نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج29

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
495 /
5

الجزء التاسع و العشرون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تمهيد

باسم اللّه، و الحمد للّه، و بعد:

فقد عهد إلىّ تحقيق هذا الجزء (التاسع و العشرين) من موسوعة «نهاية الأرب» للنّويرى (أحمد بن عبد الوهاب- المتوفّى سنة 733 ه.): الأديب المؤرخ- إعدادا لنشره.

و لما شرعت فى العمل، لم أجد فى أول الأمر غير نسخة مخطوطة واحدة لهذا الجزء، هى النسخة التى أخذت بالتصوير الشمسى عن الأصل المحفوظ بمكتبة «كوبريلي» بالأستانة، و هى موجودة بدار الكتب المصرية، و هى التى نرمز إليها بحرف (ك). فعند المراجعة تبيّن لى أن هذه النسخة (ك) تحتوى على أخطاء عديدة، كما أن هناك نقصا فى بعض الكلمات أو العبارات. و لم يكن هناك سبيل لمعرفة صواب هذه الأخطاء، أو إكمال النقص، إلا بالرجوع إلى المصادر الأخرى التى كتبت عن هذا العصر- و لا سيما كتب المعاصرين للفترة، أو من تلاهم- فرجعت إلى «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزى و هو «أبو المظفّر»، الذى يشير إليه المؤلف و ينقل عنه كثيرا فى المتن، و كان معاصرا للدولة الأيوبية، كما رجعت إلى «الذّيل على الرّوضتين» لأبى شامه المؤرخ المعروف، و كان معاصرا أيضا- و ان كان يتأخر فى الزمن قليلا عن ابن الجوزى- و إلى كتاب «الرّوضتين» أيضا لنفس المؤرخ، و كذلك كتاب «مفرّج الكروب» لابن واصل، و كتاب «السّلوك» للمقريزى و «النجوم الزاهرة» لابن تغرى بردى، ثم كتب التاريخ و التّراجم مثل: «الكامل» لابن الأثير و «وفيات الأعيان» لابن خلّكان، و «حسن المحاضرة» للسّيوطى و هكذا.

6

و مع ذلك، فما كان يمكن أن نعتبر أن التحقيق قد تمّ، أو بلغ الدرجة التى نشعر فيها بالتّقة، إلا إذا وجدت نسخة أخرى مخطوطة للأصل. و قد تم نقل صورة شمسية عن نسخة محفوظة بمعهد مخطوطات جامعة الدول العربية و تبين أن هذه النسخة بخط المؤلف «النويرى» نفسه! فحينئذ وصل التحقيق إلى مرحلته النهائية. و هذه النسخة الثانية نرمز إليها بحرف (ع) و بمراجعتها على النسخة (ك) اكتشفنا أن هذه ناقصة بعض الكلمات و العبارات، بل ناقصة بضع صفحات كاملة، و ذلك فى أحداث سنتى: 619 و 620 ه، و لما كانت النسخة (ع) هى بخط المؤلف فقد جعلناها الأصل المعتمد للتحقيق، فهى أقدم و أثبت، و جعلنا النسخة الأخرى (ك) مساعدة لها. و من ثم أكملنا النقص الذى أشرنا إليه، و نقلنا الصفحات من النسخة (ع)، و ساعدتنا هذه أيضا على تصحيح كثير من الألفاظ. لم يكن من اليسير الوصول إلى صوابها بغيرها، و إن كانت هذه النسخة من وجه آخر، غير حسنة الخط، و تترك كلمات كثيرة بدون نقط، فالأولى تفوقها فى حسن الخط و ظهوره، كما وجدنا أن النسخة (ع) بدورها ناقصة بضع صفحات، فعلى العموم كانت كل منهما مكمّلة للأخرى. و بهما، و بالمصادر السابقة و غيرها، وصلنا إلى اكمال و تصويب المتن إلى أقصى درجة ممكنة.

و كان لا بدّ من تنظيم المتن، و تقسيمه إلى فقرات، و تحديد الجمل بالفواصل، و ضبط أسماء الأعلام و الأماكن، و غيرها من الكلمات التى تحتاج إلى الضّبط، حتى تكون قراءة المتن سهلة، و يمكن الإفادة منها. و كان من الضرورى بعد ذلك- و هذه هى المرحلة الثانية فى المهمة- إكمال المتن بشرح ألفاظه، و التعليق على الأحداث، و المصطلحات التّاريخيّة، و تحديد المواضع الجغرافية، و التعريف بالأعلام الواردة فيه بنبذ موجزة، حتى تتّضح معانى الوقائع، و تظهر روح العصر الذى حدثت فيه، و تزيد الفائدة العلمية للكتاب.

7

و هذه الحقبة التى يتناولها هذا الجزء من كتاب «النويرى»- تمتد من عام 596 ه: من بدء دخول «العادل» أبى بكر بن أيوب القاهرة، ليبدأ ملكه و ملك أسرته فيها، ثم فى الأقطار المجاورة: فلسطين و سوريا و لبنان و العراق و الجزيرة، و اليمن أيضا- حتى آخر سنة 658 ه: أى بدء عهد الظاهر بيبرس.

فهى حقبة تبلغ أكثر من ستين عاما و تشمل أحداثا هامة من تاريخ مصر و الشرق العربى، فهى تضمّ جزءا من تاريخ الحروب الصّليبيّة، و تاريخ الدولة الأيّوبيّة فى مصر و الشام و الجزيرة منذ بدء عهد العادل، ثم نهاية هذه الأسرة و قيام دولة المماليك، و غزو التّتار و موقعة عين جالوت، و غير ذلك. هذا إلى الجوانب الأدبية و الاجتماعية.

و نأمل أن نكون قد أدّينا مهمتنا التى عهد إلينا بها على الوجه الذى يحقق أكبر فائدة. و العصمة للّه وحده، و باللّه تعالى التّوفيق.

القاهرة صفر 1383 يوليه 1963 محمد ضياء الدين الريس‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]

[ذكر أخبار الدولة الأيوبية]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

ذكر أخبار السّلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، و سلطنته‏

كان دخول السلطان الملك العادل إلى القاهرة فى يوم السبت، لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، سنة ستّ و تسعين و خمسمائة- فى يوم خروج الملك الأفضل‏ (1) منها.

فاستبقى رضاء الأمراء النّاصريّة (2)، بإبقاء الخطبة للملك المنصور بن‏

____________

(1) هو الملك الأفضل (على نور الدين) الابن الأكبر للسلطان صلاح الدين.

كان الاتفاق قد تم بينه و بين عمه العادل- بعد هزيمة الأفضل فى السابع من ربيع الآخر سنة 596 ه- على أن يسلم للعادل البلاد و يأخذ عنها بعض نواح فى المشرق، فنفّذ ذلك و خرج الأفضل من القاهرة ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر هذه السنة- كما هو فى المتن.

(2) هم الأمراء الصلاحية، أى أتباع الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. و كانوا يؤيدون العادل، و اتفقوا معه على أن يتوجه إلى مصر ليكون هو الوصى على المنصور بن العزيز- و كان لم يبلغ العاشرة من عمره بعد- بدلا من الأفضل، على أن يسلّم إليه الأمر بعد ما يكبر، و حلفوا على ذلك.

10

الملك العزيز. و أعاد قاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس‏ (1)، إلى القضاء- و كان الأفضل قد عزله و استقضى زين الدّين علىّ بن يوسف‏ (2).

و استدعى الملك العادل ابنه الملك الكامل من حرّان‏ (3) إلى الديار المصرية، ليستنيبه بها. فسلّم تلك الولاية لأخيه الملك الفائز، و وصل إلى دمشق، فى سادس عشر شعبان من السنة- و معه شمس الدين، المعروف بقاضى دارا، و هو وزيره. و خرج من دمشق فى الثالث و العشرين من الشهر، و وصل إلى القاهرة لثمان بقين من شهر رمضان. فالتقاه والده و أنزله بالقصر. ثم ركب إليه بعد يومين، و استصحبه معه إلى الدار- و كان قد زوّجه بابنة عمه الملك الناصر، فدخل بها.

____________

(1) هو صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردى الشافعى. كان قاضى قضاة مصر فى عهد السلطان صلاح الدين، ولّاه صلاح الدين المنصب فى عام 566 ه بعد أن عزل رئيس قضاة الفاطميّين. كان الأفضل قد عزله، فكان من أول أعمال العادل إعادته إلى منصبه.

(مفرج الكروب: ج 1- ص 198 حسن المحاضرة: ج 2- ص 93)

(2) هو زين الدين على بن يوسف بن عبد اللّه بن بندار الدمشقى. تفقّه ببغداد على والده و صار من كبار علماء الشافعية، و ولي قضاء الديار المصرية فى عهد العزيز ثم الأفضل.

(حسن المحاضرة ج 1- ص 172)

(3) حرّان من بلاد المشرق، و هى مدينة مشهورة كانت قصبة ديار مضر، تقع فى الجزيرة أى شمال العراق.

(معجم البلدان ج 3- ص 242)

11

قال: و ركب الملك العادل- فى يوم الاثنين- بالصّنجق‏ (1) السّلطانى. و أمر الخطباء بالخطبة له و لولده: الملك الكامل بولاية العهد من بعده- بعد الخليفة (2)- فخطب لهما فى الحادى و العشرين من شوال، سنة ست و تسعين و خمسمائة. و انقطعت خطبة المنصور بن الملك العزيز، و أولاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف، فلم تعد إلى الآن. و انتقل ملك الديار المصرية إلى البيت العادلى، فكان فيهم إلى أن انقرضت الدولة الأيّوبيّة.

قال المؤرّخ: و لم يقطع الملك العادل خطبة الملك المنصور إلا بعد أن أحضر الفقهاء و القضاة، و استفتاهم: هل تجوز ولاية الصغير و النيابة عنه؟

فقالوا: إن الولاية غير صحيحة، و لا تصح النيابة- لا سيما فى السلطنة- فإنه لا حقّ فيها للصغير. فأحضر الأمراء و خاطبهم فى اليمين له، فأجابوه إلى ذلك، و حلفوا له. قال: و ركب الملك الكامل فى يوم السبت بالصّنجق السلطانى- على عادة الملوك.

قال: و لما وصل الملك العادل، كان الصاحب: صفى الدين عبد اللّه ابن على بن شكر (3) فى صحبته، فاستوزه. و كان- على ما حكى- قد استحلف الملك العادل بالبيت المقدس، أنه متى حصل له ملك الديار

____________

(1) الصّنجق أو السّنجق: لفظ تركى معناه فى الأصل الرمح، و المراد به هنا الراية التى تربط به. ج سناجق، و هى رايات صغر صغار. و كانت العادة أن السلطان يركب فى المواكب زمن السلم بالسناجق، أما فى الحرب فيركب بالأعلام.

(القلقشندى: ج 4- ص 8)

(2) كان الخليفة فى بغداد إذ ذاك هو الخليفة «الناصر لدين اللّه: 575- 622 ه» و هو ابن الخليفة «المستضي‏ء» الذى خطب له السلطان صلاح الدين فى أول الدولة

(3) كان صفى الدين المذكور عالما أديبا، و يلقب بالدّميرى، نسبة إلى بلده «دميره» بالقرب من موقع المنصورة، و قد وصل إلى منصب الوزارة فى عهد العادل، و جلس فى دار السلطنة فى حجرة القاضى الفاضل و نظر فى الدواوين. سيرد ذكره فى المتن فى سنة 621.

12

المصرية يمكّنه من المصريّين، فحلف له على ذلك. فلما ولى السلطنة استوزره، و مكّنه.

ذكر الغلاء الكائن بالديار المصرية فى الدولة العادلية و هو الغلاء المشهور

قال المؤرخ: كان ابتداء هذا الغلاء من استقبال شوال- و قيل ذى القعدة- سنة ست و تسعين و خمسمائة، إلى ذى القعدة سنة تسع و تسعين، فكانت مدته ثلاث سنين و شهرا.

و ذلك أن قرار النيل فى سنة ست و تسعين كان مقداره ذراعان‏ (1)، و بلغ غايته إلى اثنى عشر ذراعا (2) و إحدى و عشرين إصبعا. فصام الناس ثلاثة أيام، قبل يوم التّروية (3)، و استسقوا ثلاثة أيام، آخرها يوم العيد. ثم أخذ الماء فى النقص، فاشتد الغلاء و امتد البلاء، و هلك القوىّ، فكيف الضّعيف!. قال العماد الأصفهانى: و بلغ سعر القمح عن كل إردب الكيل المصرى خمسة دنانير. و استقر القاع فى سنة سبع و تسعين على ذراعين، و بلغ‏

____________

(1) الموجود فى كل من النسختين (ك) و (ع): «كان ذراعان»، فأضفنا كلمة (مقداره) بين قوسين لتفادى الخطأ النحوى فى العبارة. على أن الأخطاء النحوية ترد غير قليل فى المتن، و ينبه إليها المحقق كلما وجدت.

(2) كان يعتبر «وفاء» النيل إذا بلغ ارتفاع مياهه فى المقياس ستة عشر ذراعا. فإذا حصل ذلك أقيم الاحتفال بالوفاء و كسر خليج القاهرة، و هو يوم مشهود. أما إذا نقص عن ذلك حصل الضرر بمقدار النقص و بدأ الظمأ أو القحط.

(انظر القلقشندى: ج 3- ص 300)

(3) يوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذى الحجة، سمّى كذلك لأن الحجاج كانوا يتزودون فيه من الماء للقيام بشعائر الحج.

(انظر القاموس المحيط: مادة روى)

13

غايته خمسة عشر ذراعا و نصف ذراع. فعدم الناس القوت، و أكل بعضهم بعضا، و أكلوا أولادهم و الميتة. و خرج خلق كثير من الديار المصرية إلى الشام و السواحل.

و حكى ابن جلب راغب‏ (1) فى تاريخ مصر: أنه نودى على دجاجة، تزويد فيها إلى أن بلغت ألف درهم ورقا. و بيعت بطيخة بفرس. قال:

و كانت الدّجاجة تباع بالأوقية. و حكى- أيضا- أن بعض الناس سمع صياح امرأة، تفتر ثم تعاود الأنين و الصراخ! فتتبع الصوت، حتى انتهى به إلى منزل و فيه امرأة سمينة ملقاة، و شاب يقطع من لحم فخذها. فلما راتهم قالت: لا تعارضوه فإنه ابنى، و أنا قلت له يقطع من لحمى، و يأكل و يطعمنى، مما آلمنا من الجوع! و لم يسمع بمثل هذا.

ذكر وفاة القاضى الفاضل و شي‏ء من أخباره‏

هو القاضى الفاضل الأسعد محيى الدين، أبو على عبد الرحيم، بن القاضى الأشرف أبى الحسين على بن الحسن، بن الحسين بن أحمد، بن الفرج‏ (2) بن أحمد، اللّخمى- الكاتب. كانت وفاته فجأة فى ليلة الأربعاء، السابع من شهر ربيع الآخر، سنة ست و تسعين و خمسمائة.

و مولده بعسقلان فى خامس عشر جمادى الآخرة، سنة تسع و عشرين و خمسمائة.

____________

(1) هو تاج الدين محمد بن على بن يوسف و يعرف «بابن ميسر» صاحب «تاريخ مصر» و هو ينسب إلى أحد أجداده و هو «جلب راغب» و كانت وفاة المؤرخ سنة 677 ه. و سيذكر المؤلف فى المتن ترجمة لجده «يوسف» فى أحداث عام 624. و يقول إن أجداده كانوا من الأمراء فى عهد الدولة الفاطمية.

(2) هكذا رسمه فى كل من النسختين: (ك) و (ع) على أنه ورد فى مراجع أخرى «المفرج».

14

و كان أبوه قاضى عسقلان‏ (1)، و صاحب ديوانها. و نسبته إلى بيسان نسبة انتقال. و ذلك أن قاضى عسقلان كان قاضى البلاد الشمالية من ساحل الشام، و بيسان‏ (2) فى ولايته. و كان إذا خرج إليها قاض لحقه من الوخم ما يوجب مرضه، و منهم من يموت. فقرر قاضى عسقلان على الشهود أن يخرج كلّ واحد منهم إلى بيسان ثلاثة أشهر، و يعود، و يخرج غيره. فجاءت النّوبة لحد القاضى الفاضل‏ (3)، فمضى إليها و صح بها جسمه. فاختار الإقامة بها. فأجيب إلى ذلك و عمر بها أملاكا، فعرف بالبيسانى.

ثم تقلبت بوالد القاضى الأحوال إلى أن ولى القضاء بعسقلان، و النظر فى أموالها. و بقى إلى زمن الظافر (4)، فدخل إلى مصر لمحاققة واليها (5) بسبب كند كبير (6)، من الفرنج كان الوالى داجى عليه و أطلقه. فانتصر

____________

(1) مدينة مشهورة من أعمال فلسطين، بين غزة و بيت جبرين (معجم البلدان: ج 6- ص 174)

(2) مدينة بوادى الأردن «الغور» و هى بين حوران و فلسطين.

(المصدر السابق: ج 2- ص 331)

(3) فى النسخة (ع): لحد- بالحاء المهملة- كما أثبتناها هنا، و فى النسخة (ك): لجد- بالجيم المعجمة. و فى كلتا النسختين: القاضى الفاضل. و ظاهر السياق أن الحديث عن والده «القاضى الأشرف».

(4) هو الخليفة الفاطمى «الظافر بأمر اللّه» أبو منصور إسماعيل، بن الخليفة «الحافظ» صاحب مصر. كانت مدة خلافة الظافر هى الفترة (544- 549). و قد استولى الصليبيون على مدينة «عسقلان» فى عام 548 فيلزم أن يكون دخول الفاضل و والده إلى مصر قبل ذاك الحادث.

(5) الضمير يعود إلى عسقلان: أى والى عسقلان.

(6) هو نفس لقب «كونت» الفرنسى.

15

بعض الأمراء للوالى و نصروه، فخانق الأسعد (1). و صودر، و وقع التحامل عليه، إلى أن لم يبق له شي‏ء.

و خرج ولده الفاضل إلى ثغر الإسكندرية، و اجتمع بابن حديد- القاضى و الناظر بها- و عرّفه بوالده فعرفه بالسّمعة، فاستكتبه ابن حديد، و أطلق له معلوما. و بقيت كتبه ترد إلى مجلس الخلافة بخط الفاضل و هى مشحونة بالبلاغة. فكشف عن ذلك ابن الخلّال و الجليس بن الحبّاب- و كانا فى ديوان المكاتبات- فحسداه على فضيلته، و علما أنه يتقدم، فقالا للظافر عنه: انه قصّر فى المكاتبة.

و كان صاحب ديوان المجلس- الأثير بن بنان- يحكى أنه دخل على الظافر، فأمره أن يكتب لابن حديد بقطع يد كاتبه، بسبب أنه جعل بين السطرين الأولين مقدار شبر، و هذا سوء أدب، فقال الأثير للظافر: يا أمير المؤمنين، تأمر بإحضار الكتب، فأحضرت. فلما قرأها الأثير علم فضل الفاضل، فقال له: هذا الكاتب لم يحصل منه سوء أدب، و انما حسد على بلاغته، فعمل على أذاه. فقال: اكتب لابن حديد يسيره إلينا،

____________

(1) كذا فى كل من النسختين: (ع) و (ك). و هو خطأ ظاهر لأن الوالى إنما خانق الأشرف، أى والد الفاضل، فيلزم تصحيح العبارة بوضع كلمة الأشرف بذل الأسعد.

(انظر النزاع بين والى عسقلان و القاضى الاشرف فى وفيات الأعيان عند ترجمة يوسف الحلال)

16

لنستخدمه. فصار من كتاب الدّرج‏ (1)، فى أواخر الدولة العبيديّة (2).

و أما اتصاله بملوك الدولة الأيوبية فحكى عن الأثير بن بنان أنه قال:

لما ولى أسد الدين شيركوه اختص به ابن الصقيل البلنسى‏ (3). و كنت بالقصر أنا و الفاضل، فدخل علينا ابن الصقيل و قال: كنت البارحة عند السلطان، و ذكركما و توعّدكما بالقتل. ثم خرج من عندنا. فلم يكن بأسرع من أن طلبنا أسد الدين من العاضد، فأرسلنا إليه.

قال الأثير: فلما دخلنا عليه وجدنا الأمراء عنده. فسلمت سلاما سمعه من حضر، فلم يرد علينا! فقلت له: و لم لا ترد السلام؟ فالتفت إلىّ، و قال: لستما عندى من أهل السلام! لأن النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) يقول:

السلام تحية لملّتنا، و أمان لذمتنا. و لا تحية لكما عندى! فوقفنا، فقلت:

لا قدرة لى على القيام، فقال أجث، فجثوت. ثم قلت و لم لا أتربع؟

ففسح لى فى ذلك. قلت: و صاحبى. قال: و صاحبك.

____________

(1) كان كتّاب ديوان الإنشاء بمصر يتكونون من طبقتين:

(1) الطبقة الأولى: كتّاب الدّست، و هم الذين يجلسون مع كاتب السر بمجلس السلطان، و يقرءون الأوراق على السلطان و يوقعون عليها. و سموا كذلك إضافة إلى دست السلطان و هو مرتبة جلوسه.

(ب) و الطبقة الثانية: كتاب الدّرج، و هم الذين يكتبون ما يوقع به كاتب السر أو كتب الدّست. و سمو كذلك لكتابتهم فى دروج الورق. و الدّرج هو الورق المستطيل المركب من عدة أوصال، و كان عادة عشرين وصلا.

(صبح الأعشى: ج 1- ص 137 و 138)

(2) أى الدولة الفاطمية، نسبة إلى عبيد اللّه المهدى أول خلفائها.

(3) كذا فى النسخة (ع)، و فى النسخة (ك): الصقيل البلسنى. و لم يعثر المحقق على هذا الاسم فى أى مرجع آخر، و لم يرد ذكره بين كتاب الدولة. و نرجح أن يكون الصواب: ابن الخلال الموفّق، لأنه كان صاحب ديوان الإنشاء و كانت وفاته سنة 566 ه. و هذا الحادث وقع فى سنة 564 فى وزارة أسد الدين شيركوه‏

17

ثم التفت إليه دونى، و قال له: تكتب للفرنج، على لسان شاور، و تقول فى حقنا ما قلت، و تحثهم على قتالنا! و اللّه لأقتلنك شرّ قتلة، و لأسلن لسانك، و لأقطعنّ يدك و رجلك، من خلاف!! فقلت: أدام اللّه سلطان مولانا. هذا القاضى إذا عدم، لا يوجد مثله فى جميع البلاد. فالتفت إلىّ، و قال: نجرّب قولك. و قال له: أكتب كتابين: أحدهما للمولى نور الدين بن زنكى، يقرأ على منبر دمشق يهنّيه بالفتوح، و كتاب يقرأ على منبر القاهرة. و اشتغل فى الحديث. فسارع الفاضل فى نجاز (1) الكتابين، و جعل أسد الدين يسارقه النظر، و الفاضل يكتب كأنه يكتب من حفظه. و فرغ منهما إلى أسرع وقت. فقال أسد الدين: أقرأهما، فقرأهما. قال الأثير: و اللّه لو حسن الرقص فى ذلك المكان، لرقصت!.

فعند ذلك التفت إلىّ أسد الدين، و قال: يا قاضى، جزاك اللّه خيرا فى حقه. عندنا كتبة بالشام نأمرهم بالشى‏ء، فيمضون و يقيمون اليوم و اليومين، و لا يأتون به على الغرض. و هذا قلنا له كلمتين، كتب هذه الكتب التى لا نظير لها. و أقمنا عنده إلى صلاة المغرب، فقام للصلاة. فقال لى: تقدم. فقت: هذا أفضل منى، لأنى توليت المكوس‏ (2)، و هذا لم يل شيئا منها. فتقدم الفاضل و صلّى. و اتصل به. هذا ما نقل عن الأثير بن بنان.

____________

(1) كذا فى النسخة (ع). و فى القاموس: «نجز حاجته: قضاها، كأنجزها».

(2) هى الضرائب التى استحدثت فوق الضرائب الشرعيّة: الخراج و الجزية. كان أول من فرضها بمصر أحمد ابن المدبر الذى كان والى الخراج قبل عهد ابن طولون. و كانت تعتبر دائما أنها غير شرعية.

(انظر المقريزى: الخطط ج 1- ص 103)

18

و قيل: إنه لما اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين، و أن الأثير كان يكتب بين يديه قبله، فاشتكى من بطئه فى المكاتبات، فقيل له: إن الأسعد البيسانى لم يكن فى الكتاب أرشق منه. فاستدعاه و أمره بكتاب، فكتب بين يديه و بالغ فيه، و أسرع فى نجازه و قرأه عليه. فعظم عند الملك الناصر، و نعته بالقاضى الفاضل. و كان له شعر حسن.

و قيل: إن أول اتصال الفاضل بالدولة العبيديّة فى أيام العادل بن الصالح ابن رزّيك‏ (1). و أنه استخدم فى ديوان الجيوش، فأقام فيه مدة.

فلما كانت دولة شاور الثانية، نقله إلى ديوان المكاتبات شريكا للموفّق بن الخلّال. فلم يزل إلى أيام أسد الدين، فاتفق له ما ذكرناه.

و لما استقرّ الملك الناصر فى الملك، علت منزلته عنده، و اختص به و قرب منه، و تمكن فى دولته. قال: و من سعادة الفاضل أنه مات قبل ملك العادل، لأنه كان بينهما شحناء باطنة. و لما مات، صلّى عليه الملك الأفضل. و دفن بسفح المقطم- (رحمه الله). و قد ذكرنا من كلامه فى باب كتابة الإنشاء ما يدل على تمكنه و فضله.

____________

(1) تولى ابن رزيك الوزارة فى أواخر الدولة الفاطمية، ما بين سنتى: (556- 558) أى فى عهد الخليفة «العاضد» (555- 567).

ذكر هذه الرواية أيضا «عمارة اليمنى» فى كتابه «النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية» ص 53 حيث قال إن الوزير العادل بن الصالح رزيك هو الذى استدعى القاضى الفاضل من الإسكندرية و استخدمه فى ديوان الجيش. و قال المقريزى فى ترجمة الفاضل إنه قدم القاهرة و خدم الموفق بن الخلال أولا، ثم ذهب إلى الإسكندرية و اتصل بابن حديد، و بقى هناك حتى استدعاه العادل بن رزيك و استخدمه فى ديوان الجيش.

(المقريزى: الخطط ج 4- ص 197)

19

و استهلت سنة سبع و تسعين و خمسمائة

ذكر الخلف الواقع بين الأمراء الصّلاحيّة (1) و السلطان الملك العادل‏

قال المؤرخ: كان ابتداء فساد الحال بينهم فى سنة سبع و تسعين و خمسمائة.

و سبب ذلك أن الملك العادل لما ملك الديار المصرية أقطع الإقطاعات المخلولة عن الأمراء المنصرفين عن الخدمة، و حاسب المستمرين حسابا شديدا، فساءت ظنونهم و تغيرت قلوبهم، و فسدت نياتهم.

و كان فارس الدين ميمون القصرى‏ (2) مقيما بنابلس، فلما بلغه إسقاط خطبة الملك المنصور بن العزيز، و استقلال الملك العادل بالملك- عظم ذلك عليه و نفر منه، و أنكره. و كتب إلى الملك العادل يقول: «إنا دخلنا فى طاعتك، و نصرناك على موالينا: أولاد الملك الناصر، مراعاة للملك العزيز، و خوفا أن يتطرق إلى ولده ضرر و يزول عنه ملكه، و لا بد أن تعيده إلى حاله. و إن لم ترجع عما فعلت، كان ذلك سبب فساد قلوب الجند، و دخول الوهن على الدولة». فغالطه العادل فى الجواب.

فراسله ميمون ثانيا يقول إنا كنا حلفنا على قاعدة، فإن كانت تغيرت فلا يسعنا المقام بعد ذلك بهذه الدار، و أنا أسال أن أعطى دستورا (3) ليقوم‏

____________

(1) هم الأمراء الناصرية الذين سبقت الإشارة إليهم فى المتن.

(2) كان من زعماء الأمراء الصلاحية.

(3) أى إذنا ليذهب حيث يشاء.

20

عند اللّه و عند الناس عذرى، فأرسل إليه الملك العادل، يقول: لم أدخل فى هذا الأمر إلا بعد أن رضى به الجماعة. فإن كرهت مجاورتى فصر إلى أرزن الروم‏ (1)، و تزوج بصاحبتها ماما (2) خاتون، فإنها أرسلت إلىّ و طلبت منى من أنفذه إليها.

و كان «ميمون» قد كاتب الأمراء الصّلاحيّة، فأجابوه: «إنا قد افتضحنا بين الناس بأننا نقيم فى كل يوم ملكا، و نعزل آخر. ثم إلى من نسلم هذا الأمر؟ أما الملك الأفضل فغير أهل، و غيره من إخوته فغير عظيم فى الأنفس. و الملك الظاهر بعيد عنا، و لا يمكنه أن يترك بلاده و يصير إلينا.

قال: و اتفق ورود رسل الملك الظاهر- صاحب حلب- إلى عمه العادل، فى شهر ربيع الآخر من السنة، و هما: نظام الدين كاتبه، و علم الدين قيصر الصّلاحى. فلما وصلا إلى بلبيس، أرسل العادل إليهما أن لا يدخلا القاهرة. و أن يذكرا رسالتهما لقاضى بلبيس يبلغها عنهما، و إن لم يفعلا فيرجعا إلى صاحبهما.

فعادا إلى الملك الظاهر، و اجتمعا بميمون القصرى فى عودهما، و رغباه فى الخدمة الظاهرية. فمضى إلى صرخد (3) و بها الملك الظافر أخو الأفضل. و لحق بميمون جماعة من الصلاحية.

____________

(1) بلدة من بلاد أرمينية، قال ياقوت عنها فى وقته: أهلها أرمن. و لها سلطان مستقل و ولاية و نواح كثيرة الخيرات.

(معجم البلدان: ج 1- ص 190)

(2) كذا فى (ع). و فى (ك): و اما.

(3) بالفتح ثم بالسكون. بلد ملاصق لبلاد حوران، من أعمال دمشق. و هى قلعة حصينة و ولاية حسنة واسعة

21

و اعتزل عنه فخر الدين جهاركس‏ (1) فى قلاعه- و كان معه بانياس‏ (2) و تبنين‏ (3) و شقيف أرنون‏ (4) و وافقه على الاعتزال زين الدين قراجا، و أظهر الاعتزال عن الفريقين. و باطنهما مع الملك العادل.

قال: و لما وصل ميمون إلى صرخد، كاتب الأفضل و الظاهر و دعاهما إليه. و أنفذ إلى الملك الظاهر فخر الدين الطّنبا الجحاف‏ (5) فلما وصل إليه، قوى عزم الملك الظاهر على الخروج. فراسل ميمون، و أخذ عليه و على من معه من الأمراء العهود و الأيمان.

____________

(1) كان من زعماء الصلاحية أو الناصرية، بل كان أجلهم و أمثلهم فى عهد الملك العزيز بمصر، حيث عين أستاد داره. و جهاركس بكسر الجيم، و قد تقرأ بالفتح. و هو لفظ أعجمى معناه: أربعة أنفس.

(انظر وفيات الأعيان: ج 1- ص 331)

(2) مدينة من جند دمشق، على مرحلة و نصف منها من جهة الغرب، و هى فى لحف جبل الثلج، و بها قلعة الصّبيبة، و هى من أجل القلاع و أمنعها.

(صبح الأعشى: ج 4- ص 104)

(3) بلدة فى جبال بنى عامر المطلة على بلد بانياس، بين دمشق و صور.

(معجم البلدان: ج 2- ص 364)

(4) قلعة حصينة فى كهف من الجبل قرب بانياس. من أرض دمشق، بينها و بين الساحل.

و الشقيف كالكهف، أضيف إلى أرنون و هو اسم رجل.

(معجم البلدان: ج 5- 284)

(5) كذا فى كلتا النسختين (ع) و (ك). و لم يعثر المحقق على هذا الاسم فى أى مرجع آخر و لم نجد له تعريفا.

و نفترض أنه تحريف لكلمة «الهيجاوى» نسبة إلى أبى الهيجاء، الذى كان من كبار أمراء الدولة الصلاحية.

22

ثم قدم عليه أخوه الأفضل فى تاسع جمادى الأولى، و سارا إلى أفامية (1)، و بها قراقوش- مملوك شمس الدين بن المقدّم‏ (2)- فأغلق الأبواب دونهما، و امتنع من تسليمها. فضرب الظاهر ابن المقدّم‏ (3) تحت القلعة ضربا موجعا، بحيث يراه مملوكه قراقوش، فلم يكترث لذلك. و راسله ابن المقدّم فى تسليمها، فامتنع كل الامتناع. فلما أيس الظاهر منه أرسل ابن المقدم إلى حلب، و أمر باعتقاله بها.

و سارا بعد ذلك إلى بعلبك لقصد دمشق، و سار إليهما ميمون القصرى و من معه و الملك الظافر، و اجتمعوا بمكان يعرف بالزّرّاعة (4). و تشاوروا على قصد دمشق، و بها يومئذ الملك المعظم عيسى بن العادل و هو صغير، و القيّم بأمره فلك الدين سليمان بن شروة بن جلدك- و هو أخو العادل لأمه- و من الأمراء الأكابر عز الدّين أسامة (5). فساروا بأجمعهم إلى دمشق، و حاصروها فى رابع عشر ذى القعدة، سنة سبع و تسعين، و اشتد الحصار.

____________

(1) مدينة حصينة من سواحل الشام، و كوره من كور حمص. و يسميها بعضهم «فاميه» بغير همزة.

(معجم البلدان: ج 1- 298)

(2) كان من كبار الأمراء الصلاحية (و هو شمس الدين محمد بن عبد الملك) المعروف بابن المقدّم. و هو الذى تولى تربية الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، ثم سلّم دمشق للسلطان صلاح الدين، فأعطاه صلاح الدين بعلبك و ما حولها، فظلت بيد أسرته. و قتل شمس الدين بعرفات بمكة سنة 583 ه.

(الكامل لابن الأثير: ج 11- ص 228 و 229)

(3) الذى ضرب هو ابن الأمير شمس الدين المتقدم ذكره، و اسمه شمس الدين أيضا «ابن المقدم».

(4) اسم لعدة مواضع بالشام، من فلسطين و الأردن. و المقصود هنا زراعة الضحاك التى تقع شرقى جوبر، و هى قرية بالغوطة من دمشق.

(معجم البلدان: ج 4- 381 و ج 3: 158)

(5) ورد هذا الاسم فى النسختين (ع) و (ك) دائما على أنه «سامه». و لكن يلاحظ أن محقق السلوك، و كذلك محقق النجوم الزاهرة اختارا أن يثبتاه: «أسامة».

23

قال: و لما اتصل بالملك العادل خروج الظاهر من حلب، خرج من القاهرة فى شهر رمضان من السنة. و جدّ السير إلى أن نزل على نابلس، و جعل يعمل الحيل و المكايد بين الظاهر و الأفضل، و إفساد قلوب الأمراء الذين مع الظاهر. و أرغب الملك الظاهر أنه إن فارق أخاه الأفضل يملكه قطعة من بلاد المشرق، التى بيد العادل.

و كاتب الظاهر فخر الدين جهاركس، و زين الدين قراجا، و أرغبهما فى الانضمام إليه. فوقع الاتفاق معهما- بعد مراجعة- أن الأفضل يسلم لزين الدين قراجا صرخد و عشرة آلاف دينار، و للأمير فخر الدين جهاركس عشرين ألف دينار. و استقرت القاعدة على ذلك. فلما تسلما ذلك و صلا إلى الخدمة الظاهرية، و اجتمعا بالأفضل و الظاهر.

ثم شرعا يستوقفان الأمراء عن حصار دمشق‏ (1). فاتصل ذلك بالملكين فهرب جهاركس و قراجا و صار إلى بانياس، فراسلهما الظاهر و قبّح فعلهما.

فأعادا الجواب: إنا قد استشعرنا الخوف بسبب ما نسب إلينا. و نحن على الطاعة و متى فتحت دمشق كنا فى خدمتكما. و جدّ الظاهر فى حصار دمشق إلى أن نزل و قاتل بنفسه، و جرح فى رجله بسهم. ثم هرب الطّنبا الهيجاوى من عسكر الظاهر و تلاه علاء الدين شقير، و دخلا دمشق. و دخل معهما

____________

(1) أى أنهما رجعا عن الاتفاق الذى عقداه مع الظاهر و الأفضل.

24

جماعة من المفاردة (1) فانحلّ لذلك عزم الظاهر، و رجع عن دمشق إلى بلاده و صحبه الملك الأفضل.

و قيل: بل كان سبب الرجوع عن دمشق أن الاتفاق كان قد حصل بين الأخوين: الأفضل و الظاهر، على أنه إذا فتحت دمشق كانت للأفضل. فإذا استقر بها، سار هو و الظاهر إلى مصر، و قاتلا العادل، فإذا حصلت مصر لهما تكون حينئذ للأفضل، و دمشق للظاهر. فلما قوى الحصار على دمشق و لم يبق إلا فتحها، حسد الظاهر أخاه الأفضل عليها، و قال آخذها لنفسى. فلاطفه الأفضل و سأل أن ينعم بها عليه، فامتنع، و قال:

إن فتحت تكون لى دونك. فلما أيس منه الأفضل، خرج من ساعته و اجتمع بالأمراء، و قال: إن كنتم خرجتم إلى فقد أذنت لكم فى الرجوع إلى العادل، و إن كنتم خرجتم إلى أخى الظاهر فشأنكم و إياه. و كتب فى الوقت إلى عمه الملك العادل، و هو يطلب منه سميساط (2) و سروج‏ (3) و رأس العين‏ (4)، فأعطاه ذلك، و حلف عليه. فلما اتصل ذلك بالظاهر كتب أيضا

____________

(1) المفاردة، بالفاء: فئة من الجيش، و هم المماليك الخواص للسلطان أو الملك، سموا كذلك لأنهم يأخذون مرتباتهم من الديوان المفرد. و هو ديوان خاص كان موجودا منذ عهد الفاطميين. و هم يقابلون الفئة الأخرى من الجيش، أى الجنود النظاميين الذين يتناولون مرتباتهم من «ديوان الجيش» و الذين كانوا يسمون «الحلقة».

(انظر تعليق زيادة فى السلوك: ج 1- ص 122 و القلقشندى: ج 4- ص 15 و ج 3- ص 457)

(2) مدينة على شاطئ الفرات فى طرف بلاد الروم، تقع على غربى الفرات، و لها قلعة، يسكنها الأرمن (معجم البلدان: ج 5- ص 138)

(3) بلدة قريبة من حرّان. من ديار مضر.

(معجم البلدان: ج 5- ص 77)

(4) و اسمها الأصلى: رأس عين. مدينة كبيرة مشهورة من مدن الجزيرة. بين حران و نصيبين و دنيسر. و فى رأس عين عيون كثيرة صافية تجتمع كلها فى موضع فتصير نهر الخابور.

(معجم البلدان: ج 4- 206)

25

إلى عمه العادل، يطلب منه منبج‏ (1) و أفامية (2) و كفر طاب‏ (3)، فأعطاه ذلك. و ارتحلا عن دمشق.

فبقى الأفضل بسميساط، إلى أن مات.

و عاد الظاهر إلى حلب. و صحبه ميمون القصرى. فأقطعه الظاهر إقطاعات عظيمة. و هى: أعزاز (4) و قلعتها، و الخوار (5) و بلدها، و نهر الجوز (6) و بلده، و جسر (7) الحديد و بلدها، و أماكن متفرقة، و أكرمه إكراما تاما. و بقى فى خدمته، إلى أن مات فى سنة عشر و ستمائة. و سار معه أيضا سرا سنقر و الفارس البكّى، و جماعة الصّلاحيّة، و أقطعهم الإقطاعات الحسنة.

____________

(1) مدينة كبيرة واسعة، ذات خيرات كثيرة فى فضاء متسع من الأرض، بينها و بين الفرات يوم واحد، و بينها و بين حلب يومان (أو عشرة فراسخ). و كانت مدينة إقليم (العواصم) فى عهد الخليفة هارون الرشيد.

(معجم البلدان: ج 8- 169)

(2) سبق ذكرها.

(3) بلدة بين المعرة و حلب. تقع فى برية معطشة ليس لهم شرب إلا ما يجمعونه من مياه الأمطار فى الصهاريج.

(معجم البلدان: ج 7- 265)

(4) و هى أيضا (عزاز) بفتح العين: بلدة صغيرة شمالى حلب، بينهما يوم (5 فراسخ) فيها قلعة، و لها رستاق (ضيعة). و هى طيبة الهواء عذبة الماء.

(معجم البلدان: ج 6- 168)

(5) لم نجد هذا الاسم فى المعجم. و لكن واضح أنه موضع قريب من عزاز و نهر الجوز. و هذه الأماكن، فيما يجاور حلب‏

(6) ناحية ذات قرى و بساتين و مياه، بين حلب و البيرة التى على الفرات.

(معجم البلدان: ج 3- 168)

(7) بلدة على نهر حماه (العاصى) فى شمال مجراه قريبا من أنطاكية (و حلب).

(سلوك: ج 1- ص 160)

26

و كان رحيلهم عن دمشق فى ذى الحجة، سنة سبع و تسعين و خمسمائة، و سار الملك العادل و دخل دمشق. و اصطلح مع الملك المنصور صاحب حماه. و تزوج العادل ابنته.

ذكر اتفاق الملوك الأيّوبيّة و ما استقر لكل منهم من الممالك‏

قال المؤرخ: ثم استقرت القاعدة بين الملوك، فى سنة تسع و تسعين و خمسمائة على أن يكون للملك العادل الديار المصرية، و دمشق و السواحل و بيت المقدس، و جميع ما هو فى يده و يد أولاده ببلاد الشرق.

و أن يكون للملك الظاهر حلب و ما معها. و أن يكون للملك المنصور- ناصر الدين محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب- حماه و أعمالها، و المعرّة و سلميّة (1) و بارين‏ (2).

و أن يكون للملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه‏

____________

(1) أصل ضبطها أنها: بفتح أولها و ثانيها، ثم سكون الميم و ياء بعدها خفيفة (سلميّة) و لكن أهل الشام ينطقونها سلميّة- بكسر الميم و بالياء المشددة. و هى بليدة فى ناحية البرية من أعمال حماه، بينهما مسيرة يومين.

و كانت تعد من أعمال حمص:

(معجم البلدان: ج 5- 112- 113)

(2) هذا هو نطقها الصحيح. بالألف وراء مكسورة، و لكن العامة تقول: بعرين بالعين. و هى مدينة حسنة بين حلب و حماه من جهة الغرب.

(معجم البلدان: ج 2- 34- 35)

27

حمص، و الرّحبة (1)، و تدمر (2). و أن يكون للملك الأمجد، بن فرّخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، بعلبك و أعمالها.

و أن يكون للملك الأفضل، بن الملك الناصر، سميساط (3) و بلادها، لا غير.

و أن يقطع الملك الظاهر خبز (4) عماد الدين المشطوب‏ (5) و لا يستخدمه. فقطع خبزه، فصار إلى الملك العادل فلم يستخدمه، و قال له: تخدم بعض أولادى. فقصد الملك الأوحد، فلم يستخدمه. فاستخدمه الملك الأشرف، و ندبه لحصار ماردين، و حلف له على أربعمائة فارس، إذا فتحت. فسار ابن المشطوب إليها و حاصرها، فأرسل صاحبها إلى الملك الأشرف خمسة آلاف دينار، فتركها.

نعود إلى أخبار الملك العادل، فى أثناء هذه المدة التى قدمنا ذكرها، و الحوادث التى وقعت فى خلالها.

____________

(1) اسم لعدة أماكن، و لكن المقصود هنا رحبة (مالك) و هى سميت بذلك نسبة إلى مالك بن طوق التغلبى الذى أحدثها فى عهد الخليفة المأمون و لم يكن لها أثر قديم. و هى تقع على شاطئ الفرات أسفل من (قرقيسيا) بينها و بين حلب خمسة أيام. و بينها و بين دمشق ثمانية أيام.

(معجم البلدان: ج 4- 236)

(2) مدينة قديمة مشهورة فى برية الشام. بينها و بين حلب (5 أيام).

(معجم البلدان: ج 2- 369)

(3) سبق ذكرها.

(4) كان يطلق على الإقطاع الذى يعطى للجند، أو إيراده. لأن الجندى أو الأمير كان يعيش عليه.

(5) هو عماد الدين، بن الأمير سيف الدين الهكّارى الكردى، الذى لقب بالمشطوب لشطبة (أى جرحة ظاهرة) كانت فى وجهه، أصيب بها فى غزاة. و كان سيف الدين من كبار الأمراء فى دولة صلاح الدين، لأنه كان مقدم الأكراد. و له مواقف مجيدة فى حروبه. و سيأتى ذكر عماد الدين هذا ثانية، فى أخبار الملك الكامل.

28

و فى سنة سبع و تسعين و خمسمائة، فى ذى القعدة، اعتقل الملك العادل، الملك المؤيد و الملك العزيز و هما: ابنا أخيه صلاح الدين يوسف.

(رحمه الله تعالى).

ذكر خبر الزلزلة الحادثة بالديار المصرية و البلاد الشامية، و غيرها

و فى هذه السنة فى شعبان، جاءت زلزلة من الصعيد، فعمت الدنيا فى ساعة واحدة. و هدمت أماكن كثيرة بالديار المصرية، و مات تحت الهدم خلق كثير.

و امتدت إلى الشام و الساحل، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق بها جدار قائم إلا حارة السامرة (1)، و مات تحت الهدم ثلاثون ألفا. و هدمت عكا و صور و جميع قلاع الساحل. و امتدت إلى دمشق، فرمت بعض المنارة بالجامع، و أكثر الكلّاسة و البيمارستان النّورى، و عامة دور دمشق إلا القليل. و هرب الناس إلى الميادين. و سقط من الجامع ستة عشر شرفة (2)، و تشققت قبّة النّسر (3)

____________

(1) طائفة من اليهود لهم مذهب خاص. و الموجود فى النسخة (ك) المسامرة. و هو خطأ. أما النسخة (ع) فساقط منها بضع صفحات كاملة من هذا الموضع. و لذا اعتمدنا على النسخة الأولى.

(2) المكتوب فى النسخة (ك): شرافة. و اللفظ اللغوى الصحيح هو: شرفة

(3) واقعة قبلى جامع دمشق، ليس فى دمشق شي‏ء أعلى و لا أبهى منظرا منها. و لها ثلاث منائر.

(النجوم الزاهرة: ج 6- ص 174)

29

و تهدمت بانياس‏ (1) و هونين‏ (2) و تبنين‏ (3). و خرج قوم من بعلبك يجمعون الرّيباس‏ (4) من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، فماتوا بأسرهم.

و تهدمت قلعة بعلبك- مع عظم حجارتها. و امتدت إلى حمص، و حماه، و حلب، و العواصم.

و قطعت البحر إلى قبرص، و انفرق البحر فصار أطوادا، و قذف بالمراكب إلى الساحل، فتكسرت. ثم امتدت إلى خلاط و أرمينية و أذربيجان و الجزيرة.

و أحصى من هلك فى هذه السنة، بسبب هذه الزلزلة، فكانوا ألف ألف إنسان، و مائة ألف. و كانت قوة الزّلزلة، فى مبدأ الأمر، بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف. ثم دامت بعد ذلك أياما.

حكى ذلك أبو المظفر يوسف سبط بن الجوزى‏ (5) فى تاريخه: «مرآة الزمان». و قد ذكرت زلزلة أيضا فى شعبان، سنة ثمان و تسعين و خمسمائة،

____________

(1) سبق ذكرها.

(2) الذى ذكره ياقوت عن (هونين) أنها: بلد فى جبال عاملة مطل على نواحى مصر (معجم البلدان: ج 8- 486). لكن ليس هذا هو المقصود هنا. و لا يتفق مع السياق. و إنما (هونين) الواردة هنا هى التى تقع عند ملتقى الطريق القادم من صفد بالطرق الموصلة من تبنين إلى بانياس. فالحصون الثلاثة متقاربة: بانياس و هونين و تبنين. و هى من أشهر الحصون فى أيام الحروب الصليبية.

(3) سبق التعريف بها.

(4) فى (ك): الرساس. و هو خطأ. و صوابه: الريباس، و قد صححناه من (الذيل على الروضتين). و جاء فى «القاموس»:

«و الريباس بالكسر: نبت ينفع الحصبة و الجدرى و الطاعون، و عصارته تحد النظر». مادة: «ربسه».

(5) مؤرخ و واعظ كبير. و لقبه: «أبو المظفر». يعتمد عليه المؤلف كثيرا. فكتابه «مرآة الزمان» مرجع هام.

و جدّه لأمه هو (ابن الجوزى) العالم الشهير. و قد نسب إليه. و ستأتى ترجمة أبى المظفر فى المتن فى مناسبة وفاته سنة 554 ه.

30

و ذكر مما حدث بسببها نحو هذا. فاللّه أعلم: هل هى هذه، أو هما اثنتان؟.

و فى هذه السنة توفى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، الزّمام‏ (1)، فى مستهل شهر رجب بالقاهرة، و له من العمر ثمان و ثمانون سنة:

و هو الذى عمّر سور القاهرة، و قلعة الجبل‏ (2) و قناطر نهيا (3) من الجيزة. و عمر بالمقس‏ (4) رباطا، و بظاهر القاهرة- خارج باب الفتوح- سبيل. و الناس ينسبون إليه فى ولايته أحكاما غريبة، حتى وضع الأسعد بن ممّاتى خبرا لطيفا، سماه «الفاشوش فى أحكام قراقوش»، ذكر فيه أشياء يبعد وقوعها من مثله‏ (5)، فإن الملك الناصر صلاح الدين يوسف،

____________

(1) كان من الأمراء الأسدية أتباع أسد الدين شيركوه، ثم لما توفى أسد الدين اتفق بهاء الدين هذا مع الفقيه عيسى الهكّارى على ترتيب صلاح الدين فى الوزارة. فأصبح من أمراء دولة صلاح الدين، و جعله صلاح الدين زمام القصر، و ناب عنه مدة بالديار المصرية. و قراقوش لقبه: لفظ تركى معناه: العقاب، الطائر المعروف.

(ابن خلكان: وفيات الأعيان: ج 3- ص 254 و ص 165)

(2) هى قلعة القاهرة المعروفة: قلعة صلاح الدين.

(3) نهيا: بالفتح ثم السكون و ياء. بلدة من نواحى الجيزة من مصر.

(ياقوت: المعجم: ج 8- ص 352)

(4) كان مدخل القاهرة و فرضتها على النيل منذ عصر الفاطميين، لأن النيل كان عندها ثم انحسر. و كانت هى قرية (أم دنين) التى كان عندها حصن، و ذكرت فى الفتوح عند قدوم عمرو بن العاص. و سميت المقس، لأن العامل على المكس كان يجلس عندها- كما ذكر ياقوت. (معجم البلدان: ج 8- ص 125) و مكانها الآن قرب مسجد عنان بباب الحديد.

(5) قال القاضى ابن خلكان: «و الظاهر أنها موضوعة».

(ج 3- ص 254) و نقول: إن قراقوش المراد فى هذا الكتاب إما أنه شخصية خرافية، أو شخص آخر غير الأمير بهاء الدين هذا الذى له تاريخ مجيد.

31

مع حسن تدبيره و سداد رأيه، كان يعتمد عليه فى المهمات الجليلة و المناصب العالية، وثوقا بمعرفته و كفايته. و اللّه أعلم. و لما مات، أقطع الملك العادل إقطاعه لابنه الملك الكامل.

و فيها، فى يوم الاثنين مستهل شهر رمضان، توفى بدمشق القاضى عماد الدين محمد بن محمد بن حامد، الأصفهانى، الكاتب، صاحب الخريدة، و الرسائل المشهورة (1). و مولده فى يوم الاثنين، ثانى جمادى الآخرة، سنة تسع عشرة و خمسمائة.

و فيها كانت وفاة الشيخ جمال الدين أبو الفرج: عبد الرحمن، بن على، بن عبيد اللّه، بن حماد، بن أحمد، بن جعفر، الجوزى الواعظ، البكرى التّيمى ببغداد، فى الليلة المسفرة عن يوم الجمعة، ثالث عشر رمضان. و دفن يوم الجمعة عند قبر الإمام أحمد بن حنبل- (رحمهما الله تعالى).

____________

(1) الكاتب البليغ و المؤرخ المشهور. ولد بأصبهان، و قدم بغداد مع أبيه، و بها تفقه، و اشتغل بالأدب و برع فى الإنشاء. ثم قدم دمشق أيام نور الدين و اتصل به و خدمه، و قدم إلى مصر و لازم صلاح الدين. و كان فاضلا حافظا لدواوين العرب. و له عدة مصنفات، منها «خريدة القصر فى شعراء العصر». و هى المشار إليها هنا.

(النجوم الزاهرة: ج 6- ص 178)

32

و استهلت سنة ثمان و تسعين و خمسمائة:

ذكر عمارة المسجد الجامع بقاسيون‏

فى هذه السنة، شرع الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الحنبلى شيخ المقادسة- (رحمه الله تعالى)- فى بناء المسجد الجامع، بجبل قاسيون‏ (1). و كان بالجبل رجل فامى‏ (2)، يقال له أبو داود، فوضع أساسه و بلغ قامة، و أنفق عليه ما كان يملكه. و بلغ مظفّر الدين بن زين الدين صاحب إربل ذلك، فبعث إلى الشيخ أبى عمر مالا يملكه، و وقف عليه وقفا. ثم أرسل ألف دينار. و أراد أن يسوق إليه الماء من برزة (3)، فقال الملك المعظم عيسى: طريق الماء كلها مقابر، فكيف يجوز أن تنبش أموات المسلمين! و أشار أن يشترى بغل يدور بدولاب، و يشترى ببقية المال مكان يوقف عليه. ففعلوا ذلك.

ذكر وفاة الملك المعز صاحب اليمن و قيام أخيه نجم الدين أيوب‏

كانت وفاة الملك المعز: فتح الدين أبى الفدا إسماعيل، بن الملك العزيز، ظهير الدين أبى الفوارس: سيف الإسلام طغتكين‏ (4) بن أيوب،

____________

(1) قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق. و قال ياقوت عنه إنه جبل مقدس.

(معجم البلدان: ج 7- ص 11)

(2) فامى: نسبة إلى فامية. و قد سبق ذكرها أنها مدينة حصينة على ساحل الشام. و كورة من كور حمص.

(3) قرية من غوطة دمشق.

(معجم البلدان: ج 2- 124)

(4) هو أخو السلطان صلاح الدين.

33

ملك اليمن بالقرو (1) من أعمال زبيد، فى شهر رجب سنة ثمان و تسعين و خمسمائة.

و كان قد ادعى أنه من بنى أمية، و تلقب بألقاب الخلفاء، و هو الإمام الهادى بنور اللّه، المعز لدين اللّه، أمير المؤمنين. و غيّر زيّه، فلبس القميص الواسع و العمامة و الطّيلسان. و كتب إليه عمه العادل ينكر عليه ذلك، فلم يجبه. و كان سبب ذلك أن الشعراء باليمن سموه فى مدائحهم بالخليفة، و فضلوه على من سواه. و منهم من امتدحه بقوله:

بنى العباس هاتوا ناظرونا ..

و هى أبيات لم يقع منها غير هذا.

و لما مات، قام بعده بملك اليمن أخوه: نجم الدين أيوب، و تلقب بالناصر. و كان دون البالغ، فقام بأمره سيف الدين: مملوك أبيه.

و فيها توفى الرئيس مؤيّد الدين، أبو المعالى: أسعد، بن عز الدين أبى يعلى حمزة، بن القلانسى التّميمى‏ (2) بدمشق، فجأة فى رابع عشرين شهر ربيع الأول. و مولده فى سابع عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة و خمسمائة.

____________

(1) الموجود فى (ع) «القرز» و لم أجد هذه فى المراجع. و إنما ورد فى ياقوت موضع: القرو. و قال عنه إنه حصن باليمن فى الطريق إلى صنعاء. فرجحنا أنه هو المقصود.

(2) هو حمزة بن أسد التميمى الملقب (أبو يعلى) و المشهور (بابن القلانسى): المؤرخ، صاحب كتاب «ذيل تاريخ دمشق»، الذى أكمل به «تاريخ دمشق» لابن عساكر.

34

و كان رئيس دمشق و كبيرها و صدرها. و سائر أهل البلد تحت حكمه، و هو المقدم عليهم. و كان الدماشقة فى الزمن الأول لكل طائفة منهم مقدم، يركبون‏ (1) مع الملوك و يجاهدون‏ (2) الفرنج. و لكل طائفة قطعة من السور يحفظونها، بغير إقطاع لهم على ذلك و لا جامكيّة (3). و ما برح الحال على ذلك إلى زمن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، فأبطل ذلك و قال:

لا نقاتل بالعوام. و إنما فعل ذلك خوفا على نفسه منهم، فإنهم كانوا إذا طلبهم ملك قتلوه. و لما ولى الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل دمشق، شرع فى مصادرة أكابر دمشق و استئصال أموالهم. فاشتغلوا بالظلم عما كانوا بصدده، من ركوب الخيل و جمع السلاح، و غير ذلك.

و كان مؤيّد الدين هذا رئيس دمشق فى زمانه، و مقدم الجماعة. بحيث أنه لا يباع من أملاك دمشق ملك، حتى يأتيه جماعة و يشهدون عنده أنه ملك البائع، انتقل إليه بالميراث أو الابتياع. فإذا ثبت ذلك عنده كتب بخطه فى ذيل الكتاب ليشهد فيه بالتبايع، فيشهد الشهود بعد ذلك. و خطه موجود فى الكتب القديمة بذلك. و كان (رحمه الله تعالى) من أرباب المروءات لمن قصده و لجأ إليه.

و له نظم حسن، فمن نظمه:

يا رب جد لى إذا ما ضمّنى جدثى‏ * * * برحمة منك تنجينى من النار

أحسن إلىّ إذا أصبحت جارك فى‏ * * * لحدى، فإنك قد أوصيت بالجار

____________

(1) فى (ع) (يركبوا) و (يجاهدوا)، و هذا مثل من الأخطاء النحوية التى ترد فى متن الكتاب.

(2) فى (ع) (يركبوا) و (يجاهدوا)، و هذا مثل من الأخطاء النحوية التى ترد فى متن الكتاب.

(3) جامكية: أى راتب معين.

35

و توفى والده عز الدين‏ (1) حمزة يوم الجمعة، سابع شهر ربيع الأول سنة خمس و خمسين و خمسمائة. و دفن بقاسيون. و كان فاضلا حسن الخط و النظم. و جمع تاريخا لحوادث سنة أربعمائة إلى حين وفاته- (رحمهما الله تعالى).

و فى يوم عيد النحر من هذه السنة، ورد إلى فوّه‏ (2) مراكب الروم فنهبوها نهبا شديدا.

و استهلت سنة تسع و تسعين و خمسمائة:

فى هذه السنة أخرج الملك العادل الملك المنصور، بن العزيز، من الديار المصرية إلى الرّها (3).

و فيها ملك الفرنج القسطنطينية من الروم.

و خرج الفرنج منها لقصد الساحل. [فجمع الملك العادل عساكره و خرج إليهم. فاستقر الصلح بينه و بينهم على أن يكون لهم من بلاد المناصفات‏ (4) أشياء، مثل الرّملة و الناصرة.

____________

(1) هو المؤرخ الذى أشرنا إليه.

(2) بلدة معروفة بمصر و الوجه البحرى: قال عنها ياقوت: «بليدة على شاطئ النيل من نواحى مصر قرب رشيد، بينها و بين البحر خمسة أو ستة فراسخ. و هى ذات أسواق و نخل كثير.

(معجم البلدان: ج 6- 406)

(3) مدينة بالجزيرة، بين الموصل و الشام. و هى مدينة مشهورة كانت مقرا لإحدى الإمارات الصليبية، و افتتحها عماد الدين زنكى.

(ياقوت: ج 4- 340)

(4) أى: البلاد التى كان اتفق عليها فى الصلح مع صلاح الدين أن تكون مناصفة بين المسلمين و الفرنجة، فتنازل العادل الآن عن بعضها.

36

و فيها بعث الخليفة- الناصر لدين اللّه- الخلع إلى الملك العادل و أولاده، و سراويلات الفتوة (1)، فلبسوها فى شهر رمضان‏ (2)].

ذكر حصار ماردين‏ (3) و ما حصل من الاتفاق‏

و فى سنة تسع و تسعين و خمسمائة، جمع السلطان الملك العادل عساكره، و فرق فيهم السلاح و الأموال، و قدم عليهم ولده: الملك «الأشرف موسى»، و أمره بالمسير إلى ماردين. فسار إليها و حاصرها، و شدد الحصار.

فدخل الملك الظاهر غازى، صاحب حلب، فى الصلح بين عمه و صاحب ماردين. فأجاب الملك العادل إلى الصلح- على أن يخطب له صاحب ماردين فى جميع بلاده، و يضرب السّكّة باسمه، و يحمل إليه مائة ألف و خمسين ألف دينار، و يكون عسكر ماردين فى خدمته، متى طلبه.

فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك.

فرحل الملك الأشرف عنها، و حمل صاحب ماردين إلى الملك الظاهر عشرين ألف دينار، لتوسطه فى الصلح.

____________

(1) الفتوة: نظام رياضى شبه عسكرى أوجده الخليفة الناصر (575- 622 ه) و صرف عليه جهده، و كان له ملابس خاصة هى سراويلات الفتوة التى يلبسها من ينتظم فى هذه الهيئة و كان الناصر يبعث إلى المملوك بها علامة على أنهم أصبحوا أعضاء فيها.

(2) السطور بين الحاصرتين مفقودة من النسخة (ك).

(3) بكسر الراء و الدال. قلعة مشهورة على قمة جبل الجزيرة، مشرفة على دنيسر و دارا و نصيبين. و قدامها ربض عظيم. ليس فى الأرض كلها أحسن من قلعتها و لا أحصن و لا أحكم.

(معجم البلدان: ج 7- 361)

37

و حكى أن السبب فى حصار ماردين أن شاعرا، يقال له الكمال، قال:

متى تقبل الرايات من أرض جلّق‏ (1) * * * و تنتزع الشهباء من كفّ أرتق‏ (2)!

فبلغ هذا البيت أرتق صاحب ماردين، فاعتقل هذا الشاعر. فاتصل خبره بالملك العادل، فندب هذا الجيش إليها. و اللّه أعلم.

و فى هذه السنة- فى أواخرها- حصل الشروع فى عمارة سور قلعة دمشق. فابتدئ ببرج الزاوية القبلى منها، المجاور لباب النصر.

و فيها ماجت النجوم شرقا و غربا، و تطايرت كالجراد المنتشر، يمينا و شمالا. و لم ينقل ذلك إلا فى مبعث النبى (صلى اللّه عليه و سلّم)، و فى سنة إحدى و أربعين و مائتين. و يقال إن هذه السنة كانت أكثر انتشارا. و اللّه أعلم.

و استهلت سنة ستمائة

فى هذه السنة وصلت مراكب الفرنج من ساحل عكا إلى فوّه‏ (3)، فنهبوها و غنموا كثيرا من أطرافها. و أقاموا عليها خمسة أيام. و خرج بعض عساكر مصر فقاتلتهم.

____________

(1) اسم لمدينة دمشق. ورد فى شعر حسان قبل الإسلام.

(2) هو أرتق بن غازى (الملقب ناصر الدين) كان هو ملك ماردين فى ذلك الوقت. مدة حكمه: (597- 637 ه) و هو السادس من ملوك البيت الأرتقى بماردين.

(3) سبق ذكرها، و أنها بمصر على شاطئ النيل قرب رشيد.

38

و فيها كانت وفاة الحافظ: عبد الغنى بن عبد الواحد بن على، ابن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، المقدسى الحنبلى، الجمّاعيلى. ولد بجمّاعيل‏ (1)- و هى قرية من أعمال نابلس، فى سنة إحدى و أربعين و خمسمائة.

و فيها، فى العاشر من جمادى الأولى، كانت وفاة القاضى السعيد أبو القاسم: هبة اللّه بن أبى الرّدّاد (2)- متولى المقياس بجزيرة مصر- و كان خطيب الجامع.

و استهلت سنة إحدى و ستمائة:

فى هذه السنة رخصت أسعار الديار المصرية. و بلغ سعر القمح ستة أرادب بدينار.

و فيها قدم الملك العادل من الشام فى ثالث جمادى الآخرة و توجه إلى الإسكندرية، و حصّل منها أموالا جمّة.

____________

(1) عرفها المؤلف فى المتن. و ما ورد عنها فى ياقوت هو: «قرية فى جبل نابلس من أرض فلسطين».

(ج 3- ص 134)

(2) هذا لقب جده الأعلى، و هو أبو الرداد عبد اللّه بنى عبد السلام المؤذن (كان يؤذن فى الجامع العتيق و يعلم القرآن). تولى مقياس النيل الجديد، بجزيرة مصر فى سنة 246 فى عهد المتوكل العباسى، و توفى سنة 266. و استمرت ولاية المقياس فى ولده إلى هذا العهد- كما قال ابن خلكان: (وفيات الأعيان: ج 2- 296)

39

و فيها، أخرج الملك الكامل أولاد الخليفة العاضد لدين‏ (1) اللّه، و هم: داود و المظفّر، إلى الإيوان بالقصر، و قيدهم، و أخذ جميع ما كان عندهم من الأقمشة و الأوانى و غير ذلك.

و فيها ابتدأ الصاحب صفى الدين بن شكر بمصادرة أصحاب الدواوين، و مستخدمى الدولة و المتعينين، و أهانهم، لما كان فى باطنه منهم.

و فيها توفى القاضى كمال الدين أبو السعادات: أحمد بن القاضى جلال الدين أبى المعالى شكر، بن محمود بن يعقوب اللّخمى. و كان ناظر الدواوين فى الأيام الناصرية و العزيزية. و كانت وفاته بثغر الإسكندرية. و هو الذى نوّه بذكر الصاحب صفى الدين و رباه، و صفىّ الدين ربيبه. كان جلال الدين شكر و المخلص أبو الحسن- والد الصاحب صفى الدين- إخوة لأم.

و استهلت سنة اثنتين و ستمائة:

فى هذه السنة هدمت قنطرة الباب الشرقى بدمشق، و بلط بحجارتها صحن الجامع، و فرغ منها فى شهر رمضان سنة أربع و ستمائة، و فيها فى شوال غير قبّة النّسر بجامع دمشق، عدة أضلاع من شماليها. و اللّه أعلم.

____________

(1) هو آخر الخلفاء الفاطميين.

40

و استهلت سنة ثلاث و ستمائة:

ذكر قصد العادل بلاد الفرنج‏

فى هذه السنة فى جمادى الأولى، و قيل فى شعبان، خرج الملك العادل بعساكره و قصد عكا. فصالحه أهلها. فعاد إلى دمشق.

و خرج الفرنج من طرابلس، و أغاروا على حمص. فخرج الملك العادل من دمشق، و نزل على بحيرة قدس‏ (1) بظاهر حمص، و حضرت إليه عساكر البلاد. فأقام إلى آخر شهر رمضان. و توجه يوم العيد إلى حصن الأكراد (2)، و قاتل أشد قتال، و فتح برجا بالقرب من الحصن، و أخذ منه خمسمائة رجل و سلاحا. ثم سار إلى القليعات‏ (3)، فأخذها بعد حصار.

و تقدم إلى طرابلس، و قاتل قتالا شديدا، و أقطع ثمارها. ثم أنس من عسكره فشلا، فعاد إلى حمص. فأنفذ إليه صاحب طرابلس و طلب الصلح، و أرسل مالا و أسرى.

و فيها توفى الطواشى جمال الدين إقبال، الخادم الصّلاحى، من خدام‏

____________

(1) بفتح القاف و الدال المهملة و سين مهملة- كما ضبطه ياقوت.

بحيرة قرب حمص. طولها اثنا عشر ميلا فى عرض أربعة أميال. و هى بين حمص و جبل لبنان. ينبع منها نهر العاصى الذى يذهب إلى حماه.

(معجم البلدان: ج 2- 80- 81)

(2) هو حصن منيع على الجبل الذى يقابل حمص، من جهة الغرب. و سمى كذلك لأن بعض أمراء الشام كان قد أسكن فى موضعه قوما من الأكراد ليكونوا طليعة بينه و بين الفرنج.

(معجم البلدان: ج 3- 284)

(3) قلعة حصينة بالقرب من طرابلس.

(سلوك زيادة ج 1. ق 2. ص 545)

41

الملك الناصر صلاح الدين يوسف. و كانت وفاته بالبيت المقدس، بعد أن وقف داريه بدمشق مدرستين: إحداهما على الطائفة الشافعية، و الأخرى على طائفة الحنفية، و وقف عليهما أوقافا: جعل ثلثيها للشافعية و ثلثها للحنفية. و ذلك فى رابع عشر ذى القعدة.

و استهلت سنة أربع و ستمائة:

ذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل‏

و أول من سكن قلعة الجبل من الملوك الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل. و ذلك فى سنة أربع و ستمائة- و هو إذ ذاك ينوب عن والده بالديار المصرية.

و أول من بدأ بعمارتها الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فعمر بها برجا، و هو المطل على مشهد السيدة نفيسة. ثم كملت فى أيام الملك العادل.

و نقل أولاد العاضد من القصر إلى قلعة الجبل، و بنى لهم بها مكان اعتقلوا فيه. فكانوا فيه إلى سنة إحدى و سبعين و ستمائة. و توفى الأمير داود فى هذه السنة.

ذكر ورود رسل الخليفة الناصر لدين اللّه بالخلع للملك العادل و أولاده و وزيره‏

كان السلطان الملك العادل قد جهز القاضى نجم الدين خليل الحنفى- قاضى عسكر الشام- رسولا إلى الخليفة الناصر لدين اللّه، فوصل إلى بغداد

42

فى هذه السنة فجهز الخليفة إلى السلطان رسولين، و هما: الشيخ شهاب الدين السّهروردى‏ (1) و نور الدين سنقر الرّكنى الخليفتى. و أصحبهما الخلع للسلطان، و لولديه: الأشرف و المعظم، و لوزيره صفى الدين بن شكر، و لأستاذ داره شمس الدين إلدكز العادلى.

و كانت خلعة السلطان جبة أطلس وسيعة الكم بطراز ذهب، و عمامة سوداء بطراز ذهب، و طوق ذهب مجوهر، و سيف جميع؟؟؟

ملبس بالذهب، و حصان أشهب بمركب ذهب، و قصبة ذهب عليها علم أسود، مكتوب عليه بالبياض.

فتلقاها السلطان الملك العادل إلى الغسولة (2) بجميع عساكره، و عاد.

و لبسوا الخلع من القصر إلى القلعة بدمشق. و حمل الأمير بدر الدين دلدرم التقليد على رأسه بين يدى السلطان، و دخلوا جميعهم من باب الحديد وقت أذان الظهر. و قرأ الوزير التقليد قائما، بمحضر من القضاة و بياض البلد، بإيوان القلعة، و السلطان و أولاده و سائر من حضر قياما إلى أن تكاملت قراءته.

و تضمن التقليد تفويض البلاد إلى السلطان، و هى ديار مصر و الساحل و دمشق، و بلاد الشرق و خلاط. و حضرت رسل الملوك: الظاهر صاحب‏

____________

(1) نسبة إلى «سهرورد»- بضم أوله و سكون ثانيه و فتح الراء و الواو. و هى بلدة قريبة من زنجان بالجبال. خرج منها جماعة من الصالحين و العلماء.

(ياقوت: ج 5- 185)

(2) الغسولة: من قرى دمشق. و هى- أيضا- منزل للقوافل فيه خان، على يوم من حمص، بين حمص و قارا.

و الموضع الأول هو المقصود هنا.

(معجم البلدان: ج 6- 293)

43

حلب، و المنصور صاحب حماة، و صاحب حمص، و مع كل منهم ألف دينار، ينثرها على السلطان. فرسم السلطان بتوفير ذلك لرسول الخليفة.

و سار الشيخ شهاب الدين و رفيقه إلى القاهرة، بخلعة الملك الكامل.

فتلقاهما الملك الكامل، و زينت القاهرة و مصر لدخول الرسل. و لبس الكامل الخلعة الخليفية.

ثم عاد الشيخ شهاب الدين السّهروردى و رفيقه إلى بغداد. و أصحبهما السلطان أستاذ داره شمس الدين، و صحبته التحف و الألطاف. فوصل إلى بغداد فى سنة خمس و ستمائة. فتلقى بالموكب. و نقم الخليفة على الشيخ شهاب الدين السهروردى كونه مد يده إلى الأموال و قبلها، و حضر دعوات الأمراء بالشام، منهم الأمير عز الدين سامه و غيره. و كان قبل ذلك قد اشتهر بالزهد. فاعتذر أنه إنما قبل الأموال ليفرقها فى الفقراء فلم يقبل عذره. و منع من الوعظ، و أخذ منه الرّبط التى كانت بيده. و فرق الشيخ ما كان قد حصل له من الأموال- و كانت جملة طائلة- فاغتنى بها جماعة من الفقراء.

و قبل الخليفة ما كان مع شمس الدين إلدكز من الهدايا، و شرّفه و أعاده إلى مرسله.

ذكر استيلاء الملك الأوحد بن السلطان الملك العادل على خلاط (1)

و فى سنة أربع و ستمائة، استولى الملك الأوحد: نجم الدين أيوب، بن الملك العادل على مدينة خلاط، بمكاتبة أهلها.

____________

(1) بكسر أوله: قال عنه ياقوت (المعجم: ج 3- ص 453):- «البلدة العامرة المشهورة، ذات الخيرات الواسعة و الثمار اليانعة. و هى قصبة أرمينية الوسطى. فيها الفواكه الكثيرة و المياه الغزيرة.

44

و كان سبب ذلك أن الهزار دينارى قتل صاحبها ابن بكتمر- و كان شابا لم يبلغ عشرين سنة- و قيل انه غرّقه فى بحر خلاط. و كانت أخته بنت بكتمر زوجة صاحب أرزن الروم‏ (1)، فقالت: لا أرضى إلا بقتل قاتل أخى. فسار صاحب أرزن إلى خلاط فخرج إليه الهزار دينارى و تبارزا، فقتله صاحب أرزن الروم. و عاد إلى أرزن. و بقيت خلاط بغير ملك.

و كان الملك الأوحد- صاحب ميّافارقين‏ (2)- يكاتبه أعيان خلاط.

فجاء إليهم و استولى على المدينة. و اشترط عليه مقدموها شروطا، و كانوا جبابرة، فقبل الشروط. ثم أبادهم- قتلا و تغريقا- و بدد شملهم.

و من عجيب ما اتفق أن الملك العادل، سيف الدين، كان له عدة أولاد، ليس فيهم أقبح صورة من الملك الأوحد هذا، فإنه كان قصيرا ألثغ زريّ المنظر.

فخرج مع والده و إخوته إلى الصيد. فأرسل والده بازيّا على طائر، فسقط البازى على رأس الأوحد، فضحك السلطان والده، و قال: قد صاد بازيّنا اليوم بومة! فانكسر خاطر الأوحد لذلك، و تألم و أسرّها فى نفسه. فلما قدر اللّه تعالى له بفتح خلاط، و خطب له بشاه أرمن على قاعدة ملوك خلاط، كتب إلى أبيه الملك العادل، يبشره بالفتح، و يقول له: إن البومة- التى صادها بازى مولانا السلطان فى اليوم الفلانى- قد اصطادت مدينة خلاط، و صارت شاه أرمن! و كان بين الواقعتين عشر سنين.

____________

(1) سبق ذكرها، و أنها مدينة مشهورة لها قلعة حصينة كانت من أعمر نواحى أرمينية.

(2) أشهر مدينة بديار بكر.

(ياقوت: ج 8- ص 214)

45

و فى هذه السنة، فى شهر رجب، وضعت الساعات بالمئذنة الشمالية بجامع دمشق. و فيها حصل الشروع فى عمارة البرج الذى يقابل المدرسة القيمازيّة (1) من قلعة دمشق. و فيها حدثت زلازل و رياح شديدة ببلاد خلاط.، و خسف بمكان الملك الأوحد بن الملك العادل قد نزل به ثم رحل عنه، قبل الخسف بليلة.

و فيها كانت وفاة الأمير داود، بن الخليفة العاضد لدين اللّه، فى محبسه بقلعة الجبل. و كان دعاة الإسماعيلية يقولون إن العاضد نصّ عليه بالإمامة، و أنه صاحب الأمر بعده. و كان عظيما عند العامّة. فلما توفى انقطعت دعوة الإسماعيلية (2) و زال أمرهم.

و أشهر العادل وفاته، فعظم موته على من هو يتوالى فيهم. فاستأذن الناس الملك الكامل فى النياحة عليه و ندبه، فأذن لهم. فبرز النساء حاسرات، و الرجال فى ثياب الصوف و الشعر، و أخذوا فى ندبه و البكاء عليه. و اشتهر من كان مستترا من الإسماعيلية. فلما اجتمعوا و كملوا، أرسل الملك الكامل جماعة من عسكره، فنهبوا ذلك الجمع، و قبض على المعروفين منهم، و ملأ بهم الحبوس، و استصفى أموال ذوى اليسار منهم، و هرب جماعة آخرون. و زال أمر الإسماعيلية من الديار المصرية. و لم يتجاهر بعد ذلك أحد بمذهبهم.

____________

(1) من مدارس الحنفية بدمشق، أنشأها صارم الدين قيماز النجمى، الذى كان استاد دار السلطان صلاح الدين، و الذى توفى سنة 596 ه.

(النجوم الزاهرة: ج 7- 283- حاشية 2)

(2) أى: المذهب الشيعى الذى كانت عليه الدولة الفاطمية. نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.

46

و استهلت سنة خمسة و ستمائة:

فی هذه السنة فى يوم الجمعة، خامس شهر رمضان، ولى قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، بن عبد العلى، بن على، السّكّرى- القضاء بالديار المصرية.

و ذلك أن الملك العادل كان قد خرج إلى الشام فى شعبان، فلما وصل إلى العبّاسة (1)، بلغه وفاة قاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن درباس. و كانت وفاته فى ليلة الأربعاء، الخامس من شهر رجب، من هذه السنة. و مولده فى أواخر سنة ست عشرة، أو أوائل سنة سبع عشرة و خمسمائة. و دفن بالقرافة (رحمه الله تعالى).

و لما اتصلت وفاته بالسلطان، استدعى الفقيه عماد الدين، فسار إلى العبّاسة. فولاه الحكم، و عاد (2) إلى القاهرة. فدخلها فى يوم الاثنين، ثامن الشهر. و لما وصل إلى مسجد التّبن، دخل إليه- و مسجد التبن بظاهر القاهرة- و لبس الطّرحة و ألقى الطّيلسان‏ (3). و كانت العادة جارية أن لا يتطرح إلا من علم فضله و اشتهر.

و فيها كانت وفاة الملك الأمجد: مجد الدين حسن، بن السلطان الملك‏

____________

(1) قرية بين بلبيس و الصالحية.

(معجم البلدان: ج 6- 106)

(2) الضمير يعود إلى الفقيه عماد الدين.

(3) ذكر صاحب «صبح الأعشى» ما يأتى:

«و يتميز قضاة القضاء الشافعى و الحنفى بلبس طرحة تستر عمامته و تسدل على ظهره و كان قبل ذلك مختصا بالشافعى». ذكر ذلك و هو يصف زى كبار القضاة و العلماء.

(القلقشندى: ج 4- ص 41- 42)

47

العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بالقدس- و هو شقيق الملك المعظم و الملك العزيز- (رحمهم الله تعالى).

و استهلت سنة ست و ستمائة:

فى هذه السنة- و قيل فى سنة سبع- نزلت الكرج‏ (1) على خلاط، و بها الملك الأوحد، بن الملك العادل. و ملك الكرج اسمه إيرانى‏ (2).

و اتفق فى أمر هذا الحصار واقعة غريبة، ذكرها الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه: «حوادث الزمان» عمّن حكى لوالده، قال:

كنت فى خلاط، و قد أشرف الكرج على فتحها، و لم يبق إلا دخولهم إليها. فبلغ الملك الأوحد أن منجم ايرانى قد حكم لصاحبه أنه متى زحف يوم السبت أول النهار، دخل خلاط، و جلس على تخت الملك، و لا يبيت ليلة الأحد إلا فى قلعتها. فأحضر الملك الأوحد منجمه، و ذكر له ما بلغه، فقال له: لا تخف، فإن خلاط لا تخرج عن ملكك، و أنت مستظهر على الكرج.

____________

(1) الكرج: أمة من المسيحيين، مساكنها بجبال القوقاز (القبق) ثم خرجوا و استولوا على تفليس (سنة 515 ه) و لم يزالوا متملكين لها حتى أخرجهم منها جلال الدين خوارزم شاه (سنة 621 ه).

(معجم البلدان: ج 7- 230- 231 السلوك: زيادة: ج 1- 169)

(2) هكذا رسمه فى أكثر وروده فى الأصلين. و لكن قرئ فى النجوم الزاهرة: (ج 6- 259): «إبوانى» و فى ابن الأثير: إيوانى.

48

و اتفق أن إيرانى شرب الخمر، و ركب فى جيوشه و قصد باب أرجيش‏ (1)، و حمل ليدخل البلد قبل أخيه، فكبا به فرسه فى حفيرة، فسقط إلى الأرض. و اتفق خروج جماعة من القيمريّة (2) من ذلك الباب، ليدفعوا الكرج من البلد، فرأوا إرانى قد سقط، فحملوا على أصحابه و كشفوهم عنه، و أسروه. و دخلوا باب المدينة، و قد تجهز الملك الأوحد للهزيمة، فجلس فى القلعة أمام تخت المملكة على كرسى. و كان بقلعة خلاط تخت عظيم، لا يجلس عليه الملك إلا فى يوم ملكه، ثم لا يعود يجلس عليه.

فلما أحضر ملك الكرج إليه، تلقاه و أكرمه، و أجلسه على تخت الملك و جلس بين يديه على كرسى، و قال له: البلاد لك. فكتب إيرانى إلى أخيه، و إلى الكرج، بالانصراف عن البلد، فرحلوا.

و تحالف الملك الأوحد و ملك الكرج على الموافقة و المعاضدة. و تزوج الملك الأوحد ابنة إيرانى، و جهزه إلى مدينته تفليس، بعد أن استأذن والده على ذلك، فأذن له. و يقال كان إطلاقه فى ثانى عشر جمادى الأولى، سنة سبع و ستمائة. و اللّه أعلم. و زفّت البنت إلى الملك الأوحد بعد ذلك، و هى على دينها، و بنى لها بيعة بقلعة خلاط. و أطلق الكرج القلاع التى كانت أخذت- و هى إحدى و عشرون قلعة- و مائة ألف دينار. و وافق قول كل من المنجمين: جلس الكرجى على تخت الملك، و بات بالقلعة، و انتصر الأوحد.

____________

(1) مدينة قديمة من نواحى أرمينية الكبرى قرب خلاط. و أكثر أهلها أرمن نصارى.

(ياقوت: ج 1- 181)

(2) نسبة إلى «قيمر» و هى قلعة فى الجبال بين الموصل و خلاط، ينسب إليها جماعة من أعيان الأمراء بالموصل و خلاط، و هم أكراد.

(معجم البلدان: ج 7- 199)

49

و فيها جهز الملك العادل جمال الدين المصرى‏ (1) رسولا إلى الخليفة.

فأدى، و أعيد. و صحبه من الديوان العزيز ابن الضحاك و أقباش‏ (2) الناصرى. فاجتمعوا بالسلطان الملك العادل على رأس العين.

ذكر حصار الملك العادل سنجار و رجوعه عنها و أخذ نصيبين و الخابور

و فى سنة ست و ستمائة، سار الملك العادل إلى سنجار (3)- و صاحبها، يوم ذاك، قطب الدين بن عماد الدين زنكى.

فلما خيم بظاهرها، أخرج صاحبها نساءه و خدمه، يسألن العادل إبقاء المدينة عليه. فلما حصلن عنده، أمر باعتقالهن. و أرسل إلى قطب الدين، يقول: انه لا يطلقهن إلا بعد تسليم البلد. فاضطر إلى موافقته. و تقررت الحال بينهما: أن يعوض قطب الدين الرّقّة و سروج و ضياع فى بلاد حرّان.

فأطلق العادل النسوة، و أرسل أعلامه إلى البلد، فلما دخلن البلد، و دخلت الأعلام العادلية، أمر قطب الدين بغلق الأبواب و تكسير الأعلام.

و أرسل إلى العادل، يقول: غدرة بغدرة، و البادى أظلم.

____________

(1) هو المعروف بالجمال المصرى: يونس بن بدران بن فيروز. ولد بمصر سنة خمس و خمسين و خمسمائة. سمع من السلفى و غيره. و كان يشارك فى علوم كثيرة. و درس التفسير بالعادلية بدمشق و ولى قضاء الشام. كانت وفاته سنة 623 ه.

(السيوطى: حسن المحاضرة: ج 1- ص 172)

(2) هو خادم الخليفة الناصر لدين اللّه.

(3) مدينة مشهورة من نواحى الجزيرة، تقع فى لحف جبل عال، بينها و بين الموصل ثلاثة أيام، و بينها و بين نصيبين ثلاثة أيام أيضا. و هى مدينة طيبة فى وسطها نهر جار، و عامرة جدا.

50

فحاصرها العادل، و قطع أشجارها و هدم جواسقها. فانتصر صاحب الموصل لصاحب سنجار، خوفا على بلاده. و راسل مظفر الدين صاحب إربل، و كان بينهما وحشة. و كان من جملة رسالة صاحب الموصل له: أن الأحقاد تذهبها الشدائد. فراسل مظفر الدين العادل، يشفع عنده فى صاحب سنجار. فرد رسوله أقبح رد. فمضى إلى صاحب الموصل، و اتفق معه، و راسلا صاحب الجزيرة.

و أرسل مظفر الدين إلى صاحب سنجار، يشير عليه بمراسلة الخليفة.

فأرسل إليه، فمضى الرسول إلى بغداد. فأرسل الخليفة إلى العادل، يشفع عنده فى صاحب سنجار. فلم يجب العادل لذلك. فغضب رسول الخليفة، و عاد إلى الموصل، و قال لمن بها من الملوك: قد أذن لكم أمير المؤمنين فى قتال العادل.

فكتبوا إلى الملك الظاهر صاحب حلب، و أغروه بعمه. فأرسل أخاه الملك المؤيد: نجم الدين مسعود إلى عمه، يشفع فى صاحب سنجار. فرده أقبح رد. فبرز الظاهر من حلب، فى ثامن شعبان، لقصد العادل. فتفرقت عساكره، و التحق بعضها بالعادل.

ثم رأى أهل سنجار أن من خرج منهم غضبه عسكر العادل، و فسقوا بمن خرج من النساء، فقاتلوا قتال الحريم. فاضطر العادل إلى الصلح مع صاحب سنجار. فتقرر أن يسلموا إلى العادل: نصيبين و الخابور، و يحملوا إليه مالا. ففعل، و فارق سنجار.

و فيها كانت وفاة الملك المؤيّد: نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، برأس عين، عند منصرفه من عند عمه الملك‏

51

العادل، برسالة أخيه بسبب سنجار. و كان قد نام فى بيت مع ثلاثة نفر، و عندهم منقل فيه نار، و البيت بغير منفذ، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم، فماتوا جميعا فحمل المؤيد فى محفة إلى حلب، فدفن بها و فيها توفى الشيخ الإمام العلامة: فخر الدين أبو عبد اللّه، محمد بن عمر بن الحسين بن على بن محمد، التّيمى البكرى الطّبرستانى الأصل، الرّازى- المعروف بابن خطيب الرّىّ، الفقيه الشافعى، صاحب التصانيف المشهورة (1). و كانت وفاته بهراة (2) فى يوم الاثنين- و هو يوم عيد الفطر- سنة ست و ستمائة. و مولده فى خامس عشر شهر رمضان، سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة.

و فيها كانت وفاة القاضى الأسعد: أبى المكارم أسعد بن الخطير أبى سعيد، مهذّب بن مينا بن زكريا بن أبى قدامة، بن أبى مليح ممّاتى، المصرى الكاتب الشاعر.

كان يتولى نظر الدّواوين بالديار المصرية. و كان نصرانيا فأسلم فى ابتداء الدولة الناصرية الصلاحية، هو و جماعته. و له مصنفات عديدة: نظم سيرة الملك الناصر صلاح الدين، و نظم كتاب كليلة و دمنة. و له ديوان شعر.

و باشر ديوان الجيش الصّلاحى، ثم ولى نظر الدواوين. و خاف الصاحب صفى الدين بن شكر فهرب إلى حلب، و التحق بالملك الظاهر صاحبها.

____________

(1) هو فخر الدين الرازى، الإمام المشهور، صاحب التفسير الكبير: «مفاتيح الغيب» و «المحصل» فى الحكمة و علم الكلام، و «الأربعين» فى أصول الدين، و غيرها من الكتب.

(2) كانت من مدن خراسان الكبرى قديما، و هى الآن فى مملكة أفغانستان.

52

و كانت وفاته بحلب فى سلخ جمادى الأولى سنة ست و ستمائة، و عمره اثنتان و ستون سنة. و دفن بالمقبرة المعروفة بالمقام، على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ الهروى. و ممّاتى لقب أبى المليح جده الأعلى. و سبب تلقيبه بهذا اللقب أنه وقع بمصر غلاء عظيم، و كان كثير الصدقة و الإطعام، خصوصا لأطفال المسلمين، و كان الأطفال إذ رأوه نادوه: ممّاتى، فغلب عليه. حكى ذلك ابن خلّكان عن الحافظ زكىّ الدين عبد العظيم- (رحمه الله تعالى).

و استهلت سنة سبع و ستمائة:

فى هذه السنة- فى يوم الاثنين الثانى و العشرين من شعبان- قدم الملك العادل إلى القاهرة، و صحبته الصاحب صفى الدين عبد اللّه بن شكر. ثم توجه إلى الطّور (1) لعمارته.

و فى هذه السنة، فى سابع شوال، حصل الشروع فى عمارة مصلّى ظاهر دمشق، و هى المجاورة لمسجد النارنج، فعمرت لصلاة العيدين، ثم عمل بالمصلى رواقات فى سنة ثلاث عشرة و ستمائة، و عملت حيطانه و رتب فيه خطيب لإقامة صلاة الجمعة فى سابع عشر من شهر رمضان. و فيها، فى حادى عشر من شهر شوال جددت أبواب جامع دمشق من جهة باب البريد، و عملت بالنحاس الأصفر و ركبت. و فى سادس عشر من شوال حصل الشروع فى إصلاح الفوارة بجيرون‏ (2). و عمل الشّاذروان و البركة

____________

(1) جبل مطل على طبرية الأردن.

(ياقوت: ج 6- 67)

(2) عند باب دمشق، و هى سقيفة حولها مدينة. و به سمى باب جيرون. و المعروف أن بابا من أبواب الجامع بدمشق، و هو بابه الشرقى، يقال له: باب جيرون. و قيل إن جيرون هى دمشق نفسها.

(معجم البلدان: ج 3- 191)

53

بساحتها، و اتخذ فيها مسجد بإمام راتب. و أول من رتب فيه- بأمر الصاحب صفى الدين بن شكر- الشيخ نفيس الدين المصرى، كان يلقب بوق الجامع لقوة صوته، و كان حسن الصوت.

و فيها فى سابع عشر من ذى القعدة، وصلت مراكب الفرنج إلى ثغر دمياط، على غرّة من أهله. فنهبوا أطراف الثغر، و أسروا جماعة من المسلمين.

و استهلت سنة ثمان و ستمائة:

و السلطان الملك العادل، و ابنه الملك المعظم، نازلان بالمخيّم على الطور (1)، و معهما العساكر، لعمارة حصنه. و هما مجتهدان فى إدارته حوشا.

ذكر بناء القبة على ضريح الإمام الشافعى- (رحمه الله تعالى)- و عمارة السوق‏

كان ابتداء عمارة هذه القبّة فى سنة ثمان و ستمائة و كانت أرض هذا المكان مقبرة عتيقة. فاتفق أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف أنشأ المدرسة المجاورة للضريح. فلما كان فى هذه السنة، فى خامس عشر من صفر، توفيت والدة الملك الكامل، و كان الملك الكامل، قبل وفاتها بأيام، ركب و طوّف القرافة على مكان يبنيه عليها، و يجعل فيه سوقا. فوقع الاختيار على دفنها بالضريح. فلما توفيت، دفنها و عمر عليها هذه القبة الموجودة الآن.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه، و أنه جبل مطل على طبرية الأردن.

54

و غرم عليها أموالا جليلة المقدار، أجرى إليها الماء الحلو من بركة الحبش‏ (1) و انتقل البناء من القرافة الكبرى إلى هذا الموضع. ثم تغالى الناس بعد ذلك فى العمائر بالقرافة و زخرفوها، حتى صارت على ما هي عليه الآن.

و فى هذه السنة، كانت وفاة الأمير فخر الدين أبى المنصور، أياز جهاركس، الناصرى الصلاحى، بدمشق فى صفر، و دفن بقاسيون.

و كان الملك العادل قد أقطعه بانياس و تبنين و الشّقيف و هونين‏ (2) و تلك البلاد، لأجل انحرافه عن الملك الأفضل، ابن أخيه الملك الناصر. و لما مات جهاركس، أقر السلطان ما كان بيده على ابنيه. و قام بالأمر و التدبير الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى أحسن قيام، و سد تلك الثغور. و اشترى صارم الدين ضيعة بوادى بردى‏ (3) تسمى الكفر، و وقفها على تربة جهاركس، و عمر له قبة.

و فيها توفى الأمير صارم الدين برغش العادلى، بدمشق، فى ثالث و عشرين صفر، و دفن بقاسيون غربى بالجامع المظفرى.

____________

(1) كانت من أكبر متنزهات مصر، و موقعها بظاهر (أى خارج) مدينة الفسطاط من قبليها، فيما بين الجبل و النيل. و كانت من قبل تسمى ببركة المعافر أو بركة حمير، و ماء النيل يدخل إليها. (السلوك: ج 1- 174) نقلا عن الخطط للمقريزى ج 1- 486.

(2) سبق التعريف بهذه المواضع كلها، و كلها حصون و بلاد بين صفد و دمشق.

(3) أكبر أنهار دمشق. يمر بالغوطة ثم بمدينة دمشق، حتى يصب شرقيها فى بحيرة المرج.

(المعجم: ج 2- 118)