نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج28

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
486 /
5

الجزء الثامن و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة المحقق‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و المرسلين، سيدنا محمد، و على آله و صحبه و ذريته و تابعيه إلى يوم الدين.

و بعد فهذا هو الجزء الثامن و العشرون من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب لشهاب الدين النويرى، و هو الجزء السادس و العشرون من مخطوطة الكتاب المحفوظة بمكتبة كوبريلي بالأستانة، و التى توجد منها نسخة مصورة بدار الكتب المصرية بالقاهرة تحت رقم 549 معارف عامة.

و يختلف منهج التحقيق فى هذا الجزء بالذات عن منهج تحقيق الأجزاء السابقة، فضلا عن الأجزاء اللاحقة، ذلك، أنه توجد عدة نسخ غير متكاملة من مخطوط نهاية الأرب لدرجة أنه توافرت لبعض الأجزاء أربع نسخ، منها نسخة بخط المؤلف فى بعض الأحيان، مما جعل مهمة تحقيق النص أكثر سهولة، و لكن الأمر يختلف بالنسبة لهذا الجزء بالذات، فلا توجد نسخ أخرى كاملة من هذا الجزء بين ما هو معروف من نسخ كتاب نهاية الأرب.

و تزداد صعوبة العمل فى تحقيق هذا الجزء لوجود نقص فى أوله- قد لا يزيد عن بضع ورقات- كما يوجد نقص فى آخره- قد يكون ورقة واحدة-، كما أن سياق الكلام و الحوادث غير متصل فيما بين اللوحتين 124، 125.

6

فأوراق هذا الجزء تبدأ باللوحة رقم 7، و على هامشه إشارة لأحد العاملين بدار الكتب «الأصمعى» فى الثلاثينات من هذا القرن، تفيد أن الأوراق من 1 إلى 6 موضوعة خطأ. و بالبحث عن هذه الأوراق المفقودة، و بالرجوع إلى سلبيات تصوير هذا الجزء، و التى ترجع إلى سنة 1923، تبين أن هذه الأوراق موجودة بالسلبية، و لكن بها أخبار حوادث سنوات 599- 602 ه، و هذه الأحداث تقع ضمن الجزء التالى، و أن الأوراق التى نزعت من بداية الجزء 26 نقلت إلى موضعها فى بدايات الجزء 27 من المخطوطة.

و إزاء هذا الوضع لم نجد بدّا من تقديم المتن الموجود من الجزء 26 من المخطوط كما هو، مع الإشارة إلى مواضع النقص.

و إزاء عدم وجود نسخ أخرى من هذا الجزء كان لزاما الرجوع إلى المصادر التى نقل عنها النويرى للمقابلة عليها فى محاولة لتقديم نص أقرب ما يكون لنص المؤلف، و لم يكن الأمر سهلا، فرغم أن النويرى يبدأ عباراته بلفظ «قال»، أو «قال المؤرخ»، فإنه لا يذكر لنا من الذى قال، أو من هو المؤرخ إلا فى حالات محدودة ذكر فيها صراحة أنه نقل عن «ابن جلب راغب فى تاريخ مصر»، و هو المعروف بابن ميسر.

و عن طريق متابعة هذه الإشارات، مع مقارنة النصوص و مقابلتها على المصادر المعاصرة للأحداث أمكن التعرف على أهم مصادر النويرى فى هذا الجزء.

و طبيعة هذا الجزء الذى يتناول فيه النويرى «أخبار ملوك الديار المصرية» من بداية العصر الطولونى حتى دخول الملك العادل الأيوبى القاهرة فى أوائل العصر الأيوبى، جعلت النويرى ينتقى لكل فترة

7

مصدرا أو أكثر يأخذ عنه مادته العلمية، فعلى سبيل المثال، عند ما يتناول أخبار الدولة الفاطمية فى شمال أفريقيا يعتمد على كتاب افتتاح الدعوة للقاضى النعمان، و عند ما تنتقل الدولة إلى مصر يعتمد على كتاب أخبار مصر لابن ميسر، و عند ما يتحدث عن الحملة الصليبية الأولى يعتمد على كتاب الكامل لابن الأثير، و هكذا.

و بالإضافة إلى هذه المصادر الأساسية كان النويرى ينقل عبارات أو مقتطفات من مصادر أخرى يضمنها كتاباته، و على سبيل المثال أيضا ما كان يأخذه عن كتاب أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر.

لذلك استلزم تحقيق هذا الجزء بالذات مقابلة ما ورد به مع المصادر المعاصرة للأحداث، فى محاولة لتقديم نص متكامل أقرب ما يكون إلى نص المؤلف، و اقتضى الأمر إضافة بعض الكلمات أو العبارات، أو تصحيح بعضها وفقا لما يرد فى هذه المصادر.

و فى جميع الأحوال أشرنا إلى ذلك فى الهوامش، فكل ما أضيف إلى المتن وضع بين حاصرتين []، و كل ما تم تصحيحه تم التنبيه عليه فى الهوامش.

و بالإضافة إلى معالجة النص تم التعريف بالأعلام و الأماكن و المصطلحات بقدر الإمكان، و ذلك عند ورودها لأول مرة، مع ترك المعروف منها و المتواتر حتى لا نثقل الهوامش و يطغى التعليق على النص الأصلى للمؤلف.

و لما كان هذا الجزء يتناول أساسا العصر الفاطمى، من الورقة 21 إلى الورقة 105، فقد كان للنصوص التى نشرت حديثا عن هذا العصر

8

أهمية خاصة فى تحقيق هذا الجزء، و على سبيل المثال: أخبار الدول المنقطعة لابن ظافر و الذى صدر عام 1972، و الجزء الثالث من اتعاظ الحنفا للمقريزى عام 1973، و كتاب افتتاح الدعوة للقاضى النعمان عام 1975، و أخبار مصر للمسبحى عام 1978، و أخبار مصر لابن ميسر عام 1981، و نصوص من أخبار مصر لابن المأمون عام 1983.

و قبل أن أختتم هذه المقدمة أحب أن أشير إلى أن مؤسسة التأليف و الترجمة سبق و أن عهدت إلى المرحوم الدكتور محمد حلمى محمد أحمد الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة بتحقيق هذا الجزء من كتاب نهاية الأرب، و قد قام (رحمه الله) بإنجاز هذا التحقيق فى حوالى سنة 1965، و لكن و لأسباب مختلفة تأخر طبع أجزاء كتاب نهاية الأرب.

و عند ما شرع مركز تحقيق التراث فى تقديم هذا الجزء إلى المطبعة فى عام 1985 رأى أن التحقيق المقدم من المرحوم الدكتور محمد حلمى محمد أحمد منذ عشرين عاما فى حاجة إلى استكمال. و لم يكن فى وسع أحد أن يستكمل ما بدأه الدكتور محمد حلمى محمد أحمد نظرا لاختلاف مناهج التحقيق، فضلا عن ظهور العديد من المصادر و المراجع التاريخية التى لم تكن متوافرة وقت أن حقق المرحوم الدكتور محمد حلمى محمد أحمد هذا الجزء، و من ثمّ أصبح من الضرورى إعادة قراءة هذا الجزء و تحقيقه فى ضوء المصادر التى ظهرت بعد سنة 1965.

و رغم عدم إمكانية الإفادة من التحقيق الذى قام به الدكتور محمد حلمى محمد أحمد- للأسباب المذكورة- فإنى رأيت أن أضع اسم المرحوم الدكتور محمد حلمى محمد أحمد- كمحقق مشارك- على غلاف هذا الجزء باعتبار أنه- (رحمه الله)- أول من عمل فى تحقيق هذا

9

الجزء، و أن ظروف وفاته هى التى حالت دون أن يظهر هذا الجزء بتحقيقه، و ذلك تكريما له، و إحياء لذكراه، (رحمه الله).

و فى ختام هذه المقدمة لا يسعنى إلا أن أتقدم بالشكر إلى كل من الأستاذ محمد كامل محمد شحاتة، وكيل الوزارة و رئيس قطاع دار الكتب و الوثائق القومية، و الأستاذ على عبد المحسن زكى مدير عام مركز تحقيق التراث، لما قاما به من تذليل للصعاب و المعوقات الإدارية، و توفيرهما للمخطوطات و المصورات التى احتجت إليها عند تحقيق هذا الجزء.

كما أوجه الشكر إلى السيد/ محمد محمد صقر الباحث الأول بمركز تحقيق التراث لما بذله من جهد فى الإشراف على طبع هذا الجزء و تصحيح تجارب الطباعة، مما أدى إلى إخراج الكتاب على هذا النحو.

كذلك أوجه الشكر إلى السيدة/ حكمت الخضرى لما بذلته من جهد فى إعداد (ماكيت) الكتاب.

و بعد، فالكمال للّه وحده، و لا يسعنى إلا أن أذكر قوله تعالى:

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، و أدعوه سبحانه و تعالى أن يوفقنا لخدمة التراث الإسلامى، و اللّه ولى التوفيق ..

دكتور محمد محمد أمين القاهرة 15 شعبان 1406 ه فى 24 ابريل 1986 م‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[الباب الثانى عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار ملوك الديار المصرية] (1)

[الدولة الطولونية] (2)

[ذكر ولاية أحمد بن طولون و هو الأول من ملوك الطولونية]

[7] فتجهز أحمد للمسير إلى الشام‏ (3)، و سار فى شوال سنة أربع و ستّين لقصده‏ (4). و استحلف على مصر ابنه العبّاس، و عضّده بأحمد بن محمد الواسطى. و كتب إلى علىّ بن أماجور و إلى أصحاب أبيه الّذين أقاموه يذكر أنّ الخليفة (5) أقطعه الشام و الثّغور مضافا إلى ما بيده. فأجابوه بالسّمع و الطّاعة، و تلقّاه ابن أماجور بالرّملة، فأقره عليها. و سار إلى دمشق فملكها و أقرّ قوّاد أماجور على إقطاعاتهم. و سار إلى حمص فتلقّاه عيسى الكرخىّ،

____________

(1) [] إضافة من خاتمة ج. 25 من مخطوط نهاية الأرب عن نسخة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة رقم 1214 معارف عامة، و هى صورة عن نسخة بخط المؤلف محفوظة بمكتبة أمانة خزينة باستنبول تحت رقم 1371.

(2) [] إضافة تتفق مع الموضوع التالى، و هو أخبار الدولة الطولونية.

(3) هذه بداية ما وجد من الجزء السادس و العشرين من مخطوط نهاية الأرب.

و فى سيرة ابن طولون: «و من إقبال أحمد بن طولون أيضا موت ماجور، و كان أحد من يعرب عليه، و يسعى فى أذيته فلا تمكنه، فلما بلغه موته حمد اللّه عز و جل على ذلك، و استخلف ابنه العباس على مصر، و خرج من وقته»- ص 91.

(4) المقصود هنا على بن أماجور، و ورد فى الكامل: «و فى هذه السنة (264 ه) توفى أماجور مقطع دمشق، و ولى ابنه مكانه، فتجهز ابن طولون ليسير إلى الشام فيملكه»- ج 7 ص 316. ورد أن خروج أحمد بن طولون كان فى شعبان- الولاة و القضاة ص 219.

(5) المقصود هو الخليفة العباسى أبو العباس أحمد المعتمد على اللّه، ولى الخلافة فى الفترة من 256- 279 ه/ 870- 892 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 12.

12

و كان يتقلّدها، فشكاه أهلها فعزله عنهم [و ولّاها يمن التركى‏] (1). و ملك حماة و حلب.

و أرسل إلى سيما الطّويل بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقرّ على ولايته، فامتنع، فعاوده، فلم يطعه، فسار إليه. و دلّوه على عورة أنطاكية فنصب عليها المجانيق، و ملك البلد عنوة، و قاتله سيما الطويل حتى قتل، فساء أحمد قتله لأنّه كان نصيحه قديما (2)؛ و كان ذلك فى المحرّم سنة خمس و ستين و مائتين.

و رحل عن أنطاكيّة إلى طرسوس‏ (3)، فدخلها فى جمع عظيم، و عزم على المقام بها و ملازمة الغزو، فغلا السّعر و ضاقت بعساكره، فركب أهلها إليه بالمخيّم و قالوا له: لقد ضيّقت علينا بلدنا و أغليت أسعارنا، فإما أقمت فى عدد يسير و إمّا رحلت عنا، و أغلظوا له فى القول و شغبوا عليه، فقال لأصحابه أن ينهزموا عن الطرسوسيّين و يرتحلوا عن البلد، ليظهر للعدوّ أنّ ابن طولون على كثرة عساكره لم يقو لأهل طرسوس، و أنّه انهزم عنهم، لتقع مهابتهم فى قلوب العدوّ.

و عاد إلى الشام، فأتاه خبر ولده العبّاس أنّه عصى عليه بمصر و أخذ الأموال و سار إلى برقة، فلم يكترث أحمد لذلك، و قضى أشغاله، و حفظ

____________

(1) [] إضافة من سيرة ابن طولون للتوضيح.

(2) أمر أحمد بن طولون رجاله ألا يقتلوه و إن أمكن قتله، و ألا يرموه، و أن يأخذوه سليما، و لكن أهل أنطاكية رموه بالطوب و الحجارة من منازلهم لبغضهم له، فتحير فى الميدان، و لحقه سهم فصدعه، فقتل فى المعركة، و لم يعلم أحد إلا بعد انتهائها- سيرة ابن طولون ص 96، انظر أيضا الكامل ج 7 ص 317.

(3) طرسوس: بفتح أوله و ثانيه، مدينة بثغور الشام بين أنطاكية و حلب و بلاد الروم- معجم البلدان.

13

أطراف بلاده. و بعث إلى حرّان‏ (1) أحمد بن جيغويه فى جيش كثيف، و نزل غلامه لؤلؤ بالرّقّة (2) فى جيش كثيف، و كانت حرّان لمحمّد بن أتامش، فأخرجه أحمد بن جيغويه عنها، و هزمه هزيمة قبيحة، فاتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، و كان شجاعا بطلا، فجمع عسكرا كثيرا، و سار بهم إلى نحو حرّان. فاتّصل ذلك بابن طولون، فأهمّه و أقلقه و أزعجه، فنظر إليه رجل من الأعراب يقال له أبو الأغرّ، فقال له: أيها الأمير أراك مفكّرا منذ أتاك خبر ابن أتامش، و ما هذا محلّه، فإنه طائش قلق، و لو شاء الأمير أتيته به أسيرا. فغاظه قوله‏ (3)، و قال: لقد شئت أن تأتينى به أسيرا [فقال الاعرابى‏] (4) فاضمم إلىّ عشرين أختارهم.

قال: افعل. فانتقاهم أبو الأغرّ، و سار بهم.

فلمّا قارب عسكر موسى، كمّن بعضهم، و جعل بينه و بينهم إشارة إذا سمعوها ظهروا.

ثمّ دخل العسكر فيمن بقى معه على زىّ الأعراب، و أصحاب موسى على غرّة، و قد تفرّق بعضهم فى حوائجهم، فانزعج العسكر و ركبوا، فركب موسى، فانهزم أبو الأغر بين يديه، فاتّبعه حتى أخرجه من العسكر، و استمرّ حتّى جاور الكمين، فنادى أبو الأغرّ بالإشارة التى بينه و بينهم، فثاروا،

____________

(1) حرّان: بفتح الحاء و تشديد الراء، قصبة ديار مضر بالجزيرة، على الطريق الرئيسية الموصلة إلى الموصل و الشام، و إلى منطقة الثغور- معجم البلدان.

(2) الرقّة: بتشديد الراء و القاف: بلدة على الفرات اتخذها بعض الخلفاء العباسيين مصطافا لهم- معجم البلدان.

(3) يرى البلوى أن الأمير الذى أغاظه هذا القول هو ابن جغويه، و ليس أحمد بن طولون، كما يذكر النويرى و ابن الأثير- سيرة ابن طولون ص 104، و انظر الكامل ج 7 ص 318.

(4)] إضافة من سيرة ابن طولون ص 104.

14

و عطف أبو الأغرّ على موسى فأسره، و أخذوه حتّى وصلوا به إلى ابن جيغويه و إلى ابن طولون فاعتقلاه، و رفع إلى مصر. و كان وصوله إليها فى سنة ستّ و ستّين‏ (1) ..

ذكر عصيان العباس بن أحمد بن طولون على أبيه و ما كان من أمره‏

و فى سنة خمس و ستّين و مائتين عصى العباس بن أحمد على أبيه، و سبب ذلك أنّ أباه لمّا استخلفه بمصر، كما ذكرناه، و خرج إلى الشّام، حسّن للعبّاس جماعة كانوا عنده أخذ الأموال و الانسراح‏ (2) إلى برقة، ففعل ذلك، و حمل معه أحمد بن محمد الواسطى كاتب أبيه، و أيمن الأسود مقيّدين.

فلمّا رجع أحمد إلى مصر وجده قد أخذ ألفى ألف دينار، و استلف من التّجار ثلاثمائة ألف دينار، و أمر صاحب الخراج أن يضمنها لهم، ففعل.

فراسل أحمد ابنه و استعطفه، فلم يرجع، فخاف من معه و أشاروا عليه بقصد إفريقية، فسار إليها، و كاتب وجوه البربر، فأتاه بعضهم و امتنع بعضهم. و كتب إلى إبراهيم بن الأغلب‏ (3) يقول: إن أمير المؤمنين قلّدنى‏

____________

(1) «و كان ذلك فى سنة خمس و ستين و مائتين»- الكامل ج 7 ص 318.

(2) «الانشراح» فى الكامل ج 7 ص 324.

(3) هو إبراهيم (الثانى) بن أحمد بن محمد بن الأغلب، كان على رأس دولة الأغالبة التى استقلت بتونس عن الدولة العباسية، و ولى إبراهيم الحكم فى الفترة من 261- 289 ه/ 875- 902 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 46.

15

إفريقية و أعمالها، و رحل حتّى أتى حصن لبدة (1)، ففتحه أهله له، فقابلهم أسوأ مقابلة، و نهبهم، فمضى أهل الحصن إلى إلياس بن منصور النّفوسى، رئيس الإباضيّة هناك، فاستغاثوا به، فغضب لذلك، و سار إلى العباس ليقابله.

و كان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس جيشا (2) و أمره بقتال العبّاس، فالتقوا و اقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز بينهما اللّيل. فلمّا كان الغد وافاهم إلياس ابن منصور الإباضى فى اثنى عشر ألفا من الإباضيّة، فأجمع هو و عامل طرابلس على قتال العبّاس. فاقتتلوا، فقتل من أصحابه خلق كثير، و انهزم أقبح هزيمة، و كاد أن يؤسر. فخلّصه مولى من مواليه، و نهبوا سواده، و أكثر ما حمله من مصر. فعاد إلى برقة أقبح عود.

[و شاع بمصر أن العباس قد انهزم‏] (3) [8] فاغتمّ أبوه لذلك غمّا شديدا، و سيّر إليه العساكر، فقاتلهم و قاتلوه، فانهزم، و كثر القتل فى أصحابه، و أخذ أسيرا، و حمل إلى أبيه. فحبسه فى حجرة فى الدّار إلى أن قدم العسكر ببقيّة الأسرى من أصحابه. فلمّا قدموا أحضرهم أحمد عنده، و العبّاس معهم، و أمره أن يقطع أيدى أعيانهم و أرجلهم، ففعل ذلك.

فلمّا فرغ منهم وبّخه أبوه و ذنّبه. و قال له: هكذا يكون الرّئيس و المقدّم! كان الأحسن أنّك ألقيت نفسك بين يدىّ و سألت الصّفح عنك و عنهم،

____________

(1) لبدة: مدينة فينيقية قديمة، تقع شرق طرابلس بشمال ليبيا- بنحو 124 كم- معجم البلدان الليبية ص 295.

(2) «و كان الأغلب قد أنفذ إلى محمد بن قرهب عامل طرابلس بخادم له يعرف ببلاغ فى جمع من أهل القيروان كثير»- سيرة ابن طولون ص 254.

(3) [] هذه العبارة مشطوبة بالأصل، و أثبتناها اهتداء بما جاء فى سيرة ابن طولون ص 255، و الكامل ج 7 ص 325.

16

فكان ذلك أعلى لمحلّك. و كنت قضيت حقوقهم‏ (1). ثم أمر به فضربه مائة مقرعة، و دموع أحمد تجرى على خدّه رقّة على ولده، ثم ردّه إلى الحجرة و اعتقله، و ذلك فى سنة ثمان و ستّين و مائتين.

ذكر خلاف لؤلؤ على احمد

كان سبب ذلك أن الحسين بن مهاجر (2) غلب على أحمد بن طولون، و حسّن له جمع الأموال و منعه من سماحته و جريه على عوائده الجميلة، فنفرت القلوب عن أحمد، و تغيّرت الخواطر عليه، فتنكّر له غلامه لؤلؤ، و كان عمدته عليه، و كان فى يده حلب و حمص و قنّسرين و ديار مضر.

و كان أحمد إذا أنكر على لؤلؤ شيئا أوقع بكاتبه محمد بن سليمان، و يقول له.

هدا منك ليس منه، فحمل محمّد بن سليمان الخوف من أحمد على أن حسّن [-] (3) لؤلؤ حمل جملة من المال إلى الموفّق‏ (4)، فحمل ذلك إليه، و كتب إليه عن لؤلؤ كتابا يعرّفه رغبته فى المصير إليه، و التّصرّف تحت أمره و نهيه، و الدّخول فى طاعته، فسرّ الموفّق لذلك و استبشر، لما فى نفسه من أحمد، و رأى أنّ ذلك من الفرص الّتى يتعيّن انتهازها، فأجابه بأحسن جواب، و أنفذ إليه خلعا.

____________

(1) «و كتب قضية حقوقهم» فى الأصل، و التصحيح من سيرة ابن طولون ص 271، الكامل ج 7 ص 325.

(2) «الحسن بن مهاجر» فى سيرة ابن طولون ص 271.

(3) [ل] إضافة من سيرة ابن طولون ص 276 تتفق و سياق الكلام.

(4) هو طلحة و يقال محمد بن المتوكل. الموفق أبو أحمد، ولى عهد أخيه الخليفة العباسى المعتمد على اللّه، و كان فى خلاف مع أحمد بن طولون، و توفى الموفق سنة 278 ه/ 891.- شذرات الذهب ج 2 ص 172

17

و كانت مع لؤلؤ طائفة من خواصّ أحمد، فلمّا أنكروا حاله، و اطّلعوا على ما فعله، فارقوه، و التحقوا بأحمد، و أطلعوه على ما كان من أمر لؤلؤ.

فتألّم لذلك، و أخذ فى إعمال الحيلة و المخادعة للؤلؤ و التلطّف به، و مكاتبة محمّد بن سليمان، فلم يفد ذلك عنده. فكتب أحمد إلى المعتمد على اللّه كتابا يقول فيه: إنّى خائف على أمير المؤمنين من سوء يلحقه، و قد اجتمع عندى مائة ألف عنان أنجاد، و أنا أرى لسيّدى أمير المؤمنين الانجذاب إلى مصر، فإنّ أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العزّ، و لا يتهيّأ لأخيه الموفق شي‏ء ممّا يخافه عليه. و جهّز له قرين ذلك، سفاتج‏ (1) بمائة ألف دينار، و ذلك فى سنة ثمان و ستين و مائتين. و أظهر أحمد الخروج لهذا الأمر. فلمّا وصل كتابه إلى الخليفة. تجهّز لقصده مصر، فكان من خروجه و رجوعه إلى بغداد ما ذكرناه فى أخباره.

و أمّا أحمد فإنّه تجهّز إلى الشام، و أخذ معه ابنه العبّاس مقيّدا، و استخلف ابنه خمارويه على مصر. فسار، فوصل إلى دمشق و هو يظهر الانتصار للمعتمد، و يقصد لؤلؤا غلامه فعند ذلك التحق لؤلؤ بالموفّق، و كان لحاقه به فى سنة تسع و ستين.

و انتهى إلى أحمد عود المعتمد، و أنّه ضيّق عليه، فأحضر أحمد قضاة أعماله و فيهم بكّار بن قتيبة (2) و العمرى و أبو حازم، و غيرهم، و خلع الموفّق، فكلّهم وافقه على ذلك إلّا بكّار. و أسقط أحمد دعوة الموفّق، و قلع اسمه‏

____________

(1) سفتجة- سفاتج: صك مالى، أو حوالة مالية- القاموس المحيط، السلوك ج 2 ص 420

(2) ولى قضاء مصر من قبل الخليفة العباسى المتوكل، سنة 246 ه/ 860 م، و توفى سنة 270 ه/ 883 م- الولاة و القضاة ص 476.

18

من الطّرز. فلمّا بلغ الموفّق ذلك أمر بلعن أحمد بن طولون فى المنابر فى سائر الأمصار. ثم رجع الموفّق عن ذلك، و أمر كاتبه صاعد بن مخلّد و جماعة من خاصّته بمكاتبة أحمد بن طولون و توبيخه على ما فعله، فكتبوا إليه و استمالوه، فعلم أنّ ذلك عن رأى الموفّق و إذنه لهم، فأجابهم بأحسن جواب. فعرضوا كتبه على الموفّق، فسرّه ما تضمّنته، و علم أنّ ابن طولون إنّما فعل ذلك لمغالاته فى المناصحة هم. و كان الموفّق كامل العقل، فسكّن ذلك منه ما كان فى نفسه على أحمد، و مال قلبه إليه. و كتب الموفّق إلى أخيه المعتمد يعلمه برجوعه عن أمر أحمد و ندمه على ما كان منه فى حقّه، و سأله أن يكتب إليه، فسرّ المعتمد بذلك، و كتب إلى أحمد كتابا بخطّه، و أمره بالرجوع عمّا هو عليه من أمر الموفّق، و بعث إليه كتاب الموفّق برجوعه عن لعنه، و أنفذ الكتاب مع الحسن بن عطّاف. فلمّا بلغ الرّقّة بلغه وفاة أحمد ابن طولون‏ (1)، فرجع إلى الحضرة.

و أما لؤلؤ فإنّه بلغه أنّ مولاه أحمد باع أولاده و خدمه بسوق الرّقيق بمصر، و قبض على أملاكه، فبلغ ذلك منه كلّ مبلغ، و تقدّم إلى الموفّق و بكى، و سأله إنفاذ الجيوش معه، و ضمن له أخذ البلد من مولاه، و بسط لسانه فى سيرته، فخلع الموفّق عليه، و حمله على دابة، و وعده، و أمر بتجريد الجيوش [9] معه، كلّ ذلك و هو يسخر به و يماطله إلى أن يعود جواب أحمد مع الحسن ابن عطّاف، فقبض حينئذ على لؤلؤ و ردّه إلى مولاه، و استقبح ما فعله لؤلؤ فى حقّ سيده، فلمّا اتفق وفاة أحمد، أقام لؤلؤ فى‏

____________

(1) توفى أحمد بن طولون سنة 270 ه/ 883 م- الكامل ج 7 ص 408، شذرات الذهب ج 2 ص 157، و انظر ما يلى عن وفاته.

19

خدمة الموفّق إلى سنة ثلاث و سبعين، فقبض الموفّق عليه، و أخذ منه أربعمائة ألف دينار، و كان لؤلؤ يقول: ليس لى ذنب إلّا كثرة مالى.

و لم تزل أمور لؤلؤ فى إدبار إلى أن افتقر، و لم يبق له شي‏ء، فعاد إلى مصر فى آخر أيام هارون بن خمارويه‏ (1) بغلام واحد. و هكذا تكون ثمرة الغدر و كفر الإحسان.

ذكر وفاة أحمد بن طولون و شي‏ء من أخباره و سيرته‏

كانت وفاته فى نصف اللّيل من ليلة الأحد لعشر ليال خلون من ذى القعدة سنة سبعين و مائتين.

قيل: و كان سبب وفاته أن نائبه بطرسوس‏ (2) وثب عليه يازمان‏ (3) الخادم و قبض عليه، و أظهر الخلاف على أحمد. فجمع أحمد العساكر، و سار إليه. فلمّا وصل إلى أذنة (4) كاتبه و راسله و استماله، فلم يلتفت‏

____________

(1) ولى فى الفترة من 283- 292 ه/ 896- 905 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 128.

(2) كان نائب احمد بن طولون بطرسوس أخوه موسى، فلما حضرته الوفاة استخلف عليها أحد أعوانه يسمى خليفة طخشى، و هو الذى ثار عليه يازمان- سيرة ابن طولون ص 310.

(3) ورد فى المخطوط بعدة صور: مازيار، بازمار، بازيار، و ورد فى الكامل بازمار، و ورد فى سيرة ابن طولون، و النجوم الزاهرة يازمان، فوجدنا الرسم طبقا للصورة الأخيرة لورودها فى سيرة ابن طولون، و الولاة و القضاة.

(4) أذنه- أطنه: بفتح أوله و ثانيه، من بلاد الثغور- قرب المصيصة- معجم البلدان.

20

يازمان الخادم إلى رسالته. فسار أحمد إليه و حصره، فخرق يازمان نهر البلد (1) على منزلة العسكر، فكاد النّاس يهلكون. فرحل أحمد حنقا، و كان الزمان شتاء، و كتب إلى يازمان: إننى لم أرحل إلّا خوفا أن تنخرق حرمة هذا الثّغر، و يطمع العدو فيه. و عاد إلى أنطاكيّة، فأكل من لبن الجواميس و أكثر منه، فأصابته هيضة و اتّصلت به حتى صار منها ذرب‏ (2). و كان الأطبّاء يعالجونه، و هو يأكل سرّا غير ما يصفونه، فلم ينجع الدّواء فيه.

فمات (رحمه الله).

هكذا ذكر ابن الأثير الجزرى فى تاريخه الكامل فى سبب وفاته‏ (3).

و أما صاحب الدّول المنقطعة (4) فإنه قال: إنّه رجع إلى مصر و اعتلّ بزلق للمعدة. و اشتدّت به العلّة و طالت، فعهد إلى ابنه أبى الجيش خمارويه، و أطلق ابنه العباس من قيده، و ذلك فى القعدة سنة سبعين و مائتين، و خلع عليه و قلّده جميع الأعمال الخارجة عن أعمال مصر من الشّامات و الثّغور، و أوصاه بتقوى اللّه و طاعة أخيه. ثمّ توفّى (رحمه الله) و سنّه يومئذ خمسون سنة و شهر و ثمانية و عشرون يوما، و مدّة إمرته على مصر ستّ عشرة سنة و شهر واحد و سبعة و عشرون يوما. (5)

____________

(1) كان يسمى «نهر البردان»، و يعرف حاليّا بنهر «قره صوره»، أى النهر الأسود- سيرة ابن طولون ص 310.

(2) ذرب: فساد المعدة.

(3) الكامل ج 7 ص 409.

(4) هو على بن ظافر، جمال الدين، المتوفى سنة 597 ه/ 1201 م- انظر مقدمة الجزء المطبوع من كتابه: أخبار الدول المنقطعة، نشر أندريه فريد- القاهرة 1972.

(5) انظر أيضا تفاصيل أمر مرضه و وفاته فى سيرة ابن طولون ص 312 و ما بعدها، الولاة و القضاة ص 231.

21

و أمّا سيرته، فإنّه، (رحمه الله)، كان عادلا شجاعا، كريما متواضعا، حسن السّيرة، يباشر الأمور بنفسه و يتفقّد رعاياه، و يحبّ أهل العلم، و يدنى مجالسهم. و كان كثير الصّدقات. و هو الذى بنى قلعة يافا، و كانت المدينة بغير قلعة.

اولاده ثلاثة و ثلاثون‏ (1). منهم‏ (2): أبو الفضل العبّاس، أبو الجيش خمارويه، أبو العشائر مضر. أبو الكرم ربيعة، أبو المقانب شيبان، أبو ناهض عياض، أبو معدّ عدنان، أبو الكراديس خزرج. أبو حبشون عدىّ، أبو شجاع كندة، أبو منصور أغلب، أبو بهجة ميسرة، أبو البقاء هدى، أبو المفوض غسّان، أبو الفرج مبارك، أبو عبد اللّه محمد، أبو الفتح مظفر.

و البنات ستّ عشرة، و هنّ: فاطمة، و لميس، و تعلب‏ (3)، وصفية، و غالية (4)، و خديجة، و ميمونة، و مريم، و عائشة، و أم القرى‏ (5)، و مؤمنة، و عزيزة، و زينب، و سمانة، و سارة، و غريرة.

و خلّف من الأموال و العين و الورق كثيرا، و من الغلمان أربعة و عشرين ألف غلام، و من الموالى سبعة آلاف رجل، و من الخيل سبعة آلاف و ثلاثمائة و خمسين رأسا، منها: لركابه ثلاثمائة و خمسون، و من الجمال ثلاثة آلاف‏

____________

(1) «منهم سبعة عشر ذكرا، و ست عشرة أنثى» سيرة ابن طولون ص 349.

(2) هكذا بالأصل، و الواقع أن المؤلف أوردهم جميعا حسب رواية البلوى.

(3) هكذا بالأصل، و فى سيرة ابن طولون، و لعله محرف عن «تغلب».

(4) لم تذكر فى سيرة ابن طولون.

(5) «أم الهدى» فى سيرة ابن طولون.

22

جمل، و ألف بغل، و من المراكب الحربيّة الكبار مائتى مركب بآلتها، و من الأمتعة و الفرش و الآلات و الأوانى ما لا يحصى كثرة و لا يعدّ اتّساعا، و أنفق على الجامع مائة ألف و عشرين ألف دينار، و على البيمارستان ستّين ألف دينار، و على العين الّتى بالمعافر مائة ألف و أربعين ألف دينار، و على حصن الجزيرة مائة ألف دينار. و أنفق فى بناء الميدان مائة ألف و خمسين ألف دينار، و على مرمّات الثّغور و حصن يافا مائتى ألف دينار.

و كانت صدقاته فى كلّ شهر ألف دينار سوى المرتّبات، و كانت له وظائف من خبز و لحم تجرى على قوم مستورين، فى كلّ شهر ألفا دينار.

و كان يصنع فى كلّ جمعة من أصناف الأطعمة و الحلو أشياء كثيرة يحضرها النّاس من فقير، و مستور، و متجمّل، و محتاج، و كان إذا عاين ذلك و هو بمشترف عال يسجد للّه تعالى شكرا تارة، و يصلّى تارة، و يدعو تارة، و يبكى تارة. فكانت سيرته (رحمه الله) أجمل سيرة، و فراسته أعظم فراسة، بحيث إنّه كان ينظر إلى الرّجل فيدرك [10] بفراسته غرضه، و لمّا مات ملك بعده ولده.

ذكر ولاية أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون و هو الثانى من ملوك الطولونية

ملك بعد وفاة أبيه فى يوم الأحد لعشر خلون من ذى القعدة سنة سبعين و مائتين، و هو ابن عشرين سنة و شهور، فى خلافة المعتمد على اللّه. و ذلك أنّه لمّا توفّى والده اجتمع الأجناد و قتلوا ولده العباس الأكبر و ولّوا خمارويه، فاستقلّ بالأمر.

23

ذكر مسير إسحاق بن كنداجق‏ (1) و محمد بن أبى الساج إلى الشام‏

قال المؤرّخ‏ (2): لمّا توفى أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجق على الموصل و الجزيرة، و ابن أبى السّاج‏ (3) على أرمينية و الجبال، فطمعا فى الشّام، و استصغرا أولاد أحمد بن طولون، فكاتبا الموفّق و استمدّاه، فأمرهما بقصد الشام، و وعدهما إنفاذ الجيوش. فجمعا و قصدا ما يجاورهما من البلاد، فاستوليا عليها، و أعانهما نائب دمشق الّذى كان من قبل أحمد بن طولون و وعدهما الانحياز إليهما، و أظهر العصيان، و استولى إسحاق على حلب و حمص و أنطاكيّه و دمشق.

فلمّا انتهى الخبر إلى أبى الجيش خمارويه ندب العساكر المصريّة إلى الشام، فملكوا دمشق، و هرب نائبها. و سار عسكر خمارويه من دمشق إلى شيزر (4) لقتال إسحاق و ابن أبى السّاج، فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق. و هجم الشّتاء على الطّائفتين، و أضرّ بأصحاب خمارويه، فتفرّقوا فى المنازل بشيزر. و وصل العسكر العراقى إلى ابن كنداجق و عليهم أبو العبّاس أحمد بن الموفّق، و هو المعتضد باللّه. فلمّا وصل سار مجدّا إلى عسكر

____________

(1) «بن كنداجيق» فى الكامل ج 7 ص 409، «بن كنداج» فى الولاة و القضاة ص 235، النجوم الزاهرة ج 3 ص 50.

(2) المقصود ابن الأثير، فالمؤلف يكاد ينقل عنه الأحداث التالية- الكامل ج 7 ص 409- 410.

(3) هو محمد بن ديوداد أبى الساج- الولاة و القضاة ص 235.

(4) شيزر: بتقديم الزاى على الراء، و فتح أوله، كانت تابعة لحمص- معجم البلدان.

24

خمارويه بشيزر، فكبسهم فى المساكن و وضع فيهم السّيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، و سار من سلم منهم إلى دمشق على أقبح صورة. فسار المعتضد إليهم، ففارقوا دمشق و توجّهوا إلى الرّملة، و أقاموا بها. و دخل أبو العبّاس المعتضد إلى دمشق فى شعبان سنة إحدى و سبعين و مائتين. و كتب عسكر مصر إلى خمارويه، فخرج من مصر بعساكره.

ذكر وقعة الطواحين‏

و فى سنة إحدى و سبعين و مائتين كانت وقعة الطّواحين‏ (1) بين أبى العبّاس أحمد بن الموفّق، و هو المعتضد، و بين أبى الجيش خمارويه بن أحمد.

و كان سبب هذه الوقعة أنّ المعتضد لمّا ملك دمشق سار بعساكره إلى الرّملة لقصد عسكر خمارويه، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عسكره و كثرة من معه من الجموع، فهمّ المعتضد بالعود، فلم يمكّنه من معه من أصحاب ابن طولون الّذين صاروا معه. و كان المعتضد قد أوحش ابن كنداجق و ابن أبى السّاج و نسبها إلى الجبن، حيث انتظراه حتّى وصل إليهما و لم يناجزا عسكر خمارويه الحرب، ففسدت نياتهما.

قال: و رحل خمارويه و نزل على الماء الّذى عليه الطواحين [عند الرملة] (2) و ملكه، فنسبت الوقعة إليه. و وصل المعتضد و قد عبّأ أصحابه، و فعل خمارويه كذلك، و جعل كمينا عليهم سعد الأيسر، فحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه فانهزمت. فلمّا رأى خمارويه ذلك، و لم يكن‏

____________

(1) الطواحين: موضع قرب الرملة- معجم البلدان، و ورد أن هذا الموضع على «نهر أبى فطرس»- الولاة و القضاة ص 235.

(2) [] إضافة للتوضيح من الكامل ج 7 ص 414.

25

رأى مصافّا قبله، ولّى منهزما فى طائفة من الأحداث الّذين لا علم لهم بالحرب، و لم يقف دون مصر.

و نزل المعتضد إلى خيام خمارويه و هو لا يشكّ فى تمام النّصر، فخرج سعد الأيسر بالكمين و انضاف إليه من بقى من الجيش، و نادوا بشعارهم، و حملوا على عسكر المعتضد و قد اشتغلوا بنهب السّواد، فوضع المصريّون السّيف فيهم. فظنّ المعتضد أنّ خمارويه قد عاد، فركب و انهزم لا يلوى على شي‏ء، و وصل إلى دمشق فلم يفتح له أهلها، فمضى منهزما حتّى وصل طرسوس. و اقتتل العسكران و ليس لواحد منهما أمير [11]، و طلب سعد الأيسر خمارويه فلم يجده. فأقام أخاه أبا العشائر مقامه. و تمّت الهزيمة على العراقيّين، و قتل منهم خلق كثير، و أسر خلق كثير.

و جاءت البشائر بالنّصر إلى مصر، فسرّ خمارويه بالظّفر، و خجل من الهزيمة، و أكثر الصّدقة، و فعل مع الأسرى ما لم يسبق إليه، و قال لأصحابه: هؤلاء أضيافكم، فأكرموهم. ثم أحضرهم بعد ذلك و قال:

من اختار المقام عندنا فله الإكرام و المواساة، و من أراد الرّجوع جهّزناه و سيّرناه، فمنهم من أقام، و منهم من عاد مكرّما. و سارت عساكر خمارويه إلى الشّام ففتحه أجمع، و استقر ملك خمارويه‏ (1).

و فى سنة اثنتين و سبعين و مائتين زلزلت مصر فى جمادى الآخرة زلزلة شديدة أخربت الدّور و المسجد الجامع، و أحصى بها فى يوم واحد ألف جنازة.

____________

(1) انظر الكامل ج 7 ص 414- 415.

26

ذكر اختلاف محمد بن أبى الساج و إسحاق بن كنداجق و الخطبة لخمارويه بالجزيرة

و فى سنة ثلاث و سبعين و مائتين فسدت الحال بين محمد بن أبى الساج و اسحاق بن كنداجق‏ (1)، و كانا قبل ذلك متّفقين بالجزيرة.

و سبب ذلك أنّ ابن أبى السّاج نافس إسحاق فى الأعمال و أراد التقدّم، فامتنع إسحاق عليه، فكاتب محمّد بن أبى الساج خمارويه و انضمّ إليه، و خطب له بأعماله، و هى قنّسرين، و سير ولده ديوداد (2) إلى خمارويه رهينة، فأرسل خمارويه إلى الشّام، و اجتمع هو و ابن السّاج ببالس‏ (3).

و عبر ابن أبى السّاج الفرات إلى الرّقّة فلقيه إسحاق، و كان بينهما حرب انجلت عن انهزام إسحاق، و استولى ابن أبى الساج على ما كان معه. و عبر خمارويه الفرات و نزل الرّافقة (4)، و انهزم إسحاق إلى قلعة ماردين‏ (5)، فحصره ابن أبى السّاج بها، و سار عنها إلى سنجار (6)، و أوقع بطائفة من‏

____________

(1) أحمد بن إسحاق بن كنداجق» فى الأصل، و التصحيح مما سبق، و من الكامل ج 7 ص 422.

(2) «ديوداد» فى الكامل ج 7 ص 422.

(3) بالس: بين حلب و الرقة، كانت على الضفة الغربية للفرات، ثم انحرف عنها الفرات شرقا حتى صار منها على مسافة أربعة أميال- معجم البلدان.

(4) الرافقة: بلدة متصلة البناء بالرقة على الفرات- معجم البلدان.

(5) ماردين: قلعة على قمة جبل بإقليم الجزيرة، و منازلها متدرجة على سفح الجبل- معجم البلدان.

(6) سنجار: بلدة فى لحف جبل عال، قرب الموصل- معجم البلدان.

27

لأعراب. و سار إسحاق إلى الموصل فلقيه ابن أبى الساج ببرقعيد (1)، و كمّن له، و اقتتلوا، فخرج الكمين على إسحاق، فانهزم و عاد إلى ماردين.

فقوى ابن أبى السّاج و ظهر أمره، و استولى على الجزيرة و الموصل، و خطب لخمارويه فيها، ثمّ لنفسه بعده.

و فيها أيضا ثار السّودان بمصر، و حصروا صاحب الشّرطة (2)، فركب خمارويه بنفسه، و بيده سيف مسلول، و قصد دار صاحب الشّرطة، فقتل من لقيه من السّودان، فهزموا، و كثر القتل فيهم، و سكنت مصر.

ذكر الاختلاف بين خمارويه و محمد بن أبى السّاج و الحرب بينهما

و فى سنة أربع و سبعين و مائتين خالف محمّد بن أبى الساج على خمارويه، فسار خمارويه إلى الشّام، فقدمها فى آخر السّنة، و سار ابن أبى السّاج إليه، فالتقوا عند ثنيّة العقاب‏ (3)، على مرحلة من دمشق إلى جهة حمص.

و اقتتلوا فى المحرّم سنة خمس و سبعين، فانهزمت ميمنة خمارويه، و أحاط عسكر خمارويه بابن أبى السّاج، فانهزم، و استبيح عسكره.

و كان قد خلّف بحمص أموالا كثيرة، فندب خمارويه إليها قائدا من قوّاده فى جيش جريدة (4)، فسبقوا ابن أبى السّاج إليها و منعوه من الدّخول‏

____________

(1) برقعيد: بلدة من أعمال الموصل- معجم البلدان.

(2) هو موسى بن طونيق، الذى صرف فى مستهل المحرم سنة 274 ه/ 887 م- الولاة و القضاة ص 236، 238.

(3) ثنية العقاب: بالضم، تشرف على غوطة دمشق، فى الطريق من دمشق فى اتجاه حمص- معجم البلدان.

و ورد فى الكامل «فالتقيا فى البثنية من أعمال دمشق»- ج 7 ص 428.

(4) الجريدة: الفرقة من العسكر الفرسان، و الفرقة من الجند إذا خرجت مسرعة من غير أثقال لمهمة تستدعى الإسراع فى الخروج- لسان العرب.

28

و الاعتصام بها، و استولوا على أمواله الّتى بها. فمضى إلى حلب، و منها إلى الرّقّة، فتبعه خمارويه، ففارقها. و عبر خمارويه الفرات و سار فى أثره، فوصل إلى مدينة بلد (1)، و سبقه ابن أبى السّاج إلى الموصل، ثمّ فارقها إلى الحديثة (2)، و أقام خمارويه ببلد، و عمل له سريرا طويل الأرجل، و كان يجلس عليه فى دجلة.

ذكر الدعاء لخمارويه بطرسوس‏

و فى سنة سبع و مائتين دعا يازمان بطرسوس لخمارويه. و سبب ذلك أنّ خمارويه أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار، و خمسمائة ثوب، و خمسمائة مطرف، و سلاحا كثيرا، فلمّا وصل ذلك إليه، دعا له، ثمّ وجّه إليه خمسين ألف دينار.

ثم توفى يازمان فى جمادى الآخرة سنة ثمان و سبعين، فخلفه ابن عجيف، و كتب إلى خمارويه بوفاة يازمان، فأقرّه على ولاية طرسوس، و أمدّه بالخيل [12] و السّلاح و الذّخائر، ثمّ عزله، و استعمل عليها ابن عمّه محمّد ابن موسى بن طولون.

ذكر الفتنة بطرسوس‏

و فى سنة ثمان و سبعين و مائتين ثار النّاس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى، فقضوا عليه. و سبب ذلك أنّ الموفق كان له خادم من خواصه يقال‏

____________

(1) بلد: اسم لمواضع كثيرة، و المقصود هنا بليدة من نواحى دجيل قرب الحظيرة و حربى، من أعمال بغداد- معجم البلدان.

(2) الحديثة: هى حديثة الموصل: كانت على دجلة بالجانب الشرقى قرب الزاب الأعلى- معجم البلدان.

29

له راغب؛ فلمّا مات الموفّق اختار راغب الجهاد، فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها، فلمّا وصل إلى الشّام سيّر ما معه من دوابّ و آلات و خيام و غير ذلك إلى طرسوس، و سار هو جريدة إلى خمارويه ليزوره و يعرّفه ما عزم عليه، فلقى خمارويه بدمشق، فأكرمه خمارويه و أنس به و أحبّه، فاستحيا راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال مقامه عنده. فظنّ أصحابه أنّه قبض عليه، و أذاعوا ذلك، فاستعظمه النّاس، و قالوا: يعمد إلى رجل قصد الجهاد فى سبيل اللّه فيقبض عليه، فشغبوا على أميرهم، و قبضوا عليه، و قالوا: لا تزال فى الحبس حتى يطلق ابن عمّك خمارويه راغبا، و نهبوا داره، و هتكوا حرمه.

و بلغ الخبر خمارويه فأطلع راغبا عليه، و أذن له فى المسير إلى طرسوس.

فلمّا دخلها أطلق أهلها اميرهم محمد بن موسى، فسار عنها إلى البيت المقدّس. و لمّا سار عنها وليها أحمد العجيفى، و كان يليها قبل ذلك‏ (1).

ذكر زواج المعتضد باللّه بابنة خمارويه ابن أحمد بن طولون‏

قال: و لمّا توفى المعتمد على اللّه‏ (2) و تولّى المعتضد باللّه‏ (3) بادر خمارويه‏

____________

(1) انظر الكامل ج 7 ص 450.

(2) توفى فى 19 رجب 279 ه/ 892 م- الكامل ج 7 ص 455، شذرات الذهب ج 2 ص 173

(3) هو أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، المعتضد باللّه، ولى الخلافة العباسية فى بغداد فى الفترة 279- 289 ه/ 892- 902 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 12.

30

إليه بالهدايا الجليلة على يد الحسين‏ (1) بن عبد اللّه بن منصور بن الجصّاص الجوهرى، فأقرّه المعتضد باللّه على ما بيده من الأعمال. و سأل خمارويه المعتضد أن يزوّج ابنته قطر الندى‏ (2) للمكتفى باللّه ولىّ العهد، فقال المعتضد بل أنا أتزوجها. [و كان ذلك‏] (3) فى سنة ثمانين، و حملت إليه فى سنة إحدى و ثمانين و مائتين، و أصدقها ألف ألف درهم.

و قيل: إنّ المعتضد باللّه إنّما قصد بزواجها إفقار الطّولونيّة، و كذلك كان، فإنّ خمارويه جهّزها بجهاز لم يسمع بمثله‏ (4)، حتى قيل إنّه كان لها ألف هاون من ذهب، و شرط المعتضد على خمارويه أن يحمل فى كلّ سنة مائتى ألف دينار، بعد القيام بجميع وظائف مصر و ارزاق الجند، فأجاب إلى ذلك.

ذكر مقتل أبى الجيش خمارويه‏

كان مقتله فى ليلة الأحد لثلاث بقين من ذى القعدة سنة اثنتين و ثمانين و مائتين، و قيل‏ (5) فى ذى الحجة منها بدمشق.

____________

(1) «الحسن» فى الأصل، و هو الحسين بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن الجصاص، التاجر الجوهرى، ت سنة 296 ه/ 908 م- وفيات الأعيان ج 3 ص 77.

(2) قطر الندى، و اسمها اسماء، توفيت سنة 287 ه/ 900 م، و دفنت داخل قصر الرصافة ببغداد- وفيات الأعيان ج 2 ص 250.

(3) [] إضافة تتفق و سياق الكلام.

(4) عن جهاز قطر الندى انظر المواعظ و الاعتبار ج 1 ص 319، وفيات الأعيان ج 1 ص 405، ج 2 ص 249- 250، النجوم الزاهرة ج 3 ص 61 و ما بعدها.

(5) الكامل ج 7 ص 474

31

و كان سبب قتله أنّه قيل له إن جوارى داره قد اتّخذت كلّ واحدة منهنّ خصيّا و جعلته لها كالزّوج، و قال له النّاقل إن شئت [أن‏] (1) تعلم صحّة ذلك فقرّر بعض الجوارى بالضّرب، فكتب من وقته إلى نائبه بمصر يأمره أن يسيّر إليه الجوارى، فاجتمع جماعة من خدم الخاصّة و تواعدوا على قتله، فذبحوه على فراشه ليلا. فلما قتل قتل من خدمه الّذين اتّهموا بقتله نيّف و عشرون نفسا.

و حمل خمارويه إلى مصر فدفن بجبل المقطّم. و كانت مدّة ملكه ثنتى عشرة سنة و أياما.

ذكر ولاية أبى العشائر جيش ابن أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون و هو الثالث من الملوك الطولونية

ملك بعد وفاة أبيه فى يوم الأحد لثلاث بقين من ذى القعدة سنة اثنتين و ثمانين و مائتين. و ذلك أنّ خمارويه لمّا قتل اجتمع القوّاد على ابنه أبى العشائر [13] و بايعوه، و كان مع أبيه بدمشق، و هو أكبر ولده، ففرّق فيهم الأموال، و رجع إلى مصر، و كان صبيّا غرّا.

____________

(1) [] إضافة يقتضيها سياق الكلام من الكلام ج 7 ص 475.

32

ذكر عصيان دمشق على جيش و خلاف جنده و قتله‏

و فى سنة ثلاث و ثمانين و مائتين خرج جماعة من قوّاد جيش بن خمارويه و جاهروه بالخلاف، و قالوا: لا نرضى بك أميرا، فاعتزلنا حتى نولّى الإمارة (1) عمّك.

و كان سبب ذلك أنه لمّا ولى قرّب الأحداث و السّفل، و أخلد إلى سماع أقوالهم، فغيّروا نيّته على قواده و أصحابه، فصار يقع فيهم و يذمّهم، و يظهر العزم على الاستبدال بهم، و أخذ نعمهم و أموالهم، فاتّفقوا على قتله و إقامة عمّه. فبلغه ذلك فلم ينته، و أطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، و خلعه طغج بن جفّ‏ (2) أمير دمشق.

و سار القوّاد الذين فارقوه إلى بغداد، و هم: محمّد بن إسحاق بن كنداجق، و خاقان المفلحى، و بدر بن جفّ أخو طغج، و غيرهم من قوّاد مضر (3). فسلكوا البرّيّة و تركوا أموالهم و أهليهم، فتاهوا أيّاما، و مات جماعة منهم من العطش، و خرجوا فوق الكوفة بمرحلتين، و قدموا على المعتضد، فخلع عليهم، و أحسن إليهم. و بقى سائر الجند بمصر على خلافهم، فسألهم كاتبه على بن أحمد الماذرائى أن ينصرفوا يومهم ذلك،

____________

(1) «فتنح عنا حتى نولى عمك نصر بن أحمد بن طولون» فى النجوم الزاهرة ج 3 ص 93.

(2) ولى حكم دمشق و طبرية من قبل خمارويه- وفيات الأعيان ج 5 ص 57.

(3) عن هؤلاء القواد انظر النجوم الزاهرة ج 3 ص 89- 90.

33

فرجعوا، فقتل جيش عمّين من عمومته‏ (1)، فثار الجند إليه، فرمى لهم بالرّأسين، فهجم الجند عليه و قتلوه، و نهبوا داره، و نهبوا مصر و أحرقوها (2). و كانت ولايته تسعة أشهر، و قيل ثمانية، و اللّه أعلم.

ذكر ولاية أبى موسى هارون ابن أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون و هو الرابع من ملوك الدولة الطولونية

ملك بعد مقتل أخيه فى سنة ثلاث و ثمانين و مائتين، و هو ابن عشر سنين، فاختلّت الأحوال، و اختلف القوّاد و طمعوا، فانحلّ النظام، و تفرّقت الكلمة، ثم اتّفقوا على أن جعلوا أبا جعفر بن أبي التّركى مدبّر الدولة، و كان مقدّما عند أبيه و جدّه، فأصلح الأحوال جهد طاقته. و جهز جيشا إلى دمشق عليه بدر الحمامى و الحسن بن أحمد الماذرائى، فأصلحا حالها، و قرّرا أمور الشّام، و استعملا على دمشق طغج بن جفّ الفرغانى، و هو والد الإخشيد، و رجعا إلى مصر، و فى الأمور اختلال، و القوّاد قد تغلّبوا، و ضمّ كلّ منهم إلى نفسه طائفة من الجند. و لم يزل الأمر على ذلك إلى سنة إحدى و تسعين و مائتين.

____________

(1) أحدهما نصر بن أحمد بن طولون- النجوم الزاهرة ج 3 ص 93.

(2) تعددت الروايات فى قتله انظر تاريخ الطبرى ج 10 ص 45، الولاة و القضاة ص 242، و الروايات المختلفة التى وردت فى النجوم الزاهرة ج 3 ص 89 و ما بعدها.

34

ذكر انقراض الدولة الطولونية

كان انقراضها فى يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين و تسعين و مائتين و سبب ذلك أن الخليفة المكتفى باللّه‏ (1) ندب محمّد بن سليمان كاتب الجيش فى سنة إحدى و تسعين و مائتين، و خلع عليه و على جماعة من القوّاد، و أمرهم بالمسير إلى الشّام و مصر و انتزاعهما من هارون بن خمارويه، لما ظهر من عجزه و اختلاف أصحابه عليه.

فسار عن بغداد فى شهر رجب، هو و عشرة آلاف، و وصل إلى حدود مصر فى المحرّم سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و وجّه المكتفى أيضا دميانة الرّومى غلام يازمان بالمراكب، فوصل إلى تنّيس‏ (2) و دخل نهر النّيل، فوجه إليه هارون جماعة من القوّاد، فالتقوا، فهزمهم دميانة، و زحف محمّد بن سليمان بالجيوش فى البرّ حتى دنا من مصر، و كاتب من بها من القوّاد، فكان أوّل من خرج إليه و التحق به بدر الحمامى، و هو رئيس القوّاد ففتّ ذلك فى أعضاد المصريّين. و تتابع القوّاد إليه. فلمّا رأى هارون ذلك خرج بمن بقى معه من القوّاد لقتال محمّد بن سليمان، فكانت بينهم حروب، ثمّ وقع بين‏

____________

(1) هو على بن أحمد بن طلحة، أبو محمد، المكتفى باللّه، ولى الخلافة العباسية ببغداد فى الفترة من 289- 295 ه/ 902- 908 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 12.

(2) تنيس: من المدن المصرية القديمة، ما بين الفرما و دمياط، و هى جزيرة ببحيرة المنزلة- القاموس الجغرافى- القسم الأول ص 197- 198.

35

أصحاب هارون فى بعض الأيّام، فاقتتلوا، فخرج هارون ليسكّنهم، فرماه بعض المغاربة بمزراق‏ (1) فقتله، و قيل بل فعل ذلك عمّه شيبان، و ذلك لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر، سنة اثنتين و تسعين و مائتين.

و كانت مدّة ولايته نحوا من تسع سنين تقريبا.

فبايع الأجناد عمّه [14] أبا المقانب شيبان بن أحمد بن طولون، و هو الخامس من ملوك الدّولة الطّولونية، و عليه انقرضت.

قال: و لمّا بويع بذل الأموال للجند فأطاعوه‏ (2)، و قاتلوا معه قتالا شديدا، ثم لم يلبثوا أن وافتهم كتب بدر الحمامى يدعوهم إلى الأمان فأجابوه إلى ذلك. و سار محمّد بن سليمان إلى مصر، فدخلها فى يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين و تسعين و مائتين، فأرسل إليه شيبان يطلب منه الأمان، فأمّنه، فخرج إليه و لم يعلم به أحد من جنده، فلمّا أصبحوا قصدوا دار الإمارة (3) فلم يجدوه، فبقوا حيارى.

و استولى محمّد بن سليمان على مصر، و على منازل آل طولون و أموالهم، و قبض عليهم كلّهم، و هم عشرون رجلا، فقيدهم و حبسهم، و استصفى أموالهم. و كتب بالفتح إلى الخليفة، فأمره بإشحاص آل طولون و أشياءهم‏ (4) من مصر و الشام إلى بغداد، فحملهم و أتباعهم و أنقاض‏

____________

(1) مزراق: ما زرق به، و هو نوع من الرماح، صغير، و يرمى به من اليد- خزانة السلاح ص 38.

(2) «فأطلقوه» فى الكامل ج 7 ص 536.

(3) «قصدوا داره» فى الكامل ج 7 ص 536.

(4) «و أسباهم» فى الأصل، و «و أسبابهم» فى الكامل ج 7 ص 536، تاريخ الطبرى ج 10 ص 119

36

قصورهم، و عاد إلى بغداد، و ولّى معونة (1) مصر عيسى النوشرى‏ (2).

و انقرضت الدّولة الطّولونيّة، و كانت مدّتها من لدن ولاية أحمد بن طولون و إلى آخر أيام أبى المقانب سبعا و ثلاثين سنة و خمسة أشهر و خمسة أيام، و ملك منهم خمسة نفر.

____________

(1) «معاوية» فى الأصل، و التصحيح مما يلى، و من الكامل ج 7 ص 536.

(2) انظر الولاة و القضاة ص 258، و هو عيسى بن محمد النوشرى، الأمير أبو موسى- النجوم الزاهرة ج 3 ص 145.

37

ذكر أخبار من ولى مصر بعد انقراض الدّولة الطولونية و إلى قيام الدّولة الإخشيديّة من الأعمال و ملخّص ما وقع فى أيامهم من الحوادث‏

لمّا انقرضت الدولة الطولونية كما ذكرنا، كان أول من ولى مصر عيسى النوشرى، رتّبه فى ولاية معونتها محمّد بن سليمان الكاتب، فلما سار محمد إلى العراق ظهر بمصر رجل يسمى إبراهيم الخليجى و تغلب عليها.

ذكر إبراهيم الخليجى‏ (1) و ما كان من أمره‏

كان ابراهيم هذا من القوّاد الطّولونيّة، و كان قد تخلّف عن محمّد بن سليمان‏ (2)، فاستمال جماعة و خالف على السّلطان و كثر جمعه. و عجز النوشرىّ عنه، فسار إلى الإسكندرية، و دخل الخليجى مصر. و كتب النوشرىّ إلى المكتفى بالخبر، فندب إليه الجنود مع فاتك مولى المعتضد، و بدر الحمامى، فساروا فى شوّال سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و وصلوا إلى نواحى مصر فى سنة

____________

(1) ورد اسمه فى المصادر بصور مختلفة فهو «ابن الخليج» فى الولاة و القضاة ص 259، و «إبراهيم الخليجى» فى تاريخ الطبرى ج 10 ص 119، و «محمد بن على الخليج» فى المواعظ و الاعتبار ج 1 ص 327، و «و محمد بن على الخلنجى» فى النجوم الزاهرة ج 3 ص 147، و «الخلنجى» فى الكامل ج 7 ص 536.

(2) «كان تخلفه فى دمشق و معه شفيع الخادم الطولونى»- النجوم الزاهرة ج 3 ص 147.

38

ثلاث، فتقدم أحمد بن كيغلغ‏ (1) فى جماعة من القوّاد، فلقيهم الخليجى بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فندب من بغداد جماعة من القوّاد فيهم إبراهيم بن كيغلغ‏ (2) فخرجوا فى شهر ربيع الأول. و اتّصلت الأخبار بقوة الخليجى حتى برز المكتفى باللّه إلى باب الشماسيّة على عزم المسير إلى مصر، ثم التقى القوّاد بالخليجى، و اقتتلوا قتالا شديدا عدة دفعات، كان آخرها أن انهزم الخليجى و دخل فسطاط مصر، و استتر عند رجل من أهلها، و دخل عسكر الخليفة فظفروا به و أخذوه هو و الذى استتر عنده‏ (3) و حبسوهما، و كتبوا بذلك إلى الخليفة، و وجه فاتك إبراهيم الخليجى إلى بغداد، فدخلها هو و من معه فى شهر رمضان، فحبسهم المكتفى.

و استقر عيسى النوشرى بمصر إلى سنة سبع و تسعين و مائتين، فتوفى فى شعبان منها، و حمل إلى البيت المقدس فدفن به.

و استعمل المقتدر (4) على مصر تكين الخاصّة (5) فى منتصف شهر رمضان من السّنة.

____________

(1) ولى حكم مصر مرتين سنة 311 ه/ 923 م، 321 ه/ 933 م- الولاة و القضاة ص 279، 282، وفيات الأعيان ج 5 ص 62- 63، و انظر ما يلى.

(2) توفى سنة 303 ه/ 915 م- وفيات الأعيان ج 5 ص 63.

(3) و ذلك فى رجب سنة 293 ه/ 905 م- الولاة و القضاة ص 262.

(4) هو جعفر بن أحمد بن طلحة، أبو الفضل، المقتدر باللّه، ولى الخلافة العباسية فى بغداد فى الفترة من 295- 320 ه/ 908- 932 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 12.

(5) ولى حكم مصر ثلاث مرات، و توفى بها فى المرة الثالثة سنة 321 ه/ 933 م- وفيات الأعيان ج 5 ص 62، و انظر ما يلى.

39

و فى سنة ثلاثمائة ندب تكين عسكرا و جعل مقدمه أبا النمر (1) أحمد بن صالح، فمضى إلى برقة و التقى مع عسكر حباسة قائد المهدى، و أبلى بلاء حسنا، ثم صرفه تكين و ولى حر المنصورى فمضى إلى برقة فوجد أبا النمر موافقا لحباسة، فلمّا علم أبو النمر بعزله تخاذل حنقا (2) على تكين، فاغتنم حباسة الفرصة و حاربهما، فكسرهما، و عادا إلى مصر.

ذكر استيلاء حباسة على الإسكندريّة

[15] و فى المحرم سنة اثنتين و ثلاثمائة سار حباسة قائد المهدى من برقة و دخل الإسكندرية و ملكها، فوصل من بغداد أحمد بن كيغلغ، و أبو قابوس محمود بن حمد، و القاسم بن سيما، فى جمع من القواد و العساكر، و كان وصولهم فى العشرين من صفر، فخرج بهم تكين إلى الجيزة فى يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الأولى فعسكر بها، و سار حباسة من الإسكندرية بعسكر مستوفى، و نودى فى فسطاط مصر بالنّفير فى العشرين من الشهر، فخرج الناس إلى الجيزة، و لم يتخلف أحد من الخاصّة و العامّة، و تقدم حباسة فى جيوشه و التقى الفريقان و كثرت القتلى بينهم، فقتل أكثر رجال حباسة، و انهزم بمن بقى معه.

ثم قدم مؤنس الخادم من العراق فى منتصف شهر رمضان من السّنة، و معه جمع من الأمراء، و أمر أحمد بن كيغلغ بالمسير إلى الشام، و صرف‏

____________

(1) هكذا بالأصل، و الولاة و القضاة ص 268، و «أبو اليمن» فى المواعظ و الاعتبار ج 1 ص 327، و «أبو اليمنى» فى النجوم الزاهرة ج 3 ص 172.

(2) «حمقا» فى الأصل و التصحيح يتفق و سياق الكلام.

40

تكين الخاصّة عن ولاية مصر لأربع عشرة ليلة خلت من ذى القعدة. فكانت مدة ولايته خمس سنين و شهرين.

و فى سنة ثلاث و ثلاثمائة قدم أبو الحسن ذكا (1) الأعور الرومى أميرا على مصر، و ذلك لاثنتى عشرة ليلة خلت من صفر، و خرج مؤنس بجيوشه إلى العراق لثمان خلون من شهر ربيع الأول، و خرج ذكا إلى الإسكندرية لإصلاحها، و جعل فيها ولده مظفرا و تتّبع من كان يذكر بمكاتبة المهدى، فحبس جماعة منهم، و قطع أيدى جماعة و أرجلهم.

ذكر وصول أبى القاسم بن المهدى إلى الدّيار المصريّة و استيلائه على الإسكندرية و الفيّوم و الأشمونين‏

و فى سنة سبع و ثلاثمائة، فى الثانى من صفر، وصل أبو القاسم بن المهدى بجيوش المغرب إلى الإسكندريّة و ملكها. و هى الدّفعة الثّانية، فإنه كان قد قدم فى سنة إحدى و ثلاثمائة و ملكها أيضا، ثم عاد إلى أفريقية.

و وافق وصوله الآن و الجند مخالفون لذكا أمير مصر، فتقاعدوا عن الخروج معه للقاء عسكر المهدى، فخرج إلى الجيزة فى عسكر قليل فى النّصف من صفر، و ابتنى حصنا بالجيزة، و احتفر خندقا على عسكره، ثم صرف ذكا، و توفّى لليلة خلت من شهر ربيع الأول من السنة، و كانت مدة إمارته أربع سنين و أياما.

____________

(1) «دعا» فى الأصل، كما ورد فى الأصل بعد ذلك «وكا»، و التصحيح هنا و فيما يلى من الولاة و القضاة ص 273، النجوم الزاهرة ج 3 ص 186.

41

و قدم أبو قابوس محمود بن حمد أمير الشام بعساكره نصرة لعساكر مصر، فكان قدومه لثمان خلون من شهر ربيع الأول، و نزل الجيزة، ثمّ قدم إبراهيم بن كيغلغ لسبع بقين من شهر ربيع الآخر. و دخل تكين الخاصّة متولّيا لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع و ثلاثمائة، و نزل الجيزة، و حفر خندقا ثانيا، و أقبلت مراكب المهدى صاحب إفريقيّة، و هى مائة مركب حربيّة (1)، و عليها سليمان الحاكم‏ (2)، فبعث تكين إلى بمال الخادم أمير طرسوس أن ينجده، فحضر إليه فى مراكبه‏ (3)، و انتهى إلى ثغر رشيد، و التقت مراكبه بمركب المهدىّ لعشر بقين من شوال من السنة، و كان بينهم حرب شديدة، و هبّت ريح على مراكب المهدىّ فألقتها إلى البر، و تكسّر أكثرها، و أسر من فيها، و قتل منهم خلق كثير، و دخل من بقى منهم إلى الفسطاط، و هم سبعمائة نفر، فقتلوا عن آخرهم.

و قدم مؤنس الخادم من بغداد فى الخامس من المحرم سنة ثمان و ثلاثمائة (4)، و تولّى إمرة مصر من بغداد هلال بن بدر، و دخلها فى السّادس من ربيع الآخر سنة تسع و ثلاثمائة، و أقام إلى سنة (5) عشرة،

____________

(1) «ثمانون مركبا» فى اتعاظ الحنفا ج 1 ص 71.

(2) هكذا بالأصل، و «عليها سليمان الخادم و يعقوب الكنافى» فى اتعاظ الحنفا ج 1 ص 71، و انظر أيضا الولاة و القضاة ص 276.

(3) فى اتعاظ الحنفا أن الخليفة المقتدر هو الذى أمر بإرسال مراكب طرسوس ج 1 ص 71.

(4) «و صرف تكين عن مصر يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول سنة تسع و ثلاثمائة و ولى مؤنس عليها أبا قابوس محمود بن حمك فأقام عليها أياما، ثم رد تكين عليها يوم الجمعة لخمس بقين من ربيع الأول فأقام أربعة أيام»- الولاة و القضاة ص 278.

(5) «و أقام إلى ست عشرة» فى الأصل، و التصحيح من الولاة و القضاة ص 279.

42

فشغب‏ (1) عليه الجند، و كثر النهب و القتل و الفساد بمصر فصرف هلال عن مصر فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة. فكانت مدة ولايته نحو سنتين.

و تولى مصر أحمد بن كيغلغ فقدمها فى شهر رجب من السنة، فأقام بمنية الأصبغ‏ (2)، و أحضر الجند، و وضع العطاء فيهم، و أسقط كثيرا من الرّجاله، فسعت الرجال عليه، و خرجوا لقتاله، فانتقل إلى فاقوس و أقام بها إلى أن قدم رسول تكين الخاصّة بولاية مصر، و ذلك فى ذى القعدة من السّنة.

و قدم تكين من العراق لعشر مضين من المحرم سنة ثنتى عشرة و ثلاثمائة، فكان بها إلى أن توفى فى السادس من شهر ربيع الآخر سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة، و حمل إلى بيت المقدس فدفن هناك، فكانت مدة ولايته هذه تسع سنين و أربعة أشهر إلا أربعة أيام، و استخلف ابنه محمد، و كان الوزير بمصر و المتولّى لخراجها يومئذ محمد بن على الماذرائى‏ (3) فوقع بينه و بين محمد

____________

(1) «فشعت» فى الأصل، و التصحيح من الولاة و القضاة ص 279.

(2) منية الأصبغ: قرية تنسب إلى أبى ريان أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أنشأها على الخليج المصرى عرفت باسمه، و عرفت فى العصر الفاطمى بقرية الخندق، و هى فى شرق القاهرة حاليا بوسط منطقة دير الملاك، القاموس الجغرافى- القسم الأول ص 428.

(3) اختلفت المصادر- فى رسم هذا الاسم، ففى الأصل، و عقد الجمان، «الماردانى»، و فى المواعظ و الاعتبار «المادرانى»، و «الماذرائى» فى الولاة و القضاة ص 244.

و نسبت هذه الأسرة إلى ماذاريا: من أعمال البصرة، و يقول ياقوت: ينسب إليها الماذرائيون، كتاب الطولونية بمصر- معجم البلدان.

و لذلك تم تصحيح الاسم هنا و فى المواضع التالية.

43

ابن تكين فتنة لأربع بقين من الشهر، و انتشرت حتى قامت الحرب بينهما، و قتل فيها جماعة من الفريقين و أحرق دور الماذرائى الوزير و جماعة من أصحابه [16] و خرج محمد بن تكين هاربا من مصر، و دعى بمصر لمحمّد ابن طغج بن جفّ الإخشيدى فى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السّنة، ثم دعى لأحمد بن كيغلغ‏ (1) فى شوال من السنة، ثم رجع محمد بن تكين إلى مصر فى يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من صفر سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة، و أقام بالجيزة أياما، و دخل دار الإمارة بمصر، و استقر بها لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، و دعى له بالأمارة ثمّ وقع بينه و بين عرب المغاربة حرب انجلت‏ (2) عن انهزامهم إلى الصّعيد، و أقام محمد بن تكين ثلاثة أشهر و اثنين و عشرين يوما، ثم هرب مع جماعة من أصحابه لخمس خلون من شهر رجب. و دخل أحمد بن كيغلغ فى يوم السّبت السّادس من الشهر، ثم رجع محمد بن تكين لقتاله لثلاث بقين منه، و كان بينهما حرب انجلت‏ (3) عن انهزام محمد بن تكين، ثم نفى بعد ذلك إلى الصعيد، فلم يزل هناك إلى أن جاء محمّد بن طغج.

____________

(1) «لمحمد بن كيغلغ» فى الأصل، و هو تحريف، و التصحيح من الولاة و القضاة ص 282، النجوم الزاهرة ج 3 ص 242، و مما يلى.

(2) «أجلت» فى الأصل، و التصحيح يتفق و سياق الكلام، و ما جاء فى الولاة و القضاة ص 282.

(3) «أجلت» فى الأصل، و التصحيح يتفق و سياق الكلام، و ما جاء فى الولاة و القضاة ص 282.

44

ذكر أخبار الدولة الإخشيدية و ابتداء أمر من قام بها و كيف كان سبب ملكه و قيامه و من ملك بعده إلى أن انقرضت أيامهم‏

كانت هذه الدّولة بمصر و الشام، و هى من الدّول المشهورة. و أول من ولى من ملوكها الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج. و اسم طغج عبد الرحمن ابن جفّ بن يلتكين بن فورى‏ (1) بن خاقان الملك، و هو من فرغانة، و كان طغج من القواد الطّولونيّة، و تولّى لخمارويه بن أحمد [بن طولون‏] (2) دمشق و الشام. و لما مات طغج ترك من الأولاد أبا بكر محمدا الإخشيد، و أبا القاسم عليّا، و أبا المظفر الحسين، و أبا الحسن عبيد اللّه، و كان أبو بكر أكبرهم فتولّى الولايات و تنقل فى المراتب إلى أن ملك مصر و الشام.

و كان ابتداء ولايته الدّيار المصرية و الدعاء له بها فى يوم الجمعة لاثنتى عشر ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة، كما قدمناه، و لم تثبت ولايته هذه. ثم دعى لأحمد بن كيغلغ، و كان ما ذكرناه، ثم ولى مصر فى سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة فى خلافة الرّاضى باللّه‏ (3)

____________

(1) «بن قروى» فى الأصل، و التصحيح من وفيات الأعيان- انظر ترجمة أبو بكر محمد بن أبى محمد طغج ج 5 ص 56 رقم 689.

(2) [] إضافة للتوضيح.

(3) هو أحمد بن جعفر المقتدر باللّه، أبو العباس الراضى باللّه، ولى الخلافة العباسية فى بغداد فى الفترة من 322- 329 ه/ 934- 940 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 12.

45

و كانت هذه الولاية مفتعلة فى ابتدائها، و ذلك أن التقليد من دار الخلافة ببغداد خرج باسم محمد بن تكين الخاصّة، و كان بن طغج بالسّاحل فقبض على الرّسول الواصل من دار الخلافة و أخذ منه التّقليد و كشط «تكين» و كتب «طغج» و أنفذ التقليد إلى مصر فورد فى يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان، فاعتزل أحمد بن كيغلغ النّظر، و امتنع محمد ابن على الماذرائى الوزير من التسليم له، و كان غالبا على أمر أحمد [بن كيغلغ‏] (1)، و عزم على قتال محمد بن طغج، فبلغه ذلك، فبعث صاعد بن كلملم بمراكب كثيرة من ساحل الشام، و سار هو فى البرّ، فقدمت عساكره مصر برّا و بحرا، و وصل صاعد إلى الجيزة فى يوم الخميس لخمس بقين من شعبان، و أقام خمسة أيام، و أحرق الجسر، و وصل الإخشيد إلى مصر فلقيه محمد بن على الماذرائى الوزير و أحمد بن كيغلغ و محمد بن عيسى النوشرى و برزوا لقتاله. فلما تصافّوا للقتال انحاز أحمد بن كيغلغ و انضم إلى الإخشيد، و قاتل الماذرائى و ابن النوشرى قتالا شديدا، ثم انهزما إلى الفيوم.

و دخل الإخشيد مصر بعد القتال فى يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان من السنة، فندب صاعدا لقتال الماذرائى و ابن النوشرى، فوقع بينهما حرب انجلت‏ (2) عن قتل صاعد و هرب النوشرى إلى برقة، و راسل القائم‏ (3)

____________

(1) [] إضافة للتوضيح.

(2) «أجلت» فى الأصل، و التصحيح يتفق و سياق الكلام، و ما ورد فى الولاة و القضاة ص 287.

(3) هو الخليفة الفاطمى الثانى بالمغرب، و هو القائم باللّه أبو القاسم محمد، ولى الخلافة بالمغرب فى الفترة من 322- 334 ه/ 934- 945 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 133.

46

صاحب إفريقية يطلب نجدة، فسير إليه عسكرا عليه أبو تازرت‏ (1) فدخلوا الإسكندرية و ملكوها، فخرج إليهم أبو المظفر الحسين بن طغج و معه صالح ابن نافع، و وقع بينهم القتال، فانهزم النوشرى و عسكر المغاربة، و قتلوا أبو تازرت، و أسر عامر المجنون، و جماعة منهم. و أما محمد بن على الماذرائى الوزير فإنه استتر، و دام استتاره إلى أن دخل الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة و تلقاه الإخشيد، و زينت له مصر، فأخرجه. ثم وصل التقليد من دار الخلافة لمحمد بن طغج فى سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة.

و فى سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة نعت الخليفة الراضى باللّه محمّد بن طعج بالإخشيد بسؤال منه فى ذلك. و معنى الإخشيد ملك الملوك.

و فى سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام و اجتمع بالخليفة المتقى‏ (2) باللّه بالرّقة، و خدمه، و مشى بين يديه، و سأله المسير معه إلى مصر [17] و خوّفه من توزون التّركى، فلم يقبل منه. فضمّ إليه الإخشيد عسكرا و قائدا من قوّاده و رجع الإخشيد إلى الشام، ثم إلى مصر. و ولّاه المتقى مصر و الشام و الحرمين، و عقد لولديه من بعده،

____________

(1) «أبو بارزت» فى الأصل، و التصحيح من الولاة و القضاة ص 288.

(2) «الملتقى باللّه» فى الأصل، و هو تحريف.

و هو أبو إسحاق إبراهيم المتقى باللّه، ولى الخلافة العباسية فى بغداد فى الفترة من 329- 333 ه/ 940- 944 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 12.

47

أنوجور و على، على أن يكفلهما (1) كافور الخصىّ. و كان عود الإخشيد إلى مصر فى يوم الأحد الثالث عشر من جمادى الأولى، و أخذ البيعة على الناس لولده أبى القاسم أنوجور لليلتين بقيتا من ذى القعدة منها.

____________

(1) «اونجور و على، و على ان يكلفهما» فى الأصل، و هو تحريف، و سيجرى تصحيح اسم أنوجور فيما يلى طبقا لضبطه فى عقد الجمان و هو «بفتح الهمزة و ضم النون و الجيم بعدها و قبلها واو ساكنة»

48

ذكر مسير الإخشيد إلى الشام و وفاته و شي‏ء من أخباره و سيرته‏

و فى خامس شعبان سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام و التقى بأصحاب ابن حمدان‏ (1)، على لدّ (2)، و هزمهم. ثم سار إلى حمص و قاتل سيف الدولة بن حمدان، و مضى إلى حلب. ثمّ وقع الصلح بينهما، و تسلم الإخشيد من سيف الدّولة حلب و حمص و أنطاكية (3)، و تزوج سيف الدولة بنت عبيد اللّه بن طغج أخى الإخشيد. ثم عاد الإخشيد إلى دمشق فتوفّى‏ (4) بها فى يوم الجمعة لثمان بقين من ذى الحجّة سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة، و كان عمره ستّا و ستين سنة و خمسة أشهر و سبعة أيّام، و كانت مدة ولايته الثانية (5) من لدن دخوله إلى مصر و إلى حين وفاته إحدى عشرة سنة و ثلاثة أشهر إلّا يوما واحدا.

قال التنوخى‏ (6): و كان الإخشيد حازما شديدا، يتيقّظ فى حروبه،

____________

(1) هو على بن عبد اللّه بن حمدان، سيف الدولة، أبو الحسن حكم حلب فى الفترة 333- 356 ه/ 944- 967 م- تاريخ الدول الإسلامية ص 244.

(2) لدّ: بالضم و التشديد: هى مدينة اللد، من فلسطين- معجم البلدان.

(3) عن تفاصيل الصراع بين الإخشيد و سيف الدولة انظر الكامل ج 8 ص 445، النجوم الزاهرة ج 3 ص 254- 256، الولاة و القضاة ص 292، مصر فى عصر الإخشيديين ص 367- 372.

(4) «فتولى بها» فى الأصل، و هو تحريف، و التصحيح من الولاة و القضاة ص 293.

(5) «الأولى» فى الأصل، و التصحيح يتفق و سير الأحداث- انظر ما سبق.

(6) هو المحسن بن أبى القاسم على بن محمد، القاضى أبو على التنوخى، صاحب كتابى الفرج بعد الشدة، و جامع التواريخ المسمى بكتاب نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة، و المتوفى سنة 384 ه/ 994 م- وفيات الأعيان ج 4 ص 159 رقم 557.

49

حسن التّدبير، مكرما للأجناد، أيدا (1) فى نفسه، لا يكاد يجرّ قوسه الأفذاذ من النّاس لقوّته، حسن السيرة فى رعيّته، و كان جيشه يحتوى على أربعة آلاف رجل، و له ثمانية آلاف مملوك، يحرسه فى كل ليلة منهم‏ (2) ألفا مملوك.

و كان إذا سافر يتنقّل فى الخيام عند النّوم حتى كان ينام فى خيمة الفرّاشين.

قال و ترك الإخشيد سبع بيوت مال، فى كل بيت مال منها ألف ألف دينار من سكّة واحدة.

أولاده: أبو القاسم أنوجور، أبو الحسن على.

كتّابه: أبو جعفر بن المنفق، و ابن قوماقس، و ابن الرودبارى.

و لما مات ملك بعده ابنه أنوجور.

ذكر ولاية أبى القاسم أنوجور

و معنى أنوجور محمود؛ ابن أبى بكر محمد بن طغج، و هو الثانى من ملوك الدّولة الإخشيديّة.

كانت ولايته بالشام بعد وفاة أبيه لثمان بقين من ذى الحجة سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة، و بويع له بمصر عند ورود الخبر بوفاة الإخشيد فى اليوم الثانى من المحرّم سنة خمس و ثلاثين، و عمره يومئذ اثنتا عشرة سنة. و قام ببيعته الوزير أبو بكر محمد بن على بن مقاتل‏ (3). و كان أبو المظفّر الحسن بن‏

____________

(1) د، يئيد، أيدا: اشتد و قوى و صلب- القاموس.

(2) «منها» فى الأصل، و التصحيح يتفق و السياق، فالضمير عائد على ثمانية آلاف مملوك.

(3) هو صاحب خراج مصر يومئذ- الولاة و القضاة ص 294، النجوم الزاهرة ج 3 ص 291.

50

طغج بمصر فقبض على الوزير محمد بن على المذكور فى ثالث المحرّم، و عزله، و ولّى الوزارة (1) محمد بن على الماذرائى، و حبس ابن مقاتل، فلم يزل فى الاعتقال إلى أن قدم كافور بالعسكر من الشام فأفرج عنه. و كان قدوم كافور بالعسكر فى يوم الثلاثاء لثمان مضين من صفر سنة خمس و ثلاثين.

ثم خرج كافور بالعسكر إلى الشّام و مقدّمه أبو المظفّر بن طغج، أخو الإخشيد، و ذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأوّل. و كان سبب خروجه أن سيف الدّولة بن حمدان طمع فى ملك الشام لمّا توفى الإخشيد، فسار إلى دمشق و ملكها، ثم سار إلى الرّملة فلقيه كافور بها و قاتله، و كانت الهزيمة على ابن حمدان. و استعاد الإخشيديّة ما كان سيف الدولة استولى عليه، و أقام كافور بالشّام.

ذكر قيام أبى نصر علبون بن سعيد المغربى و ما كان من أمره‏

كان قيامه فى سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة، و كان يتولى عمل اسيوط و أخميم من صعيد مصر، فعزله [18] كافور عنهما و هو بالشّام، فامتنع، و طمع لخلوّ البلاد من الأستاذ كافور، فندب إليه عسكرا فهزمهم غلّبون، و هزم عسكرا ثانيا، و تقوّى بما أخذه منهم. ثم سار إلى الشّرقيّة فى أواخر السّنة ثم سار منها و نزل على بركة الحبش‏ (2) فخرج إليه جماعة من الإخشيديّة

____________

(1) «و ولى مكانه على الخراج» فى النجوم الزاهرة، «و جعل مكانه» فى الولاة و القضاة.

(2) بركة الحبش: من أجل متنزهات مدينة الفسطاط، و كانت تعرف ببركة المغافر و حمير، و تعرف باصطبل قامش، و كانت فى ملك أبى بكر محمد بن على الماذرائى- المواعظ و الاعتبار ج 2 ص 152.

51

فهزمهم. فرحل عند ذلك أبو القاسم أنوجور و أخوه و أهلهما (1)، و الوزير إلى الشام، و أخليت دار الإمارة، فدخل غلبون مصر و سيّر عسكرا إلى أبى القاسم فتبعه إلى مسجد تبر (2). و مسك الوزير محمّد بن الماذرائى و جي‏ء به إلى غلبون، فلما رآه أطلقه.

و سار أبو القاسم نحو الشّام، فلقيه مرتاح الشّرابى فى أثناء الطّريق، و قد قدم من قبل كافور فى جماعة من الإخشيديّة، فردّه. و عاد أبو القاسم إلى مصر بالعسكر فوجدوا غلبون و قد تفرّق عنه أصحابه فى البلد، فحاربهم فى نفر يسير، فانهزم. و دخلوا دار الإمارة، فوجدوا الوزير ابن الماذرائى، فهمّوا بقتله، فأخذه القائد منجح و خبأه عنده، و نهبت دوره و أحرق بعضها.

و وصل الخبر إلى كافور بالشّام فقبض على ولده، و استوزر عوضا عنه أبا الفضل جعفر (3) بن الفرات المعروف بابن حنزابة، ثم قدم الأستاذ كافور من الشّام فى شهر رمضان، سنة ست و ثلاثين، فأطلق الوزير ابن الماذرائى و أكرمه، و ردّ عليه ضياعه و أملاكه، و استوزر محمد بن على بن مقاتل.

و فى سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة لستّ خلون من صفر زلزلت مصر، و تتابعت الزّلازل بها، فتهدّم أكثر دورها، و سقط من الجامع العتيق بمصر

____________

(1) «و أهليهم» فى الأصل و التصحيح يتفق و سياق الكلام.

(2) مسجد تبر: خارج القاهرة، و عرف قديما بالبئر و الجميزة، و تسميه العامة مسجد التبن و هو خطأ، و موضعه خارج القاهرة من المطرية- و تبر أحد الأمراء الأكابر فى أيام كافور- المواعظ و الاعتبار ج 2 ص 413.

(3) هو جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، المعروف بابن حنزابة، توفى سنة 391 ه/ 1000 م- وفيات الأعيان ج 1 ص 346 رقم 133.

52

قطعة، و توالت الزّلازل فى سنة أربعين أيضا ثلاثة أيام متوالية، و خسف بعض القرى و هلك من كان بها.

فقال محمد بن عاصم من قصيدة مدح بها كافور جاء منها:

ما زلزلت مصر من سوء يراد بها * * * و إنّما رقصت من عدله فرحا

و فى سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة انقضّت نار من السّماء فأحرقت أكثر دور مصر.

ذكر وفاة الوزير أبى بكر محمد بن الماذرائى و شي‏ء من أخباره و مآثره‏

و فى شوال من سنة خمس و أربعين و ثلاثمائة مات الوزير أبو بكر محمد بن على بن أحمد بن إبراهيم الماذرائى، وزر (1) الخماروية بن أحمد و لغيره من أمراء مصر، و مولده بالعراق سنة سبع و خمسين و مائتين، و كان له ضياع و أملاك، قيل إن مقدار ارتفاعها (2) فى كل سنة أربعمائة ألف دينار. و واصل الحجّ من سنة إحدى و ثلاثمائة إلى سنة اثنتين و عشرين، و كان ينفق فى كل حجة مائة ألف و خمسين ألف دينار، و كان يحمل معه أحواضا من الخشب على الجمال، مزروع فيها الخضروات، و كان لا ينصرف عن الحجاز إلا و قد استغنى فقراؤه. ثم واصل الحج من سنة نيّف و عشرين إلى سنة أربعين. و قام أربعين سنة يصوم.

____________

(1) «وزير» فى الأصل، و التصحيح يتفق و سياق الكلام.

(2) ارتفاعها: إيرادها.

53

و قال المسبّحى فى تاريخه‏ (1): حبس هذا الوزير على مكة و المدينة ضياعا ارتفاعها نحو مائة ألف دينار فى كل سنة، منها كورة سيوط، و منها نوير، و منها بركة الحبش. و حبس أيضا عليهما بالشام. و قال فى كتب وقفه: من بدلها فرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) خصمه. (رحمه الله تعالى).

و فى سنة ثمان و أربعين و ثلاثمائة خالف شبيب العقيلى، و كان واليا على الرّملة و الساحل، و سار إلى دمشق و فتحها، و دخل إليها من باب الجابية، فوقع عن فرسه ميّتا، و اختلف فى موته، فقيل إن امرأة أرخت عليه حجر طاحون، و قيل بل مات حتف أنفه، و اتّصل الخبر بالأستاذ كافور فسكن بعد قلق عظيم. و اللّه أعلم.

ذكر وفاة أبى القاسم أنوجور و ولاية أخيه أبى الحسن على بن الإخشيد

كانت وفاته لسبع‏ (2) خلون من ذى القعدة سنة تسع و أربعين و ثلاثمائة، و كانت مدّة وقوع اسم الملك عليه أربع عشرة سنة و عشرة أشهر و أيّاما. و كان كافور هو الغالب على أمره و الحاكم [19] فى دولته، و ليس لأبى القاسم معه إلا مجرّد الاسم.

____________

(1) هو محمد بن عبيد اللّه بن أحمد، الأمير المختار عز الملك المسبحى، المتوفى سنة 420 ه/ 1029 م، صاحب كتاب أخبار مصر، و لم يصل إلينا منه سوى الجزء الأربعين و يتناول أحداث سنتى 414، 415 ه، و نشره أيمن فؤاد سيد، و تيارى بيانكى- المعهد العلمى الفرنسى بالقاهرة 1978.

(2) «لثمان» فى الولاة و القضاة ص 296، «سابع أو ثامن» فى النجوم الزاهرة ج 3 ص 293.

54

و لما مات عقدت البيعة بعده لأخيه أبى الحسن علىّ فى يوم الأحد لثمان خلون من ذى القعدة، فجرى الأستاذ كافور معه على قاعدته مع أخيه، و زاد على ذلك بأن حجبه و منعه من الظّهور إلى النّاس إلّا معه.

و لم يزل الأمر على ذلك إلى أن توفّى لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس و خمسين‏ (1) و ثلاثمائة، و كان مدة ملكه خمس سنين و شهرين و أيّاما، و قيل: إنّ وفاته كانت فى هذا التاريخ من سنة أربع و خمسين، و كان مولده لأربع بقين من صفر سنة ستّ و عشرين و ثلاثمائة، و خلّف ولدا واحدا و هو أبو الفوارس أحمد.

ذكر ولاية أبى المسك كافور الخصىّ الإخشيدى و استقلاله بملك مصر دون شريك و لا منازع‏

كانت ولايته بعد وفاة أبى الحسن على، ابن سيده، لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة. و قيل فى هذا التاريخ من سنة أربع و خمسين.

قال الفرغانى المؤرخ: لمّا توفى علىّ بن الإخشيد استدعانى كافور و قال لى: ما ترى أن أصنع؟ فقلت له: أيها الأستاذ إنّ للمرحوم عندك صنائع و آثارا تقتضى أن ينظر لعقبه؛ و الرأى عندى أن تنصب أحمد بن الأمير علىّ مكان‏ (2) أبيه، و تدبر أنت الدولة كما كنت. فاعتذر بصغره، فقلت: قد

____________

(1) اتفق على هذا التاريخ الكندى: الولاة و القضاة ص 296، و ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ج 3 ص 326.

(2) «ما كان» فى الأصل، و التصحيح يتفق و السياق.