نظم درر السمطين في فضائل المصطفى و المرتضى و البتول و السبطين(ع)

- محمد بن عز الدين الزرندي‏ المزيد...
340 /
5

تمهيد:

«نظم درر السّمطين في فضائل المصطفى و المرتضى و البتول و السبطين عليهم صلوات المصلين عليهم» من الكتب التي حوت فضائل أهل البيت جمعا موجزا و مهما في نفس الوقت و مهما كتب في وصف و شرح هذه الكتلة النورانية، فإنه يبقى ما دون حقيقتهم صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

و مؤلف هذا الكتاب: جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد الزرندي المدني الحنفي شمس الدين المتوفى بضع و خمسين و سبعمائة، ترجمه معاصره السلامي كما في منتخب المختار: 210 و ذكر مشايخه و اجتماعه به‏ (1).

و في الكشف: درر السمطين في فضائل المصطفى و المرتضى و البتول و السبطين للشيخ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي محدث الحرم النبوي المتوفى سنة 750 (2).

و في الشذرات: محمد بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود بن عبد اللّه الزرندي الحنفي قاضي المدينة بعد أبيه، كان فاضلا متواضعا يكنّى أبا الفتح‏ (3).

و قال في الدرر: محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود بن الحسن الزرندي‏

____________

(1)- الغدير: 1/ 125.

(2)- كشف الظنون: 1/ 488.

(3)- شذرات الذهب: 6/ 281.

6

المدني الحنفي شمس الدين، أخو نور الدين علي، قرأت في مشيخة الجنيد البلياني تخريج الحافظ شمس الدين الجزري الدمشقي نزيل شيراز أنّه- المترجم- كان عالما و أرّخ مولده سنة 693 و وفاته بشيراز سنة بضع و خمسين و سبعمائة، و ذكر أنّه صنّف درر السمطين في مناقب السبطين، و بغية المرتاح، جمع فيها أربعين حديثا بأسانيدها و شرحها، و رأس بعد أبيه بالمدينة، و صنّف كتبا كثيرة و درس في الفقه و الحديث، ثم رحل إلى شيراز فولّي القضاء بها حتّى مات سنة سبع أو ثمان و أربعين، ذكره ابن فرحون‏ (1).

مؤلّفاته:

1- الإعلام بسيرة النبي (عليه الصلاة و السلام).

2- بغية المرتاح إلى طلب الأرباح، جمع فيها أربعين حديثا بأسانيدها و شرحها.

3- معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول، و حقّقه زميلنا الأستاذ ماجد بن أحمد العطيّة.

4- نظم درر السمطين، فرغ من تأليفه عام 747 و هو هذا الكتاب.

تعرض المصنف في هذا الكتاب إلى كافة فضائل الآل، أسسها بالآيات القرآنية، و دعمها بالروايات الشريفة، و حصنها بأقوال الصحابة و التابعين، و زينها بإرشادات المتقدّمين، و زخرفها بتعليقات المتأخّرين، و لطفها بشعر المادحين.

و يكشف هذا الكتاب عن دقّة المؤلّف و سعة حافظته، حيث نجده قد أخذ عن أكثر الصحاح و المسانيد و الكتب القديمة و الحديثة المطبوعة منها و المخطوطة.

لذا واجهتنا صعوبة بتخريج الأحاديث و الأقوال المأثورة.

طبع هذا الكتاب بالنجف بتحقيق الشيخ محمد الأميني، و كان اعتماده على نسخة المؤلف نفسه، خطّتها يمينه، فرغ من كتابتها عام 747، تقع في (245) صحيفة بقطع الثمن،

____________

(1)- الدرر الكامنة 4/ 295.

7

في كل صفحة (19) سطرا، طول كل سطر 5/ 9 سنتيمتر.

و اقتصر على إخراج المخطوط- و الذي يعتبر من أهم الأعمال في التحقيق- مع بعض التعليقات البسيطة أبقيناها كما هي، و لم يستخرج الأحاديث، بل و لا صحّح المتن على أساسها، لذا فقد بقي الكتاب كثير الأخطاء خاصّة في الأحاديث، بل لا يكاد حديث يخلو من نقص أو خطأ، خاصّة في شمائل النبي (صلى الله عليه و آله)، فكان لا بدّ من إعادة تحقيقه و استخراج أحاديثه و تصحيحها.

و اللّه أسأل أن يتقبّل منّا هذا العمل المتواضع البسيط، لعلّنا نفوز بشفاعة آل بيت محمد (صلى الله عليه و آله) و كتب عليّ محمّد عاشور العاملي لبنان- بيروت 1423 ه 2002 م‏

8

مقدّمة المؤلّف‏

(بسم اللّه الرّحمن الرحيم) الحمد للّه ذي المنّ و الإحسان، و الطول و الامتنان، و القدرة و السلطان، مدبّر الأمور بحكمته، و منشئ الخلائق بقدرته، كرّم بني آدم و شرّفهم بخلع الإيمان و فضّلهم بالعقل و مزيد البيان. اصطفى منهم أصفياء، و جعل منهم بررة أتقياء. فهم خواص عباده، و أوتاد بلاده، خصّهم بالخيرات و العطايا، و صرف عنهم الآفات و البلايا، و حبّب إليهم المعروف، و أعانهم على إغاثة الملهوف، ليكمل عليهم المنّة و الفضل، ليزدادوا له شكرا بالعطاء و البذل.

و الصلاة على رسوله محمد القائم بحججه، و الداعي إلى منهجه، أرجح العرب ميزانا، و أفصحها لسانا، و أوضحها بيانا، و أسمعها بنانا، و أوثقها إيمانا و أعلاها مقاما، و أحلاها كلاما، و أوفاها ذماما، فأوضح الحقيقة، و نصح الخليفة، و نصب أدات الدين و أعلا أعلامه، فرفع آيات اليقين و أحكم أحكامه، و شرع بأمر ربّه حتّى ظهر دينه على كلّ دين، و بلغ ما تحمل من رسالته حتّى أتاه اليقين، استخرجه من الحسب الصميم، و الأصل الكريم، في أفضل أوان، و خير زمان، بأنوار منار، و أشهر شعار، و أكثر فخار، من أطهر بيت في مضر بن نزار، صلّى اللّه عليه و على آله الطيّبين الطاهرين، و أصحابه من الأنصار و المهاجرين، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، و سلّم تسليما كثيرا.

و بعد:

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه، الراجي العفو عن جرائمه الفادحة، و عظيم ذنبه المؤمل، شفاعة نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهل بيته كرام الأنام المرتجين، و صحبه عليهم صلوات اللّه ما حنّ واله و حيا الحيا وادي العقيق بمكّة: محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود الحسن الزرندي محتدا و نجارا، المدني مولدا و دارا، الأنصاري نسبا و فخارا، المحدّث بالحرم الشريف النبوي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أولاه اللّه تعالى سعادة الدارين، و رزقه العمل بما أوتيه من النورين، و رحم سلفه و سقى صوب الرحمة و الغفران ضريحه، و أناله بكرمه محض لطفه‏

9

و صريحه:

إنّي لمّا خرجت من الأوطان، و فارقت الأولاد و الإخوان و الخلّان، و بعدت عن المدينة الشريفة المعظّمة المنيفة التي هي مسقط رأسي و ميلادي، و مهبط نظارة العيش و العمر بين أسرتي و تلادي لضرورة من بوائق الزمان، و طوارق الحدثان ساقني القدر المحتوم و الرزق المقسوم من تلك التربة إلى كربة الغربة، فوصلت إلى (شيراز) حفت بالإكرام و الإعزاز في أثناء خمس و أربعين و سبعمائة، قاصدا جناب سيّدنا مولانا السلطان الأعظم الأعدل الأكرم الأعلم الأفخم، مالك رقاب الأمم، ملك ملوك العرب و العجم، مولى الأيادي و النعم، و معلّى ألوية الجود و الكرم، الجامع بفضائله و همّته بين رتبتي العلم و العلم، و القامع لأعدائه بسطوته و باستخدام أرباب السيف و القلم، مرّ بي العلماء و الموالي، مسند مثاني المكارم و المعالي، قبلة ذوي الإقبال، و كعبة أولي الآمال، الذي فاقت مناقبه الزاخرة العباب، و تاهت مفاخره الدائمة التسكاب عن الحصر و العدّ و الحساب، كهف الإسلام و المسلمين، و عون الضعفاء و المساكين، عمدة الملوك و السلاطين، ظلّ اللّه في الأرضين، جمال الدنيا و الدين الشيخ أبو إسحاق بن الملك السعيد المرحوم المغفور الشهيد شرف الدولة و الدين محمود شاه الأنصاري‏ (1) خلّد اللّه ملكه، و رحم أسلافه و أعلا شأنه، و رفع قدره و أعزّ سلطانه، و عظّم سمّوه و اقتداره، و كثّر أعوانه و أنصاره.

و لا زالت رايات نصرته على البرايا مرفوعة، و عين الكمال عن ساحة سلطنته مدفوعة، بمحمد و آله، و قد أوجز الداعي لجنابه العالي في تخطيطه الجلالة و الإطناب، و لزم التعداد في الألقاب، اعتمادا على شهور تعظيمها، و اكتفاء بتجواز كرمها و كريمها، و صرت ذلك إلى الدعاء، فإنّه أولى ما يودى به المنعم من الأشياء، و غاية جهد أمثالي دعاء يدوم مع الليالي أو ثناء، فأطل اللهمّ عمره و أيّد جماله، و أدر نعمتك عليه و ضاعف جلاله، و أدم على كافّة الأنام ظلاله، و حقّق في الدارين آماله، و اجعل خير من أولاه مآله، فلقد وفّقته للخيرات، فقه شرّ الشيطان و إغوائه و إضلاله، و ثبته بالقول الثابت، فقد وجّه إلى كرمك بصدق الرغبة

____________

(1)- من ملوك آل مظفر اعتلى العرش في شيراز عام 740 و قتل عام 757 و كان يقرّب الشعراء و العلماء و يكرمهم.

10

آماله، و أعنّي اللّهمّ على القيام بشكره و الدعاء له بسرّ القول و جهره، و سدّد اللّهمّ عند الثناء عليه أقوالي، فإنّي معترف بالعجز عن شكره، و عجزي عن ذلك أقوى لي، و وفّقني اللّهمّ لما يرضيك عنّي في عملي أوقى لي، و أدم عليّ درع إيمانك التي ألبستنيها، فهي أحصن جنّة لي و أوقى لي، إنك على كلّ شي‏ء قدير و بالإجابة جدير، و قد قلت متمثّلا في مجده المؤثل و أصله المؤصل بيتين و هما:

فعش ليد تولي و عزّ بحفظه‏ * * * و نائبة تكفى و نعمى تنيلها

و دم للمعالي فهي خير ذخيرة * * * و مشتبه إلّا عليك سبيلها

و قد كنت لما نويت الرحلة من المدينة النبويّة قاصدا حضرته و سدته الرفيعة العلويّة ألّفت كتاب: الأربعين الصحاح المسمّى (بغية المرتاح إلى طلب الأرباح) و وشّحته بألقابه الشريفة، و طرّزته بدل أياديه المعظّمة المنيفة، حين انتشر ذكره في الآفاق، و اشتهر إحسانه و تقليده المنن للأعناق، و أجرى اللّه تعالى ذكره ذكر مدائحه بالسلطنة على لساني و قلمي، حتّى أتيت ساعيا منها إليه على راحلتي و قدمي، فكان الفأل على ما جرى، و ظهر أثر ذلك بين الورى، و تشرّف السكة و الخطبة في الآفاق، بذكر السلطان الفاضل الكامل أبي إسحاق خلّد اللّه تعالى ملكه، و جدّد على ممرّ الزمان سعوده، و بلغه من خير الدنيا و الآخرة مراده و مقصوده، إن شاء اللّه.

فلمّا وصلت إلى جنابه الكريم، و حللت حماه الرحب العميم، الذي هو مجمع الأشراف و منبع الألطاف، و منجح الوسائل و معدن الفضائل، و شرّفت بطلعته الميمونة و قبلت رواحبه و قضيت لمشافهة الدعاء مفترض حقّه و واجبه، و جدّته بحرا لا ساحل له، و ألفيته درّا لا مثال له، فلذت بعد قضاء اللّه تعالى بجواره، و التجأت إلى حضرته الحيّة و جاره، و رجوت بجاهه حصول المقاصد و إصلاح الأمر الفاسد، فكان لي أكرم ملاذ و أشرف معاذ، أعاذه اللّه تعالى من الأسواء، و متّعه بطول البقاء.

فلمّا رأيت تضاعف مكارمه و ترادف مراحمه أحببت أن أذكر شطرا من أياديه، و أذكر عشرا ممّا فيه و أضمّ إلى كتابي الأربعين كتابا آخر في فضائل سيّد المرسلين و خاتم النبيّين و رسول ربّ العالمين، و فضائل ابن عمّه أمير المؤمنين و إمام المتّقين عليّ بن أبي طالب، أوّل من آمن به و صدّقه من المؤمنين، و مناقب الزهراء البتول فاطمة قرّة عين الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)،

11

و مناقب ولديها السيّدين السعيدين الشهيدين الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة المخصوصين بشرف أهل الطهارة و الاصطفاء و المحبّة و الاجتباء المظلّلين بالعباء، و أبذل جهدي فيه بالدعاء للسلطان جمال الدنيا و الدين ظلّل اللّه في الأرضين و أطرّزه بإلقائه بالإعزاز و التمكين، يبقى ذكره فيه منتشرا في الآفاق مخلّدا في بطون الأوراق.

و اقصر فيه بعض ما يجب له من حقّه و أشكره كما ينبغي و يلزم من شكره و اجعله وسيلة إلى استعطاف عوارفه المألوفة، و ذريعة إلى إتمام إحسانه جريا على شيمه المألوفة، فيذكرني بذلك عنده و لا ينساني بعده، فاستخرت اللّه تعالى في ذلك و انشرح له صدري و شرعت في تأليفه؛ لأقابل بعض الإحسان المنعم بشكري و جمعت فيه ما ورد في فضائلهم من الأحاديث ممّا نقلها العلماء و الأئمّة منبّها على عظم قدرهم و شرفهم و موالاتهم الواجبة على جميع الأمّة، فإنّ اللّه تعالى جعل محبتهم مثمرة السعادات في الأولى و العقبى، و أنزل في شأنهم: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1).

و قد قال الإمام الشافعي (رحمه الله) في وصفهم و منبّها على هذا المعنى في فضلهم:

يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم* فرض من اللّه في القرآن أنزله‏

كفاكم من عظيم القدر أنّكم‏ * * * من لم يصلّ عليكم لا صلاة له‏

(2) و لغيره:

هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصا * * * تمسك في أخراه بالسبب الأقوى‏

هم القوم فاقوا العالمين مآثرا * * * محاسنها تجلى و آياتها تروى‏

موالاتهم فرض و حبّهم هدى‏ * * * و طاعتهم قربى و ودّهم تقوى‏

(3).

ثمّ إنّ هذه الأحاديث فوائد أخبار من بحر فضائلهم مستخرجة، و فوائد آثار في سلك شمائلهم بالإخلاص منظومة، مديحه ينبئ بعضها عمّا خصّ اللّه تعالى به رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أهل بيته من الفضائل المتلألئة الأنوار و المناقب العلية المنار و المآثر الكريمة الآثار و المكارم‏

____________

(1)- سورة الشورى: 23.

(2)- الزرقاني في شرح المواهب: 7/ 7، و إسعاف الراغبين على هامش نور الأبصار للشبلنجيّ: 121 و الاتحاف بحب الاشراف للشبراوي: 29، و الخفاجي في شرح الشفاء 3: 453.

(3)- الفصول المهمّة لابن الصباغ المالكي: 13.

12

الفائضة التيار، و المنائح الفاتحة الأزهار، و المقامات الظاهرة الأقدار، و الكرامات الوسيعة الأقطار، و المراتب الرفيعة الأخطار، يزهى بها رياض المزايا و المفاخر، و يقرّ بفضلها و يعترف الأوّل و الآخر، ممّا تتعطّر الآفاق من فوائح نشرها و تبتهج الأرواح و القلوب بمشاهدة لوائح بشرها، و يرتوي الظماء عند سماع ذكرها و وصفها، و تتوشّح عرائس المفاخر بفرائد دررها و حسن وصفها، و يبهر أبصار الحاسدين شعاعها و يا حبذا عند المحب سماعها:

دراري صدق ضمّها درر العلى‏ * * * و ليس بمولي مثلها يد مسند

نضائر أنس في حظائر قدّست‏ * * * بذكر هداة الدين من بعد أحمد

فصوص نصوص في ذوي الفضل و التقى‏ * * * شموس علي خرّت لأشرف محتد

لهم في سماء المجد أشرف موضع‏ * * * و هم في عراص الدين أكرم مرصد

نظمت جواهرها في هذا الكتاب في سلكين و سلكت دررها في سمطين، و قسمت أحاديثها على شطرين، و اتخذتها لأثقال الذنوب في لجج بحار رجاء الغفران فلكين، و سمّيته كتاب: نظم درر السمطين في فضائل المصطفى و المرتضى، و البتول و السبطين، جعلته لي عندهم سببا متينا و برهانا مبينا و اعتقادا صافيا و يقينا و ديدنا و دأبا و دينا، أرجو النجاة بهم يوم المعاد و إن جنت يداي من الذنوب:

قوم لهم منّي ولاء مخالص‏ * * * في حالة الإعلان و الأسرار

أنا عبدهم و وليّهم و ولائهم‏ * * * سوري و موضع عصمتي و سواري‏

فعليهم منّي السلام فإنّهم‏ * * * أقصى مناي و منتهى إيثاري‏

فالسمط الأوّل: يشتمل على فضائل سيّد المرسلين و خاتم النبيين و رسول ربّ العالمين محمد عليه أفضل صلوات المصلّين و شمائله و صفاته و ما خصّه اللّه تعالى به من آياته و معجزاته، و على مناقب ابن عمّه و باب مدينة علمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضى اللّه عنه)، و لهذا السمط فاتحة و خاتمة، فالفاتحة في امتنان اللّه تعالى بنبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الأمّة و كشف الآصار التي كانت من قبلنا غيّا بسببه، و إزاحة الغمّة، و ذكر نسبه و أصحابه و ما شرّفه اللّه تعالى به من بين أنبيائه.

و الخاتمة في فضل الصلاة و السلام عليه، فإنّ ذلك أشرف ما يتقرّب به إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و السمط الثاني: يحتوي على مناقب سيّدة النساء البتول فاطمة زوجة عليّ المرتضى‏

13

و قرّة عين الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و على مناقب ولديها السعيدين الشهيدين سيّدي شباب أهل الجنّة السبطين الحسن و الحسين، و طرف من مآثر أولادهم الأتقياء المخصوصين بكرامة التطهير و الاصطفاء، الأسرة الطاهرة النقيّة، و العصبة العلويّة، المبرئين من كل رذيلة و دنية، و المتحلّين بكل فضيلة جليلة و منقبة سنيّة:

مطهّرون نقيّات ثيابهم* تجري‏ (1) الصلاة عليهم أينما ذكروا هم الملأ الأعلى و عندهم* علم الكتاب كما جاءت به السور (2) و صلوات اللّه على محمد و آله و ذوي قرابته و على جميع الأنبياء و المرسلين و الكلّ و صحابته، ما لمع البرق و سجع الورق و رقع الخرق و جمع الخزق، و نظرت عين و سطر عين و تبعت عين عينا، و رضوان اللّه تعالى على المنتمين إليهم و المرفرفين بأجنحة الإخلاص من حواليهم و المطافين كعبة موالاتهم بأقدام اليقين و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ما سبّح سحاب و ارتكم ضباب و نفح أناب مسك، و نفخ كتاب و علا على عذر الماء حباب، و سلامه و تحيّاته على أرواحهم الزاكية الطيّبات ما لاح في أفق السماء سحاب:

و لا تخطّت سواري الزمن ساحتهم‏ * * * و لا عدّتها غوادي العارض الهطل‏

و يرحم اللّه عبدا قال آمينا.

و في هذا الكتاب سلكت مسلك الشيخ الإمام العالم المحدّث صدر الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المؤيّد الحموي‏ (3) رحمة اللّه عليه، و أوردت فيه بعض ألفاظه في صدر الكتاب، و لم أقف من كتابه إلّا على كراريس من أوّله، رأيته أتى فيها بأحاديث غير مشهورة

____________

(1)- و يروى: تتلى.

(2)- كشف الغمة: 3/ 111، و في بشارة المصطفى: 97: استقبل أبو نواس الإمام الرضا (عليه السلام) في الدهليز خارجا من دار المأمون فأنشأ و منها:

من لم يكن علويّا حين تنسبه‏ * * * فما له في قديم الدهر مفتخر

اللّه لمّا برى خلقا فأتقنه‏ * * * صفّاكم و اصطفاكم أيّها البشر

(3)- كان من أعاظم علماء السنّة و محدّثيهم و حفّاظهم، و كذا أبوه و جدّه، و له كتاب فضل أهل البيت، و فرائد السمطين- و قيل- فرائض السمطين- توفي عام 722 و عمره 78 سنة. ترجمه الذهبي في تذكرته 4: 298 و ابن حجر في الدر 1: 67 و أثنيا عليه بكلمات منها: كان شديد الاعتناء بالرواية و تحصيل الاجزاء، و على يده أسلم الملك غازان.

14

و لا معروفة في كتب الحديث المعتمدة، فأضربت عن ذكرها في كتابي هذا و أثبت ما كان مشهورا مذكورا في الكتب المعتمدة ممّا لم يذكره، و حذفت أسانيدها حذرا من الإطالة و اعتمادا على نقل الأئمّة، و زدت عليه فذكرت نبذة من فضائل سيّد المرسلين و خاتم النبيّين و رسول ربّ العالمين (صلّى اللّه عليه و سلّم) و على آله و صحبه أجمعين، فإنّه خلاصة البريّات باليقين و نقاوة ما خطّ على لوح الوجود بقلم التكوين، و نقطة دائرة الوجود، و به تشرّف أهل بيته و كل موجود (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و من نظر في كتابه و طالع هذا الكتاب علم بون ما بينهما و ما أخلى به فيه عن وجه الصواب، و مع هذا فإنّي أقول: كان الفضل للمتقدّم.

و قد جمعت هذا الكتاب تحفة للجناب العالي المولوى السلطان الجمالي أعلى اللّه تعالى شأنه و أعزّ سلطانه، و تذكرة لي و لأحبابي و إخواني و أنصاري في دين اللّه تعالى و أعواني الذين أرجو بركة دعائهم و إجابتهم في إصلاح حالي و رفع شأني، و أن يثبّت بالقول الثابت في طلب مرضاته قلبي و على صراطه المستقيم قدميّ، و يجري بالصدق و الصواب لساني و يختم لي بالسعادة و الحسنى، فهي آخر سؤلي و أعظم أمانيّ:

متوسّلا منهم وسائل فضلهم‏ * * * أن يسألوا في العفو عن أوزاري‏

متوقّعا لمواهب و رغائب‏ * * * و مطالب مثل السحاب غزار

و أنا أسأل اللّه تعالى أن يجعل سعيي فيما نظمت فيه من الدرر، و جمعت فيه من الغرر خالصا لوجهه الكريم، و ينفعني و يسعفني بها و من جمعت و من بسببه، بمنّه العظيم و لطفه العميم، و يجعلها عدّة و ذخيرة لنا عندهم يوم تبلى السرائر و تظهر المخبئات، و تنكشف الضمائر، لنفوز بحبّهم و نكون في شفاعتهم و نحشر في زمرتهم، و ندخل ولايتهم دار السلام، فإنّه غاية المرام و هو وليّ الفضل و الإنعام و التكرّم و الإكرام و هو حسبنا و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، و ها أنا أشرع في ابتداء الكتاب مستعينا باللّه العزيز الوهّاب سائلا منه الهداية فيه إلى الصواب غير غال فيه و لا مقصّر عمّا ينبغي لهم من إبراز خافية، فمنه كلّ خير و هو القادر عليه و الاستغاثة منه و الاستعانة به و المصير إليه.

15

المدخل:

فاتحة: فتوح فاتحة الأزهار و سائحة الوضوح سائحة الأنهار، هي فاتحة الكتاب و مبتدأ الخطاب: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى‏ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً، و بعثه إليهم مستقلّا بأعباء الرسالة داعيا إليه بإذنه و سراجا منيرا لرسوله بالحنيفية السمحة (السهلة) ليظهره على الدين كلّه، و جعل له من لدنه سلطانا نصيرا، و أمر بالصلاة عليه قربة إليه و زلفى لديه، و جعلها للذنوب ممحقة و للآثام ممحاة و للسيّئات تكفيرا، و ختم به النبيّين و المرسلين و جعله من خلاصة البريّات باليقين ما خطّ على لوح الوجود بقلم التكوّن، تعظيما بشأنه و تعزيزا و تكريما لمحلّه، و توفية بحقّه و تعظيم قدره، و تنويها بأنه أتاه فضلا كثيرا و انتخب له من أهله عليّا أخا و عونا و ودّا و خليلا و رفيقا و وزيرا، و صيّره على أمر الدين و الرسالة مؤازرا و مساعدا و منجدا و ظهيرا و جعله أمينه، و جمع كل الفضائل فيه و أنزل عليه في شأنه: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ (1) تعظيما له و توقيرا و تعريفا له بحقّ ولايته و تنبيها على كمال رعايته ليحافظوا عليها و ينالوا بها سعادة و نظارة و تنصيرا نصر به الشريعة و الإسلام، و أذلّ ببأسه الكفر و الأصنام، و شكر إطعامه الطعام على حبّه مسكينا و يتيما و أسيرا، ما بارزه مبارز إلّا عاد عنه حسيرا، و لا قارنه قرن إلّا نكص عنه كسيرا. فكم فرّج عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من كربة و بؤس حتّى شرّفه بقوله: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى»، و كشف عنه كلّ غمّة و كربة حتّى نزل فيه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (2) فتوفّر بها حظّه من أقسم العلى توقيرا، ثمّ زانه شرفا و تعظيما بين‏

____________

(1)- أخرج ذلك جمع كثير من أئمّة التفسير و الحديث، كالطبري في تفسيره 65: 165، و الرازي في تفسيره 3: 431، و الخازن في تفسيره 1: 496، و النيسابوري في تفسيره 3: 461 و غيرهم بعدّة أسانيد و طرق، دلّت على نزول الآية في علي (عليه السلام).

(2)- ذكر نزول الآية في علي و فاطمة و ابنيهما طائفة من المصنّفين من أهل السنّة و الجماعة، يبلغ عددهم 45 مصنّفا، منهم الطبري في الذخائر: 25 و الزمخشري في الكشّاف 2: 339 و ابن طلحة الشافعي في مطالب السئول: 8 و أبو حيّان في تفسيره 7: 516 و الحافظ الهيثمي في المجمع 9: 168 و الزرقاني في شرح المواهب 7: 3 و 21، و ابن حجر في الصواعق: 101 و 135 و الشبلنجي في نور الأبصار: 112، و قد نظّم هذه الآثار شعرا كثيرا من الشعراء، منهم شمس الدين بن العربي بقوله:

رأيت ولائي آل طه فريضة * * * بتبليغه إلّا المودّة في القربى‏

و أبو الحسن بن جبير بقوله:

موالاتهم فرض على كلّ مسلم‏ * * * و حبّهم أسنى الذخائر للأخرى‏

و غيرهما من أئمّة الأدب.

16

الأنام، ففاز لمدح العلى بما أنزل فيه و في أولاده: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) و الصلاة و السلام الأتمّان الأكملان على محمّد عبده و نبيّه، المنعوت بالخلق العظيم و المبعوث إلى الثقلين بالكتاب الكريم الذي فاز و ظفر بنيل الأماني و درك المطالب و المطالي تظفيرا، و على آله أهل بيته و أصحابه الطيّبين الطاهرين و أزواجه أمّهات المؤمنين، صلاة تنوّه بذكرهم و تضاعف لهم الدرجات العلى، إنعاما و تبجيلا و تعزيزا، و تزيدهم رفعة و تمكينا و سعادة و نصرة و نصيرا، و سلّم عليه كلّما ذكره الذاكرون و غفل عن ذكره الغافلون تسليما ناميا زاكيا مباركا فيه طيبا كثيرا ما تصلصلت عن دوحات الحمى الحمام الورق، و تسلسلت من نسمات الصبا الحمام الزرق، و وضح نهار و طمى تيّار و جنّ ليل و سال سيل، و حنّ صاحب شوق و صاحت ذات طوق.

____________

(1)- الأحزاب: 33.

17

فاتحة:

(في ذكر امتنان اللّه تعالى بنبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الأمّة و كشف الآصار التي كانت من قبلنا عنّا بسببه و إزاحة الغمّة و ذكر نسبه و أسمائه و ما شرّفه اللّه به من بين أنبيائه (عليهم السلام)) قال اللّه تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (1).

و قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (2).

و قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (3).

قال محمد بن كعب القرظي‏ (4): إنّ اللّه ما بعث نبيّا إلّا أمره أن يعرض على أمّته هذه الآية: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (5) فكان إذا عرضها عليهم قالوا: لا نستطيع أن يؤاخذنا اللّه بما توسوس به نفوسنا، فلمّا بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنزلها عليه فآمن بها و عرضها على أصحابه فقالوا: كلّفنا من العمل ما

____________

(1)- آل عمران: 164.

(2)- الجمعة: 2.

(3)- الأعراف: 157.

(4)- أحد رجال الصحاح الستّ: أثنوا عليه بالثقة و الصلاح و العلم و الفقه و العلم بالقرآن من التابعين الأوّلين، توفي عام 118 و قيل غير ذلك، تهذيب التهذيب 9: 421.

(5)- البقرة: 284.

18

نطيق الصلاة و الصيام و الزكاة و الحجّ، و قد أنزلت عليك هذه الآية و لا نطيقها فقال لهم (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أ تريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم سمعنا و عصينا، بل قولوا: سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، فقالوها و أمنوا بها فخفّفها اللّه عنهم و أنزل‏ آمَنَ الرَّسُولُ‏- أي صدّق- بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ‏- إلى قوله- وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (1). فرفع اللّه عن أمّته حديث أنفسهم بالمعصية و نسخها عنهم بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏ (2). (3).

و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) (عليهم السلام) «إنّ اللّه تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به، و لم يرفع ذلك عن أمّة غيرها» (4).

و قال اللّه له: سل تعطه، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم) مخبرا عن نفسه و أمّته: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا الطاعة أَوْ أَخْطَأْنا في ركوب المعصية» قال الرب: لا أؤاخذكم بالنسيان و لا أؤاخذكم بالخطإ و لكن بما تتعمّدون و أنزل: وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏ (5)؛ أ لا ترى أن من أكل ناسيا لا يبطل صومه، و من قتل مؤمنا خطأ لا يقتصّ منه و لا يأثم، و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه»، ثمّ قال: يا محمد سل تعطه، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» يعني الشدّة و الجهد فقال اللّه: قد رفعت الإصر و الشدّة عن أمّتك و أنزل: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (6) و أنزل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (7)، فخفّف اللّه عن هذه الأمّة بسببه و بركته ما لم يخفّف عن من كان قبلنا من الامم المتقدّمة، فقد كان الإصر على بني إسرائيل في عشرة أشياء أو أكثر:

____________

(1)- البقرة: 285.

(2)- البقرة: 286.

(3)- كتاب الدعاء للطبراني: 55.

(4)- مقدمة فتح الباري: 484، و مسند إسحاق بن راهويه: 1/ 80.

(5)- الأحزاب: 5.

(6)- الحج: 78.

(7)- البقرة: 185.

19

أحدها: أنّ فرض الصلاة عليهم كان خمسين صلاة.

الثاني: أنّ الصلاة كانت واجبة عليهم في الكنائس و البيع، و لا يجوز لهم الصلاة في غيرها.

الثالث: أنّه كان لا يطهّرهم غير الماء، فإذا أصاب أحدهم حدث من جنابة أو حيض أو نفاس و لم يجد الماء بقي رجسا نجسا.

الرابع: أنّهم كانوا في صيامهم إذا صلّوا العشاء أو ناموا حرّم عليهم الطعام و الشراب و الجماع إلى الليلة القابلة.

الخامس: أنّ فرض الزكاة عليهم كان ربع المال.

السادس: أنّ غنائمهم و صدقاتهم كانت محرّمة على الفقراء منهم، كانوا إذا أغنموا شيئا من الكفّار جمعوه فتجي‏ء نار من السماء فتأكله.

السابع: كان قبول صدقاتهم بالقربان و الفضيحة، إذا تصدّقوا جعلوه في مكان، فإن قبله اللّه جاءت نار من السماء فأكلته و إلّا بقي فافتضح صاحبه.

الثامن: كانوا إذا أذنبوا ذنبا حرّم اللّه عليهم طعاما طيّبا كما قال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‏ (1).

التاسع: أنّ حسناتهم كانت واحدة بواحدة من غير زيادة.

العاشر: أنّ ذنوبهم كانت مع الفضيحة، إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبح ذنبه مكتوبا على باب داره أو جبهته فافتضح.

الحادي عشر: أنّ البول و القذر كان إذا أصاب جسد أحدهم أو ثوبه وجب عليهم فرضه بالمقراض و قطعه و لم يجز له غسله، فنهاهم رجل منهم عن ذلك فعذّب في قبره.

الثاني عشر: أنّ القصاص كان حتما عليهم، و لم يكن لهم العفو و لا أخذ الديّة، و خيّرت هذه الأمّة بين العفو و القصاص و الديّة.

فكانت هذه الأشياء إصرا على بني إسرائيل كما أخبر به اللّه عنه: وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ‏

____________

(1)- النساء: 160.

20

وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ‏ (1)، ثمّ قال اللّه لنبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا محمّد لا أحرّم على أمّتك الطيّبات بذنوبهم كما حرّمتها على بني إسرائيل، و حلّلتها لهم بفضلي و مسألتك، يا محمّد لم آمر أمّتك بخمسين صلاة كما أمرت بني إسرائيل، بل خفّفتها عنهم و جعلتها خمسا و أثيبهم ثواب خمسين صلاة بفضلي و مسألتك، كما قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (2) يا محمد: لم آمر أمّتك في الزكاة بإخراج ربع المال كما أمرت بني إسرائيل، بل جعلت ربع العشر و طهّرت بقيّة مالهم بفضلي و دعائك، يا محمّد لم أدع أمّتك في نجاسة الذنوب و الجنابة و الحيض و النفاس إذا لم يجدوا ماء، كما كان لبني إسرائيل و أبحت لهم التيمّم بالتراب بفضلي و دعائك كما قال اللّه: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (3).

يا محمّد: لا أفسد صلاة أمّتك إذا صلّوا في غير مسجد و أجعلها مقبولة بفضلي و دعائك كما قال تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ (4).

و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا

(5)

، و

في رواية:

«جعلت لنا الأرض كلّها مسجدا و جعلت تربتها لنا طهورا»

(6). يا محمّد: لا أحرّم على أمّتك الطعام و الشراب و الجماع بعد صلاة العشاء و النوم، كما حرّمت على بني إسرائيل، و رخّصت لهم في الأكل و الشرب و الجماع إلى أن يتبيّن الصبح بفضلي و دعائك. كما قال تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (7) و رفعت أيضا يا محمّد الحساب فيما تأكل أمّتك من الفطور و السحور بفضلي‏

____________

(1)- سورة الأعراف: 157.

(2)- سورة الأنعام: 160.

(3)- سورة المائدة: 6.

(4)- سورة البقرة: 115.

(5)- فتح الباري: 1/ 370.

(6)- فتح الباري: 1/ 371، و عون المعبود: 2/ 109.

(7)- سورة البقرة: 187.

21

و دعائك، يا محمد لا أقبل صدقات أمّتك مع الفضيحة، كما جعلت صدقات بني إسرائيل بل آخذ صدقاتهم بفضلي و دعائك كما قال تعالى: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ‏ (1) يا محمّد لم أجعل حسنات أمّتك واحدة بواحدة، بل جعلت حسناتهم الواحدة بعشر إلى سبعمائة و إلى ألفي ألف بفضلي و دعائك، يا محمّد لا أفضح أمّتك بتبيين الذنوب على أبوابهم كما فضحت بني إسرائيل، بل سترت ذنوبهم من الخلائق و الملائكة بفضلي و دعائك.

و قال تعالى: يا محمد سل تعطه فقال: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ كما حملت بني إسرائيل من أنواع الشدائد و تعجيل العقوبة، كقطعهم أعضائهم و ثيابهم إذا أصابها البول و القذر، و عدم قبول توبتهم إن لم يقتلوا أنفسهم كما قال تعالى: فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ (2).

فمعنى‏ «لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا» أي: لا تجعل توبة أمّتي القتل، فقال اللّه له: قد جعلت توبة أمّتك الندامة بفضلي، و رفعت عنهم قطع الثياب و الأعضاء بسؤالك، و لم أعاجلهم العقوبة و أمهلتهم برحمتي و دعائك كما قال: وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (3).

ثم قال: يا محمد سل تعطه فقال: وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا، فدعا بثلاث دعوات بالعفو و المغفرة و الرحمة، لأنّ اللّه أهلك قبل أمّته ثلاث أمم بالفسخ و المسخ و القذف و الحجارة كقارون و قوم داود (عليه السلام) جعل منهم القردة و الخنازير، و قوم لوط [أمطر] عليهم حجارة من سجيل فخاف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من هذه الخصال على أمّته و قال: «و اعف عنّا من الخسف» فقال تعالى: لا أخسف بأبدانهم الأرض بسؤالك و دعائك لا و أخسف بذنوبهم بفضلي حتّى لا ترى الملائكة و الآدميون ذنوبهم فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و اغفر لنا من المسخ».

فقال اللّه تعالى: لا أمسخ أبدانهم و لا أحوّلهم من حال الإنسانيّة، و أمسخ ذنوبهم أي أحوّلها

____________

(1)- سورة الشورى: 25.

(2)- سورة البقرة: 54.

(3)- سورة الكهف 58.

22

من السيئات إلى الحسنات بفضلي كما قال اللّه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‏ (1) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و ارحمنا من القذف».

فقال اللّه: لا أمطر عليهم الحجارة برحمتي و أمطر عليهم الرحمة بفضلي و دعوتك.

فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ لأنّا قليل مثل الشامة البيضاء، و هم كثير مثل الثور الأسود» قال اللّه: أنا ناصرك و ناصر أمّتك يا صفيّي و حبيبي.

فأعطى اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أمّته ما سأل و ما يسأل و زاده و أمته فضلا عظيما و خصّه و إيّاهم بأشياء لم يخص بها أحدا من خلقه، فأنزل اللّه عليه الكتاب كما أنزله على الأنبياء قبله، و خصّه و أمّته بأن جعلهم يقرءونه عن ظهر قلوبهم و لم تقرأ أمّة قط كتابها ظاهرا، و جعله ناسخا لجميع الكتب و جعله محفوظا من التبديل و التغيير و الزيادة و النقصان كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (2) و قال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (3) بخلاف غيره من الكتب فإنّها بدّلت و غيّرت و زيد فيها و نقص.

و أمره اللّه و أمّته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالصلاة كما أمر بها من قبلنا من الامم و خصّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالصلاة هو و أمّته؛ بأن جمع لهم فيها جميع صلوات المصلّين من القيام و الركوع و السجود و القعود، فإنّ بعضهم كانت صلاته قيام لا ركوع و لا سجود فيها، و بعضهم ركوع لا قيام و لا سجود فيها، و بعضهم سجود لا قيام و لا ركوع فيها، فجمع اللّه له و لأمّته في صلاتهم عبادة العابدين و ثواب جميع المصلّين، و خصّه اللّه و أمّته بصلاة العشاء الآخرة و فضّلهم بها و لم يعطها لأمّة من الامم قبلهم، و فضّله و أمّته دون غيرهم بالجماعة لقوله تعالى: وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ‏ (4).

و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«صلاة الجماعة تفضل بصلاة الفرد بسبع و عشرون درجة، و كان من قبلنا يصلّي كلّ إنسان لنفسه، و كانت علامة صلاة من قبلنا الناقوس و علامة صلاتنا الأذان‏

____________

(1)- سورة الفرقان: 70.

(2)- سورة الحجر: 9.

(3)- سورة فصلت: 42.

(4)- سورة النساء: 102.

23

و الإقامة، و أمر اللّه من قبلنا بالصيام و أمرنا بذلك»

. ثمّ فضّل اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّته بليلة القدر و خصّهم بها، و أمره بالصلاة و التوجّه إلى بيت المقدس في أوّل الإسلام ليشاركهم و يساويهم في ذلك، ثمّ فضّله و أمّته بصرفهم إلى الكعبة قبلة إبراهيم (عليه السلام)، و أعطى اللّه الامم المتقدّمة أعمارا طويلة و كلّفهم عملا شاقّا و أعطاهم أجرا قليلا، و أعطاه و أمّته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الأعمار القصيرة على الأعمال اليسيرة ضعف ما أعطى أولئك في أعمارهم الطويلة و أعمالهم الكثيرة الثقيلة، كما جاء في حديث ابن عمر (رضي الله عنهما).

أن اليهود و النصارى غضبوا و قالوا: ما لنا أكثر عملا و أقلّ عطاء؟

قال اللّه: هل ظلمتكم من حقّكم من شي‏ء؟

قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء، و وصف اللّه أمّته بأنّهم خير الأمم فقال:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏ (1) لأنّه خير الأنبياء.

يروى أنّ يحيى بن معاذ الرازي (رحمه الله) حين قرأ هذه الآية قال: إلهي هذه مدحة منك، و لم يكن اللّه يمدح قوما ثمّ يعذّبهم و قال تعالى: وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها (2) فجعل اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبب نجاة المؤمنين، و أكمل عليهم المنّة به فلمّا أنجاهم و أنقذهم و لا يردّهم إليها (إن شاء اللّه).

و لما سمع بعض الأعراب هذه الآية تقرأ عند ابن عباس (رحمه الله) قال: و اللّه ما أنقذكم منها و هو يريد أن يطرحهم فيها، فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه.

و هداك قال اللّه: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏ (3) فلمّا هداهم و أخرجهم من الظلمات و أنقذهم منها لا يردهم إليها إن شاء اللّه.

و ممّا خصّ اللّه به محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمّته مع كثرة ذنوبهم و ارتكابهم الجرائم و اقتحامهم المهلكات العظائم، ما روي أنّ اللّه لما خلق اللوح و القلم أجراه بما يكون من سائر الامم ثمّ‏

____________

(1)- سورة آل عمران: 110.

(2)- سورة آل عمران: 103.

(3)- سورة إبراهيم: 1.

24

جرى بما يكون من اللّه إليهم حتّى فرغ من الأمم السالفة، ثمّ كتب ما يكون من اللّه إلى هذه الأمّة و تضاعف إحسان اللّه إلى هذه الأمّة وحدها على إحسانه إلى سائر الخلق، ثمّ كتب ما يكون من خطاياهم فكانت خطاياهم أضعاف خطايا الأمم السالفة كلّها، فكان فيما جرى به القلم بأمر اللّه أنّها أمّة تقتل ولد نبيّها، فتعجّب القلم و تحيّر من كثرة جرمهم و عظم إحسان اللّه إليهم مع ذلك، فنظر الربّ إلى القلم فانشقّ رأسه فمن هناك صارت الأقلام تنشق رءوسها، و قال الربّ: اكتب يا قلم أمّة مذنبة و ربّ غفور.

فقال القلم: إلهي لو علمت أنّك تأمرني بكتابة هذه الحروف لم أبال بما كتبته من الذنوب عليهم.

و في رواية: لما باليت بكتابة الذنوب عليهم.

و ممّا خصّ اللّه به محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمّته ما

روى أبو هريرة (رضى اللّه عنه) أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ اللّه فضّلني على الأنبياء و فضّل أمّتي على الامم، أرسلني إلى الناس كافّة و نصرت بالرعب مسيرة شهر تسير بين يدي قذفه اللّه في قلوب أعدائي، و جعل لي الأرض كلّها مسجدا و طهورا أينما أدركتني الصلاة تيمّمت و صلّيت»

(1)

.

و في رواية: فأيّما عبد أدركته الصلاة فعنده مسجده و طهوره، و أحلّت لي الغنائم»

(2)

. و ممّا فضّل اللّه به محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما شرّفه به و أعطاه أن خصّه بمقامين عاليين رفيعين: مقام قاب قوسين أو أدنى، و مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة في الثقلين، و هو المقام المحمود الذي أعطاه اللّه كما قال اللّه: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (3) و قال: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ (4) و به ساد الخلق كلّهم حتّى‏

قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أنا سيّد ولد آدم و لا فخر»

(5)

. فيكون كلّ نبي مسئولا بنفسه و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) بها و بغيره مشفعا لأمّته.

____________

(1)- كنز العمال: 11/ 440/ ح 32066، و المعجم الكبير: 8/ 239 بتفاوت.

(2)- نصب الراية للزيلعي: 2/ 379.

(3)- سورة الاسراء: 79.

(4)- سورة الضحى: 5.

(5)- المعجم الأوسط: 5/ 203.

25

قال المفسّرون في قوله تعالى: قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ (1): هو من الوتر إلى العروة، و من القبضة إلى الوتر جعل اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أدنى من ذلك حيث قال: (أَوْ أَدْنى‏) فلا يهدي أحد قرب الخالق من محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأنّه سبحانه عرف الخلق قربه.

ثمّ قال: أَوْ أَدْنى‏ فلا يعرف مخلوق كم قدر الأدنى، و معناه قرب المنزلة و الجاه لا قرب المكان، فإنّ اللّه تعالى منزّه عن المكان كما يقال: فلان قريب من فلان.

و ممّا خصّ اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن جعله رحمة للعالمين مؤمنهم و كافرهم فقال عزّ و جلّ:

وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ (2) و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّما أنا رحمة مهداة» (3).

فهو مبعوث بالرحمة، لأنّ اللّه تعالى وضع في شريعته على أمّته ما كان في شرائع الأمم السالفة من الآصال و الأغلال ثمّ بيّن اللّه رحمته بالمؤمنين و الكافرين فقال تعالى في حقّ المؤمنين: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏ (4).

و قال تعالى: وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها (5) و هذا خبر منه سبحانه و الخلف في خبره محال فقد عظم الرجاء و الطمع في رحمته عزّ و جلّ بهم، و أمّا رحمته بالكافرين فقد أخبر سبحانه أن جهّال كفّار قريش حين سألوا العذاب: و قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (6).

فقال اللّه: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ‏ (7) يعني ما دمت بينهم فإنّ اللّه لا يعذّبهم‏ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏ (8) يعني في أصلابهم مؤمن يستغفر اللّه، و هذا بين في رحمته عزّ و جلّ بالمؤمنين و الكافرين بسببه و شرف لا يشاركه فيه أحد من الأنبياء (عليهم السلام)، فقد أكمل اللّه على جميع الأمّة بإرساله إليهم الرحمة، و أعظم عليهم المنّة و أتمّ عليهم النعمة،

____________

(1)- سورة النجم: 9.

(2)- سورة الأنبياء: 107.

(3)- مستدرك الصحيحين: 1/ 35، سنن الدارمي: 1/ 9، كنز العمال: 11/ 425/ ح 31995.

(4)- سورة إبراهيم: 1.

(5)- سورة آل عمران: 103.

(6)- الأنفال: 32.

(7)- سورة الأنفال: 33.

(8)- سورة الأنفال: 33.

26

فله الحمد على ما أنعم أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا.

و أمّا نسبه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

فهو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان- إلى هنا إجماع العلماء و ما بعد عدنان ففيه اختلاف كثير في عدد الآباء و في ضبطهم.

روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا انتسب و وصل إلى عدنان أمسك‏ (1). قال عروة بن الزبير (رضى اللّه عنه): ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان و لا قحطان إلّا تخرصا (2).

و قحطان هو جدّ معد بن عدنان من جهة أمّه، فإنّ أمّ معد تنمة و قيل: تيميّة بنت يشجب ابن يعرب بن قحطان، و قحطان هو أبو «اليمن» كلّهم، و كان أوّل من تكلّم بالعربية.

و اسم عبد المطلب شيبة، و قيل: شيبة الحمد، و قيل: عامر غلب لقبه على اسمه، و اسم هاشم عمرو، و قيل: عمرو العلى، غلب لقبه على اسمه، و إنّما دعي هاشما لهشمه الثريد لقريش بمكة.

و اسم عبد مناف الغبرة، غلب أيضا لقبه على اسمه و اسمه، قصي زيد فسمّته العرب قصيا و مجمعا، لأنّه جمع القبائل من الفهر من البلد القصي، غلب لقبه على اسمه، و قيل:

إنّما سمّي قصيا لأنّه كان قاصيا من قوم في قصاعة ثمّ قدم مكّة و قريش متفرّقة في القبائل فجمعهم بمكّة و أنزل بعضهم ظاهرها فهم قريش الظواهر، و بعضهم داخلها فهم قريش الأبطح.

و أمّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة قرشية زهرية.

و أمّا أسماؤه (صلّى اللّه عليه و سلّم): فكثيرة تنيف عن السبعين‏ (3)، منها ما ورد في القرآن الكريم، و منها

____________

(1)- عمدة الطالب لابن عنبة: 28، و كنز العمال: 12/ 441/ ح 35511.

(2)- البداية و النهاية: 2/ 194.

(3)- راجع لذلك كنز العمال: 11/ 462/ ح 32166 و ما بعده، و المعجم الكبير: 2/ 133.

27

ما جاءت به السنّة، قال أبو الحسين بن فارس‏ (1): إن لنبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة و عشرين اسما: محمد، و أحمد، و الماحي، و الحاشر، و العاقب، و المقفى، و الخاتم، و نبي التوبة، و نبي الرحمة، و المتوكّل، و الضحوك، و النذير، و المبشر، و الشاهد، و الفاتح، و القتال، و الأمين، و النبي، و الرسول، و المصطفى، و الأمّي، و القثم‏ (2).

و من أسمائه في القرآن: عبد اللّه، و المزمل، و المدثّر، و طه، و يس، و رحمة للعالمين، و صدق، و مذكر، و هاد، و ذكر، و شافع، و نور، و سراج منير و منذر و بشير، و حق مبين، و قدم صدق، و كريم، و نعمة اللّه، و العروة الوثقى، و الصراط المستقيم، و النجم الثاقب.

و من أسمائه في الكتب: المختار، و محي السنّة، و المقدّر، و روح الحقّ، و هو معنى الغار قليطا في الانجيل‏ (3) و قيل: معناه أنّه يفرق بين الحق و الباطل، و في التوراة أنّه حرز للأميين، و من أسمائه: أبو القاسم، و المجتبى، و الحبيب، و رسول ربّ العالمين، و الشفيع، و المشفع، و التقي، و المصلح، و الظاهر، و المهيمن، و الصادق، و المصدّق، و الهادي، و سيّد المرسلين، و إمام المتّقين، و قائد الغرّ المحجّلين، و حبيب اللّه، و خليل الرّحمن، و صاحب الحوض المورود، و الشفاعة، و المقام المحمود، و صاحب الوسيلة و الفضيلة، و الدرجة الرفيعة، و صاحب التاج و المعراج، و اللواء و القضيب و راكب البراق و الناقة و صاحب الهراوة و النعلين.

و أمّا شرفه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما خصّه اللّه به من كرامته و أجراه على يده فهو أكثر من أنّه يحصره عدّ عاد أو يحيط بها العباد، لكننا نأتي ببعض ما ورد في ذلك تنويها بذكره و قياما ببعض شكره (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال اللّه: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ (4) أي لا أذكر إلّا ذكرتك معي، و أقسم اللّه بحياته‏

____________

(1)- كان إماما في علوم شتّى و خصوصا اللغة، و من أعيان العلم و أفراد الدهر، أثنى المؤرخون عليه، و له مؤلّفات عدّة و شعر رائق، توفي عام 395 بالري.

(2)- السخي. المعطي.

(3)- معنى الغار قليطا: الشفيع أو المعلم أو المعزى معرب ياداكلتيوس: و معناه أحد هذه الأمور و مناسبة هذا المعنى بهذا اللفظ لو كان عربيا و إلّا فلا.

(4)- سورة الانشراح: 4.

28

فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ (1)، قال ابن عبّاس (رضي الله عنه): ما خلق اللّه نفسا هي أكرم عليه من محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)(2) و ما أقسم بحياة أحد غيره و أقسم على رسالته فقال: يس. وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (3)، و أقسم على هدايته فقال: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏ (4) و أقسم على محبّته فقال: وَ الضُّحى‏* وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ (5) و أقسم على شرف أخلاقه فقال: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ. ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ (6).

قال العلماء: هذه الفضيلة أعظم من قسمه بحياته؛ لأنّ هذا مدح يرجع إلى صفته و ذلك ابتداء عطاء، و أقسم سبحانه أنّه لم يكن يكلّفه ما كان يحتمله من العبادة، فقال عزّ من قائل: طه. ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ (7)، و أقسم على نزاهته من كلّ ما نسبوه إليه من النقائص و العلل فقال: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ. وَ ما لا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ. وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (8).

و أقسم على أنّه رأى جبرئيل (عليه السلام) في السماء السابعة، فقال: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوارِ الْكُنَّسِ. وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ. وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ إلى قوله: وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏ (9) و أقسم أنّه ينتقم له ممّن يؤذيه فقال: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ‏

____________

(1)- سورة الحجر: 72.

(2)- ينابيع المودة: 1/ 63، و كشف الغمة: 2/ 7.

(3)- سورة يس: 1- 4.

(4)- سورة النجم: 1- 2.

(5)- سورة الضحى: 1- 3.

(6)- سورة القلم: 1- 4.

(7)- سورة طه: 1- 2.

(8)- سورة الحاقة: 38- 43.

(9)- سورة التكوير: 15- 23.

29

لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (1)، و أقسم أن عدوّه لفي حزن و كيد فقال عزّ و جلّ:

لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ. وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (2) أي في مشقّة و شدّة في أمر معاشه و معاده، و أقسم على بعد أعدائه و أنّهم محجوبون عن اللّه عزّ و جلّ فقال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ‏ (3) و أقسم سبحانه على صحّة شريعته و أنّ من خالفها فهو في خسران فقال تعالى: وَ الْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ (4)

و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، و نصرت بالرعب، و أحلّت لي الغنائم، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و أرسلت إلى الخلق كافّة، و ختم بي النبيّون»

(5)

. و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصلّ، و أحلّت لي الغنائم و لم تحلّ لأحد قبلي، و أعطيت الشفاعة، و كان النبي يبعث إلى قومه خاصّة و بعثت إلى الناس عامّة»

(6)

. و في رواية عن ابن عبّاس (رضى اللّه عنه) قال: قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء:

جعلت لي الأرض طهورا و مسجدا، و لم يكن نبي من الأنبياء يصلّي حتّى يبلغ محرابه، و نصرت بالرعب مسيرة شهر، و كان النبي يبعث خاصة إلى قومه و بعثت إلى الجنّ و الإنس، و كانت الأنبياء يعزلون الخمس و تجي‏ء النار فتأكله، و أمرت أن أقسمه في فقراء أمّتي، و لم يبق نبي إلّا أعطي سواه و أخرت أنا شفاعتي لأمّتي»

(7)

.

____________

(1)- سورة العلق: 15- 16.

(2)- سورة البلد: 1- 4.

(3)- سورة المطفّفين: 15- 16.

(4)- سورة العصر: 1- 3.

(5)- دلائل النبوة للاصبهاني: 193، و نصب الراية: 2/ 379.

(6)- إرواء الغليل: 1/ 315.

(7)- السنن الكبرى للبيهقي: 2/ 433، و مجمع الزوائد: 8/ 258.

30

و روى أبو سعيد الخدري (رضى اللّه عنه)(1) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّه قال:

«لما أسري بي إلى السماء قلت: يا ربّ اتخذت إبراهيم خليلا و كلّمت موسى تكليما، و رفعت إدريس مكانا عليا، و آتيت داود زبورا، و أعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فما ذا لي؟

فقال [عزّ من قائل‏]: يا محمّد اتّخذتك خليلا كما اتخذت إبراهيم خليلا و كلّمتك كما كلّمت موسى تكليما و أعطيتك فاتحة الكتاب و فاتحة سورة البقرة، و لم أعطها نبيّا قبلك، و أرسلتك إلى أسود الأرض و أحمرهم و إنسهم و جنّهم، و لم أرسل إلى جماعتهم نبيّا قبلك، و جعلت لك الأرض و لأمّتك مساجدا و طهورا، و أعطيت أمّتك الفي و لم أحلّه لأمّة قبلها، و نصرتك بالرعب حتى أنّ عدوّك ليرعب منك، و أنزلت عليك سيّد الكتب قرآنا عربيّا، و رفعت لك ذكرك حتّى لا أذكر إلّا ذكرت معي»

(2)

. و عن أبي سعيد الخدري (رضى اللّه عنه) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ اللّه أعطى موسى الكلام و أعطاني الروية و فضّلني بالمقام المحمود و الحوض المورود»

(3)

. و عن عبد اللّه بن مسعود (رضى اللّه عنه)(4) قال:

لما أسري برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) انتهى إلى سدرة المنتهى، و هي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، و إليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال اللّه:

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏ (5)

قال: فراس من ذهب، قال: فأعطي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، و أعطي خواتيم سورة البقرة، و غفر لمن لا يشرك باللّه شيئا المقحمات‏

(6)

. و عن حذيفة قال: قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف‏

____________

(1)- سعد بن مالك بن سنان الخزرجي، كان من أصحاب النبيّ و من الحفّاظ المكثرين و العلماء العظام، توفي حدود عام أربعة و ستّين.

(2)- مجمع الزوائد: 1/ 71 بتفصيل أكثر.

(3)- كنز العمّال: 14/ 447/ ح 39206، و الجامع الصغير: 1/ 257/ ح 1689 و فيهما: و أعطاني الرؤية.

(4)- كان أحد حفّاظ القرآن شهد النبيّ في مشاهده و كان من فقهاء الصحابة، كما قال به الخطيب البغدادي بعث إلى الكوفة ليقرئهم القرآن و يعلّمهم الشرائع و الأحكام.

(5)- سورة النجم: 16.

(6)- مسند أحمد: 1/ 387 ط الميمنية، و صحيح مسلم: 1/ 109.

31

الملائكة، و جعلت لنا الأرض كلّها مسجدا، و جعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء»

(1)

. و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أعطيت السبع مكان التوراة، و أعطيت المثاني مكان الإنجيل، و أعطيت المبين مكان الزبور، و فضّلت بالمفضل»

(2)

. و عن أبي هريرة (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«نصرت بالرعب، و أوتيت جوامع الكلم، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فقلت في يدي»

(3)

أي ألقيت في يدي.

قيل: هذا إشارة لما فتح لأمّته و جنوده من الخزائن مثلي كنوز كسرى و قيصر، و قيل:

المراد منه معادن الأرض الذهب و الفضّة و أنواع المعادن، أي: تفتح عليكم الأرض التي فيها من المعادن و اللّه أعلم.

و روي عن ابن عبّاس (رضى اللّه عنه) أنّه قال:

إنّ محمّدا و يوسف (عليهما السلام) تقارعا في صلب آدم (عليه السلام) فصار الحسن و الجمال ليوسف (عليه السلام)، و صار البهاء و النور و الشرف و العزّة و الشجاعة و الزهد و التواضع و الخضوع و الشفاعة و الرضى و القناعة و القرآن و السيف و القضيب و العمامة و النعل و الناقة و الهراوة- يعني العصى- و لواء الحمد و الكرسي و المنبر الرفيع و الحوض المورود و الكأس الأوفى و الوجه الحسن و الذكر الجميل و الحسب الشريف و النسل الكريم و الأزواج الطاهرات المطهرة و الأولاد الأزكياء و الخلق الحسن و اللسان الفصيح و الوجه الصبيح و القلب القنوع و البدن الصابر و الكرم الظاهر و الآيات الفاضلات و الكلمات المنزلات و المعجزات الباهرات و الحجّ و الإحرام و الجهاد في سبيل اللّه، و الزكاة و صوم رمضان و الأشهر الحرم و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الكعبة و الشفاعة، كلّ ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

(4)

. قال بعض العلماء: و قد خصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بستّين خصلة فارق فيها جميع النبيين (عليهم السلام) كلّ عشرة منها في نوع، فمنها عشر خصال في باب النبوّة و هي: تأييد الشريعة إلى يوم‏

____________

(1)- صحيح مسلم: 2/ 63.

(2)- كنز العمال: 1/ 572/ ح 2581 بتفاوت.

(3)- مسند أحمد: 2/ 268 و فيه: وضعت في يدي، و في ص 502: فتلت في يدي.

(4)- لم نجده في المصادر.

32

القيامة، و كونه خاتم النبيّين، و أنّه أفضل المرسلين، و أنّه مبعوث إلى الناس كافّة، و كون كتابه معجزا لا يمكن الإتيان بمثله، و أنّه مخصوص بليلة القدر و يوم الجمعة و جعله عيدا لأمّته، و خروج الماء من بين أصابعه، و بأنه ممنوع من قول الشعر فلا يأتي له قوله و لا روايته، و أنّه يرى من خلفه كما يرى من أمامه.

و منها عشر خصال في أمر الآخرة بعد الموت و ذلك أنّه أوّل من تنشق عنه الأرض، و أكثر النبيين أمّة يوم القيامة، و أنّه يشهد لجميع الأنبياء بالأذى و التبليغ، و له الشفاعة العظمى و لواء الحمد، و له الحوض المورود و نهر الكوثر، و أنّه أوّل من يدخل الجنّة، و أنّه يسأل في غيره يوم القيامة و كلّ الناس يسألون في أنفسهم.

و منها عشر في باب الطهارة و هي: الوضوء و التيمّم و وجوب السواك عليه خاصّا، و جعلت له الأرض كلّها مسجدا و ترابها طهورا، و كان ينام حتّى ينفخ ثمّ يصلّي و لا يتوضّأ و يقول: إنّ عينيّ تنامان و لا ينام قلبي.

و جعل الماء له مزيلا للنجاسة، و إن كثر الماء و أصابته نجاسة و لم يتغيّر أحد أوصافه كان طهورا، و جعل له الاستنجاء بالحجارة.

و منها عشر في باب الصلاة و هي: أنّه خصّ بصلاة العشاء الآخرة هو و أمّته و لم يعطها أحد قبله، و بصلاة الجمعة و بصلاة الجماعة و بصلاة العيدين و بصلاة الليل و بصلاة الكسوفين و بصلاة الاستسقاء و بالآذان و بالإقامة و بصلاة الوتر.

و منها عشر في باب الجهاد و هي: أنّه (عليه السلام) خصّ بإباحة الغنيمة و أنّه كان أفرس الخلق، و أنّه كان لا يرجع إذا خرج إلى الحرب و لا ينهزم إذا لاقى العدوّ و إن كثر عليه العدوّ، و إذا لبس لآمته لم ينزعها حتى يقابل، و خصّ بالحمى و بكونه أفضل العالمين، و أبيح له الوصال في الصوم و لم تكن له خائنة الأعين.

و منها عشر في باب النكاح و هي: أنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فرض عليه التخيير بين أزواجه ثمّ حضر عليه التزوّج عليهن و الاستبدال لهنّ، ثمّ أنّه أبيح له بعد ذلك من العدد ما شاء، و حرّم اللّه نكاح أزواجه على الخلق، و وجبت لهنّ النفقة بعد موته و يخصّ بإسقاط المهر، و بالنكاح بلا ولي و لا شهود، و أن يعقد ملقط الهبة، و حرّم عليه نكاح الكتابيات الإماء أبدا، فهذه ستّون خصلة

33

باين فيها (صلّى اللّه عليه و سلّم) جميع النبيّين (عليهم السلام)(1).

و روى جابر (رضى اللّه عنه) قال؛ قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنّ اللّه بعثني لإتمام مكارم الأخلاق و تمام محاسن الأفعال»

(2)

.

و في رواية تمام محاسن الأخلاق و كمال محاسن الأفعال‏

(3)

. و روى مالك أنّه بلغه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»

(4)

. و عن أنس قال؛ قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أنا أوّلهم خروجا إذا بعثوا و أنا قائدهم إذا وفدوا و أنا خطيبهم إذا أنعتوا و أنا مستشفعهم إذا جلسوا و أنا مبشّرهم إذا يئسوا، [الكرامة و] المفاتيح يومئذ بيدي و لواء الحمد يومئذ بيدي و أنا أكرم ولد آدم على ربّي يطوف عليّ ألف خادم كأنهر بيض مكنون أو لؤلؤ منثور»

(5)

. و روي عن أبي هريرة (رضى اللّه عنه) قال: قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة و أوّل من ينشقّ عنه القبر و أوّل شافع و أوّل مشفع يوم القيامة و لا فخر، و أنا أوّل من يحرّك حلق الجنّة فيفتح اللّه لي فأدخلنّها و معي فقراء المؤمنين و لا فخر، و أنا أكرم الأوّلين و الآخرين على اللّه و لا فخر»

(6)

. قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أنا سيّد ولد آدم» إنّما هو إخبار عمّا أكرمه اللّه به من الفضل و السؤدد و تحدّثت بنعمه تعالى عليه قال اللّه: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏ (7)، و إعلام لأمّته علوّ مكانه عند ربّه و كان بيان ذلك للأمّة من اللازم المفروض عليه ليكون إيمانهم به على حسب ذلك.

و قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «و لا فخر»، أي: إنّما أقوله معتمدا بالنعمة لا فخرا و استكبارا.

و قوله: تبليغا لما أمرت به لا افتخارا و اللّه أعلم، و قد جمع شيخنا الإمام العالم العامل‏

____________

(1)- راجع ينابيع المودة: 3/ 214، و كتاب خصائص النبي للسيوطي، و الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: 1/ 233- 234.

(2)- المعجم الكبير: 20/ 66.

(3)- المصدر السابق.

(4)- كنز العمال: 11/ 420/ ح 31969.

(5)- سنن الدارمي: 1/ 26.

(6)- سنن الترمذي: 5/ 248/ ح 3695.

(7)- سورة الضحى: 11.

34

علاء الدين علي بن داود العطار (1) ما خصّ اللّه تعالى به نبيّنا محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأشياء التي آثره بها على غيره من الأنبياء فقال: قد شرّف اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خصّه بأشياء، كرؤيته سبحانه ليلة المعراج على قول ابن عباس، و القرب و الدنو و المحبة و الاصطفاء و الشفاعة و الإسراء و الوحي و البراق و المعراج و الصلاة بالأنبياء (عليهم السلام) و الوسيلة و الفضيلة و الدرجة الرفيعة و المقام المحمود و البعث إلى الأحمر و الأسود، و الشهادة بين الأنبياء و الأمم المتقدّمة و سيادة ولد آدم و الخصوصية بلواء الحمد و البشارة و الندارة و المكانة عند ذي العرش و الطاعة.

ثمّ الأمانة و الهداية و رحمة للعالمين و إعطاء الرضى و السؤل و الكوثر و سماع القول و تمام النعمة و العفو عمّا تقدّم و تأخّر، و شرح الصدر و وضع الوزر و رفع الذكر و عزّة النصر و نزول السكينة و التأييد بالملائكة و إيتاء الكتاب و الحكمة و السبع المثاني و القرآن العظيم، و تزكية الأمّة و الدعاء إلى اللّه و الحكم بين الناس بما أراه اللّه، و وضع الإصر و الأغلال عن أمّته، و قسم اللّه به و إجابة دعوته و تكلّم الجمادات و العجماوات‏ (2) و إحياء الموتى و إسماع الصم و نبع الماء من بين أصابعه و تكاثر القليل و انشقاق القمر و ردّ الشمس و قلب الأعيان و النصر بالرعب، و الاطّلاع على الغيب و ظل الغمام و تسليم الشجر و الحجر و تسبيح الحصى و إبراء الآلام و العصمة من الناس و رؤيته من خلفه كرؤيته من أمامه، و إذا مشى في الشمس لم يكن له ظلّ، و إذا مشى بين طويلين طالهم و علا عليهم و إذا ما شاه أحد من أصحابه لم يكد يلحقه، و صلاة اللّه و الملائكة عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسبحان من خصّه بهذه الأشياء و رفع قدره على كافّة الأنبياء (عليهم السلام)(3).

____________

(1)- الحافظ الزاهد علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان العطار الشافعي ولد عام 654 و تفقّه على الشيخ محي الدين النووي، و ولي مشيخة دار الحديث النورية و مدرسة الغوصية بالجامع، و مرض بالفالج أزيد من عشرين سنة، و كان يحمل في محفة و درس و أفتى و صنّف كتبا كثيرة و أشياء مفيدة ترجم له ابن كثير في البداية: 14/ 117 و ابن العماد في الشذرات: 6/ 63 توفي سنة 724.

(2)- تطلق على الصخور الصلبة.

(3)- هذه جملة معاجز النبي و قد اعتنت بها المطولات من الكتب، كدلائل النبوة للبيهقي، و خصائص السيوطي الكبرى، و الذخائر المحمدية، و المواهب اللدنية.

35

خاتمة في بيان فضل الصلاة و السلام عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

اعلم وفّقك اللّه أنّ الصلاة و السلام عليه أفضل الطاعات و أجزلها ثوابا، و أشرف الأعمال و أكملها نصابا و أسرعها قبولا و أشدّها استحبابا، و أشدّها منهجا و أشرعها إلى الإصابة بابا و ملك السعادة الأبدية لصاحبها المواظب عليها مسلم، و هي للخلاص من الدركات مكفأة، و سبب و إلى درك الدرجات العاليات مرقاة و سلّم.

روى البخاري و مسلم في الصحيح عن كعب بن عجرة (رضى اللّه عنه) قال:

خرج علينا النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلنا: يا رسول اللّه كيف نسلّم عليك و كيف نصلّي عليك علّمنا؟

قال: «فقولوا اللهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمّد و على آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد»

(1)

. و عن أبي حميد الساعدي (رضى اللّه عنه) قال: قالوا:

يا رسول اللّه كيف نصلّي عليك؟

قال: قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد و على أزواجه و ذريّته كما صلّيت على إبراهيم، و بارك على محمّد و أزواجه و ذريّته كما باركت على إبراهيم إنّك حميد مجيد

(2)

؛ بحذف آل في الموضعين متّفق عليه.

و عن أبي مسعود البدري (رضى اللّه عنه) قال: أتانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد:

أمرنا اللّه أن نصلّي عليك يا رسول اللّه فكيف نصلّي عليك؟

فسكت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى تمنينا أنّه لم يسأله ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فقولوا: اللهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم، و بارك على محمّد و على آل محمّد كما

____________

(1)- مسند أحمد: 4/ 241.

(2)- صحيح مسلم: 2/ 17.

36

باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد»

(1)

، و السلام كما علمتم بحذف آل في الأوّل في إبراهيم و إثباته في الثانية. رواه مسلم، و في رواية له بإثبات آل في الأوّل أيضا (2).

و عن أبي سعيد الخدري (رضى اللّه عنه) قال: قلنا:

يا رسول اللّه هذا السلام عليك فكيف نصلّي عليك، و في رواية في غير الصحيح: أمّا السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلّي عليك؟

قال: قولوا: «اللهمّ صلّ على محمّد عبدك و رسولك كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم و بارك على محمّد و آل محمّد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم».

رواه البخاري و النسائي‏

(3)

. و روى مسلم بسنده إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) (عليهم السلام)

«من صلّى عليّ صلاة صلّى اللّه عليه بها عشرا»

(4)

. و عن أنس (رضى اللّه عنه) قال: قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى اللّه عليه عشر صلوات و حطّ عنه عشر خطيئات و رفع له عشر درجات»

(5)

. و روي النسائي بسنده إلى أبي طلحة (رضى اللّه عنه) أنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاء ذات يوم و البشر في وجهه فقلنا:

إنّا لنرى البشر في وجهك؟ قال:

«فإنّه أتاني الملك فقال يا محمّد أ ما يرضيك أن لا يصلّي عليك أحد إلّا صلّيت عليه عشرا و لا يسلّم عليك أحد إلّا سلّمت عليه عشرا»

(6)

. و روي عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّه قال:

«من صلّى عليّ من أمّتي صلاة مخلص يأتيها من نفسه صلّى اللّه بها عليه عشر صلوات و رفعه بها عشر درجات و محا عنه عشر سيّئات»

(7)

. و روي عن أنس (رضى اللّه عنه) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«ما من أحد يصلّي عليّ صلاة تعظيما لحقّي إلّا خلق اللّه من ذلك القول ملكا له جناح بالمشرق و جناح بالمغرب و يقول اللّه له صلّ على‏

____________

(1)- سنن الترمذي: 5/ 38/ ح 3173.

(2)- صحيح مسلم: 2/ 16.

(3)- صحيح البخاري: 6/ 27، و سنن النسائي: 3/ 49.

(4)- صحيح مسلم: 2/ 17.

(5)- مسند أحمد: 3/ 261.

(6)- سنن النسائي: 3/ 44.

(7)- فتح الباري: 11/ 143 و فيه: صلاة مخلصا من قلبه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

37

عبدي كما صلّى على نبيّي فهو يصلّي عليه إلى يوم القيامة»

(1)

. و روى أبو داود بسنده إلى أبي هريرة قال: قال (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من يسرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فليقل: اللهمّ صلّ على محمّد النبيّ الأمّي و أزواجه أمّهات المؤمنين و ذريّته و أهل بيته كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد»

. و روى الحاكم أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن محمد بن حمدويه بن نعيم‏ (2) الحديث المسلسل المشهور من رواية أهل البيت (عليهم السلام) بقوله:

و عدهن في يدي بسنده إلى زيد بن علي ابن الحسين قال: عدّهن في يدي قال: عدّهن في يدي علي بن الحسين، و قال: عدّهن في يدي أبي الحسين بن علي، و قال لي: عدّهن في يدي علي بن أبي طالب (رضى اللّه عنه) و قال لي:

عدهن في يدي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «عدهن في يدي جبرئيل (عليه السلام) و قال جبرئيل: هكذا نزلت بهنّ من عند ربّ العزّة اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. اللهمّ و بارك على محمّد و على آل محمّد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. اللهمّ و ترحّم على محمّد و على آل محمّد كما ترحّمت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. اللهمّ و تحنّن على محمّد و على آل محمّد كما تحننت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. اللهمّ و سلّم على محمّد و على آل محمّد كما سلّمت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد»

(3)

. و عن ابن مسعود (رضى اللّه عنه) أنّه كان يقول:

إذا صلّيتم على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاحسنوا الصلاة عليه فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليه و قولوا: اللهمّ اجعل صلاتك و رأفتك و رحمتك و تحيّتك على محمّد عبدك و رسولك إمام الخير و رسول الرحمة، اللهمّ ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأوّلون و الآخرون، اللهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد كما صلّيت على‏

____________

(1)- سنن أبي داود: 1/ 222 باب 183/ ح 982.

(2)- إمام أهل الحديث في عصره و المؤلف فيه كان عالما عارفا واسع العلم، صنّف في علوم الحديث و تفرّد بإخراجه ولد بنيسابور عام 321 ثمّ انتقل إلى العراق و إلى الحجاز و تقلّد القضاء بنيسابور، و قلّد بعد ذلك قضاء جرجان و عرف بالحاكم لتقلّده القضاء توفي عام 405 و من تصانيفه الصحيحان و العلل و الأمالي و المستدرك على الصحيحين و المدخل إلى علم الصحيح و فوائد الشيوخ و غيره.

(3)- كنز العمال: 2/ 273/ ح 3998.

38

إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهمّ بارك على محمّد و على آل محمّد كما باركت على إبراهيم إنّك حميد مجيد

(1)

. و عن زيد بن الحباب (رضى اللّه عنه) قال: سمعت (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«من قال: اللهمّ صلّ على محمّد و انزله المنزل المقرّب عندك يوم القيامة حلّت له شفاعتي»

(2)

.

و في رواية المتعد المقترب عندك يوم القيامة حلّت له شفاعتي وجبت شفاعتي له‏

(3)

.

و يروى أنّ من قال: اللهمّ يا ربّ محمّد و آل محمد صلّ على محمد و آل محمد و أجز لمحمد ما هو أهله اتعب ستّين كاتبا ألف صباح، و لم يبق لنبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حقّ إلّا أداه و غفر له و لوالديه و حشر مع محمد و آل محمد

(4)

. قال الإمام المدني (رضى اللّه عنه):

رأيت الإمام الشافعي في المنام بعد موته فقلت له: ما فعل اللّه بك يا سيدي؟ قال: غفر لي و نعمني و زففت إلى الجنّة كما تزفّ العروس، و نثر عليّ كما ينثر على العروس بصلاة صلّيتها على محمّد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كتاب الرسالة و هي: اللهمّ صلّ على محمد و على آل محمد كلّما ذكره الذاكرون و كلّما غفل عن ذكره الغافلون‏

(5)

. قال العلماء: و هذه الصلاة أفضل الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في معناها: اللهمّ صلّ على محمد و على آل محمد صلاة دائمة بدوامك، و أيضا: اللهمّ صلّ على محمد النبي الأمّي و على كلّ نبي و ملك و ولي عدد الشفع و الوتر و كلمات اللّه التامّات المباركات، و أيضا: اللهمّ صلّ على محمّد عبدك و رسولك النبي الأمّي و على آله و أزواجه و ذريّته عدد خلقك وزنة عرشك و رضى نفسك و مداد كلماتك.

و قريب منها صلاة معروف الكرخي‏ (6) (رح) و هي: اللهمّ صلّ على محمد مل‏ء الدنيا

____________

(1)- سنن ابن ماجة: 1/ 293/ ح 906.

(2)- مسند أحمد: 4/ 108، و فيه: المقعد المقرب.

(3)- لم أجده بهذه الألفاظ فيما بين يدي من المصادر.

(4)- كنز العمال: 2/ 234/ ح 3900 بتفاوت، و في مجمع الزوائد: 10/ 163: سبعين ألف.

(5)- إعانة الظالبين للباري: 4/ 391 ط. دار الفكر.

(6)- أبو محفوظ معروف بن فيروز العارف المعروف الذي كان للصوفية و العرفاء فيه اعتقاد و مشهور بإجابة الدعاء توفي عام 200 و قيل أكثر من هذا.

39

و مل‏ء الآخرة و بارك على محمّد مل‏ء الدنيا و مل‏ء الآخرة و سلّم على محمّد مل‏ء الدنيا و مل‏ء الآخرة.

و قال الشيخ محيي الدين النووي‏ (1): في كتابه الأذكار، و الأفضل للمصلّي أن يقول:

صلّ على محمّد عبدك و رسولك النبي الأمّي و على آل محمد و أزواجه و ذريّته كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم و بارك على محمد النبي الأمّي و على آل محمد و أزواجه و ذريّته كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد

(2)

. و روى الترمذي عن أبيّ ابن كعب (رضى اللّه عنه) أنّه قال:

قلت يا رسول اللّه إنّي أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟

قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك، قلت: الثلاثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلّها؟ قال: إذن تكفى همّك و يغفر لك ذنبك‏

(3)

. فإذا كفى الإنسان بسبب الصلاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أمر دينه و دنياه و غفر له ذنبه فقد فاز و ظفر بخير الدنيا و الآخرة، و هذا هو المطلوب فيا طوبى و بشرى لمن وفّقه اللّه لذلك، و لو لم يكن في فضل الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلّا هذا القدر لكان كافيا، فكيف و قد اعتضد بالأحاديث الصحيحة و كيف يليق بالعاقل أن يغفل و يشتغل عنها بغيرها من الطاعات المظنون قبولها و ثوابها مع هذا الثواب العظيم الموعود به عليها في الدنيا و الآخرة، و قد أمرنا اللّه بذلك و كلّفنا به و وفّقنا لذلك و سائر وجوه الخير بمنّه و كرمه آمين ربّ العالمين.

و روى عامر بن ربيعة (رضى اللّه عنه) قال: سمعت (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول:

«من صلّى عليّ صلاة صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ فليقلل من ذلك أو لتكثر»

(4)

. و روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّه قال:

«إذا هالك أمر فقل:

اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد و آل محمد أن تكفيني‏

____________

(1)- أبو زكريا يحيى بن شرف الدمشقي الشافعي ولد عام 631 كان بارعا في العلوم و حافظا للحديث عارفا بأنواعه توفي عام 677 و له مؤلّفات كثيرة طبع الكثير منها.

(2)- الأذكار النووية: 66/ ح 171.

(3)- صحيح الترمذي: 4/ 53/ ح 2574.

(4)- مسند ابن المبارك: 29، و مسند أحمد: 3/ 446 بتفاوت بسيط.

40

شرّ ما أخاف و أحذر فإنّك تكفى ذلك الأمر»

(1)

. و نقل الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي الاسكندري‏ (2) في كتابه- الفجر المنير- عن الشيخ صالح موسى الضرير

أنّه أخبره أنّه ركب مركبا في البحر الملح قال: و قامت علينا ريح تسمّى الاقلاثبة قلّ من ينجو منها من الغرق و أصبح الناس في خوف من الغرق قال:

فغلبتني عيناي فنمت فرأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يقول: «قلّ لأهل المركب يقولون ألف مرّة:

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمد و على آل محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال و الآفات، و تقضي لنا بها جميع الحاجات، و تطهرنا بها من جميع السيئات، و ترفعنا بها عندك أعلى الدرجات و تبلغنا بها- و في رواية به- أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة و بعد الممات».

قال: فاستيقظت و أعلمت أهل المركب بالرؤيا فصلّينا نحو ثلاث مائة مرّة ففرّج عنّا

(3)

،

هذا و قريب منه: قلت و أخبرني بها الشيخ الصالح الفقيه حسن بن علي الأسواني و قال: من قالها في كلّ مهمّ و نازلة و بلية ألف مرّة فرّج عنه و أدرك مأموله و اللّه أعلم.

و روي عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: فيما رواه عن أنس (رضى اللّه عنه):

«إنّ أقربكم منّي يوم القيامة مجلسا أكثركم عليّ صلاة في الدنيا، من صلّى عليّ يوم الجمعة و ليلة الجمعة قضى اللّه له باب حاجة من حوائج الآخرة و ثلاثين من حوائج الدنيا يوكل بذلك ملكا يدخل على قبري كما يدخل عليكم الهدايا و يخبرني بمن صلّى عليّ باسمه و نسبه و إلى عشيرته فأثبته عندي في صحيفة»

(4)

. و روى الترمذي بسنده إلى ابن مسعود أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ أولى الناس لي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة»

(5)

.

____________

(1)- فرائد السمطين: 1/ 39/ ح 2.

(2)- تاج الدين عمر بن علي بن سالم اللخمي الاسكندري الفاكهي، عالم بالنحو من أهل الاسكندرية له كتاب- شرح العمدة- الإشارة- توفي عام 731 كما في الأعلام للزركلي: 72.

(3)- مسند زيد بن علي: 156. دار الإحياء- بيروت.

(4)- مسند أبي يعلى: 9/ 13/ ح 5080، و فضائل الأوقات للبيهقي: 499.

(5)- فتح الباري: 11/ 143.

41

و روي: «إنّ أنجاكم من أهوالها و مواطنها أكثركم عليّ صلاة»

(1)

، و في تلخيص الآثار:

ليردنّ عليّ أقواما ما أعرفهم إلّا بكثرة صلاتهم عليّ‏

(2)

. و قد ورد الوعيد الشديد لمن يذكر عنده (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لا يصلّي عليه.

و روى أنس (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فقد شقى»

(3)

، و في حديث أبي هريرة (رضى اللّه عنه) عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّ جبرئيل أتاه فقال له: من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فمات أبعده اللّه قل: آمين، فقلت: آمين»

(4)

. و روي عن أبي قتادة (رضى اللّه عنه) عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّه قال:

«من الجفاء من أذكر عنده فلا يصلّي عليّ»

(5)

. فهذه الأحاديث تدلّ على وجوب‏ (6) الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند ذكره، لا سيّما و قد ذكر

____________

(1)- كنز العمال: 1/ 504/ ح 2228.

(2)- شفاء الغليل: 2/ 176.

(3)- كنز العمال: 1/ 491/ ح 2157.

(4)- المعجم الكبير: 11/ 68.

(5)- فتح الباري: 11/ 144.

(6)- تفصيل في وجوب الصلاة على النبي و آله و الأقوال فيها:

(وجوب الصلاة على محمد و آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)) قال العلماء: فسؤالهم بعد نزول الآية و إجابتهم: ب «اللّهمّ صلّ على محمد و على آل محمد .. الى آخره»، دليل على أن الأمر بالصلاة على أهل بيته و بقية آله مراد من هذه الآية، و إلّا لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته و آله عقب نزولها، و لم يجابوا بما ذكر، فلمّا اجيبوا به دل على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به، و أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أقامهم في ذلك مقام نفسه؛ لأن القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه و منه تعظيمهم (يراجع، و جواهر العقدين: 216 الباب الثاني، و الصلات و البشر: 68- 109، و الاعتقاد للبيهقي: 164 باب القول في أهل البيت، و جلاء الافهام فقد ذكر الأدلة على الوجوب بالتفصيل:

193- 194 و ما بعدها- الباب الرابع، و للشيخ الرفاعي كلاما مشابها مفيدا فليراجع ضوء الشمس:

1/ 111).

و يروى عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قوله:

«لا تصلوا الصلاة البتراء».

قالوا: و ما الصلاة البتراء يا رسول اللّه؟

قال: «تقولون اللهم صل على محمد و تمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد و على آل محمد»

(جواهر العقدين: 217 الباب الثاني، و الصواعق: 146 ط. مصر و 225 ط. بيروت الآية الثانية، و أهل‏

42

____________

البيت للشرقاوي: 6- 7، و تفسير آية المودة: 135.

و خرّجه الشعراني و زاد فيه: فقيل من أهلك يا رسول اللّه؟ قال:

«علي و فاطمة و الحسن و الحسين»

كشف الغمة للشعراني: 1/ 219 فصل في الأمر بالصلاة على النبي.

هذا:

و أخرجه الديلمي بلفظ:

«من ذكرت بين يديه فلم يصلّ عليّ صلاة تامة فلا هو منّي و لا أنا منه»

الفردوس: 3/ 634 ح 5986.

و قد أخرج الديلمي أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال:

«الدعاء محجوب حتى يصلّى على محمد أهل بيته»

. اللّهمّ صل على محمد و على آله (المعجم الأوسط للطبراني: 1/ 408 ح 725 بلفظ: «كل دعاء محجوب حتى يصلّى على محمد و آل محمد»، (مجمع الزوائد: 10/ 160 ط. مصر و 247 ح 17278 من البغية و قال الهيتمي: رجاله ثقات، و الجامع الكبير للسيوطي: 1/ 412 و عزاه لأبي الشيخ في الثواب و للبيهقي في الشعب عن علي، و تحفة الذاكرين للشوكاني: 50 ط. القاهرة مكتبة المتنبي- بلفظ: «كل دعاء» و قال: قال المنذري: رواته ثقات، و شعب الإيمان 2/ 216، و الشفاء للقاضي: 2/ 65 فصل في مواطن الصلاة عن علي بلفظ: «الدعاء معلق حتى يصلّي على محمد و آل محمد»، و جواهر العقدين: 223 و نسبه للديلمي، و الصواعق المحرقة: 148 ط. مصر و 227 ط. بيروت عن الديلمي.

نعم في فردوس الديلمي المطبوع حذفت لفظ: آل محمد، فدوّن الحديث عن علي (عليه السلام) بلفظ: «كل دعاء محجوب حتى يصلّي على النبيّ». الفردوس: 3/ 255 ح 4754 ط. دار الكتب العلميّة).

(قال العلّامة) ابن حجر الهيتمي و غيره: و كان قضيّة الأحاديث السابقة وجوب الصلاة على الآل في التشهد الأخير، كما هو قول للشافعي خلافا لما يوهمه كلام الروضة و اصلها، و رجّحه بعض أصحابه و مال إليه البيهقي، و من ادعى الاجماع على عدم الوجوب فقد سها (و هو ابن كثير في تفسيره: 3/ 559 مورد آية 56 من الأحزاب)، لكن بقيّة الأصحاب ردوا الى اختلاف تلك الروايات من اجل انّها وقائع متعدّدة، فلم يوجبوا إلّا ما اتّفقت الطرق عليه، و هو اصل الصلاة عليه، و ما زاد فهو من قبيل الأكمل، و كذا استدلّوا على عدم وجوب قوله: كما صلّيت على إبراهيم» بسقوطه في بعض الطرق و للشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم‏ * * * فرض من اللّه في القرآن انزله‏

يكفيكم من عظيم القدر انكم‏ * * * من لم يصل عليكم لا صلاة له‏

فيحتمل لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقا لقوله بوجوب الصلاة على الآل، و يحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه. انتهى كلام العلامة ابن حجر (الصواعق المحرقة: 147- 148 ط. مصر و 228 ط. بيروت الآية الثانية من الباب 11).

و قال البيهقي: في شعب الإيمان: سمعت أبا بكر الطرسوسي يقول: سمعت أبا إسحاق المروزي يقول: انا اعتقد أنّ الصلاة على آل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) واجبة في التشهد الاخير من الصلاة. قال: و في الأحاديث التي وردت في كيفية الصلاة الدلالة على ما قاله أبو إسحاق. انتهى (جواهر العقدين: 224،-

43

____________

المشرع الروي: 1/ 7 عن البيهقي، و نقل في الشعب الوجوب عن أبي الحسن الماسرجي:

2/ 224).

و قال المروزي: أفضلها (الصلاة) اللهم صلّ على محمد و على آل محمد كلما ذكره الذاكرون و سها عنه الغافلون. (سفر السعادة: 46).

أوجب الصلاة على الآل كل من: الشافعي و اتباعه و الكوفيون و الشعبي و إسحاق بن راهويه و احمد و مالك من التابعين و ابن مسعود و ابن عمر و جابر و أبي سعيد من الصحابة. راجع الصواعق المحرقة 147 ط.

مصر و ط. بيروت: 226- 227 الباب 11 الآيات النازلة فيهم الآية الثانية، و جلاء الافهام: 276- 277 الباب السادس.

و قال ابن أبي الحديد المعتزلي: أكثر أصحاب الشافعي على وجوب الصلاة على الآل في الصلاة: شرح النهج لابن أبي الحديد: 6/ 144 الخطبة 71.

و ممن جرى على الوجوب ابن كثير و ذكر في تفسيره: 3/ 558- 559 مورد آية 56 من الاحزاب: ذهاب الشعبي و الباقر و مقاتل و الإمام أحمد كما حكاه أبو زرعة و إسحاق بن راهويه و الفقيه محمد بن المواز المالكي، قال: و بعض أصحابنا أوجب الصلاة على آله فيما حكاه البندنيجي و سليم الرازي و صاحبه نصر ابن إبراهيم المقدسي و نقله امام الحرمين و صاحبه الغزالي قولا عن الشافعي.

و ممّن انتصر للشافعي الفيروزآبادي و أبي أمامة ابن النقاش و السمهودي و ابن القيّم. راجع الصلات و البشر: 110- 111، و المواهب اللدنية: 2/ 509 الفصل الثاني من المقصد السابع، و جواهر العقدين:

222، و أحكام القرآن لابن العربي: 3/ 1584، و الشفاء: 2/ 62 الباب الرابع، و تفسير آية المودّة: 136.

و روايات الصلاة على النبيّ المتضمّنة للصلاة على الآل مستفيضة تصل الى حدّ التواتر على بعض المباني، رويت عن كل من: أبي مسعود و الحديث صحيح رواه أحمد و مسلم و النسائي و الترمذي و صححه، و كعب بن عجرة و هو لا مغمز فيه، و أبي سعيد الخدري رواه البخاري في الصحيح، و أبي هريرة في حديث صحيح على شرط الشيخين، و بريدة بن الحصيب، و ابن مسعود صححه الحاكم، و عبد الرحمن بن بشر بن مسعود، و عبد اللّه بن عمر، و أبي معشر عن إبراهيم، و موسى بن طلحة عن أبيه. يراجع جلاء الافهام: 172 الباب الثالث- الفصل السابع، و 224- 238 الباب الرابع الموطن السادس.

قال ابن القيّم: أكثر الاحاديث الصحاح و الحسان بل كلها صريح بذكر النبي و بذكر آله و قال: آل النبي يصلّى عليهم بلا خلاف بين الامة. جلاء الافهام: 172 الباب الثالث- الفصل السابع، و 224- 238 الباب الرابع الموطن السادس، و 276 الباب السادس.

و قال الفيروزآبادي: المسألة العاشرة: هل يدخل في مثل هذا الخطاب النساء؟ ذهب جمهور الاصوليين أنهنّ لا يدخلن، و نصّ عليه الشافعي، و انتقد عليه و خطئ المنتقد. الصلات و البشر في الصلاة على خير البشر: 32 الباب الأول- المسألة العاشرة.

44

بلفظ الإيعاد و الوعيد الشديد في أشرف بقعة و أفضل مرتبة و أعظم محفل و زمان، و دعاء جبرئيل و تأمين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من عرف هذه المعاني و قصّر في خيارة فضلها عند الإمكان فهو جري‏ء أن تلتحق به الدعاء المجاب و التهاون بذلك متصدّ للعقاب. عافانا اللّه من الشرّ بمنّه و كرمه آمين.

____________

و قال السخاوي في القول البديع في بيان صيغة الصلاة في التشهد: فالمرجع أنهم من حرمت عليهم الصدقة، و ذكر أنه اختيار الجمهور و نصّ الشافعي، و أن مذهب أحمد أنهم أهل البيت، و قيل المراد أزواجه و ذريته عن هامش الصواعق المحرقة لعبد الوهاب عبد اللطيف: 146 ط. مصر 1385.

45

السمط الأوّل من الكتاب و هو ينقسم على قسمين‏

القسم الأوّل‏

و هو يشتمل على فضائل حسنات سيّد المرسلين و خاتم النبيّين و رسول ربّ العالمين و شمائله و صفاته و ما خصّه اللّه به من آياته و معجزاته، لأنّه هو المقصود من الخلق كلّها المرفوع راية مجدها يوم الفرض الأكبر و آدم (عليه السلام) من دونه تحت ظلّها (1)، محمّد الممدود بسرادق جلاله على قمّة الأفلاك، المحمود طرائقه في هداية الحقّ إلى سواء الصراط و أنقذهم من ورطات الهلاك، ما حي ظلمة الظلم و كاسر أشواك الاشراك المتبع خبائب عزّته من أن يحوم حول حمى وصفه رائد الإدراك و يقوم بحصر فضله عد الجنّ و الإنس و الأملاك (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال اللّه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً. وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (2).

و قال: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ (3).

روى وائلة بن الأسقع (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«إنّ اللّه اصطفى من قريش بني هاشم و اصطفاني من بني هاشم»

. أخرجه مسلم‏ (4).

و روى أبو هريرة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«بعثت من خير قرون بني آدم قرن فقرن حتّى بعثت من القرن الذي كنت منه»

. أخرجه البخاري‏ (5).

____________

(1)- كما في الحديث، راجع مجمع الزوائد: 10/ 372.

(2)- سورة الأحزاب: 45- 46.

(3)- سورة الأنبياء: 107.

(4)- صحيح مسلم: 7/ 58.

(5)- فتح الباري: 6/ 418.

46

و القرن: كلّ طبقتين مقترنتين في وقت، و هو أربعون سنة و قيل: ثمانون و قيل: مائة سنة و يسمّى قرنا لأنّه يقرن أمّة بأمّة و عالما بعالم جعل اسما للوقت أو لأهله‏ (1).

و روى أبو هريرة (رضى اللّه عنه) أيضا قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«مثلي و مثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيتا، فأنا أحسنها و أجملها و أكملها إلّا موضع لبنة من زاوية من زوايا»

فجعل الناس يطوفون و يعجبهم البنيان فيقولون: أ لا وضعت هاهنا لبنة فيتمّ بنيانه فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فأنا اللبنة» (2).

و روى أبو هريرة (رضى اللّه عنه) أيضا قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«مثلي و مثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ترك منه موضع لبنة فطاف به النظّار يعجبون به من حسن بنائه إلّا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع اللبنة ختم بي البنيان و ختم بي الرسل»

(3)

. و في رواية له أيضا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«مثلي و مثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه و أجمله إلّا موضع لبنة من زاوية من زواياه» قال: «فجعل الناس يطوفون و يعجبون له و يقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة»؟

قال: «فأنا اللبنة و أنا خاتم النبيّين متفق عليه»

(4)

. و عن العرباض بن سارية (رضى اللّه عنه) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

«إنّي عند اللّه مكتوب خاتم النبيّين و إنّ آدم لمجدل في طينته و سأخبركم بأوّل أمري دعوة إبراهيم و بشارة عيسى و رؤيا أمّي التي رأت حين وضعتني و قد خرج لها نورا أضاءت لها منه قصور بالشام أو قال: قصور الشام»

(5)

.

____________

(1)- النهاية لابن الأثير: 4/ 51.

(2)- أخرجه مسلم في صحيحه: 7/ 64 بعدّة طرق، و البخاري في صحيحه: 4/ 163، و كنز العمّال:

11/ 453/ 32127 عن ابن عساكر.

(3)- صحيح ابن حبان: 14/ 317.

(4)- صحيح مسلم: 7/ 58، و فتح الباري: 6/ 418.

(5)- مسند أحمد: 4/ 127، و مسند الطيالسي: 155.

47

فصل في صفته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و حالاته‏

عن عطاء بن يسار (رضى اللّه عنه) قال: لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في التوراة، قال:

أجل و اللّه إنّه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن:

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (1)

و حرزا للأمّيين أنت عبدي و رسولي سمّيتك المتوكّل ليس بفظّ و لا غليظ و لا صخّاب‏

(2)

في الأسواق و لا يدفع بالشبه‏

(3)

السيئة و لكن يعفو و يغفر و لن يقبضه حتّى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقول: لا إله إلّا اللّه و يفتح بها أعينا عميا و أذانا صما و قلوبا غلفا

(4)

. و عن أبي صالح ذكوان عن عبد اللّه بن ضمرة عن كعب قال:

إنّي أجد في التوراة محمد رسول اللّه لا فظّ و لا غليظ و لكن يعفو و يصفح، أمّته الحمّادون يحمدون اللّه في كلّ منزلة و يكبّرونه على كلّ شرف دعاة يصلّون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزّرون على أنصافهم و يبوصون على أطوافهم، صفتهم في الصلاة صفتهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دويّ كدويّ النحل، مولده بمكّة و مهاجره بطيبة و ملكه بالشام‏

(5)

. و عن أبي صالح ذكوان أيضا عن كعب يحكى عن التوراة قال:

نجد مكتوبا: محمد رسول اللّه عبدي المختار لا فظّ و لا غليظ و لا سخاب بالأسواق و لا يجري بالشبه السيئة و لكن يعفو، مولده بمكة و هجرته بطيبة و ملكه بالشام و أمّته الحمّادون يحمدون اللّه في كلّ منزلة و يكبّرونه على كلّ شرف دعاة للمشمس، يصلّون الصلاة إذا جاء وقتها يتأزرون على‏

____________

(1)- سورة الأحزاب: 45.

(2)- في المسند و صحيح البخاري: سخاب.

(3)- في المصدر: السيئة بالسيئة.

(4)- مسند أحمد: 2/ 174، و صحيح البخاري: 3/ 21.

(5)- دلائل النبوة لأبي نعيم: 151، و سنن الدارمي: 1/ 5.

48

أنصافهم و يتوضون على أطوافهم مناديهم ينادي في جو السماء صفّهم في القتال و صفّهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دويّ كدويّ النحل‏

(1)

. و روى مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن عن أنس بن مالك أنّه سمعه يقول:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليس بالطويل البائن و لا بالقصير، و ليس بالأبيض [و لا] الأمهق و ليس بالأدم و لا بالجعد القطط و لا بالسبط

(2)

بعثه اللّه على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين و بالمدينة عشر سنين و توفّاه اللّه على رأس ستّين سنة و ليس في رأسه و لحيته عشرون شعرة بيضاء

(3)

. و عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك (رضى اللّه عنه) عن شعر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال:

كان شعره رجلا ليس بالسبط و لا الجعد [كان‏] بين أذنيه و عاتقه‏

(4)

. و عنه قال:

كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فخم الرأس و القدمين لم أر بعده و لا قبله مثله، و كان بسط الكفين‏

(5)

. و عنه قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ربعة ليس بالطويل و لا بالقصير حسن الجسم، و كان شعره ليس بجعد و لا بسط أسمر اللون إذا مشى يتوكأ

(6)

. و عن علي بن أبي طالب (رضى اللّه عنه) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليس بالطويل و لا بالقصير ضخم الرأس و اللحية خشن الكفين مشرب حمرة

(7)

ضخم الكراويس طويل المسربة، إذا مشى يتكفأ تكفؤا كأنّما يتخبّط من صبب لم أر قبله و لا بعده مثله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

(8)

.

____________

(1)- مسند أحمد: 3/ 240، و تاريخ المدينة: 2/ 635.

(2)- الأمهق: الشديد البياض و ليس نيرا أو لامعا. الأدم: الأسمر، الجعد القطط و لا بالسبط: الشعر غير السهل المسترسل و لا المتراكم و المتجعد.

(3)- صحيح البخاري: 4/ 164- 165.

(4)- مسند أحمد: 3/ 135.

(5)- صحيح مسلم: 7/ 58 و فيه: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضخم اليدين و القدمين.

(6)- صحيح الترمذي: 3/ 145/ ح 1807، و فيه: يتكفأ.

(7)- أي خلط لون بلون الحمرة.

(8)- مسند أحمد: 1/ 117 و 96 و فيه: شنن الكفين، مشرب وجهه حمرة، الكراديس، تكفأ تكفؤا، ينحط عن حبب.

49

و عن جابر بن سمرة (رضى اللّه عنه) قال:

كان في ساقيّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمرشة، و كان لا يضحك إلّا تبسّما و كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين و ليس بالكحل‏

(1)

. و عن جابر (رضى اللّه عنه) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضليع الفم أشكل العين منهوش العقب‏

. قال شعبة قلت لسمّاك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين، قلت: ما منهوش العقب؟ قال: قليل لحم العقب، و قال أبو عبيد: الشكلة: حمرة في بياض العين و الشهلة: حمرة في سواد العين، و منهوش العقب. روي بالسين‏ (2) و الشين و هما بمعنى يقال: نهشت عضداه إذا دقتا، و النهس أحد ما على الأرض من اللحم بأطراف الأسنان و النهش بالأضراس‏ (3).

عن ابن عباس (رضى اللّه عنه) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفلج الثنيتين، إذا تكلّم رئي كالنور يخرج من ثناياه‏

(4)

. و عن البراء (رضى اللّه عنه) قال:

ما رأيت من ذي لمّة

(5)

أصيبني من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين لم يكن بالقصير و لا بالطويل‏

(6)

. اللمة دون الجمة سمّيت لمة لأنّها ألمت بالمنكبين فإذا زادت فهي الجمة.

و عن البراء قال:

كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مربوعا بعيد ما بين المنكبين له شعر يلح‏

(7)

شحمة اذنه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه‏

(8)

.

و سئل البراء: هل كان وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر

(9)

.

____________

(1)- مسند أبي يعلى: 13/ 453/ ح 7458 و فيه: حموشة بدل حمرشه، و بأكحل بدل بالكحل.

(2)- كما في مسند أحمد و الصحيح و الترمذي.

(3)- صحيح الترمذي: 5/ 264/ ح 3727، و صحيح مسلم: 7/ 84، و شرح النووي له: 15/ 93.

(4)- سنن الدارمي: 1/ 30.

(5)- الجمة: ما سقط على المنكبين من شعر الرأس. و اللمة: شعر الرأس دون الجمة.

(6)- تحفة الأحوذي: 5/ 318، و الشمائل المحمدية: 31 و فيه: ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و له شعر .....

(7)- كذا في الأصل و في المصادر: لا يجاوز شحمة أذنه.

(8)- مسند أحمد: 4/ 281.

(9)- الشمائل المحمدية: 39.

50

عن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل (رضى اللّه عنه) يقول:

رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما بقى على وجه الأرض أحد لم يره غيري قلت: صفه لي؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا

(1)

. المقصد الذي ليس بجسيم و لا قصير نحو الربعة، و منه قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (2) أي بين الظالم لنفسه و السابق بالخيرات.

و قال أبو هريرة (رضى اللّه عنه):

ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كأنّ الشمس تجري في وجهه، و ما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كأنما الأرض تطوى له إنّا لنجهد أنفسنا و إنّه لغير مكترث‏

(3)

. و كان علي (رضى اللّه عنه) إذا وصف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

كان أجود الناس كفّا و أجود الناس صدرا و أصدق الناس لهجة و ألينهم عريكة و أكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه و من خالطه معرفة أحبّه، يقول عنه لم أر قبله و لا بعده مثله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

(4)

.

____________

(1)- مسند أحمد: 5/ 454.

(2)- سورة لقمان: 32.

(3)- صحيح ابن حبان: 14/ 215.

(4)- سنن الترمذي: 5/ 260 باب 38/ ح 3718.

51

ذكر خاتم النبوّة

عن عبد اللّه بن سرخيس (رضى اللّه عنه) قال:

رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و دخلت عليه و أكلت من طعامه و شربت من شرابه و رأيت خاتم النبوّة في بعض‏

(1)

كتفه اليسرى كأنّه جمع عليه خيلان سود كأنّها ثآليل‏

(2)

. و عن جابر بن سمرة (رضى اللّه عنه) قال:

رأيت الخاتم بين كتفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غدّة حمراء مثل بيضة الحمام‏

(3)

.

و في رواية: مثل بيضة الحمام تشبه جسده‏

(4)

. و قال السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه إنّ ابن أختي وجع فمسح برأسي و دعا لي بالبركة و توضّأ فشربت من وضوئه و قمت خلف ظهره إلى الخاتم بين كتفيه فإذا هو مثل زر الحجلة أراد بزر الحجلة (5). الأزرار التي تكون في حجال العرائس من الكلل و الستور (6).

و قال الخطابي (رحمه الله): سمعت من يقول: بزر الحجلة بيضة حجل الطير يقال للأنثى منها الحجلة و للذكر اليعقوب، قال: و هذا شي‏ء لا أحقّه.

____________

(1)- كذا في الأصل و في المصادر: نعض أو ناغض و هو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف، و قيل: هو أعلى الكتف.

(2)- مسند أحمد: 5/ 83، و فيه: سرجس، الثآليل.

(3)- المستدرك: 2/ 606 بتفاوت، و سنن الترمذي: 5/ 263/ ح 3724 سواء.

(4)- مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 446/ ح 170.

(5)- صحيح البخاري: 1/ 56، و صحيح مسلم: 7/ 86، و صحيح الترمذي: 5/ 263/ ح 3723.

(6)- النهاية: 2/ 300، و لسان العرب: 4/ 321.

52

ذكر شيبته (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن جرير بن عثمان (رضى اللّه عنه) أنّه سأل عبد اللّه بن بشر صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان شيخا قال: كان في لحيته شعرات بيض‏

(1)

. و عن عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنه) قال:

كان شيب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نحوا من عشرين شعرة

(2)

. و قيل لجابر (رضى اللّه عنه): أ كان في رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيب؟

قال:

لم يكن في رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيب إلّا شعرات في مفرق رأسه إذا أدهن و اراهن الدهن‏

(3)

. و عن أنس (رحمه الله) قال:

ما عددت في رأس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لحيته إلّا أربع عشرة شعرة بيضاء

(4)

. و سأل قتادة أنسا: هل خضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال:

لم يبلغ ذلك إنّما كان شيبا في صدغيه‏

(5)

و لكن أبا بكر خضب بالحنّاء و البكتم‏

(6)

. ذكر طيب ريحه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

و قال أنس (رضى اللّه عنه):

ما شممت رائحة قط مسكة و لا عنبرة أطيب من رائحة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لا مسست شيئا قط خزه و لا حريره ألين من كفّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

(7)

.

____________

(1)- صحيح مسلم: 4/ 164 و فيه: كان في عنفقته شعرات بيض.

(2)- سنن ابن ماجة: 2/ 1199/ ح 3630.

(3)- مسند أحمد: 5/ 90.

(4)- مسند أحمد: 3/ 165.

(5)- ما بين الأذن و العين، و يقال أيضا للشعر المتدلي من الرأس في ذلك المكان.

(6)- مسند أحمد: 3/ 192 و فيه: بالحناء و الكتم و كذا في بقية المصادر، و الكتم كما في النهاية: نبت يخلط مع الوسمة و يصبح به الشعر أسود.

(7)- صحيح البخاري: 4/ 167، و صحيح مسلم: 7/ 81، و مسند أحمد: 3/ 270.

53

و عن أنس‏

أنّ أمّ سلمة كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتيها فيقيل عندها، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب و كان كثير العرق‏

(1)

. و عنه أيضا قال:

دخل علينا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فعال عندنا فعرق و جاءت أمّي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «يا أمّ سليم ما هذا الذي تصنعين؟» قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا و هو من أطيب الطيب‏

(2)

( و يروى أنّ أمّ سليم (رضي الله عنها) كانت ماشطة بالمدينة فخلطت بعرق النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) طيبا و طيّبت به عروسا فلم تزل ريح ذلك الطيب عليها و كلّما غسلته لا تذهب رائحته عنها فحبلت و أتت بأولاد فكانت تلك الرائحة توجد منهم فسمّوا بالمدينة المطيبين‏

(3)

. و عن جابر بن سمرة (رضى اللّه عنه) قال:

صلّيت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاة الأولى ثمّ خرج إلى أهله و خرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدّي أحدهم واحدا واحدا قال: و أمّا أنا فمسح خدّي قال: فوجدت ليده بريدا أو ريحانا كأنّما أخرجها من جونة عطار

(4)

. و قال أنس (رضى اللّه عنه):

كنّا نعرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا أقبل بطيب ريحه‏

(5)

. و عن ثمامة

أنّ أمّ سليم أمّ أنس بن مالك (رضى اللّه عنه) كانت تبسط للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) نطعا فيقيل عندها على ذلك النطع فإذا قام النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخذت من عرقه و شعره فجمعته في قارورة ثمّ جعلته في مسك قال: فلمّا حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك المسك قال: فجعل في حنوطه‏

(6)

.

____________

(1)- صحيح مسلم: 7/ 82، و الآحاد و المثاني للضحاك: 6/ 96/ ح 3310.

(2)- مسند أحمد: 3/ 136.

(3)- مجمع الزوائد: 8/ 283، و فتح الباري: 6/ 418، و دلائل النبوة: 59.

(4)- فتح الباري: 6/ 417 و فيه: ليده بردا أو ريحا، و الجونة بالضم: التي يعد فيها الطيب و يحرز.

(5)- المعجم الأوسط: 3/ 146.

(6)- صحيح البخاري: 7/ 140.

54

ذكر حسن خلقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

عن البراء بن عازب (رضى اللّه عنه) قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحسن الناس وجها و أحسنهم خلقا ليس بالطويل الباين و لا بالقصير

(1)

. و قال أنس (رضى اللّه عنه):

خدمت رسول اللّه عشر سنين ما قال لي أف قط، و لا قال لشي‏ء صنعته:

لم صنعته، و لا لشي‏ء تركته لم تركته؟ و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أحسن الناس خلقا و لا مسست خزا قط و لا حريرا و لا شيئا كان ألين من كفّ رسول اللّه، و لا شممت مسكا و لا عطرا كان أطيب من عرق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

(2)

. و عن عبد اللّه بن عمر (رضي الله عنهما) قال:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يكن فاحشا و لا متفحّشا و كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا

(3)

. و عن عائشة (رضي الله عنها) قالت:

ما ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده شيئا قط إلّا أن يجاهد في سبيل اللّه و لا ضرب خادما و لا امرأة

(4)

.

و قالت: لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاحشا و لا متفحشا و لا سخابا في الأسواق و لا يجزي بالسيّئة السّيئة، و لكن يعفو و يصفح‏

(5)

. و قال أنس (رضى اللّه عنه):

لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبّابا و لا فحاشا و لا لعانا و كان يقول لأحدنا عن العتبة ما له ترب جبينه‏

(6)

.

____________

(1)- السنن الكبرى للنسائي: 5/ 409/ ح 9310.

(2)- الشمائل المحمدية للترمذي: 285.

(3)- السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 192.

(4)- منتخب مسند عبد بن حميد: 430/ ح 1418.

(5)- مسند أحمد: 6/ 236.

(6)- مسند أبي يعلى: 7/ 222/ ح 4220 و فيه: عند المعتبة- تربت، و في مسند أحمد: 3/ 126 عند المعاتبة.