمرهما ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر مقتل البرسقى و ملك ابنه عز الدين مسعود

و فى سنة عشرين و خمسمائة قتل آق‏سنقر البرسقى صاحب الموصل بمدينة الموصل، قتله الباطنية فى يوم الجمعة بالجامع. و كان من عادته أنه يصلى الجمعة فى الجامع مع العوام. و كان قد رأى فى منامه فى تلك الليلة أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضهم و نال منه الباقى ما أذاه، فقص ذلك على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام. فقال: «لا أترك الجمعة لشي‏ء أبدا» فغلبوه على رأيه و منعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، و أخذ المصحف ليقرأ فيه، فأول ما خرج له و له تعالى: «و كان أمر اللّه قدرا مقدورا» فركب إلى الجامع على عادته. و كان يصلى فى الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفسا، عدة الكلاب التى رآها، فجرحوه بالسكاكين، فجرح (هو) (1)، بيده ثلاثة منهم، و قتل (رحمه الله تعالى).

____________

(1) أضيف ما بين إلى الحاصرتين من ابن الأثير. (الكامل، حوادث سنة 520 ه)

27

و كان تركيا خيرا، يحب أهل العلم و الدين، كثير العدل يحافظ.

على الصلوات لأوقاتها، و يصلى بالليل تهجدا. و لما قتل كان ابنه مسعود بحلب يحفظها من الفرنج، فأرسل إليه أصحاب والده بالخبر فسار إلى الموصل، و دخلها فى أول ذى الحجة، ثم توجه إلى السلطان محمود فأحسن إليه و أعاده.

و فى هذه السنة وقع الاختلاف بين السلطان محمود و الخليفة المسترشد باللّه.

و كان سببه برنقش، فسار السلطان إلى العراق، و كان بينه و بين الخليفة ما قدمناه فى أخبار المسترشد باللّه، ثم اتفقا على مال حمله الخليفة إليه.

و فى سنة إحدى و عشرين و خمسمائة.

أسند السلطان شحنكية العراق إلى عماد الدين زنكى على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى فى أخباره.

و فيها فى عاشر شهر ربيع الآخر سار السلطان محمود من بغداد و حمل إليه الخليفة الخلع و الدواب الكثيرة، فقبل جميع ذلك، و لما أبعد عن بغداد قبض على وزيره أبى القاسم على بن الناصر النسابادى‏ (1) فى شهر رجب لأنه اتهمه بممالأة المسترشد باللّه، و أرسل إلى بغداد و أحضر شرف الدين أنوشروان بن خالد، فوصل إلى السلطان و هو بأصفهان، فخلع عليه الوزارة و استوزره، فاستمر عشرة أشهر و عزل نفسه، و عاد إلى بغداد فى شعبان سنة اثنتين و عشرين، فأعيد الوزير أبو القاسم.

____________

(1) كذا فى ك و فى ع النساباذى، و فى ابن الأثير الأنسابادى.

28

و فى سنة إحدى و عشرين توفى عز الدين مسعود بن البرسقى أمير الموصل فأقام السلطان مقامه عماد الدين زنكى.

و فى سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة قدم السلطان سنجر عم السلطان (محمود) إلى الرى، و استدعى السلطان (محمود) (1) فسار إليه فأكرمه و أجلسه معه على التخت، و لما عاد (سنجر) (2) إلى خراسان سلم دبيس بن صدقة إلى السلطان محمود، و أوصاه بإكرامه و إعادته إلى بلده، فرجع محمود إلى همذان، و دبيس فى صحبته.

ثم سار إلى العراق، و قدم بغداد فى المحرم سنة ثلاث و عشرين:

و دبيس معه ليصلح حاله مع الخليفة المسترشد باللّه. فامتنع الخليفة من إجابة السلطان إلى ولاية دبيس ابن صدقة البتة، فلم يمكن السلطان إجباره و أقام ببغداد إلى رابع جمادى الآخرة من السنة، و عاد إلى همذان، و جعل بهروز على شحنكية بغداد، و سلم إليه الحلة و استصحب دبيس بن صدقة معه.

ذكر ما فعله دبيس بن صدقة و ما كان من أمره‏

قال: و لما سار السلطان محمود من بغداد إلى همذان ماتت زوجتا ابنة عمه السلطان سنجر، و كانت تعتنى بأمر دبيس. فلما ماتت انحل نظامه. و اتفق أن السلطان مرض مرضا شديدا، فأخذ دبيس ابنا له صغيرا و قصد العراق، فلما بلغ المسترشد خبره، جند

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من ابن الأثير حوادث سنة 522 ه.

(2) أضيف ما بين الحاصرتين من ابن الأثير حوادث سنة 522 ه.

29

الأجناد و حشّد و جمع. و كان بهروز بالحلة ففارقها و دخلها دبيس فى شهر رمضان سنة ثلاث و عشرين و خمسمائة. فلما بلغ السلطان الخبر أحضر الأميرين نيزك‏ (1) و الأحمديلى و قال: «أنتما ضمنتما منى دبيس بن صدقة و أريده منكما». فسار الأحمديلى إلى العراق فاتصل خبره بدبيس، فكتب إلى الخليفة يستعطفه و يقول: «إن رضيت عنى فأنا أرد أضعاف ما أخذت، و أكون العبد المملوك»، و ترددت الرسائل بينهما، و دبيس فى خلال ذلك يجمع الرجال و الأموال‏ (2)، و كان معه ثلاثمائة فارس فصار فى عشرة آلاف فارس: و وصل الأحمديلى بغداد فى شوال، و سار إلى دبيس، و سار السلطان بعد ذلك إلى العراق، فأرسل إليه دبيس هدايا جليلة و بذل ثلاثمائة حصان منعولة بالذهب و مائتى ألف دينار إن رضى عنه السلطان و الخليفة، فلم يجبه إلى ذلك. فسار إلى البصرة و أخذ منها أموالا كثيرة، فسير الخليفة فى إثره عشرة آلاف فارس ففارق البصرة و دخل البرية، ثم سار إلى الشام فى سنة خمس و عشرين ليملك صرخد، و كان صاحبها قد توفى، و استولت جاريته على القلعة و ما فيها، فاستدعت دبيس بن صدقة ليتزوج بها، و يملك القلعة. فسار إليها فضلّ عن الطريق، فنزل بناس من كلب‏ (3)

____________

(1) كذا فى ك. و فى ابن الأثير: الأميرين قزل و الأحمديلى.

(2) كذا فى ك، و فى ع الأموال و الرجال.

(3) بنو كلب قبيلة من عرب الجنوب أو اليمنيين مدوا نفوذهم، ذلك الوقت على أجزاء من جنوب الشام و وسطها.

30

كانوا بنواحى الغوطة (1) فأخذوه و حملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق، فحبسه عنده، فسمع أتابك زنكى خبره، فأرسل إليه يطلبه منه و يتهدده إن لم يرسله إليه، فأرسله إليه، فأحسن إليه زنكى إحسانا لم يسمع بمثله، و كان قد ظن أنه يهلكه فأقام عنده و انحدر معه إلى العراق (و اللّه اعلم).

و فى سنة أربع و عشرين و خمسمائة خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان و كان عند عمه السلطان سنجر و وصل إلى ساوه. فسار السلطان من بغداد إلى همذان، و فى ظنه أن مسعود يخالفه على عادته. فلما وصل إلى كرمان وصل إليه أخوه الملك مسعود و خدمه، فأقطعه كنجه و أعمالها.

ذكر وفاة السلطان محمود و شي‏ء من اخباره و ملك ابنه داود

كانت وفاته بهمذان فى شوال سنة خمس و عشرين و خمسمائة و كان له من العمر نحو سبع‏ (2) و عشرين سنة، و كانت مدة سلطنته ثلاث عشرة سنة (3) و تسعة أشهر و عشرين يوما و كان حليما كريما عاقلا، يسمع ما يكره فلا يعاقب عليه مع القدرة، قليل الطمع‏

____________

(1) وصف ياقوت (معجم البلدان، ج 4، ص 219، الفوطة بالضم ثم السكون، بأنها التى منها دمشق، و بأنها كلها أشجار و أنهار «و هى بالإجماع أنزه بلاد اللّه و أحسنها منظرا و هى إحدى جنات الأرض الأربع».

(2) فى ك سبعة.

(3) فى ك ثلاث عشر. و قد ذكر ابن الأثير أن مدة سلطنة محمود بلغت اثنتى عشرة سنة و تسعة أشهر و عشرين يوما (الكامل، حوادث سنة 525 ه).

31

فى أموال الناس، عفيفا عنها، كافا لأصحابه عن الظلم و التطرق إلى أموال رعيته.

و نقل بعض المؤرخين أن الأموال ضاقت فى آخر أيامه حتى عجزوا فى بعض الأيام عن إقامة وظيفة الفقاعى، فدفعوا له بعض صناديق الخزانة فباعها و صرف ثمنها فى حاجته. و لما توفى والد السلطان محمد خلف ثمانية آلاف ألف دينار، سوى المصوغات و الجواهر و أصناف الثياب و غير ذلك، فآل الأمر فى أيام محمود إلى هذه الغاية. قال: و طلب يوما من سابور الخادم الخازن غالية (1)، فشكا (2) إليه الإقلال و استمهله. ثم أحضر إليه بعد مدة ثلاثين مثقالا، فقال له السلطان و كان خازن أبيه: «كم كان فى خزانة السلطان والدى من الغالية؟» فقال: «كان فى قلعة أصفهان منها فى أوانى الذهب و الفضة و البلور المحكم و الصينى ما يقارب مائة و ثمانين رطلا، و معنا فى خزانة الصحبة ما يقارب ثلاثين رطلا» فجعل يتعجب من ذلك و يقول لمن حضر: اعجبوا من التفاوت بين هذه الأيام و تلك».

و كان له من الأولاد. محمدشاه ولى السلطنة، و ملكشاه وليها أيضا، و جفرى‏شاه، و داود و وزراؤه ربيب الدولة أبو منصور وزير والده. ثم نظام الدين كمال الملك أبو طالب على بن أحمد السميرمى، صفى أمير المؤمنين إلى أن قتل كما ذكرناه. و استوزره بعده شمس الدين عثمان بن نظام الملك إلى أن قتله فى سنة سبع‏

____________

(1) الغالية: أخلاط من الطيب، و يقال تغليت بالغالية و تغللت أى تطيبت بها.

(2) فى ك فشكى.

32

عشرة و خمسمائة. و استوزر الوزير القوام أبا القاسم على بن الناصر النساباذى، و قبض عليه فى شهر رجب سنة عشرين. و استوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد، ثم استعفى من الوزارة و أعيد الوزير أبو القاسم.

قال: و لما توفى السلطان محمود جلس ابنه داود فى السلطنة باتفاق من الوزير أبى القاسم، و أتابكه آق‏سنقر الأحمديلى، و خطب له فى جميع بلاد الجبل [و أذربيجان‏] (1). و لما اطمأن الناس و سكنوا سار الوزير بأمواله إلى الرى ليأمن بها حيث هى للسلطان سنجر.

و كان سبب خوفه أنه قبل وفاة السلطان محمود خاف من جماعة من الأمراء و أعيان الدولة منهم: عين الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفى، و الأمير أنوشتكين المعروف بشير كير. و ولده عمر و هو أمير حاجب، فقبض عليهم. فأما عين الدولة فإنه أرسله إلى مجاهد الدين بهروز فحبسه بتكريت، ثم قتل بها، و أما شير كير و ولده.

فقتلهما فى جمادى الآخرة.

ذكر أخبار السلطان غياث الدنيا و الدين أبى الفتح مسعود بن ملكشاه و ما كان من أمره، و خروجه من السلطنة و سلطنة أخيه السلطان طغرل، و عوده اليها

و قد رأيت من قدم أخبار السلطان طغرل على أخبار أخيه السلطان مسعود ثم ذكر سلطنة مسعود بعدها. و ليس كذلك لأن السلطان‏

____________

(1) ما بين الحاصرتين سقطت من ك، و الإضافة من ع.

33

طغرل ما تسلطن إلا بعد حرب السلطان مسعود و عمه السلطان سنجر، و مسعود لم يحارب عمه سنجر بعد أن خطب له بالسلطنة فتعين بهذا أن السلطان مسعود تقدمه فى السلطنة و قد بدأت بأخبار السلطان مسعود و جعلت أخبار السلطان طغرل مندمجة فى أخبار السلطان مسعود و بينتها بالتراجم الدالة عليها لأن السلطان مسعود تسلطن قبله و عاش بعده.

ذكر ما اتفق للسلطان مسعود مع أخيه الملك سلجق‏شاه و داود بن محمود و استقرار السلطنة بالعراق لمسعود

قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه المترجم بالكامل: لما توفى السلطان محمود بن محمد، و خطب لولده الملك داود ببلاد الجبل أذربيجان سار الملك داود من همذان فى ذى القعدة سنة خمس و عشرين و خمسمائة إلى زنكان‏ (1)؛ فأتاه الخبر بمسير عمه. السلطان مسعود من جرجان، و أنه وصل إلى تبريز و استولى عليها. فسار الملك داود إليه، و حصره بها و جرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست و عشرين، ثم اصطلحا و تأخر الملك داود مرحلة، و خرج السلطان مسعود من تبريز، و اجتمعت عليه العساكر و سار إلى همذان و كانت رسل الملك داود تقدمت إلى بغداد فى طلب الخطبة، فأجاب المسترشد باللّه إن الحكم فى الخطبة للسلطان سنجر، فمن أراد

____________

(1) كذا فى ك و ع. و فى ابن الأثير زنجان. و فى معجم البلدان لياقوت أرزنجان بفتح أوله و سكون ثانيه بلد كبير مشهور قرب أذربيجان.

34

خطب له. و أرسل الخليفة إلى السلطان سنجر أن لا يأذن فى الخطبة لأحد، و أنه ينبغى أن تكون الخطبة له وحده دون بنى أخيه، فوقع ذلك منه موقعا حسنا. ثم إن السلطان مسعود كاتب عماد الدين أتابك زنكى صاحب الموصل و غيرها يستنجده و يطلب مساعدته فوعده بالنصر، فقويت نفسه بذلك على طلب السلطنة.

قال: ثم إن السلطان‏ (1) سلجق‏شاه بن محمد ساربه أتابكه قراجا الساقى صاحب بلاد فارس و خوزستان فى عسكر كثير إلى بغداد، فوصل إليها قبل وصول أخيه السلطان مسعود، و نزل بدار السلطنة، فأكرمه الخليفة و استخلفه لنفسه. ثم [وصل رسول السلطان‏] (2) يطلب الخطبة لنفسه و يتهدد إن منعها، فلم يجبه المسترشد إلى ما طلب، فسار حتى نزل عباسية (3) الخالص. فبرز عسكر الخليفة و عسكر سلجق‏شاه قراجا الساقى نحو مسعود، و قد عزموا على حربه، فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكى إلى المعشوق‏ (4)، فعبر قراجا الساقى فى أكثر العساكر إلى الجانب الغربى و سار فى يوم و ليلة إلى المعشوق، و التقى هو و زنكى فهزمه الساقى و أسر جماعة من أصحابه، و انهزم زنكى إلى تكريت، و سار إلى الموصل.

____________

(1) كذا فى ك و فى ابن الأثير. أما فى ع فقد وردت «ثم إن الملك سلجق ...» (الكامل، حوادث سنة 526 ه).

(2) فى ك، ع «ثم وصلت رسل مسعود» و التصحيح المثبت من ابن الأثير (الكامل، حوادث سنة 526 ه).

(3) فى الأصل «عباسة، و ما هنا من ياقوت معجم البلدان.

(4) المعشوق، اسم لقصر عظم بالجانب الغربى من دجلة قبالة سامراء.

35

قال: و سار السلطان مسعود من العباسية المالكية (1)، و حصلت المناوشة بين عسكره و عسكر أخيه سلجق‏شاه و دامت يومين، فأرسل سلجق‏شاه إلى قراجا يستحثه فى العود، فعاد مسرعا. فلما علم مسعود بهزيمة زنكى رجع إلى ورائه، و أرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الرى، و أنه عازم على قصد الخليفة و غيره، و يقول: «إن رأيتم أن نتفق على قتاله و دفعه عن العراق [و يكون العراق‏] (2) لوكيل الخليفة فأنا موافق على ذلك». و ترددت الرسائل بينهم، فوقع الاتفاق على أن يكون العراق لوكيل الخليفة، و السلطنة لمسعود و سلجق شاه ولى عهده، و تحالفوا على ذلك.

و دخل السلطان مسعود بغداد و نزل بدار السلطنة و نزل سلجق‏شاه بدار الشحنكية، و ذلك فى جمادى الأولى سنة ست و عشرين و خمسمائة.

ذكر الحرب بين السلطان مسعود و عمه السلطان سنجر شاه و هزيمة مسعود و سلطنة طغرل‏

قال: و لما وصل الخبر بوفاة السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجر شاه، سار عن خراسان إلى بلاد الجبال‏ (3) و معه الملك طغرل ابن السلطان محمد، و كان قد لازمه، فوصلا إلى الرى ثم إلى همذان، فاتصل الخبر المسترشد باللّه و السلطان مسعود و من‏

____________

(1) المالكية: قرية على الفرات بالعراق.

(2) ما بين الحاصرتين ساقط من ك و الاضافة من ع.

(3) الجبال اسم علم للبلاد الممتدة من أصبهان إلى زنجان و قزوين و الرى.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

قال: و لما تمت الهزيمة على مسعود، نزل السلطان سنجر و أحضر قراجا الساقى و سبه و وبخه و قال له: «يا مفسد، أى شي‏ء كنت ترجو بقتالى» قال: «كنت أرجو أن أقتلك و أقيم سلطانا أحكم عليه». فقتله صبرا، و أرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه، فحضر إليه فأكرمه، و عاتبه على عصيانه و مخالفته و أعاده إلى كنجه.

و أجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد فى السلطنة، و خطب له فى جميع البلاد، و استوزر له الوزير: أبا القاسم النساباذى وزير السلطان محمود، و عاد إلى خراسان.

ذكر الحرب بين السلطان طغرل بن محمد و بين أخيه الملك داود بن محمود

قال: لما توجه السلطان سنجر إلى خراسان عصى الملك داود بن محمود على عمه السلطان طغرل و جمع العساكر، و سار إلى همذان فى مستهل شهر رمضان سنة ست و عشرين و خمسمائة. فخرج إليه السلطان طغرل، و عبى كل منهما أصحابه، و التقوا فوقع الخلف فى عسكر داود، فهرب أتابكه آق‏سنقر الأحمديلى، و تبعه الناس، و بقى الملك داود متحيرا إلى أوائل ذى الحجة منها فقدم بغداد هو و أتابكه الأحمديلى.

38

ذكر عود السلطان مسعود [بن محمد] (1) الى السلطنة و انهزام طغرل‏

قال: لما سمع السلطان مسعود انهزام داود، و أنه قصد بغداد، سار هو أيضا إلى بغداد فى سنة سبع و عشرين و خمسمائة. فلما قاربها لقيه داود و دخل فى خدمته إلى بغداد، و نزل بدار السلطنة فى صفر، و خاطب فى الخطبة، فأجيب إلى ذلك، و خطب له و لداود بعده. و دخلا إلى الخليفة فأكرمهما و خلع على مسعود فى يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة. و كانت الخلع سبع دراريع مختلفات الأجناس و الألوان و السابعة سوداء، و تاجا مرصعا بالجوهر و الياقوت، و طوق ذهب و سراويل، و قلده بسيفين و عقد له لواءين بيده، و سلم إليه داود بن أخيه و أوصاه به مشافهة.

و وقع الاتفاق على مسير مسعود و داود إلى أذربيجان، و أرسل الخليفة معهما عسكرا فساروا.

و ملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، و هرب من بها من الأمراء مثل قراسنقر و غيره، و تحصن كثير منهم بمدينة أردبيل‏ (2)، فقصدهم مسعود و حصرهم بها و قتل منهم مقتلة عظيمة، و انهزم الباقون. ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فاستولى عليها فى شعبان. و لما استقر بها قتل آق‏سنقر الأحمديلى،

____________

(1) ما بين الحاصرتين ساقط من ك، و الإضافة من ع.

(2) أردبيل: مدينة من أشهر مدن أذربيجان.

39

قتله الباطنية. و سار طغرل حتى بلغ قم‏ (1)، ثم عاد إلى أصفهان و أراد أن يتحصن بها، فسار إليه مسعود ليحاصره بها فرحل طغرل إلى بلاد فارس. و استولى مسعود على أصفهان، و فرح أهلها به، ثم سار منها نحو فارس، فوصل إلى موضع بقرب البيضا (2)، فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه طغرل معه أربعمائة فارس، فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن يلتحقوا بأخيه، فانهزم و قصد الرى.

قال: و لما تم على طغرل ما تم من الهزيمة، قال لوزيره أبى القاسم النساباذى: «قد علمت أنه ما تم علىّ هذا الخذلان إلا لظلمك للعباد فقال له: «لا تقلق، قد أمرت أهل ألموت بقتل آق‏سنقر و سائر أعدائك و هم فاعلون» فأمر به فضرب و صلب، فانقطع به الحبل، فقطع إربا إربا، و طيف بأعضائه فى كل بلد عضو، و كان قتله بأصفهان.

و استمر طغرل حتى أتى الرى فى ثلاثة آلاف فارس، و سار الملك مسعود فى طلبه فلحقه بموضع يقال له ذكراور، فوقع بينهما مصاف هناك، فانهزم طغرل و وقع عسكره فى أرض قد نضب عنها الماء، و هى وحل، فأسر منهم جماعة فأطلقهم مسعود، و لم يقتل فى هذا المصاف إلا نفر يسير. و كان هذا المصاف فى ثامن عشر شهر رجب سنة سبع و عشرين و خمسمائة، و رجع الملك مسعود إلى همذان.

____________

(1) قم بالضم و تشديد الميم، مدينة قرب قاشان استحدثها المسلمون (ياقوت، ج 4 ص 397).

(2) البيضاء: مدينة مشهورة بفارس قرب شيراز.

40

ذكر عود الملك طغرل الى الجبل و انهزام السلطان مسعود

و فى سنة ثمان و عشرين و خمسمائة عاد الملك طغرل إلى بلاد الجبل فملكها؛ و سبب ذلك أن السلطان مسعود لما عاد من حربه، بلغه عصيان داود ابن أخيه بأذربيجان، فسار إليه و حصره بقلعة روندر (1) و اشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر، و استمال بعض أمراء السلطان مسعود، و تقدم لفتح البلاد و فتحها أولا فأولا، و كثرت عساكره، فقصد مسعود. فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه، و لما تدانا العسكران انهزم السلطان مسعود و ذلك فى أواخر شعبان من السنة، فأرسل إلى الخليفة المسترشد باللّه فى القدوم إلى بغداد فأذن له. و كان نائبه بأصفهان النفيس‏ (2) السلاحى و معه الملك سلجق‏شاه، فلما سمعا بانهزام مسعود قصدا بغداد فنزل سلجق‏شاه بدار السلطان فأكرمه الخليفة و أنفذ إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم مسعود إلى بغداد، و أكثر أصحابه على الجمال لعدم الخيل، فأرسل إليه الخليفة ما يحتاج إليه من الخيل و الخيام و السلاح و الثياب و غير ذلك، و نزل بدار السلطنة، و ذلك فى منتصف شوال من السنة. و أقام طغرل بهمذان فعاجلته المنية.

____________

(1) روندر فى ك، ع. و فى ابن الأثير رونزر و فى ياقوت روينذر، و هى قلعة حصينة من أعمال اذربيجان قرب تبريز (معجم البلدان ج 3 ص 105).

(2) كذا فى ك، ع. و فى ابن الأثير البقش السلاحى (الكامل، حوادث سنة 528 ه)

41

ذكر وفاة الملك طغرل و ملك أخيه السلطان مسعود بلد الجبل‏

كانت وفاته بهمذان فى المحرم سنة تسع و عشرين و خمسمائة و مولده فى المحرم سنة ثلاث و خمسمائة. و كان عاقلا خيرا عادلا، محسنا إلى الرعية قريبا منهم. و كان قبل وفاته قد خرج يريد السفر لقتال أخيه مسعود، فدعا له الناس فقال: «ادعوا لخيرنا للمسلمين» و كان له من الأولاد أرسلان‏شاه، ولى السلطنة، و محمد ألب أرسلان لم يلها. وزراؤه: الوزير قوام الدين النساباذى وزير السلطان محمود إلى أن قتله، ثم استوزر شرف الدين على بن رجا. قال: و لما توفى وصل الخبر بموته أخيه السلطان مسعود، فسار من وقته نحو همذان، و أقبلت العساكر إليه و دخلت فى طاعته، و استقل بالسلطنة بعده.

و فى هذه السنة وقع بين الخليفة المسترشد باللّه و السلطان مسعود، و التقوا و اقتتلوا، فانهزمت عساكر الخليفة ثم قتل على ما قدمناه فى أخبار الدولة العباسية.

ذكر قتل الأمير دبيس بن صدقة

و فى سنة تسع و عشرين و خمسمائة قتل السلطان مسعود الأمير دبيس بن صدقة و هو على باب سرادقه بظاهر مدينة خوى. أمر غلاما أرمنيا بقتله، فقام على رأسه و هو ينكت الأرض بإصبعه فضرب عنقه و هو لا يشعر. و كان صدقة يعادى المسترشد كما

42

ذكرناه، فلما قتل المسترشد ظن صدقة أن الدنيا قد صفت له، فما لبث بعده. و هذه عادة الدنيا يتبع صفاها كدرها، وجودها ضررها كما قيل.

إن الليالى لم تحسن إلى أحد * * * إلا أساءت إليه بعد إحسان‏

قال: و لما قتل دبيس كان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه مماليك أبيه و أصحابه و كثر جمعه، و بقى بها إلى أن قدم السلطان بغداد فى سنة إحدى و ثلاثين، فقصده و أصلح حاله معه، و لزم بابه.

ذكر اجتماع الأطراف على حرب السلطان مسعود و خروجهم عن طاعته‏

و فى سنة ثلاثين و خمسمائة اجتمع كثير من أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان [مسعود]. فسار الملك داود ابن أخى السلطان فى عسكر أذربيجان إلى بغداد، فوصل إليها فى رابع صفر و نزل بدار السلطنة. و وصل بعده عماد الدين زنكى صاحب الموصل.

و وصل الأمير برنقش بازدار صاحب قزوين و غيرها؛ و النفيس الكبير [صاحب أصفهان و صدقة بن دبيس‏] (1) صاحب الحلة و غيرهم. فجعل الملك داود فى شحنكية بغداد برنقش بازدار، و قطعت خطبة السلطان مسعود و خطب لداود، فسار السلطان مسعود إلى بغداد، فتفرقت تلك الجيوش و سار الخليفة و زنكى إلى الموصل‏

____________

(1) ما بين قوسين ساقط من ك و الإضافة من ع.

43

و خلع الراشد، و بويع المقتضى على ما قدمنا ذكره فى أخبار الدولة العباسية ..

و فى سنة ثلاثين و خمسمائة عزل السلطان وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد و استوزر كمال الدين أبا البركات بن سلمة الدركزيني و هو من خراسان.

و فيها أرسل السلطان قراسنقر بعساكر كثيرة فى طلب الملك داود، فسار و أدركه عند مراغة، فالتقيا و اقتتلا قتالا شديدا، فانهزم داود إلى خوزستان، فاجتمع عليه هناك كثير من التركمان و غيرهم، فبلغت عدتهم عشرة آلاف فارس، فقصد بهم تستر (1) و حاصرها. و كان عمه السلطان سلجق‏شاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده و يستمده، فأمده بالعساكر، فسار إلى داود و هو يحاصر تستر، فالتقوا فانهزم سلجق‏شاه.

و فى سنة إحدى و ثلاثين و خمسمائة أذن السلطان مسعود للعساكر التى عنده ببغداد فى العود إلى بلادهم، و ذلك فى المحرم منها. و سبب ذلك أنه بلغه أن الراشد باللّه المخلوع فارق الموصل. قال: و زوج ابنته للأمير صدقة بن دبيس بن صدقة، و تزوج الخليفة المقتضى بفاطمة أخت السلطان فاطمأن السلطان عند ذلك و فرق العساكر.

____________

(1) تستر بالضم ثم السكون و فتح التاء الأخرى و صفها ياقوت بأنها أعظم مدينة بخوزستان على أيامه (معجم البلدان ج 2 ص 29).

44

ذكر الحرب بين السلطان مسعود و الملك داود و من معه من الأمراء

و فى سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة كانت الحرب بينهم، و سبب ذلك أن الراشد باللّه المخلوع فارق الموصل و سار نحو أذربيجان فوصل إلى مراغة. و كان الملك داود بن محمود و الأمير منكبرس صاحب فارس و الأمير بوزابة نائبه بخوزستان، و الأمير عبد الرحمن طغايرك على خوف و وجل من السلطان. فتجمعوا كلهم و وافقوا الراشد على الاجتماع معه ليكونوا يدا واحدة و يردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك، إلا أنه لم يجتمع معهم. و وصل الخبر إلى السلطان و هو ببغداد، فسار عنها فى شعبان، و التقوا و اقتتلوا، فانهزم الملك داود، و أسر الأمير منكبرس فقتل صبرا بين يدى السلطان و تفرقت عساكر السلطان مسعود فى النهب و اتباع من انهزم، و كان بوزابة و عبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض، فرأيا السلطان و قد تفرقت عساكره، فحملا عليه، فلم يثبت لهما و انهزم، و قبض بوزابة على جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة و أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان و عنتر بن أبى العساكر، و تركهم عنده. فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم جميعا و صار العسكران مهزومين، و هذا من عجيب الاتفاق.

و قصد السلطان مسعود أذربيجان و قصد الملك داود همذان، و وصل إليها الراشد بعد الوقعة و اختلفت آراء الجماعة، فمنهم‏

45

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

46

عز الملك. و ضاقت الأمور على السلطان، فاستقطع البلاد على غير رضاه، و لم يبق له غير اسم السلطنة.

و فيها توفيت زبيدة خاتون زوجة السلطان مسعود، و هى ابنة السلطان بركياروق، فتزوج مسعود بعدها سفرى ابنة دبيس بن صدقة فى جمادى الأولى و تزوج أيضا ابنة قاروت، و هو من البيت السلجقى.

و فيها أيضا قتل السلطان [مسعود] ابن البقش السلاحى شحنة بغداد لظلمه و عسفه للناس، و جعل شحنة العراق مجاهد الدين بهروز، فأحسن السيرة.

و فى سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة قدم السلطان مسعود إلى بغداد فى فصل الشتاء، و صار يشتو (1) بالعراق و يصيف بالجبال. و لما قدمها أزال المكوس و كتب الألواح بإزالتها، و وضعت على أبواب الجوامع و فى الأسواق. و تقدم إلى الجند أن لا ينزل أحد منهم فى دار عامى إلا من اذن له، فكثر الدعاء له و الثناء عليه.

و فى سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة قبض السلطان على وزيره البروجردى، و استوزر بعده المرزبان أبا عبد اللّه بن نصر الأصفهانى و سلم إليه البروجردى، فاستخرج منه الاموال، و مات مقبوضا عليه.

____________

(1) فى الأصل يشنى.

47

ذكر اتفاق بوزابة و عباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود

و فى سنة أربعين و خمسمائة سار بوزابة صاحب فارس و خوزستان فى عساكره إلى قاشان، و معه الملك محمد ابن السلطان محمود، و اتصل بهم الملك سليمان‏شاه ابن السلطان محمد، و اجتمع بوزابة و الأمير عباس صاحب الرى، و اتفقا على الخروج عن طاعة السلطان و ملكا كثيرا من بلاده. فأتاه الخبر و هو ببغداد و معه الأمير عبد الرحمن طغايرك- و هو الحاكم فى دولته- و كان ميله إليهما. فسار السلطان عن بغداد فى شهر رمضان. فلما تقابل العسكران و لم يبق إلا القتال، لحق سليمان‏شاه بأخيه السلطان مسعود، و شرع عبد الرحمن فى تقرير الصلح على القاعدة التى أرادوها. و أضيف إلى عبد الرحمن ولاية أذربيجان و ارّانية على ما بيده، و صار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان مسعود، [و هو وزير بوزابة] (1) و صار السلطان معهم تحت الحجر.

ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك و عباس صاحب الرى‏

و فى سنة إحدى و أربعين و خمسمائة قتل السلطان مسعود الأمير عبد الرحمن طغايرك أمير حاجب دولته و الحاكم عليها، و كان لم يبق للسلطان معه غير الاسم و كان سبب قتله أنه لما ضيق على السلطان‏

____________

(1) أضيف ما بين الحاصرتين من ابن الأثير: (الكامل، حوادث سنة 540 ه).

48

و حجر عليه و استبد بالأمر دونه و أبعد خواصه عنه، فكان ممن أبعد عنه بك أرسلان المعروف بخاص بك، و كان السلطان قد رباه و قربه فأبعده عنه و حجبه، و صار لا يراه. و كان فى خاص بك عقل و تدبير و جودة قريحة، فاستقر بينه و بين السلطان قتل عبد الرحمن.

فاستدعى خاص بك من يثق به و تحدث معهم، فكلهم خاف الإقدام عليه إلا رجل اسمه زنكى- و كان جاندارا- فإنه بذل من نفسه أن يلقاه و يبدأه بالقتل، و وافق خاص بك على ذلك جماعة من الأمراء فبينما عبد الرحمن فى موكبه بظاهر جنزه‏ (1)، إذ ضربه زنكى الجاندار على رأسه بمقرعة حديد كانت فى يده، فسقط إلى الأرض و أجهز عليه خاص بك، و أعانه جماعة ممن كان واطأه من الأمراء.

و بلغ السلطان الخبر و هو ببغداد، و معه الأمير عباس صاحب الرى و عسكره أكثر من عسكر السلطان، فأنكر الأمير عباس ذلك و تألم له، فداراه السلطان و لطف به، ثم استدعاه فى بعض الأيّام.

فلما عبر إليه، منع أصحابه من الدخول و عدل به إلى حجرة، و قيل له: اخلع الزردية، و كان لا يزال يلبسها، فقال: إن لى مع السلطان أيمانا و عهودا، فلكموه و خرج عليه غلمان أعدوا له، فتشاهد و خلع الزردية و ألقاها فضربوه بالسيوف، و احتزوا رأسه، و ألقوه إلى أصحابه، ثم ألقوا جسده و نهبت خيامه. و كان مقتله فى ذى القعدة.

و كان من غلمان السلطان محمود حسن السيرة و دفن بالجانب الغربى ثم أرسلت ابنته و حملته إلى الرى و دفنته هناك.

____________

(1) جنزه مدينة بأران و هى بين شروان و آذريجان، و تسمى كذلك كنجه (ياقوت معجم البلدان ج 2 ص 171).

49

قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل: و من الاتفاق العجيب أن العبادى كان يعظ يوما فحضره عباس فأسمع [العبادى‏] بعض من حضر المجلس، و رمى بنفسه نحو الأمير عباس، فضربه أصحابه خوفا عليه، لأنه كان شديد الاحتراس من الباطنية، لا يفارق لبس الزردية و معه الغلمان الأجلاد، فقال له العبادى: «يا أمير كم ذا الاحتراز، و اللّه لئن قضى عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية، فينفذ القضاء فيك» فكان كما قال كان السلطان قد استوزر ابن دارست وزير بوزابة كارها، فلما كان الآن استعفى و سأل العزل و العود إلى صاحبه فعزله و قرر معه أن يصلح له بوزابة و يزيل ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد الرحمن و عباس.

و فيها حبس السلطان مسعود أخاه سليمان‏شاه بقلعة تكريت، و اللّه أعلم.

ذكر قتل الأمير بوزابة

قال: و لما اتصل بالأمير بوزابة قتل عباس جمع عساكر فارس و خوزستان و سار إلى أصفهان فحصرها و سير عسكرا آخر إلى همذان، و عسكرا ثالثا إلى قلعة الباهلى‏ (1) ثم سار هو عن أصفهان‏

____________

(1) كذا فى ك، ع، و فى ابن الأثير (الكامل حوادث سنة 541 ه.) قلعة الماهكى من بلد اللحف «صقع معروف من نواحى بغداد سمى بذلك لأنه فى لحف جبال همذان و نهاوند، و تلك النواحى و هو دونها مما يلى العراق، و فيه عدة قلاع حصينة»، (معجم البلدان ج 5 ص 14).

50

و راسل السلطان مسعود فى الصلح فلم يجبه؛ و سار مجدا فالتقيا بمرج قراتكين‏ (1) و اقتتل العسكران، فانهزمت ميمنة السلطان و ميسرته و اقتتل القلبان أشد قتال و أعظمه، و صبر الفريقان فسقط بوزابة عن فرسه بسهم أصابه. و قيل بل كبابه فرسه فأخذ أسيرا، و حمل إلى السلطان فقتل بين يديه، و انهزم أصحابه،. و بلغت هزيمة ميمنة السلطان و ميسرته إلى همذان. و قتل من الفريقين خلق كثير. و كانت هذه الحرب من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم.

و كانت فى سنة اثنتين و أربعين و اللّه أعلم.

ذكر الخلف بين السلطان و جماعة من الأمراء و وصولهم الى بغداد و ما كان منهم‏

و فى سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة فارق السلطان مسعود جماعة من الأمراء الأكابر و هم: ايلدكز المسعودى صاحب كنجة و أرانية (2)، و تبر الحاجب، و طرنطاى المحمودى شحنة واسط، و ابن طغايرك و غيرهم.

و كان سبب ذلك ميل السلطان إلى [خاص بك‏]، و اطراحه لهم فخافوا أن يفعل بهم كما فعل بعبد الرحمن و عباس و بوزابة، ففارقوه و ساروا نحو العراق. فلما بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد و أعمال‏

____________

(1) هكذا ذكرها النويرى و ابن الأثير، و لعلها مرج. قرابلين التى ذكرها ياقوت، و قال إنها على مرحلة من همذان فى جهة أصبهان «كانت به عدة وقائع للسلجوقية». (معجم البلدان ج 5 ص 101).

(2) ذكر ياقوت أن أران اسم ولاية واسعة يفصلها عن أذربيجان نهر الرس.، و قال أيضا إن اران قلعة مشهورة من نواحى قزوين.

51

العراق، و غلت الأسعار و أرسل الخليفة إليهم العبادى الواعظ فلم يرجعوا، و وصلوا إلى بغداد فى شهر ربيع الآخر، و معهم الملك محمد ابن السلطان محمود، فنزلوا بالجانب الشرقى.

و وقع القتال بين الأمراء و عامة بغداد و من بها من العسكر عدة وقعات، فانهزم الأمراء من العامة فى بعض الأيّام خديعة و مكرا، فلما تبعوهم عطفوا عليهم و قتلوهم، فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله و تفرق العسكر بالمحال الغربية، و أخذوا من أهلها الأموال الكثيرة و نهبوا بلد دجيل‏ (1) و غيره، و أخذوا النساء و الولدان ثم اجتمع الأمراء و نزلوا مقابل التاج‏ (2) و قبلوا الأرض أمام الخليفة المقتفى، و ترددت الرسائل بينهم و بين الخليفة إلى آخر النهار، و عادوا إلى خيامهم ثم تفرقوا و فارقوا العراق.

هذا كله و السلطان ببلد الجبل، و الرسل بينه و بين عمه سنجر تتردد. و كان سنجر يلومه على تقدمه خاصبك [خاص بك‏] و يتهدده أن يزيله عن السلطنة إن لم يبعده، و هو يغالط و لا يفعل. فسار السلطان سنجر إلى الرى، و سار السلطان مسعود إلى خدمته و استرضاه فسكن. و كان اجتماعهما فى سنة أربع و أربعين و خمسمائة.

____________

(1) ذكر ياقوت أن دجيل اسم نهر يخرج من دجلة من أعلى بغداد بينها و بين تكريت.

و لعل المقصود فى المتن بلدة تقع عند ذلك الموضع.

(2) التاج اسم لدار مشهورة من دور الخلافة العباسية ببغداد، و كان أول من وضع أساسه و سماه بهذه التسمية الخليفة المعتضد، و لم يتم فى أيامه فأتمه ابنه المكتفى (ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 3).

52

ذكر وفاة السلطان مسعود

كانت وفاته بهمذان فى شهر رجب سنة سبع و أربعين و خمسمائة و مرض بحمى حادة نحو أسبوع و مات، و دفن بمدرسة جمال الدين إقبال الجمدار. و كان مولده فى ذى القعدة سنة اثنتين و خمسمائة، فيكون عمره أربعا (3) و أربعين سنة و ثمانية أشهر، و مدة سلطنته منذ وقع اسم السلطنة عليه إحدى و عشرين سنة و شهورا، بما فى ذلك من أيام أخيه السلطان طغرل. و كان (رحمه الله) حسن الأخلاق و السيرة كريما عفيفا عن أموال الرعية من أصلح الملوك سيرة، و ألينهم عريكة. و لما مات زالت سعادة البيت السلجقى بموته، و لم يقم له بعده قائمة، فكأنه المعنى بقول الشاعر:

و ما كان قيس هلكه هلك واحد * * * و لكنه بنيان قوم تهدما

ذكر سلطنة ملكشاه بن محمود بن محمد طبر بن ملكشاه و القبض عليه‏

قال المؤرخ: كان السلطان مسعود قبل موته قد استدناه و قربه و أقره عنده، و عهد إليه بالسلطنة بعده. فلما توفى السلطان خطب الأمير خاصبك بن بلنكرى لملكشاه بالسلطنة باتفاق الأمراء، و رتب الأمور و قررها بين يديه، و أذعنت له جميع العساكر بالطاعة.

و كان ملكشاه شريبا خميرا، لا يصحو ساعة واحدة، كثير الاشتغال‏

____________

(3) فى ك. أربعة.

53

باللهو، فاجتمع الأمراء على خلعه و تولية السلطنة محمد بن محمود فخلعوه و قبض عليه خاصبك و اعتقله بمرج همذان فتراخى مستحفظوه فهرب، و لم يطلب و لا علم له خبر فكانت مدة سلطنته شهرين أو ثلاثة. و قال ابن الأثير الجزرى فى تاريخه: إنه توجه إلى أصفهان و كثرت جموعه، و كتب إلى بغداد فى طلب الخطبة لنفسه، فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة خصيا كان خصيصا به يقال له أغلبك الكوهزاتينى‏ (1) فمضى إلى بلاد العجم و اشترى جارية من قاضى همذان بألف دينار، و باعها من ملكشاه و وضعها لتسمه، و وعدها بمواعيد كثيرة، فسمته فى لحم مشوى. فمات فى سنة خمس و خمسين و خمسمائة، و جاء الطبيب فأعلم أصحابه أنه مات بسم، فقررت الجارية فأقرت. و لما مات خرج أهل البلد أصحابه و خطبوا لسليمان‏شاه بن محمد و اللّه أعلم.

ذكر سلطنة محمد بن محمود

هو أبو شجاع محمد بن محمود ابن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان محمد جغرى‏بيك داود بن ميكائيل بن سلجق. و محمد هذا فى طبقة محمود و مسعود ابنى محمد طبر، و قيل هو محمد بن محمود بن محمد طبر أخو ملكشاه الذى ذكرناه آنفا.

قال: و لما قبض خاصبك على ملكشاه أرسل إلى محمد و هو بخوزستان و كان عمه السلطان سنجر قد ملكه إياها، و استدعاه ليسلطنه،

____________

(1) أغلبك [أغل بك‏] الكوهزاتينى، ورد الاسم بهذه الصيغة فى نهاية الأرب. اما فى ابن الأثير فقد ورد الاسم برسم (أغلبك الكوهرابينى).

54

و سير إليه الأمير مشيد الدين و كاتبه الزنجانى، و كان قصد خاصبك أنه إذا حضر عنده قبض عليه و خطب لنفسه بالسلطنة. فلما اجتمعا بمحمد حسنا له قتل خاصبك إذا استقر فى السلطنة، و قالا له ان أمرك لا يتم إلا بقتله. و عادا إلى خاصبك و أخبراه أن محمدا قد حلف له، و سار محمد من خوزستان إلى همذان فى عدة يسيرة، فتلقاه خاصبك و خدمه و أجلسه على تخت المملكة، و ذلك فى أوائل صفر سنة ثمان و أربعين و خمسمائة، و خطب له بالسلطنة، و بالغ فى خدمته، و حمل إليه هدايا عظيمة جليلة المقدار.

و لما كان فى اليوم الثانى أو الثالث من جلوسه، استدعى خاصبك ليشاوره فجاء إليه و معه زنكى الجاندار، و هما قتلة عبد الرحمن طغايرك فقتلهما جميعا، و ألقى رأسيهما إلى أصحابهما، فتفرقوا و لم ينتطح فيها عنزان. و وجد فى خزانة خاصبك ألف و سبعمائة ثوب من الديباج لون العنابى خاصة، سوى أنواع الثياب الأطلس و المصور و غير ذلك. و طلب له كفن فلم يقدر عليه، حتى جبى له من سوق العسكر.

قال و كان أيدغدى التركمانى- المعروف بشملة- مع خاصبك لما استدعاه السلطان، فنهاه عن الدخول إليه فلم يرجع إلى قوله، فلما قتل خاصبك مضى هو إلى خوزستان.

قال: و كان خاصبك صبيا تركمانيا، اتصل بالسلطان مسعود تقدم عنده على سائر الأمراء.

قال: و لما قتل السلطان خاصبك أشار عليه وزيره جلال الدين‏