موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - ج3

- الشيخ باقر شريف القرشي المزيد...
277 /
3

الجزء الثالث‏

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ آل عمران: 7 الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود: 1 وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْ‏ءٍ جَدَلًا الكهف: 54

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

1 القرآن الكريم كنز من كنوز اللّه، و ذخر من ذخائر الإسلام، و هبة من اللّه لعباده، أرسله إلى عبده و رسوله خاتم النبيّين ليكون معجزة له و دليل صدق على رسالته، يقيم الأود، و يصلح ما اعوجّ من نظام الدنيا، و ينير الطريق، و يوضح القصد، و يسير بالإنسان في أرحب الطرق و أضمنها أمنا و سلاما.

القرآن الكريم رسالة اللّه الخالدة، و جنّته الواقية، بعث بها أفضل عباده، و أكملهم فكرا، و أصدقهم إيمانا، و أرحمهم قلبا.

قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ [1].

و صدع الرسول (صلى الله عليه و آله) بكتاب اللّه تعالى يشيع آياته، و يذيع بياناته، و يتلو أحكامه على الناس على اختلاف قومياتهم، و تباين لغاتهم، و اختلاف أمصارهم.

____________

[1] التوبة: 128.

6

2

و أوجد القرآن الكريم بما يحمل من طاقات علمية و فكرية انقلابا هائلا في ذلك المجتمع الغارق في مآثم هذه الحياة، فقد دمّر جميع عاداتهم و تقاليدهم، و صنع لهم منهجا متكاملا لجميع شئون الحياة اجتماعية و سياسية و اقتصادية، و أقام معالم العدالة الاجتماعية التي لا تدع ظلّا للظلم و البغي و الاعتداء على حرمات الناس.

إنّ تعاليم القرآن و أحكامه و آدابه جاءت لتسمو بالإنسان، و ترفع كيانه، و تجعله خليفة للّه في أرضه، فما أعظم عائدته على جميع البشر! و ما أجلّ نعمه و أياديه عليهم! 3 و حفل القرآن الكريم بالمحكم و المتشابه، و العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، فتأويله و الوقوف على حقيقته النازلة من ربّ العالمين لا يحيط به إلّا الراسخون في العلم، و هم مصابيح الإسلام، و هداة الأنام، و المرتقى العالي في الإسلام، عترة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) الذين عاشوا مع القرآن، و وقفوا على دقائقه و أسراره و قيمه و آدابه، فلا بدّ من الرجوع الى ما اثر عنهم في تفسير القرآن الكريم، و ليس الرجوع إليهم نافلة أو تطوعا و إنّما هو الحقّ الذي لا بديل له.

4 و الشي‏ء المؤكد الذي لا ريب فيه أنّ سيّد العترة النبوية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

7

هو أوّل من عرف القرآن و وقف على محتوياته، و منه أخذ تلميذه عبد اللّه بن عباس الذي هو ألمع مفسّر للقرآن، و قد كانت نسبة علومه و معارفه في القرآن بالنسبة إلى علوم الإمام (عليه السلام) كنسبة قطرة من المطر الى ماء البحر.

و استمدّ هذا الإمام الملهم العظيم تفسيره للقرآن من أخيه و ابن عمّه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فقد أحاطه علما بتفسير كلّ آية نزلت عليه، كما أعلن الإمام ذلك بقوله:

«فلم ينزل اللّه على نبيّه آية من القرآن إلّا و قد جمعتها، و ليست منه آية إلّا و قد قرأنيها و علّمني تأويلها» [1].

و قال (عليه السلام):

«ما نزلت في القرآن آية إلّا و قد علمت أين نزلت، و فيمن نزلت، و في أيّ شي‏ء نزلت، و في سهل نزلت، أو في جبل نزلت» [2].

و بهذا كان الإمام (عليه السلام) أوّل من أحاط بالقرآن علما، و وقف على مضامينه و محتوياته.

5 كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام حكومة الخلفاء قد انصرف إلى تفسير القرآن الكريم، و بيان مفرداته، و ما يتعلّق بآياته من شئون الكون، و امور التوحيد، و عجائب المخلوقات، و غير ذلك مما يرتبط بتفسير القرآن.

و كان هذا التفسير موضع اعتزاز الأئمّة الطاهرين، فكانوا يفخرون به، و حمل‏

____________

[1] بحار الأنوار 92: 40.

[2] أمالي الصدوق: 166.

8

بعض الحاقدين على الشيعة أنّ عندهم مصحف الإمام و هو غير هذا المصحف، و اتّخذ ذلك وسيلة للطعن عليهم، و هذا من قلّة التدبّر، فإنّ الشيعة يؤمنون إيمانا لا يخامره شكّ أنّه ليس هناك مصحف آخر غير هذا المصحف، و هو الذي نزل من ربّ العالمين على خاتم المرسلين.

أمّا مصحف الإمام فهو حافل بتفسيره و أسباب نزوله و غير ذلك ممّا ذكرناه.

6 من المؤكد أنّه لو ثنيت الوسادة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و آله)، و تسلّم قيادة الحكم لتطوّرت الحياة الإسلاميّة، و سادت القيم الأصيلة و المثل العليا في الأرض، فقد كان هذا الإمام الملهم العظيم يملك طاقات هائلة من العلم لا يملكها غيره، فهو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه و آله) الذي لا حدود لمعارفه و علومه.

و قد أعلن الإمام (عليه السلام) أنّه لو تسلّم القيادة بعد النبي (صلى الله عليه و آله) لأفتى جميع الملل و الأديان بما في كتبهم.

قال (عليه السلام):

«أما و اللّه! لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التّوراة بتوراتهم حتّى تنطق التّوراة فتقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. و أفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول:

صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا، فهل فيكم أحد يعلم بما انزل فيه؟ و لو لا آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ لأخبرتكم بما كان، و بما

9

هو كائن إلى يوم القيامة، و هي قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏» [1].

و دلّ حديث الإمام (عليه السلام) على مدى ثرواته العلميّة التي شملت جميع ما يقع في الدنيا من أحداث فيما هو كائن و ما يكون حتى يرث اللّه الأرض و من عليها.

7 من المؤسف حقّا أنّ الامّة لم تستغلّ هذا العملاق العظيم، و لم تحتضنه ليفيض عليها بعلومه و معارفه و ثقافته، و يعرّفهم بما في كتاب اللّه العظيم من أسرار مذهلة، فقد باعدوا بينه و بين الحياة السياسية العامة في البلاد، و أعلنت بعض الشخصيات البارزة من قريش أنّه لا تجتمع الخلافة و النبوة في بيت واحد، و هو منطق مهزول باعثه الحسد للإمام، و الحقد على الاسرة النبوية، فقد آلت الخلافة إلى بني أميّة و بني العباس، و هم لا رصيد لهم من علم و تقوى و فكر، و قد واجه المسلمون في عهودهم ألوانا مريرة من الاضطهاد و التنكيل.

8 و نعود للحديث عن تفسير الإمام (عليه السلام) للقرآن الكريم، فإنّا لم نعثر على تفسير كامل له لجميع آيات الكتاب العزيز، و إنّما ذكر السادة المفسّرون لقطات من آرائه في تفسير بعض الآيات، و نحن ننقلها عنهم للتدليل على مدى سعة علوم الإمام (عليه السلام) و احاطته‏

____________

[1] بحار الأنوار 92: 78، و الآية 39 من سورة الرعد.

10

الكاملة بكتاب اللّه العظيم، و هو جزء من حياته العلمية التي نلقي الأضواء على بعض معالمها.

9 و قبل أن أطوي الصفحات الأخيرة من هذا التقديم أودّ أن أعرض إلى أنّ هذا الكتاب جزء من موسوعة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي تناولت البحث عن شئون حياته، و لا أدّعي- بصورة جازمة- أنّي ألممت أو أحطت بجميع شئون حياته فذلك أمر بعيد المنال و أستغفر اللّه تعالى من أن أدّعي ذلك، فإنّ هذا الكتاب على ما فيه من سعة و شمول، و ما بذل في تأليفه من جهد شاق و عسير، فإنّه إنّما يلقي الأضواء على بعض معالم حياة هذا الإمام الملهم العظيم الذي شغل أفكار العلماء بمواهبه و عبقرياته، و تبنّيه بصورة إيجابية للعدل الخالص و الحقّ المحض.

لقد ألّف العلماء من قدامى و محدثين عشرات الكتب إن لم تكن مئات الكتب في فضائل الإمام و مناقبه و مآثره، و منها هذه الموسوعة، و هي جميعا إنّما تحكي صفحة من حياته المشرقة بالكرامة و الشرف و النبل و نكران الذات.

و في الختام إنّي أتضرّع إلى اللّه تعالى أن يتقبّل هذا الجهد، و أن يثيبني عليه يوم ألقاه، إنّه وليّ ذلك و القادر عليه.

النّجف الأشرف باقر شريف القريشي 10/ جمادى الثانية/ 1419 ه

11

انحناء و تقديس امام القرآن الكريم‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

و انحنى الإمام إجلالا و خضوعا أمام القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و قد أضفى عليه أجمل الأوصاف، و أسمى النعوت.

لقد كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في طليعة من قيّم القرآن، و أشاد بفضله، و عظيم منزلته، و هذه كوكبة من الأخبار التي أدلى بها عن أهمية القرآن المجيد:

وصف القرآن:

و وصف الإمام (عليه السلام) القرآن الكريم بهذه الصفات الرفيعة،

قال (عليه السلام):

«ظاهره أنيق، و باطنه عميق، ظاهره حكم، و باطنه علم» [1]

. حكت هذه الكلمات ما حفل به ظاهر القرآن و باطنه، فظاهره حكم و آداب، و باطنه علم و فضل و خير و هدى للناس.

القرآن نور:

خطب الإمام (عليه السلام) خطابا مهمّا تحدّث فيه عن نعمة الإسلام على النّاس و رحمته عليهم، ثمّ تعرّض للقرآن الكريم، فوصفه بالنور، و السراج المنير.

قال (عليه السلام):

«ثمّ أنزل عليه- أي على الرسول (صلى الله عليه و آله)- الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه،

____________

[1] البصائر و الذخائر: 7، و في ربيع الأبرار زيادة على ذلك: «و لا تنقضي غرائبه».

14

و سراجا لا يخبو توقّده، و بحرا لا يدرك قعره، و منهاجا لا يضلّ نهجه، و شعاعا لا يظلم ضوؤه، و فرقانا لا يخمد برهانه، و تبيانا لا تهدم أركانه، و شفاء لا تخشى أسقامه، و عزّا لا تهزم أنصاره، و حقّا لا تخذل أعوانه.

فهو معدن الإيمان و بحبوحته [1]، و ينابيع العلم و بحوره، و رياض العدل و غدرانه، و أثافيّ الإسلام و بنيانه، و أودية الحقّ و غيطانه [2]، و بحر لا ينزفه المستنزفون، و عيون لا ينضبها الماتحون، و مناهل لا يغيضها الواردون، و منازل لا يضلّ نهجها المسافرون، و أعلام لا يعمى عنها السّائرون، و آكام لا يجوز عنها القاصدون.

جعله اللّه ريّا لعطش العلماء، و ربيعا لقلوب الفقهاء، و محاجّ لطرق الصّلحاء، و دواء ليس بعده داء، و نورا ليس معه ظلمة، و حبلا وثيقا عروته، و معقلا منيعا ذروته، و عزّا لمن تولّاه، و سلما لمن دخله، و هدى لمن ائتمّ به، و عذرا لمن انتحله، و برهانا لمن تكلّم به، و شاهدا لمن خاصم به، و فلجا لمن حاجّ به، و حاملا لمن حمله، و مطيّة لمن أعمله، و آية لمن توسّم، و جنّة لمن استلأم، و علما لمن وعى، و حديثا لمن روى، و حكما لمن قضى» [3]

. أ رأيتم كيف قيّم الإمام القرآن و ثمّنه بهذه الكلمات الذهبيّة، التي حفلت بما في القرآن من ذخائر العلم، و مناجم الفكر، و هي تنمّ عن إحاطة الإمام و وعيه لجميع‏

____________

[1] البحبوحة: وسط المكان.

[2] الغيطان: جمع غاط، و هو المطمئن من الأرض.

[3] نهج البلاغة 2: 177- 178.

15

ما في القرآن من دقائق و أسرار؟

القرآن ناطق:

من كلمات الإمام الرائعة في وصف القرآن الكريم قوله:

«و كتاب اللّه بين أظهركم، ناطق لا يعيا لسانه، و بيت لا تهدم أركانه، و عزّ لا تهزم أعوانه» [1]

. ما أجمل هذا الوصف! و ما أروع هذا البيان! فقد حكى بما في القرآن الكريم من عظيم الصفات.

القرآن يتحدّث عن أنباء الماضي و المستقبل:

من أحاديث الإمام (عليه السلام) عن القرآن الكريم أنّه تحدّث عن أنباء الامم الماضية، و الامم التي ستأتي‏

قال (عليه السلام):

«القرآن فيه خبر من قبلكم، و نبأ من بعدكم، و حكم فيما بينكم»

. لقد قصّ القرآن الكريم أحوال الامم السابقة، و ما جرى على بعضها من الدمار و الهلاك، و ذلك بسبب انحرافها عن الحقّ، و معاداتها لرسل اللّه.

القرآن حبل اللّه:

أوصى الإمام (عليه السلام) أصحابه بالتمسّك بالقرآن، و وعي آياته لأنّه حبل اللّه المتين،

قال (عليه السلام):

«عليكم بكتاب اللّه فإنّه الحبل المتين، و النّور المبين، و الشّفاء النّافع، و الرّيّ النّاقع، و العصمة للمتمسّك، و النّجاة للمتعلّق. لا يعوجّ فيقام،

____________

[1] نهج البلاغة 2: 16. بحار الأنوار 92: 33.

16

و لا يزيغ فيستعتب، و لا تخلقه كثرة الرّدّ و ولوج السّمع، من قال به صدق، و من عمل به سبق» [1]

. إنّ كتاب اللّه العظيم حافل بكلّ مقومات الحياة، فهو النور الذي يهدي الضّال، و هو العصمة لمن تمسّك به، و النجاة لمن التجأ إليه، فما أعظم عائدته على الإنسان!

القرآن ناصح:

تحدّث الإمام (عليه السلام) عن فضل القرآن و مدى أهمّيته،

قال (عليه السلام):

«و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذي لا يغشّ، و الهادي الّذي لا يضلّ، و المحدّث الّذي لا يكذب، و ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان من عمى.

و اعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة [2]، و لا لأحد قبل القرآن من غنى؛ فاستشفوه من أدوائكم، و استعينوا به على لأوائكم [3]، فإنّ فيه شفاء من أكبر الدّاء: و هو- أي الداء- الكفر و النّفاق، و الغيّ و الضّلال، فاسألوا اللّه به، و توجّهوا إليه بحبّه، و لا تسألوا به خلقه، إنّه ما توجّه العباد إلى اللّه تعالى بمثله.

و اعلموا أنّه شافع مشفّع، و قائل مصدّق، و أنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه، و من محل به القرآن يوم القيامة صدّق عليه، فإنّه‏

____________

[1] بحار الأنوار 92: 23.

[2] الفاقة: الفقر و الحاجة.

[3] اللأواء: الشدّة.

17

ينادي مناد يوم القيامة: «ألا إنّ كلّ حارث مبتلى في حرثه و عاقبة عمله، غير حرثة القرآن». فكونوا من حرثته و أتباعه، و استدلّوه على ربّكم، و استنصحوه على أنفسكم، و اتّهموا عليه آراءكم، و استغشّوا فيه أهواءكم» [1]

. وصف الإمام (عليه السلام) القرآن الكريم بأجمل الصفات و أبدع النعوت، فقد وصفه بالناصح المشفق الذي يهدي الناس للتي هي أقوم، كما وصفه بالمحدث الذي لا يكذب، و إنّما يتلو الحقّ، و يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، و هو الدواء الذي يعالج جميع أمراض الإنسان و يحسم مشاكله، و هو الشافع يوم القيامة لمن قرأه بإمعان و سار على هديه. هذه بعض الصفات التي أضفاها الإمام على القرآن.

القرآن هدى و نور:

أوصى الإمام (عليه السلام) أصحابه برعاية القرآن و التمسّك به فإنّه نور و هدى،

قال (عليه السلام):

«اعلموا أنّ القرآن هدى النّهار، و نور اللّيل المظلم على ما كان من جهد و فاقة ...» [2]

. القرآن هدى للناس، يرشد الضالّ، و ينير الطريق، و يوضح القصد، و يهدي الحائر.

الحثّ على تعلّم القرآن:

حثّ الإمام (عليه السلام) أصحابه على تعلّم القرآن الكريم،

قال (عليه السلام):

____________

[1] ربيع الأبرار 2: 82- 83. نهج البلاغة 2: 92.

[2] اصول الكافي 2: 600.

18

«تعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث، و تفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور، و أحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص» [1]

. و حفلت هذه الكلمات بآيات الثناء على كتاب اللّه العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.

حفظ القرآن:

ندب الإمام أصحابه إلى حفظ القرآن، و ممن حثّه الإمام على ذلك الفرزدق الشاعر المعروف، فقد وفد مع أبيه على الإمام (عليه السلام) فقال الإمام لأبي الفرزدق:

- «من أنت؟».

- غالب بن صعصعة المجاشعي.

- «أنت ذو الإبل الكثيرة؟».

- نعم.

- «ما فعلت إبلك؟».

- أذهبتها النوائب، و ذعذعتها الحقوق.

- ذاك- أي اذهاب الحقوق لها- خير سبيلها».

ثمّ التفت الإمام إلى غالب فقال له:

- «من هذا الفتى الّذي معك؟»- و أشار إلى الفرزدق.

- ابني و هو شاعر.

فأرشده الإمام إلى تعلّم ما هو خير من الشعر قائلا:

«علّمه القرآن فهو خير له من الشّعر».

____________

[1] نهج البلاغة: 214.

19

و استجاب الفرزدق لنصيحة الإمام، فعكف على حفظ القرآن، و قد قيّد نفسه سنة حتى حفظه، و في ذلك يقول:

و ما صبّ رجلي في حديد مجاشع‏ * * * مع القدر إلّا حاجة لي اريدها [1]

لقد كانت الحاجة التي يريدها الفرزدق هي حفظ القرآن الكريم و الوقوف على معانيه.

دعاؤه عند ختم القرآن:

كان الإمام (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء عند ختمه للقرآن الكريم:

«اللّهمّ إنّي أسألك إخبات المخبتين، و إخلاص الموقنين، و مرافقة الأبرار، و استحقاق حقائق الإيمان، و الغنيمة من كلّ برّ، و السّلامة من كلّ إثم، و وجوب رحمتك، و عزائم مغفرتك، و الفوز بالجنّة، و النّجاة من النّار» [2]

.

و أثر عنه دعاء آخر كان يدعو به عند ختمه للقرآن، و هو:

«اللّهمّ اشرح بالقرآن صدري، و استعمل بالقرآن بدني، و نوّر بالقرآن بصري، و أطلق بالقرآن لساني، و أعنّي عليه ما أبقيتني، فإنّه لا حول و لا قوّة إلّا بك» [3]

. القرآن ربيع القلوب:

أدلى الإمام (عليه السلام) في بعض خطبه عمّا في القرآن الكريم من الفوائد التي‏

____________

[1] نور القبس المختصر من المقتبس- المرزباني: 268.

[2] الصحيفة العلوية الثانية: 202.

[3] الصحيفة العلوية الاولى: 287.

20

لا يستغني عنها أحد، و التي منها أنّه ربيع القلوب،

قال (عليه السلام):

«فإنّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فإنّه حبل اللّه المتين، و سببه الأمين، و فيه ربيع القلب، و ينابيع العلم، و ما للقلب جلاء غيره» [1]

. و كثير من أمثال هذه الأحاديث أدلى بها الإمام (عليه السلام) في فضل القرآن الكريم و الاشادة به، و هي تحكي بصورة واضحة عن وعيه الكامل لكتاب اللّه العزيز، و تدبّره التامّ لجميع ما فيه من حقول العلم و المعرفة، و لا شبهة أنّه ليس هناك أحد من الصحابة قد وقف على القرآن الكريم و فهم حقيقته غير الإمام (عليه السلام) الذي هو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه و آله).

____________

[1] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 10: 31.

21

من تفسير الإمام للقرآن الكريم‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

كان من أهمّ ما عنى به الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تفسير القرآن الكريم الذي هو رسالة اللّه تعالى الكبرى لعباده، و منهجه الكامل لما فرض عليهم من أحكام، و ليس هناك أحد غيره أدرى بما في القرآن من ناسخ و منسوخ، و عامّ و خاصّ، و مجمل و مبيّن، و مطلق و مقيّد، فقد علّمه النبي (صلى الله عليه و آله) جميع ذلك، و قد صرح الإمام بذلك بقوله:

«سلوني عن كتاب اللّه، فو اللّه! ما نزلت آية من كتاب اللّه في ليل و نهار و لا مسير، و لا مقام إلّا و قد أقرأنيها رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و علّمني تأويلها ...»

. فانبرى إليه أحد قردة ذلك المجتمع ابن الكوّاء الدنس الخبيث ساخرا فقال له: يا أمير المؤمنين، فما كان ينزل عليه، و أنت غائب عنه؟

فأجابه الإمام:

«كان يحفظ عليّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) ما كان ينزل عليه من القرآن و أنا غائب عنه، حتّى أقدم عليه فيقرأنيه، و يقول: يا عليّ، أنزل اللّه بعدك عليّ كذا و كذا، و تأويله كذا و كذا، فيعلّمني تنزيله و تأويله» [1]

. لقد عهد النبي (صلى الله عليه و آله) إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بتفسير جميع ما نزل عليه من كتاب اللّه العظيم، و بيان محتوياته، و دقائقه و أسراره. و على أي حال، فإنّا نعرض إلى ما اثر عن الإمام (عليه السلام) من تفسير بعض الآيات، و فيما يلي ذلك:

____________

[1] بحار الأنوار 92: 79. الاحتجاج: 139.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

سورة الفاتحة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3 مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) هنا بحوث في المقام، نعرض لها حسب ما اثر فيها عن الإمام (عليه السلام):

البسملة جزء من السورة:

أمّا البسملة فهي جزء من السورة- عند الشيعة-، و قد وردت النصوص عن الإمام (عليه السلام) في جزئيّتها من كلّ سورة.

قال (عليه السلام):

«و البسملة في أوّل كلّ سورة آية منها، و إنّما كان يعرف انقضاء السّورة بنزولها ابتداء للأخرى، و ما أنزل اللّه تعالى كتابا من السّماء إلّا و هي فاتحته ...» [1]

. و أكّد الإمام (عليه السلام) أنّها جزء بالخصوص من سورة الفاتحة،

قال (عليه السلام):

«إنّها- أي البسملة- من الفاتحة، و إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) كان يقرؤها و يعدّها آية منها، و يقول: فاتحة الكتاب هي السّبع المثاني» [2]

.

____________

[1] مواهب الرحمن 1: 20.

[2] مواهب الرحمن 1: 20.

26

بنود البسملة:

أمّا بنود البسملة و فقراتها فهي:

اللَّهِ‏ و هو علم لتلك الذّات المقدّسة التي لا يحيط بمعرفتها و كنهها إلّا هو عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال، و قد عرف علميّته له حتّى في زمان الجاهلية، قال لبيد:

ألا كلّ شي‏ء ما خلا اللّه باطل‏ * * * و كلّ نعيم لا محالة زائل‏

الرَّحْمنِ‏ وصف الخالق العظيم نفسه المقدّسة بالرحمة دون سائر صفاته الكمالية؛ و ذلك للتدليل على شمول رحمته و عمومها للجميع، للمسلم و الكافر على حدّ سواء.

و عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«الرّحمن العاطف على خلقه بالرّزق، لا يقطع عنهم موادّ رزقه و إن انقطعوا عن طاعته» [1]

. الرَّحِيمِ‏ الرحيم من صفات المبدع العظيم، و هي من إفاضته المختصّة بالمؤمنين، قال تعالى: وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [2].

أهمّية السورة:

و هي من أهمّ سور القرآن الكريم، و قد روى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)،

____________

[1] مواهب الرحمن 1: 23.

[2] الأحزاب: 43.

27

عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) في شأنها، قال:

«لقد سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول: قال اللّه عزّ و جلّ: قسمت فاتحة الكتاب بيني و بين عبدي، فنصفها لي و نصفها لعبدي، و لعبدي ما سأل.

إذا قال العبد: (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم)، قال اللّه جلّ جلاله:

بدأ عبدي باسمي، و حقّ عليّ أن اتمّم له اموره، و ابارك له في أحواله.

فإذا قال:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏

، قال اللّه جلّ جلاله: حمدني عبدي، و علم أنّ النّعم الّتي له من عندي، و أنّ البلايا الّتي دفعت عنه بتطوّلي، اشهدكم أنّي اضيف له إلى نعم الدّنيا نعم الآخرة، و أدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدّنيا.

و إذا قال:

الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

، قال اللّه جلّ جلاله: شهد لي عبدي أنّي الرّحمن الرّحيم، اشهدكم لاوفّرنّ من رحمتي حظّه، و لاجزلنّ من عطائي نصيبه.

فإذا قال:

مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏

، قال اللّه تعالى: اشهدكم كما اعترف بأنّي أنا المالك يوم الدّين، لاسهّلنّ يوم الحساب حسابه، و لأتقبّلنّ حسناته، و لأتجاوزنّ عن سيّئاته.

فإذا قال:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ

، قال اللّه عزّ و جلّ: صدق عبدي، إيّاي يعبد، اشهدكم لاثيبنّه على عبادته ثوابا يغبطه كلّ من خالفه في عبادته لي.

فإذا قال:

وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏

، قال اللّه تعالى: بي استعان عبدي و إليّ التجأ، اشهدكم لأعيننّه على أمره، و لأغيثنّه في شدائده، و لآخذنّ بيده يوم نوائبه.

فإذا قال:

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ...

إلى آخر السورة. قال اللّه عزّ و جلّ:

هذا لعبدي، و لعبدي ما سأل، و قد استجبت لعبدي و أعطيته ما أمّل، و آمنته ممّا منه و جل» [1]

.

____________

[1] الميزان 1: 39، نقلا عن المعاني.

28

و هذه السورة من أفضل سور القرآن الكريم فقد جعلت جزءا من الصلاة التي هي من أفضل العبادات في الإسلام، و البحث عنها يقع في جهات و هي:

مكان نزولها:

نزلت هذه السورة المباركة في مكّة المقدّسة، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يدلّ على ذلك أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) كان يصلّي في مكّة و الفاتحة جزء من الصلاة ... الخ.

أسماؤها:

و تسمّى هذه السورة المباركة بعدّة أسماء منها ما يلي:

الفاتحة:

سمّيت هذه السورة بالفاتحة لأصالتها، و تفرّع سائر القرآن منها [1].

السبع المثاني:

من أسماء هذه السورة «السبع المثاني»، سمّيت بذلك إمّا لتكرارها في الصلاة، و إمّا لأنّ المثاني اسم للقرآن الكريم. و فاتحة الكتاب سبع آيات، و هي من أعظم آيات القرآن العظيم قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏ [2].

معنى الحمد:

الحمد: هو الثناء على نعم اللّه تعالى التي لا تحصى،

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسيره للحمد:

«إنّ اللّه عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملا، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها

____________

[1] مواهب الرحمن 1: 47- 48.

[2] الحجر: 87.

29

بالتّفصيل لأنّها أكثر من أن تحصى أو تعرف، فقال لهم: قولوا: الحمد للّه على ما أنعم به علينا» [1]

. رَبِّ الْعالَمِينَ‏ الرّبّ: هو الخالق و المكوّن، و المحيي و المدبّر لجميع الكائنات الحيّة و غيرها بجميع ذاتياتها و شئونها،

و روي عن الإمام (عليه السلام) في تفسيره لربّ العالمين:

«مالك الجماعات من كلّ مخلوق من الجمادات و الحيوانات، و خالقهم، و سائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون و من حيث لا يعلمون، يقلّب الحيوانات بقدرته، و يغذوها من رزقه، و يحوطها بكنفه، و يدير كلّا منها بمصلحته، و يمسك الجمادات بقدرته، و يمسك المتّصل منها أن يتهافت، و يمسك المتهافت أن يتلاصق، و يمسك السّماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، و الأرض أن تنخسف إلّا بأمره ...» [2]

. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ تقدّم تفسيرهما في البحث السابق، فلا حاجة لإعادة الكلام فيه.

مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏ أي مالك يوم الآخرة، التي هي أعظم و أشدّ هولا من امور الدنيا، و لم يؤثر عن إمام المتّقين تفسير له.

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ المراد: إنّا نعبد اللّه تعالى و لا نعبد غيره، و نستعين به و لا نستعين بسواه، و دلّ الضمير المنفصل على الاختصاص، كما نصّ على ذلك علماء النحو.

____________

[1] الميزان 1: 24، نقلا عن العيون.

[2] مواهب الرحمن 1: 49.

30

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ‏

روي عن الإمام (عليه السلام) أنّه فسّر هذه الآية بقوله:

«أدم لنا توفيقك الّذي به أطعناك في ما مضى من أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا» [1]

. و روي عن الإمام (عليه السلام) أنّ المراد هو كتاب اللّه تعالى.

و قيل: إنّ المراد به هو الإسلام [2].

صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ‏

روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه فسّر الآية بقوله:

«اهدنا صراط الّذين أنعمت عليهم بالتّوفيق لدينك و طاعتك، لا بالمال و الصّحّة، فإنّهم قد يكونون كفّارا أو فسّاقا».

قال:

«و هم الّذين قال اللّه فيهم:

وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً

[3]» [4]

.

____________

[1] مواهب الرحمن 1: 50.

[2] مجمع البيان 1: 28، و قيل: إنّ الصراط المستقيم: هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما عن تفسير العيّاشي.

[3] النساء: 69.

[4] الميزان 1: 39.

31

و روي أنّ المراد بالمغضوب عليهم هم اليهود أعداء اللّه و أعداء رسوله، و المراد بالضالّين هم النصارى الذين ضلّوا عن الحقّ و اتّبعوا أهواءهم [1].

و بهذا ينتهي تفسير سورة الفاتحة التي هي من أهم سور القرآن الكريم، فقد جعلت جزءا من الصلاة لا تصح بدونها، و

في الحديث: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»

.

____________

[1] مجمع البيان 1: 30.

32

سورة البقرة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و هي مدنيّة كلّها إلّا آية واحدة و هي:

وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ [1]؛ فإنّها نزلت في حجّة الوداع بمنى.

و عدد آياتها مائتان و ست و ثمانون آية، و هو العدد المروي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و نحن لا نستوعب تفسير جميع سورة البقرة، و إنّما نذكر تفسير خصوص الآيات التي روي تفسيرها عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ [7] خَتَمَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ‏، أي جعل على قلوب الكافرين غطاء فلا ينتفعون بالمعارف الإلهية، و قد ذكر تعالى ذلك بقوله:

... وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ

____________

[1] البقرة: 281.

33

لا يُؤْمِنُوا بِها ... [1].

و كذلك قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ [2].

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تفسير هذه الآية:

«سبق في علمه تعالى أنّهم لا يؤمنون فختم على قلوبهم و سمعهم ليوافق قضاؤه عليهم علمه فيهم، أ لا تسمع قوله تعالى:

وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ‏

[3]» [4]؟

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (29) من نعم اللّه الكبرى على الإنسان أنّه خلق له ما في الأرض من النباتات و الحيوانات لينتفع بها انتفاعا مادّيا، و قد نظر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الجهة المعنوية أي خلق اللّه تعالى ما في الأرض للنظر و الاعتبار.

قال (عليه السلام):

«هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعا لتعتبروا به، و لتتوصّلوا به إلى رضوانه، و تتوقّوا به من عذاب نيرانه، ثمّ استوى إلى السّماء أخذ في خلقها و إتقانها فسوّاهنّ سبع سماوات، و هو بكلّ شي‏ء عليهم، و لعلمه بكلّ شي‏ء علم المصالح فخلق ما في الأرض لمصالحكم يا بني آدم ...» [5]

.

____________

[1] الأنعام: 25.

[2] المطفّفين: 14.

[3] الأنفال: 23.

[4] مواهب الرحمن 1: 85.

[5] المصدر السابق: 147.

34

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ (34) لمّا خلق اللّه تعالى آدم أمر ملائكته بالسجود شكرا للّه تعالى مع قصد التهنئة، فأبى إبليس و استكبر، فقد ردّ على اللّه تعالى أنّ آدم خلق من طين، و إبليس خلق من نار، و الطاقة النارية أفضل من التراب، فقد أخذ بالقياس.

و في الحديث: «أنّ أوّل من قاس إبليس»

.

و قد سأل يهودي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معجزات النبيّ (صلى الله عليه و آله) في قبال معجزات الأنبياء فقال:

هذا آدم أسجد اللّه له ملائكته، فهل فعل بمحمّد شيئا من هذا؟

فقال الإمام (عليه السلام):

«لقد كان ذلك، و لكن أسجد اللّه لآدم ملائكته، فإنّ سجودهم لم يكن سجود طاعة، أي انّهم عبدوا آدم من دون اللّه عزّ و جلّ، و لكن اعترافا لآدم بالفضيلة، و رحمة من اللّه له، و محمّد (صلى الله عليه و آله) اعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ اللّه جلّ و علا صلّى عليه في جبروته و الملائكة بأجمعها و تعبّد المؤمنون بالصّلاة عليه فهذه زيادة له ...» [1].

وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ (45) أمر تعالى بالاستعانة بالصبر و هو الصيام فيما إذا نزلت بالإنسان كارثة أو أهمّه أمر، فإنّه من الوسائل لإفاضة اللّه تعالى بإزالة ما نزل بالإنسان من همّ، و كذلك أمر بالاستعانة بالصلاة فإنّها أيضا من الوسائل التي يستدفع بها البلاء، و كان‏

____________

[1] الميزان 1: 124، نقلا عن الاحتجاج.

35

أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا هاله أمر فزع إلى الصلاة و تلا هذه الآية [1].

و اثر عن الإمام (عليه السلام) أنّه قال:

«إذا نزلت بالرّجل النّازلة الشّديدة فليصم فإنّ اللّه تعالى يقول:

اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ*

يعني الصّيام- بالنسبة للصبر» [2]

. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ (46) نزلت هذه الآية الكريمة في الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و في الصحابي العظيم عمّار بن ياسر الطيّب ابن الطيّب، و في الصحابي الجليل عثمان بن مظعون.

فسّر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله:

«يعني يوقنون أنّهم يبعثون، و يحشرون، و يحاسبون، و يجزون بالثّواب و العقاب، و الظنّ هاهنا اليقين» [3]

. وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏ (48) إن للأنبياء و أوصيائهم و المتّقين منزلة كريمة عند اللّه تعالى، و هو الذي يتولّى جزاءهم على ما عانوه من جهد شاق و عسير في هداية الناس، و أنّه تعالى يرفع شأنهم و يعلي قدرهم في يوم الجزاء الأكبر.

و قد روى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) أنّه قال:

____________

[1] اصول الكافي 3: 480.

[2] من لا يحضره الفقيه 2: 47.

[3] مواهب الرحمن 1: 214. الميزان 1: 153.

36

«من لم يؤمن بحوضي فلا أورده اللّه حوضي، و من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي»

. ثمّ قال (صلى الله عليه و آله):

«إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي، فأمّا المحسنون منهم فما عليهم من سبيل ...» [1]

. وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ (54)

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): في تفسير هذه الآية:

«قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا، فأخذوا السّكاكين فجعل الرّجل يقتل أخاه و أباه و ابنه، و اللّه! لا يبالي من قتل، حتّى قتل منهم سبعون ألفا، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، قد غفر لمن قتل، و تيب على من بقي» [2]

. و في تفسير القمّي: «أنّ موسى لمّا خرج إلى الميقات و رجع إلى قومه و قد عبدوا العجل، قال لهم موسى:

يا قوم، إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى‏ بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ [3].

فقالوا له: كيف نقتل أنفسنا؟

فقال لهم موسى: اغدوا كلّ واحد منكم إلى بيت المقدس و معه سكين‏

____________

[1] أمالي الصدوق: 16.

[2] الدرّ المنثور 1: 69.

[3] البقرة: 54.

37

أو حديدة أو سيف، فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا متلثّمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا.

فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممّن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس، فلمّا صلّى بهم موسى و صعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرئيل فقال:

قل لهم يا موسى: ارفعوا القتل فقد تاب اللّه عليكم، فقتل منهم عشرة آلاف، و أنزل اللّه:

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏» [1].

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعى‏ فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ (114) دلّت الآية على ذمّ من يمنع مساجد اللّه تعالى أن يتعبّد بها، و يذكر فيها اسمه، و المساجد هي الأماكن المعدّة للعبادة و الصلاة.

و قد

روى الشهيد زيد بن علي، عن آبائه، عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«إنّ المساجد جميع الأرض؛ لقول النّبيّ (صلى الله عليه و آله): جعلت لي الأرض مسجدا، و ترابها طهورا» [2]

. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏ (159)

____________

[1] الميزان 1: 19.

[2] مجمع البيان 1: 361.

38

شجبت الآية الذين يكتمون ما أنزل اللّه من هدى و اصلاح إلى الناس من أجل أغراضهم و مطامعهم الخاصّة، و فسّرها الإمام (عليه السلام) بالعلماء اذا فسدوا [1].

وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‏ (163) اللّه واحد لا شريك له في ملكه، و لا شبيه له يعاضده.

و قد اثر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير الواحد ما يلي: سأله أعرابي في حرب الجمل فقال له:

أ تقول: إنّ اللّه واحد؟ ...

فثار عليه الناس، فنهرهم الإمام، و قال لهم:

«دعوه فإنّ الّذي يريده الأعرابي هو الّذي نريده من القوم».

ثمّ وجّه الإمام كلامه صوب الأعرابي قائلا:

«إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام»:

فوجهان لا يجوزان على اللّه عزّ و جلّ، و وجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أ ما ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة، و قول القائل: هو واحد من النّاس، يريد به النّوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه لأنّه تشبيه و جلّ ربّنا عن ذلك و تعالى.

و أمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا. و قول القائل: إنّه عزّ و جلّ أحديّ المعنى، يعنى به أنّه لا ينقسم في‏

____________

[1] الميزان 1: 392.

39

وجود و لا عقل و لا وهم، كذلك ربّنا عزّ و جلّ» [1]

. وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏ (186) دلّت الآية بأوضح بيان و أجمل اسلوب على استجابة اللّه تعالى لدعوة عبده فهو قريب منه.

يقول‏

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لولده الإمام الحسين (عليه السلام):

«... ثمّ جعل- أي اللّه- في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته، و استمطرت شآبيب رحمته، فلا يقنّطنّك إبطاء إجابته، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة. و ربّما أخّرت عنك الإجابة، ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل، و أجزل لعطاء الآمل.

و ربّما سألت الشّي‏ء فلا تؤتاه، و أوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، و ينفى عنك وباله؛ فالمال لا يبقى لك و لا تبقى له ...» [2]

. و جمع كلام الإمام (عليه السلام) فوائد الدعاء، و أنّه ضرورة للمؤمن، كما جمع بعض الأسباب التي تتأخّر فيها إجابة الدعاء.

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ‏

____________

[1] الميزان 1: 408، نقلا عن الخصال للصدوق.

[2] نهج البلاغة 2: 49.

40

الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) حكت الآية تفضيل اللّه تعالى لبعض رسله على بعض، و قد فضّل تعالى نبيّه العظيم محمّدا (صلى الله عليه و آله) على جميع النبيّين، و خصّه بالقرآن الكريم، و قد أيّد تعالى نبيّه الكريم عيسى بن مريم (عليه السلام) بالبيّنات، كإبراء الأكمه و الأبرص و غير ذلك من وسائل الإعجاز و التأييد التي دلّلت على نبوته.

و أفادت الآية وقوع الفتن في الامم السابقة من بعد ما جاءتهم البيّنات، فمنهم من آمن و منهم من كفر، و وقع بينهم القتال الذي أشاع الثكل و الحزن في بيوتهم، و قد استشهد الإمام (عليه السلام) بهذه الآية حينما سأله شخص فقال له:

يا أمير المؤمنين، كبّر القوم و كبّرنا، و هلّل القوم و هلّلنا، و صلّى القوم و صلّينا، فعلى ما نقاتلهم؟

فقال (عليه السلام):

«على هذه الآية- و قرأها- فنحن الّذين آمنّا و هم الّذين كفروا»

. فقال الرجل: كفر القوم و ربّ الكعبة! ثم حمل فقاتل حتى قتل [1].

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

قال (عليه السلام) في تفسير طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ‏:

____________

[1] تفسير العيّاشي 1: 138.

41

«هي الذّهب و الفضّة»

، و المراد: وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ‏ يعني من الحبّ و الثمر، و كلّ شي‏ء عليه زكاة [1].

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (274) نزلت هذه الآية في الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان معه أربعة دراهم فتصدّق بواحد ليلا، و بواحد نهارا، و بواحد سرّا، و بواحد علانيّة، فنزلت هذه الآية:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً ... [2].

____________

[1] الدرّ المنثور 1: 341.

[2] تفسير العيّاشي 1: 151. مجمع البيان 2: 667.

42

سورة آل عمران‏

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) جميع آيات هذه السورة المباركة مدنية، و عددها مائتان و نعرض لبعض الآيات التي اثر تفسيرها عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حليف القرآن و رائد الحكمة و البيان.

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (7) حكت الآية المباركة امورا بالغة الأهمّية و هي:

1- أنّ القرآن الكريم فيه آيات محكمات، و اختلف في معنى المحكمات على وجوه لعلّ من أسدّها أنّ المحكم ما علم المراد منه من غير قرينة تقترن به [1].

____________

[1] مجمع البيان 1: 409.

43

2- أنّ القرآن المجيد فيه آيات متشابهات، و أوجه ما قيل في المتشابهات أنّها ما لا يعلم المراد منها إلّا بقرينة و بيان، و قد ألمح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له عن كلا الأمرين بقوله:

«ما من آية إلّا و لها أربعة معان: ظاهر و باطن، و حدّ و مطّلع، فالظّاهر التّلاوة و هي مدلول اللّفظ و ظاهره، و الباطن الفهم، و الحدّ هو أحكام الحلال و الحرام، و المطّلع هو مراد اللّه من العبد بها» [1].

3- أنّ اللّه تعالى ذمّ الذين يتّبعون المتشابه و يحتجّون به على باطل آرائهم و عقائدهم ابتغاء للفتنة و الفساد، و قد نعى الإمام أمير المؤمنين هؤلاء و ذمّهم بقوله:

«ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام- و هو أحد أئمّة الضلال- الّذي استقضاهم، فيصوّب آراءهم جميعا، و إلههم واحد، و نبيّهم واحد، و كتابهم واحد! أ فأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟

أم نهاهم عنه فعصوه؟

أم أنزل اللّه سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟

أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا، و عليه أن يرضى؟

أم أنزل اللّه دينا تامّا فقصّر الرّسول (صلى الله عليه و آله) عن تبليغه و أدائه؟ و اللّه سبحانه يقول:

ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ

[2]؟ و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا، و أنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه:

وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً

____________

[1] تفسير الصافي 1: 296.

[2] الأنعام: 38.

44

كَثِيراً

[1]، و إنّ القرآن ظاهره أنيق، و باطنه عميق، لا تفنى عجائبه، و لا تنقضي غرائبه، و لا تكشف الظّلمات إلّا به ...» [2]

. 4- أنّ القرآن الكريم لا يعلم تأويله و الوقوف على حقائقه و أسراره إلّا اللّه تعالى منزل الكتاب هدى و رحمة، و الرّاسخون في العلم، و هم المتقنون له، الواقفون على دقائقه، و هم أهل بيت الرّحمة و معدن الحكمة، و أوصياء الرسول (صلى الله عليه و آله) و خلفاؤه على امّته.

و في حديث للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع معاوية عرض فيه لذلك قال:

«يا معاوية، إنّ القرآن حقّ و نور و هدى و رحمة و شفاء للمؤمنين، و الّذين لا يؤمنون في آذانهم وقر، و هو عليهم عمى.

يا معاوية، إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يدع صنفا من أصناف الضّلالة و الدّعاة إلى النّار إلّا و قد ردّ عليهم و احتجّ عليهم في القرآن، و نهى عن اتّباعهم، و أنزل فيهم قرآنا ناطقا، علمه من علمه، و جهله من جهله، و إنّي سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول: ليس من القرآن آية إلّا و لها ظهر و بطن، و لا من حرف إلّا و له تأويل،

وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏

، الرّاسخون نحن، و أمر اللّه الامّة أن يقولوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا، و ما يذّكّر إلّا اولوا الألباب، و أن يسلّموا إلينا، و قد قال اللّه:

... وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ...

[3]

هم الّذين يسألون عنه و يطلبونه» [4]

.

____________

[1] النساء: 82.

[2] نهج البلاغة: 61. الميزان 3: 82.

[3] النساء: 83.

[4] مواهب الرحمن 5: 56.

45

هذه بعض محتويات الآية على ضوء ما ورد تفسيرها عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (19) حكت هذه الآية المباركة أنّ الدين عند اللّه تعالى هو الإسلام منقذ البشرية من الضلال، و الهادي إلى طريق الحقّ.

و قد

تحدّث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الإسلام بقوله:

«لأنسبنّ الإسلام [1] نسبة لم ينسبها أحد قبلي، و لا ينسبها أحد بعدي، الإسلام هو التّسليم، و التّسليم هو التّصديق، و التّصديق هو اليقين، و اليقين هو الأداء، و الأداء هو العمل. إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه و لم يأخذه عن رأيه.

أيّها النّاس، دينكم، دينكم، تمسّكوا به، لا يزلكم أحد عنه لأنّ السّيّئة فيه خير من الحسنة في غيره، و إنّ السّيّئة فيه تغفر، و الحسنة في غيره لا تقبل» [2]

. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (27) أفادت الآية الكريمة عظيم قدرة الخالق العظيم، فمن قدرته الهائلة ولوج اللّيل في النّهار، و ولوج النّهار في اللّيل، و ذلك بإدخال أحدهما في الآخر،

____________

[1] أي: لاعرّفنه.

[2] تفسير القمّي 1: 100.

46

و من قدرته إخراج الحيّ من الميّت كإخراج المؤمن من نطفة الكافر، و كإخراج الميت- و هو الكافر- من الحيّ و هو المؤمن، و من عظيم قدرته تعالى أنّه يرزق من يشاء بغير حساب.

و تحدث الإمام (عليه السلام) بحديث رائع عن الرزق قال:

«الرّزق رزقان: رزق تطلبه و رزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك. فلا تحمل همّ يومك! كفاك كلّ يوم ما فيه؛ فإن تكن السّنة من عمرك فإنّ اللّه تعالى سيؤتيك في كلّ غد جديد ما قسم لك؛ و إن لم تكن السّنة من عمرك فما تصنع بالهمّ فيما ليس لك؛ و لن يسبقك إلى رزقك طالب، و لن يغلبك عليه غالب، و لن يبطئ عنك ما قد قدّر لك ...» [1]

. لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) نهت الآية الكريمة المسلمين عن اتّخاذ الكافرين أولياء لهم، و عقد صداقة و مودّة معهم، و ذلك لتباين الاتّجاهين فاتّجاه المؤمن الإيمان باللّه تعالى، و اتّجاه الكافر الكفر باللّه، فكيف يلتقيان؟ و اجازت الآية اتّصال المؤمن بالكافر للتقية و هو خوف المؤمن على نفسه و ماله و عرضه منه، فإنّه يسمح له بالاتّصال به.

و قد أعرب الإمام (عليه السلام) في بعض أحاديثه عن جواز التقية و مشروعيتها مع الخوف،

قال (عليه السلام):

«و أمرك- أي اللّه- أن تستعمل التّقيّة في دينك، فإنّ اللّه تعالى يقول: و إيّاك ثمّ‏

____________

[1] نهج البلاغة 2: 236.

47

إيّاك أن تتعرّض للهلاك و أن تترك التّقيّة الّتي أمرتك بها فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرّض لزوال نعمتك و نعمهم، مذلّهم في أيدي أعداء دين اللّه، و قد أمرك اللّه تعالى بإعزازهم» [1]

. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (61) نزلت الآية الكريمة حينما جاء و فد النصارى بزعامة رؤسائهم الروحانيّين النبيّ (صلى الله عليه و آله) فطلبوا منه المباهلة إلى اللّه تعالى أن يلعن الكاذب منهما، فاستجاب النبيّ (صلى الله عليه و آله) و أخرج للمباهلة بضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و الحسن و الحسين (عليهما السلام) سبطيه و سيّدي شباب أهل الجنة، و الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) باب مدينة علمه و نفسه- بمقتضى الآية-، فقد دلّت بوضوح على أنّ الإمام هو نفس رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و قد ذكرنا في البحوث السابقة تفصيل هذه الحادثة و ما تحمل من تكريم و تعظيم لأهل البيت (عليهم السلام).

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ (68)

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير هذه الآية:

«إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به».

ثمّ تلا:

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا

.

____________

[1] تفسير الصافي 1: 302.

48

ثمّ قال:

«إنّ وليّ محمّد من أطاع اللّه و إن بعدت لحمته، و إنّ عدوّ محمّد من عصى اللّه و إن قربت لحمته» [1]

. وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (81)

قال الإمام (عليه السلام) في تفسير هذه الآية:

«لم يبعث اللّه نبيّا- آدم فمن بعده- إلّا أخذ عليه العهد في محمّد (صلى الله عليه و آله) لئن بعث و هو حيّ ليؤمننّ به و لينصرنّه و يأمره فيأخذ العهد على قومه»

، ثم تلا الآية.

و روي عن الإمام (عليه السلام) أنّه قال في تفسير هذه الآية:

«إنّ اللّه أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّنا أن يخبروا اممهم بمبعثه و نعته، و يبشّروهم به و يأمروهم بتصديقه» [2]

. و هذا التفسير قريب من التفسير الأوّل.

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ (96) سأل رجل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الآية قائلا: أ هو أوّل بيت؟

____________

[1] مجمع البيان 2: 770.

[2] المصدر المتقدّم: 785- 786.

49

قال (عليه السلام):

«لا، قد كان قبله بيوت، و لكنّه أوّل بيت وضع للنّاس مباركا فيه الهدى و الرّحمة و البركة، و أوّل من بناه إبراهيم، ثمّ بناه قوم من العرب من جرهم [1]، ثمّ هدم فبنته العمالقة، ثمّ هدم فبنته قريش» [2]

. و روي عن الإمام أنّه قال:

«كانت البيوت قبله، و لكنّه كان أوّل بيت وضع لعبادة اللّه» [3]

. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏ (102)

سأل عبد الخير الإمام (عليه السلام) عن تفسير هذه الآية، فقال:

«و اللّه! ما عمل بها غير بيت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، نحن ذكرناه- أي اللّه تعالى- فلا ننساه، و نحن شكرناه فلن نكفر به، و نحن أطعناه فلم نعصه ...»

. و لمّا نزلت هذه الآية قالت الصحابة: لا نطيق ذلك فأنزل اللّه تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ [4]. [5]

وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (123)

____________

[1] جرهم: هي من اليمن نزلوا مكّة.

[2] مناقب ابن شهرآشوب 2: 53. تاريخ ابن كثير 2: 243.

[3] الدرّ المنثور 2: 52.

[4] التغابن: 16.

[5] تفسير البرهان 1: 304.

50

بيّن اللّه تعالى في هذه الآية ما أمد به المسلمين من النصر العظيم في واقعة بدر، التي انهزم فيها المشركون من قريش و كتب اللّه النصر الحاسم للرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله)، و كان النصر على يد بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد كان نصف القتلى من مشركي قريش بساعده و سيفه ذي الفقار، و تعتبر واقعة بدر أعظم نصر أحرزه المسلمون، فقد أدخل الرعب و الفزع في قلوب المشركين و أذلّهم، و قويت شوكة الإسلام، و قد ذكرنا هذه الواقعة في البحوث السابقة.

وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏ (133) أمرت الآية بالمسارعة إلى المغفرة و الحصول على الجنة التي هي النعيم الدائم، و قد أعدّها اللّه للمتّقين.

قال الإمام (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‏

:

«إنّكم لن تنالوها- أي الجنة- إلّا بالتّقوى» [1]

. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ‏ (149) روي عن الإمام (عليه السلام) أنّ هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن ابيّ، و قد خرج مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) في واقعة احد حينما هزم المسلمون، فراح يقول للمؤمنين: «ارجعوا إلى إخوانكم، و ارجعوا إلى دينكم» [2].

____________

[1] مواهب الرحمن 6: 358.

[2] تفسير القمّي 1: 121.

51

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (200) أمر تعالى بالصبر الذي هو من أهم النزعات النفسية، فعلى المسلم أن يتحلّى بهذه الصفة الكريمة، كما أمر تعالى بالمرابطة و قد فسّرها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمرابطة على الصلاة، أي انتظروها؛ لأن المرابطة في ذلك الوقت لم تكن [1].

و بهذا انتهت بعض الآيات التي اثر تفسيرها عن الإمام في سورة آل عمران.

____________

[1] مجمع البيان 2: 918.

52

سورة النّساء

(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) السورة المباركة مدنيّة كلّها إلّا آيتين منها و هما:

الاولى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها [1].

و الثانية: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ‏ فإنّهما نزلتا في مكّة، و عدد آياتها مائة و ستّ و سبعون آية.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) حثّت الآية الكريمة على تقوى اللّه و طاعته التي هي من أثمن و أعزّ ما يظفر به الإنسان في حياته من المكاسب، كما حثّت الآية على البرّ بالأرحام و الإحسان إليهم، و قد ندب الإمام (عليه السلام) إلى ذلك بقوله:

«صلوا أرحامكم و لو بالتّسليم، يقول اللّه تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ‏

____________

[1] النساء: 58.