موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - ج7

- الشيخ باقر شريف القرشي المزيد...
144 /
3

الجزء السابع‏

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ‏ البقرة: 247 وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء: 85 ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ* آل عمران: 44 وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ آل عمران: 179 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا هود: 49

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

أمّا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو رائد النهضة الفكرية و العلمية في دنيا الإسلام، و العقل المفكّر في عالم الإنسانية، الذي استوعب أسرار الكون و دقائق الموجودات بذاتياتها و جنسها و فصلها و غوامض محتوياتها، كما أحاط بما يتحقّق من بعده على مسرح الحياة من أحداث و شئون أسماها العلماء بالملاحم و المغيّبات، و قد استمدّ ذلك كلّه من أخيه و ابن عمّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله)، فقد غذّاه بمواهبه و عبقرياته، و أفاض عليه معارفه و علومه ليكون امتدادا لوجوده و مبلّغا لرسالته، تلك الرسالة العظمى التي غيّرت مجرى التاريخ، و أضاءت سماء الكون بما تحمله من القيم و المبادئ التي لم تعرفها الإنسانية من قبل، فكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي وعاها، و انطبعت في دخائل نفسه فكان هو الأمين عليها، و المبلّغ لها من بعد الرسول (صلى الله عليه و آله).

و يعرض هذا الجزء من الموسوعة إلى فضل العلم و الحثّ على تعلّمه، و إلى بعض العلوم التي فتقها و أسّسها، كما يتعرّض إلى كوكبة من الملاحم و المغيّبات التي أخبر عنها، راجيا من اللّه تعالى أن أكون قد واكبت الحقّ و سايرت بدقّة و أمانة سيرة هذا الإمام الملهم العظيم الذي هو نسخة من التقوى و المواهب لا ثاني لها في تاريخ عظماء الإنسانية سوى الرسول محمّد (صلى الله عليه و آله) ... إنّه تعالى وليّ التوفيق النّجف الأشرف باقر شريف القرشى 15/ صفر/ 1420 ه

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

العلم و التّعليم‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

و من أهمّ البرامج السياسية في حكومة الإمام (عليه السلام) نشر التعليم، و محو الامّية، و إشاعة العلم بين الناس فقد اتّخذ جامع الكوفة مدرسة و معهدا لإلقاء محاضراته العلمية و قيمه الفكرية، و التي كان منها الدعوة إلى اللّه تعالى، و إظهار فلسفة التوحيد و إقامة الإيمان باللّه تعالى على ضوء الأدلّة العلمية الحاسمة التي لا تقبل الجدل و التشكيك، بالاضافة إلى مواعظه العملاقة التي كانت تهزّ أعماق النفوس خوفا و رهبة من اللّه تعالى.

و قد تخرّج من مدرسته جماعة من عظماء الإسلام أمثال الصحابي العظيم عمّار بن ياسر، و حجر بن عدي، و كميل بن زياد، و أبي الأسود الدؤلي، و ميثم التمّار، و غيرهم من الذين أقاموا صروح النهضة العلمية في الإسلام.

و على أي حال فإنّا نعرض- بإيجاز- لبعض ما اثر عن هذا الإمام الملهم العظيم من الكلمات القيّمة في تبجيل العلم، و ذمّ الجهل، و تكريم العلماء، و بعض العلوم التي أقامها، و فيما يلي ذلك:

الإشادة بالعلم:

أمّا العلم فهو من أفضل المحاسن التي يتحلّى بها الإنسان و يسمو إلى أرقى مستويات الكمال، و بالعلم تكون نهضة الامم و بلوغها إلى أهدافها، و مستحيل أن تحتلّ أمّة من الامم مركزا مهمّا تحت الشمس و هي قابعة في أسر الجهل.

و قد أشاد إمام المتّقين كثيرا بالعلم، و لنقرأ بعض أحاديثه:

10

1-

قال (عليه السلام) في حديثه مع تلميذه العالم كميل بن زياد:

يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك و أنت تحرس المال.

و المال تنقصه النّفقة، و العلم يزكو على الإنفاق، و صنيع المال يزول بزواله.

يا كميل بن زياد، معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطّاعة في حياته، و جميل الأحدوثة بعد وفاته.

و العلم حاكم، و المال محكوم عليه.

يا كميل، هلك خزّان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدّهر:

أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة [1]

. حكى هذا الكلام أهمّية العلم، و أنّه أثمن شي‏ء في الحياة، و لا يقاس به المال الذي هو شريان الحياة.

و قد تميّز العلم على المال؛ فإنّ العلم ينمو بإنفاقه على الطلاب و السائلين، و أمّا المال فإنّه يفنى بالإنفاق، كما أنّ العلماء باقون على امتداد التاريخ و أمّا أصحاب الثروات العظيمة فإنّهم يفنون بموتهم و تتلاشى ثرواتهم من بعدهم.

2-

قال (عليه السلام):

«العلم إحدى الحياتين» [2].

ما أروع هذه الكلمة التي أحاطت بقيمة العلم، فهو إحدى الحياتين اللتين يخلد بهما الإنسان.

____________

[1] نهج البلاغة 3: 164.

[2] مستدرك نهج البلاغة: 180.

11

3-

قال (عليه السلام):

«العلم تحفة في المجالس، و صاحب في السّفر، و انس في الغربة ...» [1]

. حقّا إنّ العلم زينة المجالس، فبه تزهو و تسمو و تتميّز عن بقيّة المجالس العارية من العلم، كما أنّه صاحب و صديق مؤنس في السفر و أنس في الغربة.

أهمّية العالم:

و تحدّث الإمام عن أهمّية العالم، و سموّ مكانته الاجتماعية و إنّ موته خسارة على الناس، قال (عليه السلام):

«إذا مات المؤمن العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شي‏ء إلى يوم القيامة» [2].

تكريم العالم:

و حثّ الإمام (عليه السلام) على تكريم العالم و تبجيله و الاعتراف له بالفضل، قال (عليه السلام):

«من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلّم عليه خاصّة، و على القوم عامّة، و لا تجلس قدّامه، و لا تشر بيدك، و لا تغمز بعينك، و لا تقل: قال فلان خلاف قولك، و لا تأخذ بثوبه، و لا تلحّ عليه في السّؤال فإنّما هو بمنزلة النّخلة المرطبة الّتي لا يزال يسقط عليك منها شي‏ء» [3]

. و تحدّث الإمام (عليه السلام) بهذه الكلمات عن حقوق العالم، و لزوم رعايته و احترامه‏

____________

[1] مستدرك نهج البلاغة: 186.

[2] مستدرك نهج البلاغة: 177.

[3] العقد الفريد 2: 224.

12

تكريما لعلمه و إشادة بفضله لأنّه مصدر عطاء و فيض للمجتمع توجيها و سلوكا و آدابا.

أخذ المحاسن من كلّ علم:

قال (عليه السلام):

«العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كلّ شي‏ء أحسنه» [1]

. و هذه الكلمة من روائع الحكم، و من محاسنها فإنّ العلم كنز لا يحصى ما فيه، و على المرء أن يختار أبدع و أروع ما فيه، و قد نظم بعض الشعراء هذه الكلمة الحكمية للإمام (عليه السلام) بقوله:

ما حوى العلم جميعا رجل‏ * * * لا و لو مارسه ألف سنه‏

أنّما العلم بعيد غوره‏ * * * فخذوا من كلّ شي‏ء أحسنه [2]

تشجيعه للحركة العلمية:

كان الإمام (عليه السلام) يدعو المجتمع إلى العلم و يحثّهم عليه، و قد خطب في الكوفة فقال:

«من يشتري علما بدرهم؟»

. فقام الحارث الأعور فاشترى صحفا بدرهم ثمّ جاء بها إلى الإمام (عليه السلام)، فكتب له بها علما كثيرا [3]، و قد دلّت هذه البادرة على مدى تشجيعه للعلم، و حثّه على تدوينه و كتابته.

العمل بالعلم:

و أكّد الإمام على ضرورة العمل بالعلم في كثير من أحاديثه كان منها ما يلي:

____________

[1] معجم الأدباء 1: 73.

[2] التمثيل و المحاضرة- الثعالبي: 165.

[3] تقيد العلم: 90. طبقات ابن سعد 6: 116.

13

1-

قال (عليه السلام):

«العلم مقرون بالعمل: فمن علم عمل؛ و العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه و إلّا ارتحل عنه» [1].

و المراد من قوله (عليه السلام): فإن أجابه و إلّا ارتحل عنه، أي أنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه، و لم يسر على ضوئه فإنّ اللّه تعالى يسلبه عنه.

2-

قال (عليه السلام)

«و إنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الّذي لا يستفيق من جهله؛ بل الحجّة عليه أعظم، و الحسرة له ألزم، و هو عند اللّه ألوم كالسّائر على غير طريق ... و العامل بالعلم كالسّائر على الطّريق الواضح.

فلينظر ناظر: أ سائر هو أم راجع؟!» [2]

. أنّ الذي لا يهتدي بعلمه كالسالك في الطرق الملتوية القاتمة التي تهوي به إلى مستوى سحيق من الانحطاط ما له من قرار.

3-

قال (عليه السلام)

«أوضع العلم ما وقف على اللّسان، و أرفعه ما ظهر في الجوارح و الأركان ...» [3].

4-

قال (عليه السلام)

«ربّ عالم قد قتله جهله، و علمه معه لا ينفعه» [4]

.

____________

[1] تصنيف نهج البلاغة: 2302.

[2] نهج البلاغة: الخطبة 110.

[3] المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 109.

[4] المصدر السابق: 110.

14

و كثير من هذه الكلمات الذهبية أدلى بها أمير البلاغة و البيان و هي تهيب بالعلماء أن يعملوا بما علموا و أن تتوافق أعمالهم مع أقوالهم الداعية إلى الهدى و الصلاح.

أنواع طلاب العلم:

تحدّث الإمام (عليه السلام) عن أصناف طلبة العلوم فقال:

«طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف، ألّا فاعرفوهم بصفاتهم:

صنف منهم يتعلّمون العلم للمراء و الجدل.

و صنف للاستطالة و الحيل.

و صنف للفقه و العمل.

فأمّا صاحب المراء و الجدل فإنّك تراه مماريا للرّجال في أندية المقال، قد تسربل بالتّخشّع، و تخلّى عن الورع، فدقّ اللّه من هذا حيزومه، و قطع منه خيشومه.

و أمّا صاحب الاستطالة و الحيل، فإنّه يستطيل على أشباهه من أشكاله، و يتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، و لدينه حاطم، فأعمى اللّه بصره، و محى من العلماء أثره.

و أمّا صاحب الفقه و العمل، فتراه ذا كآبة و حزن، قام اللّيل في حندسه، و انحنى في برنسه يعمل و يخشى فشدّ اللّه من هذا أركانه، و أعطاه اللّه يوم القيامة أمانه» [1]

.

____________

[1] مستدرك نهج البلاغة: 177.

15

و ألمّ هذا الحديث الشريف بأنواع طلبة العلم و حكى أهدافهم، فبعضهم يطلبه لأغراضه الشخصية من دون أن يبتغي به رضا اللّه تعالى و الدار الآخرة، و هؤلاء هم الأخسرون عملا،

و أكّد الإمام هذا المعنى في حديث آخر له قال:

«لو أنّ حملة العلم حملوه بحقّه لأحبّهم اللّه و أهل طاعته من خلقه، و لكنّهم حملوه لطلب الدّنيا فمقتهم اللّه و هانوا على النّاس» [1].

إنّ من يطلب العلم و يتحمّل الجهد الشاقّ في سبيله إن كان هدفه رضا اللّه و الدار الآخرة فاز في دنياه و آخرته، و إن كان هدفه رغبات الدنيا و التفوّق على غيره فقد خسر خسرانا مبينا.

ذمّ أهل الرأي:

ذمّ الإمام (عليه السلام) أهل الرأي الذين يفتون بآرائهم من دون علم قال (عليه السلام):

«ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم، فيصوّب آراءهم جميعا- و إلههم واحد! و نبيّهم واحد! و كتابهم واحد! أ فأمرهم اللّه- سبحانه- بالاختلاف فأطاعوه! أم نهاهم عنه فعصوه! أم أنزل اللّه سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه! أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا، و عليه أن يرضى؟

أم أنزل اللّه سبحانه دينا تامّا فقصّر الرّسول (صلى الله عليه و سلم) عن‏

____________

[1] بحار الأنوار 2: 37.

16

تبليغه و أدائه، و اللّه سبحانه يقول:

ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ

، و قال: و فيه تبيان لكلّ شي‏ء، و ذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا، و أنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه:

وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً

[1]

. عرض الإمام (عليه السلام) إلى ما يفتي به العاملون بآرائهم و أقيستهم، و أنّها على ضلال يا له من ضلال، فهي متناقضة متباينة ليس فيها بصيص من نور الإسلام و هديه.

بذل العلم:

و حثّ الإمام (عليه السلام) العلماء على بذل العلم و إشاعته بين الناس، فقد جاء في كتابه:

«إنّ اللّه لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال؛ لأنّ العلم كان قبل الجهل» [2].

لقد عنى الإمام بصورة إيجابية بإشاعة العلم و نشره بين الناس، و قد حثّ العلماء و ألزمهم بتعليم المجتمع و تثقيفه و السهر على رفع مستواه الفكري.

حثّه على جودة الخطّ:

حثّ الإمام (عليه السلام) أصحابه و جهاز حكومته على جودة الخطّ، و قال لهم:

«الخطّ الحسن يزيد الخطّ وضوحا» [3]

. و من الجدير بالذكر أنّ المصحف الكريم لم يكن منقّطا، و أوّل من نقّطه‏

____________

[1] المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 19.

[2] اصول الكافي 1: 41.

[3] صبح الأعشى 3: 25.

17

أبو الأسود الدؤلي، و ذلك بتلقين و إرشاد من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) [1].

أنواع العلوم:

كان الإمام (عليه السلام) خزانة من العلوم و المعارف لم يعهد له نظير في عظماء الدنيا و عباقرة العالم، و قد فتق أبوابا من العلوم تربو على ثلاثين علما لم يكن يعرفها العرب و غيرهم من قبل حسبما يقول العقّاد،

و قد أثر عنه القول:

«العلوم أربعة: الفقه للأديان، و الطّبّ للأبدان، و النّحو للّسان، و النّجوم لمعرفة الزّمان» [2]

. و قد أعرب الإمام (عليه السلام) عن أساه و حزنه لأنّه لم يجد من يبثّ إليه علومه حتى تستفيد منها العامّة و تتطوّر بها الحياة،

و قد قال (عليه السلام):

«إنّ هاهنا- و أومأ إلى صدره الشريف- لعلما جمّا، لو أصبت له حملة» [3]

. لقد كان صدره الشريف خزانة لعلم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فهو باب مدينة علمه و وارث علومه و حكمه و آدابه، و على أي حال فإنّا نعرض إلى بعض العلوم التي أثرت عنه و هي:

1- علم النحو

و الشي‏ء المحقّق الذي لا ريب فيه هو أنّ أوّل من وضع علم النحو و أرسى قواعده هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و نعرض إلى بعض البحوث المرتبطة به، و هي:

____________

[1] صبح الأعشى 3: 149. مفتاح السعادة 1: 89، أنّ أوّل من نقّط المصحف الإمام عليّ (عليه السلام).

[2] مفتاح السعادة 1: 303.

[3] المصدر السابق 1: 43.

18

في اللغة:

النحو في اللغة الطريق و الجهة و القصد، و منه انتحاه إذا قصده، سمّي به هذا العلم، و ذلك لينحي سمت كلام العرب في تصرّفه من اعراب و غيره من ليس منهم فيضارعهم في اللحن، و قد عرض أبو الأسود ما أخذه من الإمام في هذا العلم فعرضه عليه فقال له: «ما أحسن هذا النّحو الّذي نحوت»، و لذلك سمّي هذا النحو نحوا [1] في الاصطلاح.

أسباب وضعه:

و ذكر المؤرّخون عدّة أسباب مختلفة لوضع هذا العلم الذي أصبح من أبرز العلوم العربية، و من أكثرها فائدة و هي:

1-

روى الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: جاء أعرابي إلى عليّ (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، كيف تقرأ هذه الحروف: لا يأكله إلّا الخاطون، كلّنا و اللّه يخطو؟ فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال:

«يا أعرابيّ، لا يأكله إلّا الخاطئون»

. قال: صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين ما كان اللّه ليظلم عباده،

ثمّ التفت الإمام إلى أبي الأسود الدؤلي فقال:

«إنّ الأعاجم قد دخلت في الدّين كافّة فضع للنّاس شيئا يستدلّون به على صلاح ألسنتهم»

و رسم له الرفع و النصب و الخفض [2].

2- سمع الإمام أعرابيا يقرأ الآية: أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ‏

____________

[1] تاج العروس 10: 360. النزهة 3: 1. المثل السائر: 7. لسان العرب 15: 310.

[2] الزينة في الكلمات الإسلامية العربية- أبو الحاتم أحمد الرازي: 72. النزهة: 8.

19

قرأ بخفض الرسول، و قال الاعرابي برئت من رسول اللّه، فأنكر عليه الإمام و أرشده إلى الصواب و هو النصب، ثمّ رسم لأبي الأسود صناعة النحو [1].

هذه بعض الأسباب التي حفّزت الإمام إلى وضعه لعلم النحو و تأسيسه له.

القواعد التي وضعها الإمام (عليه السلام):

و ذكر المؤرّخون أنّ الإمام (عليه السلام) دفع إلى أبي الأسود رقعة مكتوبا فيها:

«الكلام كلّه: اسم، و فعل، و حرف، فالاسم من أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبئ به، و الحرف ما أفاد معنى. و اعلم أنّ الأسماء ثلاثة:

ظاهر و مضمر، و اسم لا ظاهر و لا مضمر ...»

. ثمّ وضع أبو الأسود بابي العطف و النعت، ثمّ بابي التعجّب و الاستفهام إلى أن وصل إلى باب إنّ و أخواتها ما خلا لكن، فلمّا عرضها على الإمام أمره بضمّ لكن إليها، و كلّما وضع بابا من أبواب النحو عرضه عليه [2].

و في رواية أنّ أبا الأسود دخل على عليّ فوجده مطرقا مفكّرا، فسأله عن سبب ما به، فذكر له أمر اللحن و ما فشا من الخطأ في ألسنة الناس، و أنّه يريد أن يضع كتابا في اصول العربية، فانصرف عنه و هو مغموم فألقى الإمام عليه رقعة كتب فيها:

«الكلام كلّه: اسم، و فعل، و حرف، فالاسم من أنبأ عن المسمّى، و الفعل ما أنبئ به، و الحرف ما أفاد معنى- أي في غيره- ...»

. ثمّ أمره أن ينحو نحوه و أن يزيد عليه، فجمع أبو الأسود أشياء و عرضها عليه فكان من ذلك حروف النصب كان منها: إن و أن وليت و لعلّ و كأنّ، و لم يذكر «لكنّ»

____________

[1] الخصائص 2: 9.

[2] النزهة- ابن الأنباري: 4. ضحى الإسلام 2: 285.

20

فأشار عليه الإمام بإدخالها عليها [1].

و على أي حال فإنّ علم النحو واضعه و مؤسّسه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) باب مدينة علم النبيّ (صلى الله عليه و آله) [2].

2- علم الفقه‏

من العلوم التي وضع اسسها و أقام مناهجها علم الفقه الشريف.

يقول ابن أبي الحديد: «و من العلوم علم الفقه، و هو (عليه السلام) أصله و أساسه، و كلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه، و مستفيد من فقهه، أمّا أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف و محمّد و غيرهما، فأخذوا عن أبي حنيفة، و أمّا الشافعي فقرأ على محمّد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة، و أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد» [3].

و قرأ جعفر على أبيه (عليه السلام)، و ينتهي الأمر إلى عليّ (عليه السلام)، و أمّا مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، و قرأ ربيعة على عكرمة، و قرأ عكرمة على عبد اللّه بن عباس، و قرأ عبد اللّه بن عباس على عليّ بن أبي طالب، و إن شئت رددت إليه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الأربعة.

و أمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر، و أيضا فإنّ فقهاء الصحابة كان من بينهم‏

____________

[1] أنباء الرواة 1: 4.

[2] معجم الادباء 14: 42- 50. شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 1: 20.

[3] أعلن أبو حنيفة أنّه تتلمذ عند الإمام الصادق (عليه السلام) و استفاد منه بقوله: «لو لا السنّتان لهلك النعمان» يعني بالسنتين اللتين تتلمذ فيهما عند الإمام (عليه السلام) يراجع في ذلك موسوعة حياة الإمام الصادق للمؤلّف.

21

عمر بن الخطّاب و عبد اللّه بن عباس، و كلاهما أخذ عن عليّ (عليه السلام).

أمّا ابن عباس فظاهر، و أمّا عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه و على غيره من الصحابة، و قوله غير مرّة:

لو لا عليّ لهلك عمر.

و قوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن.

و قوله: لا يفتين أحد في المسجد و عليّ حاضر.

فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه ...

و قد روت العامّة و الخاصّة قوله (صلى الله عليه و آله):

«أقضاكم عليّ»

، و القضاء هو الفقه، فهو إذن أفقههم،

و روى الكلّ أيضا أنّه (صلى الله عليه و آله) قال له- و قد بعثه إلى اليمن قاضيا-:

«اللّهمّ اهد قلبه، و ثبّت لسانه»، قال (عليه السلام): فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين‏

، و هو (عليه السلام) الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستّة أشهر، و هو الذي أفتى في الحامل الزانية [1]، و الذي قال في المنبرية صار ثمنها تسعا، و هذه المسألة لو فكّر فيها الفرضي فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر لهذا الجواب فما ظنّك بمن قاله بديهة و أقضيته ارتجالا [2].

3- علم تفسير القرآن‏

من العلوم التي أخذت عنه علم تفسير القرآن الكريم، فقد أخذ أكثر تفسيره منه و من تلميذه حبر الامّة عبد اللّه بن عباس، و قد قيل له: أين علمك من علم‏

____________

[1] ذكرنا عرضا مفصّلا لأقضيته في كتابنا: (قضاء الإمام)، و هو أحد أجزاء هذه الموسوعة.

[2] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 1: 18- 19.

22

ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط [1]، و قد أفردنا جزء خاصّا من موسوعة الإمام إلى ما اثر عنه في تفسير القرآن الكريم، و من المؤكّد أنّ المصحف الذي قيل عنه إنّه مصحف الإمام (عليه السلام) قد أدرج فيه أسباب النزول و معاني الكلمات و بيان ما فيه من الأحكام.

4- علم الفلك و الحساب‏

من العلوم التي أخذت عنه علم الفلك و الحساب، فقد قال (عليه السلام) عن خلق السماء:

«ثمّ زيّنها بزينة الكواكب، و ضياء الثّواقب، و أجرى فيها سراجا مستطيرا، و قمرا منيرا، في فلك دائر، و سقف سائر، و رقيم [2] مائر [3]» [4].

و قال (عليه السلام) عن كيفيّة خلق السماء:

«و ناداها بعد إذ هي دخان، فالتحمت عرى أشراجها، و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها» [5].

ذهب بعض علماء الفلك في هذا العصر إلى أنّ أوّل نشوء الكون كان نتيجة انفجار كبير فشاع في الكون سكون و ظلام دامس، ثمّ بدأت الذرات تتجمّع في‏

____________

[1] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 1: 19.

[2] الرقيم: من أسماء الفلك.

[3] المائر: المتحرّك.

[4] نهج البلاغة: 15.

[5] نهج البلاغة: 37.

23

مناطق معيّنة، مشكلة أجراما، ثمّ ما لبثت أن بدت فيها التفاعلات النووية التي جعلت هذه الأجرام نجوما مضيئة، و في قول الإمام (عليه السلام): «فالتحمت عرى أشراجها» تشبيه لنجوم المجرة بالحلقات المرتبطة ببعضها بوشاج الجاذبية، و التأثير المتبادل و بعد نشوء النجوم الملتهبة الدائرة بدأت تقذف بالحمم التي شكّلت الكواكب السيارة كالأرض و غيرها و هو ما عبّر عنه الإمام (عليه السلام) بالفتق بعد الارتتاق.

ثمّ قال (عليه السلام):

«و أقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها، و أمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده- أي بقوّته-، و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره».

علّق عليها لبيب وجيه بيضون بقوله:

قوله (عليه السلام):

«و أقام رصدا من الشّهب الثّواقب»

يشير (عليه السلام) بذلك إلى ما أثبته العلم الحديث من أنّ الشهب تغذّي بعض أجرام الكواكب بما نظّمه لها من التفاتق فما نقب و خرق من جرم عوض بالشهاب.

ثمّ قال (عليه السلام):

«و أمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده»: أي أمسك الكواكب من أن تضطرب في الهواء بقوّته.

«و أمرها أن تقف مستسلمة لأمره»

، أي تلتزم مراكزها لا تفارق مداراتها.

قال (عليه السلام):

«و جعل شمسها آية مبصرة لنهارها، و قمرها آية ممحوّة من ليلها، و أجراهما في مناقل مجراهما، و قدّر سيرهما في مدارج درجهما، ليميّز بين اللّيل و النّهار بهما، و ليعلم عدد السّنين و الحساب بمقاديرهما» [1].

____________

[1] نهج البلاغة: 3 الخطبة 91.

24

لقد عرض الإمام (عليه السلام) بصورة موضوعية و دقيقة إلى علم الفلك، و بيّن مقدار ما فيه من الأنظمة الهائلة.

أمّا علم الحساب، فقد أقام مناهجه و بين غوامضه، و قد عرض لها بعض المختصّين بهذا العلم كان منها ما يلي:

مقدار قطر الشمس:

سأل شخص الإمام (عليه السلام) عن مقدار قطر الشمس، فأجاب الإمام (عليه السلام) مرتجلا:

«تسعمائة في تسعمائة ميل أي 810000 ميل»

. و من المعلوم أنّ الميل في صدر الإسلام يساوي أربعة آلاف ذراع بذراع اليد، و هو من المرفق إلى رءوس الأصابع، فلو قسنا ذراع رجل متوسط القامة بالانجات ثمّ حوّلنا (4000) إلى انجات فياردات فأميال لوجدنا أنّ ما أخبر به الإمام عليّ (عليه السلام) 810000 ميل على ما كان معروفا في صدر الإسلام تعادل 865380 ميلا على ما هو معروف اليوم من أنّ الميل 1760 ياردا و أنّ كتب الفلك تنصّ أنّ قطر الشمس يساوي (865380) ميلا فما أخبر به عليّ (عليه السلام) يطابق تمام الانطباق مع ما تجده في كتب الفلك اليوم و ذلك بعد تحويل الميل في صدر الإسلام إلى الميل الانكليزي الذي يعادل (160) ياردا [1].

مسألة الجمال:

كان 17 جملا مشتركة بين ثلاثة أشخاص، فجاؤوا عليّا (عليه السلام) و قالوا: إنّ نصف هذه الجمال لأحدنا و ثلثها لآخر و تسعها لثالثنا، و نريد أن نقسّمها بيننا على أن لا يبقى باق.

____________

[1] نظرة الإسلام إلى العلم الحديث: 17.

25

فدعا عليّ (عليه السلام) بجمل له و أضافه إلى الجمال، فكانت 18 جملا، فأعطى نصف الجمال- أي نصف 18 جملا- إلى من له النصف، أي أعطاه 9 جمال.

و أعطى ثلث ال 18 إلى من كان له الثلث، أي أعطاه 6 جمال.

و أعطى تسع ال 18 إلى من كان له التسع، أي أعطاه جملين، ثمّ أرجع الجمل الذي أضافه إلى بيته [1].

و بهذا ينتهي الحديث عمّا خاضه و أبدعه الإمام (عليه السلام) في علم الفلك و الحساب.

5- علم الحيوان‏

من العلوم المهمّة التي خاضها الإمام (عليه السلام) علم الحيوان تحدّث فيها عن خصائصها و بديع صنعها و تركيبها، انظروا إلى بعض أحاديثه عنها:

وصف الطيور:

و وصف الإمام (عليه السلام) الطيور وصفا دقيقا و ملمّا بجميع أصنافها، قال (عليه السلام):

«ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان و موات، و ساكن و ذي حركات؛ و أقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته، و عظيم قدرته، ما انقادت له العقول معترفة به، و مسلّمة له، و نعقت في أسماعنا دلائله على وحدانيّته، و ما ذرأ من مختلف صور الأطيار الّتي أسكنها أخاديد الأرض، و خروق فجاجها، و رواسي أعلامها، من ذات أجنحة مختلفة، و هيئات متباينة، مصرّفة في زمام التّسخير، و مرفرفة بأجنحتها في مخارق الجوّ المنفسح، و الفضاء المنفرج.

____________

[1] نظرة الإسلام إلى العلم الحديث: 37.

26

كوّنها بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة، و ركّبها في حقاق مفاصل محتجبة، و منع بعضها بعبالة خلقه [1] أن يسمو في الهواء خفوفا، و جعله يدفّ دفيفا و نسقها على اختلافها في الأصابيغ بلطيف قدرته، و دقيق صنعته.

فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه؛ و منها مغموس في لون صبغ قد طوّق بخلاف ما صبغ به» [2].

أ رأيتم هذا الوصف الدقيق الرائع للطيور المختلفة ألوانها البديعة مظاهرها التي تأخذ بأعماق النفوس ألوانها فتعالى اللّه في صنعه و خلقه و هي من آيات اللّه تعالى و من شواهد وحدانيّته.

وصف الطاوس:

و بعد ما أدلى الإمام في وصف مطلق الطيور ذكر عجيب صنع الطاوس قال (عليه السلام):

«و من أعجبها خلقا الطّاوس الّذي أقامه في أحكم تعديل، و نضّد ألوانه في أحسن تنضيد، بجناح أشرج قصبه، و ذنب أطال مسحبه.

إذا درج إلى الأنثى نشره من طيّه، و سما به مطلّا على رأسه كأنّه قلع داريّ، عنجه نوتيّه [3].

يختال بألوانه، و يميس بزيفانه [4].

____________

[1] العبالة: الضخامة.

[2] نهج البلاغة- محمّد عبده 2: 70، خطبة 160.

[3] القلع: شراع السفينة. عنجه: جذبه.

[4] يختال: أي يعجب. يميس: يتبختر.

27

يفضي [1] كإفضاء الدّيكة، و يؤرّ [2] بملاقحه أرّ الفحول المغتلمة [3] للضّراب أحيلك من ذلك على معاينة [4]، لا كمن يحيل على ضعيف إسناده.

و لو كان كزعم من يزعم أنّه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه [5]، فتقف في ضفّتي جفونه، و أنّ أنثاه تطعم ذلك، ثمّ تبيض لا من لقاح فحل سوى الدّمع المنبجس، لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب [6]! تخال قصبه مداري من فضّة، و ما أنبت عليها من عجيب داراته، و شموسه خالص العقيان، و فلذ الزّبرجد [7].

فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت: جنى جني من زهرة كلّ ربيع [8].

____________

[1] يفضي: أي يسافد انثاه كما تسافد الديكة.

[2] يؤر: أي يأتي انثاه بملاقحة فيفرز فيها مادة تناسله.

[3] المغتلمة: من اغتلم، أي غلبة الشهوة.

[4] أي أحيلك إلى معاينة الطاوس فتجد ذلك صدقا على ما أقول.

[5] تسفحها: أي ترسلها مدامعة، و قد أبطل الإمام دعوى من يقول إنّ انثاه تلد لا من لقاح فحل.

[6] المراد من كلامه (عليه السلام) أنّه لو صحّ ما ذكروه في الطاوس من أنّ تلقيحه يكون بانتقال الماء في جوف الذكر إلى الانثى عند ما تترشفه لجرى ذلك في الغراب أيضا، و ذلك لشبهه للطاوس بذلك، و منشأ الزعم في الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب به المثل فقيل أخفى من سفاد الغراب.

[7] القصب: جمع قصبة، هي عمود الريش. المداري: جمع مدرى، و هو آلة مصنوعة من حديد أو خشب على شكل أسنان المشط يسرّح بها الشعر. الدارات: هالة القمر. العقيان:

الذهب الخالص.

[8] جنى: أي جمع من كلّ زهر لونا.

28

و إن ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل [1]، أو كمونق عصب اليمن.

و إن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان، قد نطّقت باللّجين المكلّل [2].

يمشي مشي المرح المختال [3]، و يتصفّح ذنبه و جناحيه، فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله [4]، و أصابيغ وشاحه [5]؛ فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولا [6] بصوت يكاد يبين عن استغاثته، و يشهد بصادق توجّعه، لأنّ قوائمه حمش كقوائم الدّيكة الخلاسيّة.

و قد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية [7] خفيّة، و له في موضع العرف قنزعة خضراء موشّاة.

و مخرج عنقه كالإبريق، و مغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانيّة، أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال [8]، و كأنّه متلفّع بمعجر أسحم [9]، إلّا أنّه يخيّل لكثرة مائه، و شدّة بريقه، أنّ الخضرة النّاضرة ممتزجة به.

____________

[1] الموشّى: المنقوش.

[2] المكلّل: المزيّن بالجواهر.

[3] المختال: الزاهي بحسنه.

[4] سرباله: لباسه.

[5] الوشاح: نظامان من لؤلؤ و جوهر.

[6] زقا: صاح. معول: رافع صوته.

[7] ظنوب: عظم حرف الساق. الصيصة: هي الشوكة.

[8] الصقال: الجلاء.

[9] المعجر: الثوب. الأسحم: الأسود.

29

و مع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الأقحوان، أبيض يقق [1]، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق.

و قلّ صبغ إلّا و قد أخذ منه بقسط، و علاه بكثرة صقاله، و بريقه، و بصيص [2] ديباجه و رونقه، فهو كالأزاهير المبثوثة، لم تربّها أمطار ربيع، و لا شموس قيظ.

و قد ينحسر [3] من ريشه، و يعرى من لباسه، فيسقط تترى، و ينبت تباعا، فينحتّ من قصبه انحتات [4] أوراق الأغصان، ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه، لا يخالف سالف ألوانه، و لا يقع لون في غير مكانه! و إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة، و تارة خضرة زبر جديّة، و أحيانا صفرة عسجديّة [5]، فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن [6]، أو تبلغه قرائح العقول، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين! و أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه، و الألسنة أن تصفه! فسبحان الّذي بهر العقول عن وصف خلق جلّاه للعيون» [7]

. و ألمّ هذا الوصف الرائع بخلقة الطاوس و ما فيه من العجائب التي يذهل‏

____________

[1] اليقيق: شديد البياض.

[2] البصيص: اللمعان.

[3] ينحسر: و هو من حسره أي كشفه.

[4] ينحت: يسقط.

[5] العسجدية: الذهب.

[6] العمائق: هي العميقة أو القعر.

[7] نهج البلاغة- محمّد عبده 2: 73- 75.

30

الفكر البشري من إدراكها، فسبحان المصوّر الذي خلق الطاوس بهذه الكيفيّة التي يقصر الوصف عن بيانها إلّا أنّ باب مدينة علم النبيّ (صلى الله عليه و آله) أحاط بذكر عجائب هذا الطائر الغريب في شكله و العجيب في خلقته.

الخفّاش:

وصف الإمام الخفّاش وصفا دقيقا و ملمّا بجميع خواصّه و صفاته قال (عليه السلام):

«و من لطائف صنعته، و عجائب خلقته، ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش الّتي يقبضها الضّياء الباسط لكلّ شي‏ء، و يبسطها الظّلام القابض لكلّ حيّ؛ و كيف عشيت أعينها [1] عن أن تستمدّ من الشّمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها، و تتّصل بعلانية برهان الشّمس إلى معارفها. و ردعها بتلألؤ ضيائها عن المضيّ في سبحات إشراقها [2]، و أكنّها في مكامنها عن الذّهاب فى بلج ائتلاقها [3]، فهي مسدلة الجفون بالنّهار على أحداقها، و جاعلة اللّيل سراجا تستدلّ به في التماس أرزاقها؛ فلا يردّ أبصارها إسداف ظلمته، و لا تمتنع من المضيّ فيه لغسق دجنّته.

فإذا ألقت الشّمس قناعها، و بدت أوضاح نهارها [4]، و دخل من إشراق نورها على الضّباب في وجارها [5]، أطبقت الأجفان على مآقيها،

____________

[1] العشا: ضعف البصر.

[2] سبحات النور: أطواره و درجاته.

[3] الاتلاق: اللمعان. البلج: وضوح الضوء و ظهوره.

[4] أوضاح النهار: بياض الصبح.

[5] الوجار: مكمنها الذي تأوي إليه.

31

و تبلّغت [1] بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها.

فسبحان من جعل اللّيل لها نهارا و معاشا، و النّهار سكنا و قرارا! و جعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطّيران، كأنّها شظايا [2] الاذان غير ذوات ريش و لا قصب [3]، إلّا أنّك ترى مواضع العروق بيّنة أعلاما [4].

لها جناحان لمّا يرقّا فينشقّا، و لم يغلظا فيثقلا. تطير و ولدها لاصق بها لاجئ إليها، يقع إذا وقعت، و يرتفع إذا ارتفعت، لا يفارقها حتّى تشتدّ أركانه، و يحمله للنّهوض جناحه، و يعرف مذاهب عيشه، و مصالح نفسه.

فسبحان الباري‏ء لكلّ شي‏ء، على غير مثال خلا من غيره!» [5]

. أ رأيتم هذا الوصف الدقيق للخفّاش الذي تفرّد عن بقيّة الطيور بخصائصه و مميزاته، و لم يحط علما بهذه الأوصاف إلّا باب مدينة علم النبيّ (صلى الله عليه و آله) الذي غذّاه النبي بعلومه و معارفه.

الجراد:

و وصف (عليه السلام) خلقة الجراد بقوله:

«و إن شئت قلت في الجرادة، إذ خلق لها عينين حمراوين، و أسرج لها

____________

[1] تبلّغت: اكتفت.

[2] شظايا: جمع شظية، و هي شقق الاذن.

[3] القصب: جمع قصبة، و هي عمود الريشة.

[4] أعلاما: ذي رسوم ظاهرة.

[5] نهج البلاغة: 46.

32

حدقتين قمراوين- أي مضيئة كالقمر-، و جعل لها السّمع الخفيّ، و فتح لها الفم السّويّ، و جعل لها الحسّ القويّ، و نابين بهما تقرض، و منجلين بهما تقبض [1]. يرهبها الزّرّاع في زرعهم، و لا يستطيعون ذبّها، و لو أجلبوا بجمعهم، حتّى ترد الحرث في نزواتها، و تقضي منه شهواتها» [2].

أ رأيتم هذا الوصف الرائع الدقيق الذي أحاط بكنه هذا المخلوق و بصفاته و خواصّه.

النملة:

انظروا إلى وصف الإمام للنملة، و ما فيها من عجائب الإبداع و جمال الاسلوب قال (عليه السلام):

«و لو فكّروا في عظيم القدرة، و جسيم النّعمة، لرجعوا إلى الطّريق، و خافوا عذاب الحريق، و لكن القلوب عليلة، و البصائر مدخولة! أ لا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه، و أتقن تركيبه، و فلق له السّمع و البصر، و سوّى له العظم و البشر! انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها، و لطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، و لا بمستدرك الفكر، كيف دبّت على أرضها، و صبّت على رزقها، تنقل الحبّة إلى جحرها؛ و تعدّها في مستقرّها.

تجمع في حرّها لبردها، و في وردها لصدرها؛ مكفول برزقها، مرزوقة

____________

[1] يقصد بالمنجلين: رجليها.

[2] نهج البلاغة: 85، الخطبة رقم 185.

33

بوفقها؛ لا يغفلها المنّان، و لا يحرمها الدّيّان، و لو في الصّفا اليابس، و الحجر الجامس- أي الجامد-! و لو فكّرت في مجاري أكلها، في علوها و سفلها، و ما في الجوف من شراسيف بطنها، و ما في الرّأس من عينها و أذنها، لقضيت من خلقها عجبا، و لقيت من وصفها تعبا! فتعالى الّذي أقامها على قوائمها، و بناها على دعائمها! لم يشركه في فطرتها فاطر، و لم يعنه على خلقها قادر.

و لو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته، ما دلّتك الدّلالة إلّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة، لدقيق تفصيل كلّ شي‏ء، و غامض اختلاف كلّ حيّ.

و ما الجليل و اللّطيف، و الثّقيل و الخفيف، و القويّ و الضّعيف، في خلقه إلّا سواء» [1].

6- علم الكلام‏

من العلوم التي وضع اصولها و قواعدها علم الكلام، و منه أخذ المتكلّمون مناهج بحوثهم.

يقول ابن أبي الحديد: «و من كلامه اقتبس، و عنه نقل، و إليه انتهى، و منه ابتدأ، فإنّ المعتزلة الذين هم أهل التوحيد و العدل و أرباب النظر، و منه تعلّم الناس هذا الفنّ، تلامذته و أصحابه لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن الحنفية و أبو هاشم تلميذ أبيه، و أبوه تلميذه (عليه السلام).

و أمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل أبي بشر

____________

[1] نهج البلاغة: 84، الخطبة 185.

34

الأشعري، و هو تلميذ أبي علي الجبائي، و أبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بآخره إلى استاذ المعتزلة و معلّمهم هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

و أمّا الإمامية و الزيدية فانتمائهم إليه ظاهر» [1].

و نهج البلاغة طافح بالبحوث الكلامية خصوصا فيما يتعلّق بالتوحيد الذي هو الأساس لهذا العلم قال (عليه السلام):

«الحمد للّه الدّالّ على وجوده بخلقه، و بمحدث خلقه على أزليّته؛ و باشتباههم على أن لا شبه له.

لا تستلمه المشاعر [2]، و لا تحجبه السّواتر، لافتراق الصّانع و المصنوع، و الحادّ و المحدود، و الرّبّ و المربوب؛ الأحد بلا تأويل عدد، و الخالق لا بمعنى حركة و نصب [3]، و السّميع لا بأداة [4]، و البصير لا بتفريق آلة [5]، و الشّاهد لا بمماسّة، و البائن لا بتراخي مسافة [6]، و الظّاهر لا برؤية، و الباطن لا بلطافة.

بان من الأشياء بالقهر لها، و القدرة عليها، و بانت الأشياء منه بالخضوع له، و الرّجوع إليه.

من وصفه فقد حدّه [7]، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد أبطل أزله،

____________

[1] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 1: 17.

[2] لا تستلمه المشاعر: لا تصل إليه الحواس.

[3] النصب- بالتحريك-: التعب.

[4] الأداة: الآلة.

[5] تفريق الآلة: فتح الأجفان بعضها عن بعض.

[6] البائن: المنفصل عن خلقه.

[7] أي من كيّفه بكيفيات المحدّثين.

35

و من قال: «كيف» فقد استوصفه، و من قال: «أين» فقد حيّزه.

عالم إذ لا معلوم، و ربّ إذ لا مربوب، و قادر إذ لا مقدور» [1]

. و هذه اللوحة من كلامه (عليه السلام) صميم البحوث الكلامية التي عرضت إلى صفات اللّه تعالى الثبوتية و السلبية.

7- علم الطبيعة- الفيزياء

من العلوم التي تستند معرفتها و برامجها إلى الإمام (عليه السلام) هو علم الطبيعة الفيزياء، و هذه بعض نظرياته:

قال (عليه السلام):

«و كلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان و لطيف الاجسام» [2]

. إنّ كثيرا من الحيوانات لا ترى الألوان، بل ترى الصور سوداء أو بيضاء فقط، أمّا الإنسان فإنّه يرى الألوان السبعة التي هي ألوان الطيف المرئي، و التي تنحصر أطول موجاتها بين (4 و 0) مكرون (البنفسجي) و (8 و 0) مكرون (الأحمر)، أمّا الأضواء التي تقع أطوال موجاتها خارج هذا المجال، فإنّ الإنسان لا يراها، و منها الأشعة فوق البنفسجية، و الأشعة تحت الحمراء، إذن فقدرة الإنسان البصرية محدودة.

أمّا اللّه تعالى فهو يرى كلّ جسم، و كلّ لون مهما كان نوعه أو لطافته، و قد وجد بقدرة اللّه تعالى أنّ النحلة تستطيع أن تميّز بين أنواع الزهور و هي تطير في أعلى السماء [3].

____________

[1] نهج البلاغة- محمّد عبده 2: 53.

[2] نهج البلاغة- محمّد عبده 1: 108.

[3] تصنيف نهج البلاغة: 312.

36

و قال (عليه السلام):

«في التّجارب علم مستأنف»

، فهو حقّا واضع الطريقة التجريبية في العلوم الطبيعية، و هو بذلك يسبق «بيكون» قرونا، الذي نسب إليه الغربيّون وضع الطريقة التجريبية [1].

8- الكهرباء

أشار الإمام (عليه السلام) إلى الكهرباء الذي هو مفتاح التقدّم و التطوّر في حياة الإنسان، فقد كان (عليه السلام) جالسا على نهر الفرات و بيده قضيب، فضرب به على صفحة الماء و قال:

«لو شئت لجعلت لكم من الماء نورا و نارا»

. و في قوله (عليه السلام) دلالة إلى ما في الماء من طاقة يمكن أن تولّد النور و هو الكهرباء و النار و هو الطاقة الحرارية ... و أنّا نجد في الماء عنصرين: هما الهيدروجين و الأوكسجين.

الأوّل قابل للاحتراق و إعطاء النور، و الثاني يساعد على الاحتراق و يعطي الحرارة.

و أبعد من ذلك فإنّ وجود الماء الثقيل في الماء الطبيعي بنسبة 2 إلى 10000 يجعله أفضل مصدر طبيعي للهيدروجين الثقيل الذي نسمّيه (الدوتيريوم) و هذا النظير المشعّ هو حجر الأساس في تركيب القنبلة الهيدروجينيّة القائمة على اندماج ذرّتين من الدوتيريوم لتشكيل الهليوم، علما بأنّ الطاقة الناتجة عن هذا الاندماج و التي هي منشأ طاقة الشمس تفوق آلاف المرّات الطاقة الناتجة عن القنبلة الذرية التي تقوم على انشطار اليورانيوم ...

إنّ هذه المعاني الدقيقة و الأسرار العميقة تضمّنها قول الإمام (عليه السلام) الذي هو

____________

[1] نظرة الإسلام إلى العلم الحديث: 74.

37

باب مدينة علم النبيّ (صلى الله عليه و آله)، و هو القائل:

«بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّويّ البعيدة!» [1].

9- علم الطبّ‏

و أثرت عن الإمام (عليه السلام) الكثير من الآراء الذهبية في علم الطب تدلّ على استيعابه لهذا العلم، و معرفته الكاملة بأسراره و هو القائل فيما يحتويه جسم الإنسان من الأجهزة و الأنظمة العجيبة:

أ تحسب أنّك جرم صغير * * * و فيك انطوى العالم الأكبر

دواؤك فيك و ما تبصر * * * و داؤك منك و ما تشعر

عرض المرحوم الحاجّ محسن شلاش هذين البيتين على الدكتور جاك عبود طالبا منه تحليلهما على ضوء علم الطب فأجاب بعد المقدّمة ما يلي:

«لقد ثبت في الاكتشافات الأخيرة بأنّ المناعة الموجودة في الإنسان طبيعية أو مكتسبة هي الخطّ الإمامي و الاستحكام الدفاعي الذي يصدّ هجمات العوارض الخارجية عن الإنسان، مكروبية كانت أو فيزيائية، حيث آخر ما وصلت إليه النظريات في الطب الوقائي الحديث استثمار هذه المناعة و تقويتها بالطرق الطبيعية أو الفيزيائية، فإذا دخلت أو نفذت العوارض الخارجية إلى جسم الإنسان و أصبحت داء يتطلّب العلاج، فالدواء موجود في جسم الإنسان الذي فيه إمكان تعبئة عامّة من جيوش جرّارة مكنونة في الإنسان لمحاربة هذه الآفة العرضية، و مثال ذلك إذا اصيب الجسم بمرض (أنتاني) يحدث ارتفاعا فوريا في حرارة الجسم (الحمى)

____________

[1] نهج البلاغة- محمّد عبده 1: 36.

38

التي ليست هي بمرض، و إنّما هي ظاهرة من ظواهر القوى المحاربة للدفاع، و إذا اصيب شخص بذات الرئة مثلا و لم ترتفع حرارة جسمه من الحمى بالنسبة المطلوبة يتشاءم الأطباء من عواقب المرض لقلّة الدفاع أو عدمه، و في علم المناعة الطبيعية الموجودة في الإنسان تؤيّد هذا القول تأييدا فنّيا لا مناقشة فيه، و تقتصر مهمّة الطبيب في اتّباع طرق المعالجة التي ترشده عليه الطبيعة، و عليه أن يتّبع ذلك الإرشاد، و يعزو النقص الحاصل بما توصّل إليه العلم الحديث عن بصيرة كاستعمال مواد (السلفا و البنسلين) التي تشلّ حركة المكروبات و تضعّفها عن النمو و التكاثر فيصبح حينئذ في استطاعة الجسم اكتساحها: «و داؤك منك و ما تشعر».

لقد فرضت المشيئة و قوانينها الطبيعية لصيانة الجسم من الخلل من قواه إلى حدّه المحدود، و هيّأت له أسبابا للبقاء من طرق المعيشة و الانتعاش من مواهب الطبيعة في جميع أنحاء المعمورة، و حسبما يلائم كلّ محيط منها بحكم الطبيعة التي يجب على الإنسان أن يشعر فيها و يتبعها كما أرشد فيها هذا الكلام، و أرشد إلى وجود المدارك و الحواس التي ترشد الإنسان إلى ما يتطلّبه هذا الجسم من تلك المواهب فعليه أن يتطلّع الشعور بها و يتبعها لصيانة الجسم من العلل؛ لأنّ الطبيعة تجعله يدرك في احتياجه إلى الهواء الطلق و أشعة الشمس و المواد الغذائية الرئيسية بكمياتها و أنواعها التي تؤمّن نموّ ذلك الجسم، و المحافظة على كيانه المطلوب، و يشعر بحدود ما يتحمّله الجسم من الأتعاب و ما يتطلّبه من الراحة و النوم، و ما هو المفروض من ضرورة التجنّب عن الأغذية المصطنعة من تصرفات الإنسان على خلاف مقتضيات الطبيعة أو الغريبة عن طبيعة ذلك المحيط الذي يعيش فيه، فإذا قصر عن تطبيق هذه الواجبات أو أسرف فيها جهلا أو قهرا أو اختيارا فيكون دائه منه بطبيعة الحال كما جاء في هذا الكلام:

أ تحسب أنّك جرم صغير * * * و فيك انطوى العالم الأكبر

39

لست مغاليا إذا قلت: إنّ هذا الكلام ينجرّ إلى بحوث فلسفية عالية قد يكون معظمها ليس من اختصاص الأطباء، و لكنّني أشرح منها ما أستطيع.

حقّا إذا تأمّل الإنسان في عظمة الكون، و تبصّر في انطواء هذا العالم يحسب نفسه جرما صغيرا إلّا أنّه لو تبحّر في تركيب جسمه، و درس علم التشريح بدقائقه و علم الفلسفة الحديثة من جميع نواحيه لأخذه الهول من عظمة تكوين هذا الجسم الذي كلّ عضو من أعضائه كوّن في بابه يحتوي على ملايين من الحجيرات تقوم بأعمال ذات اختصاص مرتبطة ببعضها بغاية الدقّة و الإحكام، و حفظ التوازن و الانتظام و مع هذه العظمة في تكوينه فإنّه حقّا جرم صغير غير أنّه المكون الصانع أضاف في طبيعة هذه المنظومة لهذا الجسم كونا آخر أعظم شأنا هو (الدماغ) الذي رفع ذلك الجرم الصغير إلى الجرم الكبير، و جعل فيه انطواء هذا العالم الأكبر، ذلك الدماغ الذي لم يكتشف العلم جميع مكنوناته الدقيقة و لم يتوصّل إلى الوقوف على كيفيّة قيامه بمهمّاته التي من نتيجتها العقل و التعقّل ذلك العقل الذي جعل الإنسان متمكّنا من التغلب على عظمة هذا الكون، و ممارسة انطواء مقتضيات السيطرة على هذا العالم» [1].

و انتهى حديث الدكتور جاك عبود في تحليل كلام الإمام (عليه السلام)، و كان ذلك قبل ثلاثين عامّا، و الآن قد تطوّر الطبّ إلى مرحلة هائلة في العمليات، و غرس الأعضاء و غيرها.

و قد اكتشف حديثا أنّ بعض الأعضاء إذا كان مصابا بدمّل و نحوه فإنّه يعالج بأخذ زرقة من العضو الصحيح، و تزرق فيه، و ما يدرينا لعلّ الطبّ قد يكتشف أنّ في بصاق الإنسان و غيره من فضلاته دواء لبعض الأمراض، و بذلك تكون صيدلية كامنة

____________

[1] اسبوع الإمام (عليه السلام): 195- 196.

40

في جسم الإنسان لعلاج بعض أمراضه.

أمّا الدماغ فهو المخلوق العجيب الذي تجسّدت فيه عظمة الخالق المبدع العظيم، فقد انطوت فيه العوالم و ذلك بما فيه من خزائن أسرار و عجائب اكتشف العلم بعضها، و جهل القسم الأكبر منها.

الوقاية من الأمراض:

و وضع الإمام منهجا خاصّا للوقاية من الأمراض و السّلامة من العلل قال (عليه السلام):

«لا تجلس على الطّعام إلّا و أنت جائع، و لا تقم منه إلّا و أنت تشتهيه، و جوّد المضغ، و اعرض نفسك على الخلاء إذا نمت فإذا استعملت هذه استغنيت عن الطّبّ» [1]

. إنّ الإسراف في الطعام و الشراب، هما من أهمّ الأسباب التي تؤدّي إلى مرض الإنسان و انهيار صحّته، فإنّه- على الأكثر- يسبّب السمنة التي هي من موجبات مرض السكر و ارتفاع ضغط الدم و مرض القلب، و قد وضع الإسلام دستورا كاملا للصحّة العامّة قال تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا.

و من المؤكّد أنّه لو امتنع الإنسان من الإفراط في تناول الطعام و غيره لما احتاج إلى الطبّ، و قد أكّد الإمام ذلك بقوله:

«يضرّ النّاس أنفسهم في ثلاثة أشياء: الإفراط في الأكل اتّكالا على الصّحّة، و تكلّف حمل ما لا يطاق اتّكالا على القوّة، و التّفريط في العمل اتّكالا على القدرة».

____________

[1] مستدرك نهج البلاغة: 126.

41

رضاع الطفل من ثدي امّه:

و أكّد الإمام (عليه السلام) على ضرورة رضاع الطفل من لبن امّه، قال (عليه السلام):

«ما من لبن يرضع به الصّبيّ أعظم بركة عليه من لبن امّه» [1]

. و قد أثبت الطبّ أنّ رضاع الطفل من لبن امّه يعود عليه بالنفع العميم، فإنّ اللبن من ثدي معقّم، و فيه من التراكيب ما يتناسب مع سنّ الطفل، و أمّا إطعام الطفل بغيره فإنّه يسبّب له الكثير من الأمراض.

و قد بحثنا عن ذلك بصورة مفصّلة و نافعة في كتابنا (نظام الاسرة في الإسلام)، و بهذا العرض الموجز ننهي الحديث عمّا اثر عن الإمام (عليه السلام) في علم الطب.

10- علم الجيولوجيا

من العلوم التي عرض (عليه السلام) لها علم الجيولوجيا و ذلك في بعض خطبه و أحاديثه و التي منها:

1- قال (عليه السلام):

«و أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، و أرساها على غير قرار، و أقامها بغير قوائم، و رفعها بغير دعائم»

. الأرض كبقيّة الكواكب قائمة بقدرة اللّه تعالى و عظيم أمره في الفضاء، لا تستند إلى قائمة تعتمد عليها، و من المضحك الرواية المفتعلة أنّها قائمة على قرن ثور، فإنّها قد وضعتها اللجان التي أقامها معاوية لافتعال الحديث.

____________

[1] مستدرك نهج البلاغة: 171.

42

2-

قال (عليه السلام):

«فطر الخلائق بقدرته، و نشر الرّياح برحمته، و وتّد بالصّخور ميدان أرضه» [1].

إنّ الجبال التي خلقها اللّه تعالى و التي هي من عجائب مخلوقاته قد جعلها أوتادا في الأرض من أن تميد بأهلها.

3-

قال (عليه السلام):

«و عدّل حركاتها- أي الأرض- بالرّاسيات من جلاميدها، و ذوات الشّناخيب [2] الشّمّ من صياخيدها [3]، فسكنت من الميدان [4] ...» [5]

. تحدّث (عليه السلام) عن الجبال و أنّها هي التي تمسك الأرض أن تميد بأهلها، و بالاضافة لذلك فإنّ لها أهمّية بالغة فإنّها تحافظ على التربة، و على سطح الأرض من الزوال و الانتقال، فإنّ سطح الأرض لو كان خاليا من الجبال لكان عرضة للتغيير المستمر.

11- علم الفلسفة

و من العلوم التي وضع اصولها و قواعدها، الفلسفة الإلهيّة، و هو أوّل من تبحّر فيها و تكلّم وفقا لطريقة الاستدلال الحرّ و البرهان المنطقي، و تعرّض لمسائل فلسفية لم يتعرّض لها فلاسفة العالم في وقته، فاهتم بهذا الشأن اهتماما بالغا، و حتى في‏

____________

[1] نهج البلاغة- محمّد عبده: 7.

[2] الشناخيب: القمم.

[3] الصياخيد: و هي الصخور الشديدة.

[4] الميدان: الاضطراب.

[5] المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 35.

43

أحلك ساعات الحرب؛ إذ

أنّ اعرابيا قام إليه يوم الجمل فسأله:

يا أمير المؤمنين، أ تقول إنّ اللّه واحد.

فحمل الناس عليه و قالوا: يا اعرابي، أ ما ترى ما في أمير المؤمنين من تقسم القلب.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«دعوه فإنّ الّذي يريده الأعرابي هو الّذي نريده من القوم».

ثمّ قال:

«إنّ القول في أنّ اللّه واحد على أربعة أقسام:

فوجهان لا يجوزان على اللّه عزّ و جلّ، و وجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه:

فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أ ما ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة.

و قول القائل: هو واحد من النّاس، يريد به النّوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه لأنّه تشبيه و جلّ ربّنا عن ذلك و تعالى.

و أمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه:

فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا.

و قول القائل: إنّه عزّ و جلّ أحديّ المعنى، يعنى به أنّه لا ينقسم في وجوه و لا عقل و لا وهم، كذلك ربّنا عزّ و جلّ» [1]

.

____________

[1] بحار الأنوار 2: 65.

44

حرمة تعلّم السحر:

حرّم الإمام علم السحر لأنّه يؤدّي إلى شيوع الضلال بين الناس، و يدعو إلى التأخّر و الانحطاط، فقد أثر عنه أنّ:

«السّاحر كالكافر! و الكافر في النّار».

إنّ الإسلام يدعو إلى التطوّر و التقدّم في ميادين العلوم، و السحر يقف حائلا دون تطوّر الحياة فلذا حرّمه الإمام.

حرمة تعلّم التنجيم:

أمّا علم النجوم فإن كان المراد من تعلّمه معرفة الأنواء الجوية فلا إشكال في جوازه، و إن كان المراد منه ربط الأحداث بالنجوم، و أنّها علّة مؤثّرة في تكوين الامور فهذا من الكفر،

و قد نهى الإمام (عليه السلام) عنه. فقد انبرى إليه منجّم لمّا أراد السير إلى حرب الخوارج فقال له: إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك، فقال (عليه السلام) له:

«أ تزعم أنّك تهدي إلى السّاعة الّتي من سار فيها صرف عنه السّوء؟

و تخوّف من السّاعة الّتي من سار فيها حاق به الضّرّ؟ فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن، و استغنى عن الاستعانة باللّه في نيل المحبوب و دفع المكروه».

ثمّ أقبل على الناس و قال:

«أيّها النّاس، إيّاكم و تعلّم النّجوم، إلّا ما يهتدى به في برّ أو بحر، فإنّها تدعو إلى الكهانة، و المنجّم كالكاهن، و الكاهن كالسّاحر، و السّاحر كالكافر! و الكافر في النّار!» [1]

.

____________

[1] المكاسب المحرّمة 2: 279- باب التنجيم.

45

الملاحم و المغيّبات الّتي اخبر عنها الإمام‏

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

أمّا الإخبار بالمغيّبات و الملاحم التي تحقّقت بعد ذلك على مسرح الحياة فإنّها من مختصّات الأنبياء و أوصيائهم؛ لأنّها تكون شاهد صدق على نبوّتهم، و آية واضحة على رسالتهم، و قد أخبر الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله) عن كثير من الامور التي ستتحقّق من بعده، و فعلا قد تحقّقت، و كان من بين ما أخبر به ما يلي:

1- أنّه أخبر يوم الخندق بفتح الشام و فارس و اليمن، و تحقّق جميع ذلك في حياته و بعد وفاته، فقد رف لواء الإسلام على هذه المناطق، و ارتفعت فيها كلمة التوحيد، و أقبرت الأفكار الجاهلية و عاداتها.

2- أحاط وصيّه و باب مدينة علمه الإمام (عليه السلام) علما بشهادته، أنّه يقتله شبيه عاقر ناقة صالح، و لم تمض السنون حتى عمّمه المجرم الأثيم ابن ملجم بالسيف، و هو ماثل بين يدي اللّه تعالى، و ذكره سبحانه بين شفتيه.

3- أخبر سيّدة نساء العالمين بضعته فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها أوّل أهل بيته لحوقا به، و لم تمض إلّا أيام حتى التحقت به.

4- أخبر المسلمين بشهادة ولده و ريحانته الإمام الحسين على صعيد كربلاء، و فعلا فقد استشهد أبو الأحرار في كربلاء بأيدي الطغمة الحاكمة من بني اميّة.

5- أخبر نساءه بأن إحداهنّ تكون صاحبة الجمل الأدبب، و تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها و يسارها قتلى كثيرة، و فعلا فقد خرجت عائشة على وصيّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و أخيه و نفسه، مطالبة بدم عثمان الذي أفتت بكفره و مروقه من‏

48

الدين، و قد نبحتها كلاب الحوأب في طريقها لاحتلال البصرة، كما قتل من معسكرها و معسكر الإمام خلق كثير.

6- أعلم النبيّ (صلى الله عليه و آله) الصحابي العظيم الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر عن شهادته على أيدي الفئة الباغية، و أنّ آخر شرابه من الدنيا ضياح من لبن، و فعلا فقد استشهد هذا العملاق بأيدي الفئة الباغية من جند معاوية، و كان آخر شرابه من الدنيا ضياح من لبن سقته إحدى السيّدات في جيش الإمام (عليه السلام).

7- أنّه أسرّ إلى أهل بيته أنّهم المستضعفون من بعده، و قد جرى عليهم الظلم و الاعتداء من بني اميّة و بني العباس، و تجرّعوا من الغصص و النكبات ما لا نظير لها في فضاعتها و مرارتها، فكانوا حقّا من المستضعفين و من المعذّبين في الأرض.

و كثير من أمثال هذه الأحداث أخبر عنها الصادق الأمين، و قد جرت كلّها كما أخبر (صلى الله عليه و آله)، و قد أدلى بكثير من الأحداث الجسام التي قالها إلى وصيّه و باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

و قبل التحدّث عن الملاحم و الأحداث التي أخبر عنها قبل وقوعها نتعرّض إلى ما أثر عنه من سعة علومه، و إحاطته الكاملة بما سيجري في الدنيا، و لنستمع إلى ذلك:

1-

أنّه لمّا بايعه الناس بالخلافة خرج إلى الجامع النبوي معتمّا بعمامة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، لابسا بردته، منتعلا بنعله، متقلّدا سيفه، فارتقى المنبر و شبّك بين أصابعه فوضعها في أسفل بطنه ثمّ قال:

«يا معشر النّاس، سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، هذا ما زقّني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) زقّا زقّا.

سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين و الآخرين.

49

أما و اللّه لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التّوراة بتوراتهم حتّى تنطق التّوراة فتقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ.

و أفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ.

و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا، فهل فيكم أحد يعلم بما أنزل فيه؟

و لو لا آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ لأخبرتكم بما كان، و بما هو كائن إلى يوم القيامة، و هي قوله تعالى:

يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏

.

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي فلق الحبّة، و برأ النّسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل انزلت أو في نهار، مكّيّها و مدنيّها، سفريّها و حضريّها، ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و تأويلها و تنزيلها لأخبرتكم ...» [1]

. أ رأيتم سعة معارفه و علومه و ما يحمله من كنوز قد حوت أسرار الكون، و من المؤسف أنّ هذا العملاق العظيم يقرن بأعضاء الشورى الذين لا يفقهون بعض ما يفقهه الإمام.

2-

روى الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة، فحمد

____________

[1] بحار الأنوار 10: 117- 118، و قريب منه في فرائد السمطين. مناقب الخوارزمي: 91.

50

اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:

«أيّها النّاس، سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّ بين جوانحي علما جمّا» [1].

3-

قال (عليه السلام):

«فاسألوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين السّاعة، و لا عن فئة تهدي مائة و تضلّ مائة إلّا أنبأتكم بناعقها و قائدها و سائقها» [2]

. 4-

قال (عليه السلام) و هو على منبر الكوفة:

«سلوني قبل أن تفقدوني، فأنا لا اسأل عن شي‏ء دون العرش إلّا أجبت عنه، لا يقولها بعدي إلّا مدّع أو كذّاب» [3]

. 5-

قال (عليه السلام):

«أيّها النّاس، سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض» [4].

و من المؤكّد أنّه لم يتفوّه أحد من الصحابة و غيرهم بمثل هذا الكلام كما يقول ابن عبد البر [5].

____________

[1] المصدر السابق 10: 121.

[2] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 2: 286. بحار الأنوار 10: 126.

[3] بحار الأنوار 10: 128.

[4] الاستيعاب 3: 39.

[5] الرياض النضرة: 198. الصواعق المحرقة: 76. المناقب- الموفّق بن أحمد الخوارزمي:

91. فضائل الصحابة- ابن حنبل 2: 646.

51

على أي حال فقد وهب اللّه هذا الإمام العظيم من العلوم و المعارف و الحكمة ما لا يحصى، كما أحاطه علما بما سيجري في الكون من أحداث، و قد أخبر عن بعضها، و تحقّقت على مسرح الحياة، و قد اصطلح العلماء على تسمية ما أخبر به من الأحداث بالملاحم، كان منها ما يلي:

52

إخباره بقتل الحسن (عليه السلام)

عند ما اغتال ابن ملجم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فغشى عليه ولده الحسن (عليه السلام) فأخذ يبكي على أباه مهما ساعدته الجفون، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمام فأفاق، فلمّا رآه قال له مهدّئا روعه:

«يا بنيّ، ما هذا البكاء؟ لا خوف و لا جزع على أبيك بعد اليوم.

يا بنيّ، لا تبك، فأنت تقتل بالسّمّ ...» [1].

____________

[1] حياة الإمام الحسن (عليه السلام): 573.