موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - ج10

- الشيخ باقر شريف القرشي المزيد...
176 /
3

الجزء العاشر

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏ النساء: 58 هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً الكهف: 44 وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ المائدة: 47 وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ البقرة: 179 وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْ‏ءٍ غافر: 20

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

(1) إنّ من أهمّ ما عنى به الإسلام في تشريعاته السياسية و أنظمته الإدارية هو العمل على تطوير البلاد في ميادين الزراعة و الصناعة، و حماية المواطنين من المرض و الفقر، و توفير الفرص المتكافئة لهم، و ضمان ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة و غيرها.

و من المؤكّد أنّ من أهمّ الوسائل الفعّالة لإقامة مجتمع متوازن في سلوكه و أمنه و رخائه، يستند أوّلا و بالذات إلى الجهاز الحاكم، فهو المسئول عن إيجاد الفعاليّات التي تؤدّي إلى تقدّم البلاد و ازدهار الحياة فيها.

(2) و لا تقتصر مسئوليات الدولة في الإسلام على جهة خاصّة من حياة المواطنين، و إنّما تشمل جميع صور الحياة و ألوانها، و التي منها العمل على رخاء المجتمع و رفاهية عيشه، و ذلك بتوفير العمل لهم و القضاء على البطالة التي هي من مصادر الجريمة في البلاد ... كما أنّ من الواجبات على الدولة مراقبة السوق بدقّة و حزم لمنع الاحتكار

6

و إزالة السلع الفاسدة التي تضرّ بالصحّة العامّة.

إنّ الدولة في الإسلام يجب أن تكون عينا ساهرة تحيط بأحوال المجتمع و شئونه، و التي منها إشاعة العلم و إقصاء الجهل، فإنّ الامّة يستحيل أن تحتلّ مركزا كريما تحت أشعة الشمس و هي غارقة بالجهل.

(3) و شي‏ء بالغ الأهميّة في سياسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام أنّه تبنى بصورة إيجابية شئون الموظّفين من ولاة و عمّال و جباة، و احتاط في امورهم كأشدّ ما يكون الاحتياط فلم يولّ أي أحد منهم عملا إلّا بعد الفحص التامّ عن عدالته و نزاهته و خبرته و إخلاصه في العمل، و قد وقف مع طلحة و الزبير موقفا اتّسم بالشدّة و الصرامة حين أظهرا له رغبتهما الملحّة في الولاية، فرفض كأشدّ ما يكون الرفض طلبهما لأنّه كان على علم أنّهما يتّخذان مال اللّه دولا و عباده خولا، و يستخدمان السلطة لتنفيذ رغباتهما.

(4) كانت فلسفة الإمام (عليه السلام) في الحكم قائمة على اتّخاذه وسيلة للاصلاح الاجتماعي، و سببا للنهضة الفكرية و الاقتصادية حتى يسلم المسلمون من ويلات الجهل و كوارث المرض و الفقر، و قد أكّد على ولاته و عمّاله بتعمير الأرض و زيادة الدخل الفردي، و أنّ لا يكون همّهم أخذ الضرائب المفروضة على المزارعين و غيرهم حتى تتوفّر في البلاد نهضة اقتصادية تزدهر فيها الحياة العامّة و يعمّ الرخاء كافّة المجتمع الإسلامي.

7

(5)

و ممّا يلفت النظر في سياسة الإمام (عليه السلام) تجاه ولاته و عمّاله مراقبته الشديدة و المستمرّة لسياستهم و سلوكهم، فمن كان منهم مخلصا مؤدّيا لعمله بعيدا عن شهوة الحكم، أثنى عليه و قابله بمزيد من الحفاوة و التكريم، و من شذّ في سلوكه و انحرف عن الطريق القويم بادر إلى عزله، و إذا كان خائنا و ثبتت خيانته لبيت المال أقام عليه حدّ السرقة، و قد قطع يد عليّ بن الجهم لمّا سرق من الخزينة المركزية.

و من الجدير بالذكر أنّ هذا الشخص هو الذي قال للحجّاج: إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّا [1]، متقرّبا بذلك إلى الحجّاج و ناقما على الإمام لأنّه جذم يده! (6) و إذا أمعنا النظر في رسائل الإمام و وصاياه إلى ولاته و عمّاله لوجدناها حافلة بجميع ألوان العدل و مقوّمات الحياة و ضروب المساواة، و هي برامج مشرقة لسعة افق الإسلام، و معالجته الكاملة التي لا تخضع للمؤثّرات التقليدية لجميع شئون الحياة السياسية التي تحمي الإنسان من الاعتداء و توفّر له الحقوق الكاملة.

إنّ الإنسانية على ما جرّبت من تجارب، و قنّنت من صنوف الحكم فإنّها لم تستطع أن تنشئ نظاما يضمن للإنسان حقوقه، و يواكب متطلّبات حياته مثل ما أقامه رائد العدالة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصاياه و رسائله إلى عمّاله و ولاته.

____________

[1] الاشتقاق- أبو بكر: 272.

8

(7)

و لم يشرّع حكّام المسلمين و ولاة امورهم وثيقة سياسية حافلة بنظم الحكم و الإدارة، و ملمّة بحقوق الإنسان و ما يجب له و عليه في ظلّ الحكم و السلطان، مثل الوثيقة الذهبية التي أملاها الإمام (عليه السلام) على الزعيم الكبير مالك الأشتر واليه على مصر، و ألزمه بتطبيق بنودها على الشعب المصري.

إنّها و سام شرف للحكم العلويّ الذي رفع منار العدالة في الشرق العربي، و أقام صروح الحقّ في دنيا الإسلام، و تبنّى القضايا المصيرية لجميع شعوب العالم و امم الأرض.

(8) و شي‏ء مهمّ و رائع جدّا تفقّد الإمام و مراقبته و سهره على شئون ولاته، و التي كان منها أنّه نقل إليه أنّ واليه على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها، فرفع له رسالة أنكر فيها ذلك كأشدّ ما يكون الانكار لأنّه أراد أن يكون الوالي في منتهى العفّة و النزاهة و التجرّد عن جميع المغريات.

و أكبر الظنّ أنّ الذين دعوا ابن حنيف إلى الوليمة ليتّخذونه سلّما إلى قضاء بعض شئونهم عنده و هذا لا يتّفق مع سيرة الإمام، لأنّها إن كانت صحيحة و مشروعة فيجب على السلطة قضاؤها، و إن كانت غير مشروعة فلا سبيل لتنفيذها. و لم يقم أي وزن للمحسوبيات و العواطف سوى ما يتّصل منها بالحقّ.

9

(9)

إنّ سياسة الإمام (عليه السلام) بجميع بنودها و أنظمتها مشرقة كالشمس، و هي تفتح آفاق الوعي و التطوّر للعالم الإسلامي، و توفّر له الحياة الكريمة السليمة من الاضطراب، و النزع و الخوف و تضمن له ما يصبو إليه من العزّة و الكرامة و السلامة من المرض و الفقر و الاعواز.

لقد تبنّى الإمام (عليه السلام) جميع الأهداف النبيلة التي يسعد بها المسلمون، و شرّع أروع الأحكام و أكثرها تطوّرا و إبداعا في أنظمته الإدارية الخلّاقة، و يجب أن تدرس دراسة موضوعية و شاملة ليستفيد منها المسلمون، و يتّخذون منها منهجا يفخرون و يعتزّون به في المحافل الدولية.

(10) يعرض هذا الكتاب إلى:

- البحوث التمهيدية التي ألقت الأضواء على شئون الموظّفين من ولاة و عمّال و جباة.

- و ما قنّنه الإمام (عليه السلام) لهم من الواجبات و المسئوليات التي حفلت بها رسائله التي زوّدهم بها، و هي جزء لا يتجزّأ من أنظمته السياسية التي صاغها لتكون دستورا للحكم الإسلامي في جميع العصور و الأزمان.

- كما يعرض هذا الكتاب إلى شئون ولاته و عمّاله على الأقاليم الإسلامية الذين كانوا أمثلة للتقوى و النزاهة و العدالة و التحرّج في الدين.

10

(11)

و هذا الكتاب جزء من موسوعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هي على سعتها و كثرة بحوثها و تنوّع مواضيعها، إنّما تلقي الأضواء على بعض معالم حياته من دون أن تلمّ بجميع شئونها، فإنّ ذلك أمر بعيد المنال؛ لأنّ جميع ما خلق اللّه تعالى من صنوف الفضائل و ضروب الكمال و الآداب كانت من عناصره و مقوّماته. و من المؤكّد أنّه ليس في هذا القول مغالاة أو بعد عن الحقّ، فإنّ من يتصفّح سيرته يؤمن و يذهب إلى ما أقول.

لقد ألّف العلماء من قدامى و محدثين عشرات الكتب في سيرة هذا الإمام الملهم العظيم، و هي بالتأكيد و الجزم غير ملمّة بحياته و لا ببعض منها، و إنّما كانت مؤشّرات على حياة ذلك النور و اللطف الذي منّ اللّه به على عباده.

النّجف الأشرف باقر شريف القرشي 3/ شوّال/ 1420 ه

11

بحوث تمهيديّة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

قبل الخوض و الدخول في البحث عن شئون ولاة الإمام (عليه السلام) و عمّاله و جباة الضرائب و الخراج، و ما زوّدهم به الإمام (عليه السلام) من الأنظمة و النصائح في وثائقه إليهم، نعرض إلى بعض البحوث التي ترتبط ارتباطا وثيقا و موضوعيا بأجهزة الحكم و مناصب الدولة و شئون الموظّفين و العمّال و غير ذلك، و فيما يلي هذه البحوث:

أهمّية الولاة:

أمّا الولاة على الأقطار و الأقاليم الإسلامية فهم الذين يعيّنهم الخليفة الذي تقلّد امور المسلمين ليحكموا بينهم بالحقّ و العدل، و يقيموا سنّة اللّه تعالى و أحكامه في الأرض، و يعملوا على تطوير العالم الإسلامي في إنماء ثرواته، و عمارة أرضه، و إقصاء الفقر و الحاجة عن كلّ مواطن يقيم في بلاد المسلمين، و هذا عرض لبعض مسئوليات الولاة و أهمّيتهم:

1- خطر الامارة:

الامارة على الأقطار و الأقاليم من المناصب الحسّاسة في جهاز الحكم الإسلامي، فإن ادّيت على الوجه الصحيح نجا صاحبها من عذاب اللّه و عقابه، و إن لم تؤد على واقعها المشروع تعرّض من تقلّدها للنقمة و العذاب، و قد أدلى بذلك‏

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:

«سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول:

أيّما وال ولي الأمر من بعدي اقيم على‏

14

حدّ الصّراط، و نشرت الملائكة صحيفته، فإن كان عادلا أنجاه اللّه بعدله، و إن كان جائرا انتفض به الصّراط حتّى تتزايل مفاصله، ثمّ يهوي إلى النّار، فيكون أوّل ما يتّقيها أنفه و حرّ وجهه [1]» [2]

. أ رأيتم خطر الامارة و مدى المسئولية العظمى لمن تولّاها، فإن عدل في امارته و أقام الحقّ كان بمنجى من عذاب اللّه تعالى، و من جار في حكمه و ابتعد عن الطريق القويم كان في عذاب اللّه و نقمته ...

و في حديث آخر للنبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال لأصحابه:

«و إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة و ما هي؟».

فانبرى إليه عوف بن مالك قائلا:

ما هي يا رسول اللّه؟

فقال (صلى الله عليه و آله):

«أوّلها- أي الامارة- ملامة، و ثانيها ندامة، و ثالثها عذاب يوم القيامة، إلّا من عدل، و كيف يعدل مع قريبه» [3]

. إنّ الامارة عذاب و ندامة و خسران لمن حاد عن الطريق و اقترف الظلم و الاعتداء على الناس،

و قال (صلى الله عليه و آله) محذّرا لأصحابه من الامارة قائلا:

«ستحرصون على الإمارة ثمّ تكون حسرة و ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة و بئست الفاطمة» [4]

.

____________

[1] حرّ الوجه: ما بدا من الوجنة.

[2] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 7: 36- 37.

[3] نظام الحكم و الإدارة في الإسلام: 360.

[4] عيون الاخبار- ابن قتيبة 1: 1.

15

و قد حرص الكثيرون من الصحابة و تهالكوا على الامارة و السلطان فكانت النتائج المؤسفة أنّ العالم الإسلامي غرق بالفتن و الكوارث.

و حدّث عوف بن مالك أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) قال:

«إنّي أخاف على أمّتي من أعمال ثلاث ...».

فسارع بعض أصحابه قائلا: ما هي يا رسول اللّه؟

«زلّة عالم، و حكم جائر، و هوى متّبع ...»

. إنّ أي واحدة من هذه الامور الثلاثة توجب سخط اللّه و إطفاء نور العدل و شيوع الجور في الأرض ...

و كان الأخيار و الصلحاء من الصحابة يتحرّجون من قبول الامارة لأنّها من موجبات الاغراء و التعالي على الناس،

يقول المقداد: استعملني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) على عمل فلمّا رجعت قال لي:

«كيف وجدت الإمارة؟».

يا رسول اللّه، ما ظننت إلّا أنّ الناس خول لي، و اللّه! لا ألي على عمل ما دمت حيّا ... [1]

. إنّ الحكم يوجب الاعتزاز بالنفس و يغري الإنسان بالعظمة و الكبرياء، و لا يفلت من ربقته إلّا المتحرّج في دينه فإنّه لا ضير عليه في تقلّد الامارة، فقد

روى عطاء بن يسار قال:

إنّ رجلا كان عند النبيّ (صلى الله عليه و آله) فقال: بئس الشي‏ء الامارة.

فأجابه النبيّ (صلى الله عليه و آله):

____________

[1] حلية الأولياء 1: 174.

16

«نعم الشّي‏ء الإمارة لمن أخذها بحقّها و حلّها» [1]

. انتخاب الامراء و تعيينهم:

أمّا انتخاب الولاة و تعيينهم في مناصب الدولة، فإنّه من مختصّات زعيم الدولة، فهو الذي يختار و ينتخب لهذا المنصب من تتوفّر فيه النزعات الكريمة و الصفات الفاضلة من العلم و الورع و التقوى و أصالة الرأي و عمق التفكير و الدراية التامّة بشئون الحكم و الإدارة ...

و هذه بعض الصفات التي ينبغي أن تتوفّر فيه:

1- الصدق في القول.

2- الوفاء بالعهد و الوعد.

3- أداء الأمانة إلى أهلها.

4- التجنّب عن الخيانة.

5- لين الكلام و حسن الخلق مع الرعية.

6- العطف و الرفق بالأيتام و تعهّد شئونهم.

7- التفقّه في أحكام الإسلام.

8- الحلم و كظم الغيظ.

9- خفض الجناح للرعية [2].

هذه بعض الصفات التي يعتبر مثولها في الولاة، و يجب على ولي أمر المسلمين الفحص بدقّة و إمعان عن المتصدّي لهذا المنصب لئلا يتولّى امور

____________

[1] عيون الأخبار 1: 1.

[2] نظام الحكم و الإدارة في الإسلام: 361- 362.

17

المسلمين من لا حريجة له في الدين.

2- عقاب الإمام الجائر:

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«إنّ شرّ النّاس إمام جائر ضلّ، و ضلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، و أحيى بدعة متروكة، و إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) يقول: يؤتى بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر فيلقى في جهنّم فيدور كما تدور الرّحى، ثمّ يرتبط في قعرها» [1]

. 3- التباعد عن السلطان الجائر:

أوصى الإمام (عليه السلام) بالتباعد عن السلطان الجائر فقال:

«تباعد عن السّلطان الجائر، و لا تأمن خدع الشّيطان، فتقول: أنكرت، نزعت، فإنّه هكذا هلك من كان قبلك، فإن أبت نفسك إلّا حبّ الدّنيا و قرب السّلاطين و خالفتك عمّا فيه رشدك فاملك عليك لسانك فإنّه لا بقيّة للموت عند الغضب، و لا تسل عن أخبارهم، و لا تنطق بأسرارهم، و لا تدخل فيما بينهم» [2]

. امارة السفهاء:

و حذّر النبيّ (صلى الله عليه و آله) من امارة السفهاء الذين لا رصيد لهم من الوعي و التقوى،

و قد روى كعب بن عجرة عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال له:

____________

[1] ربيع الأبرار 4: 224.

[2] المصدر المتقدّم: 227.

18

«أعاذك اللّه يا كعب! من إمارة السّفهاء».

و بادر كعب قائلا:

ما إمارة السفهاء يا رسول اللّه؟

«امراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي، و لا يستنّون بسنّتي، فمن صدّقهم بكذبهم، و أعانهم على ظلمهم، فاولئك ليسوا منّي و لست منهم، و لا يردون عليّ حوضي، و من لم يصدّقهم بكذبهم، و لم يعنهم على ظلمهم، فاولئك منّي و أنا منهم، و سيردون عليّ حوضي ...» [1]

. إنّ إمارة السفهاء ظلم و جور و اعتداء على الناس؛ لأنّهم لا يهتدون بهدي النبيّ (صلى الله عليه و آله) و لا يستنّون بسنّته.

عشّاق السلطة:

و حذّر الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله) من توظيف العاشقين للسلطة و المتهالكين على المنصب، فقد

روي أنّ رجلا قال: يا رسول اللّه، استعملني؟ فردّه النبيّ و قال:

«إنّا لا نستعمل على عملنا من أراده ...» [2]

. و علّق أبو الوليد على هذه الرواية بقوله: السرّ في ذلك أنّ الولايات أمانات، و تصريف في أرواح الخلائق و أموالهم، و التسرّع إلى الأمانة دليل على الخيانة، و أنّه لا يخطبها إلّا من يريد أكلها ... و إذا اؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم، و من هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها؛ لأنّه إذا اهتضمت حقوقهم و اكلت أموالهم فسدت نيّاتهم، و أطلقوا ألسنتهم بالدعاء

____________

[1] سنن البيهقي 4: 115. الأموال- أبو عبيد: 57.

[2] صحيح البخاري 2: 789.

19

و التشكّي، و ذكروا سائر الملوك بالعدل و الإحسان فكانوا كالبيت السائر.

و راعي الشاة يحمي الذئب عنها * * * فكيف إذا الذئاب لها رعاء

و إذا خان أهل الأمانات و فسدت قلوب أهل الولايات كان الأمر كما قال الأوّلون:

الملح يصلح ما نخشى تغيّره‏ * * * فكيف بالملح إن حلّت به الغير [1]

إنّ الإسلام احتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في مناصب الدولة، فلم يسمح لوليّ أمر المسلمين أن يمنح الولاية لمن طلبها و تهالك عليها، و قد دفع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) طلحة و الزبير عن الولاية حينما أصرّا عليها؛ لأنّهما لم يكونا مدفوعين برعاية الصالح العامّ، و إنّما رغبا في الولاية ليتّخذا منها وسيلة للثراء العريض و التحكّم في رقاب المسلمين.

واجبات الولاة:

و على الولاة في الأقاليم الإسلامية أن يقيموا العدل و يحكموا بين الناس بالحقّ، و يتعاهدوا مصالح المسلمين و قضاياهم، و من أوّليات مسئولياتهم ما يلي:

1- إشاعة تعليم أحكام الإسلام المستمدّة من الكتاب و السنّة.

2- تربية المجتمع بالأخلاق الفاضلة و الآداب العالية.

3- الرفق بالرعية و العفو عن المسي‏ء من غير ترك للحقّ العام.

4- القضاء على معالم الجاهلية الرعناء.

5- الاهتمام بالشعائر الإسلامية و من أهمّها الصلاة.

____________

[1] حقيقة الإسلام و اصول الحكم: 70.

20

6- نشر الوعظ و الإرشاد لوقاية المجتمع من الانحراف.

7- نشر العلوم النافعة التي بها تتطوّر الحياة كالطبّ و الهندسة و غيرهما [1].

و قد قال (عليه السلام):

«يجب على الوالي أن يتعهّد اموره و يتعهّد أعوانه حتّى لا يخفى عليه إحسان محسن، و لا إساءة مسي‏ء، ثمّ لا يترك واحدا منهما بغير جزاء، فإن ترك ذلك تهاون المحسن، و اجترأ المسي‏ء، و فسد الأمر، و ضاع العمل» [2]

. هذه بعض البنود التي يلزم الولاة بتنفيذها على مسرح الحياة العامّة.

تعاليم و أحكام:

و وضع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مناهج و آدابا خاصّة للولاة، و أمرهم بالتحلّي بها ليكونوا هداة للناس و أمثلة للحكّام الصالحين و ذلك في عهده لمالك الأشتر، و نشير إلى بعضها:

1-

على الولاة أن يشعروا في قلوبهم الرأفة و الرحمة للرعية من دون فرق بين المسلمين و غيرهم، يقول (عليه السلام) لمالك:

و أشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة، و المحبّة لهم، و اللّطف بهم، و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان:

إمّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق‏

. و حكت هذه الكلمات المسئوليات التي ينبغي للولاة مراعاتها و هي:

____________

[1] نظام الحكم و الإدارة في الإسلام: 364.

[2] صبح الأعشى 2: 325.

21

- أن يحملوا في مشاعرهم و عواطفهم المحبّة و الرأفة لجميع المواطنين.

- أن لا يكونوا كالاسود الضارية للشعب ينهبون أرزاقهم و مواردهم الاقتصادية.

- أنّ يعاملوا المواطنين من مسلمين و غيرهم على حدّ سواء، من دون أن يكون لأحدهم فضل على أحد و لا لفئة على اخرى، فالمسلمون و غيرهم على صعيد واحد.

2-

أن لا يتّخذوا الامرة و السلطة وسيلة للاستعلاء على الناس و التكبّر عليهم.

يقول (عليه السلام):

و لا تقولنّ: إنّي مؤمّر آمر فأطاع، فإنّ في ذلك إدغالا [1] في القلب، و منهكة للدّين، و تقرّبا من الغير.

و إذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة [2]، فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك، و قدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك، و يكفّ عنك من غربك [3]، و يفي‏ء إليك بما عزب عنك من عقلك! إيّاك و مساماة [4] اللّه في عظمته، و التّشبّه به في جبروته، فإنّ اللّه يذلّ كلّ جبّار، و يهين كلّ مختال‏

. و قد نهى الإمام (عليه السلام) و حذّر واليه على مصر من التكبّر على الرعية، فإنّ التكبّر مفسد للدين و محبط للعمل، و قد علّمه الوسيلة التي ينجو بها و يتخلّص من التكبّر،

____________

[1] الادغال: الافساد.

[2] المخيلة: الخيلاء و العجب بالنفس.

[3] الغرب: الحدّة.

[4] المساماة: المباراة في السموّ.

22

و هي أن ينظر إلى عظمة اللّه تعالى المالك القادر الذي هو فوق كلّ شي‏ء فإنّه يكفّ عنه هذا الداء و ينجيه من هذا الشرّ.

3-

على الولاة أن ينصفوا اللّه تعالى و ذلك بطاعته و امتثال أوامره، و أن ينصفوا الناس و ذلك بإعطاء حقوقهم، و قد حفل بذلك و غيره من صنوف العدل قوله (عليه السلام):

أنصف اللّه و أنصف النّاس من نفسك، و من خاصّة أهلك، و من لك فيه هوى [1] من رعيّتك، فإنّك إلّا تفعل تظلم! و من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده، و من خاصمه اللّه أدحض حجّته [2]، و كان للّه حربا حتّى ينزع أو يتوب.

و ليس شي‏ء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ اللّه سميع دعوة المضطهدين، و هو للظّالمين بالمرصاد

. أ رأيتم هذا العدل الذي ينعش الشعوب، و يعود بالخير العميم على الجميع، و يساوي بين السلطة و الشعب، و لا يجعل لأي أحد سلطانا أو تفوّقا على غيره؟

4-

قال (عليه السلام):

و ليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ، و أعمّها في العدل، و أجمعها لرضى الرّعيّة، فإنّ سخط العامّة يجحف برضى الخاصّة [3]، و إنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضى العامّة. و ليس أحد من الرّعيّة أثقل على الوالي‏

____________

[1] الهوى: الميل.

[2] أدحض حجّته: أي أبطل حجّته.

[3] أجحف: أي أذهب.

23

مؤونة في الرّخاء، و أقلّ معونة له في البلاء، و أكره للإنصاف.

و أسأل بالإلحاف [1]، و أقلّ شكرا عند الإعطاء، و أبطأ عذرا عند المنع، و أضعف صبرا عند ملمّات الدّهر من أهل الخاصّة. و إنّما عماد الدّين، و جماع المسلمين، و العدّة للأعداء، العامّة من الأمّة؛ فليكن صغوك لهم، و ميلك معهم‏

. أوصى الإمام (عليه السلام) بهذا المقطع عامله مالك برعاية العامّة من الشعب، و تلبية مطالبهم، و تنفيذ رغباتهم؛ لأنّ الدولة لا تقوم إلّا بهم، فهم عمودها الفقري و مركز ثقلها.

5-

قال (عليه السلام):

و لا يكوننّ المحسن و المسي‏ء عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، و تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة! و ألزم كلّا منهم ما ألزم نفسه، و اعلم أنّه ليس شي‏ء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم، و تخفيفه المئونات عليهم، و ترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم [2]. فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظّنّ برعيّتك، فإنّ حسن الظّنّ يقطع عنك نصبا [3] طويلا.

و إنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده، و إنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده‏

.

____________

[1] الالحاف: الالحاح.

[2] قبلهم: أي عندهم.

[3] النصب: التعب.

24

أكّد الإمام (عليه السلام) على تكريم المحسن، و الإشادة به و أنّه ليس من الانصاف في شي‏ء أن يساوي بينه و بين المسي‏ء، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان، و تشجيعا للمسيئين.

كما أكّد الإمام (عليه السلام) على الإحسان إلى الرعية و البرّ بهم و تخفيف المئونات عنهم، فإنّ ذلك ممّا يوجب ارتباط الشعب بحكومته، و هو من أنجع الوسائل و أكثرها نجاحا لاستقرار الدولة و سلامتها من الفتن الداخلية.

6-

قال (عليه السلام):

و لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الامّة، و اجتمعت بها الالفة، و صلحت عليها الرّعيّة.

و لا تحدثنّ سنّة تضرّ بشي‏ء من ماضي تلك السّنن، فيكون الأجر لمن سنّها، و الوزر عليك بما نقضت منها.

و أكثر مدارسة العلماء، و مناقشة [1] الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، و إقامة ما استقام به النّاس قبلك‏

. حكى هذا المقطع ضرورة الابقاء على السنّة الصالحة و ما يستفيد منه الناس من القوانين الصالحة التي عمل بها المسلمون و أقرّها الإسلام، كما حذّر من سنّ القوانين التي تضرّ بالناس و تجحف حقوقهم.

و أكّد الإمام (عليه السلام) على مجالسة العلماء و محادثة الحكماء، فإنّها تفتح آفاقا كريمة من الوعي و التطوّر و تهدي إلى سواء السبيل.

7-

قال (عليه السلام):

____________

[1] المناقشة: المحادثة.

25

و اردد إلى اللّه و رسوله ما يضلعك [1] من الخطوب، و يشتبه عليك من الأمور؛ فقد قال اللّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏

[2].

فالرّدّ إلى اللّه: الأخذ بمحكم كتابه.

و الرّدّ إلى الرّسول: الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة.

أمر الإمام (عليه السلام) مالكا بردّ ما اشتبه عليه من الامور الإدارية و غيرها من المسائل التي يبتلى بها هو و الرعية إلى كتاب اللّه تعالى ففيه تبيان كلّ شي‏ء و أمره بالرّد إلى السنّة النبوية الجامعة، فقد تعرّضت لكلّ ما أشكل و أبهم.

8-

قال (عليه السلام):

ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك، ممّن لا تضيق به الأمور، و لا تمحّكه الخصوم [3]، و لا يتمادى في الزّلّة، و لا يحصر [4] من الفي‏ء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه [5] على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه؛ و أوقفهم في الشّبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه [6] إطراء، و لا يستميله‏

____________

[1] يضلعك: أي ما يشكل عليك.

[2] النساء: 59.

[3] تمحكه: أي لا تغضبه.

[4] يحصر: أي يضيق صدره.

[5] تشرف نفسه: أي لا تدنو نفسه.

[6] يزدهيه: أي يستخفّه.

26

إغراء، و أولئك قليل.

ثمّ أكثر تعاهد قضائه، و افسح له في البذل ما يزيل علّته [1]، و تقلّ معه حاجته إلى النّاس.

و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك، ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك.

فانظر في ذلك نظرا بليغا فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى، و تطلب به الدّنيا.

نظر الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع إلى القضاء و الحكّام فأولاهم المزيد من اهتمامه، و قد حفل كلامه بما يلي:

أوّلا: أن يكون القضاة الذين يعيّنهم للحكم بين الناس أفضل الرعية في علمهم و تقواهم و تحرّجهم في الدين، و أن تتوفّر فيهم الصفات التالية.

- أن لا تضيق بهم الامور بل لا بدّ أن يكون على سعة في الخلق.

- أن لا يغضبوا عند مخاصمة الناس عندهم.

- أن لا يتمادوا في الزلل، و يرجعون إلى الحقّ إذا عرفوه.

- أن لا ينقادوا إلى الأطماع، و يتّبعوا الأهواء بل يكونون في منتهى النزاهة.

- أن لا يكتفوا في النظر إلى شكاوى الناس و دعاواهم إلى أبسط النظر و إنّما عليهم أن يمعنوا كثيرا في الامور التي ترفع إليهم.

- أن يقفوا و يتأمّلوا كثيرا في الشبهات حتى يتبيّن لهم الحقّ.

- أن لا يضجروا من مراجعة الخصوم لهم، و يصبروا عند رفع الدعاوي إليهم.

____________

[1] يزيل علّته: أي يرفع حاجته.

27

- أن يتّصفوا بالشدّة و الصرامة عند اتّضاح الحقّ لهم. و لا يميلوا مع الجانب الآخر الذي تذرّع بالباطل.

- أن لا يزدهيهم و يخدعهم إطراء و ثناء، فلا يحفلوا بذلك.

ثانيا: على الولاة أن يكثروا من تعاهد القضاة و يطّلعوا على قضائهم لئلّا يكون مجافيا للواقع.

ثالثا: أن يزيد في عطاء و رواتب القضاة حتى تقلّ حاجتهم إلى الناس و يحكموا بما أنزل اللّه تعالى.

رابعا: أن يشيد الولاة بالقضاة و يرفعوا منزلتهم حتى يشعروا بالكرامة و المنزلة الرفيعة ليخلصوا بذلك في عملهم.

9-

قال (عليه السلام):

ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا، و لا تولّهم محاباة و أثرة، فإنّهما جماع من شعب الجور و الخيانة. و توخّ منهم أهل التّجربة و الحياء، من أهل البيوتات الصّالحة، و القدم في الإسلام المتقدّمة، فإنّهم أكرم أخلاقا، و أصحّ أعراضا، و أقلّ في المطامع إشراقا، و أبلغ في عواقب الأمور نظرا.

ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق، فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم، و غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، و حجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا [1] أمانتك.

ثمّ تفقّد أعمالهم، و ابعث العيون من أهل الصّدق و الوفاء عليهم، فإنّ‏

____________

[1] ثلموا: نقضوا.

28

تعاهدك في السّرّ لأمورهم حدوة لهم [1] على استعمال الأمانة، و الرّفق بالرّعيّة.

و تحفّظ من الأعوان؛ فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، و أخذته بما أصاب من عمله، ثمّ نصبته بمقام المذلّة، و وسمته بالخيانة، و قلّدته عار التّهمة

. حكى هذا المقطع بعض الامور التي تتعلّق في عمّال الدولة و هي:

أوّلا: أن لا يولّي أي موظّف عملا إلّا بعد الفحص و الاختبار التامّ عن حاله و أمانته.

ثانيا: لا يجوز أن يسند أي عمل لأحد محاباة أو اثرة فإنّه خيانة للامّة، و فساد لجهاز الحكم.

ثالثا: أن يولّى العمل إلى أهل التجربة و الدراية على شئون العمل الذي يسند إليهم.

رابعا: أن يختار للعمل من يتّصف بالحياء، و عدم الصلف، و أن يكون من ذوي البيوتات الشريفة حتى يقوم بخدمة المواطنين، و لا يجحف في حقّهم.

خامسا: أن يسبغ على العمّال الرواتب التي تسدّ حاجاتهم، و لا يضيق عليهم معيشتهم ليكونوا بمأمن عن تناول ما في أيدي الناس، و يبتعدوا عن الرشوة.

سادسا: مراقبة العمّال مراقبة دقيقة، و بثّ العيون عليهم للنظر في تصرّفاتهم، فإن كانت شاذة عن شريعة اللّه تعالى بادر إلى عزلهم و إقصائهم عن وظائفهم و شهّر بهم ليكونوا عبرة لغيرهم.

____________

[1] الحدوة: الحثّ على الشي‏ء.

29

10-

قال (عليه السلام):

ثمّ انظر في حال كتّابك، فولّ على أمورك خيرهم، و اخصص رسائلك الّتي تدخل فيها مكائدك و أسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممّن لا تبطره الكرامة [1]، فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملإ، و لا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمّالك عليك، و إصدار جواباتها على الصّواب عنك، فيما يأخذ لك و يعطي منك، و لا يضعف عقدا اعتقده لك، و لا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، و لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.

ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك و استنامتك و حسن الظّنّ منك، فإنّ الرّجال يتعرّضون لفراسات الولاة بتصنّعهم و حسن خدمتهم، و ليس وراء ذلك من النّصيحة و الأمانة شي‏ء، و لكن اختبرهم بما ولّوا للصّالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامّة أثرا، و أعرفهم بالأمانة وجها، فإنّ ذلك دليل على نصيحتك للّه و لمن ولّيت أمره.

و اجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأسا منهم، لا يقهره كبيرها، و لا يتشتّت عليه كثيرها، و مهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته.

عرض الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع إلى كتاب الولاة، و اعتبر أنّه لا بدّ أن تتوفّر فيهم الصفات التالية:

أوّلا: أن يكونوا من خيرة الرجال في وثاقتهم و إيمانهم و معرفتهم بشئون الإدارة و قضايا الحكم.

____________

[1] تبطره: أي تفسده.

30

ثانيا: أن يحتفظوا بالرسائل و الوثائق التي تخصّ الدولة فيحافظوا على أسرارها، و لا يبيحوا محتوياتها لأحد.

ثالثا: أن يكون الكتّاب على جانب وثيق من سموّ الأخلاق و الآداب الذين لا يجرءون على مخالفة الوالي، و عدم امتثال أوامره.

رابعا: أن لا يغفلوا عمّا يرد إليهم من الوثائق من العمّال و سائر الموظّفين في سلك الدولة، و عليهم أن يعرضوها على الوالي ليطّلع عليها.

خامسا: أن يجيب الكتّاب عمّا يرد إليهم من الموظّفين من الرسائل، و أن لا يهملوا أجوبتها على الوجه الصحيح و عليهم تسجيل ما يأخذون و يعطون.

سادسا: أن يكون اختيار الوالي للكتّاب قائما على الفحص و الاختبار، و لا يكون خاضعا للفراسة.

سابعا: أنّ اختبار العمّال و الكتّاب يكون على الفحص بسيرتهم في عملهم قبل أن يتولّى الوالي وظيفته، فإن كانت سيرتهم حسنة عند الولاة قبله عهد إليهم بالوظائف، و قلّدهم المناصب.

11-

قال (عليه السلام):

و اجعل لذوي الحاجات منك قسما [1] تفرّغ لهم فيه شخصك، و تجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه للّه الّذي خلقك، و تقعد عنهم [2] جندك و أعوانك من أحراسك و شرطك، حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع، فإنّي سمعت رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- يقول في غير موطن:

____________

[1] قسما: أي وقتا خاصّا.

[2] تقعد عنهم: أي تبعد عنهم.

31

«لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضّعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع [1]».

ثمّ احتمل الخرق [2] منهم و العيّ [3]، و نحّ عنك الضّيق و الأنف يبسط اللّه عليك بذلك أكناف رحمته، و يوجب لك ثواب طاعته.

و أعط ما أعطيت هنيئا، و امنع في إجمال و اعذار! ثمّ أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها منها:

إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك. و منها إصدار حاجات النّاس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك. و أمض لكلّ يوم عمله، فإنّ لكلّ يوم ما فيه. و اجعل لنفسك فيما بينك و بين اللّه أفضل تلك المواقيت، و أجزل تلك الأقسام، و إن كانت كلّها للّه إذا صلحت فيها النّيّة، و سلمت منها الرّعيّة.

- حفل هذا المقطع بالآداب العالية، و الحكم النافعة، و التعاليم الرفيعة التي منها ما يلي:

- أن يجعل الوالي وقتا خاصّا للمواطنين يلتقي بهم ليعرف حوائجهم و يطّلع على متطلّباتهم.

- أن يجلس الوالي مجلسا متواضعا غير محفوف بالعظمة و الكبرياء، و أن يكون تواضعه للّه تعالى خالق الكون و واهب الحياة.

- أن ينحّي عن المواطنين الجنود و الأعوان حتى يتكلّموا بحرية و أمان.

____________

[1] التتعتع: هو العجز عن الكلام لخوف من السلطة.

[2] الخرق: العنف.

[3] العيّ: العجز عن النطق.

32

- أن يتحمّل الوالي ما يظهر من بعض المواطنين من العنف و الشدّة.

- أن ينحّي الوالي عن نفسه ضيق الصدر و التكبّر ليستقبل المواطنين برحابة وسعة في القول.

- إذا أعطى الوالي لبعض المواطنين شيئا من الرزق فعليه أن يعطيه بلطف لا بمنّة، كما أنّه إذا أراد أن يمنع رزقا عن أحد فعليه أن يمنعه بإعذار و إجمال.

- إجابة العمّال في طلباتهم إذا عجز عن تلبيتها الكتّاب.

- عدم تأخير متطلّبات الناس و حاجاتهم و أن تقضى فورا من غير تأخير، و أن يمضي الوالي في كلّ يوم عمله.

12-

قال (عليه السلام):

و ليكن في خاصّة ما تخلص به للّه دينك: إقامة فرائضه الّتي هي له خاصّة، فأعط اللّه من بدنك في ليلك و نهارك، و وفّ ما تقرّبت به إلى اللّه من ذلك كاملا غير مثلوم و لا منقوص، بالغا من بدنك ما بلغ.

و إذا قمت في صلاتك للنّاس، فلا تكوننّ منفّرا و لا مضيّعا [1]، فإنّ في النّاس من به العلّة و له الحاجة.

و قد سألت رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- حين وجّهني إلى اليمن كيف أصلّي بهم؟

فقال: «صلّ بهم كصلاة أضعفهم، و كن بالمؤمنين رحيما»

. عرض الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع إلى بعض النصائح الرفيعة و هي:

- أن يقيم الوالي بإخلاص فرائض اللّه تعالى من الصلاة و الصيام.

____________

[1] التنفير: تطويل الصلاة. التضييع: نقص الصلاة، و المراد التوسّط في أدائها.

33

- أن يؤدّي الفرائض كاملة غير ناقصة.

- أن يصلّي بالناس صلاة تتّسم بعدم الإطالة، و أن يراعي حال الضعفة من المصلّين الذين لا طاقة لهم على إطالة الصلاة.

13-

قال (عليه السلام):

و أمّا بعد، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعيّة شعبة من الضّيق، و قلّة علم بالأمور؛ و الاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، و يعظم الصّغير، و يقبح الحسن، و يحسن القبيح، و يشاب الحقّ بالباطل.

و إنّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور، و ليست على الحقّ سمات [1] تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب، و إنّما أنت أحد رجلين:

إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ، ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه، أو فعل كريم تسديه، أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كفّ النّاس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك! مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة ...

عرض إمام العدل في هذا المقطع إلى إلزام و إليه الزعيم مالك على مصر بعدم احتجابه عن الرعية؛ لأنّ في الاحتجاب مضاعفات سيّئة و التي منها:

- أنّ الاحتجاب يحول عن الرعية علم ما احتجبوا دونه، و يسبّب ذلك أن يصغر عندهم الكبير من الامور، و يعظم عندهم الصغير، و يحسن عندهم القبيح،

____________

[1] السمات: جمع سمة، و هي العلامة.

34

و يقبح الحسن.

- أنّ احتجاب الوالي عن الرعية موجب لأن يتوارى عنه ما ألمّ بالناس من الأحداث التي يعود حجبها بضرر بالغ على الوالي و على المواطنين.

- أنّ الناس إذا يئسوا من ملاقاة الوالي فإنّهم يكفّون عن مسألته، و يحتجبون عنه.

- أنّ شكاوى الناس التي ترفع إلى الوالي هي إمّا من مظلمة أو طلب انصاف في معاملة لهم، و من الطبيعي أنّه ليس على الوالي بذلك ضرر.

14-

قال (عليه السلام):

و ألزم الحقّ من لزمه من القريب و البعيد، و كن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك و خاصّتك حيث وقع، و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإنّ مغبّة ذلك محمودة.

أوصى الإمام (عليه السلام) واليه على اتّباع الحقّ و تطبيقه على القريب و البعيد، مهما ثقل ذلك عليه فإنّ فيه سعة.

15-

قال (عليه السلام):

و إن ظنّت الرّعيّة بك حيفا [1] فأصحر لهم بعذرك، و اعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإنّ في ذلك رياضة منك لنفسك، و رفقا برعيّتك، و إعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ.

عهد الإمام (عليه السلام) لمالك أنّ الرعية إذا ظنّت به الظلم فعليه أن يقدّم لها اعتذاره، و يبيّن لها الأسباب التي دعته إلى الإقدام على ما سنّه و عمله.

____________

[1] الحيف: الظلم.

35

16-

قال (عليه السلام):

إيّاك و الدّماء و سفكها بغير حلّها، فإنّه ليس شي‏ء أدنى لنقمة، و لا أعظم لتبعة، و لا أحرى بزوال نعمة، و انقطاع مدّة، من سفك الدّماء بغير حقّها.

و اللّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد، فيما تسافكوا من الدّماء يوم القيامة؛ فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام، فإنّ ذلك ممّا يضعفه و يوهنه، بل يزيله و ينقله.

و لا عذر لك عند اللّه و لا عندي في قتل العمد لأنّ فيه قود البدن [1].

و إن ابتليت بخطإ و أفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة؛ فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم.

و احتاط الإمام كأشدّ ما يكون الاحتياط في سفك الدماء بغير حقّ، فإنّه من موجبات النقمة و زوال النعمة، و عذاب اللّه تعالى، و قد ألزم الإمام واليه على مصر مالكا الأشتر أن لا يقيم سلطانه بسفك الدماء المحرّمة فإنّ ذلك ممّا يوهنه و يزيله و لا عذر له مطلقا عند اللّه تعالى، و قد عرض الإمام (عليه السلام) إلى القتل العمدي، فإنّ ديته القود، و إن رضي وليّ الدم بالدية، فهي الدية الثقيلة المشدّدة، و قد ذكرها الفقهاء، و أمّا قتل الخطأ فإنّ فيه الدية دون القود و تؤدّى إلى أولياء الدم.

17-

قال (عليه السلام):

و إيّاك و الإعجاب بنفسك، و الثّقة بما يعجبك منها و حبّ الإطراء،

____________

[1] القود: القصاص.

36

فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.

و إيّاك و المنّ على رعيّتك بإحسانك، أو التّزيّد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإنّ المنّ يبطل الإحسان، و التّزيّد يذهب بنور الحقّ، و الخلف يوجب المقت عند اللّه و النّاس. قال اللّه تعالى:

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ‏

.

حفل هذا المقطع بمعالي التربية الأخلاقية التي يتزيّن بها الولاة و هي:

- النهي عن الاعجاب بالنفس الذي يقود إلى التكبّر و يلقي الشخص في شرّ عظيم.

- الحذر من حبّ المدح و الاطراء و الثناء، فإنّه ممّا يؤدّي إلى استيلاء الشيطان و تمكّنه من إغراء الشخص حتى يفسد عليه عمله.

- أنّ لا يمنّ الوالي على رعيّته بما يسديه عليها من خدمات كتأسيس المشاريع الزراعية و المعامل و غير ذلك ممّا تتقدّم به البلاد، فإنّ ذلك واجب على الولاة و المسئولين، و ليس في أدائه منّ على الرعية.

- أن لا يخلف الوالي ما يعد به الرعية، فإنّ ذلك ممّا يوجب سقوط هيبته و عدم الوثوق بقوله.

18-

قال (عليه السلام):

و إيّاك و العجلة بالأمور قبل أوانها، أو التّسقّط فيها [1] عند إمكانها، أو اللّجاجة فيها إذا تنكّرت [2]، أو الوهن عنها إذا استوضحت.

____________

[1] التسقط: التهاون.

[2] تنكّرت: أي لم يعرف وجه الصواب فيها.

37

فضع كلّ أمر موضعه، و أوقع كلّ عمل موقعه.

و إيّاك و الاستئثار بما النّاس فيه أسوة [1]، و التّغابي عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون، فإنّه مأخوذ منك لغيرك. و عمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، و ينتصف منك للمظلوم. املك حميّة أنفك [2]، و سورة حدّك [3]، و سطوة يدك، و غرب لسانك، و احترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة، و تأخير السّطوة، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار؛ و لن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك.

و وضع الإمام (عليه السلام) بعض المناهج التربوية لسلوك و إليه و هي:

- انّه نهى عن العجلة في الامور التي ليس وراءها إلّا الفشل و الخيبة، و أوصى بالتروي فإنّه مفتاح النجاح، و إذا اتّضحت الامور و ظهرت فعليه المبادرة للفعل أو الكفّ. و اللازم أن يضع كلّ أمر موضعه و في محلّه.

- و نهى الإمام (عليه السلام) و إليه من الاستئثار بما الناس فيه اسوة، فليس له من سبيل أن يستأثر بشي‏ء يعود لجميع المواطنين، فإنّ ذلك ينمّ عن الشره و الطمع، و ذلك ممّا لا يليق بالوالي النزيه ... هذه بعض النقاط التي حفل بها هذا المقطع.

بطانة الولاة:

عرض الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك إلى بطانة الولاة الذين يتّخذوهم الولاة مستشارين لهم، و قد حذّره من الاتّصال بالأصناف التالية:

1- من يذكرون عيوب الناس تقرّبا إلى السلطة، و ذلك بإظهار الاخلاص لها،

____________

[1] اسوة: المراد أن لا يستأثر بشي‏ء من أموال الدولة بما يكون الناس فيه اسوة.

[2] حمية أنفك: المراد به الإباء.

[3] سورة حدّك: السورة الحدّة.

38

قال (عليه السلام):

و ليكن أبعد رعيّتك منك، و أشنأهم عندك، أطلبهم لمعايب النّاس؛ فإنّ في النّاس عيوبا، الوالي أحقّ من سترها، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك، و اللّه يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحبّ ستره من رعيّتك.

2- إبعاد السعاة الذين لا يألون جهدا في ظلم الناس و البغي عليهم. يقول (عليه السلام):

و لا تعجلنّ إلى تصديق ساع، فإنّ السّاعي غاش، و إن تشبّه بالنّاصحين.

3- إبعاد البخلاء لأنّهم يعدلون بالوالي عن الفضل و الإحسان و يعدونه الفقر و الحرمان.

4- إقصاء الجبناء لأنّهم يضعّفونه و يخذلونه عن أداء الواجبات.

5- اجتناب الحريصين فإنّهم يزيّنون له الشرّ بالجور.

6- الابتعاد عن الوزراء و أعوانهم الذين كانوا لأئمّة الظلم وزراء و أعوانا، فإنّهم لا يألون جهدا في ظلم الناس و إرهاقهم.

هذه بعض الأصناف التي يجب على الولاة الابتعاد عنها؛ لأنّها بطانة السوء و الجور، و أداة للحكم الفاسد.

ولاية المظالم:

و أوّل من أسّس ولاية المظالم في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد اتّخذ في الكوفة بيتا سمّاه بيت المظالم، و أمر المظلومين أن يسجّلوا فيه ظلامتهم، و قد تطوّرت هذه الولاية في العصر العباسي، و فاقت منصب القضاء، و قد عهد إليها بالامور التالية:

39

1- النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضدّ الولاة و الحكّام إذا انحرفوا عن طريق الحقّ و جاروا على الرعية.

2- النظر في جور العمّال إذا شذّوا في جباية الأموال.

3- النظر في كتّاب الدواوين لأنّهم الامناء على بيوت الأموال فيما يستوفونه و يوفّونه.

4- النظر في مظالم المرتزقة و سائر الموظفين إذا تأخّر دفع رواتبهم إليهم.

5- ردّ ما غصبه الظالمون إلى المظلومين و المستضعفين.

6- الإشراف على الأوقاف العامّة و الخاصّة لتجري على ما اوقفت عليه.

7- تنفيذ ما وقف و لم ينفّذ من الأحكام الصادرة من القضاة و المحتسبين؛ لأنّ والي المظالم أقوى يدا و أنفذ أمرا من غيرهم.

8- مراعاة إقامة الشعائر الدينية و العبادات كصلاة الجمع و الأعياد و الحجّ و الجهاد.

9- إنزال عقوبة التأديب بالعمّال و غيرهم من كبار الموظّفين إذا شذّوا في سلوكهم، و لم يؤدّوا واجباتهم [1].

هذه أهمّ الامور التي يعهد بها إلى والي المظالم، و قد اهملت هذه الولاية التي هي من أهمّ المناصب و أخطرها، فقد انيط بها تطبيق العدل و صيانة الحقوق و إقصاء الظلم عن الناس.

عمّال الخراج و الصدقات:

أمّا عمّال الخراج فهم الذين يستوفون الأموال التي فرضت على الأراضي التي‏

____________

[1] النظم الإسلامية: 325.

40

فتحها المسلمون عنوة، و أمّا عمّال الصدقات فهم الذين يجلبون الأموال التي فرضت على الأعيان التي تجب فيها الزكاة كالغلّات الأربعة، و الأنعام الثلاثة، و النقدين، و يشترط في هؤلاء العمّال أن يكونوا امناء فيما يجبونه من الناس و فيما ينفقونه على المرافق العامّة، و قد وضع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لهم منهجا خاصّا حافلا بالآداب، و رعاية الصالح العامّ، و الرفق الكامل بالمواطنين، و نسوق نصّ كلامه من دون أن نتعرّض لتحليله لأنّه وافي القصد، واضح المعالم، سهل البيان،

قال (عليه السلام) لبعض عمّاله:

انطلق على تقوى اللّه وحده لا شريك له، و لا تروّعنّ مسلما، و لا تجتازنّ عليه كارها، و لا تأخذنّ منه أكثر من حقّ اللّه في ماله، فإذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثمّ امض إليهم بالسّكينة و الوقار؛ حتّى تقوم بينهم فتسلّم عليهم، و لا تخدج [1] بالتّحيّة لهم، ثمّ تقول: عباد اللّه، أرسلني إليكم وليّ اللّه و خليفته، لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه؟

فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه، و إن أنعم لك منعم [2] فانطلق معه من غير أن تخيفه، أو توعده، أو تعسفه، أو ترهقه.

فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضّة، فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلّا بإذنه، فإنّ أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلّط عليه و لا عنيف به.

و لا تنفّرنّ بهيمة و لا تفزعنّها، و لا تسوأنّ صاحبها فيها، و اصدع المال‏

____________

[1] لا تخدج: أي لا تبخل.

[2] يقصد ب «المنعم» دافع الزكاة، و هذا من روائع الأدب العلوي.

41

صدعين [1] ثمّ خيّره، فإذا اختار فلا تعرضنّ لما اختاره. ثمّ اصدع الباقي صدعين، ثمّ خيّره، فإذا اختار فلا تعرضنّ لما اختاره. فلا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه في ماله؛ فاقبض حقّ اللّه منه.

فإن استقالك فأقله [2]، ثمّ اخلطهما ثمّ اصنع مثل الّذي صنعت أوّلا حتّى تأخذ حقّ اللّه في ماله.

و لا تأخذنّ عودا [3]، و لا هرمة، و لا مكسورة، و لا مهلوسة، و لا ذات عوار، و لا تأمننّ عليها إلّا من تثق بدينه، رافقا بمال المسلمين حتّى يوصّله إلى وليّهم فيقسمه بينهم، و لا توكّل بها إلّا ناصحا شفيقا و أمينا حفيظا، غير معنف و لا مجحف [4]، و لا ملغب [5] و لا متعب. ثمّ احدر [6] إلينا ما اجتمع عندك نصيّره حيث أمر اللّه به، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألّا يحول بين ناقة و بين فصيلها، و لا يمصر [7] لبنها فيضرّ ذلك بولدها؛ و لا يجهدنّها ركوبا، و ليعدل بين صواحباتها في ذلك و بينها، و ليرفّه على اللّاغب [8]، و ليستأن بالنّقب [9] و الظّالع، و ليوردها

____________

[1] صدعين: أي قسمين؛ ليختار صاحب المال أيّهما شاء.

[2] فإن استقالك فأقله: أي إن طلب الإعفاء من هذه القسمة فأعفه منها.

[3] العود: المسنّة من الإبل.

[4] المجحف: الذي يشتدّ في سوق الأنعام حتى تهزل.

[5] اللغب: التعب.

[6] احدر: أي اسرع.

[7] يمصر اللبن: تقليله بالحلب.

[8] اللاغب: الذي أعياه التعب.

[9] النقب: الخرق.

42

ما تمرّ به من الغدر [1]، و لا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطّرق، و ليروّحها في السّاعات، و ليمهلها عند النّطاف [2] و الأعشاب، حتّى تأتينا بإذن اللّه بدّنا منقيات غير متعبات، و لا مجهودات، لنقسمها على كتاب اللّه و سنّة نبيّه- (صلى الله عليه و آله)- فإنّ ذلك أعظم لأجرك، و أقرب لرشدك، إن شاء اللّه» [3].

و حفل هذا العهد باصول الفضائل و الآداب، و احتوى على جميع صنوف العدل و رعاية حقوق من وجبت عليهم الزكاة، كما تضمّن الرفق الكامل بالحيوان، و عدم إجهاده و الاضرار به كما نصّ العهد على الاحتياط بأموال الدولة، و الاهتمام بها إلى غير ذلك من الأنظمة الرائعة التي لم تقنّن مثلها في الأنظمة الحديثة.

محاسبة الولاة:

على وليّ أمر المسلمين أن يقف بيقظة و حزم أمام ولاته على الأقطار و الأقاليم فيراقب تصرّفاتهم، و يحاسبهم على ما جبوه و أنفقوه من بيت المال، و ينظر إلى ما عندهم من ثراء، فإن كان قد اصطفوه من بيت المال بغير وجه مشروع فالواجب مصادرته، و عزلهم و ذلك لخيانتهم،

و قد سنّ ذلك، و وضع منهاجه الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله)، فكان يحاسب عمّاله على ما في أيديهم و على ما أنفقوه، و قد استعمل رجلا من الأزد على الصدقات فلمّا رجع حاسبه فقال الرجل:

- هذا لكم، و هذا اهدي لي.

فأنكر النبيّ (صلى الله عليه و آله) ذلك و قال:

____________

[1] الغدر: هو ما غادره السيل من الماء.

[2] النطاف: المياه القليلة.

[3] نهج البلاغة- محمّد عبده 3: 23- 26.

43

«ما بال الرّجل نستعمله على العمل ممّا ولّانا اللّه، فيقول: هذا لكم، و هذا اهدي لي؟ أ فلا قعد في بيت امّه و أبيه فنظر أ يهدى له أم لا؟ و الّذي نفسي بيده! لا نستعمل رجلا على العمل ممّا ولّانا اللّه فيغلّ منه شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، و إن كانت بقرة لها خوار، و إن كانت شاة تمغر».

ثمّ رفع يديه إلى السماء و قال: «اللّهمّ بلّغت»

قالها مرّتين أو ثلاثا [1].

و سار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على هذا المنهج في دور حكومته فكان يراقب الولاة و العمّال، و يمعن في محاسبتهم، فإذا بدرت من أحدهم خيانة بادر إلى عزله، و مصادرة ما اختلسه من الأموال، و قد بلغه عن بعض عمّاله أنّه استأثر ببعض أموال المسلمين فكتب إليه:

أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، و عصيت إمامك ...، بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، و أكلت ما تحت يديك، فارفع إليّ حسابك، و اعلم أنّ حساب اللّه أعظم من حساب النّاس [2]

. و كتب إلى زياد بن أبيه، و هو وال من قبل عامله على البصرة عبد اللّه بن عباس، يحذّره من الخيانة، و قد جاء فيما كتبه إليه:

و إنّي أقسم باللّه قسما صادقا، لئن بلغني أنّك خنت من في‏ء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا، لأشدّنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظّهر، ضئيل الأمر [3].

____________

[1] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: 248.

[2] نهج البلاغة- محمّد عبده 3: 22.

[3] المصدر السابق 3: 22.

44

ما أحوج المسلمين إلى هذا العدل الصارم الذي لا تطغى فيه النزعات و الأهواء، و لا ميل فيه إلّا للعدل و الحقّ، و لا مكسب فيه إلّا خدمة الامّة و رعاية مصالحها [1].

و روى المؤرّخون أنّ عمر بن الخطّاب كان يحاسب عمّاله و يشاطرهم ما عندهم من أموال، فقد شاطر أموال سعد بن أبي وقّاص و عمرو بن العاص و الحجّاج ابن عتيك الثقفي و غيرهم، و يقول المعنيّون بهذه البحوث إنّ الواجب كان يقضي بمصادرة جميع أموالهم إن كانوا قد اختلسوها، و إن لم يكونوا قد اختلسوها فلا وجه لمصادرة نصفها [2].

الإقالة و العزل:

لا يجوز فصل الولاة و إقالتهم إذا كانوا قائمين بواجباتهم و ملتزمين بما عهد إليهم، أمّا إذا اقترفوا الظلم و شذّوا عن الطريق القويم فإنّهم يفصلون، و يقدّمون إلى القضاء،

و قد عزل الإمام (عليه السلام) أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية أنّه قد جار في حكمه، فبكى الإمام و قال في حرارة:

اللّهمّ أنت الشّاهد عليّ و عليهم، إنّي لم آمرهم بظلم خلقك، و لا بترك حقّك.

ثمّ عزله في الوقت [3]، إنّ سعادة الامّة منوطة باستقامة حكّامها، و عدل موظّفيها، فإذا مالوا عن الحقّ، و ابتعدوا عن العدل وجب عزلهم لئلا تتعرّض البلاد إلى الأزمات و النكسات.

____________

[1] نظام الحكم و الإدارة في الإسلام: 373.

[2] المصدر السابق: 374.

[3] العقد الفريد 1: 211.

45

و من مظاهر عدل الإمام (عليه السلام) عزله للمنذر بن الجارود حينما بلغه أنّه جافى سيرة أبيه الجارود الحافلة بالتقوى و الصلاح، فقد كتب إليه الإمام (عليه السلام) ما نصّه:

أمّا بعد، فإنّ صلاح أبيك ما غرّني منك، و ظننت أنّك تتّبع هديه، و تسلك سبيله، فإذا أنت فيما رقّي إليّ عنك لا تدع لهواك انقيادا، و لا تبقي لآخرتك عتادا. تعمر دنياك بخراب آخرتك، و تصل عشيرتك بقطيعة دينك. و لئن كان ما بلغني عنك حقّا، لجمل أهلك و شسع نعلك خير منك، و من كان بصفتك فليس بأهل أن يسدّ به ثغر، أو ينفذ به أمر، أو يعلى له قدر، أو يشرك في أمانة، أو يؤمن على جباية فأقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء اللّه [1]

. لقد صبّ الإمام (عليه السلام) جام غضبه على المنذر حينما بلغه أنّه خان المسلمين، فقد عنّفه بهذا اللون من العنف الذي هو أشدّ من ضرب السيوف، ثمّ عزله عن منصبه من أجل صيانة العدل، و الحفاظ على حقوق المسلمين و مصالحهم، و ليس من العدل في شي‏ء إبقاء من خان المسلمين في منصبه بل لا بدّ من عزله و إقصائه.

الجيش:

أمّا الجيش فهو السياج الواقي للامّة، و الحامي لها من الاعتداء و الغزو، و هو أفضل جهاز في الدولة،

و لننظر إلى ما قاله الإمام (عليه السلام) من المدح و الاطراء:

فالجنود، بإذن اللّه، حصون الرّعيّة، و زين الولاة، و عزّ الدّين، و سبل الأمن، و ليس تقوم الرّعيّة إلّا بهم‏

. أ رأيتم هذا التمجيد؟

____________

[1] نهج البلاغة 3: 145.

46

أ رأيتم هذا الثناء؟

إنّ الجند حصون الرعية، و زين الولاة، و سبل الأمن العامّ في البلاد، و ليس فوق هذا الثناء من ثناء.

و أضاف الإمام (عليه السلام) يقول:

فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك للّه و لرسوله و لإمامك، و أنقاهم جيبا، و أفضلهم حلما ممّن يبطئ عن الغضب، و يستريح إلى العذر، و يرأف بالضّعفاء، و ينبو على الأقوياء، و ممّن لا يثيره العنف، و لا يقعد به الضّعف.

عرض الإمام إلى من يولّيه و يرشّحه مالك لبعض المراتب المهمّة في الجيش و اشترط أن تتوفّر فيهم الصفات التالية:

1- أن يتّصف المرشّح لقيادة الجيش بالنصيحة للّه و رسوله و لوالي الامّة.

2- أن يكون بعيدا عن أكل المال الحرام.

3- أن يكون من أفضل الناس، و يبطئ عن الغضب الذي هو مصدر كلّ رذيلة.

4- أن يتّصف بالرأفة و الرحمة على الضعفاء و الفقراء.

5- أن يكون ذا بأس و قوّة على الأقوياء.

6- أن يكون قوي الشخصية، فلا يثيره العنف و لا يقعد به الضعف.

و أكّد الإمام في عهده لمالك على العناية بقادة الجيش، قال (عليه السلام):

و ليكن آثر رءوس جندك عندك من واساهم في معونته، و أفضل عليهم من جدته بما يسعهم و يسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتّى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ؛ فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.

47

و ألمّت هذه الكلمات بأرقى الوسائل التي توجب تلاحم الجيش مع قادته بولاة الأمر، و أنّهم يكونون جميعا يدا واحدة على عدوّهم.

الشرطة:

أمّا الشرطة فهي من أجهزة الدولة الحسّاسة، و أوّل من أسّسها في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد انتخب جماعة من خيار جنوده، و أطلق عليهم «شرطة الخميس» و كانوا يمثّلون النزاهة و التقوى حتى كانت شهادة أحدهم في المحاكم تعدل شهادة رجلين، و كان منهم الشهيد الخالد حبيب بن مظاهر و الثقة الأمين عبد اللّه بن يحيى الحضرمي، و قد قال له الإمام (عليه السلام):

«ابشر يا عبد اللّه، فإنّك و أباك من شرطة الخميس، حقّا لقد أخبرني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) باسمك و اسم أبيك في شرطة الخميس» [1].

و انيطت بالشرطة كثير من الواجبات و المسئوليات كان من بينها:

1- القبض على المجرمين.

2- اتّخاذ التدابير الوقائية لمنع وقوع الجرائم.

3- المحافظة على النظام و الأمن العام.

4- المحافظة على أموال الناس و أعراضهم.

و قد حدّد الإسلام صلاحيّات الشرطة فليس لها أن تعتقل أي شخص إلّا إذا ثبتت في حقّه تهمة يعاقب عليها القانون الإسلامي، و إذا ارتكب بعض الشرطة المخالفات فإنّهم يقدّمون للقضاء، و تجري عليهم العقوبات المقرّرة في الإسلام [2].

و من الجدير بالذكر أنّ الشرطة في الأندلس قد انقسمت إلى شرطة كبرى،

____________

[1] حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 2: 377.

[2] نظام الحكم و الإدارة في الإسلام: 441.

48

و شرطة صغرى، فالكبرى هي التي تضرب على أيدي الزعماء، و من يتّصل بهم، و الصغرى تحكم في الغوغاء و عامّة الناس ... و كانت ولاية الشرطة للزعماء و الأكابر من رجال الدولة [1].

حق الوالي على الرعية و حقّها عليه:

عرض الإمام (عليه السلام) في حديثه التالي إلى حقّ الوالي على الرعية، و حقّها عليه، قال:

حقّ الوالي على الرّعيّة، و حقّ الرّعيّة على الوالي، فريضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، و عزّا لدينهم، فليست تصلح الرّعيّة إلّا بصلاح الولاة، و لا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرّعيّة.

فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه، و أدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقّ بينهم، و قامت مناهج الدّين، و اعتدلت معالم العدل، و جرت على أذلالها السّنن، فصلح بذلك الزّمان، و طمع في بقاء الدّولة، و يئست مطامع الأعداء.

و إذا غلبت الرّعيّة واليها، أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنا لك الكلمة، و ظهرت معالم الجور، و كثر الإدغال في الدّين، و تركت محاجّ السّنن، فعمل بالهوى، و عطّلت الأحكام، و كثرت علل النّفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل، و لا لعظيم باطل فعل! فهنالك تذلّ الأبرار، و تعزّ الأشرار [2].

____________

[1] النظم الإسلامية: 334.

[2] ربيع الأبرار 4: 241- 242.

49

ولاته على مصر

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

عرضنا في البحوث السابقة إلى أهميّة الولاة و واجباتهم، و ما يرتبط بهم من الأعمال في ميادين الاصلاح الاجتماعي ...

و بعد هذا نعرض إلى ولاة الإمام و عمّاله على الأقطار و الأقاليم الإسلامية.

إنّ الإمام (عليه السلام) حينما تسلّم السلطة بعد مقتل عثمان بن عفّان بادر إلى عزل جميع ولاته و عمّاله؛ لأنّهم كانوا مصدر فتنة و اضطراب في البلاد الإسلامية، و بعضهم قد استأثر بفي‏ء المسلمين، و استحلّ الخراج، و من المؤكّد أنّ منحهم الوظائف المهمّة في الدولة لم تكن عن كفاءة و اختيار، و إنّما كانت محاباة و اثرة.

و على أي حال فإنّا نعرض إلى ولاة مصر التي هي أمّ البلاد الإسلامية، و مركز الثقل فيها، و قد ولّى الإمام (عليه السلام) عليها خيرة الرجال كفاءة و وعيا و إحاطة بما تحتاج إليه الامّة في شئونها الإدارية و الاجتماعية و السياسية ... و كان أوّل من تقلّد منصب الامارة فيها هو:

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}