موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - ج5

- الشيخ باقر شريف القرشي المزيد...
152 /
3

الجزء الخامس‏

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ‏ النحل: 64 سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا الفتح: 23 وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر: 7 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها الشمس: 9 و 10 إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* الحاقّة: 40

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

1 تأتي السنّة النبوية في الأهميّة بعد القرآن الكريم، فلها دورها المشرق في بناء صرح الإسلام، و إنشاء قواعده، و تأسيس حضارته ... و هي منهج كامل لجميع ما يسعد به الإنسان نفسيا و اجتماعيا، فقد أقامت له قواعد الأخلاق، و اصول الآداب، و ما يتميّز به الإنسان من الصفات الحميدة، و الأوصاف الشريفة، فقد عبّدت له الطريق و أوضحت له القصد، و حرّرته من جميع الخلفيات التي تلقي به في قرار سحيق من مآثم هذه الحياة.

2 و تكفّل القرآن الحكيم بتأسيس القواعد العامّة للتكاليف الشرعية من العبادات و المعاملات، و العقود و الايقاعات من دون أن يعرض إلى كيفيّاتها و كمياتها و أجزائها و شرائطها و موانعها، إلّا انّ السنّة قد تبنّت تفصيل ذلك، و أوضحت جميع ما يرتبط بالتكاليف الشرعية، فكانت بذلك عنصرا مهما في بناء العقيدة الإسلامية، فقد ارتبطت بالقرآن الكريم ارتباط الجزء بالكلّ، و كلاهما يعملان على تطوير حياة الإنسان، و تهذيب سلوكه، و إبعاده عن شرور هذه الحياة.

6

3

و نعني بالسنّة النبوية قول النبيّ (صلى الله عليه و آله) و فعله و تقريره، أمّا قوله: فهو ما يؤثر عنه من الأحكام الشرعية التكليفية و الوضعية، و فنون الآداب و مكارم الأخلاق. و أمّا فعله فهو أن يعمل شيئا، و هو دليل على إباحته بالمعنى الأعم و لو كان غير مشروع لما جاز أن يعمله. و أمّا تقريره فهو أن يرى أحدا من المسلمين يعمل شيئا فأقرّه عليه، و هو دليل على مشروعيته؛ إذ لو كان محرّما لوجب عليه أن ينهاه و يصدّه عنه.

4 و ترى الشيعة أنّ من صميم السنّة النبوية قول أئمّة الهدى (عليهم السلام) و فعلهم و تقريرهم، فإنّها امتداد ذاتي للسنة النبوية، و هذا الرأي وثيق للغاية، فإنّ من يلحظ سيرتهم يجدها تنبض بروح النبيّ (صلى الله عليه و آله) و هديه و سلوكه و اتّجاهاته و التزامه بحرفية الإسلام، فهم أوصياؤه و خلفاؤه و أرصدته التي أقامها لاصلاح امّته، فقد قرنهم بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و جعلهم سفن النجاة و أمن العباد، فحديثهم حديث الرسول (صلى الله عليه و آله)، و فعلهم فعله، و تقريرهم تقريره، و ليس في ذلك خروج عن المناهج العلمية أو انحراف عن الطريق القويم.

5 و لم يكتب للأحاديث النبوية أن تدوّن في عهد الرسول (صلى الله عليه و آله)، و إنّما ظلّت محفوظة في‏

7

قلوب أهل بيته و أصحابه و طبعت في ضمائرهم و دخائل نفوسهم، و بعد انتقال النبيّ (صلى الله عليه و آله) إلى حضيرة القدس، رأى مفكّرو الصحابة ضرورة تدوين الأحاديث النبوية خوفا عليها من التلف و الضياع و الزيادة و النقصان، و عرضوا ذلك على أبي بكر و مستشاره و وزيره عمر بن الخطاب، فلم يستجيبا لهم بحجّة أنّها لو سجّلت في كتاب واحد لا نشغل بها المسلمون عن قراءة كتاب اللّه تعالى!؟ و هو اعتذار مهلهل، و الذي نراه بمزيد من التأمل الذي لا يخضع لهوى و لا لعاطفة أنّ السبب في ذلك هو أنّ كوكبة من الأخبار قد أشادت بفضل أهل البيت، و ألزمت المسلمين بمودّتهم و طاعتهم و ترشيحهم لقيادة الامّة. الأمر الذي يتنافى مع احتلالهم لمركز الخلافة، و إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن قيادة الامّة، و جعلهم بمعزل عن الحياة السياسية العامّة في البلاد.

6 و لو دوّنت الأحاديث النبوية بإشراف الإمام عليّ (عليه السلام) و غيره من كبار الصحابة لما مني الإسلام بكارثة الوضّاعين الذين لا يرجون للّه وقارا، فقد عمدوا إلى افتعال الأحاديث و نسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و آله)، و معظمها قد حملت معول الهدم على الأفكار الإسلامية المشرقة التي تدعو إلى تحرير الإنسان، و سلامته من الانحطاط و التأخر.

و من المؤسف جدا أنّ كثيرا من الأخبار الموضوعة قد دوّنت في الصحاح و السنن من دون دراية المؤلّفين لها بوضعها و افتعالها، و نحن على ثقة أنّهم لو علموا زيفها لما سجّلوها في كتبهم، و تبرّءوا منها.

7 و تشكّلت لجان الوضع بصورة رسمية و مكشوفة في عهد معاوية عميد الاسرة

8

الأموية، الذي لم يأل جهدا في محق الإسلام، و إطفاء نوره و إخفاء معالمه، و ليس في هذا القول تجنّيا عليه أو انقيادا لعاطفة، و إنّما الدراسة الواعية لأحداث التأريخ هي التي تدلّل على ذلك، فقد تفجرت سياسته بكلّ ما خالف كتاب اللّه تعالى و سنّة نبيّه و التي منها إعدامه لأعلام الإسلام أمثال حجر بن عدي و عمرو بن الحمق الخزاعي، و اغتياله لسبط رسول اللّه الإمام الحسن (عليه السلام) و غير ذلك من الأحداث الجسام.

و على أي حال فقد عمد معاوية إلى عصابة من حزبه و عملائه إلى افتعال الحديث و تنسيقه ليعارض به الأحاديث النبوية البالغة حدّ الاعجاز في فصاحتها و بلاغتها، و فعلا فقد وضعت الأحاديث، و هي ذات ألوان متعدّدة بعضها في فضائل الصحابة، و بعضها في ذمّ أهل البيت (عليهم السلام) دعاة العدل الاجتماعي، و بعضها في الحطّ من قيمة الأنبياء (عليهم السلام).

و قد عرض لزيفها الإمام شرف الدين، و العلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية في كتابه «أضواء على السنّة المحمّدية» و كانت بحوثهما عن الأحاديث الموضوعة مشرقة بالروح العلمية النزيهة التي لم تجنح لعاطفة و لا لتقليد.

8 و استخدمت الحكومات القائمة في تلك العصور من الأمويين و العباسيين الأحاديث الموضوعة سلّما لسياساتهم القائمة على الظلم و الجور، و على إرغام الناس على ما يكرهون، فقد تمسّكوا بما وضعه الوضّاعون من إعفاء زعيم الدولة عمّا يقترفه من السيّئات و الآثام، و أنّ اللّه تعالى لا يحاسبه عليها في الدار الآخرة، و أنّه ليس كبقية الناس الذين يحاسبهم اللّه تعالى على ما صدر عنهم من شرّ و إثم في دار الدنيا. و على أي حال فإنّ الأحاديث الموضوعة قد ألقت المسلمين في شرّ عظيم، و صدّت الكثير منهم عن الطريق القويم الذي رسمه الإسلام ليكونوا قادة الامم و الشعوب.

9

9 و استشف الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله) من وراء الغيب ما تقوم به بعض النفوس المريضة و الضمائر الرخيصة من افتعال الحديث و نسبته إليه، فحذّرهم و خوّفهم عقاب اللّه تعالى، قال (صلى الله عليه و آله): «من كذب عليّ متعمّدا [1] فليتبوّأ مقعده من النّار» [2]. و لكنّهم لم يحفلوا بتحذير النبيّ (صلى الله عليه و آله)، و أصرّوا على غيّهم فعمدوا إلى افتعال الأحاديث، و نسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و آله)، و معظمها تتنافى مع روح الإسلام و هديه، و قد انتهكت بموضوعاتهم حرمة الإسلام الذي بني على الصدق و قول الحقّ.

و على أي حال فقد أحصى المحقّق الأميني عدد الوضّاعين (620) [3] وضاعا، فالويل لهم على ما اقترفوه من الإثم‏ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ‏ [4].

10 و نعود للحديث عما اثر عن إمام المتقين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من الأحاديث التي‏

____________

[1] قال المحقق الكبير الشيخ محمود أبو رية (رحمه الله): «و قد عنيت بالبحث عن حقيقة هذا الحديث حتى وصلت بعد طول السعي إلى أنّ كلمة (متعمّدا) لم تأت في روايات كبار الصحابة ...»- أضواء على السنّة المحمّدية: ص 7.

[2] الحديث متواتر صحيح.

[3] الغدير 10: 185- 236.

[4] البقرة: 79.

10

رواها عن أخيه و ابن عمّه سيّد المرسلين النبيّ (صلى الله عليه و آله)، فإنّ معظمها تتعلّق بالآداب و حسن السلوك، و بناء شخصية الإنسان المسلم على اسس رفيعة متوازنة من الكمال و حسن الأخلاق، و ما يتعلّق بروابطه الاجتماعية، من الاهتمام بالصالح العام، و تبنّي قضايا مجتمعه و غير ذلك ممّا يتعلّق بتطوّر الحياة الإسلامية في جميع مناطق العالم الإسلامي. إنّ أحاديث النبيّ (صلى الله عليه و آله) التي يرويها وصيّه و باب مدينة علمه، الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تتميّز بما تحمله من طاقات ندية خلّاقة، تسمو بالمجتمع الإسلامي إلى أرقى مستويات الكمال و التهذيب، و تحقّق له القيادة العامة لشعوب العالم.

11 ألّف المؤرخ الكبير أبو جعفر الطبري كتابا أسماه «تهذيب الآثار و تفصيل الثابت عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) من الأخبار» عرض فيه للأخبار النبوية التي رواها أعلام الصحابة، و هو يقع في عدّة أجزاء، نسب كل جزء منها إلى علم من أعلام الصحابة، سجّل فيه ما رواه عن الرسول (صلى الله عليه و آله) بعنوان مسند الصحابي فلان، و من هذه المسانيد (مسند عليّ) ذكر فيه روايات عن الرسول (صلى الله عليه و آله)، و من مزايا هذا المسند أنّه دون الرواية التي يرويها الإمام (عليه السلام) ثمّ ذكر لها مماثلا من طرق اخرى، ثمّ ما ذكر بعد ذلك ما يعارضها من الروايات، و يختار بعد ذلك ما يذهب إليه، و الكتاب طريف و مفيد للمعنيين بهذه البحوث، و عدد ما جاء في مسنده عن الإمام (عليه السلام) (43) حديثا.

12 و أودّ أن أعرض إلى أنّ ما سجّلته في هذا الكتاب من روايات الإمام (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه و آله)

11

ليست هي جميع رواياته عنه، و إنّما هي جزء بسيط منها، فإنّ الإمام (عليه السلام) من ألصق الناس برسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و هو باب مدينة علمه، و قد وعى بصورة جازمة جميع أحاديثه، و سجّلها في دخائل نفسه، و أشاعها بين الناس، فليس هذا الكتاب إلّا بعض أحاديثه عنه، و المتتبّع يجد أضعافها في مصادر الحديث و السنّة.

و من الخطأ الواضح أن أدّعي الاحاطة التامّة و المستوعبة لجميع أحاديث الإمام (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) فإنّ ذلك أمر بعيد المنال، و أستغفر اللّه تعالى إن صدرت عنّي دعوى ذلك.

إنّه تعالى وليّ التوفيق النّجف الأشرف باقر شريف القرشى 25/ ذي القعدة/ 1419 ه

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

اضواء على السّنّة المحمّديّة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

و ألقى الإمام (عليه السلام) الأضواء بصورة موضوعية و شاملة على رواة الأحاديث النبوية، و عرض بتحليل رائع لدوافع رواياتهم عن النبيّ (صلى الله عليه و آله)، التي هي متباينة كأشدّ ما يكون التباين، فقد عمد بعضهم إلى وضع الأحاديث و افتعالها، و سها آخرون عن نصوص الأحاديث فرووا ما يغايرها، إلى غير ذلك من الدوافع و الأغراض، و من المؤكّد أنّ المسلمين لو علموا أو ميّزوا الأحاديث المفتعلة لتبرّؤا منها، و ما سجّلها الثقات في السنن و الصحاح.

و على أي حال فيعتبر حديث الإمام (عليه السلام) في هذا الموضوع من أروع الدراسات العلمية عن الأحاديث النبوية، و قد

روى ذلك الثقة الزكي سليم بن قيس الهلالي [1]

____________

[1] سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أصحاب الأئمّة: الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي في رجاله، و قد طلبه الحجّاج الطاغية الأثيم ليقتله فهرب منه، و أوى إلى أبان بن أبي عيّاش، فاستقام عنده، و لمّا حضرته الوفاة دفع إليه كتابه الذي سجّل فيه الأحاديث المروعة التي وقعت بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و عانى ويلاتها و كوارثها عترة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله).

و يعتبر كتابه عند النعماني من أكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم، و أنّ جميع ما فيه صحيح قد صدر من المعصوم (عليه السلام) و لا بدّ من تصديقه و قبول رواياته إلّا أنّ الشيخ المفيد (رحمه الله) لم يوثق هذا الكتاب لأنّه قد حصل فيه خلط و تدليس.

و قد أطال السيّد الاستاذ الخوئي (رحمه الله) البحث في تحقيق هذا الكتاب، و مدى صحّة الناقدين له، و قد ناقش جملة من أقوال الناقدين، و أنّها بعيدة عن الصحّة، يراجع في ذلك معجم رجال الحديث 8: 218- 230.

16

قال:

قلت لأمير المؤمنين: إنّي سمعت من سلمان الفارسي و المقداد و أبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن، و أحاديث عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه (صلى الله عليه و آله) أنتم تخالفونهم فيها، و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطل، أ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) متعمّدين، و يفسّرون القرآن بآرائهم؟

لقد طلب سليم من الإمام (عليه السلام) أن يوضّح له الحال في شأن بعض الأخبار، و تفسير بعض آيات الذكر الحكيم التي ينقلها حماة الإسلام أمثال سلمان الفارسي و أبي ذرّ و المقداد، و الإمام يقرّها، و هناك طائفة من الأخبار و تفسير بعض الآيات، و الإمام ينكرها، فما هو الصحيح منهما؟

فأجابه الإمام بهذا الجواب الرائع قائلا:

«قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي النّاس حقّا و باطلا، و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) على عهده حتّى قام خطيبا، فقال:

أيّها النّاس، قد كثرت عليّ الكذّابة فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار.

ثمّ كذب عليه من بعده. و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الايمان، متصنّع بالإسلام [1]، لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) متعمّدا، فلو علم النّاس أنّه منافق كذّاب، لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب‏

____________

[1] متصنع بالإسلام: أي مدلس به.

17

رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و رآه و سمع منه ... و أخذوا- أي الناس- عنه، و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره، و وصفهم بما وصفهم فقال عزّ و جلّ:

وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ‏

[1]، ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة و الدّعاة إلى النّار بالزّور و الكذب و البهتان، فولّوهم الأعمال، و حملوهم على رقاب النّاس، و أكلوا بهم الدّنيا، و إنّما النّاس مع الملوك و الدّنيا إلّا من عصم اللّه ...»

. و حكى هذا المقطع من حديث الإمام عليّ (عليه السلام) امورا بالغة الأهمّية و هي:

أولا: أنّ ما بأيدي الناس من الأحاديث التي يروونها عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) متباينة لا يعرفون واقعها، فبعضها صدق، و بعضها كذب، و هي بين عامّ و خاصّ، و محكم و متشابه، و ناسخ و منسوخ، و قد جهلوا ذلك، و لم يميّزوا بعضها عن بعض.

ثانيا: أنّ الكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) لم يحدث بعد وفاته، و إنّما كان في حياته، ممّا دعا النبيّ (صلى الله عليه و آله) أن يحذّر الكاذبين، و شدّد عليهم النكير، و بشّرهم بنار جهنّم.

ثالثا: ذكر أنّ نقلة الحديث أربعة أشخاص، و ذكر القسم الأوّل و هم المنافقون الذين يظهرون الإسلام بألسنتهم و قلوبهم مطوية على الكفر و الإلحاد، و هؤلاء لا يتحرّجون من الكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و افتعال الأحاديث الباطلة و نسبتها له، و لو علم الناس بافتعال أحاديثهم لما أخذوا بها و اجتنبوها، لقد اغترّ الناس بهم لأنّهم رأوا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و صحبوه و سمعوا منه، و ظنّ الناس بهم خيرا، و لم يعرفوا واقعهم أنّهم على ضلال ... و هؤلاء المنافقون أمثال سمرة بن جندب و عمرو بن العاص‏

____________

[1] المنافقون: 4.

18

و مروان بن الحكم و أشباههم من المنافقين.

رابعا: أنّ المنافقين من الرواة قد تقرّبوا إلى السلطة الأموية الظالمة، و أخذوا ينشرون بين الناس الأحاديث المنكرة تقرّبا للأمويين، فمنحتهم السلطة الوظائف المهمّة في الدولة، و حملوهم على رقاب الناس ... و هؤلاء الصنف الأوّل من الرواة.

ثمّ يأخذ الإمام (عليه السلام) في بيان بقية أصناف الرواة قائلا:

«و رجل سمع من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) شيئا لم يحمله على وجهه و وهم فيه، و لم يتعمّد كذبا، فهو في يده يقول به، و يعمل به، و يرويه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه ...».

و هذا الصنف الثاني من الرواة الذين سمعوا من رسول اللّه حديثه إلّا أنّهم على غفلة و وهم، فإنّهم لم يحملوا الحديث على وجهه و ظاهره و أخذوا بالوهم منه، و هؤلاء لم يتعمّدوا الكذب و لا افتعال الحديث فحديثهم مرفوض لأنّهم لم يأخذوا بظاهره و تأوّلوه، ثمّ يأخذ الإمام في بيان الصنف الثالث من رواة الحديث قائلا:

«و رجل ثالث سمع من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) شيئا أمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شي‏ء ثمّ أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ النّاسخ، و لو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه ...».

الصنف الثالث من الرواة أنّهم سمعوا حديثا من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) قد أمر به ثمّ نهى عنه، فحفظوا ما أمر به و أشاعوه بين الناس، و لم يحفظوا ناسخه، و هم كانوا على حسن نيّة لم يتعمّدوا الكذب و افتعال الحديث إلّا أنّهم غافلون، و هؤلاء ينبغي التوقّف في حديثهم و عدم الأخذ به.

و يستمر الإمام (عليه السلام) في بيان الصنف الرابع من رواة الحديث قائلا:

19

«و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، لم ينسه- أي الحديث- بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه، و لم ينقص منه، و علم النّاسخ من المنسوخ، فعمل بالنّاسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النّبيّ (صلى الله عليه و آله) مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاصّ و عامّ، و محكم و متشابه، قد يكون من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) الكلام له وجهان كلام عامّ، و كلام خاصّ مثل القرآن، و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [1] فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله».

الصنف الرابع من الرواة و هم المتحرّجون في دينهم الذين يخافون اللّه و لا يكذبون، و هم الذين يحفظون الحديث على وجهه، و يشيعونه بين الناس، قد عرفوا الناسخ من المنسوخ، و الخاصّ من العامّ، و المحكم من المتشابه، و هؤلاء حديثهم من أرقى أصناف الحديث، و من أكثره صدقا، و يجب الأخذ به.

و يستمر الإمام (عليه السلام) في حديثه قائلا:

«و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) كان يسأله عن الشّي‏ء فيفهم، و كان منهم من يسأله، و لا يستفهمه، حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجي‏ء الأعرابيّ، و الطّاري [2] فيسأل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) حتّى يسمعوا ...».

تحدّث الإمام (عليه السلام) في هذه الكلمات عن أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و أنّهم ليسوا على مستوى واحد من الإدراك و الفهم، فبعضهم يسأل عن الشي‏ء فيجيبه‏

____________

[1] الحشر: 7.

[2] الطّاري: الغريب.

20

الرسول (صلى الله عليه و آله) فيفهم الجواب، و البعض الآخر يسأل و لا يعرف الجواب، و أنّهم كانوا بشوق لمجي‏ء أعرابي أو غريب ليسألا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فيجيبهما، فيقفوا على ما دار بينهما و يفهموا ما أراد الرسول (صلى الله عليه و آله). و يستمر الإمام في حديثه فيعرب عن سموّ منزلته و عظيم مكانته عند الرسول (صلى الله عليه و آله) قائلا:

«و قد كنت أدخل على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) كلّ يوم دخلة و كلّ ليلة دخلة فيخلّيني فيها أدور معه حيث دار، و قد علم أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من النّاس غيري، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) أكثر ذلك.

و كنت إذا دخلت عليه بعض منازله، أخلاني، و أقام عنّي نساءه فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عنّي فاطمة، و لا أحد من بنيّ.

و كنت إذا سألته أجابني و إذا سكتّ عنه، و فنيت مسائلي ابتدأني.

فما نزلت على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) آية من القرآن إلّا أقرأنيها و أملاها عليّ فاكتتبتها بخطّي، و علّمني تأويلها و تفسيرها، و ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و خاصّها و عامّها، و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها فما نسيت آية من كتاب اللّه، و لا علما أملاه عليّ و كتبته منذ دعا اللّه لي بما دعا.

و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام، و لا أمر و لا نهي كان أو يكون، و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية، إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس حرفا واحدا.

21

ثمّ وضع يده على صدري و دعا اللّه أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا فقلت: يا نبيّ اللّه، بأبي أنت و أمّي منذ دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا، و لم يفتني شي‏ء لم أكتبه أ فتتخوّف عليّ النّسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوّف عليك النّسيان و الجهل» [1].

و أعرب الإمام (عليه السلام) بهذه الكلمات عن شدّة اتّصاله بالنبيّ (صلى الله عليه و آله)، و أنّه من ألصق الناس به و أقربهم إليه، و أنّ الرسول (صلى الله عليه و آله) أفاض عليه علومه و معارفه، و أنّه قد دعا له بأن لا ينسى ما علّمه، و قد استجاب اللّه دعاءه فكان الإمام (عليه السلام) لا ينسى أي شي‏ء عهد به النبيّ (صلى الله عليه و آله) إليه.

صحة هذا الحديث:

و نال هذا الحديث الدرجة القطعية من الصحّة، فقد عرضه بنصّه أبان على الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) بعد موت أبيه الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)، فاغرورقت عينا الإمام، و قال:

«صدق سليم ما قد أتى- يعني سليم- أبي بعد قتل جدّي الحسين (عليه السلام) و أنا قاعد عنده فحدّثه بهذا الحديث بعينه، فقال له أبي: صدقت، قد حدّثني أبي و عمّي الحسن (عليهما السلام) بهذا الحديث عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) و عليهم، فقالا له: صدقت قد حدّثك بذلك و نحن شهود» [2].

و بهذا ينتهي بنا المطاف عن الأضواء التي ألقاها الإمام (عليه السلام) على الأحاديث النبوية، فقد عرض لها بصورة موضوعية و شاملة.

____________

[1] اصول الكافي 1: 62- 64.

روي قريب من صدر الحديث في الامتاع و المؤانسة 3: 197.

[2] رجال الكشيّ 105.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

مسند الإمام‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

أمّا مسند الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فله أهمّيته البالغة في الأوساط الإسلاميّة و غيرها لأنّه يكشف عن مدى الصلة الفكرية و الروحية بين الإمام (عليه السلام) و بين الرسول (صلى الله عليه و آله)، كما يكشف عن التراث الضخم للرسول (صلى الله عليه و آله) الذي نقله الإمام (عليه السلام) الشامل لجميع جوانب الحياة ... و نحن ننقل نصوص رواياته عنه من دون أن نعرض لسندها، فإنّ البحث عن ذلك يستدعي جهدا شاقّا، و وقتا متّسعا، و لا يتهيّأ لي ذلك.

و فيما يلي كوكبة من تلك الأخبار:

1 إصابة السّنّة

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«لا قول إلّا بعمل، و لا عمل إلّا بنيّة، و لا قول و عمل و نيّة إلّا بإصابة السّنّة» [1]

. إنّ القول إذا لم يكن مشفوعا بالعمل فلا أثر له، كما أنّ العمل إذا لم يصدر عن نيّة فلا أثر له، و القول و العمل و النيّة مشروطة بإصابتها للسنّة، فإذا لم تصادفها فلا يترتّب عليه أي أثر وضعي.

____________

[1] بحار الأنوار 2: 261.

26

2 العمل بالسّنّة

قال (عليه السلام): سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول:

«عليكم بسنّة، فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة» [1]

. أنّ العمل بالسنّة و الجري عليها أكثر عائدة على الإنسان من العمل في البدعة التي تجرّ إلى النار.

3 العلم‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«العلم خزائن و مفتاحها السّؤال، فاسألوا يرحمكم اللّه؛ فإنّه يؤجر فيه أربعة: السّائل، و المعلّم، و المستمع، و المجيب [2] لهم» [3]

. تبنّى الإسلام بصورة إيجابية و شاملة قضايا العلم، فقد حثّ الرسول (صلى الله عليه و آله) على إشاعته بين الناس؛ لأنّه من العناصر الأساسية في نهضة الامّة و تطوّرها، و لا يمكن بأي حال أن تنال مركزا كريما تحت الشمس و هي قابعة في الجهل، و قد حثّ الرسول (صلى الله عليه و آله) في هذا الحديث على السؤال من العالم، و وعده بالأجر الجزيل كما وعد بذلك العالم و المستمع و المجيب أو المحبّ.

____________

[1] بحار الأنوار 2: 261.

[2] في رواية: «و المحبّ».

[3] حلية الأولياء 3: 193.

27

4 تعلّم و تعليم القرآن‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«خياركم من تعلّم القرآن و علّمه» [1]

. إنّ تعلّم القرآن و تعليمه للغير من أفضل الأعمال، و أقربها إلى اللّه تعالى.

5 طلب العلم‏

قال (عليه السلام): سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول:

«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم؛ فاطلبوا العلم من مظانّه، و اقتبسوه من أهله؛ فإنّ تعليمه للّه حسنة، و طلبه عبادة، و المذاكرة به تسبيح، و العمل به جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و بذله لأهله قربة إلى اللّه تعالى؛ لأنّه معالم الحلال و الحرام، و منار سبل الجنّة، و المؤنس في الوحشة، و الصّاحب في الغربة و الوحدة، و المحدّث في الخلوة، و الدّليل على السّرّاء و الضّرّاء، و السّلاح على الأعداء، و الزّين عند الأخلّاء.

يرفع اللّه به أقواما فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، و يهتدى بفعالهم، و ينتهى إلى رأيهم، و ترغب الملائكة في خلّتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و في صلاتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كلّ رطب و يابس، حتّى حيتان البحر و هوامه، و سباع البرّ و أنعامه.

____________

[1] سنن الترمذي 4: 53.

28

إنّ العلم حياة القلوب من الجهل، و ضياء الأبصار من الظّلمة، و قوّة الأبدان من الضّعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، و مجالس الأبرار، و الدّرجات العلى في الدّنيا و الآخرة.

الذّكر فيه يعدل بالصّيام، و مدارسته بالقيام، به يطاع الرّبّ و يعبد، و به توصل الأرحام، و به يعرف الحلال و الحرام.

العلم إمام العمل، و العمل تابعه، يلهمه السّعداء، و يحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه اللّه منه حظّه» [1]

. و حفل هذا الحديث الشريف بالدعوة الملحّة لطلب العلم الذي هو من العناصر الأساسية في بناء المجتمع الإسلامي؛ فإنّه من المستحيل أن ينهض المسلمون في ظروف الجهل و التأخّر. و في هذا الحديث تمجيد و ثناء و تكريم لطالب العلم حتّى يقبل على الدراسة، و يواصل البحث و الجدّ في طلب العلم.

6 طلب العلم عبادة

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«من خرج يطلب بابا من علم ليردّ به باطلا إلى حقّ، أو ضلالة إلى هدى، كان عمله ذلك كعبادة متعبّد أربعين عاما» [2]

. إنّ من طلب العلم ليشيع الحقّ و يناهض الباطل فهو من المجاهدين في سبيل اللّه تعالى.

____________

[1] بحار الأنوار 1: 171.

[2] المصدر السابق: 182.

29

7 طلب العلم للّه‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«من طلب العلم للّه لم يصب منه بابا إلّا ازداد في نفسه ذلّا، و في النّاس تواضعا، و للّه خوفا، و في الدّين اجتهادا، و ذلك الّذي ينتفع بالعلم فليتعلّمه.

و من طلب العلم للدّنيا، و المنزلة عند النّاس، و الحظوة عند السّلطان، لم يصب منه بابا إلّا ازداد في نفسه عظمة، و على النّاس استطالة، و باللّه اغترارا، و من الدّين جفاء، فذلك لا ينتفع بالعلم، فليكفّ و ليمسك عن الحجّة على نفسه، و النّدامة و الخزي يوم القيامة» [1]

. عرض هذا الحديث الشريف إلى طلب العلم؛ فإن كان للّه تعالى و لنفع الناس من غير أن يبتغي وسيلة مادية فإنّ اللّه تعالى يرفعه، و إن كان طلبه للدنيا فلا خير فيه و إنّ أتعابه ستذهب أدراج الرياح، أعاذنا اللّه تعالى من ذلك.

8 طلب العلم لمجادلة العلماء

من الوصايا الرفيعة التي أوصى بها النبيّ (صلى الله عليه و آله) الإمام باب مدينة علمه‏

قوله:

«يا عليّ، من تعلّم علما ليماري به السّفهاء، أو يجادل به العلماء،

____________

[1] بحار الأنوار 2: 34.

30

أو ليدعو النّاس إلى نفسه فهو من أهل النّار» [1]

. إنّ طلب العلم ينبغي أن يكون للّه تعالى، و لتهذيب النفس و تنميتها، فإذا كان مشفوعا بأغراض اخرى، و التي منها ما أدلى به النبيّ (صلى الله عليه و آله) في وصيّته للإمام (عليه السلام)، فإنّه بالإضافة إلى حرمانه من الثواب فإنّ مصيره يكون إلى النار.

9 مداد العلماء

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشّهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشّهداء» [2]

. إنّ مداد العلماء يضي‏ء الطريق.

10 منهومان لا يشبعان‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، و طالب علم، فمن اقتصر من الدّنيا على ما احلّ له سلم، و من تناولها من غير حلّها هلك إلّا أن يتوب أو يرجع، و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا، و من أراد به الدّنيا فهو حظّه» [3]

.

____________

[1] من لا يحضره الفقيه: 444.

[2] بحار الأنوار 2: 16.

[3] المصدر السابق: 34.

31

إنّ طالب العلم منهوم لا يشبع، فهو كلّما درس و طالع يبغي المزيد لتنمية فكره، و كذلك صاحب المال منهوم يطلب المزيد من المال.

11 الفقيه‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«نعم الرّجل الفقيه في الدّين إن احتيج إليه نفع، و إن لم يحتج إليه نفع نفسه» [1]

. إنّ الفقهاء مصابيح الإسلام، و هم في جميع أدوارهم مصدر إفاضة و عطاء للمجتمع، كما أنّهم مصدر خير لأنفسهم إن لم يحتج إليهم الناس.

12 العالم المطاع‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«لا خير في العيش إلّا لرجلين: عالم مطاع، و مستمع واع» [2]

. العالم المطاع و المستمع الواعي هما من خيار المجتمع و من سادات الناس، و لا خير في العيش إلّا لهما.

____________

[1] بحار الأنوار 1: 216.

[2] المصدر السابق: 168.

32

13 فضل العقل‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«يا عليّ، إذا تقرّب النّاس إلى خالقهم في أبواب البرّ فتقرّب إلى اللّه بأنواع العقل تسبقهم بالدّرجات و الزّلفى عند النّاس في الدّنيا، و عند اللّه في الآخرة ...» [1]

. إنّ العقل من أفضل مخلوقات اللّه تعالى، و هو حجّته و رسوله الباطني إلى عباده- كما في الحديث- فطاعته هدى، و مخالفته شقاء، و أفضل ما يتقرّب إلى اللّه تعالى بعبادة منشؤها التفكّر و التأمّل.

14 الجهل و العقل‏

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«يا عليّ، لا فقر أشدّ من الجهل، و لا مال أعود من العقل» [2]

. أمّا الجهل فهو أعظم آفة مدمّرة للإنسان، فإنّه يلقيه في شرّ عظيم، و يبعد عنه كلّ خير، و أمّا العقل فهو أساس النجاح في الدنيا و الآخرة.

____________

[1] حلية الأولياء 1: 18.

[2] وسائل الشيعة 6: 162.

33

15 العالم بين الجهّال‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«العالم بين الجهّال كالحيّ بين الأموات، و إنّ طالب العلم ليستغفر له كلّ شي‏ء حتّى حيتان البحر و هوامه، و سباع البرّ و أنعامه، فاطلبوا العلم فإنّه السّبب بينكم و بين اللّه عزّ و جلّ، و إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» [1]

. و نعت هذا الحديث طالب العلم الذي يكون بين الجهال الذين لا يعرفون حقيقته فإنّه في محنة و شقاء، كما حثّ الحديث على طلب العلم، و أنّه فريضة على كلّ مسلم.

16 كتمان العلم‏

قال (عليه السلام): سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول:

«من سئل عن علم فكتمه حيث يجب إظهاره، و تزول عنه التّقيّة جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» [2]

. إنّ العالم يجب عليه أن يشيع العلم و ينشره بين الناس، فاذا كتم علمه في وقت يحتاجه الناس فإنّ اللّه تعالى يحاسبه، و يخزيه.

____________

[1] بحار الأنوار 1: 172.

[2] المصدر السابق 2: 72.

34

17 الفتوى بغير علم‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«من أفتى النّاس بغير علم لعنته ملائكة السّماوات و الأرض» [1]

. إنّ الفتوى بغير علم فيها تحريم للحلال و تحليل للحرام، و قد منع الإسلام كأشدّ ما يكون المنع من ذلك.

18 حقيقة الإيمان‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«لا يؤمن عبد حتّى يؤمن بأربعة:

حتّى يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّي رسول اللّه بعثني بالحقّ.

و حتّى يؤمن بالبعث بعد الموت.

و حتّى يؤمن بالقدر» [2]

. إنّ حقيقة الإيمان و استكماله هو الإيمان باللّه و برسوله، و بالبعث بعد الموت، و الإيمان بالقدر.

____________

[1] المصدر السابق: 116.

[2] بحار الأنوار 5: 87.

35

19 توحيد اللّه‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«التّوحيد ظاهره في باطنه، و باطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى، و باطنه موجود لا يخفى، يطلب بكلّ مكان، و لم يخل عنه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، و غائب غير مفقود» [1]

. أدلى الشيخ المجلسي ببيان هذا الحديث قال: لعلّ المراد به أنّ كلّ ما يتعلّق بالتوحيد من وجود الباري تعالى و صفاته، ظاهره مقرون بباطنه أي كلّ ما كان ظاهرا منه بوجه فهو باطن و مخفيّ بوجه آخر، و كذا العكس.

ثمّ بيّن (صلى الله عليه و آله) ذلك بأنّ ظاهره موصوف بالوجود و سائر الكمالات بما أظهر من الآثار في الممكنات، و لكنّه لا يرى فهو باطن عن الحواس، و باطنه أنّه موجود خاصّ لا كالموجودات و لكنّه لا يخفى من حيث الآثار، ثمّ ذكر وجها آخر لتفسير الحديث [2].

20 كلمة لا إله إلّا اللّه‏

قال الإمام (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«يقول اللّه جلّ جلاله: لا إله إلّا اللّه حصني، فمن دخله أمن عذابي» [3]

.

____________

[1] المصدر السابق 4: 264.

[2] بحار الأنوار 4: 264.

[3] حياة الإمام الرضا (عليه السلام) 2: 289.

36

هذا الحديث الذهبي رواه الإمام الرضا (عليه السلام)، و قد سجّله العلماء بمحابر ذهبية.

و أضاف إليه الإمام قائلا:

«و لكن بشرطها و شروطها، و الّتي منها محبّتنا أهل البيت (عليهم السلام)» [1].

21 نعمة التوحيد

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«ما جزاء من أنعم اللّه عزّ و جلّ عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة» [2]

. إنّ نعمة التوحيد من أفضل نعم اللّه على عباده؛ فإنّها تنقذه من خرافات الجاهلية، و عبادة الأوثان و الأصنام التي تبلغ بالإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار من الجهل و الانحطاط.

22 طاعة اللّه‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«لا طاعة لبشر في معصية اللّه» [3]

. إنّ أي طاعة لمخلوق مهما كان فإنّها مرفوضة لا يجوز عملها إذا كانت فيها معصية للّه تعالى خالق الكون و واهب الحياة.

____________

[2] بحار الأنوار 3: 5.

[3] مسند أحمد بن حنبل 1: 212، رقم الحديث 1098.

37

23 حسن الظنّ باللّه‏

قال (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) قال على منبره:

«و الّذي لا إله إلّا هو، ما اعطي مؤمن قطّ خير الدّنيا و الآخرة إلّا بحسن ظنّه باللّه و رجائه له، و حسن خلقه، و الكفّ عن اغتياب المؤمنين.

و الّذي لا إله إلّا هو لا يعذّب اللّه مؤمنا بعد التّوبة و الاستغفار إلّا بسوء ظنّه باللّه و تقصيره من رجائه له، و سوء خلقه، و اغتياب المؤمنين.

و الّذي لا إله إلّا هو لا يحسن ظنّ عبد مؤمن باللّه إلّا كان اللّه عند ظنّ عبده المؤمن، لأنّ اللّه كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظّنّ ثمّ يخلف ظنّه و رجاءه، فأحسنوا باللّه الظّنّ و ارغبوا إليه» [1]

. إنّ حسن الظنّ باللّه تعالى من صميم الإيمان، فمن لم يحسن الظنّ بخالقه فليس برشيد، و ليس له من الإسلام شي‏ء.

24 التمنّي لرضا اللّه‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«من تمنّى شيئا و هو للّه عزّ و جلّ رضا لم يخرج من الدّنيا حتّى يعطاه» [2]

.

____________

[1] الوسائل 6: 181، نقلا عن الاصول: 344.

[2] الخصال 1: 6.

38

إنّ من يتمنّى ما فيه رضا اللّه و طاعته، فإنّه تعالى بفضله و فيضه يعطيه ذلك.

25 ما يقرّب الإنسان إلى اللّه‏

قال (عليه السلام):

«قال رجل للنّبيّ (صلى الله عليه و آله): علّمني عملا لا يحال بينه و بين الجنّة، قال:

لا تغضب، و لا تسأل النّاس شيئا، و ارض للنّاس ما ترضى لنفسك» [1]

. إنّ من تحلّى بهذه الصفات الكريمة يستوجب رضا اللّه تعالى و الفوز بالفردوس الأعلى.

26 اللّه غفّار

روى الإمام (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال:

«مكتوب حول العرش قبل أن يخلق الدّنيا بأربعة آلاف عام:

وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏

[2]» [3]

. إنّ اللّه تعالى هو صاحب الفيض و العطاء الذي لا حدّ له، قد جعل التوبة سببا لمغفرته و مرضاته.

____________

[1] بحار الأنوار 74: 123.

[2] طه: 82.

[3] كنز العمّال 4: 228.

39

27 الرسول (صلى الله عليه و آله) يعمّم الإمام (عليه السلام)

قال (عليه السلام):

«عمّمني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) بعمامة سدلها خلفي ثمّ قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أمدّني في يوم بدر و حنين بملائكة يعتمّون هذه العمامة ... فقال:

إنّ العمامة حاجزة بين الكفر و الإيمان» [1]

. إنّ العمامة من شعار المؤمنين و الصالحين، و قد قلّدها الرسول (صلى الله عليه و آله) لوصيّه و جعلها و ساما له.

28 زيارة النبيّ (صلى الله عليه و آله) لعليّ (عليه السلام)

قال (عليه السلام):

«زارنا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فبات عندنا و الحسن و الحسين نائمان فاستسقى الحسن، فقام رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إلى قربة لنا فجعل يعصرها في القدح ثمّ يسقيه، فتناول الحسين يشرب فمنعه، و بدأ بالحسن، فقالت فاطمة: يا رسول اللّه، كأنّه- أي الحسن- أحبّهما إليك، فقال: لا، و لكنّه استسقى أوّل مرّة، ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): إنّي و إيّاك و هذين، و هذا الرّاقد يعني عليّا يوم القيامة في مكان واحد» [2]

. إنّ أهل البيت (سلام الله عليهم) يحشرون في الفردوس الأعلى في مكان واحد

____________

[1] سنن أبي داود 1: 23، رقم الحديث 154.

[2] المصدر السابق: 26، رقم الحديث 190.

40

و في منزلة واحدة، و إنّ اللّه تعالى أعدّ لهم المنزلة الكريمة التي لا ينالها أحد من أوليائه المقرّبين.

29 وصية النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام)

قال النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام):

«يا عليّ، اوصيك بوصيّة فاحفظها عنّي، و كان من بنود وصيته:

إنّ اليقين أن لا ترضي أحدا بسخط اللّه، و لا تحمد أحدا على ما آتاك اللّه، و لا تذمّ أحدا على ما لم يؤتك اللّه، فإنّ الرّزق لا يجرّه حرص حريص، و لا يصرفه كراهية كاره، إنّ اللّه بحكمه و فضله جعل الرّوح و الفرج في اليقين و الرّضى، و جعل الهمّ و الحزن في الشّكّ و السّخط.

يا عليّ، لا فقر أشدّ من الجهل، و لا مال أعود من العقل، و لا وحدة أوحش من العجب، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة، و لا عقل كالتّدبير، و لا ورع كالكفّ- يعني عن محارم اللّه، و لا حسب كحسن الخلق، و لا عبادة كالتّفكّر.

يا عليّ، آفة الحديث الكذب، و آفة العلم النّسيان، و آفة العبادة الفترة، و آفة السّماحة المنّ، و آفة الشّجاعة البغي، و آفة الجمال الخيلاء، و آفة الحسب الفخر ...

يا عليّ، إنّك لا تزال بخير ما حفظت وصيّتي، أنت مع الحقّ و الحقّ معك» [1]

.

____________

[1] المحاسن- البرقي: 13.

41

و ألمّ هذا الحديث الشريف بذخائر الأعمال التي تقرّب الإنسان زلفى إلى اللّه، فقد أحاط بجميع مكارم الأخلاق، و محاسن الصفات التي هي من أغلى المبادئ و القيم التي تبنّاها الإسلام.

30 وصية اخرى للنبيّ (صلى الله عليه و آله)

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«اوصيك يا عليّ في نفسك بخصال فاحفظها- اللّهمّ أعنه-:

الاولى: الصّدق فلا يخرج من فيك كذب أبدا.

و الثانية: الورع فلا تجترئ على خيانة أبدا.

و الثالثة: الخوف من اللّه كأنّك تراه.

و الرابعة: البكاء للّه، يبنى لك بكلّ دمعة بيتا في الجنّة.

و الخامسة: بذلك مالك و دمك دون دينك.

السادسة: الأخذ بسنّتي في صلاتي و صومي و صدقتي.

فأمّا الصّيام فثلاثة أيّام في الشّهر، الخميس أوّل الشّهر، و الأربعاء في وسط الشّهر، و الخميس في آخر الشّهر.

و الصّدقة بجهدك، حتّى تقول قد أسرفت، و لم تسرف.

و عليك بصلاة اللّيل، كرّر ذلك أربع مرات، و عليك بصلاة الزّوال، و عليك برفع يديك إلى ربّك و كثرة تقلّبها، و عليك بتلاوة القرآن على كلّ حال، و عليك بالسّواك لكلّ وضوء، و عليك بمحاسن الأخلاق فارتكبها

42

و بمساوئ الأخلاق فاجتنبها، فإن لم تفعل فلا تلومنّ إلّا نفسك» [1]

. إنّ في وصايا النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام) من القيم التي تسمو بالإنسان إلى أرقى مستويات الأدب و الكمال، و تجعله المثل الأعلى لكلّ فضيلة.

31 من وصايا النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام)

قال (عليه السلام):

«لمّا بعثني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إلى اليمن، فقال و هو يوصيني:

يا عليّ، ما حار من استخار، و لا ندم من استشار.

يا عليّ، عليك بالدّلجة [2]؛ فإنّ الأرض تطوى باللّيل ما لا تطوى بالنّهار.

يا عليّ، اغد على اسم اللّه، فإنّ اللّه تعالى بارك لامّتي في بكورها» [3]

. و هذه الوصايا من أغلى النصائح و أثمنها، و هي ممّا تعين الإنسان في السلوك على أكثر الوسائل راحة و سعادة.

32 من وصايا الرسول (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام):

____________

[1] المحاسن: 13- 14. الروضة: 79.

[2] الدلجة: آخر ساعة من الليل.

[3] أمالي الطوسي 1: 135.

43

«يا عليّ، النّوم أربعة: نوم الأنبياء على أقفيتهم، و نوم المؤمنين على أيمانهم، و نوم الكفّار و المنافقين على أيسارهم، و نوم الشّياطين على وجوههم» [1]

. و عالج الإسلام جميع شئون الإنسان و التي منها نومه، فقد دعاه إلى النوم الصحيح و السليم، و هو ما عرض له الحديث الشريف.

33 وصية النبيّ (صلى الله عليه و آله) لخالد

قال الإمام (عليه السلام):

«جاء خالد بن زيد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فقال:

يا رسول اللّه، أوصني، و أقلل لعلّي أحفظ، فقال:

اوصيك بخمس: باليأس عمّا في أيدي النّاس؛ فإنّه الغنى.

و إيّاك و الطّمع؛ فإنّه الفقر الحاضر.

و صلّ صلاة مودّع.

و إيّاك و ما تعتذر منه.

و أحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك» [2]

. و حفلت هذه الوصية الذهبية بما يضمن للإنسان سلامته و راحته الفكرية، و ما ينفعه في آخرته.

____________

[1] بحار الأنوار 74: 55.

[2] وسائل الشيعة 6: 322.

44

34 الدّين قبل الوصيّة

قال (عليه السلام):

«قضى محمّد (صلى الله عليه و آله) إنّ الدّين قبل الوصيّة، و أنتم تقرءون الوصيّة قبل الدّين، و إنّ أعيان بني الامّ يتوارثون دون بني العلّات» [1]

. و حكى هذا الحديث حكمين:

الأول: إنّ الدّين قبل الوصية، فليس للورثة أن يعطوا ما أوصى به الميّت قبل وفاء دينه، بل لا بدّ من وفاء الدين أولا ثمّ العمل بما أوصى به.

الثاني: إنّه إذا توفّي الشخص و عنده إخوة من أبيه و امّه و إخوة من أبيه و هم المعبّر عنهم في الحديث ببني العلّات، فإنّ الذي يرثه هم إخوته من أبيه و أمه دون إخوته من أبيه.

35 ترك الوصية

قال النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام):

«يا عليّ، من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروّته، و لم يملك الشّفاعة» [2]

. حثّ الإسلام و أكّد على ضرورة الوصيّة للإنسان، و أنّه يستحبّ له أن يوصي‏

____________

[1] مسند أحمد بن حنبل 1: 33، رقم الحديث 595.

[2] بحار الأنوار 74: 46.

45

بما له و ما عليه، و من الغريب جدا القول بأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) توفّي و لم يوصي إلى أحد، فإنّ ذلك طعن في شخصيّته المقدّسة.

36 دعاء النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام)

قال (عليه السلام):

«كنت شاكيا فمرّ بي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و أنا أقول: اللّهمّ إن كان أجلي قد حضر فأرحني، و إن كان آجلا فارفعني، و إن كان بلاء فصبّرني.

قال: ما قلت؟ فأعدت عليه، فضربني برجله فقال:

ما قلت؟

قال: فأعدت عليه.

فقال: اللّهمّ عافه، اللّهمّ شافه، فما اشتكيت ذلك الوجع بعد» [1]

. لقد استجاب اللّه دعاء النبيّ (صلى الله عليه و آله) في الإمام، فلم يشتك ألما و لا وجعا.

37 دعاء النبيّ (صلى الله عليه و آله) في سفره‏

- قال (عليه السلام):

«كان النّبيّ (صلى الله عليه و آله) إذا أراد سفرا قال: بك اللّهمّ أصول، و بك أجول، و بك أسير» [2]

.

____________

[1] مسند أحمد بن حنبل 1: 172، رقم الحديث 843.

[2] المصدر السابق: 243، رقم الحديث 1298.

46

- قال الإمام (عليه السلام):

«كان النّبيّ (صلى الله عليه و آله) إذا أراد أن يسير قال: اللّهمّ بك أصول، و بك أحلّ، و بك أسير» [1]

. إنّ الرسول (صلى الله عليه و آله) كان في معظم أوقاته يلهج بذكر اللّه تعالى و يمجّده في مسيره و جلوسه، فهو داعيته في الأرض، و حامل رسالته لعباده.

38 دعاء للنبيّ (صلى الله عليه و آله)

- قال (عليه السلام):

«علّمني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم، سبحان اللّه و تبارك و تعالى اللّه ربّ العرش العظيم، و الحمد للّه ربّ العالمين» [2]

. إنّ في أدعية النبيّ (صلى الله عليه و آله) و أدعية أئمّة الهدى (عليهم السلام) التعظيم الكامل، و الانقطاع إليه، و هي بلسم للقلوب، و غذاء روحي للنفوس.

- قال (عليه السلام):

«قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): أ لا اعلّمك كلمات إذا قلتهنّ غفر لك، على أنّه مغفور لك:

لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم، لا إله إلّا اللّه العليّ العظيم، سبحان اللّه ربّ‏

____________

[1] مسند الإمام عليّ (عليه السلام): 90.

[2] مسند أحمد بن حنبل 1: 152، رقم الحديث 728.

47

السّماوات السّبع، و ربّ العرش العظيم، الحمد للّه ربّ العالمين» [1]

. 39 دعاء النبيّ (صلى الله عليه و آله) في آخر الوتر

قال (عليه السلام):

«إنّ النّبيّ (صلى الله عليه و آله) كان يقول في آخر وتره: اللّهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك منك، لا احصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» [2]

. و حكى هذا الدعاء تضرّع الرسول (صلى الله عليه و آله) إلى اللّه تعالى و خشوعه له و التجائه إليه في جميع شئونه و أحواله.

40 صلاة النبيّ (صلى الله عليه و آله)

حكى الإمام (عليه السلام) صلاة النبيّ قال:

«كان إذا استفتح الصّلاة يكبّر، ثمّ يقول:

وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات و الأرض حنيفا مسلما، و ما أنا من المشركين إنّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له، و بذلك امرت، و أنا من المسلمين- و قال أبو النصر: و أنا

____________

[1] مسند أحمد بن حنبل 1: 146، رقم الحديث 703.

[2] المصدر السابق: 15 رقم الحديث 753.

48

أوّل المسلمين-.

اللّهمّ لا إله إلّا أنت، أنت ربّي و أنا عبدك، ظلمت نفسي، و اعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذّنوب إلّا أنت، و اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلّا أنت، و اصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلّا أنت، تباركت و تعاليت، أستغفرك و أتوب إليك ...

و كان إذا ركع قال:

اللّهمّ لك ركعت، و بك آمنت، و لك أسلمت، خشع لك سمعي و بصري و مخّي و عظامي و عصبي.

و إذا رفع رأسه عن الرّكعة قال:

سمع اللّه لمن حمده، ربّنا و لك الحمد مل‏ء السّماوات و الأرض و ما بينهما، و مل‏ء ما شئت من شي‏ء بعده.

و إذا سجد قال:

اللّهمّ لك سجدت، و بك آمنت، و لك أسلمت، سجد وجهي للّذي خلقه فصوّره فأحسن صوره، فشقّ سمعه و بصره فتبارك اللّه أحسن الخالقين.

و إذا فرغ من الصّلاة و سلّم قال:

اللّهمّ اغفر لي ما قدّمت، و ما أخّرت، و ما أسررت، و ما أعلنت، و ما أسرفت، و ما أنت أعلم به منّي، أنت المقدّم، و أنت المؤخّر، لا إله إلّا أنت» [1]

.

____________

[1] المحلّى 4: 95- 96. صحيح مسلم 1: 215. مسند أبي عوانة 2: 101.

49

و هذه الأذكار و الأدعية ليست واجبة في الصلاة، و إنّما هي مندوبة، و كان الرسول (صلى الله عليه و آله) يصلّي أكمل صلاة.

و قد اقتدى به الأئمّة الطاهرون من ذرّيّته، فكانت صلاتهم كصلاة جدّهم مقرونة بالخشوع للّه و تعظيمه.

41 الصلاة الوسطى‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«الصّلاة الوسطى صلاة العصر» [1]

. إنّ الصلاة الوسطى التي أمر القرآن بالمحافظة عليها، قد اختلف في تحديدها فقيل: هي صلاة الظهر، و عيّنت هذه الرواية أنّها صلاة العصر.

42 تأخير النبيّ (صلى الله عليه و آله) للصلاة الوسطى‏

قال (عليه السلام):

«سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصّلاة الوسطى، ملأ اللّه قبورهم و بيوتهم نارا، و صلّاها بين العشاءين» [2]

. إنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) أخّر صلاة العشاء لضرورة ملحّة، فلم يستطع الصلاة خوفا على نفسه من العدوّ فلمّا أمن منه صلّاها قضاء.

____________

[1] سنن أبي داود 1: 24، رقم الحديث 164.

[2] مسند أبي عوانة 1: 356.

50

43 ذكر النبيّ (صلى الله عليه و آله) في ركوعه‏

قال (عليه السلام):

«كان النّبيّ (صلى الله عليه و آله) إذا ركع قال:

اللّهمّ لك ركعت، و بك آمنت، و لك أسلمت. أنت ربّي، خشع سمعي و بصري و مخّي و عظمي و عصبي، و ما استقلّت به قدمي للّه ربّ العالمين» [1]

. و ليس هذا الذّكر واجبا في الصلاة، و إنّما هو مستحب و ذلك لإظهار العبودية المطلقة للّه ربّ العالمين.

44 من أخلاق الرسول (صلى الله عليه و آله)

قال النبيّ (صلى الله عليه و آله) للإمام (عليه السلام):

«يا عليّ، لو اهدي إليّ كراع لقبلت، و لو دعيت إلى ذراع لأجبت» [2]

. كان النبيّ (صلى الله عليه و آله) آية من آيات اللّه تعالى في سموّ أخلاقه و آدابه، فلم يترفّع على أي أحد، و يجيب من دعاه، و لو على تناول ذراع من لحم شاة، و قد مدحه اللّه تعالى، فقال: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ [3]، و في مدح اللّه تعالى له غنى عن مدح المادحين، و وصف الواصفين.

____________

[1] مسند أحمد بن حنبل 1: 199، رقم الحديث 960.

[2] بحار الأنوار 74: 54.

[3] القلم: 4.

51

45 ترحّم النبيّ (صلى الله عليه و آله) على خلفائه‏

قال الإمام (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«اللّهمّ ارحم خلفائي، قال ذلك ثلاثا.

قيل: يا رسول اللّه، و من خلفاؤك؟

قال: الّذين يتّبعون حديثي و سنّتي، ثمّ يعلّمونها أمّتي» [1]

. إنّ خلفاء الرسول هم الذين يتفقّهون في أحكام الدّين، ثمّ يعلّمونها الناس.

46 حوض النبيّ (صلى الله عليه و آله) و شفاعته‏

قال (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله):

«من لم يؤمن بحوضي فلا أورده اللّه حوضي، و من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي.

ثمّ قال:

إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل» [2]

. و رفع اللّه تعالى مكانة الرسول العظيم محمّد (صلى الله عليه و آله) و ميّزه على بقيّة أنبيائه و مخلوقاته، و منحه الحوض و الشفاعة في يوم القيامة.

____________

[1] بحار الأنوار 2: 144.

[2] أمالي الصدوق: 6.

52

47 تعويذ النبيّ (صلى الله عليه و آله) للمرضى‏

قال (عليه السلام):

«كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إذا عوّذ مريضا قال:

أذهب البأس ربّ النّاس، أشف أنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» [1]

. إنّ جميع أعمال الرسول (صلى الله عليه و آله) مرتبطة باللّه الواحد القهّار، و عيادته للمرضى كانت مقرونة بدعائه للّه تعالى بشفائهم بهذا الذّكر.

48 ضمان دين النبيّ (صلى الله عليه و آله)

قال النبيّ (صلى الله عليه و آله) لأصحابه:

«من يضمن عنّي ديني، و يقضي عداتي، و يكون معي في الجنّة؟»

. فقال له الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا» [2].

و تولّى الإمام (عليه السلام) قضاء حوائج النبيّ (صلى الله عليه و آله) و القيام بخدمته، و قد ضمن له قضاء دينه، و إنجاز عداته من بعده، و قد وفى له بذلك.

لقد كان الإمام عضد النبيّ (صلى الله عليه و آله)، فقد وهب حياته لخدماته و قضاء حوائجه.

____________

[1] مسند أحمد بن حنبل 1: 2، رقم الحديث 565.

[2] مسند الإمام عليّ (عليه السلام): 60.