نهاية الأرب في فنون الأدب‏ - ج32

- أحمد بن عبد الوهاب النويري‏ المزيد...
341 /
5

الجزء الثاني و الثلاثون‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقديم‏

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و أصحابه و من اهتدى بهديه إلى يوم الدين و بعد، فهذا هو الجزء الثانى و الثلاثون من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى المتوفى سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة من الهجرة. و هو يؤرخ للحقبة الزمنية التى تبدأ من سنة إحدى و سبعمائة و تنتهى بنهاية سنة إحدى و عشرين و سبعمائة. و فيها تقع أحداث دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية اعتبارا من السنة الرابعة من ولايته إلى منتصف شوال من سنة ثمان و سبعمائة، و أحداث دولة الملك المظفر بيبرس المنصورى الجاشنكير، و التى انتهت فى رمضان سنة تسع و سبعمائة. ثم دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة حتى نهاية السنة الحادية عشرة من ولايته و هى سنة عشرين و سبعمائة هذا فضلا عن الأحداث و الحروب التى وقعت بين مملكة غرناطة الإسلامية بالأندلس، و مملكة قشتالة المسيحية فى سنة تسع عشرة و سبعمائة، و انتصرت فيها الجيوش الإسلامية.

و كذلك أخبار إمارة الأشراف الحسنيين أولاد أبى نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى و هم عز الدين حميضة، و أسد الدين رميثة، و عماد الدين أبو الليث، و سيف الدين عطيفة، و النزاع الذى وقع بينهم على تولى إمارة مكة. و موقف السلطنة فى مصر منهم، و تدخلها فى النزاع لضمان استتباب الأمن بمكة و بخاصة فى مواسم الحج و حماية للمجاورين من ظلم الأمراء و أتباعهم.

6

و ترجع أهمية هذا الجزء إلى أن النويرى عايش كل الأحداث التى وقعت فى هذه الحقبة إما من مشاهدة، أو سماع ممن شهدها أو نقل عن رسائل ممن شهدها، و يسر له ذلك ما كان يتولاه من أعمال تجعله قريبا من صناع القرار و مدبرى تلك الأحداث.

من ذلك أنه يقول فى أخبار سنة 107 ه: رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة، لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، و توجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، و فيه وصلت إلى دمشق- و هو أول دخولى إليها.

و يقول فى أخبار حرب التتار سنة 702 ه و فى يوم الأربعاء الثامن و العشرين من شعبان اختبط الناس بدمشق. و جفلوا من الحواضر و القرى، و خرج أكابر أهل دمشق و أعيانها فى هذا اليوم منها. فمنهم من التحق بالحصون، و منهم من توجه نحو الديار المصرية، و كنت يوم ذاك بدمشق، فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب، و التحقت بالعسكر بعد الغروب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا، فوجدتهم قد توجهوا إلى مرج الصفر، فلحقته الجيوش فى يوم الخميس التاسع و العشرين من الشهر- و هو سلخه- و أقمنا بالمرج يوم الخميس و يوم الجمعة.

ثم يسوق أخبار الحرب إلى أن انتهت بنصر جيوش السلطان على التتار.

و يقول فى أخبار سنة 703 ه وقع فناء عظيم فى الخيول بالشام حتى كاد أن يأتى عليها، و نفقت أكثر خيول الناس، و كنت أملك عشرة أرؤس من الخيول الجياد أو أكثر، فنفقت كلها، و احتجت إلى ابتياع ما أركبه. ثم أخذ فى الحديث عن غلاء أسعار الخيل بعد أن كانت تدنت بعد الانتصار على التتار و أخذ خيولهم و أسلحتهم.

و فى هذه السنة يقول أيضا و فيها فى شهر رمضان توجهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف، و كان وصولى إلى القاهرة فى يوم الأحد السابع و العشرين من شهر رمضان بعد الظهر، و باشرت ديوان الخاص، و البيمارستان المنصورى و ما معه من الأوقاف المنصورية فى بقية اليوم الذى وصلت فيه، و رفع إلىّ حساب المياومة قبل غروب الشمس.

7

و فى أخبار سنة 709 ه- بعد أن غادر الناصر محمد بن قلاوون قلعة القاهرة، و توجه إلى قلعة الكرك و نزل بها هو و خواصه، و كتب إلى الأمراء بالقاهرة أنه تخلّى عن الملك- يقول النويرى: و فى أوائل شهر ربيع الآخر توجهت من القاهرة إلى الكرك، و التحقت بالأبواب السلطانية إلى أن عاد الركاب الشريف السلطانى الملكى الناصرى، و عدت إلى القاهرة في سلخ رمضان.

و فى أخبار سنة 710 ه يقول: و فى هذه السنة رسم لى أن أتوجه إلى المملكة الطرابلسية صاحب الديوان بها، و كتب توقيعى، و هو من إنشاء شهاب الدين محمود الحلبى، بخط ولده، القاضى جمال الدين إبراهيم، و هو مؤرخ فى الخامس عشر من المحرم، و توجهت فى مستهل صفر، و وصلت إلى طرابلس، و باشرت الوظيفة، ثم انتقلت إلى نظر الجيوش بها في مستهل شوال من السنة.

و فى أخبار سنة 712 ه يقول: و فى هذه السنة حصل انفصالى من نظر الجيش بالمملكة الطرابلسية فى منتصف جمادى الأولى، و توجهت إلى الديار المصرية، فكان وصولى إلى القاهرة فى العشرين من شهر رجب من السنة.

ثم إنه يتابع أخبار مواقف الإمام ابن تيمية منذ الخلاف الذى حصل بينه و بين الصوفية، أو بينه و بين قاضى قضاة المالكية و غيره، و الطعن فى رأى ابن تيمية و فتاويه فى مسألة الطلاق، و قوله فى كلام الله تعالى و قدمه و هل هو بصوت أو بلا صوت. و استوائه تعالى على العرش، و محاققته، و التحامل عليه، و منعه من الفتوى فى موضوع الطلاق، و ترحيله إلى القاهرة و سجنه إلخ.

كما يتابع أحداث النصيرية و آراءهم، و موقف السلطان منهم و مراسيمه فى شأنهم و القضاء عليهم و فتوى الإمام ابن تيمية بخروجهم من ملة الإسلام.

و فى عرض المؤلف للأحداث فى الأندلس سنة 719 ه و الحرب بين المسلمين و المسيحيين، و انتصار الجيوش الإسلامية فى وقائع متتالية يحرص النويرى على توثيق الأخبار حين يقول: كانت هذه الوقعة المباركة التى أجلت‏

8

عن الظفر و الغنيمة فى شهر ربيع الأول من سنة تسع عشرة و سبعمائة، و وصل الخبر بها إلى الديار المصرية فى سنة عشرين و سبعمائة، و اجتمع بى من حضر هذه الوقعة، و قص على نبأها. و علقت ذلك منه ثم فقدته، و رأيت هذه الوقعة قد ذكرها الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن يحيى بن ربيع المالقى، و ملخص ما نقله عنه ... و بعد سرده للملخص يقول: و قد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة. و سرد ما جاء بكتابه.

و من هذه النقول يتضح حرص المؤلف على متابعة الأخبار التى عايشها بما يضفى أهمية كبيرة على تاريخ النويرى لتلك الحقبة و يجعل منه المصدر الموثوق به لدى المؤرخين فاعتمدوا على النقل منه- ليس من أرخوا لمصر و الشام فقط و لكن من أرخوا للحجاز أيضا، و قد عايشت تاريخ مكة فى كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد المتوفى سنة 885 ه، و كتاب «غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام» للعز عبد العزيز بن عمر بن فهد المتوفى سنة 922 ه و رأيت مدى اعتمادهما على النقل من نهاية الأرب فيما يتصل بإمارة مكة المكرمة و علاقتها بالسلطنة فى مصر. كما رأيت تقى الدين محمد ابن أحمد بن على الفاسى المتوفى سنة 832 ه يعتمد عليه فى كتابيه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» و «العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين» و هذا الجزء من كتاب نهاية الأرب يعتبر النص الأول الذى قمت بتحقيقه، و كان تقرير أستاذنا الكبير المرحوم الدكتور عبد العزيز الأهوانى- الذى كان لى شرف أن يراجع عملى فيه- دافعا قويا لى على مواصلة الاشتغال بتحقيق التراث التاريخى؛ ذلك لأنه أثنى على جهدى بقوله: إنه جهد باحث واعد فى تحقيق النصوص. و كان (رحمه الله) صاحب مدرسة فى التحقيق؛ كان لا يرضى أن يتجرأ محقق على انتقاص جهد الأساتذة الذين سبقوه فى هذا الميدان، و عاهدنى ألا أعرّض بخطإ أحد مهما كبر هذا الخطأ أو صغر، و قال: يكفيك أنك عرفت الصواب.

9

و مضيت فى التحقيق لكتب التاريخ، و كنت أقدم له كل نص يطبع، و كان يذكرنى بما قاله فى تقريره عنى و عن جهدى.

و قد اختاره الله إلى جواره فى 13 مارس سنة 1979 م، و بفقده فقدنا عالما جليلا، يسابق أدبه علمه. كان أستاذا للأدب العربى بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم وكيلا لوزارة الثقافة، ثم رئيسا للهيئة المصرية العامة للفنون، و كنت من الذين يتمتعون بعطفه و رعايته و ما أكثر مريديه الذين شاركونى فى هذا العطف و تلك الرعاية. فجزاه الله أجر ما قدم من فضل لأبنائه و العاملين معه و أسكنه فسيح جناته.

و قد تم تحقيق هذا الجزء فى سنة 1962 م و سلم للمؤسسة المصرية العامة للتأليف و الترجمة و النشر، لدفعه إلى المطبعة. و لكنه بقى فى مخازن المؤسسة حتى سنة 1992 م. و عنّ لى أن أعود إليه مرة أخرى قبل دفعه للمطبعة- و بعد أن حققت منفردا ستة عشر مجلدا من التراث التاريخى و أربعة مجلدات بالاشتراك مع أساتذة أفاضل. و طلبت ذلك من مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب، و تفضل المركز فوافق. و قد أضفت إلى جهدى فى التحقيق السابق كثيرا، و أعدت ضبط ما كنت ضبطته بالشكل لأن طول المدة أتى على الضبط و محاه كله تقريبا. أما ما أضفته فأغلبه فى أخبار إمارة مكة، و أزمة الإمام ابن تيمية، و أخبار النصيرية، و تراجم بعض الأعلام.

و قد حظى هذا الجزء بما لم يحظ به غيره من الأجزاء إذ تفضل أستاذنا الجليل الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بمراجعته- بعد إضافاتى الجديدة، و أضفى عليه من علمه و فضله و نظراته الثاقبة، فجزاه الله عنى خير الجزاء، و مد فى عمره حتى ينعم الكثير من أبنائه بأستاذيته الكريمة.

10

و قد اعتمدت فى تحقيق هذا الجزء على مصورات ثلاث:

إحداها: مصورة مخطوطة «كوبريلى» و رقمها فى دار الكتب المصرية هو 549 معارف عامة و قد رمزت إليها بحرف «ك» و تقع هذه المصورة فى 142 لوحة، و قد تبين أنه يسقط منها ما يوازى 55 صفحة من المنسوخة عنها استكملتها من مصورة أخرى، و هى مكتوبة بخط نسخى جميل غير أنها كثيرة البياض فى صفحاتها الأخيرة و أكثر البياض عناوين، و لعلها كانت فى الأصل مكتوبة بقلم أحمر و لم تظهر فى التصوير، و قد ملأت هذا البياض من النسختين الأخريين.

و الثانية: هى المصورة عن مخطوطة «أيا صوفيا» و رقمها فى دار الكتب المصرية 551 معارف عامة.

و قد رمزت إليها بالحرف «ص» و يرجح أن هذه النسخة بخط المؤلف، و تقع فى 241 لوحة مقسمة على ثلاثة أقسام، كل قسم فى مجلد، و يصل ترقيم اللوحات فى الأقسام الثلاثة إلى رقم 482، و هذه النسخة مصدرة بوقفية و منهية بخاتمة، و تعتبر أتم النسخ الثلاث، و خطها نسخى معتاد، و قد استكملت الساقط فى «ك» منها.

و الثالثة مصورة عن مخطوطة «الفاتيكان» و رقمها فى دار الكتب المصرية 592 معارف عامة و قد رمزت إليها بالحرف «ف» و هى تنقص مقدار 89 صفحة من المنسوخة، و يشتمل الساقط على بعض أحداث سنة 701، 702 و بينها و بين مخطوطة كوبريلى شبه كبير. لكنها تتميز بضبط بعض الكلمات بالشكل و خصوصا أسماء الأعلام.

و قد تم مقابلة المنسوخة على المصورات الثلاث، و علقت على مواطن الاختلاف فى العبارة أو الفروق فى بعض الكلمات. مع إثبات الراجح فى متن المنسوخة قمت بضبط الألفاظ التى تحتاج إلى الضبط بالشكل، و خصوصا الأعلام، و المصطلحات الحضارية كالوظائف و الآلات و الصنائع و الألفاظ

11

المقحمة على اللغة العربية من الفارسية و التركية. و صوبت لغة الكتاب من حيث قواعد الإعراب. و سلامة الرسم الإملائى: و وضعت علامات الترقيم المتعارف عليها فى أماكن الحاجة إليها من أسلوب الكتاب.

و قابلت أحداث الجزء على التواريخ و غيرها من الفنون التى عالجت التأريخ لهذه الحقبة الزمنية، و وثقت الأحداث بما جاء فى تلك المراجع، و أثبت ما يكون من خلاف بينها في التعليقات على النص، و سيضمّن فهرس المراجع أسماء الكتب التى استعنت بها.

و اللّه من وراء القصد و هو يهدى السبيل، تحريرا فى 12 من رمضان سنة 1412 (16 مارس سنة 1992 م) المحقق فهيم محمد علوي شلتوت و لا يفوتنى أن أذكر ما قام به الأستاذ عز الدين محمد أبو الحسن و السيدة أسما محمود محمد من التصحيح الطباعى لهذا الجزء و متابعته فى المطبعة من حيث سلامة التجارب بحيث أصبح هذا الجزء فى مستوى الأجزاء الأخرى من هذا الكتاب فلهما الشكر على ما قاما به.

فهيم محمد علوي شلتوت‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[تتمة الفن الخامس في التاريخ‏]

[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]

[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]

[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور و نائبه منكوتمر، من الحوادث و الوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر و الشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]

و استهلت سنة إحدى و سبعمائة للهجرة النبوية بيوم الأربعاء فى هذه السنة

فى يوم الجمعة عاشر شهر [1] المحرم- فوّضت الوزارة و تدبير الدولة الشريفة الناصرية إلى الأمير عز الدين أيبك البغداديّ المنصورى [2]، و جلس فى يوم السبت على قاعدة الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى [3]. و كان الأمير شمس الدين قد توجه لكشف الممالك الشامية- كما تقدم- فعاد بعد عزله، و استقر فى جملة الأمراء المقدمين.

و فيها- فى العشرين من المحرم- توجّه السلطان إلى الصيد بجهة العباسة [4]، و فى خدمته جماعة من الأمراء، و تصيّد بالبرية [5]، و ضرب الدّهليز فى منزلة الصالحية [6]، و وصل السلطان إلى الدهليز بهذه المنزلة فى الثامن و العشرين من الشهر، و خلع على كلّ من كان فى خدمته من الأمراء، و أحضر السلطان رسل غازان [7] ليلا و خلع عليهم، و أمر بعودهم. و قد تقدم ذكر ما تضمنه الجواب السلطانى إلى غازان فى سنة سبعمائة عند ذكر كتابه، و عاد

____________

[1] هذا اللفظ إضافة من ص.

[2] هو عز الدين أيبك البغدادى المنصورى أحد الأمراء البرجية، و هو الرابع من الوزراء الأمراء بالديار المصرية. و أنظر النجوم الزاهرة 8: 140، 141 و حسن المحاضرة 2: 223، ابن حجر: الدرر الكامنة ج، ص 422 ترجمة 1105.

[3] هو سنقر المنصورى الأعسر، شمس الدين، أحد الأمراء الكبار، و كان مملوكا لعز الدين أيدمر الظاهرى نائب الشام، توفى سنة 709 ه الدرر الكامنة 2: 273 و النجوم الزاهرة 8: 278 و الدليل الشافى 1: 327.

[4] العباسة: قرية بنيت بأمر العباسة أخت أحمد بن طولون سنة 282 ه فنسبت إليها و لا تزال موجودة إلى اليوم، و هى إحدى قرى مركز الزقازيق بمحافظة الشرقية.

(خطط المقريزى، المسماة بالمواعظ و الاعتبار 1: 2 و معجم البلدان لياقوت 3: 599).

[5] المراد هنا أرض الصحراء الشرقية- شرقى الدلتا-، و هى الجهات المتاخمة لبلاد مركزى الزقازيق و فاقوس، حيث توجد مناطق الصيد، و انظر النجوم الزاهرة 8: 142 تعليق 2.

[6] الصالحية: مدينة بناها السلطان الملك الصالح أيوب بأول الرعل، و جعلها سوقا جامعا ليكون مركزا لعساكره عند خروجهم من الرمل.

(السلوك للمقريزى 1: 33، محمد رمزى: القاموس الجغرافى ق 2 ج 1 ص 112.

[7] هو ملك التتار و يقال قازان، و يسمى محمودا، و قد أسلم. و انتصر على جيوش الناصر محمد بن قلاوون سنة 699 ه، و مات سنة 703 ه بعد هزيمة جيوشه فى وقعة شقحب سنة 1702 ه أمام جيوش الناصر محمد ابن قلاوون و يقال إنه مات حزنا قهرا بسبب هزيمة جيشه أنظر ترجمته فى الدرر الكامنة لابن حجر، ج 3، ص 212- 214 ترجمة 514.

14

السلطان من الصالحية إلى بركة الجب [1] فى ثالث صفر و التقى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكان [2] دار و أمير جاندار عند عوده من الحجاز الشريف، ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل.

و فى هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أسندمر كرجى [3] إلى نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية و الفتوحات، عوضا عن الأمير سيف الدين قطلوبك بحكم استعفائه من النيابة، و قد تقدم ذكر ذلك فى سنة سبعمائة، و كان عود الأمير سيف الدين قطلوبك إلى دمشق فى أوائل هذه السنة، و توجه الأمير سيف الدين أسندمر من دمشق إليها فى يوم السبت حادى عشر المحرم.

و فيها فى شهر المحرم أيضا فوض شادّ الدواوين [4] و الأستاداريّة [5] بالشام إلى الأمير سيف الدين بلبان الجوكان‏دار المنصورى عوضا عن الأمير سيف الدين أقجبا الناصرى، و نقل أقجبا إلى نيابة السلطنة، و تقدمة العسكر بغزة عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس [6] الموفّقىّ و استقر الموفقى [7] فى جملة الأمراء المقدمين بدمشق.

و فيها رمى فتح الدين أحمد بن البققى [8] الحموى بالزندقة، و اعتقل بسجن الحكم، و نهضت البيّنة عليه، و سطّر محضر بما صدر منه من الألفاظ التى لا تصدر مع من شم رائحة الإيمان، و لا تخطر بباله، و شهد عليه جماعة من‏

____________

[1] بركة الجب: اسمها القديم بركة عميرة كما جاء فى كتاب البلدان لليعقوبى. ذكر المقريزى فى المواعظ 1: 489- أنها متنزه شمال شرقى القاهرة و كان يخرج إليه صلاح الدين و يقيم به أياما للصيد، و فعل ذلك الملوك قبله و بعده و قد تغير اسمها فى القرن الثامن الهجرى إلى بركة الحاج أو الحجاج؛ لأنهم كانوا ينزلون بها فى سفرهم من القاهرة و عودتهم إليها. و تعتبر أول منازل الحاج من القاهرة- أنظر (محمد رمزى القاموس الجغرافى، ق 2، ج 1، ص 31).

[2] الجوكان دار: لفظ فارسى مركب من كلمتين: جوكان و هو المحجن الذى تضرب به الكرة، و يعبر عنه بالصولجان أيضا. و الثائية دار و معناها ممسك و المعنى الجملى ممسك الصولجان أو صاحب الصولجان.

(القلقشندى: صبح الأعشى 5: 458، السبكى (عبد الوهاب بن على): معيد النعم ص 35).

[3] له ترجمة فى الدرر الكامنة 1: 414، و الوافى بالوفيات 9: 248، و الدليل الشافى 1: 1 و شذرات الذهب 6: 25.

[4] شاد الدواوين، و يقال للوظيفة شد الدواوين: و يكون صاحبها رفيقا للوزير متحدثا فى استخلاص الأموال و ما فى معنى ذلك، و عادتها إمرة عشرة (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 4، ص 22، 28، 186.

[5] الأستادارية: وظيفة موضوعها التحدث فى أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ و الشراب‏خاناه و الحاشية و الغلمان و له تصرف تام فى استدعاء ما يحتاجه كل من فى بيت السلطان من النفقات و الكساوى (القلفشندى: صبح الأعشى، ج 4 ص 20). و انظر معيد النعم ص 26 و هامشها.

[6] له ترجمة فى الدرر الكامنة 2: 43، و النجوم الزاهرة 8: 216.

[7] ما بين القوسين إضافة من ص.

[8] فى الأصول «البقى» و فى شذرات الذهب 6: 1 «الثقفى» و المثبت من السلوك 1: 923، و الدليل الشافى 1: 87 و فيه «أحمد بن محمد البقى، فتح الدين بباء موحدة و بعدها قافان».

15

الشهود، تزيد عدتهم على ثلاثين نفرا، و ثبت مضمون المحضر على قاضى القضاة زين الدين المالكى، فلما تكامل ذلك عنده أعذر إليه، فلما انقضت مدة الاعتذار حكم قاضى القضاة بإراقة دمه فى عشيّة نهار الأحد الثالث و العشرين من شهر ربيع الأوّل، و جلس قاضى القضاة فى بكرة نهار الاثنين الرابع و العشرين من الشهر بالمدرسة الصّالحية [1] النجمية بين القصرين بالشّبّاك الكبير الأوسط، و حضر المجلس قاضى القضاة شمس الدين الحنفى و جماعة من الأعيان و العدول، و أحضر الفتح بن البققى من الاعتقال، و هو يستغيث و يعلن بالشهادتين. فقال له قاضى القضاة شمس الدين الحنفى: آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ‏ [2] و قال قاضى القضاة زين الدين له: إسلامك لا يفيدك عندى. ثم أمر بضرب عنقه، فتقدم إليه علاء الدين أقبرص الموصلى و ضرب ضربتين فى عنقه بالسيف؛ ضربة بعد أخرى و لم يخلّص رقبته، ثم قطعها رجل من الضوية [3] بسكين فأبان رأسه عن بدنه و رفع رأسه على عصا من عصى النادشتية [4]، و سحب بدنه إلى باب زويلة فصلب هناك، ثم دفن.

و قال علاء الدين أقبرص الموصلى، و حلف بالله أنه رافق ابن البققى فى سفرة سافرها من حماة، و أنه سمع منه ألفاظا من الزندقة حتى همّ مرارا أن يضرب عنقه، ثم قدر الله قتله بسيف الشرع بيده، و ما اختلف أحد فى فساد عقيدته.

و فى هذه السنة فى شهر المحرم سقط برد ما بين حماه و حصن الأكراد، و فى بعضه صور تشبه صور بنى آدم من الذكور و الإناث. و صور قرود و غيرها، و طولع السلطان بذلك.

____________

[1] المدرسة الصالحية النجمية: أنشأها الملك الصالح نجم الدين فى سنة 639 ه و كان مكانها بين القصرين بشارع القاهرة الأعظم (المعز لدين الله الفاطمى حاليا، (المقريزى: كتاب المواعظ، ج 2، ص 374- 375).

[2] سورة يونس آية 91.

[3] الضوية: هم الأشخاص المكلفون بأعمال الإضاءة، و يقال لهم أرباب الضوء، و المشاعلية. (زيادة: حاشية 2 فى كتاب السلوك 1: 525) و يفهم من عبارة معيد النعم ص 143: أنهم كانوا يكلفون بتنفيذ الإعدام، و أن عليهم أن يحسنوا القتلة، و هذا يفسر قيام أحدهم بالإجهاز على ابن البققى.

[4] عصا النادشتية أو النارشتية: فى السلوك 1: 925 «أن رأس البققى رفع على رمح» و لعل هذا يفسر هذه العصا، و لم أعثر على تعريف بها فى دوزى و لا فى المعجم الفارسى.

16

ذكر توجه العساكر إلى الصعيد للإيقاع بالعربان‏

كانت عرب الوجه القبلى بالديار المصرية قد كثر فسادهم، و امتدت أيديهم، و قطعوا الطريق على المسافرين، و اشتد طمعهم إثر وقعة غازان، فتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير و جماعة كثيرة من الأمراء بسبب ذلك فى أوائل جمادى الآخرة، و انقسم العسكر على ثلاث فرق، فرقة فى البر الشرقى، و فرقة فى البر الغربى، و فرقة سلكت الحواجر [1] من البر الغربى مما يلى الواحات، و ضربوا على الوجه القبلى حلقة كحلقة الصيد، و بقى العرب فى وسطها، و أخذهم السيف من كل مكان، فتمهدت البلاد و اطمأنت الرعايا، و زال الخوف و ظهر الأمن بعد أن كان العرب قد كادوا يتجاهرون بالعصيان، و حمل من موجودهم و سيق خمسة آلاف فرس و عشرون ألف جمل و مائة ألف رأس من الغنم، و عدة كثيرة من الأبقار و الجواميس و الحمر، و من السيوف و الرماح عدة كثيرة، و عاد العسكر فى أواخر شعبان من السنة.

و فى هذه السنة رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة

لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، و كتب توقيعى [2] بذلك فى ثانى عشر جمادى الأولى سنة إحدى و سبعمائة، و هو من إنشاء المولى الفاضل العابد الصالح بهاء الدين ابن سلامة [3] كاتب الدرج الشريف [4] و خطّه، و شمل الخط

____________

[1] فى الأصول «الهواجر» و المثبت من النجوم الزاهرة و السلوك. و الحواجر هى الطرق الواقعة على الجانب الغربى لوادى النيل، فى الحد الفاصل بين الأراضى الزراعية و الصحراء بالوجه القبلى و الفيوم و إقليم البحيرة (النجوم الزاهرة 8: 151 و هامشها، السلوك 1: 920 و هامشها).

[2] الأصل فى هذا المصطلح التوقيع على حواشى القصصى بخط الخليفة أو السلطان أو الوزير أو غيرهم بما يعتمد فى القضية التى رفعت القصة بسببها؛ ثم أطلق المصطلح على كتابه الإنشاء بوجه عام (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 1، ص 52).

[3] هو أحمد ابن أبى الفتح محمود بن أبى الوحش أسد بن سلامة بن فتيان المعروف بالقطار، كمال الدين، و ليس بهاء الدين، أحد كتاب الدرج بدمشق توفى فى ذى القعدة سنة 702 (النجوم الزاهرة 8: 203 و هامشها).

[4] كاتب الدرج الشريف: هو صاحب ديوان الإنشاء، و قد سمى بكاتب الدرج فى دولتى المماليك البحرية و البرجية سنة 647- 922 ه.

(السلوك 1: 246 هامش الدكتور زيادة).

17

السلطانى الملكى الناصرى، و توجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، و فيه وصلت إلى دمشق و باشرت ما رسم لى بها، و هو أول دخولى إليها.

و فيها فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى وصل إلى دمشق الصدر علاء الدين بن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى من بلاد التتار بغتة، و وصل قبله رفيقه شرف الدين بن الأثير، و قد ذكرنا أن التتار لما دخلوا الشام استصحبهما الوزير معه، ثم هربا و سلما بعد مشقة عظيمة كثيرة، و توجّها إلى الديار المصرية فى شهر رجب، و عادا و قد كتب فى ديوان الإنشاء بدمشق.

و فى هذه السنة فى رابع صفر توفّى السيد الشريف نجم الدين [1] أبو نمىّ، و أبو مهدى محمد بن أبى سعد الحسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب، أمير مكة شرفها الله تعالى، ولى الإمارة بها نحوا من أربعين سنة، و خلف من الأولاد واحدا و عشرين ذكرا، و اثنتى عشرة بنتا، و أربع نسوة، و لما مات وثب ولداه أسد الدين رميثة [2] و عز الدين حميضة [3] على أخويهما عطيفة [4] و أبى الغيث [5] و اعتقلاهما، و استقلا بالأمر دونهما، و اتفق فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير توجّه إلى الحجاز هو و ثلاثون أميرا، فجاء هؤلاء و شكيا من أخويهما، فأمسك حميضة و رميثة و اعتقلهما لما صدر منهما من ذلك و غيره، و رتّب عطيفة و أبا الغيث فى الإمرة بمكة، و أحضر حميضة و رميثة صحبته إلى الأبواب السلطانية، فاعتقلا مدة ثم أفرج عنهما.

و فيها توفى الشيخ الأصيل شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف [6] بن شيخ الشيوخ شرف الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى محمد

____________

[1] و انظر ترجمته فى العقد الثمين 1: 456، و غاية المرام بأخيار سلطنة البلد الحرام 2: 9.

[2] و انظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 403، و غاية المرام 2: 78- 111، و قد توفى سنة 746 ه.

[3] و انظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 2 و غاية المرام 2: 53- 78، و إتحاف الورى بأخبار أم القرى 2: 168، و مات قتيلا سنة 720.

[4] و انظر ترجمته فى العقد الثمين 6: 95، و غاية المرام 2: 113- 129، و قد توفى بمصر سنة 743.

[5] و انظر ترجمته فى العقد الثمين 8: 79، و غاية المرام 2: 111- 113، و قد مات قتيلا فى سنة 714 ه.

[6] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 4: 482، و قد ذكره النعيمى فى الدارس فى تاريخ المدارس 2: 156، و ابن كثير فى البداية و النهاية 14: 17.

18

عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبى حفص عمر بن على بن محمد بن حموية الجوينىّ فى يوم الاثنين سابع عشرين شهر ربيع الأول بالخانقاه السميساطية [1] بدمشق، و دفن من الغد بسفح قاسيون، و ولى مشيخة الشيوخ بعده قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة [2]، و ذلك باتفاق من الصوفية و سؤالهم، فاجتمع له بدمشق قضاة القضاة، و خطابة الجامع الأموى، و مشيخة الشيوخ و غير ذلك من الأنظار و التدريس.

و فيها كانت وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد العباسى فى ثامن عشر جمادى الأولى، و بويع ولده المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، و قد تقدم ذكر ذلك فى أخبار الخلفاء العباسيين.

و فيها توفى الأمير علاء الدين مغلطاى التقويّ المنصورىّ أحد الأمراء بدمشق فى رابع و عشرين شهر رجب، و أقطع خبره للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير آخور [3]، و كان أخرج من الديار المصرية فى هذه السنة لقربه من السلطان و خدمته له و تمكنه منه، فعزل من وظيفة أمير آخورية، و وليها الأمير علم الدين سنجر [4] الصالحى، و وصل الأمير سيف الدين بكتمر إلى دمشق بغير إقطاع، فلما مات التقوى أنعم عليه بإقطاعه، ثم كان من أمره و تنقّله ما نذكره.

و فيها كانت وفاة الشيخ الإمام الشهيد شرف الدين أبى الحسين على بن الشيخ الحسن الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن اليونينىّ [5] الحنبلى ببعلبك فى يوم الخميس حادى عشر شهر رمضان فى‏

____________

[1] الخانقاه السميساطية- نسبة إلى أبى القاسم على بن محمد السميساطى السلمى المعروف بالحبيش المتوفى بدمشق سنة 453 ه و كان قد اشترى مكان هذه الخانقاه و بناها، (الدارس فى تاريخ المدارس 2:

151 و ما بعدها، ياقوت: معجم البلدان مادة سميساط).

[2] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 248، و الوافى بالوفيات 2: 18، و الدليل الشافى 2: 578 و البداية و النهاية 14: 163، و شذرات الذهب 6: 105، و النجوم الزاهرة 9: 298، و قد توفى سنة 733 ه.

[3] أمير آخور: اسم فارسى لوظيفة يتولى صاحبها أمر الأشراف على اسطبل السلطان أو الأمير و رعاية ما فيه من خيل و حيوانات (كتاب السلوك للمقريزى، ج 1 ص 438، حاشية 3 للدكتور زيادة).

[4] هو علم الدين سنجر بن عبد الله المعروف بأرجواش المنصورى نائب قلعة دمشق، و سترد وفاته فى هذه السنة (النجوم الزاهرة 8: 198.

[5] انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 98، و البداية و النهاية 14: 20، و النجوم الزاهرة 8: 198، و الدليل الشافى 1: 476.

19

الساعة الثامنة من النهار شهيدا. و سبب ذلك أنه دخل فى يوم الجمعة خامس الشهر إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف و عنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه موسى غير معروف بالبلد- قيل إنه مصرى- فضربه بعصا على رأسه عدّة ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده، فجرحه فى يده، ثم مسك ذلك الرجل و حمل إلى متولى بعلبك فضرب، فصار يظهر منه الاختلال فى الكلام، فحبس.

و أما الشيخ فحمل إلى داره، و تحدّث معه أصحابه على عادته، و أتمّ صوم يومه ثم حمّ و اشتد به المرض فمات فى التاريخ المذكور، و جاوز الثمانين سنة- (رحمه الله تعالى)- روى عن جماعة منهم ابن الزّبيدى، و اليها عبد الرحمن و ابن اللّتّيّ، و الإربلى، و جعفر الهمذانى، و ابن رواحة، و ابن الجمّيزىّ و غيرهم و اجتهد فى خدمة الحديث النبوىّ و أسمعه كثيرا، و اعتنى بصحيح البخارى من سائر طرقه، و حرّر نسخته تحريرا شافيا، و جعل لكل طريق إشارة، و كتب عليه حواشى صحيحة، و قد نقلت صحيح البخارى من أصله مرارا سبعة، و حرّرته كما حرّره و قابلت بأصله و هو أصل سماعى على الحجّار و وزيرة [1].

و فى هذه السنة توفى الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى نائب السلطنة بقلعة دمشق، و كانت وفاته فى ليلة السبت ثانى عشرين ذى الحجة و دفن بسفح قاسيون و كانت له آثار جميلة فى حفظ قلعة دمشق لمّا ملك التتار دمشق، و بسبب حفظها حفظت سائر القلاع بالممالك الشاميّة، و خلّف من الورثة أربع بنات و ابن معتقه السلطان [2] الملك الناصر، و ترك دنيا عريضة، و لما مرض أحضر قاضى القضاة بدر الدين و جماعة من أكابر العدول، و أشهدهم على نفسه أن مجموع ما يخلفه من الذّهب أربعة عشر ألف دينار و مائتى دينار و ستة

____________

[1] وزيرة هى أم محمد ست الوزراء ابنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية و تعرف بالوزيرة، و سترد ترجمتها فى وفيات سنة 716 ه.

[2] أى و السلطان الملك الناصر ابن معتق الأمير علم الدين سنجر و هو السلطان المنصور قلاوون.

20

و ستين دينارا مصرية. و أربعين ألف درهم و حوائص [1] ذهب و كلوتات [2] زركش منحوا ألفى دينار، و وقع الإشهاد عليه فى سابع عشر ذى الحجة و أعتق مماليكه، و أوصى بحجة و صدقة و فكّ الحجر عن بناته، و أسند وصيّته إلى خوشداشه [3] الأمير سيف الدين بليان الجوكندار. و لما مات كنت ممن حضر تركته، و احتوت على أشياء كثيرة، كان فيها من القسىّ الحلق ما يزيد على ستمائة قوس، و كثير من الأقمشة و العدد و السلاح و الأصناف فبيعت الأصناف و قسّمت بالفريضة الشرعية، و أمضى السلطان وصيّته- أثابه الله تعالى.

و استهلت سنة اثنتين و سبعمائة

فى هذه السنة وصل رسل غازان ملك التتار إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل فى ليلة ثانى المحرم، فقرئت كتبهم، و سمعت مشافهتهم، و كتب الجواب السلطانى إلى مرسلهم، و أمر السلطان بعودهم فعادوا من الديار المصرية و جهّز السلطان إلى جهته الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ [4]، و القاضى عماد الدين بن السكّرىّ [5] فوصلوا إلى دمشق فى ليلة الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأوّل، و كان خروجهم من القاهرة فى عاشر الشهر، و أقاموا بدمشق ثلاثة أيام، و توجهوا و اجتمعوا بغازان، و منعهم من العود بسبب الوقعة الكائنة التى نذكرها إن شاء الله تعالى، و استمروا ببلاد التتار إلى أن هلك غازان و عادوا فى أيّام خربندا. [6]

____________

[1] الحوائص- جمع حياصه و هى حزام كان يسمى منطقة ثم أطلق عليه اسم حياصة، و كانت تصنع من معدن ثمين كالفضة، و أثمنها ما كان يصنع من الذهب، و قد تحلى بالجواهر (الملابس المملوكية ترجمة الأستاذ صالح الشينى ص 47، 49، 103.:...

[2] الكلوتات- جمع كلوتة و هى غطاء للرأس تشبه الطاقية. و انظر أصلها و تاريخها و تطورها فى خطط المقريزى 2: 98، و صبح الأعشى 4: 5، 6، الملابس المملوكية ص 31، 42، 51، 52- 55.

[3] خوشداش، و خشداش: معرب اللفظ الفارسى «جوجاناش» أى الزميل فى الخدمة، و الخشداشية هى رابطة الزمالة بين الأمراء الذى أنشئوا مماليك عند أستاذ أو سيد واحد و ربطتهم رابطة الزمالة القديمة (النجوم الزاهرة 7: 330 هامش، و السلوك 1: 388، 389 حاشية للدكتور زيادة).

[4] هو الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى نسبة إلى مجير الدين، و هو التاجر الذى اشتراه (كنز الدرر لابن أيبك الدوادارى 9: 71، الدرر الكامنة لابن حجر، ج 1 ص 355).

[5] هو عماد الدين على بن عبد العزيز بن عبد الرحمن، المعروف بالسكرى، توفى سنة 713 ه (النجوم الزاهرة 9: 225، و شذرات الذهب 6: 32).

[6] خربندا: هو اسم ملك التتار قبل أن يسلم فلما أسلم صار الاسم خدابندا و تسمى بمحمد و سترد وفاته فى سنة 716 من هذا الجزء، و انظر ترجمته فى النجوم الزاهرة 9: 238.

21

ذكر فتح جزيرة أرواد [1]

و فى المحرم من هذه السنة جهزت الشوانى [2] من مصر إلى جزيرة أرواد و هى جزيرة تقابل مدينة انطرسوس، و كان قد اجتمع بها جمع كثير من الفرنج و سكنوها و أحاطوا بها سورا و حصنوها، و بقيت مضرّة على أهل ساحل طرابلس فجهّزت الشّوانى لقصدها صحبة الأمير سيف الدين كهرداش الناصرى، و جرّد من كل أمير جندى، و رسم لكل أمير أن يجهز جنديّة بما يحتاج إليه، فكان ممن جهّز من أصحابه الأمير جمال الدين آقش العلائى فامتنع من تجهيز جنديّة، فشكاه الجندى إلى الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، فأرسل إليه نقيبا يأمره بتجهيزه، فشتم الجندىّ و ضربه، فعاد إلى نائب السلطنة و أخبره، فغضب و طلب آقش و ألزمه بالسّفر عوضا عن الجندىّ، فتوجه و سلّم إليه شانى و ركب فيه، و لعبت الشوانى فانقلب الشينى الذى فيه آقش فغرق، و مرّ الشانى على الصّناعة و هو مقلوب؛ فتطيّر الناس بذلك و ظنّوا أن هذه الشوانى لا تفتح شيئا، فقال بعض أهل [3] الدين و الخير: هذا أوّل الفتح بغرق آقش، و كان آقش هذا ظالما عسوفا قبيح السيرة، فكان ذلك أوّل الفتوح كما قال، و أصلح الشانى و توجّهت الشّوانى إلى الجزيرة، و جهّز الأمير سيف الدين أسندمر الكرجى نائب السلطنة بالفتوحات مركبا فيه جماعة من الجند، و توجّه هو بالعسكر الطرابلسىّ. و نزل قبالة الجزيرة بالبر الشرقى، و توجهت الشوانى بالعسكر إليها، ففتحت فى يوم الأربعاء ثانى صفر، و قتل من كان بها من الفرنج، و أسر من بقى، و كان القتلى نحو ألفين، و الأسرى نحو خمسمائة، و غنم العسكر جميع ما بالجزيرة، و جهّزت الأسرى إلى الأبواب السلطانية صحبة الأمير فلان الدين فلان الإبراهيمى [4] من أمراء طرابلس، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الاثنين حادى عشرين صفر، و فرق بعضهم فى القلاع بالشام.

____________

[1] جزيرة أرواد: جزيرة صغيرة فى الجهة الشمالية من طرابلس الشام على بعد خمسين ك م، و طولها 800 متر، و عرضها 500 متر، و هى فى الجانب الغربى من انطرطوس على بعد ثلاثة كيلومترات. و انظر ياقوت: معجم البلدان، النجوم الزاهرة 8: 11 هامش، 154- 157.

[2] الشوانى- جمع شينى أو شانى: و هو نوع من السفن الحربية الكبيرة، و كانت من أهم القطع التى يتألف منها الأسطول الإسلامى 1: 56 هامش الدكتور زيادة درويش النخيلى: السفن الإسلامية على حروف المعجم، ص 83).

[3] كذا فى ك، و فى ص، ف «أهل الخير و الدين».

[4] كذا فى ك، و فى ص، بياض مكان كلمتى «فلان» و لعله الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى؛ لأنه ليس من بين الأمراء فى تلك الحقبة من يسمى بالإبراهيمى غيره.

22

ذكر وفاة قاضى القضاة [1] تقى الدين ابن دقيق العيد و تفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة.

و فى يوم الجمعة حادى عشر صفر توفى شيخنا قاضى القضاة تقى الدين بقية المجتهدين أبو الفتح محمد بن الشيخ الزاهد العالم مجد الدين أبى الحسن على بن وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرى المعروف بابن دقيق العيد، و الذى جرى عليه هذا اللقب هو وهب جده، و ذلك أنه لبس فى يوم عيد ثيابا بيضا، فرآه جماعة من أهل الريف، فقال قائل منهم: كأن ثيابه دقيق العيد، فلزمه هذا اللقب و اشتهر به و كانت وفاته ببستان بظاهر القاهرة بقرب باب اللوق بعد صلاة الجمعة، و حمل يوم السبت و صلى عليه تحت القلعة و كانت جنازته مشهودة، و دفن بتربته بالقرافة، و مولده يوم السبت خامس عشرين شعبان سنة خمس و عشرين و ستمائة بساحل ينبع من أرض الحجاز، و نشأ بمدينة قوص، و تفقّه بها على أبيه و برع، و كان من أجل من [2] رأينا ديانة و علما و ورعا و تقشّفا، و كان شديد الاحتراس من النجاسة حتى أفرط به ذلك و انتقل من مدينة قوص إلى القاهرة، و له رحلة إلى دمشق بعد سنة ستين و ستمائة، و ولى مشيخة دار الحديث الكاملية [3] بالقاهرة، و ولى غير ذلك. ثم فوض إليه قضاء القضاة كما تقدم فوليه، ثم عزل نفسه فسئل العود، فامتنع من القبول، و حضر إليه أكابر الأمراء بسبب ذلك و هو يمتنع، فتحيّل بعض أولاده عليه بأن قال له: إنه قد عيّن للقضاء عز الدين بن [4] مسكين إن أصررت على الامتناع، فقال: الآن‏

____________

[1] فى (ك) «القاضى» و المثبت من ص، و ف. و انظر الوافى بالوفيات 4: 193، و فوات الوفيات 3:

442، و الدرر الكامنة 4: 210، و شذرات الذهب 6: 5، و النجوم الزاهرة 8: 206.

[2] فى ك «ما رأينا» و المثبت من ص، و ف.

[3] دار الحديث الكاملية: أنشأها السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب سنة 622 ه، و هى ثانى دار أنشئت للحديث، و أول دار للحديث على وجه الأرض بناها الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكى بدمشق. ثم بنى الكامل هذه الدار و وقفها على المشتغلين بالحديث النبوى، و كانت بخط بين القصرين من القاهرة. (خطط المقريزى 2: 375).

[4] إضافة من ص، و ف.

23

وجب علىّ قبول الولاية. فقبلها و عاد، و هو الذى نقل خلع القضاة من الحرير إلى الصوف، و كان يخلع على القضاة قبله الحرير الكنجى و الصمت [1] و له (رحمه الله تعالى) فضائل كبيرة، و مناقب جمة مشهورة شهدها و علمها من رآه. و هى أشهر من أن يأتى عليها، و أكثر من أن نسردها [2].

و لما توفى اجتمعت الآراء على ولاية قاضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن جماعة الشافعى، و هو يومئذ قاضى القضاة بالشام، و خطيب الجامع الأموى، و شيخ الشيوخ، فبرزت المراسيم بطلبه، و توجّه البريد لإحضاره، فوصل البريد إلى دمشق فى يوم الخميس سابع عشر صفر و توجّه قاضى القضاة بدر الدين إلى الديار المصرية فى يوم السبت تاسع عشر الشهر على خيل البريد، و وصل إلى القاهرة فى يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، و خلع عليه على عادة الشيخ تقى الدين، و فوض إليه القضاء بالديار المصرية، و جلس للحكم فى يوم السبت رابع الشهر [3] و أنعم عليه ببغلة من الإسطبلات السلطانية، و فرقت جهاته بدمشق.

ففوض قضاء القضاة بالشام لقاضى القضاة

نجم الدين أبى العباس أحمد بن صصرى [4] و كتب تقليده فى عاشر جمادى الأولى سنة اثنتين و سبعمائة، و قرئ تقليده فى يوم الجمعة الحادى و العشرين من الشهر بمقصورة الخطابة بجامع دمشق بحضور نائب السلطنة الشريفة، ثم [5] جلس فى الشباك الشمالى بالجامع و قرئ ثانيا.

____________

[1] الصمت: نوع من الثياب الحريرية به، ليس لها بطانة طيلسان، أو ثياب قطنية، أو صوفية و لكن بغير حشو (السلوك 1: 847 هامش).

[2] فى ك، و ص «يسيرها» و المثبت من ف.

[3] ما بين القوسين من ص.

[4] هو أحمد بن محمد بن سالم بن أبى المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن الربعى ابن صصرى نجم الدين الدمشقى. توفى سنة 723 ه (فوات الوفيات 1: 125، و دول الإسلام الذهبى 2: 230، و الدرر الكامنة 1: 280، و طبقات الشافعية للسبكى 9: 20، و شذرات الذهب 6: 58، و النجوم الزاهرة 9: 258 و كذلك اختلف فى صصرى فضبطها محقق النجوم الزاهرة بفتح الصاد الأولى، و ضم الصاد الثانية، و تشديد الراء مع فتحها ج 8 ص 123 س 8. كما ضبطها بفتح الصاد الأولى، و إسكان الصاد الثانية. و فتح الراء ج 9 ص 258 س 11. كذلك اختلف الضبط فى السلوك ج 1 ص 929 س 11، ج 2 ص 18 س 15. و ضبطها محقق كنز الدرر فى جميع المواضع بإسكان الصاد الثانية دون ضبط بقية الحروف.

[5] بياض فى ك، و المنيت من ص، و ف.

24

و ولى الخطابة و الإمامة لجامع دمشق الشيخ نجم الدين عبد اللّه بن مروان الشافعى الفارقى [1]، و خطب فى يوم الجمعة الحادى و العشرين من الشهر المذكور.

و ولى مشيخة الشيوخ القاضى جمال الدين الزّرعى [2] و لم تتم الولاية، ثم ولى ذلك الخطيب ناصر الدين أحمد بن الشيخ بدر الدين يحيى بن [3] شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام فى يوم السبت ثالث شعبان، ثم اجتمع الصوفية فى يوم الجمعة سادس شوال، و حضروا إلى نائب السلطنة فى الشباك بالجامع، و سألوا أن يولى عليهم الشيخ صفى الدين محمد الأرموى المعروف بالهندى [4]، فأجيبوا إلى ذلك و ولى عليهم فى التاريخ المذكور.

و فى هذه السنة ولى الأمير ركن الدين بيبرس التّلاويّ [5] شاد الشام و أستاذ أستاذداريّة عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار، و خلع عليه فى يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى، و نقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورى إلى نيابة السلطنة بقلعة دمشق، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر أرجواش، و كان بالقلعة فى هذه المدة الأمير سيف الدين بلبان السنجرى، فخرج منها، و انتقل إليها الأمير سيف الدين الجوكندار فى الخامس و العشرين من الشهر.

و فيها فى جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطان بالشام كتاب كتب على لسان قطز أحد مماليك الأمير سيف الدين قبجق مضمونه فضول نصيحة، منها:

____________

[1] هو عبد اللّه بن مروان بن عبد الله بن فيروز بن الحسن الفارقى، المتوفى سنة 703 ه (الدرر الكامنة) 2: 304، و البداية و النهاية 14: 30، و ذيول العبر ص 25، و طبقات الشافعية 6: 107، مرآة الجنان 4: 239) و شذرات الذهب 6، 8 و فيها جميعها زين الدين. و ليس كمال الدين.

[2] هو سليمان بن عمر بن عثمان الزرعى، توفى سنة 734 ه (طبقات الشافعية 6: 105، و الدرر الكامنة 2: 159، و دول الإسلام 18 و البداية و النهاية 14: 167 و رفع الإصر 2: 250، و الدليل الشافى:

1: 320، و النجوم الزاهرة 9: 304، و شذرات الذهب 6: 107).

[3] فى الأصول «ناصر الدين أحمد بن الشيخ فلان الدين شيخ الإسلام» و المثبت عن البداية و النهاية 14:

56، و فيه مات يوم الأربعاء النصف من المحرم سنة 709 ه.

[4] هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموى الهندى، صفى الدين أبو عبد الله، توفى سنة 715 (شذرات الذهب 6: 37. و البداية و النهاية 14: 74 و ذيول العبر ص 83 و الدرر الكامنة 4: 14، و دول الإسلام 2: 169، و طبقات الشافعية 5: 240).

[5] من هنا إلى قوله «يشبه بطن الشعبان» سقط فى ص.

25

أن الشيخ تقى الدين بن تيمية [1] و قاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى [2] يكاتبان مخدومه، و يؤثران أن يكون نائب السلطنة بالشام، و أن القاضى كمال الدين العطار، و كمال الدين بن الزملكانى كاتب الإنشاء يطالعانه بالأخبار، و أن جماعة من الأمراء فى هذا الأمر، حتى ذكر جماعة من مماليك نائب السلطنة و خواصه.

فلما قرأ الكتاب استراب به، و أطلع عليه بعض الكتّاب، و أمره بالفكرة فيمن اختلقه، فوقع الحدس على فقير يعرف باليعفورى كان ينسب إلى فضول و تزوير، فمسك فوجد معه منشورة بالكتاب، فضرب فأقرّ على إنسان يعرف بأحمد القبّارى، فأخذ و ضرب فاعترف على جماعة، و أنّ الذى كتب الكتاب التاج بن المناديلىّ الناسخ، فلما كان فى يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة جرّسوا الثلاثة بدمشق، ثم أخرجوا إلى سوق الخيل، فأمر نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقش الأفرم أن يوسّط القبارىّ و اليعفورىّ فوسّطا، و قطعت يد ابن المناديلى الناسخ.

و فى هذه السنة ظهر بنيل مصر دابة عجيبة

و هى التى تسمى فرس البحر، و كانت تطلع إلى البرّ و ترعى البرسيم ثم تعود إلى البحر، فلما كان فى يوم الخميس رابع جمادى الآخرة صيدت ببلاد المنوفية. و صفتها أن لونها لون الجاموس، و هى بغير شعر، و لها آذان كآذان الجمل، و فرج مثل فرج الناقة تغطيه بذنب طوله شبر و نصف، طرفه كذنب‏

____________

[1] هو شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة 728 ه و انظر دول الإسلام 2: 180، و الوافى بالوفيات 7: 15، و البداية و النهاية 14: 135، و ذيل طبقات الحنابلة 2:

387، و الدرر الكامنة 1: 154، و فوات الوفيات: 1: 35، و شذرات الذهب 6: 180، و النجوم الزاهرة 9: 271.

[2] هو قاضى القضاة شمس الدين محمد بن عثمان بن أبى الحسن بن عبد الوهاب الأنصارى الحنفى المعروف بابن الحريرى المتوفى سنة 728 ه و انظر الوافى بالوفيات 4: 90، و ذيول العبر ص 157، و الدرر الكامنة 4: 158. و الدليل الشافى 2: 653، و حسن المحاضرة 1: 468. و شذرات الذهب 6: 88.

26

السمك، و رقبتها فى غلظ التليس المحشو، و فمها و شفتاها كالكربال [1]، و لها أربعة أنياب طول كل ناب دون شبر فى عرض إصبعين، و فى فمها ثمانية و أربعون ضرسا و نابا و سنا مثل بيادق الشطرنج، و طول بدنها من بطنها إلى الأرض نحو الذراع، و من ركبتها إلى حافرها يشبه بطن الثعبان [2] أصفر مجعد، و دور حافرها مثل الأسكرجة [3] بأربع أظفار كأظافير الجمل و عرض ظهرها تقريبا تقدير ذراعين و نصف، و طولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما، و وجد فى بطنها ثلاثة كروش، و لحمها أحمر زفر كزفرة السمك و غلظ جلدها أربع أصابع ما تعمل فيه السيوف، و لما صيدت سلخ جلدها [4] و حمل إلىّ بين يدى السلطان بقلعة الجبل، و تبدّل على حمله لثقله خمسة أجمال، فلا يستطيع الجمل أن يحمله أكثر من ساعة، و لما صار [5] بين يدى السلطان حشى تبنا، و أقيم بين يديه، و هذا الحيوان لم يعهد ببحر النيل بمصر و إنما هو موجود ببلاد النّوبة، و أهل النوبة يتخذون من جلدة سياطا، يسوقون بها الجمال، و هى سياط سود إذا دهنت بالزّيت لا تكاد تنقطع و الله أعلم.

ذكر وصول غازان ملك التتار إلى الرحبة [6]

و محاصرتها، و انصرافه عنها، و تجريد عساكره إلى الشام، و وقعة عرض [7].

فى هذه السنة تواترت الأخبار بحركة التتار، فأخذ السلطان فى الاستعداد و التأهّب للقائهم، و رسم للأمراء أن يستخدم كل أمير نظير الرّبع من عدّته من ماله، و وصل غازان إلى الرّحبة بجيوشه، و نازلها بنفسه و عساكره، و كان النائب‏

____________

[1] الكربال: فى اللغة الفارسية يعنى القوس الذى يندف به القطن (المنجد).

[2] إلى هنا ينتهى السقط فى نسخة ص.

[3] الأسكرجة: إناء صغير توضع فيه الكوامخ و نحوها من المشهيات على المائدة (المعجم الوسيط).

[4] ما بين القوسين من ص، و ف.

[5] فى ك «ساد» خطأ من الناسخ.

[6] الرحبة: بلدة صغيرة و لها قلعة على تل تراب، و هى إحدى الثغور الإسلامية بين حلب و دمشق (معجم البلدان 4: 764).

[7] عرض: بلد فى برية الشام من أعمال حلب بين تدمر و الرصافة (النجوم الزاهرة 8: 158 هامش).

27

بها الأمير علم الدين سنجر الغتمى، فخرج إليه بالإقامات، و قال له: هذا المكان قريب المأخذ، و الملك يقصد المدن الكبار، فإذا ملكت البلاد التى هى أمامك فنحن لا نمتنع عليك. فأخذ ولده و مملوكه رهنا على الوفاء بذلك؛ فرحل عنها، ثم عاد إليها و جرّد نائبه قطلو شاه فى اثنى عشر تمانا [1]، و أمره بقصد الشام، و عاد غازان إلى بلاد الشّرق.

و أما العسكر الشامى فإن عسكر حلب جمعه الأمير شمس الدين قراسنقر [2]، و العسكر الحموىّ مع الأمير زين الدين كتبغا الملقّب بالعادل و عسكر الساحل مع الأمير سيف الدين أسند مركرجى، و جماعة من عسكر دمشق مع الأمير سيف الدين بهادر آص و الأمير سيف الدين أنص [3] الجمدار و نزلت هذه العساكر بالقرب من حماه، و جاءت طائفة من التتار للإغارة فوصلوا إلى القريتين [4] و بها جمع من التركمان بحريمهم و أولادهم و أغنامهم فأوقع التتار بهم و نهبوهم، و اتصل خبرهم بالأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام؛ فجرد طائفة من عسكر الشام صحبة الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى، و ركب معه الأمير ثابت بن يزيد، و توجّهوا جرائد إلى القريتين فوجدوا التتار قد فارقوها، فعادوا و لم يظفروا بهم، و اتّصل خبر هذه الطائفة من التتار بالأمراء المقيمين على حماه؛ فانتدب لذلك الأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، و انتدب معه من عسكر حلب الأمير سيف الدين كجكن، و من عسكر الشام الأمير سيف الدين بهادر آص و الأمير سيف‏

____________

[1] كذا فى الأصول. و فى السلوك 1: 933 هامش للدكتور زيادة «تومان، و الجمع توامين. و هى الفرقة التى يبلغ عدد أفرادها عشرة آلاف جندى» و الرسم عشرة آلاف جندى الزاهرة 8: 138 «طومان» و عرفه المحقق بأنه مقدم عشرة آلاف جندى.

[2] و معناه السنقر الأسود و قد تسمى به بعض الأمراء أخذا من اسم الطائر المسمى بالسنقر و الذى كان يستعمله ملوك الشرق فى الصيد (الخطط التوفيقية 10: 78).

[3] كذا فى الأصول، و قد رسمه النجوم الزاهرة «أنس».

[4] القريتين: قرية كبيرة من أعمال حمص فى طريق البرية، و تدعى «حوادين» و بينها و بين تدمر مرحلتان (معجم البلدان 3: 78).

28

الدين أنص الجمدار [1] و الأمير سيف الدين أغرلو [2] من عسكر حماه، و من انضم إليهم، و توجّهوا فى ألف فارس و خمسمائة فارس لا يزيد على ذلك و ساقوا فى البريّة إلى مكان يسمى عرض لقصد هذه الطائفة من التتار، فتوافوا بها- و عدة التتار عشرة آلاف من المغل [3]- فلما شاهدهم التتار أطلقوا من كان معهم من التركمان و حريمهم و مواشيهم؛ ليشغلوا العسكر بهم، فلم يعرّج العسكر عليهم، و حملوا على التتار حملة رجل واحد، و اقتتلوا أشد قتال فنصر اللّه جيش الإسلام، و قتلوا من التتار خلقا كثيرا، و فرّ من بقى منهم، و ذلك فى عاشر شعبان من هذه السنة، و كانت هذه الوقعة مقدمة النصر، و استشهد فى هذه الوقعة الأمير سيف الدين أنص الجمدار، و من أمراء دمشق. و حضر إلى دمشق جماعة أسروا من أعيان التتار فى يوم الخميس منتصف شعبان. هذا ما كان بالشام.

ذكر توجه السلطان الملك الناصر من الديار المصرية

بالجيوش الإسلامية إلى الشام، و الوقعة بمرج الصّفّر [4]، و انهزام التتار.

قد ذكرنا اهتمام السلطان و احتفاله و ما رسم به من الاستخدام، ثم جرّد العساكر من مدنه [5] يتلو بعضها بعضا، فوصلوا إلى دمشق. فأوّل من وصل منهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، و الأمير حسام الدين لاجين الرّومىّ و الأمير سيف الدين كراى المنصورىّ، و الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار و مضافيهم فى يوم الأحد ثامن عشر شعبان. ثم وصل الأمير بدر الدين بكتاش‏

____________

[1] الجمدار: هو الذى يتولى إلباس السلطان أو الأمير ثيابه، مركب من كلمتين فارسيتين «جاما» بمعنى الثوب، و «دار» بمعنى ممسك، و أكثر ما يكون الجمدارية من الصبيان الملاح المرد، و يتحلون بالملابس المزركشة أكثر مما تتحلى النساء (معيد النعم ص 35).

[2] كذا فى الأصول و فى السلوك 1: 931، 932 «غزلوا» و «أغرلوا» فى النجوم الزاهرة 8: 158 «أغزلوا العادلى».

[3] المغل: هم المغول و هم التتار (النجوم الزاهرة 8: 317 هامش).

[4] مرج الصفر: ضبطها محقق السلوك 1: 60 بتشديد الصاد و ضمها و فتح الفاء، و هو أحد المروج الواقعة حول مدينة دمشق. و انظر معجم البلدان 4: 488.

[5] فى الأصول «من مدينة» و المثبت يقتضيه السياق.

29

الفخرىّ أمير سلاح، و الأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، و الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، و الأمير بهاء الدين يعقوبا، و مضافيهم، و استقلّ ركاب السلطان من قلعة الجبل فى ثالث شعبان.

و أما التتار الذين سلموا من وقعة عرض فإنهم التحقوا بقطلوشاه و أخبروه أن السلطان لم يخرج من الديار المصرية، و أنه ليس بالشام غير العسكر الشامى؛ فأقبل قطلو شاه بعسكر التتار. فتأخّرت الجيوش التى بحماه، و نزلوا بالمرج بدمشق، ثم اجتمع الأمراء الذين بدمشق من العساكر المصرية و الشامية، و اتفقوا على أن يتأخروا عن دمشق إلى نهر الصّفّر و يقيموا به إلى أن يصل السلطان بعساكر الديار المصرية، بعد أن كانوا اتفقوا على لقاء العدوّ التتار إن تأخّر السلطان، و نقلوا حريمهم إلى قلعة دمشق، ثم لم يروا ذلك و وصل الجيش الذى كان بالمرج، و نزلوا بأجمعهم بميدان الحصا [1] فى يوم الأربعاء الثامن و العشرين من شعبان، و اختبط الناس بدمشق و جفلوا من الحواضر و القرى إليها، و خرج أكابر أهل دمشق و أعيانها فى هذا اليوم منها فمنهم من التحق بالحصون، و منهم من توجّه إلى نحو الديار المصرية، و كنت يوم ذاك بدمشق فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب، و التحقت بالعسكر و وجدت الجفّال قد ازدحموا بالأبواب زحاما شديدا، و ذهلوا عن أموالهم و أولادهم، و وصلت بعد المغرب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا، فوجدتهم قد توجّهوا إلى مرج الصّفّر، فلحقت الجيوش فى يوم الخميس التاسع و العشرين من الشهر- و هو سلخه، و أقمنا بالمرج يوم الخميس و الجمعة.

فلما كان فى ليلة السبت المسفرة عن ثانى شهر رمضان دارت النّقباء على العساكر، و أخبروهم أن العدوّ قد قرب منهم، و أن يكونوا على أهبة و استعداد فى تلك الليلة، و أنه متى دهمهم العدوّ يركبوا خيولهم، و يكون الاجتماع عند قرية المجّة بقرب خربة [2] اللصوص فبتنا فى تلك الليلة و ليس‏

____________

[1] هو أحد ميادين دمشق القديمة (النجوم الزاهرة 7: 75).

[2] خربة اللصوص: تقع على الطريق بين دمشق و بيسان (السلوك 1: 281 هامش).

30

منا إلا من لبس لأمة حربه، و أمسك عنان فرسه فى يده، و تساوى فى ذلك الأمير و المأمور، و كنت قد رافقت الأمير علاء الدين مغلطاى البيسرىّ أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، لصحبة كانت بينى و بينه، فلم نزل على ذلك و أعنة خيلنا بأيدينا حتى طلع الفجر فصلّينا و ركبنا، و اصطفّت العساكر إلى أن طلعت الشمس و ارتفع النهار فى يوم السبت المذكور، ثم أرسل اللّه مطرا شديدا نحو ساعتين ثم ظهرت الشمس، و لم نزل على خيولنا إلى وقت الزّوال، و أقبل التتار كقطع اللّيل المظلم، و كان وصولهم و وصول السلطان بالعساكر المصرية فى ساعة واحدة.

ذكر خبر المصاف و هزيمة التتار

كان المصاف المبارك فى يوم السبت ثانى شهر رمضان المعظّم سنة اثنتين و سبعمائة، و هزيمة التتار فى يوم الأحد بعد الظهر، و ذلك أن السلطان الملك الناصر- قرن اللّه مساعيه بالظفر، و حكم مرهفاته فى رقاب من طغى و كفر- حال وصوله إلى مرج الصّفّر بالقرب من شقحب [1] تولى [2] ترتيب عساكره فوقف- خلّد اللّه سلطانه- فى القلب و بإزائه الخليفة أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، و فى خدمته الأمير سيف الدين سلّار نائبه، و الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، و الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورىّ و الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار [3]، و الأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بالشام، و مضافيهم، و المماليك السلطانية [4] هؤلاء فى القلب.

____________

[1] شقحب- و يقال تل شقحب: و هى قرية فى الشمال الغربى من غباغب. و هذه قرية فى أول أعمال حوران من نواحى دمشق، و بينهما ستة فراسخ (معجم البلدان 3: 871، و هامش النجوم الزاهرة 8: 159).

[2] زيادة يقتضيها السياق.

[3] أمير جاندار: لفظ مركب من كلمتين «جان» بمعنى روح أو نفس، و «دار» بمعنى ممسك. و المعنى الجملى حارس و حافظ السلطان أو الأمير- أو الحارس الخاص- و يتولى الاستئذان لدخول الأمراء للخدمة و يدخل أمامهم إلى الديوان. (صبح الأعشى 4: 20).

[4] المماليك السلطانية: فرقة من المماليك التى اشتراها السلطان أو جلبت إليه أو آلت إليه من مماليك من سبعة فى السلطنة و مرتبات هذه الفرقة من ديوان المفرد (السلوك 1: 22 هامش الدكتور زيادة).

31

و وقف فى الميمنة الأمير حسام الدين لاجين الرّومى أستاذ الدار، و الأمير جمال الدين أقش الموصلىّ أمير علم [1] المعروف بقتّال السّبع، و الأمير جمال الدين يعقوب الشّهرزورىّ، و الأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان و مضافيهم، و فى جناح الميمنة الأمير سيف الدين قبجاق، و العربان أجمع- و اللّه أعلم.

و وقف فى الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، و الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى نائب السلطنة بالمملكة الحلبيّة، و الأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، و الأمير سيف الدين بتخاص [2] نائب المملكة الصفدية، و الأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، و الأمير سيف الدين طغريل الإيغانى [3] و الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورىّ، و الأمير ركن الدين بيبرس الموفقى، و غيره من مقدمى أمراء الشام، و كنت فى الميسرة. و أما غير هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمراء مقدمى الألوف من العساكر المصرية و غيرها فلم أتحقق مواقفهم [4] فأذكرها.

و أقبل التتار و فيهم من مقدمى التمانات قطلوشاه، و قرمشىّ [5] بن الناق، و سوتاى، و جوبان بن تداون، و أقطاجى، و بولاى [6]، و طوغان، و سياومى بن قطلوشاه، و طغريل بن أجاى، و أبشقا، و أولاجقان، و ألكان، و طيطق، و هم فى مائة ألف من المغول و الكرج و الأرمن و غيرهم. و لما جاوزوا منزلة الكسوة [7] طلّبوا تحت الجبل المسمى كنف المصرى، و حملوا على الميمنة فصدموها بمعظم جموعهم؛ فاضطربت و قاتل من بها قتالا شديدا، فاستشهد

____________

[1] أمير علم: هو الذى يتولى أمر الإعلام و السناجق و الرايات السلطانية و يشترط فيه الدراية بنوع الإعلام اللازمة لكل موكب من المواكب السلطانية- انظر (القلقشندى: صبح الأعشى ج 4 ص 8، ج 5 ص 456- 458).

[2] كذا فى الأصول. و فى السلوك 1: 932 «بد خاص».

[3] فى الأصول بدون نقط، و المثبت من السلوك 1: 9 و النجوم الزاهرة 8: 159، و جاء فى هامش النجوم «ورد فى الدرر الكامنة» طغريل الإتقانى و كان من مماليك إتقان الملقب «سم الموت».

[4] فى ك «موافقتهم» و المثبت من ص، و ف.

[5] كذا فى الأصول، و فى النجوم الزاهرة و السلوك 1: 933 «قرمجى».

[6] فى الأصول «مولاى» و المثبت من المرجعين السابقين.

[7] منزلة الكسوة: منزلة وضيعة يمر بها نهر الأعرج، و بينها و بين النهر اثنا عشر ميلا، و هى أول منزلة للقوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر (النجوم الزاهرة 8: 124 هامش).

32

الأمير حسام الدين الرّومىّ، و الأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان، و الأمير شمس الدين سنقر الكافرى، و الأمير جمال الدين أقش الشمسى الحاجب، و الأمير عز الدين أيدمر النقيب، و الأمير عز الدين أيدمر الرّفّا، و الأمير عز الدين أيدمر [1] الشمسى القشاش، و الأمير علاء الدين على بن داود التركمانى و الأمير حسام الدين على بن باخل، و نحو ألف فارس من مماليك الأمراء و أجنادهم، و انهزم بعض الأمراء، فكان منهم: الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى. فأردف السلطان الميمنة بالقلب حتى ردّ التتار.

و أما الميسرة فقاتلها بولاى فى حماية من التتار، فلم تكن لهم طاقة بملاقاة من فيها من الجيوش؛ فهرب بولاى فى هذا اليوم بعد العصر فى نحو عشرين ألف فارس من غير طائل قتال، و تبعهم بعض الجيش الإسلامى و عادوا، ثم حجز الليل بين الفريقين، فلجأ التتار إلى الجبل، و أضرموا النيران، و أحاطت بهم العساكر الإسلامية طول الليل. فلما أسفر الصباح عن يوم الأحد ثالث شهر رمضان تقدّمت العساكر الإسلامية إلى الجبل، و ضايقوهم أشدّ المضايقة، فكان ينزل من شجعانهم طائفة و تتقدّم إلى طلب [2] من أطلاب العساكر و تقاتل فيردها من يقابلها أقبح ردّ. و كان هذا اليوم بالحصار أشبه منه بالمصافّ، و استمر الحال على ذلك إلى وقت الظهر ففرّج لهم الأمير سيف الدين استدمر كرجى فرجة من رأس الميسرة، فلمّا رأوها بادروا بالفرار، و خرجوا على فرقتين، فالفرقة الأولى فيها جوبان فى نحو ثلاثين ألف فارس حتى أبعد. ثم تلاه قطلوشاه فى نحوها، و بقى منهم فرقة ثالثة فيها طيطق [3] فى زهاء عشرين ألف فارس، فلما فرّوا حملت العساكر عليهم و أبادوهم قتلا و أسرا، و تبعتهم العساكر بقيّة النهار إلى الليل.

____________

[1] هذا اللفظ من ص.

[2] الطلب لفظ كردى: كان يطلق على الأمير يقود مائتى فارس فى ميدان القتال، و يطلق أيضا على قائد المائة أو السبعين، و أول ما استعمل هذا اللفظ بمصر و الشام أيام السلطان صلاح الدين الأيوبى. ثم عدل مدلوله فأصبح يطلق على الكتيبة أو الفرقة من الجيش. (السلوك 1: 248 حاشية للدكتور زيادة، و النجوم الزاهرة 7: 391 هامش).

[3] فى ك «طيطلق» و المثبت من ص، و ف.

33

و لما كان فى يوم الاثنين رابع شهر رمضان جرّد السلطان الأمير سيف الدين سلّار، و الأمير عز الدين أيبك الخزندار، و غيرهم من العساكر يقفّون آثارهم. ثم ركب السلطان فى يوم الاثنين من مكان الوقعة و بات بالكسوة و دخل إلى دمشق فى بكرة نهار الثلاثاء خامس الشهر، هو و الخليفة، و نزل بالقصر الأبلق [1]، ثم بالقلعة، و نزل الخليفة بالتّربة الناصرية [2]، و أقام السلطان بدمشق إلى ثانى شوّال، و رحل من دمشق فى يوم الثلاثاء الثالث من شوال و وصل إلى القاهرة، و دخل فى الثالث و العشرين منه، و شقّ المدينة، و نزل بالمدرسة المنصورية؛ لزيارة قبر والده السلطان الملك المنصور، ثم ركب و طلع إلى قلعة الجبل، و احتفل الناس لمقدمه احتفالا عظيما، و زيّنت القاهرة بزينة لم يشاهد مثلها فيما مضى، و استمرت الزينة بها بعد وصول الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح بكتاب البشارة، فى يوم الأحد عاشر شهر رمضان، إلى أن قدم السلطان بعد ذلك بأيّام.

و قد ذكر الناس هذه الغزوة نظما و نثرا، و وقفت ممّا عمل فيها على أشياء كثيرة، و قد رأيت أن أورد من ذلك ما نقف عليه من النظم و النثر، فكان ممن عمل فى ذلك القاضى الرئيس الفاضل علاء الدين على بن عبد الظاهر [3] صنّف فى خبر هذه الوقعة جزءا سماه الرّوض الزاهر فى غزوة الملك النّاصر [4] ابتدأه بأن قال: الحمد للّه الذى أيّد الدين المحمدى بناصره، و حمى حماه بمن مضى هو و سلفه بأداء فرض الجهاد فى أوّل الزمان و آخره، و جعل من الذرّيّة المنصورية من يجاهد فى اللّه حقّ جهاده، و يسهر فى سبيل اللّه فيمنع طرف السيف أن يغفى [5] فى إغماده، و يقدم يوم الوغى و الموت من بعوثه للعدى‏

____________

[1] القصر الأبلق: هو قصر الملك الظاهر بيبرس البندقدارى أنشأه بظاهر غربى دمشق بين المبدأتين الأخضريين، و سمى بذلك لأن بناءه كان بحجارة مختلفة الألوان. و أنظر البداية و النهاية 13: 274، و الدارس فى تاريخ المدارس 1: 350.

[2] التربة الناصرية: أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن غازى بن أيوب بجبل قاسيون على نهر يزيد و بجوارها خانقاه له أيضا (الدارس فى تاريخ المدارس 2: 178.

[3] هو علاء الدين على بن محمد بن عبد اللّه بن عبد الظاهر، توفى بمصر سنة 717 ه (ذيول العبر ص 94، الدرر الكامنة 3: 109، حسن المحاضرة 1: 571، شذرات الذهب 6: 246.

[4] هذا الجزء ورد بنصه فى ملحقات السلوك 1: 1027 ملحق 16، و قد أشار الدكتور زيادة إلى نقله من نهاية الأرب للنويرى.

[5] يغطى: من أغفى بمعنى أخذه النوم أو النعاس (القاموس المحيط).

34

و أجناده نحمده على ما وهبنا من نصره، و نشكره على نعمه التى خوّلنا منها بأسا أذاق العدوّ وبال أمره، و نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين، و تضاعف أجر المجاهدين الذين [10] أضحوا فى درج المتقين مرتقين، و نشهد أن محمدا عبده و رسوله الذى بعثه و ضروع الكفر حوافل، و ربوع البغي أواهل. فلم يزل يجرّد الصّفاح من مقرّها، و يطلق جياد الغرم فى مجراها و صعاد الحزم فى بحرها، إلى أن أخمد نار الشرك و النفاق، و ظهرت معجزاته بإطفاء نار فارس بالعراق، صلى اللّه عليه و على آله الذين جرّدوا بين يديه سيوف الحتوف، فاستغلقت الأعمار، و هاجروا إليه و نصروه فسموا المهاجرين و الأنصار، و بعد: فإن الوقائع التى عظمت آثارها فى الآفاق، و حفظت بها دماء المسلمين من أن تراق، و بقى بها الملك و الممالك، و أشرق بها سواد الخطب الحالك، و سطّرها اللّه تعالى فى صحائف مولانا السلطان الملك الناصر، و آتاه فيها من الملك ما لم يبلغه أحد، فأورثه به ظفرا مخلّدا لا يفنى و إن طال المدار و الأمد، و أشبه فى ثباته و وثباته بها أباه رضيّ اللّه عنه، و الشبل فى المخبر مثل الأسد، و استقر بها الملك فى مهاد السكون بعد القلق، و تبدّلت بها الملة الإسلامية الأمن بعد الفرق، و أضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه، و طلع بها بدر السرور كاملا بعد مغيبه، و عمّت الأيام إحسانا من الملك و حسنى و علّم المؤمنين بها تحقيق قوله عز و جل‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [1] حقها [2] أن يسطر فيها ما يعمر ربوع السرور و يؤنس معاهده، و يقف عليه الغائب فيكون كمن شاهده و يذيع أنباء هذه النّصرة فى الأقطار، و يتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا يناضل عن دين اللّه بالسّمر الطّوال و البيض القصار، و سلطانا ما أغمد سيفه فى جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممّن ثار.

____________

[1] سورة النور آية 55.

[2] زيادة يقتضيها السياق.

35

و لما كانت هذه الغزاة المبرورة، و الحركات التى عدت حسناتها فى صحائف القبول مسطورة، و السّفرة التى أسفرت بحمد اللّه عن الغنيمة و السلامة، و أعلمت الأمة بركة قوله (صلى الله عليه و سلم): «لا تزال طائفة من أمتّى ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة». و كنت ممن شملته نفحات الرحمة فيها، و هبّت عليه رياح النّصر التى كانت ترجّيها [1]، و شاهدت صدق العزائم الملكية الناصرية، التى طلعت فى سماء النّقع نجوما وقّادة، و شهدت فى محضر الغزو على إقرار العدى بالعجز، و كيف لا و ذاك الموطن محلّ الشهادة، و رأيت كيف أثبت السيف لنا الحقّ لأنه القاضى فى ذلك المجال، و كيف نفذت السهام لأجل تصميمه فى الحكم، فلم تمهل حتى أخذت دين الآجال و هو حالّ، و قد أحببت أن أذكر من أمرها ملحة تنشرح منها [2] الصدور، و آتى بلمعة تعرب عن ذلك النور، و ها أنا أذكر نبأ السفر من افتتاحه، و أشرح حديث هذه الغزاة من وقت صباحه، فأقول:

ركب مولانا السلطان الملك [3] الناصر خلد اللّه ملكه- بنيّة صالحة أخلصها فى سبيل ربّه، و عزيمة ناجحة ماثلت فى المضاء سمر عواليه و بيض قضبه، من قلعة مصر التى هى كنانة اللّه فى أرضه، بجيوشه التى نهضت بسنن الجهاد و فرضه، تقدمها أمراؤه الذين كأنهم ليوث غاب، أو غيوث سحاب، أو بدور ليال، أو عقود لآل [4] معتضدا [5] ببضعة من الرسول، منتصرا بابن عمه، الذى لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه، و لا يطول، ملتمسا بركة هذا البيت الشريف الذى طالما كانت الملائكة من نجده و جنده، مسترسلا بيمنة الإيمان سحب كرمه، مستدعيا صادق وعده. و سار على اسم اللّه تعالى بالجاريات الجياد، التى تعدو فى سبيل اللّه النجاد، و تعلو الهضاب، و سرى يقطع المنازل، و يطوى المراحل طىّ السّجلّ للكتاب، و الجيوش المنصورة قد أرهفت‏

____________

[1] كذا فى الأصول. و فى السلوك 1: 1028 «تزجيها».

[2] و فى ص «ينشرح بها».

[3] الإضافة من السلوك 1: 1029.

[4] أى لآلئ.

[5] فى الأصول «مقتصدا» و المثبت من السلوك 1: 1029.

36

حدّ سيوفها و أشرعت أسنة حتوفها، و هى تسير كالجبال، و تبعث كالصدى [1] ما يرهب من طيف الخيال.

فبينما الركاب قد استقلت فى السّرى، و رقمت [2] فى البيداء من أعناق جيادها سطور من قرأها استغنى بحسنها عن القرى، إذا بالبشير قد وفد و نجم المسرّة قد وقد، و أخبر بأن جمعا من التتار قصدوا القريتين للإغارة، ما علموا أن ذلك مبدأ خمولهم الذى فتح اللّه به للإسلام باب الهناء و البشارة، و غرتهم الآمال، و ساقتهم الحتوف للآجال، فنهض بعض العساكر المؤيدة، فأخذتهم أخذ القرى و هى ظالمة، و أعلمتهم أن السيوف الإسلامية ما تترك لهم بعد هذا العام- بقولة يدا [3] فى الحرب مبسوطة، و لا رجلا فى المواقف قائمة، و أرى اللّه العدوّ مصارع بغيه، و عاقبة استحواذه، و تلا لسان الوعد الصادق على حزب الإيمان‏ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ‏ [4]، و وصل مولانا السلطان- خلّد اللّه ملكه- غزّة، و الإسلام بحمد اللّه قد زاد قوة و عزّة، ثم رحل بحمد اللّه- بعزم لا يفتر عن المسير، و جيش أقسم النصر أن لا يفارقه و أن يصير معه حيث يصير، إلى أن وصلوا يوم السبت الثانى من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين و سبعمائة، و هو أوّل أيام السعود، و اليوم الذى جمع فيه الناس‏ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [5] إلى مرج الصّفّر الذى هو موطن الظّفر، و مكان النصر الذى يحدّث عنه السّمار بأطيب سمر.

و السلطان بين عساكره كالبدر بين النجوم، و الملائكة الكرام تحمى الجيوش المؤيدة بإذن اللّه، و طيور النصر عليها تحوم، و هو- خلّد اللّه ملكه- قد بايع اللّه على نصرة هذه الملّة التى لا يحيد عن نصرها و لا يريم، و عاهده على بذل الهمم التى انتظمت فى سبيل اللّه كالعقد النّظيم، و خضع للّه فى طلب النصر

____________

[1] فى الأصول «كالعدى» و المثبت من المرجع السابق.

[2] فى الأصول «ورقت» و المثبت من السلوك 1: 1029.

[3] هنا انقطع الكلام فى ك بما يعادل منتصف صفحة 33 من ص إلى أول صفحة 63 و قد أكملت النص منها.

[4] سورة الفتح آية 20.

[5] سورة هود آية 103.

37

وَ مَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ‏ [1]، و قال: رب قد بذلت نفسى فى سبيلك فتقبّلها بقبول حسن، و نويت المصابرة فى نصرة دينك، و أرجو أن أشفع النّيّة بعمل يغدو لسان السّنان فى وصفه ذا لسن، و تلا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ [2] و اهزم عدوّنا فقد بايعناك على المصابرة وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏. [3]، و ابتهل إلى اللّه فى طلب التأييد، و تضرّع إليه فى ذلك الموقف الذى ما رآه إلّا من هو فى الآخرة شهيد، و فى الدنيا سعيد، هذا و السيوف قد فارقت الأغماد، و أقسمت أنها لا تقرّ إلا فى الرءوس، و الأسنة قد أشرعت و آلت أنها لا تروى ظمأها إلا من دماء النفوس، و السهام قد التزمت أنها لا تتخذ كنائنها إلّا من النّحور، و لا تتعوّض عن حنايا القسىّ إلا بحنايا الأضالع أو لترفّعها لا تحلّ إلّا فى الصدور، و الدروع قد لزمت الأبطال قائلة: لا أفارق الأبدان حتى تتلى سورة الفتح المبين، و الجياد حرّمت وطء الأرض و قالت لفرسانها: لا أطا إلّا جثث القتلى، و رءوس الملحدين. فلا ترى إلا بحرا من حديد، و لا تشاهد إلا لمع أسنّة أو بروق سيوف تصيد الصيد [4]، و السلطان قد أرهف ظباه [5] ليسعّر بها فى قلوب العدى جمرا. و آلى أنه لا يورد سيوفه الطلى بيضا إلا و يصدرها حمرا، و الإسلام كأنه بنيان مرصوص، و نبأ النصر على مسامع أهل الإيمان مقصوص، و النفوس قد أرخصت فى سبيل اللّه، و إن كانت فى الأمن غالية، و أرواح المشركين قد أعدّ لها الدّرك الأسفل من النار، و أرواح المؤمنين فى جنة عالية.

و لما كان بعد الظهر أقدم العدو- خذله اللّه- بعزائم كالسيوف الحداد و جاء على قرب من مقدمنا، فكان هو و الخذلان على موافاة، و جئنا نحن و النصر على ميعاد؛ و أتى كقطع الليل المظلم بهمم لا تكاد لو لا دفع اللّه عن بزاتها

____________

[1] سورة آل عمران آية 126.

[2] سورة البقرة آية 250.

[3] سورة البقرة آية 249.

[4] الصيد: جمع أصيد، و المراد به البطل الشجاع (لسان العرب).

[5] الظبا: حد السيف (محيط المحيط)

38

تحجم [1]، معتقدا أن اللّه قد بسط يده فى البلاد- و يأبى اللّه إلا أن يقبضها- متخيّلا أنّ هذه الكرّة مثل تلك- و يأبى اللّه إلا أن يخلف لهذه الأمة بالنصر و يعوّضها- متوهما أن جيشه الغالب، و عزمه القاهر، متحققا أنه منصور و كيف ذاك و معنا الناصر!! و التقى الفريقان بعزائم لم يشبها [2] فى الحرب نكول و لا تقصير، فكان جمعنا و للّه الحمد جمع سلامة و جمعهم جمع تكسير؛ و حمى الوطيس، و حمل فى يوم السبت الخميس [3] على الخميس، و دارت رحا الحرب الزّبون [4]، و غنّت السيوف بشرب الكماة كأس المنون، و السلطان قد ثبت فى موقف المنايا، حتى كأنه فى جفن الرّدى و هو نائم، و رأى الأبطال من أوليائه جرحى فى سبيل اللّه و الأعداء مهزومين [5]. و الوجه منه وضّاح و الثغر باسم، و قابل العدوّ بصدره و قاتل حتى أفنى حديد بيضه و سمره، و خاطر بنفسه و الموت أقرب إليه من حبل الوريد. و نكّب عن ذكر العواقب جانبا، و لم يستصحب إلا سيفه المبيد، و اشتد أزرى بامرائه الذين رأوا الحياة فى هذا اليوم مغرما، و عدوّا الممات فيه مغنما و قالوا: لا حياة إلا بنصر الإسلام، و لا استقرار حتى تطأ بين يدى السلطان سنابك الخيول هذه الهام، و ما أعددنا العزائم [35] إلا لهذا الموقف، و لا أحددنا الصوارم و خبأناها إلا لنبذلها فى السفك فنسرف [6]، و هم بين يدى سلطانهم يحثّون جيوشهم على المصابرة، و يقولون: هذا يوم تصيبنا فيه إحدى الحسنيين: فإما سعادة الدنيا و إما جنة الآخرة، و قالت الملائكة للجيوش المنصورة: يا خيل اللّه اركبى و يا يد النصر اكتبى، و قامت الحرب على ساق‏ وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏ [7]، و أتى العدوّ جملة واحدة، و حمل حملة أمست بالنفوس جائدة، و نكب عن الميسرة و قصد الميمنة

____________

[1] كذا فى ف و فى ص «برأتها».

[2] كذا فى ص، و ف. و فى السلوك 1: 1031 «لم ييئسها».

[3] الخميس: الجيش (المعجم الوسيط).

[4] الحرب الزبون: الشديدة (المعجم الوسيط).

[5] كذا فى ف. و غير واضحة فى ص. و فى السلوك 1: 1031 «مهزومة».

[6] كذا فى السلوك 1: 1031. و غير منقوطة فى ص، و ف.

[7] سورة القيامة الآيتان 29 و 30.

39

و القلب، و هاله جمع الإسلام فأراد أن يخلص بانحيازه من شدة ذلك الكرب، و استمرت المناضلة تمتد بين الفريقين و تنتشر، و المؤمنون قد وفّوا بما عاهدوا الله عليه. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [1]، و مولانا السلطان يردف مواكبه بحملاته، و يقدم فتخشى الأعداء مواقع مهابته و ترجو الأولياء منافع هباته، و يرى غمرات الموت ثمّ يزورها، و يمر فى مجال المنايا فيحلو له مريرها و مزورها [2]، و يقاسم سيوف العدى شرّ قسمة، فعلى عاتقه غواشيها [3] و فى صدورهم صدورها.

و لما كان وقت المغرب لجئوا- خذلهم الله [36]- إلى هضاب اعتقدوا أن فيها النجاة، و قالوا: نأوى إلى جبل يعصمنا من الموت و نسوا أنه لا عاصم اليوم من أمر الله.

راموا النجاة و كيف تنجو عصبة مطلوبة بالله و السلطان؟

و حصرتهم العساكر الإسلامية بعزائم كالشهاب أو النار [4]، و دارت عليهم كالسّوّار و السّوار [5]، و صيّرتهم بقدرة الله فى ربقة الإسار، و قاتلتهم الجيوش المنصورة غير مستجنّة بقرى محصّنة و لا من وراء جدار، تتلظى كبودهم عطشا و جوعا، و يكادون من شدة الهجير يشربون من سيل قتلاهم نجيعا [6]، و يودّون لو كانوا أولى أجنحة، و يندمون حين رأوا صفقتهم خاسرة و كان ظنهم أنها تكون مربحة، و يأسفون على فوات النجاة، و يتحيّرون عند مواقعة الجيوش المؤيدة حيث رأوا ما شملها من نصر، و يتضرّمون بنار الخيبة على حركتهم التى أدبرت لهم مآبا، و ينظرون فيما أسلفوه من ذنوب و لسان الانتقام يتلو عليهم‏ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [7].

____________

[1] سورة الأحزاب آية 23.

[2] كذا فى الأصل.

[3] غواشيها:/ جمع غاشية و هى غلاف السيف (لسان العرب).

[4] فى ص، و ف «النهار» و المثبت من السلوك 1: 1032.

[5] السوار- بكسر السين و ضمها مع التشديد: حلية للمرأة. و بفتح السين مع التشديد و الواو هو من الكلاب الذى يأخذ بالرأس، و أيضا الرجل يواثب نديمه إذا شرب، و هو سوار أى و ثاب معربد (لسان العرب).

[6] النجيع: هو الدم، و قيل دم الجوف خاصة، و قيل هو الطرى منه أو المصبوب (لسان العرب).

[7] سورة النبأ آية 40.

40

و دخلت ليلة الأحد و هم فى حصرهم و قد أوقعهم الله فى حبائل مكرهم، و أراهم من الحصر و الضيق ما لا رأوه مدّة عمرهم، و أيقنوا بالهلاك [37]، و تحققوا أن لا خلاص لهم من تلك الأشراك، و لو سمعوا ما سبق من الإنذار لما أتوا للمبارزة مظهرين، و لو علموا سوء صباحهم كفروا عشاء و نجوا من قبل أن يتلى فى حقهم‏ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ‏ [1] و أصبح الإسلام يوم الأحد فى قوته المنيعة، و أرواح العدى فى أجسادهم وديعة، و مولانا السلطان يصطبح من دمائهم كما اغتبق، و يريهم عزما ينثر عقد اجتماعهم الذى انتظم و اتّسق، و يفهمهم أنّه لا مردّ له عن مراد الصّوارم، و أنه لا يفارق الجبل حتى يجعل عوض أحجاره جماجم، و أمراؤه- أعزّ الله نصرهم بين يديه- أولو همم فى الحرب و أولو عزائم، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ‏ [2] يعدّون المصابرة فى طاعة الله و طاعة سلطانهم غنيمة جمعت لهم أسباب الفخار؛ و يمتازون بأنّ منهم من هاجر إليه، و منهم من نصره، فعدّوا- حقا- كونهم مع محمد تابعى المهاجرين و الأنصار، و زحف السلطان و بين يديه أمراؤه و عساكره المؤيدة فضيقوا عليهم الخناق، و أحدقوا بهم إحداق الهدب بالأحداق، و راسلوهم بالسهام، و شافهوهم بالكلام لا الكلام، و رفعوا من راياتهم [38] المنصورة ما طاول المنشآت فى البحر كالأعلام، و حمل بها الأبطال، فكلما رآها العدى تهتزّ بتحريك نسيم النّصر سكنوا خوف الحمام، ثم فرّجوا لهم عن فرجة من جانب الجبل ظنّوها فرجا، و خيّل لهم أنّه من سلك تلك الفرجة سلك طريقا مستقيما، و ما دروا أنه سلك طريقا عوجا، و استترت لهم الجيوش المنصورة إلى الوطاة لتمكّن سيوفها من سفكهم، و يقرب مدى هلكهم، و تسلمهم إلى الحمام الذى لا ينجى منه خيل و لا جبل، و تملأ الوطاة من دمائهم، فتساوى السهل من قتلاهم بالجبل، و حلّ الحمام بساحتهم، و امتدت الأيدى لاستباحتهم، و ضاقت عليهم المسالك، و غلبوا هنالك، و أنزل الله نصره على المؤمنين و أيدهم بجنود لم يروها، و اشترى منهم أنفسهم بأنّ لهم الجنة- فيا طيب ما شروها، و فرّت من العدو فرقة،

____________

[1] سورة الصافات آية 177.

[2] سورة المائدة آية 54.

41

و ضلّت فى حالة الحرب عن السيف فأدركهم العزم الماضى الغرار [1] و تلا عليهم لسان الحق‏ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ [2] و ما انقضى ظهر يوم الأحد إلا و النصر قد خفقت بنوده، و الحق- سبحانه و تعالى- قد صدقت و عوده، و طائر الظفر قد رفرف بجناحه و طار باليمن و السرور [39] و نسيم الريح قد تحمّلت رسالة التأييد، فصارت إلى الإسلام بالصّبا و إلى العدوّ بالدّبور و الألطاف- و لله الحمد- قد زادت للإسلام قوّة و تمكينا، و لسان النصر يتلو على السلطان‏ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [3] و السيف قد طهّر ديار الإسلام من تلك الأدناس و مولانا السلطان يتلو ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ‏ [4]، و أمست الوحوش تنوش أشلاءهم، و الحوائم ترد دماءهم، و العساكر فى أعقابهم تقتل و تأسر، و تبدى فى استئصالهم [5] كل عزيمة و تظهر، و تنظم أسنتها برءوس القتلى، و تعقد لها على عقائل النصر فتزفّ لديها و تجلى، إلى أن ناحتهم بالخيف [6] من مكان قريب، و بسطت فيهم السيف فسأل الأسر أن يسمح له بحظّ فأعطى أيسر نصيب، و ملئت من قتلاهم القفار، و أمسوا حديثا فى الأمصار، و عبرة لأولى الأبصار.

ثم رحل السلطان يوم الاثنين الرابع من شهر رمضان المعظم إلى منزلة الكسوة من مكان النصر، و بقاعه تنبئ [7] على معاليه، و تشهد بمضاء قواضبه و نفوذ عواليه، و دمشق قد أخذت زخرفها و ازّيّنت، و تبرّجت محاسنها للنواظر، و ما باتت بل تبيتت، و كادت جددها تسعى للقائه، لتؤدّي السّنّة من خدمته و الفرض، غير أنها استنابت الأنهار فسعت و قبّلت بين يدى جواده الأرض.

____________

[1] الغرار: حد السيف (المعجم الوسيط).

[2] بياض فى ص، و ف. المثبت يقتضيه المعنى و السياق الذى التزمه المؤلف. و الآية رقم 16 من سورة الأحزاب.

[3] سورة الفتح آية 1.

[4] سورة يوسف آية 38.

[5] فى ص، و ف «إيصالهم» و المثبت يقتضيه السياق.

[6] الخيف: ما انحدر عن غلظ الجبل، و ارتفع عن الوادى و مجرى السيل (لسان العرب).

[7] كذا فى ص، و ف. و فى السلوك 1: 1034 «تثنى».

42

ثم رحل فى يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان، و دخلها فى هذا اليوم و الملائكة تحيّيه عن ربّه بتحيّة و إكرام، و تتلو عليه و على جيوشه‏ ادْخُلُوها بِسَلامٍ [1]* فى موكب كأنه نظام الدّرر، أو روضة كلها زهر، بل هو- حقا- هالة القمر، و الدنيا قد تاهت به عجبا، و الناس يدعون لسلطان قد شغفوا بدولته حبّا، و يتعجبون من نضارة ملكه الذى سرّ النواظر، و يرون أولياءه فى فلك إنعامه، فيقولون:

أ بدّلت الأرض غير الأرض أو صارت سماء و إلا فما هذا القمر حوله النجوم الزواهر! و عادت المآتم بدمشق أفراحا و أعراسا، و ربوع الهناء قد عوّضها أمن مقدمه عن الوحشة إيناسا، و القلعة بآلات حصارها مزينة قائلة:

كيف يستباح حماى و أنا بهذا السلطان محصّنة، و بشهادته [2] محصنة.

هذا و الأنهار تساير ركابه و قد صبغت من دماء العدى بأحمر قان، و الأشجار تميل طربا بالهناء كما يميل النشوان بين الأغانى، و الحمام يطرب بحسن الألحان و التغريد، و قد أقسمت لا تنوح، و كيف تنوح و قد خضّبت كفّها و طوّقت الجيد، و الناس يقولون: أيا عجبا فى أوّل رمضان يكون عيد، و فى آخره عيد؟! و العزائم للعدى تردى، و بنصر الله ترتدى، و تهتز [3] بردى تقول عند تغريد الحمامة:

«يا برد ذاك الذى قالت على كبدى» و الأقاليم قد تاهت بسلطانها بهجة و سرورا، و هام الجوزاء تودّ لو كانت منبرا و سريرا، و الرعايا تقول: هذا الملك الذى حمى الله بعزائمه الدّيار، و أدار العدى إلى دار البوار، و وقف لا يبتغى إلا وجه ربه، و قابل اليوم بنفسه و بكتائبه، و ناضل الأمس بكتبه، و الله لدعائهم سامع و مجيب، و مكافئه بكل فتح مبين و نصر قريب.

____________

[1] سورة الحجر آية 46.

[2] كذا فى ص، و ف. و فى السلوك 1: 1034 «بسعادته».

[3] فى ص، و ف، و السلوك 1: 1034 «و نهر».

43

و وصل الميدان الأخضر و قد أذاق العدوّ الأزرق الموت الأحمر، فى يوم السعد الأبيض، بعلم النصر الأصفر- إلى القصر الأبلق، و قد طلع شمسا فى سماء الملك أنار به أفق الآفاق و أشرق، ففخر القصر بحلوله فيه، و قال: هذا اليوم الذى كنت أرتجيه، و هذا الوقت الذى ما برحت تبشّرنى به [43] نسمات البكر و الأصائل. لأنها تمرّ لطيفة، فأعلم أن معها منه- خلّد الله ملكه- رسائل، و هذا الملك الذى أعرف فيه من الله شمائل؛ فغبطته القلعة المنصورة، و سألته [1] أن لا تبقى بغير الجسد محسورة [2]، و فاخرت القصر بمالها من محاسن، و ما شرفت به من إشراف على أنضر الأماكن، و امتازت به من حصانتها الذى ما امتطى سواه ذروتها، و لا علا غيره- خلّد الله ملكه- صهوتها، فأراد أن يعظم لقلعته الشأن- فحلّ بها مرة ثم بتلك أخرى، و طاب بحلوله الواديان.

ثم أذهب عن أوليائه و جيوشه مشقة التعب، ببذل الذهب، و أنسى بمكارمه حاتم طيئ، فلو عاش لا ستجدى ممّا وهب، و أمر بعود نوّاب ممالكه إلى أماكنهم المحروسة، و قال: قد خلت ربوعكم هذه المدّة.

و حيث حللنا بالبلاد نبتغى أن تكون مأنوسة، فتضاعف الشكر على إتمام هذه النعمة، و ابتهلت الألسن بالمحامد، و كيف لا و قد طلع صبح النصر فجلّى ليل تلك الغمة، و شكر الناس منّة الله التى أعادت إليهم بالأمن الوسن [3]، وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [4] و أقام بدمشق [44] المحروسة يتبوّأ منها أحسن الغرفات، و استقر من بقاعها [5] فى جنّات، فحييت به بعد الممات، و عادت بمقدمه إلى جسدها الروح بعد المفارقة، و تمتعت مقلتها من محاسنه بأبهى من رياضها الرائقة، و هو يحمى حماها، و يحلى مواطن ملكها الزواهر رباها، و يزيّنها بمواكبه التى ماثلت الكواكب فى سنائها و سناها، و تطأ سنابك جياده أرضها فيدانى الثريا فى الافتخار ثراها، إلى أن قضى شهر صيامه‏

____________

[1] كذا فى ص، و ف. و فى السلوك 1: 1035 «و سألت».

[2] فى ص و ف «محصورة» و نقل الصواب ما أثبته.

[3] الوسن: الحاجة و الوطر، النوم و النعاس (لسان العرب).

[4] سورة فاطر آية 34.

[5] كذا فى ص، و ف. فى السلوك 1: 1035 «و يستقر من بقعتها».

44

المقبول. و أتاه عيد الفطر مبشرا بإدراك آماله فى عز مستمر و نصر موصول، و أسبغ من عطاياه ما أربى على عدد أمواج البحر، و تعدّدت لدولته المسرّات فى هذا الشهر الميمون، فآخره عيد فطر، و أوّله عيد نحر.

ثم رحل عن دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث شوال، و يعزّ عليها أن تفارقه. أو تبعد عن محيّاه الذى أنار مغارب الملك و مشارقه، أو يسيّر عنها عزمه الذى إن غاب أغنت مهابته، أو حضر أرهف على العدو بوارقه، و أغصان رياضها تحسد بنود سناجقه، و أوراق روحها تودّ لو كانت مكان أعلامه و خوافقه، و زهرها يتمنى لو كان وشيا [45] لحلل [1] جياده، و أرضها النضرة تكاد تنطوى بين يديه لتكون مراكز السعادة [2]، و قصرها الأبلق يتوسّل إليه فى أن يتخذه بدل خيامه، و ستائره ليسر مسكنه [3] فيه و مقامه، و مصر تبعث إليه مع النسيم رسائل، و تبذل له فى تعجيل عوده وسائل [4]، و كرسىّ سلطنتها يودّ لو سعى من شوق إليه، أو شافهه بالهناء و بالنعمة التى أتمّها الله عليه، فلبّى دعوتها و لم يطل جفوتها، و سار إليها سير الأقمار إلى منازل الضّياء و النور، و وطئ بمواكبه الأرض فظهرت بها من مواطئ جياده أهلّة، و من آثار أخفاف مطيّه بدور، و وصل ديار مصر المحروسة و قد زفّت عروسا تجلى فى أبهى الحلل، و جمعت أنواع المحاسن، فلا يقال لشي‏ء منها كمل لو أنّ ذا كمل، و فضح الدجى إشراقها، و بهر العيون جمالها، فإلى أقصى حدائق حسنها. رنت أحداقها، و سبت النفوس منازلها، و كيف لا، و هى المنازل التى لم نزل نشتاقها، و شغلت القلوب أبياتها، و كيف لا و قد زانها ترصيعها و طباقها، و حوت من البهاء ما لو حوته البدور لما شانها بعد التمام محاقها، و أمست روضة أثمرت اللآلى و الدرر، و فلكا زها بالمشرقات فيه، [46] و كيف لا و فى كل ناحية من وجهها قمر.

و حلّ- خلّد الله ملكه- بظاهر القاهرة فكادت تسير لخدمته بأهلها و جدرانها، غير أنّه أثقلها الحلى فأخّرها لتبدو إليه فى أوانها المراد، و ما أحسن الأشياء فى أوانها، و همّ نيلها أن يجرى فى طريقه لكنه أخّره النقص‏

____________

[1] فى ص، و ف «لحلك» و لعل الصواب ما أثبته.

[2] كذا فى ص، و ف. و لعلها «الصعادة».

[3] فى ص، و ف «ممكنة» و لعل الصواب ما أثبته.

[4] فى ص، و ف «رتائل» و المثبت من السلوك 1: 1035.

45

و التقصير، و استحيا أن يقابله و هو دون غاية التمام، أو يسير من مواكب أمواجه فى عدد يسير، و خشى أن يتخلّل السبل بين يديه فيحصل فى ريها الخلل، أو تظهر عليه- كونه فى زمن توحمه- حمرة الخجل، و كأنّ عمود مقياسه قد آلى أن لا يضع أصابعه فى اليمّ إلا بإذن سلطانه، و لا يلبس ثوب خلوق إلّا ما يزره عليه ببنانه، و لا يأتى بزيادة إلا بعد مقدمه، و كيف لا و مدده من إحسانه؟! و ركب سحر الاثنين الثالث و العشرين من شوال سنة اثنتين و سبعمائة من ظاهر القاهرة فى موكب حفّ به الظّفر، و أضحى حديثا للأنام و ذكرى للبشر، و سيفه المنصور قد أذهب عن الملّة الإسلامية ليل الخطب و محا، و الأمة يترقبون طلوع فجر بدره، و لسان المسرّة يتلو عليهم‏ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [1] و دخل البلد و قد تزايدت بمقدمه سرورا [47] و بشرا، و أنشدته:-

أنت غيث إذا وردت إلى الش * * * ام و نيل إذا تيمّمت [2] مصرا

أطلع الشرق من جبينك شمسا * * * ليس تخفى و من محياك بدرا

كان أمر التتار مستصعب الح * * * ال فصيّرت عسر ذلك يسرا

و فتحت له أبواب نصرها التى يفضى منها إلى نعمة و نعيم، و شاهدته [3] عيون أهلها. فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [4] و الرعايا قد أصبحوا كما أمسوا بالدعاء له مبتهلين، و الألسنة تتلو عليه و على أمرائه‏ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [5] و قد

____________

[1] سورة طه آية 59.

[2] فى ص، و ف، و السلوك 1: 1036 «يممت» و الوزن يقتضى ما أثبته.

[3] فى ص، و ف و السلوك 1: 1036 «و شاهدت».

[4] سورة يوسف آية 31.

[5] سورة يوسف آية 99.

46

أظلّته سماء أديمها الحرير، و نجومها الذهب، و سحبها تنثر اللؤلؤ المكنون، و حيل بين سنابك خيله و بين الأرض بأثواب من استبرق تستوقف العيون، و كوفئت عن وطء الأحجار بالأمس فى سبيل الله بوطء الديباج فى هذا اليوم، و كادت الأيدى تلمس معارفها تبركا بترب الجهاد الذى حملت إليه أكرم قوم، فرأى فيها جنّة أوردت من مناهلها كوثرا، و كان قد أنهى بين يديه حديث زينتها [1] فوجد خبرها يجاوز خبرا، و لم يجد بها عيبا غير أن صباحها حمدت به الأجفان عاقبة السّرى، و تبرّجت عقائلها نزها للنواظر [48]، و تظهر كلّ واحدة منهن فى وشى أبهى من الزواهر، و لبست جدرانها حلل السرور النّضرة، و أبرزت بعولتهن ما فى ذخائرهم و لم يسألوا نظرة إلى ميسرة- و ما ثنت [2] أعطافها- كما أمست وجوه التهانى بها ضاحكة مستبشرة، و لمّا مر بسبلها حلا له ذلك النّور، و لمّا سلك بين قصريها تحقق الناس أن أيامه زادت على أيام الخلفاء؛ فإنها أنشأت قصرين و هذا أنشأ لها قصورا ما بها من قصور، فمن بروج تمنّت البدور لو كانت لها منازل، و من قلاع لو تحصّن بها جان لما دارت عليه دوائر الدهر الغوائل، و من قباب علت و ليس لها غير الهمم من عمد، و ضربت على السماحة و النّدى فما عدم مشيّدها حسن البناء و لا فقد، و من عقود عقد لها على عرائس السعود، و تمكّنت فى الصّعود، و من حلى لو ظفر بها الحسن بن سهل لاتخذ منها لجهاز ابنته على المأمون ما لا ألف مثله فى زمنه و لا عهد، و لو [3] رآه ابن طولون لاعتضد به فى إهداء عقيلته للمعتضد، و من أواوين تزرى بإيوان كسرى الذى [4] تعظّم بناؤه و تحمّد، و يستصغر فى عين من رأى إيوانا واحدا من هذه، و كيف لا و ذاك هدم فى زمن [49] محمد- (صلى الله عليه و سلم)- و هذا عمّر لنصرة محمد، و ذاك أهلك بانيه و زجر، و هذا أيّد بانيه و نصر، و من سواق‏

____________

[1] فى ص، السلوك 1: 1037 «رتبتها» و المثبت من ف.

[2] كذا فى ص، و فى السلوك 1037 «و ماست».

[3] فى ص، و ف «و لا رآه» و المثبت يقتضيه السياق.

[4] فى ص، ف «التى».

47

جوار و جوار سواق، و آلات تبهر عند رؤية حدائقها الأحداق، و من عروش و أشجار، و رياض نضرة تبهت الأبصار، قد أخذت من كل المحاسن بشطر، و حلت مذاقا. و كيف لا و قد سقيت بالقطر؟! و من سفائن قد ترفعت حتى مرت فى الجوّ من بحر النسيم فى لجج، و من عجائب إذا حدّث المرء عنها قيل له:

حدّث عن البحر و لا حرج، و من شخوص بالألحاظ تغازل، و دمى تسحر العقول بسحر بابل، و صور يخيّل للرائى أنها تنطق، و أشكال وضعت صفة للحرب التى أضحت رايتها فى الآفاق تخفق، و من هيبة للعدى التى أبادتها الأبطال، و أعدمت حقيقتها فلم يبق منها إلا مثال يبزر فى خيال، و من جتور [1] ظهرت بها آية ملكه لمّا مرّت بنفسها على رأسه الكريم مر السحاب، و سارت بين السماء و الأرض فلم تحتج مع سعادته إلى عمد و لا إلى أطناب، و من فوسان جمّلت [2] الجيوش المنصورة حيث لبست لأمة حربها، و اعتقلت رماحها و بارزت الأقران [50] فكان النصر من حزبها.

و من أنواع احتفال يعجز عن وصفها البديع الفطن و لو لا خوف الإطالة [3] لقلت و من و من إلى أن تنفد كلمة و من.

و الأمة يبذلون فى خدمته الجمل و التفاصيل، و يصنعون له ما يريد من النّزه، و يعملون ما شاءوا من تماثيل، و الأسارى قد جعلوا بين يديه مقرنين فى الأصفاد، يشاهدون مدينة ماثلت‏ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [4] و هو- خلّد الله سلطانه- يسير الهوينا، و ينظر بعين حبره هذا المحفل، و يقبل، و أسراؤه بين يديه كالليث أقبل للفريسة ينقل [5]، و هم‏

____________

[1] جتور- جمع جتر و هو مظلة أو قبة من حرير تحمل على رأس السلطان فى موكب الصيد (القلقشندى:

صبح الأعشى، ج 4، ص 7- 8).

[2] فى ص، و ف «خلت» و لعل الصواب ما أثبته.

[3] سقط فى ص، و ف. و الإضافة عن السلوك 1: 1038).

[4] سورة الفجر الآيتان 7، 8.

[5] كذا فى ص، و ف. و المعنى غير مفهوم.

48

يشكرون حلمه [1] على السلامة من ريب المنون و الأفواه تنطق بشكر الله‏ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [2] و قد بهتوا لما رأوه من نعم الله التى تنوّعت له- خلد الله ملكه- حتى أتت كلّ نعمة فى وقتها، و عظمت فى عيونهم آيات الله سبحانه، و لسان الأقدار يتلو وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [3] فلما نظروا بالأمس فى إنجاد الملائكة للعساكر المنصورة آية كبرى، شاهدوا اليوم من سعادة هذا الملك الذى بنت له الأقدار بين السماء و الأرض [51] مدينة فقالوا: هذه آية أخرى، و استقلّوا ما مرّوا به من المدائن و الأمصار، و غدوا و عيونهم فى جنة و قلوبهم فى نار، و استصغروا ملكهم المخذول و ملكه، و قالوا: غير عجيب لمن أقدم على هذا الملك أن يبدد جمعه، و يفرط سلكه، و تحققوا أنه من أوتى هذا السعد لا يؤخّر- إن شاء الله- إمساك كبيرهم و هلكه، و نودوا أن شاطروه فى السلاسل و القيود، و السيف يقول: ليس الأمر لمن يسمى- خديعة- محمودا، محمود و وصل مولانا السلطان تربة والده السلطان الشهيد- قدس الله روحه- و أمراؤه قد بذلوا فى محبته نفائس النفوس، و جزيل الأموال، و أخاير الذخائر، و ركبوا بالأمس للمناضلة عن دولته فى سبيل الله، و قد بلغت القلوب الحناجر، و ترجّلوا اليوم فى خدمته تعظيما لشعائر سلطنته، و طلعوا فى سماء المعالى كالنجوم الزواهر، و صعد- خلد الله ملكه- تربة والده- (رضى الله عنه)- و أنوار النصر على أعطاف مجده لائحة، و دخلها فلو لا خرق العوائد لنهض من ضريحه و صافحه، و شكر مساعيه التى اتّصلت بها أعماله، و كيف لا و هى أعمال صالحة [52]، و قصّ مولانا السلطان- خلد الله ملكه- عند قبره المبارك من غزوته أحسن القصص، و أسهم من بركة جهاده أوفر الحصص، فلو استطاع- (رحمه الله)- أن ينطق لقال:

هذا الولد البار، و الملك الذى خلفنى و زاد فى نصرة الإسلام و كسر التّتار،

____________

[1] كذا فى ص، ف.

[2] سورة غافر آية 71.

[3] سورة الزخرف آية 48.

49

و لو تمكّن- (رضى الله عنه)- لأخبره بما وجده من ثواب الجهاد فى جنات و عيون، و بشره بما أعدّه الله لمن فقد من المجاهدين فى هذه الغزاة المبرورة بين يديه، و تلا عليه‏ وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ [1] و لأثنى على امرائه الذين فعلوا من المصابرة و المحافظة ما أوجبه حسن التهذيب منه- (رحمه الله)- و جميل التربية، و شكر عزائمهم التى ما ناداها أهل مملكة لكشف خطب إلا أجابوهم بمواقع التّلبية، و اعتدّ بطاعتهم للميّت و الحىّ، و موالاتهم التى ذاعت فى كل ناد و حىّ، و القرّاء حول ضريحه يتلون آيات الله التى كان- (رضى الله عنه)- بها عاملا، و لم يزل ربع تقواه بها آهلا، فشمل مولانا السلطان- خلد الله ملكه- الأنام بالصدقات المتوفرة، [53] و سمح من الذهب و الفضة بالقناطير المقنطرة، و ازدحمت الأمانى على سيبه كما ازدحمت الأعادى على سيفه، فكان كما قيل:

(قدّاح زند المجد لا تنفكّ من‏ * * * نار الوغى إلّا إلى نار [2] القرى)

و ركب من التّربة الشريفة و الرعايا يدعون بدوام دولته التى أضحت قواعد الأمن بها متينة، و يرتعون بالمدينة فى لهو و لعب و زينة.

و سار جواده بين حلىّ و حلل، فاستوقف الأبصار، فى مسلك حفّت به غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار.

و عاد إلى قلعته ظافرا عود الحلى إلى العاطل، و غدت ربوعه الموحشة لبعده بقربه أواهل، و طلعها فى أيمن طالع لا يحتاج معه إلى اختبار و لا رصد، و حلّت شمس ملكه فى برجها و كيف لا و هو فى برج الأسد، فالله تعالى يمتع الدنيا بملك حمى شاما و مصرا، و أذاق التتار بعزائمه مصائب تترى.

____________

[1] سورة آل عمران آية 169.

[2] البيت من مقصورة ابن دريد.

50

و حسبنا الله و نعم الوكيل‏

و لما صنّف المولى علاء الدين هذه الغزاة، و عرضت [54] على المسامع الشريفة السلطانية شمله الأنعام و التشريف السلطانى، و وفر حظّه من ذلك، و قد سمعت هذه الغزوة من لفظه، و نقلتها من خطه، و قد أتى فيما أورده بالواقعة المشاهدة، و وفّى بقوله: إن الغائب إذا وقف على خبره يكون كمن شاهده.

و قد وقفت أيضا على جملة مما صنّفه الفضلاء فى خبر هذه الغزاة، و هذا الذى أوردته أتمّها و أكملها و أكثرها استيعابا للواقعة من ابتدائها إلى انتهائها.

فلذلك اقتصرت على إيرادها دون ما سواه.

و عمل أيضا الشعراء قصائد كثيرة يطول الشرح بإيرادها، و ها نحن نذكر منها قصيدة نظمها القاضى الفاضل جمال الدين أبو بكر عبد القاهر بن الشيخ نجم الدين أبى عبد الله بن محمد بن عبد الواحد بن محمد التبريزى الشافعى قاضى عجلون و خطيبها و هى [1]:

____________

[1] روجعت القصيدة على النص الوارد فى كتاب «كنز الدرر و جامع الغرر» لأبى بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادارى بتحقيق هانس روبرت هويمر ج 9 طبعة الخانجى (ص 93- 100).

51

الله أكبر جاء النّصر و الظّفر * * * و الحمد لله، هذا كنت أنتظر

و أبرز القدر المحتوم بارئه‏ * * * سبحانه بيديه النفع و الضرر

و هوّن الصّعب بالفتح المبين لكم‏ * * * ربّ يهون عليه المقفل العسر

و لم تزل شرعة الإسلام ظاهرة * * * أجزم به فبهذا صحّح الخبر

أين النجوم و تأثير القران و ما * * * تخرّصوا فيه من إفك و ما زجروا

قد دبّر الله أمرا غير أمرهم‏ * * * و خاب ما زخرفوا فينا و ما هجروا

و أقبل العسكر المنصور يقدمه‏ * * * من الملائك جند ليس تنحصر

و قد أحفّوا به و الأرض من زجل [1] * * * ترتجّ إن سبّحوا لله أو ذكروا

كنانة الله مصر جندها ثبتت‏ * * * لا ريب فيه و جند الله تنتصر

ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم‏ * * * و هجّروا فى طلاب المجد و ابتكروا

و أسهروا أعينا فى الله ما رقدت‏ * * * أكرم بقوم إذا نام الورى سهروا

لله كم ديّنوا فى نصر دينهموا * * * و أنفقوا فى سبيل الله ما ادّخروا

صانوا الجياد و سنّوا كلّ ذى شطب [2] * * * و جدّدت للقسىّ النّبل و الوتر

حماهم الله كم حاموا و كم منعوا * * * و كم أغاثوا و كم آووا و كم نصروا

و خلّفوا خلفهم لذّات أنفسهم‏ * * * و هاجروا و لذيذ العيش قد هجروا

و أوجفوا نفرا بالخيل ملجمة * * * و بالركاب و ما [3] ملّوا و لا فتروا

حتى أتوا جلقا [4] فى يوم ملحمة * * * فيه الأسود أسود الغاب تهتصر

____________

[1] فى ص، و ف «رجل» و المثبت من المرجع السابق.

[2] ذو شطب: يعنى السيف. (لسان العرب).

[3] كذا فى ص، و ف. و فى كنز الدرر «و لا».

[4] جلق: لفظ أعجمى، يطلق على كورة الغوطة كلها، و قيل يطلق على دمشق، و قيل موضع بقرية من قرى دمشق (معجم البلدان 6: 154).

52

لها السّنابك فى الميدان قد حنيت‏ * * * صوالجا [1] و لها روس [2] العدا أكر [3]

و الجوّ أغبر و التاتار [4] زاحفة * * * مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا

وددت لو كنت بين الصف منجدلا * * * قد ارتوت من دمى الخطية السّمر

و كوثر الحرب قد راقت مشاربه‏ * * * تحت العجاجة و الأبطال تعتكر [56] [5]

و السيف ينشى بديعا من فواتره‏ * * * و الرّمح ينظم و الهامات تنتثر

و النّبل يحفظ و الأقلام كاتبة * * * و الضرب يعرب و الأبدان تستطر

حتى إذا عبّ مثل البحر جحفلنا * * * و مدّ فيضا على أعدائنا جزروا

أصلوهم جاحما يشوى الوجوه و قد * * * حمى الوطيس و نار الحرب تستعر

و أحرقتهم سراعا كلّ صاعقة * * * من السيوف بنيران لها شرر

لاذوا بشمّ شماريخ الجبال فما * * * حمتهم قلل منها و لا مغر [6]

و مزّقوا شردا [7] بين الزحام فكم‏ * * * شلو تنازع فيه الذئب النّمر

أين المفر و قد حام الحمام بهم‏ * * * هيهات لا ملجأ يرجى و لا وزر

نادى بهم صارخ أغرى الفناء بهم‏ * * * فإن سألت فلا خبر و لا خبر

كم قد سهرتم دجى من خوفهم حذرا * * * و الآن ناموا فلا خوف و لا حذر

قولوا لغازان يا ذا ما لعلّك أن‏ * * * تروع من مخلب الرّئبال يا بقر

____________

[1] الصوالج:/ جمع صولج و هو مضرب تضرب به الكرة، و يقال صلج الكرة إذا ضربها (محيط المحيط).

[2] أى رءوس و خففت للوزن.

[3] الأكر- جمع أكرة، و هى لغة فى الكرة، و تعرف اليوم باسم بولو و شغف بهذه اللعبة معظم سلاطين المماليك و أمرائهم (كتاب السلوك للمقريزى، ج 1 ص 444، حاسية 1 للدكتور زيادة).

[4] كذا فى ص، و ف. و فى كنز الدرر «و الأتراك.

[5] تعتكر: تختلط و تتشاجر (محيط المحيط).

[6] كذا فى ص، و ف. و فى كنز الدرر «صور». و لعل الشاعر جمع مغارة على مغر.

[7] شرد: جمع شارد (لسان العرب).

53

تلك الجموع التى وافى يدلّ بها * * * تالله ما بلغوا سؤلا و لا نصروا

جاءوا و قد حفروا من مكرهم قلبا [1] * * * ألقاهم الله قسرا فى الذى حفروا

و سكّروا فى أراضينا مباذرة * * * و الآن قد حصدوا أضعاف ما بذروا

وافى بهم أجل يمشى على مهل‏ * * * حتّى محاهم فلا عين و لا أثر

لم ينفروا خيفة من كل قسورة * * * و فرّ جمعهم إلّا و هم حمر

أموا الفرات و قد راموا النجاة فكم‏ * * * حلّت بهم عبر فيها و ما اعتبروا

مرائر القوم من خوف قد انفطرت‏ * * * و الكلّ من قبل عيد الفطر قد نحروا [57]

جميعهم قتّلوا صبرا [2] و أعظمهم‏ * * * جميعها بضواحى جلّق صبروا

لم يقبروا فى نواويس [3] و لا جدث‏ * * * و إنما فى بطون الوحش قد قبروا

و الطير ترعى نهارا لحمهم فإذا * * * ما الليل جنّ ففى أقحافهم تكر

فخذ عزاءك فيهم إنّهم أمم‏ * * * هم اللّعاوس [4] إن قلّوا و إن كثروا

كم كابروا الحسّ فى قصد الشّام و كم‏ * * * قد جرّبوا حظّهم بالشام و اختبروا

فقاتلوهم جميعا إنّهم تتر * * * كم أرسلوا رسلهم تترى و كم مكروا

هبّوا إلى سيس من أحلام رقدتكم‏ * * * و سارعوا فى طلاب الثّأر و ابتدروا

بكلّ غيران أخذ الرّوح همّته‏ * * * فى غير نفس المردّى ما له وطر

أ يرقد اللّيل فى أمن و فى دعة * * * عن كيد قوم لهم فى شأنكم سهر

____________

[1] القلب:/ جمع قليب للبئر أو البئر القديمة، أو للحفرة (محيط المحيط).

[2] قتلوا صبرا أمسكوا و نصبوا للقتل، يقال للرجل يقدم فيضرب عنقه قتل صبرا (لسان العرب).

[3] النواويس: جمع ناووس. و هو صندوق من خشب أو نحوه، تضع فيه النصارى جثة الميت. كذلك يقال لمقبرة النصار ناووس (المعجم الوسيط).

[4] اللعاوس: جمع اللعوس، و هو الأكول الحريص، و منه قيل للذئب لعوس (لسان العرب).

54

إن تتركوهم فإنّ القوم ما تركوا * * * يوما عليكم و لا أبقوا و لم يذروا

أ ما رأيتم و عاينتم و قد فعلوا * * * فى الصّالحيّة ما لا تفعل التّتر

اشفوا صدوركم إن كنتم غيّرا * * * على نسائكم يا قوم و ادّكروا [1]

كم من عجوز و من شيخ و مكتهل‏ * * * و من فتاة نماها الحسن و الخفر

بيضاء خرعوبة [2] بكر محجّبة * * * لا الشمس تنظرها صونا و لا القمر

و ذات بعل مخبّأة مخدّرة * * * من دونها تضرب الأستار قد أسروا

و مطفل أثكلوا وجدا بمخولها [3] * * * و حامل أجهضت خوفا و قد ذكروا

و مربع أقفروا من بعد ساكنه‏ * * * و عقد شمل نظيم جامع نثروا [58]

و كم أراقوا و كم ساقوا و كم هتكوا * * * و كم تملّوا بما نالوا و كم فجروا

و حرّقوا فى نواحيها فوا حربا * * * و خرّبوا الشامخ العالى و كم دثروا

و جامع التوبة [4] المحروق مهجته‏ * * * يشير لا توبة للقوم إن ظفروا

إشارة تترك الأنفاس صاعدة * * * لها الدّموع من الآماق تنحدر

لهم حزازات فى قلبى مخبّأة * * * تكاد من حرّها الأكباد تنفطر

فما يثبّطكم [5] عن أخذ ثأركم‏ * * * هبّوا سراعا و خافوا اللّوم يا غير

وفّوهم الحرب إنصافا و معدلة * * * و حرّروا نوب الأيّام و اعتبروا

____________

[1] ادّكروا: أى تذكروا و اتعظوا (لسان العرب).

[2] الخرعوبة: الشابة الحسنة الخلق، الرخصة البيضاء الجسيمة (محيط المحيط).

[3] كذا فى ص، و ف. و فى كنز الدرر «بواحدها».

[4] جامع التوبة: و يقع بالعقيبة، أنشأه الملك الأشرف أبو الفتح موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب فى سنة 632 ه، و كان يعرف قديما بخان الزنجارى، و كان به كل مكروه من القيان و غيره (الدارس فى تاريخ المدارس 2: 426).

[5] كذا فى ص، و ف. و فى كنز الدرر «فما قعادكم عن أخذ ثأركم».