نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج30

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
416 /
3

الجزء الثلاثون‏

مركز تحقيق الترات نهاية الأرب فى فنون الأرب تأليف شهاب الدّين احمد بن عبد الوهاب النويرى 677- 733 ه الجزء الثلاثون تحقيق* مراجعة د- محمد عبد الهادى شعيرة* د- محمد مصطفى زيادة 1410 ه- 1990 م‏

4

أشرف على الطبع و التصحيح أحمد صلاح زكريا الباحث الأول بمركز تحقيق التراث‏

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقديم‏

هذا هو الجزء الثلاثون من نهاية الأرب فى فنون الأرب لشهاب الدين النويرى، و هو يقابل الجزء الثامن و العشرين بتقسيم المؤلف.

و يبدأ هذا الجزء بذكر أخبار السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى (سنة ثمان و خمسين و ستمائة) و ينتهى بذكر وصول السلطان الملك السعيد ناصر الدين الى قلعة الجبل، و ما كان من أمره إلى أن انخلع من السلطنة، و تولية أخيه السلطان الملك العادل بدر الدين سلامش من بعده، إلى أن تم خلعه (سنة ثمان و سبعين و ستمائة).

و قد اعتمد المحقق و المراجع- (رحمهما الله)- فى تحقيق هذا الجزء على نسختين:

الأولى: نسخة أيا صوفيا و هى نسخة مصورة محفوظة بدار الكتب تحت رقم 551 معارف عامة و قد رمز لها بالحرف (ا) و اعتبرت أصلا.

الثانية: نسخة كوبريلي و هى نسخة مصورة محفوظة بدار الكتب تحت رقم 549 معارف عامة و قد رمز لها بالحرف (س).

نسأل اللّه التوفيق و السداد.

مركز تحقيق التراث‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]

[تتمة ذكر اخبار دولة الترك‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* و به توفيقى‏

ذكر أخبار السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى و هو الرابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية المحروسة،

[سنة ثمان و خمسين و ستمائة]

و هو تركى الجنس من قبيلة البرلى، ملك الديار المصرية و البلاد الشامية فى يوم السبت المبارك الخامس عشر من ذى القعدة سنة ثمان و خمسين و ستمائة، و كان ذلك بمنزلة القصير (1) من منازل الرمل، فى اليوم الذى قتل فيه السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى.

و ذلك أنه لما قتل الملك المظفر ساق الأمراء إلى الدهليز و نزلوا به، و جلسوا كلهم دون طراحة السلطنة، و تشاوروا فيمن يملكونه‏ (2) عليهم، فوقع اختيارهم عليه. و يقال إن الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب الصالحى الأتابك قال فى ذلك المجلس: «ينبغى ألا يلى السلطنة إلا من خاطر بنفسه فى قتل السلطان و أقدم على هذا الأمر العظيم» فقال الملك الظاهر: «أنا قتلته» و وثب و جلس‏

____________

(1) المقصود قصير الصالحية، و هى على مرحلة من مدينة الصالحية الحالية و اسمها اليوم قرية الجعافرة بمركز فاقوس» راجع النجوم (ج 7 ص 101، ص 13- 15).

(2) فى الأصل، و فى نسخة (س): بملكوه.

14

على طراحة السلطنة، فبايعه الأمير فارس الدين المذكور، و حلف له، ثم الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، ثم الأمراء على طبقاتهم. ثم قال له الأمير فارس الدين الأتابك: «ان السلطنة لا تسم لك إلا بدخولك إلى قلعة الجبل»، فركب لوقته، و ركب معه الأمير فارس الدين الأتابك، و الأمير سيف الدين قلاون الألفى، و الأمير بدر الدين بيسرى‏ (1) الشمسى، و مماليكه و خواصه.

و توجه [بيبرس‏] إلى قلعة الجبل، و رتب فى مسيره إليها أرباب الوظائف:

فرتب الأمير جمال الدين أفش‏ (2) النجيبى الصالحى استاد دارا (3)، و الأمير عز الدين أيبك الأقرم الصالحى أمير جاندار، و الأمير حسام الدين لاجين الدرفيل، و الأمير سيف الدين بلبان الرومى فى الدوادارية، و الأمير بهاء الدين أمير آخور على عادته. و لفيه فى طريقه الأمير عز الدين إيدمر الحلى، و كان ينوب عن الملك المظفر بقلعة الجبل، و قد خرج لتلقيه، فأعلمه الملك الظاهر بما اتفق، و عرض عليه أن يحلف، ثم تقدم [إيدمر] إلى القلعة و اجتمع بمن بها، و وعدهم عن السلطان المواعيد الجميلة فأجابوه، و لم يزل على باب القلعة إلى أن وصل السلطان إليها، فدخلها ليلا و تسلمها.

و يقال إنه لما ملك [بييرس‏] تلقب بالملك القاهر و وصل إلى قلعة الجبل و لقبه ذلك، فأشار الصاحب زين الدين بن الزبير بتغيير هذا اللقب، و قال إنه ما لقب به أحد فأفلح: لقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه و خلع و سمل.

____________

(1) هذا الضبط منقول عن السلوك (ج 1، ص 405).

(2) كذا فى الأصل بغير ضبط أما صاحب النجوم (ج 7 ص 155) فإنه يرسم الاسم بالواو (أقوش).

(3) كذا فى الأصل دائما.

15

و لقب به القاهر صاحب الموصل فسم. فنقل السلطان لقبه إلى الملك الظاهر و اللّه أعلم.

قال المؤرخ‏ (1) و كانت القاهرة و مصر قد زينتا لقدوم الملك المظفر، و الناس فى سرور لمقدمه إثر هذا النصر العظيم‏ (2)، فلم يرعهم إلا و مناد ينادى: «معشر الناس، رحمكم اللّه، ترحموا على الملك المظفر، و ادعوا لسلطانكم الملك الظاهر ركن الدين» فوجم الناس لذلك، و تألموا خوفا من شدة البحرية و ما كانوا (3) يعتمدونه من الظلم و السلطنة فى غيرهم، فكيف و قد صارت فيهم. فعاملهم السلطان بما سرهم به، و هو أن الملك المظفر كان قد جدد على الناس حوادث‏ (4) فى سنة ثمان و خمسين و ستمائة: منها تصقيع الأملاك و تقويمها و أخذ زكاتها، و أخذ ثلث الترك الأهلية، و مضاعفة الزكاة، و جباية الدينار من كل إنسان، و مبلغ ذلك ستمائة ألف دينار. فأبطل السلطان [بيبرس‏] ذلك، و كتب به توقيعا قرئ على المنابر، فطابت قلوب الناس.

قال: و لما أصبح السلطان [بيبرس‏] فى يوم الأحد جلس بالإيوان بقلعة الجبل و حلف العساكر لنفسه، و استناب مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار (5)

____________

(1) المؤرخ المقصود هنا هو محيى الدين بن عبد الظاهر مؤلف السيرة الظاهرية برغم عدم ذكر اسمه ذلك أن النويرى ينقل عن هذه السيرة الظاهرية دون التقيد باللفظ حتى إذا نقل عن غيرها نبه إلى ذلك.

(2) الإشارة هنا إلى وقعة عين جالوت.

(3) فى الأصل «كأنه» و ما هنا من النسخة «ص».

(4) الحوادث هنا بمعنى الضرائب الطارئة (انظر درزى).

(5) كذا فى الأصل دائما.

16

و أقر الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب فى الأتابكية.

و كاتب الملوك و النواب و الأمراء بالممالك الشامية يخبرهم بما جدده اللّه تعالى له من أمر السلطنة، و يطلب منهم بذل الطاعة و الموافقة.

17

و استهلت سنة تسع و خمسين و ستمائة

فى هذه [السنة] كان السلطان فى ابتداء سلطنته أخبار متشعبة متباينة: منها ما هو فى حضرته بمقر ملكه بالديار المصرية؛ و منها ما هو بدمشق، و منها ما هو بحلب، و كل ذلك فى هذه السنة، و بعضه فى أواخر سنة ثمان و خمسين.

و قد رأينا أن نبدأ من ذلك بما كان فى مقر مملكته فى بعض هذه السنة خاصة، ثم نذكر ما كان بدمشق و حلب من الحوادث و الوقائع إلى أن استقرت قواعد سلطنته و تأكدت أسباب دولته، ثم نذكر ما يشمل المملكة عموما، ثم نذكر بعد ذلك ما اتفق [له‏] من الأحوال، و ما رتبه من الأمور، و ما أمر به من العمائر و الأوقاف و غير ذلك بمصر و الشام، و نذكر الأخبار و الوقائع على حكم السنين نقدم ما قدمه التاريخ و نؤخر ما أخره.

لا نستثنى مما نورده من أخبار دولته إلا الغزوات و الفتوحات: فانا نذكرها مفردة، و نختم بها أخبار دولته، فإنها من الفتوحات الجليلة و الغزوات المشهورة فأحببنا إيرادها فى موضع واحد، لئلا تنقطع بغيرها من أخباره، على ما نقف على ذلك إن شاء اللّه تعالى.

فأما ما كان من الأخبار و الحوادث فى مقر ملكه بالديار المصرية

فمن ذلك ركوب السلطان من قلعة الجبل فى يوم الاثنين سابع صفر من السنة بشعار السلطنة، و ساق خارج المدينة إلى باب النصر و دخل منه، و شق القاهرة و خرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل، و الأمراء و أعيان الدولة مشاة فى خدمته.

18

و منه تفويض وزارة الدولة إلى الصاحب بهاء الدين.

ذكر تفويض الوزارة إلى الصاحب الوزير بهاء الدين على بن القاضى سديد الدين أبى عبد اللّه محمد بن سليم المعروف بابن حنا

فى هذه السنة، فوض السلطان إليه وزارة دولته، و خلع عليه، و ركب فى خدمته الأعيان و الأكابر، و الأمير سيف الدين بلبان الرومى الداودار، و جماعة من الأمراء، و ذلك فى يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول و قبيل ثانية، و تمكن [الصاحب بهاء الدين‏] من السلطان و دولته تمكنا عظيما. و حكى لى بعض الأكابر الثقات [أن‏] الصاحب بهاء الدين رأى فى منامه قبل وزارته أنه ذبح السلطان الملك الظاهر، فقصّ ذلك على من يثق به ممن له معرفة بالتعبير، فقال له: «تتمكن منه تمكن الدابح من المدبوح». و كان منه فى أقرب منزلة و أعز مكانة.

ذكر القبض على جماعة من الامراء المعزّية

و فى شهر ربيع الأول أيضا، قبض السلطان على جماعة من الأمراء المعزية و سبب ذلك أنه حضر إلى السلطان أحد أجناد الأمير عز الدين الصيقلى‏ (1) و أنهى أن مخدومه فرق جملة من الذهب على جماعة، و قرر معهم الوثوب على السلطان و قتله، و كذلك الأمير علم الدين الغتمى، و الأمير سيف الدين بهادر المعزى،

____________

(1) كذا فى الأصل، و فى النجوم (ج 7 ص 107) الصقلى.

19

و الأمير شجاع الدين بكتوت و غيرهم. فقبض عليهم، ثم قبض على الأمير بهاء الدين بغدى‏ (1) الأشرفى، فى شهر ربيع الآخر، و اعتقله فلم يزل فى اعتقاله حتى مات.

ذكر تفويض قضاء القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز

و فى هذه السنة فوض السلطان الملك الظاهر قضاء القضاة بالديار المصرية لقاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف بن بنت الأعز (2)، و عزل قاضى القضاة بدر الدين السنجارى‏ (3)، و عوق عشرة أيام، ثم أفرج عنه و عطل عن الحكم.

و نسخة التقليد السلطانى: «لقاضى القضاة تاج الدين» و مثال العلامة الظاهرية عليه بعد البسملة: «المستعلى باللّه».

«الحمد للّه الذى أنار مطالع الهدى، و صان ما ابتذل من الأمور التى ما أهملت سدى، و ألبس الشريعة المطهرة ثويا من الشرف مجددا، و أعلى منارها بمن أضاءت مساعيه، فلو سرى بها الركب لاهتدى».

____________

(1) مضبوط هكذا بالأصل، و يذكر صاحب النجوم (ج 7 ص 43) أنه كان يشغل وظيفة مقدم الحلقة وقتذاك.

(2) أورد ابن تغرى بردى فى النجوم (ج 7 ص 42 حاشية 3) هذا الاسم كاملا كالآثى.

أبو محمد عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف بن بنت الأعز بن محمود بن بدر بن أبى محمد العلامى الشافعى.

(3) عن النجوم (ج 7 ص 42 حاشية 2) أنه يوسف بن الحسن على السنجارى و النسبة إلى سنجار بشمال العراق.

20

«أحمد على نعم توالى هطل غمامها، و منن أضحت متناسقة عفود نظامها».

«و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الذى عزت به أمور الإسلام بعد اهتضامها، و على آله و أصحابه الذين أضحت بهم عرى الدين الحنيف وثيقة بعد انفصامها.

و بعد، فلما كان المجلس السامى، القاضى الأجل، الصدر الكبير، الإمام العالم، الفقيه الفاضل، المختار المرتضى، الصاحب تاج الدين، عز الإسلام، مجد الأنام، شمس الشريعة، مفتى الفرق، رئيس الأصحاب، ذخر الملوك و السلاطين، قاضى القضاة عبد الوهاب بن خلف، أدام اللّه سعادته و نعمته، ممن أحرز فى الفضائل قصب سبقه، و وصل سح‏ (1) غمامه فى العلوم الشرعية ببرقه و اجتنى ثمارها الدانية القطوف، و اجتلى أقمار معانيها التى لا تتوارى عنه بالسجوف‏ (2) و سلك سهيلا من العفاف أضحى به وحيدا منفردا، و مارس أمور الشريعة فثقف منها أودا، و أعمل فكرته الصافية فحلل منها عقدا، و أنعم نظره فيها فأوضح له من الضلال رشدا.

رسم بالأمر العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى، زاد اللّه فى علائه، و ضاعف مواد نفاذه و مضائه‏ (3) أن يفوض إليه الحكم العزيز بجميع الديار المصرية المحروسة، لما علم فيه من فضل ما زالت ثماره تجتنى، و مساع حميدة

____________

(1) فى الأصل: «السخ» بالخاء المعجمة» و هو خطأ و الراجح أنه السح بالحاء المهملة بمعنى السيل و الصب و الانهمار (القاموس المحيط).

(2) كذا فى الأصل، و السجوف جمع، مفرده السجف بفتح السين أو كسرها و هو الستر (القاموس المحيط).

(3) فى الأصل «مضايه». و الناسخ من عادته دائما تلين الهمزات.

21

ما برح بها إلى الخلائق محسنا، و دين متين يشيد من أمور الآخرة ما بنا، و سؤدد ما زال فيه و فى بيته مستوطنا، و أوصانى جميلة خصته بنباهة أضحى بها متقدما [و آراء مسددة أضاءت من سبل‏] الرشاد ما كان مظلما، و نزاهة ما زالت له خلقا لا تخلقا، و عفاف ما برح منه مثريا لا معلقا.

فليباشر هذا المنصب الذى أضحى ظل شرفه و ارفا، و كعبة حرمه التى يتوجه إليها من كان باديا أو عاكفا، عاملا فيه بالتقوى التى يحافظ عليها مسرا و معلنا، و يتمسك بأسبابها إذا صد عنها غيره و انثنى، فهى المعقل الذى لا يستباح له حمى، و المقام الذى يجد الخائف أمنه فيه محققا لا غيبا مرجّما (1)، و العصمة التى تنجى من العطب، و المركب الذى تجد به الأنفس راحتها الكبرى بعد التعب.

و ليول من القضاة من يحيى من الحق سننا، و يميت من الباطل بدعا، و يكون رجاؤه بالآخرة متصلا، و من الدنيا منقطعا، ليرجع به سبيل الحق بعد ضيقه متسعا، و شمل الباطل بعزيمته مفترقا لا مجتمعا.

و ليتفقد أمر العدول الذين أضحوا على الحقيقة عدولا عن المنهج القويم، راغبين عن المحامد بما يأتونه من كل وصف ذميم. و لا يترك منهم إلا شاهدا كان عن المعايب غائبا أو متورها، لا يعتمد من الأمور إلا ما كان واجبا، لتسلم عدالته من وصمه التجريح، و تظهر مساعيه التى تذلل له من العلا كل جموح.

و أموال الأيتام و الأوقاف فلا يباشرها إلا من كان لمباشرتها أهلا، و من تتحقق أنه يكون عليها قفلا. فطالما ابتذلت أيدى الخونة منها مصونا، و جعلت‏

____________

(1) فى الأصل، «عيبا مركما» و التعديل يقتضيه السياق المألوف.

22

العين منها أثرا حين مدت إليها عيونا. و لا تخلها من نظر يحفظ منها مضاعا و يحسم عنها أطماعا، و يخصها بمزية الزيادة بعد النقصان، و يكتب لها من مخاوف الخونة كتاب أمان.

فقد قلدناك هذه الأحكام التى ترجو بك الخلاص من تبعاتها، و رعينا بك حق الرعية، فلا تخل أمورهم من مراعاتها، و امضى عزيمتك فى إقامة منار الشريعة بعد القمود، و اعل همتك فى نظم ما تبدد له من العقود. و اجتهد فى أمره الاجتهاد الذى يرفل منه فى ضافى البرود، و متع الخلائق بأيام بيض من أحكامك غير سود، ففيك من السؤدد ما ينقاد به المفاخر، و من الأوصاف الجميلة ما تتميز به على الأوائل و أن جئت فى الزمن الآخر.

و قد قررنا لك من الجامكية و الجراية نظير ما كان مقررا لمن تقدمك، و هو فى كل شهر أربعون دينارا صرف أربعين و ستمائة و سنة و ستون درهما ناصرية و ثلثان و خمسة و عشرون أردبا غلة نصفين.

فليوصل ذلك إليه على تمامه و كماله عند وجوبه و استحقاقه، بعد العلامة الشريفة أعلاه إن شاء اللّه تعالى.

و كتب فى السابع عشر من جمادى الأولى سنة تسع و خمسين و ستمائة. الحمد للّه وحده و صلواته على سيدنا محمد نبيه، و آله و صحبه الظاهرين و سلامه.

و عين جهة الجامكية على الجوالى بالديار المصرية، و الغلة على الأهراء المباركة بمصر المحروسة.

و استمر [الصاحب تاج الدين‏] فى القضاء بجميع الديار المصرية إلى شوال من السنة، فاقتطع منه قضاء مصر و الوجه القبلى، و فوض ذلك إلى القاضى برهان‏

23

الدين الخضر بن الحسن بن على بن الخضر السنجارى‏ (1) فى ثالث شوال، ثم عزل [برهان الدين الخضر] و أعيد قاضى القضاة تاج الدين بتقليد سلطانى تاريخه الثامن من صفر سنة ستين و ستمائة. و قد شاهدت هذا التقليد و وقفت عليه.

ذكر ما اعتمده السلطان فى ابتداء سلطنته و رتبه من المصالح و قرره من القربات و الأوقاف و العمائر

كان مما ابتدأ به، (رحمه الله تعالى) و عفا عنه و أنابه، عمارة الحرم الشريف النبوى و سنذكره.

ثم وصلت الكتب فى سنة تسع و خمسين أن القبة التى بالصخرة الشريفة ببيت المقدس قد تداعت، فكتب إلى دمشق بتجهيز الصناع إليها و ما يحتاج إليه من الآلات، و نجزت العمارة بها فى سنة ستين.

و كانت عدة ضياع من أوقاف الخليل قد دخلت فى الإقطاعات، فأمر [السلطان‏] بارتجاعها، و عوض الأمراء عنها، و أعادها إلى الأوقاف، و أوقف قرية أذنا (2) على الخليل (عليه السلام).

ذكر بناء قلعة الجزيرة (3)

كان السلطان الملك المعز قد أمر بهدمها، و أباح ما بها من الرخام و الأصناف‏

____________

(1) عن النجوم (ج 7 ص 14 حاشية 4) هو برهان الدين أبو محمد الخضر

(2) كذا فى الأصل، و كذا فى السلوك أيضا (ج 1 ص 445)، و لم يستطع المحقق أن يجد تعريفا لهذا البلد من المراجع المتداولة.

(3) المقصود جزيرة الروضة؛ راجع النجوم (ج 6 ص 32 حاشية 4)، و كذلك ج 7 ص 192 حاشية 7). و كانت مساحة القلعة 65 فدانا، و كان حدها الجنوبى وقتداك عند المقياس الحالى.

24

التى غرم عليها السلطان الملك الصالح الأموال العظيمة، فرسم السلطان [بيبرس‏] بعمارتها، و ندب لذلك الأمير جمال الدين بن يغمور، فشرع فى إصلاح ما استهدم من قاعاتها، و رتب فيها الجاندارية، و أعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة.

و فرق السلطان الأبراج: فرسم أن يكون برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون‏ (1) الألفى، و ثانيه للأمير عز الدين الحلى‏ (2)، و البرج الثالث للأمير عز الدين إيغان‏ (3)، و برج الزاوية الغربى للأمير بدر الدين بيسرى الشمسى. و فرق بقية الأبراج على الأمراء، و رسم أن تكون بيوتاتهم و اسطبلاتهم بها، و سلم إليهم المفاتيح.

و رسم بعمارة القناطر بجسر شبر منت بالجيزية و أكثر ما كانت الجيزية تشرق عنه. فبنيت القناطر فى هذا الجسر تلتقى صدمه الماء الأولى و تفتح لتصريف المياه أولا فأولا (كذا).

و رسم بعمارة مشهد النصر (4) بعين جالوت، و كتب بذلك إلى نواب الشام.

و حث على عمارة الأسوار بثغر الاسكندرية و حفر خنادقها، و رتب جملة من الأموال فى كل شهر تصرف فى نفقة العمائر و بنى مرقبا لثغر رشيد لكشف مراكب الفرنج.

و رسم بردم فم بحر دمياط، و توغيره بالقراتيص، و تضييقه ليمنع السفن الكبيرة من الدخول فيه.

____________

(1) كذا فى الأصل بواو واحدة دائما. أما النسخة «س» فترسم الاسم بواوين دائما.

(2) راجع السلوك (ج 1 ص 445).

(3) كذا فى الأصل، و فى السلوك (ج 1 ص 445): «أوغان بالواو بدل الياء.

(4) كذا فى الأصل.

25

و رسم بحفر بحر أشموم طناح، و ندب لذلك الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى فتوجه لذلك و حفر ما يجب حفره، و غرق المراكب قبلى فم البحر من الجانب الغربى حتى ترد الماء إليه.

و اهتم بعمارة الشوانى و أعادها إلى ما كانت عليه من الأيام الكاملية و الصالحية.

و أمر بعمارة شوانى الثغرين و أحضرها إلى ساحل مصر، و كانت تزيد على أربعين قطعة، و عدة كثيرة من الحراريق و الطرائد و السلالير (1).

و ركب الخليفة و السلطان فى يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب سنة تسع و خمسين و ستمائة من القلعة إلى ساحل مصر، و ركبا (2) فى الحراريق، و تفرجا، و طلعا إلى قلعة الجزيرة و جلسا بمقعد البانياسى، و لعبت الشوانى، ثم عادا إلى القلعة.

و رسم بعمارة القلاع المنصورة بالبلاد الشامية و هى: قلعة دمشق، و الصلت و عجلون، و صرخد، و بصرى، و بعلبك، و الصبية، و شيزر، و شميس‏ (3)، و كان التتار قد خربوا أسوارها فرسم بإعادة ما استهدم و إصلاح ما تشعث.

و رسم بعمارة مدرسته التى بالقاهرة، و سيأتى ذكرها، إن شاء اللّه تعالى.

هذا ما قرره من المصالح العامة و رتبه من المهمات فى ابتداء سلطنته، فلنذكر خلاف ذلك من المتجددات.

____________

(1) السلالير جمع سلورة و هى نوع من السفن، انظر السلوك (ج 1 ص 271- 272)

(2) فى الأصل: «و ركب».

(3) كذا فى الأصل. و لم يستطع المحقق أن يجد تعريفا لهذا البلد فى المراجع المتداولة و لعل المقصود شميميش من كورة حمص و هذا الاسم الوارد فى السلوك (ج 1 ص 446، 987)

26

ذكر وصول من يذكر من الملوك إلى خدمة السلطان و ما قرره لكل منهم و ما عاملهم به من الإحسان‏

و فى سنة تسع و خمسين و ستمائة، وردت كتب النواب بدمشق يذكرون وصول الملك الصالح صاحب الموصل‏ (1) بأهله و غلمانه و أولاده، فكتب السلطان إلى النواب بدمشق بالمبالغة فى خدمته و ترتيب الإقامات له و لمن معه فى الطرقات من دمشق إلى القاهرة، فوصل فى شعبان من السنة، فتلقاه السلطان و أنزله فى أدر أخليت له.

ثم ورد بعده بأيام الخبر بوصول أخيه الملك المجاهد صاحب الجزيرة (2) فاعتمد السلطان معه نظير ما اعتمده فى حق أخيه. و كان الملك المظفر (3) أخوهما قد اعتقله الأمراء بحلب على ما نذكره، فأفرج السلطان عنه و أحضره إلى الديار المصرية، و ذلك قبل وصولهما إليه، فلما وصل أخواه استأذن فى تلقيهما، فأذن له السلطان فى ذلك.

و أنعم السلطان عليهم بالأموال و الخيول و الخلع و الحوائص لهم و لأصحابهم و عين جماعة من البحرية برسم خدمتهم و التصرف فى مهماتهم، ثم رسم السلطان‏

____________

(1) عن السلوك (ج 1 ص 460) و عن النجوم (ج 7 ص 200، ص 206 س 13) أنه الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.

(2) المقصود هنا جزيرة ابن عمر.

(3) عن السلوك (ج 1 ص 461) و عن النجوم (ج 7 ص 115) أنه الملك المظفر علاء الدين على صاحب سنجار.

27

بكتابة تقاليدهم ببلادهم. و كان الخليفة قد فوض ذلك إلى السلطان بتقليد على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

فكتب تقليد الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بالموصل و ولاياتها:

بالوصا، و الجزيرة [و] مدينة البوازيج‏ (1)، و الزيادة: عقر (2) [و] شوش، و دارا و أعمالها، و القلاع العمادية، [و] كنكور و بلدها.

و كتب تقليد الملك المجاهد سيف الدين إسحاق ببلاد الجزيرة و أعمالها و زيادة حمرين.

و كتب تقليد الملك المظفر: سنجار و أعمالها.

و كتب لعلاء الملك ولد الملك الصالح تقليد بقلعة الهيثم.

و لما توجه السلطان إلى الشام و خيم بظاهر القاهرة سيرت هذه التقاليد إليهم و معها أحمال الكوسات و الصناجق و الأموال. و أعفوا من الحضور و الخدمة عليها، و ساروا فى خدمة السلطان إلى الشام فسلطنهم.

و ذلك أنه أحضرهم مجلسه و جهز لهم خيل النوبة و العصائب‏ (3) و الجمدارية (4)،

____________

(1) عن معجم ياقوت أنه موضع قرب تكريت عند مصب الزاب الأسفل بنهر دجلة، راجع معجم ياقوت (ج 2 ص 297).

(2) عن معجم ياقوت أنهما مكانان متقاربان قرب جزيرة ابن عمر، و أنهما ليسا مكانا واحدا و قلعة عقر تعرف أيضا باسم عقر الحميدية، و أهلها أكراد. و يضرب بهما المثل فى العلو فيقال:

أعلى من العقر، راجع معجم ياقوت (ج 6 ص 194).

(3) العصائب جمع عصابة و هى راية عظيمة من حرير أصفر مطرز بالذهب عليها ألقاب السلطان و اسمه، راجع السلوك (ج 2 ص 67).

(4) الجمدارية هم الذين يقومون على شتون؟؟؟ السلاطين الأمراء و يلبسونهم ثيابهم، راجع السلوك (ج 2 ص 9).

28

و لبسوا الخلع و قبلوا الأرض و خرجوا بشعار السلطنة، و الأتابك فى خدمتهم، و توجهوا صحبة الخليفة على ما نذكره.

فاتفق انفصالهم منه فى أثناء الطريق لأسباب جرت، و توجه كل منهم إلى مملكته: فأما الملك الصالح فتوجه إلى الموصل و أقام بها، فاتفق اجتماع التتار عليها و حصارها. و أما أخواه فإنهما خافا مهاجمة العدو فعادا إلى الشام، و استأذنا فى الحضور، فأذن لهما السلطان فحضرا، و سألا السلطان إنجاد أخيهما فجرد الأمير شمس الدين سنقر الرومى و جماعة من البحرية و الحلقة. فتوجهوا فى رابع جمادى الأولى سنة ستين و ستمائة، و كتب [السلطان‏] إلى دمشق بخروج عسكرها صحبة الأمير علاء الدين طيبرس‏ (1) و رحل العسكر المصرى و الشامى من دمشق فى عاشر جمادى الآخرة.

ذكر وصول الخليفة المستعصم باللّه إلى الديار المصرية و مبايعته و تجهيزه بالعساكر إلى بلاد الشرق و ما كان من أمره إلى ان قتل‏

قال المؤرخ: و فى العشر الآخر من جمادى الآخر (2) سنة تسع و خمسين و ستمائة ورد كتاب علاء الدين طيبرس، و الأمير علاء الدين البندقدار (3) مضمونه أنه وصل‏

____________

(1) راجع السلوك (ج 1 ص 600): هو علاء الدين الحاج طيبرس الوزيرى.

(2) ورد شهر جمادى مذكرا و مؤنثا. و الأصل التأنيث و التذكير جائز مع تقدير لفظ شهر. و قد جرت عادة المؤلف على أن يكتب جمادى الأول، و جمادى الآخرة.

(3) راجع السلوك (ج 1 ص 595): هو علاء الدين ايدكين البندقدار أستاذ السلطان الظاهر بيبرس.

29

إلى جهة دمشق فى أول الغوطة رجل ادعى أنه أحمد بن الإمام الظاهر بن الإمام الناصر و معه جماعة من عرب خفاجة فى قريب من خمسين فارسا، و أن الأمير سيف الدين قليج البغدادى عرف أمراء العرب المذكورين و قال: «بهؤلاء يحصل القصد من العراق» فكتب السلطان بخدمته و تعظيم حرمته و أن يسير صحبته حجاب. فكان وصوله إلى القاهرة فى يوم الخميس التاسع من شهر رجب من السنة، فخرج السلطان للقائه و ساير أهل المدينتين، و كان يوما مشهودا، و شق القاهرة و هو لابس شعار بنى العباس، و طلع إلى القلعة راكبا، و نزل فى المكان الذى أخلى له.

و فى يوم الاثنين ثالث عشر أحضر السلطان الفقهاء و الأئمة و العلماء و الأمراء و الصوفية و التجار و غيرهم بقاعة العمد، و حضر الخليفة و أثبت نسبه على ما قدمنا ذكره فى أخبار الدولة العباسية. و لما ثبت النسب بايعه السلطان على كتاب اللّه و سنة رسوله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و الجهاد فى سبيل اللّه، و أخذ الأموال بحقها و صرفها فى مستحقها، ثم قلد الخليفة السلطان الملك الظاهر البلاد الإسلامية و ما سيفتحه اللّه من أيدى الكفار. و كتب بذلك تقليد شريف عن الخليفة للسلطان، و بايع الناس الخليفة على اختلاف طبقاتهم. و كتب السلطان إلى سائر الأعمال بأخذ البيعة له و أن يخطب باسمه على المنابر و تنقش السكة باسمه.

و لما كان فى يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب خطب الخليفة بالناس فى جامع القلعة (1)، و اهتم السلطان بذلك و نثرت جمل من الذهب و الفضة. و حصل‏

____________

(1) هو جامع قديم كان فى مواضع الجامع الناصرى الحالى القائم إلى جانب جامع محمد على بالقلعة إلى اليوم. و قد ظل الجامع القديم قائما إلى عام 718 إلى أن بنى الناصر جامعه الباقى إلى الآن.

30

للخليفة توقف فى الخطبة.

و فى يوم الاثنين رابع شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت فى البستان الكبير و الناس فى خدمته، و حملت الخلع صحبة الأمير مظفر (1) الدين و شاج الخافجى و خادم الخليفة. و دخل السلطان إلى خيمة أخرى و لبس الخلعة الخليفية، و هى عمامة سوداء مزركشة، و درّاعة بنفسجى، و طوق، و عدة سيوف تقلد منها و حملت خلفه، و لواءان، و سهمان كبيران، و ترس، و غير ذلك مما جرت العادة به. و قدم له فرس أشهب فى رقبته مشدة سوداء، و عليه كنبوش‏ (2) أسود.

و طلب الأمراء و خلع عليهم، و على الصاحب بهاء الدين، و قاضى القضاة، و صاحب ديوان الإنشاء الشريف: و هو القاضى فخر الدين بن لقمان، و طلع ابن لقمان على منبر قد جلل بالأطلس الأصفر، و قرئ التقليد على كافة الناس و هو:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ (3)* الحمد للّه الذى أضفى على الإسلام ملابس الشرف، و أظهر بهجة درره و كانت خافية بما استحكم عليها من الصدف. و شيد ما و هى من علاثه حتى أنسى ذكر ما سلف. و قبض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمه التى تسرح الأمين منها فى الروض الأنف، و ألطافه التى وقف الشكر عليها فليس عنها منصرف‏ (4)

____________

(1) كذا فى الأصلى راجع السلوك (ج 1 ص 452).

(2) الكبنبوش هو البردعة التى تكون تحت السرج، راجع السلوك (ج 1 ص 452).

(3) نفس نص المتن وارد فى السلوك (ج 1 ص 453- 454) و فى النجوم (ج 3، ص 111- 112). و النص هنا فى نسخة الأصل أضبط لغة و أسلم نسخا.

(4) التفات من الخطاب إلى الغيبة فى هذه الجملة فقط.

31

و أشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له، شهادة توجب من المخاوف أمنا، و تسهل من الأمور ما كان حزنا، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الذى جبر من الدين و هنا، و أظهر من المكارم فنونا لافتا، صلّى اللّه عليه و على آله الذين أضحت مناقبهم باقيه لا تفنى، و أصحابه الذين صحبوه فى الدنيا فاستحقوا الزيادة من الحسنى، و سلم تسليما».

«و بعد: فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، و أحقهم أن يصبح القلم راكعا و ساجدا فى تسطير مناقبه و بره، من سعى فأضحى سعيه الحميد متقدّما، و دعا إلى طاعته فأجابه من كان منجدا و متهما، و ما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا و معصما، و لا استباح بسيفه حمى و غى إلا أضرمه نارا و أجراه دما.

و لما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى- شرفه اللّه و أعلاه- ذكرها الديوان العزيز النبوى‏ (1) تنويها لشريف قدره، و اعترافا بصنعه الذى تنفد العبارة و لا تقوم بشكره، و كيف لا و قد أقام الدولة العباسية بعد أن أفعدتها زمانة الزمان، و أذهبت ما كان لها من محاسن و إحسان‏ (2)، و عتب دهرها المسي‏ء فأعتب، و أرضى عنها زمنها و قد كان صال عليها صولة مغضب، و أعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، و صرف لها اهتمامه فرجع كل مضيق من أمرها واسعا رحبا. و منح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا و عطفا، و أظهر من الولاء رغبة فى ثواب اللّه ما لا يخفى، و أبدى من الاحتفال بأمر الشريعة و البيعة أمرا لو رامه غيره لا متنع عليه، و لو تمسك‏

____________

(1) انظر النجوم (نفس الموضع) حيث توجد القاب إضافية.

(2) كذا فى الأصل.

32

بحبله متمسك لانقطع به قبل الوصول إليه، لكن اللّه أدخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، و يخفف بها يوم القيامة حسابه. و السعيد من خفف حسابه، فهذه منقبة أبى اللّه إلا أن يخلدها فى صحف صنعه، و مكرمة [قضت‏ (1)] لهذا البيت الشريف النبوى بجمع شمله بعد أن حصل الإياس من جمعه».

«و أمير المؤمنين يشكر الآن [لك‏] هذه الصنائع. و يعترف أنه لو لا اهتمامك بأمره لا تسع الخرق على الرافع. و قد قلدك الديار المصرية و البلاد الشامية و الديار الجزرية (2)، و البكرية، و الحجازية، و اليمنية و ما يتجدد من الفتوحات فورا و نجدا، و فوض أمر جندها و رعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم فردا: و ما جعل منها بلدا من البلاد و لا حصنا من الحصون مستثنى و لا جهة من الجهات تعد فى الأعلى و لا فى الأدنى».

فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لثقلها حاملا، و خلص نفسك اليوم لك التبعات، ففى غد تكون مسئولا عنها لا سائلا. ودع الاغترار بأمر الدنيا، فما نال أحد منها طائلا، و ما لحظها أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا، فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، و قدم لنفسه زاد التقوى فتقدمته غير التقوى مردودة لا مقبولة. و أبسط يدك بالإحسان و العدل، فقد امر اللّه بالعدل و الإحسان. و كرر ذكره فى مواضع من القرآن، و كفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليه آثاما، و جعل يوما واحدا منه كعبادة ستين عاما ما سلمك [أحد (3)] سبيل العدل و اجتنيت ثماره من أفنان، و رجع الأمن بعد

____________

(1) الإضافة يقتضيها السياق و تستند إلى قص السلوك أيضا (نفس الموضع).

(2) فى النجوم (نفس الموضع): الفراتبة.

(3) إضافة يقتضيها السياق مستندة إلى قص السلوك (نفس الموضع).

33

تداعى أركانه مشيد الأركان، و تحصن به من حوادث الزمان فكانت أيامه فى الأيام أبهى من الأعياد، و أحسن من الغرر فى أوجه الجياد، و أحلى من العقود إذا حلى بها عاطل الأجياد».

«و هذه الأقاليم المنوطة بنظرك تحتاج إلى حكام و أصحاب رأى من أرباب السيوف و الأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم فى أمرك فنقب عليه تنقيبا، و اجعل عليه فى تصرفاته رقيبا، و سل عن أحواله، ففى يوم القيامة تكون عنه مسئولا و بما اجترم مطلوبا، و لا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا.

و أمرهم بالأناة فى الأمور و الرفق، و مخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، و أن يقابلوا الضعفاء فى حوائجهم بالثغر الباسم و الوجه الطلق. و ألا يعاملوا أحدا على الإحسان و الإساءة إلا بما يستحق، و أن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا، و أن يوسعوهم برا و إحسانا، و ألا يستحلوا حرماتهم إذا استحل لهم الزمان حرمانا، و المسلم أخو المسلم، و إن كان أميرا عليه أو سلطانا. فالسعيد من نسج ولاته فى الخير على منواله، و استنوا بسنته فى تصرفاته و أحواله، و تحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله».

«و مما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيئ السنن، و جدّد من المظالم التى هى على الخلائق من أعظم المحن، و أن يشترى بإبطالها المحامد، فإن المحامد رخيصة بأغلى الثمن. و مهما جنى منها من الأموال فإنها فانية (1) و إن كانت حاصله، و أجياد الخزائن و إن أصبحت بها خالية فإنما هى الحقيقة عاطلة. و هل أشقى ممن احتقب إثما، و اكتسب بالمساعى الذميمة ذما، و جعل السواد الأعظم يوم القيامة له‏

____________

(1) فى الأصل: «باقية» و هو تصحيف ظاهر.

34

خصما، و تحمل ظلم الناس مما صدر عنه من أعماله، و قد خاب من حمل ظلما.

و حقيق بالمقام الشريف السلطانى الملكى الظاهرى الركنى أن تكون ظلامات الأيام مردودة بعدله، و غزائمه نخفف عن الخلائق ثقلا لا طاقة لهم بحمله‏ (1)، فقد أضحى على الإحسان قادرا، و صنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم من الملوك و إن جاء آخرا، فأحمد اللّه على أن وصل إلى جنابك إمام هدى، و أوجب لك مزية التعظيم و تنبيه الخلائق على ما خصك اللّه به من هذا الفضل العظيم. و هذه أمور ينبغى أن تلاحظ و ترعى، و أن توالى عليها حمد اللّه، فإن الحمد يجب عليها عقلا و شرعا. و قد تبين أنك صرت فى الأمور أصلا، و صار غيرك فرعا».

و مما يجب ذكره: الجهاد الذى أضحى على الأمة فرضا، هو و العمل الذى يرجع به مسود الصحائف مبيضا. و قد وعد اللّه المجاهدين بالأجر العظيم، و أعد لهم عنده المقام الكريم، و خصّهم بالجنة لا لغو فيها و لا تأثيم».

«و قد تقدمت لك فى الجهاد يد بيضاء أسرعت فى سواد الحساد، و عرف منك عزمة هى أمضى‏ (2) مما تحت ضمائر الأغماد. و اشتهرت لك مواقف فى القتال هى أبهى و أشهى إلى القلوب من الأعياد. و بك صان اللّه حمى الإسلام من أن يبتذل، و يعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول، و بسيفك الذى أثر فى الكافرين قروحا لا تندمل، و بك يرجى أن يرجع مقر الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه من الأيام الأول. فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان هاجعا، و كن فى مجاهدة أعداء اللّه إماما متبوعا لا تابعا. و أيد كلمة التوحيد فما تجد فى تأييدها إلا مطيعا سامعا».

____________

(1) فى الأصل «له».

(2) فى الأصل «ما».

35

«و لا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تبتسم له الثغور، و احتفال يبدل ما دجى من ظلماتها بالنور، و اجعل أمرها على الأمور مقدما، و سد منها ما غادره العدو متداعيا متهدما. فهذه حصون يحصل منها [الانتفاع‏ (1)] و بها تحصم الأطماع، و هى على العدو داعية افتراق لا اجتماع».

«و أولاها بالاهتمام ما كان البحر له مجاورا، و العدو إليه ملتفتا ناظرا، لا سيما ثغور الديار المصرية، فإن العدو وصل إليها رابحا، و رجع خاسرا، و استأصلهم اللّه فيما مضى حتى ما أقال منهم عائرا».

«و كذلك الأسطول الذى ترى خيله كالأهلة و ركائبه بغير سائق مستقلة، و هو أخو الجيش السليمانى، فإن ذلك غدت له الرياح حاملة و هذا تكفلت يحمله المياه السائلة. و إذا لحظها الظرف سائرة فى البحر كانت كالاعلام، و إذا شبهها قال هذه ليال تقلع فى أيام».

«و قد سنى اللّه لك من السعادة كل مطلب، و أتاك من أصالة الرأى الذى يريك المغيب، و بسط بعد القبض منك الأمل، و نشط من السعادة ما كان قد كسل، و هداك إلى مناهج الحق و ما زلت مهتديا إليها، و ألهمك المراشد فلا تحتاج إلى تنبيه عليها، و اللّه تعالى يؤيدك بأسباب نصره، و يوزعك شكر نعمه.

فإن النعم تستتم بشكره، بمنه و كرمه».

ثم ركب السلطان و شق المدينة بعد أن زينت، و حمل التقليد الأمير جمال الدين النجيبى استاد الدار العالية، و الصاحب الوزير بهاء الدين فى بعض الطريق‏ (2)

____________

(1) الإضافة يقتضيها السياق مع الاستناد إلى نص السلوك (نفس الموضع).

(2) عن النجوم (ج 1 ص 111، ص 13) أن الصاحب بهاء الدين حمل التقليد على راسه راكبا و الأمراء يمشون بين يديه.

36

و بسط أكثر الطريق للسلطان بالثياب الفاخرة، [و (1)] مشى عليها بفرسه، و وصل إلى القلعة.

و شرع السلطان فى استخدام للخليفة: فكتب للأمير سابق الدين بوزبا أتابك العسكر بألف فارس، و للأمير ناصر الدين محمد بن صيرم الخازندار بمائتي فارس، و للأمير الشريف نجم الدين استاد الدار بخمسمائة فارس. و أمر جماعة من العربان، و حملت إليهم الطلبخاناة و الصناجق، و أنفق فيهم الأموال لعدة شهور.

و اشترى السلطان مائة مملوك‏ (2) جمدارية و سلاح دارية للخليفة، و أعطى لكل واحد منهم ثلاثة أرؤس خيلا و جملا لعدته، و لم يبق أحد ممن تدعو الحاجة إليه من صاحب ديوان و كاتب إنشاء و ديوان و أئمة و مؤذنين و غلمان و حكماء و جرائحية إلا استخدموا. و لما تكامل ذلك كله تقدم السلطان بتجهيز العساكر.

و فى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان من السنة ركب السلطان هو و الخليفة فى السادسة من النهار، و نزل كل منهما فى دهليزه، و استمرت النفقة فى أجناد الخليفة.

و فى يوم العيد ركب الخليفة و السلطان تحت الجتر، وصليا العيد، و فى هذه الليلة حضر الخليفة إلى خيمة السلطان و ألبسه الفتوة بحضور (3) من يعتبر حضوره فى ذلك.

____________

(1) الإضافة يقتضيها السياق.

(2) زاد نص السلوك (ج 1 ص 458 ص 7)، «مائة مملوك كبارا و صغارا و رتبهم جمدارية».

(3) زاد نص السلوك «ج 1 ص 459، ص 9»: و ألبسه سراويل الفتوة.

37

و فى يوم السبت سادس شوال رحلا متوجهين إلى الشام، فلما وصلا إلى الكسوة خرج عسكر الشام للقائهما، و دخلا دمشق فى يوم الاثنين سابع ذى القعدة. و نزل السلطان بالقلعة، و نزل الخليفة فى تربة الملك الناصر بجبل الصالحية (1). و جرد الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، و الأمير شمس الدين سنقر الرومى إلى جهة حلب، و أمرهم السلطان بالمسير إلى الفرات، و أنه متى ورد عليهم كتاب الخليفة يطلب أحدا منهم إلى العراق يتوجه إلى خدمته لوقته.

و ركب السلطان و ودع الخليفة، و سير إليه الملوك الذين ذكرناهم.

ثم ورد كتاب الخليفة يذكر أنه وصل إلى حديثة وعانا، و ولى فيها (2) ثم كان ما ذكرنا من خروج طائفة من التتار و قتال الخليفة لهم و استشهاده، (رحمه الله تعالى)، على ما قدمناه فى أخباره، فى أخبار خلفاء الدولة العباسية.

و حسب ما أنفق فى مهم الخليفة و الملوك فكان ألف ألف دينار عينا و فى هذه السنة قبل مسير السلطان إلى الشام، كتب منشور الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا (3) بالإمرة على جميع العربان، و أطلق السلطان للعريان الغلال من بلد حلب، و ذلك قبل خروج السلطان إلى الشام.

____________

(1) زاد نص السلوك (ج 1 ص 460 س 3): «فنزل الخليفة بالتربة الصالحية فى سفح قاسيون».

(2) كذا فى الأصل، و انظر النجوم (ج 7 ص 116 س 5) و انظر السلوك كذلك (ج 1 ص 463) لتحديد الموضع المقصود.

(3) عن النجوم (ج 7 ص 116) هو شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن غضبة ابن فضل بن ربيعة أبو مهنا أمير آل فضل.

38

هذا ما كان من الأخبار بالديار المصرية، فلنذكر ما اتفق بالشام من حين ابتداء سلطنة السلطان الملك الظاهر إلى أن استقرت قواعد ملكه.

ذكر استيلاء الأمير علم الدين سنجر الحلبى على دمشق و سلطنته بها، و أخذها منه، و تقرير نواب السلطان بها

قد ذكرنا أن السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز كان قد فوض نيابة السلطنة بدمشق للأمير علم الدين سنجر الحلبى‏ (1)، فلما اتصل به خبر قتل الملك المظفر وثب على السلطنة بدمشق و حلف العساكر الشامية لنفسه، و لقب نفسه بالملك المجاهد، و ركب بشعار السلطنة، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الظاهر كتب إليه يقبح فعله و يسترجعه عنه، فعادت أجوبته بالمغالطة. فأرسل إليه السلطان الأمير جمال الدين أقن المحمدى يستميله‏ (2) و يرده عن تعاطى ما لا يتم له، و سير إليه صحبته مائة ألف و عشرين ألف درهم و حوائص و خلعا و ملابس بألفى دينار عينا. فلما وصل ذلك إليه جلس الأمير علم الدين الحلبى مجلسا عاما للناس و أشهدهم على نفسه أنه قد نزل عن الأمر الذى كان قد استحلف الناس عليه، و أنه من جملة النواب الظاهرية.

ثم رجع عن ذلك و ركب بشعار السلطنة على ما كان عليه أولا، فركب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار و خرج إلى ظاهر دمشق، و نادى باسم السلطان الملك الظاهر و معه جماعة فساق بهم إلى جهة السواد، فندب الحلبى جماعة لقتالهم، فانهزم أصحاب الحلبى، ثم رأى انحراف الناس عنه و اتفاقهم عليه،

____________

(1) عن النجوم (ج 7 ص 104 س 1) أنه «يلقب بالكبير».

(2) فى الأصل: «يستميله». و هو سهو.

39

ففارق دمشق و توجه إلى قلعة بعلبك. و دخل الأمير علاء الدين البندقدار دمشق، و حلف الناس للسلطان الملك الظاهر و جهز إلى بعلبك من أحضر الحلبى تحت الاحتياط. و كتب بذلك إلى السلطان، فجدد السلطان المناشير للأمراء و الجند، و قرر الحديث فى الأموال و نيابة القلعة للأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى، و رسم باحضار الحلبى، فلما وصل إليه اعتقله بقلعة الجبل، ثم أطلقه بعد ذلك و خلع عليه، و استمر فى الخدمة إلى أن جهزه إلى نيابة حلب. هذا ما اتفق بدمشق.

ذكر ما اتفق بحلب فى أمر النيابة

كان السلطان الملك المظفر قد استناب بالمملكة الحلبية الملك المظفر علاء الدين ابن صاحب الموصل، و لقبه بالملك السعيد على ما ذكرناه، فتوجه إلى حلب، و حصلت منه أمور أنكرها عليه الأمراء، و كان الملك المظفر قطز قد أقطع جماعة من الأمراء العزيزية و الناصرية بالبلاد الجبلية، فلما اتصل بهم قتل الملك المظفر اجتمعوا و قبضوا على الملك السعيد و نهبوا و طاقة، و كان قد برز إلى الباب المعروف بباب اللّه‏ (1) للقاء التتار، و استولوا على خزائنه فلم يجدوا فيها مالا طائلا، فتهددوه بالعذاب إن لم يقر لهم بالمال، فأخرج لهم من تحت الأشجار مالا كان قد دفنه، تقدير خمسين ألف دينار مصرية، ففرقت فى الأمراء و اعتقلوا الملك السعيد بالشغر (2)، ثم أفرجوا عنه بعد ذلك، و قدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزى، فكتب السلطان إليه تقليد بنيابة المملكة الحلبية.

____________

(1) كذا فى الأصل و قد ورد بالأصل أيضا بعد بضع صفحات: «بابلا» (ص 42).

(2) كذا فى الأصل مضبوطا بضم الشين و بالغين المعجمة. أما «س» فقد رسمت الأمم بالعين المهملة.

40

ذكر وصول طائفة من التتار إلى البلاد الإسلامية و ما فعلوه بحلب و تقدمهم إلى حمص و قتالهم و انهزامهم و ما كان من خبر عودهم‏

و فى سنة تسع و خمسين و ستمائة بلغ التتار أن الأمراء العزيزية و الناصرية قد وقع بينهم اختلاف، فتجمعوا من كل جهة و عبروا الفرات، و لما بلغ الملك السعيد خبرهم و أنهم و صلوا إلى جهة البيرة جرد إليهم جماعة قليلة من العسكر الحلبى، و قدم عليهم سابق الدين أمير مجلس الناصرى، فنهاه الأمراء العزيزية و الناصرية عن ذلك، و استقلوا العسكر المجرد، فلم يرجع إلى قولهم، و صمم على إرساله، فسار سابق الدين و من معه حتى قاربوا البيرة، فصدمهم التتار، فهرب سابق الدين منهم و دخل البيرة، بعد أن قتل أكثر من معه. فكان ذلك من أكبر الأسباب التى أوجبت القبض على الملك السعيد، ثم توجه التتار إلى جهة حلب، فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندار و العسكر الحلبى بين أيديهم إلى جهة حماة، و وصل التتار إلى حلب فى أواخر سنة ثمان و خمسين و ستمائة و ملكوها، و أخرجوا أهلها إلى قرنبيا، و اسمها قديما مقر الأنبياء، فسماها العامة قرنبيا، فلما اجتمعوا بها بذل التتار فيهم السيف فقتلوا أكثرهم. و تقدم التتار إلى جهة حماة، ففارقها العسكر الحلبى و صاحبها الملك المنصور إلى حمص، و اجتمعوا هم و الملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص، و اتفقوا على قتال التتار، و انضم إليهم الأمير زامل بن على أمير العربان. و وصل التتار إلى حمص، و التقوا و اقتتلوا فى يوم‏

41

الجمعة خامس المحرم من السنة (1) فانهزم التتار أقبح هزيمة، و قتل أبطالهم و شجعانهم، فاستشهد فيهم بقول الشاعر:

فإن كان أعجبكم عامكم‏ * * * فعودوا إلى حمص فى قابل‏

فإن الحسام الصقيل‏ (2)الذى‏ * * * قتلتم به فى يد القاتل‏

و قد شاهد جماعة كثيرة فى هذه الواقعة طيورا كثيرة بيضاء تحوم حال القتال.

حكى عن الأمير بدر الدين محمد القيمرى قال: «و اللّه، لقد رأيت بعينى طيورا بيضا و هى تضرب بأجنحتها فى وجوه التتار». و قد ذكر ذلك جماعة كثيرة حتى بلغ حد التواتر، فما كان بأسرع من انهزام التتار.

قال المؤرخ:

ثم اجتمع من سلم من التتار و نزلوا بسلمية، و عادوا إلى حماة، و رحلوا عنها إلى أفامية، و كان قد وصل إلى أفامية الأمير سيف الدين الديبلى‏ (3) الأشرفى و معه جماعة فأقام بقلعتها و بقى بغير على التتار، فرحلوا عن أفامية و عادوا إلى حلب، فأخرجوا من بها من الرجال و النساء و لم يبق إلا من ضعف عن الحركة و اختفى خوفا على نفسه، ثم نادوا فيهم: من كان من أهل حلب فليعتزل. فلم يعلم الناس ما يراد بهم، فظن الغرباء النجاة لأهل حلب، و ظن أهل حلب نجاة الغرباء،

____________

(1) زاد السلوك (ج 1 ص 442 ص 10) بذكر مكان المعركة: «على الرستن» فى منتصف الطريق بين حماة و حمص، و راجع معجم ياقوت.

(2) كذا فى الأصل.

(3) فى الأصل بغير فقط و ما أثبتناه هنا عن النسخة «س» بتقديم الياء المثناة على الباء الموحدة

42

فاعتزل بعض كل من الطائفتين مع الأخرى بحسب ما أدّى كل منهم اجتهاده، فلما تميز الفريقان أخذ التتار الغرباء و توجهوا بهم إلى بابلى‏ (1) فضربوا أعناقهم، و فيهم جماعة من أهل حلب و أقارب الملك الناصر، ثم أعادوا من بقى من أهل حلب إليها، و سلموا كل طائفة إلى رجل من الأكابر، ثم أحاطوا بالبلد و لم يمكنوا أحدا يدخل إليه و لا يخرج منه.

ثم فارق التتار حلب فى أوائل جمادى الأول سنة تسع و خمسين و ستمائة و كان سبب رحيلهم عنها أن السلطان الملك الظاهر جرد فى العشر الأول من شهر ربيع الأول الأمير فخر الدين الطنبا الحمصى و الأمير حسام الدين لاجين الجو كان دار (2) و الأمير حسام الدين العين تابى‏ (3) فى عسكر لدفع التتار عن حلب. فلما وصلوا إلى غزة أرسل فرنج عكا إلى التتار بخبرهم فرجعوا و فارقوا حلب.

و لما رحل التتار عن حلب تغلب عليها جماعة من أحداثها لخلوها من العسكر، منهم نجم الدين أبو عبد اللّه بن المنذر، و على بن الأنصارى، و أبو الفتح، و يوسف بن معالى، فقتلوا و نهبوا، و بلغوا أغراضهم ممن كان فى قلوبهم منهم ضغائن» فلما قاربوا الأمير فخر الدين الحمصى و الأمير حسام الدين تابى، و من معهما هرب هؤلاء عن حلب. و لما دخلها الأمير فخر الدين الحمصى صادر

____________

(1) و ترسم أيضا بابلا على ميل تقريبا من مدينة حلب (عن معجم ياقوت) و انظر «باب اللّه» التى وردت من قبل فى هذا المتن (ص 39).

(2) عن السلوك (ج 1 ص 429): هو حسام الدين لاجين بن عبد اللّه الجوكندار (كذا) العزيزى.

(3) عن السلوك (ج 1 ص 392): العنتابى.

43

أهلها و عذبهم و استخرج منهم ألف ألف درهم و ستمائة ألف درهم بيروتية، و أقام بها إلى أن وصل الأمير شمس الدين أقش البرلى، ففارقها.

ذكر الغلاء الكائن بحلب‏

قال الشيخ شمس الدين بن الجزرى فى تاريخه: و فى سنة تسع و خمسين و ستمائة بعد أن توجه‏ (1) التتار من البلاد الإسلامية غلت الأسعار بحلب، و قلت الأقوات فبلغ رطل اللحم سبعة عشر درهما، و رطل السمك ثلاثين، و رطل اللبن خمسة عشر، و رطل الشيرج سبعين، و رطل الخل ثلاثين، و رطل الأرز عشرين، و رطل الحب رمان ثلاثين، و رطل السكر خمسين، و الحلوى كذلك، و رطل العسل ثلاثين، و رطل الشراب ستين، و الجدى الرضيع بأربعين درهما، و الدجاجة بخمسة دراهم، و البيضة بدرهم و نصف‏ (2)، و البصلة بنصف درهم، و باقة البقل بدرهم، و البطيخة بأربعين درهما، و التفاحة بخمسة دراهم، و لم يذكر سعر الخبز و القمح، و لعل ذلك لعدمه.

قال: و كانت المكاسب كثيرة و الدرهم متيسر الحصول.

ذكر اختلاف العزيزية و الناصرية، و مفارقة الأمير شمس الدين أقش البرلى البلاد، و تولية الحلبى نيابة حلب و عزله، و عود البرلى إليها و خروجه منها، و نيابة البندقدار و عود البرلى إليها ثانية و خروجه‏

و فى سنة تسع و خمسين و ستمائة، بعد وقعة التتار، اختلف الأمراء العزيزية

____________

(1) توجه بمعنى رحل.

(2) كذا فى الأصل.

44

و الناصرية، و حضروا إلى الساحل، فأعطى السلطان بعضهم الإقطاعات، و حضر الباقون إلى الديار المصرية، و كان الأمير شمس الدين أقش البرلى مقطعا مدينة نابلس من الأيام المظفرية، فزاده السلطان بيسان و جعل لمملوكه قجقار عدة نواحى و توجه إلى دمشق. ثم أمر السلطان بإمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفى فغضب البرلى لذلك، و اجتمع معه العزيزية و الناصرية، و نزلوا بالمرج و توجهوا إلى حلب. و كان السلطان قد استناب الأمير علم الدين الحلبى بحلب قبل حدوث هذه الواقعة، و أمّر جماعة و قرر لهم وظائف و هم: الأمير شرف الدين قيران‏ (1) الفخرى و جعله استاذ الدار، و الأمير بدر الدين جماق و جعله أمير جاندار، و الأمير علاء الدين ايدكين الشهابى و جعله شاد الدواوين. فتوجه الأمير علم الدين و وصل إلى حلب فى يوم السبت ثالث شعبان من السنة و وصلت مطالعته إلى السلطان يذكر عبوره إلى حلب، و أن جماعة من العزيزية و الناصرية حضروا إليه يطلبون الأمانات. و لما وصل الحلبى إلى حلب جرد جماعه من العسكر خلف البرلى و من معه من العزيزية و الناصرية، فعطف عليهم العزيزية و الناصرية فهزموهم، فعزل السلطان الحلبى لذلك. و قيل إنه إنما عزله لأسباب أخر اتفقت أوجبت عزله. و لما عزل الحلبى فارق حلب و عاد إلى دمشق، فخلت مدينة حلب، فحضر الأمير شمس الدين البرلى إليها و أقام بها، و سير الأمير بدر الدين أيدمر الحلى رسولا منه إلى السلطان يبذل له الطاعة، فأبى السلطان إلا حضوره إلى الخدمة. و أقام البرلى بحلب إلى أن وصل السلطان إلى دمشق فى سنة تسع و خمسين، فجرد العساكر إليها ففارقها البرلى و توجه إلى الفرات، و عاد العسكر

____________

(1) دون فقط فى الأصل، و النقط المثبت منقول عن «ص».

45

و أغار على بلاد أنطاكية (1)، و كان فى العسكر صاحب حمص و صاحب حماة، فأخذت الينا و أحرقت المراكب، و أخذت الحواصل، و عادت العساكر إلى القاهرة فى يوم الخميس تاسع و عشرين شهر رمضان سنة ستين و ستمائة و صحبتهم ما يزيد على مائتين و خمسين أسيرا (2).

ثم استناب السلطان بحلب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار (3)، فتوجه إليها و أقام بها. ثم خشى عاقبة عود الأمير شمس الدين اقش البرلى، ففارق حلب و عاد و أقام بحماة و اعتذر أنه إنما فارق حلب لشدة الغلاء و عدم الأقوات.

و كان الأمير شمس الدين البرلى قد أرسل إلى السلطان الأمير علم الدين جكم بكتبه يسأله الصفح، فلما فارق البندقدار حلب عاد البرلى إليها و كتب إلى السلطان يعتذر من رجوعه إلى حلب، و أنه ما رجع إلا طائعا، و أن الأمير علاء الدين انفصل عن حلب اختيارا منه، و لو أقام لما قصده أحد، و توالت كتبه بالاعتذار و استأذن فى توجهه إلى الموصل، و السلطان يغلظ له تارة و يلين أخرى.

ثم جرد السلطان عسكرا صحبه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نجدة لصاحب الموصل، و انفق فيهم الأموال. فلما اتصل الخبر بالأمير شمس الدين البرلى توجه إلى سنجار و النقى التتار و قاتلهم قتالا شديدا. و كان معه نحو ألف فارس و هم فى جموع كثيرة فلم تساعده المقادير، و ذلك أنه سقط عن فرسه فأنكسرت رجله، فركبه أحد مماليكه و ساق يوما كاملا و لم يعلم من معه أن رجله كسرت، ثم كان من أمره ما نذكره، إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فى الأصل، بدون فقط و بدون رأس الكاف.

(2) انظر السلوك (ج 1 ص 472).

(3) انظر السلوك (ج 1 ص 463).

46

هذا ما اتفق بالشام و حلب.

ذكر ما اتفق للسلطان بالشام فى مدة مقامه بدمشق و ما وقع فى سفرته هذه خلاف ما قدمنا ذكره من أمر الخليفة

من ذلك أنه لما وصل إلى دمشق وصل إلى خدمته الملك المنصور صاحب حماة، و الملك الأشرف صاحب حمص و الرحبة، فتلقاهما و أكرمهما و أنعم عليهما بخيل النوبة و العصائب و شعار السلطنة، و ركب كل منهما بمفرده و الأمراء مترجلون فى خدمته، و كتب لهما التقاليد، و زاد الملك الأشرف تل باشر و الملك المنصور بلاد الإسماعيلية، و توجها إلى بلادهما.

و من ذلك أن أمراء العريان حضروا إلى خدمة السلطان فأنعم عليهم و وصل أرزاقهم، و سلم إليهم خفر البلاد، و ألزمهم حفظها إلى حدود العراق‏ (1).

و من ذلك أنه فوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى، و كان قبل ذلك بنيابة قلعة دمشق، و الأموال‏ (2).

ذكر ركوب السلطان إلى الميدان بدمشق و لعبه بالكره و من كان فى خدمته من الملوك‏

قال المولوى محيى الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية: و لعب السلطان فى ميدان دمشق، فرأيت فى خدمته جماعة من الملوك و هم: الملك الصالح صاحب الموصل [و] (3) الملك المجاهد صاحب الجزيرة، [و] الملك المظفر

____________

(1) زاد السلوك (ج 1 ص 465): «و كتب منشور الإمرة على جميع العريان للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا».

(2) انظر السلوك (ج 1 ص 465 س 4).

(3) إضافة واوات العطف للايضاح.

47

صاحب سنجار، [و] الملك علاء الملك. [و] الملك الأشرف صاحب حمص، [و] الملك الزاهر أسد الدين، [و] الملك المنصور صاحب حماة [و] الملك الأمجد تقى الدين بن الملك العادل سيف أبى بكر بن أيوب‏ (1)، [و] الملك المنصور [و] الملك السعيد، [و] الملك المسعود، و أولاد الملك الصالح عماد الدين اسماعيل (و) الملك الأمجد و أخوته أولاد الملك الناصر داود، (و) الملك الأشرف ابن ولد أقسيس [و] الملك القاهر بن الملك المعظم، و جماعة كثيرة منهم.

قال: و هذا ما لا رآه ملك آخر.

ذكر الصلح مع ملوك الفرنج‏

لما توجه السلطان إلى الشام سير سير جوان ديكين، كنديافا، يبذل الطاعة. و لما وصل السلطان إلى العوجا سأل الأمان للحضور إلى الدهليز، فتوجه الأتابك إليه و أحضره إلى السلطان. فأكرمه و كتب له منشورا ببلاده و رده إلى بلده.

قال: ثم وردت رسل ملوك الفرنج يهنون السلطان بالسلامة و معهم الإقامات الكثيرة.

فلما وصل السلطان إلى دمشق حضر رسول من عكا يسأل أمانا للرسل المتوجهين من ساير البيوت. فكتب إلى متولى بانياس بتمكينهم‏ (2)، فحضر أكابر الفرنج و التمسوا الصلح، فتوقف السلطان و اشترط شروطا كثيرة فتوقفوا،

____________

(1) عن النجوم (ج 7 ص 5 س 10) هو الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر يوسف بن الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبى بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب.

(2) فى الأصل: بدون رأس الكاف.

48

فأهانهم و زجرهم. و كان العسكر قد توجه للإغارة على بلاد الفرنج من جهة بعلبك، فسألوا فى رجوعه و تقرير الصلح على ما كان الأمر عليه إلى آخر الأيام الناصرية و إطلاق الأسرى، من حين انفصال الأيام المذكورة إلى وقت هذه الهدنة.

و توجهت الرسل معهم لأخذ العهود عليهم‏ (1).

و كذلك تقررت الهدنة لصاحب بافا و متملك بيروت على حكم الأيام الناصرية، و أمنت السبل و كثرت الأجلاب.

و شرع السلطان فى جمع الأسارى و سيرهم إلى مدينة نابلس حفظا للعهود، و الفرنج يكاسرون‏ (2) فى أمر الأسارى. فلما طال ذلك رسم السلطان بنقل الأسارى إلى دمشق و استعمالهم فى العمائر و بقى الحال موقوفا (3).

ذكر الغارة على العرب و الفرنج‏

قال: و لما وصل السلطان إلى الشام جرد الأمير جمال الدين المحمدى، و جرد معه جماعة من العسكر المنصور، و رسم لهم بالإغارة على بلد الفرنج، فتوجهوا و نهبوا و كسبوا، و عادوا ساطين‏ (4).

و جرد جماعة من البحرية و كتم خبرهم. و كان السلطان بلغه أن جماعة من عرب زبيد قد كثر فسادهم و أنهم مخالطون الفرنج و موافقوهم فى الباطن و يدلونهم على عورات المسلمين، فساق البحرية إليهم و انتهبوا أموالهم و قتلوا منهم و ذبحوا جماعة كثيرة، و كفى اللّه الإسلام شرهم‏ (5).

____________

(1) انظر السلوك (ج 1 ص 463/ 4).

(2) بمعنى يماطلون بحسب التعارف فى العامية.

(3) انظر السلوك (ج 1 ص 464 ص 4- 9).

(4) انظر السلوك (ج 1 ص 464 س- 9).

(5) انظر السلوك (ج 1 ص 464- 465).

49

و فى هذه السنة و السفرة، عزل السلطان القاضى نجم الدين بن قاضى القضاة صدر الدين بن سنى الدولة عن القضاة بدمشق، و فوضه للقاضى شمس الدين أحمد ابن بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكى من العريش إلى سلمية، و فوض إليه النظر فى جميع الأوقاف بالشام، منها الجامع و البيمارستان و المدارس و غير ذلك، و فوض إليه تدريس سبع مدارس و هى: العادلية، و العذراوية، و الناصرية، و الفلكية، و الركنية، و الإقبالية، و البهنسية. و كان تدريس هذه المدارس بيد القاضى نجم الدين المعزول، و وكل بالقاضى نجم الدين‏ (1) و أمره أن يتوجه إلى الديار المصرية. و كان مذموم السيرة فى ولايته. ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة جملة من معانيه.

ذكر عود السلطان إلى الديار المصرية

قال: و لما استقرت هذه الأمور عاد السلطان إلى الديار المصرية، و كان وصوله فى يوم السبت سابع عشر ذى الحجة سنة تسع و خمسين و ستمائة.

ذكر أخذ الشويك‏

كان السلطان قد جهز الأمير بدر الدين الأيدمرى و صحبته جماعة من العسكر، و ما أعلم أحدا ممن جرد بالجهة التى يتوجهون إليها، فتوجه إلى الشويك و بذل المال و الخلع فسلمت إليه. و وصل الخبر بتسليمها فى سادس عشرين ذى الحجة من السنة. و ولى نيابتها الأمير سيف الدين بلبان المحتصبى‏ (2)، و استخدم بها النقباء

____________

(1) انظر السلوك (ج 1 ص 465- ص 6- 7)، هو نجم الدين أبو بكر محمد بن أحمد ابن يحيى بن الستى.

(2) كذا فى الأصل واضحا، و فى السلوك (ج 1 ص 447 س 21): «المختصى».

50

و الجاندارية، و أفرد لخاص القلعة ما كان لها إلى آخر أيام الصالحية النجمية.

و فى هذه السنة، كانت وفاة الصاحب صفى الدين أبى إسحاق إبراهيم ابن عبد اللّه بن هبة اللّه بن أحمد بن مرزوق العسقلانى، و كان قد وزر للملك الأشرف ابن الملك العادل بدمشق مدة، ثم عزل بجمال الدين بن جرير، و كان تاجرا مشهورا بالثروة و كثرة الأموال. و كان ابتداء أمره كما حكى عنه أنه حكاه عن نفسه قال: أرسلنى والدى إلى القاهرة من مصر لأبتاع له قمحا، و كان له طاحون بمصر، فتوجهت إلى دار بعض الأمراء فاشتريت ألف أردب بخمسة آلاف درهم، و تسلمتها، و بت فى تلك الليلة بالقاهرة، و أصبحت فتحسن سعرها فبعتها بسبعة آلاف، فأوفيت الثمن، و أخذت ما بقى، و صرفت به مائة و ثلاثين دينارا. و أتيت والدى فسألنى عن القمح، فقلت: بعته، فقال: و لم لا أتيت به؟ فقلت له: إنك لم ترسل معى الثمن، حتى و لم تعطنى دابة أركبها، و عندك عشرين دابة، ماهان عليك أن أركب منها دابة (1). و كنت قد مشيت من مصر إلى القاهرة فحقدت ذلك عليه. قال: ثم اتجرت فى ذلك المال الذى ربحته من ثمن القمح فبارك اللّه لى فيه حتى جمعت منه ستمائة ألف دينار عينا، غير ما اشتريت من العقار و الأثاث و الخدم و الدواب و المسفر و غيره.

و كانت وفاته بمصر و دفن بسفح المقطم. و مولده فى شهر رجب سنة سبع و سبعين و خمسمائة. (رحمه الله تعالى).

و فيها توفى الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خماردكين‏ (2)، و هو صاحب صهيون، و جده عتيق الأمير مجاهد الدين صاحب صرخد.

____________

(1) كذا فى الأصل.

(2) انظر النجوم (ج 7 ص 206 س 2- 4).

51

و كانت وفاته فى ثانى عشر شهر ربيع الأول سنة تسع و خمسين و ستمائة بقلعة صهيون و دفن بها، و ولى بعده ولده سيف الدين محمد. و كان هو قد ولى صهيون بعد وفاة والده ناصر الدين منكورس فى سنة ست و عشرين و ستمائة. و خلف الأمير مظفر الدين من الأموال ما لا يحصى كثرة. حكى الشيخ شمس الدين ابن الجزرى فى تاريخه قال: حكى لى الصاحب مجد الدين اسماعيل بن كسيرات الموصلى قال: كان مظفر الدين صاحب صهيون يجلس فى كل يوم فى باب القلعة و يأخذ قطعا من الشمع و يختم عليها بخاتمه، فمن كان له دعوى على خصمه أو محاكمة جاء إليه و أحضر معه شيئا من المأكول فيضعه فى الدركاه بين يدى الأمير مظفر الدين، و يأخذ قطعة من ذلك الشمع المختوم و يتوجه إلى خصمه و يقول هذا ختم السلطان، فيأخذ الخصم معه شيئا أيضا و يحضر إلى بين يديه فيحكم بينهما بنفسه. قال: فسألته عن مقدار ما يحضره الواحد منهم. قال:

يأتى كل واحد بحسبه من الرأس الغنم إلى خمس بيضات. و مات و قد ناف على تسعين سنة، (رحمه الله).

و فيها توفى الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن عبد الملك بن عيسى بن درياس الماردانى‏ (1) الشافعى، و كانت وفاته بالقاهرة فى يوم السبت سادس شوال، و دفن من يومه بسفح المقطم. و مولده فى ليلة الثلاثاء ثانى عشرين شهر ربيع الأول سنة ست و سبعين و خمسمائة، (رحمه الله تعالى).

____________

(1) فى الأصل المارانى، و التعديل مستند إلى النسخة س، و إلى شذرات الذهب فى وفيات عام 659 ه، و اسمه: القاضى كمال الدين أبو حامد محمد بن قاضى القضاة صدر الدين عبد الملك الماردانى المصرى الشافعى الضرير، و يلقبه صاحب النجوم (ج 7 ص 205 س 17) «الصدر العدل».

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}