موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - ج11

- الشيخ باقر شريف القرشي المزيد...
319 /
5

الجزء الحادي عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تقديم‏

1 تسلّم الإمام (عليه السلام) قيادة الحكم بعد الإطاحة بحكومة عثمان بن عفّان، و قد أعلن بين المسلمين معالم سياسته الداخلية و الخارجية، و أكّد بصورة حازمة اهتمامه البالغ بأمر الخراج و سائر ما تملكه الدولة من وارداتها المالية، و أنّها ملك للشعب، و ليس له أن يصطفي فيها لنفسه و ذويه، و إنّما يجب أن تنفق على تطوير حياة المواطنين، و إنقاذهم من غائلة الفقر و الحرمان، كما يجب أن تهيّأ لهم الفرص المتكافئة للعمل لئلّا تشيع البطالة و الجريمة في البلاد.

و قد ذكرنا في بعض بنود هذا الكتاب صورا رائعة من اهتمامه البالغ في عمران الأرض، و زيادة الانتاج الزراعي الذي كان العمود الفقري للاقتصاد الإسلامي في ذلك العصر.

2 إنّ من أهمّ البرامج في السياسة الاقتصادية عند الإمام هو إشاعة الرخاء و انعاش عامّة الشعوب الإسلامية، و توزيع خيرات البلاد التي تعود للدولة على جميع من يقطن في بلاد الإسلام، و عدم احتكارها لقوم دون آخرين، كما كان الحال في أيام عثمان بن‏

6

عفّان الذي منح الثراء العريض لبني اميّة و آل أبي معيط، و غيرهم ممّن ساروا في ركابه، فتكدّست الثروة عند فئة من الناس حتّى ترك بعضهم بعد موته من الذهب ما يكسّر بالفؤوس في حين أنّ المجاعة قد انتشرت عند الكثيرين من الناس.

و قد اتّسم موقف الإمام (عليه السلام) بالشدّة و الصرامة على هؤلاء الذين نهبوا أموال المسلمين بغير حقّ، فأصدر أوامره الحاسمة بمصادرة جميع الأموال التي اختلسوها من بيت المال، و تأميمها للدولة، و قد قال في الأموال التي عند عثمان:

و اللّه! لو وجدته- أي المال- قد تزوّج به النّساء، و ملك به الإماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة. و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق! [1].

هكذا كانت سيرة رائد العدالة، و معلن حقوق الإنسان، الصرامة في الحقّ التي لا هوادة و لا مداهنة فيها.

3 من المؤكّد أنّ من أهمّ الأسباب الوثيقة التي أدّت إلى قيام الأمويّين و القرشيّين بعصيانهم المسلّح، و إعلانهم التمرّد على حكومة الإمام هو سياسته الاقتصادية الهادفة إلى إعلان المساواة و العدالة بين الناس، و معاملة الأمويّين و من سائرهم معاملة عادية اتّسمت بالكراهية و الاستهانة لأنّ إيمانهم لم يكن وثيقا، و إنّما كان ظاهريا لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم و دخائل نفوسهم، و بالإضافة إلى ذلك فإنّ نفوس الأمويّين قد اترعت بالبغض و الكراهية للإمام لأنّه قد وترهم، و حصد رءوس أعلامهم، حينما أعلنوا الحرب بلا هوادة على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي جاء لتحرير عقولهم، و إقامة مجتمع فيهم متوازن في سلوكه و أخلاقه، و هي، كما ناجزت الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) في واقعة بدر و احد

____________

[1] نهج البلاغة 1: 46.

7

و الأحزاب و غيرها، هبّت إلى مناجزة وصيّه و باب مدينة علمه، و وضعت أمام مخطّطاته الإصلاحية السدود و الحواجز، و ألقت الأمّة في شرّ عظيم.

4 و يعرض- بإيجاز- هذا الكتاب، الذي هو جزء من موسوعة الإمام (عليه السلام) إلى الحروب الثلاث التي خاضها الإمام ضدّ المنحرفين عن الحقّ، و المتمرّدين على القيم الإسلامية، و هي تصوّر مدى محنته الكبرى، و ما لاقاه فيها من جهد شاق و عناء عسير، حتّى تركته في أرباض الكوفة قد طافت به المحن و الخطوب حتّى لاقى مصيره المشرق بالجهاد و الكفاح.

لقد بحثت في جميع هذا الكتاب عن أسمى شخصية في العالم الإسلامي، عملاق هذه الأمّة و رائد نهضتها الفكرية و الحضارية، الإمام (عليه السلام)، و قد صوّرت بدقّة سيرته و حياته و جهاده، و نصرته للإسلام في أيام محنته و غربته معتمدا على أوثق المصادر التاريخية و غيرها، و اللّه تعالى هو وليّ التوفيق.

النّجف الأشرف باقر شريف القريشى 27/ محرّم الحرام/ 1420 ه

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

حكومة الإمام (عليه السلام)

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

و استقبل الإمام (عليه السلام) مصرع عثمان بكثير من القلق و الوجوم و الاضطراب، و ذلك لعلمه بمجريات الأحداث، و أنّ الأمويّين و الطامعين و المنحرفين سيتّخذون من دمه ورقة رابحة يطالبون بها؛ للاستيلاء على الحكم و نهب ثروات البلاد.

و شي‏ء آخر دعا الإمام إلى الوجوم و هو أنّه المرشّح الأوّل لقيادة الحكم، فإذا تقلّد الخلافة فإنّه يسير بالامّة سياسة مبنيّة على الحقّ المحض، و العدل الخالص، و يطبّق على مسرح الحياة كتاب اللّه تعالى، و منهاج نبيّه، و يبعد الطامعين و اللصوص عن مناصب الدولة. و من الطبيعي أنّ القوى المنحرفة ستهبّ في وجهه و تعمل على إفشال مخطّطاته، و إبعاد مناهجه عن حياة المسلمين.

و على أي حال فإنّا نعرض إلى صور من بيعة الإمام، و مقرّرات حكومته حينما استلم الخلافة و ما يرتبط بذلك من شئون.

رفض الإمام للخلافة:

و من المؤكّد أنّ الإمام لم تكن له أيّة رغبة في الخلافة التي تعني الزهو و الإمرة و الظفر بخيرات البلاد، فإنّ هذه الأهداف محرّمة و غير مشروعة عند الإمام (عليه السلام) الذي يبغي الحكم لتحقيق الأهداف النبيلة، و المثل العليا، و إسعاد المجتمع، و إنقاذه من البؤس و الحرمان، و إشاعة الرفاهية و الأمن بين الجميع.

و قد هتف الإمام أمام الجماهير التي أحاطت به و هي تطالبه بتقلّده للحكم فقال لهم:

12

«لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت به ..».

أجل، إنّه لا حاجة له و لا رغبة له في الخلافة ما لم يحقّق أهدافه النبيلة ..

و قد أعرب الإمام (عليه السلام) في بعض أحاديثه عن الأسباب التي دعته لمنازعة الخلفاء فقال:

«اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان، و لا التماس شي‏ء من فضول الحطام، و لكن لنرد المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك».

و على أي حال فقد أحاطت الجماهير بالإمام و هي تعلن رغبتها الملحّة في ولايته قائلة:

لا إمام لنا غيرك ..

و هتفت ثانية:

ما نختار غيرك ..

و لم يعن بهم الإمام و أصرّ على الامتناع من إجابتهم، و ذلك لعلمه بما يعانيه من المصاعب و المشاكل و ما يطرحه المنحرفون من الفتن و الأضاليل في سبيل أطماعهم. لقد خلق الحكم العثماني فئة لا تفقه من أحكام الإسلام شيئا، و قد تسلّطت على المسلمين و بيوت الأموال فنهبت ما شاءت، و أذلّت من شاءت، و أنّها سوف تهبّ في وجه الإمام و تناجزه الحرب و تعمل كلّ ما تستطيعه ضدّه.

مؤتمر القوّات المسلّحة:

و عقدت القوّات المسلّحة مؤتمرا خاصّا بها بعد امتناع الإمام من إجابتها، و قد بحثت ما تواجهه الأمّة من الأخطار إن بقيت بلا إمام، و قد قرّرت إحضار المدنيّين و ذوي النفوذ و الوجوه، فلمّا حضروا قالوا لهم:

أنتم أهل الشورى، و أنتم تعقدون الإمامة، و حكمكم جائز على الأمّة،

13

فانظروا رجلا تنصبونه و نحن لكم تبع، و قد أجّلناكم يومكم، فو اللّه! لئن لم تفرغوا لنقتلنّ عليّا و طلحة و الزبير، و تذهب من اضحية ذلك أمّة من الناس [1]، و هرع المدنيّون نحو الإمام و قد علاهم الرعب، و هم يهتفون:

البيعة .. البيعة ..

أ ما ترى ما نزل بالإسلام، و ما ابتلينا به من أبناء القرى؟ ..

أصرّ الإمام على الرفض قائلا:

«دعوني و التمسوا غيري ..».

و أعرب لهم الإمام عن الموانع من قبول خلافتهم قائلا:

«فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و الوان؛ لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول» [2].

و حكى حديث الإمام الأحداث الجسام التي سيواجهها إن قبل خلافتهم، و فعلا فقد تحقّقت، فلم يمض وقت قليل حتى أعلن الطامعون تمرّدهم على حكومة الإمام و قاموا بعصيان مسلّح لإسقاطها، كما سنتحدّث عن ذلك.

و على أي حال فقد ازدحمت الجماهير على الإمام و هي تهتف باسمه قائلة له: أمير المؤمنين .. أمير المؤمنين ..

و صارحهم الإمام بالمنهج الذي يسير عليه في دور حكومته قائلا:

«إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب، و إن تركتموني فأنا كأحدكم؛ و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن ولّيتموه أمركم،

____________

[1] تاريخ ابن الأثير 3: 80.

[2] نهج البلاغة- محمّد عبده 1: 182.

14

و أنا لكم وزيرا، خير لكم منّي أميرا!».

لقد وضع أمامهم المنهج الذي يسير عليه و هو الحقّ بجميع رحابه و العدل بجميع ألوانه .. و رضوا بما قاله، و هتفوا: ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك ..

و انثال عليه الناس من كلّ جانب و هم يطالبونه بقبول خلافتهم،

و وصف الإمام في خطبته الشقشقيّة إصرار الجماهير و ازدحامهم عليه بقوله:

«فما راعني إلّا و النّاس كعرف الضّبع [1] إليّ، ينثالون عليّ من كلّ جانب، حتّى لقد وطئ الحسنان، و شقّ عطفاي [2]، مجتمعين حولي كربيضة الغنم» [3].

و أجّلهم الإمام إلى صباح اليوم الثاني لينظر في الأمر، فافترقوا على ذلك [4].

قبول الإمام:

و فكّر الإمام في قبول الخلافة، فرأى أنّ المصلحة تقتضي قبولها، و ذلك خوفا من أن ينزو عليها علج من فسّاق بني أميّة، قال (عليه السلام):

«و اللّه! ما تقدّمت عليها- أي على الخلافة- إلّا خوفا من أن ينزو على الأمّة تيس من بني أميّة، فيلعب بكتاب اللّه عزّ و جلّ ..» [5].

إنّ الإمام لم تكن له أية رغبة في الخلافة، فإنّه لم يكن من عشّاق الملك و السلطان، و لا ممّن يبغي الحكم لينعم في خيرات البلاد .. إنّه ربيب الوحي الذي‏

____________

[1] عرف الضبع: الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع، يضرب به المثل في كثرة ازدحام الناس.

[2] شقّ عطفاي: أراد به ما أصابه من الخدش من كثرة ازدحام الناس.

[3] ربيضة الغنم: الطائفة الرابضة، و هو وصف لجثوم الناس حوله.

[4] حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 1: 400.

[5] العقد الفريد 3: 93.

15

برهن في جميع أدوار حياته على الزهد في الدنيا و العزوف عن جميع رغباتها.

البيعة:

و هرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم و هي تنتظر بفارغ الصبر قبول الإمام لخلافتهم، و أقبل الإمام (عليه السلام) و إلى جانبيه سبطا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و قد احتفّت به البقيّة الطاهرة من صحابة رسول اللّه كعمار بن ياسر و مالك الأشتر و غيرهما،

و قد ارتفعت أصوات الجماهير بالتأييد الكامل له و الهتاف بحياته، فاعتلى (عليه السلام) أعواد المنبر و خاطب الجماهير:

«أيّها النّاس! إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلّا من أمّرتم، و قد افترقنا بالأمس و كنت كارها لأمركم، فأبيتم إلّا أن اكون عليكم، ألا و إنّه ليس لي أن آخذ درهما دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، و إلّا فلا آخذ على احد- يعني البيعة».

و حكى كلام الإمام (عليه السلام) أنّ أمر الخلافة راجع إلى الأمّة، و ليس له أي دخل فيه، كما أعرب الإمام عن سياسته المالية، فهو يحتاط فيها كأشدّ ما يكون الاحتياط، فإنّه لا يستأثر بدرهم و احد فينفقه على نفسه أو على من يختصّ به، و قد أشار بذلك إلى الحكم المباد، فقد نهب الأمويّون أموال المسلمين و أنفقوها على شهواتهم و رغباتهم.

و على أي حال فقد تعالت الهتافات من جميع جنبات الجامع و هي تعلن الاصرار الكامل على انتخابه قائلين:

نحن على ما فارقناك عليه بالأمس ..

و تدافعت الجماهير إلى بيعته،

و تقدّم طلحة فبايع بيده الشلّاء التي سرعان ما نكث بها عهد اللّه، و تطيّر منه الإمام و قال:

16

«ما أخلقه أن ينكث»!

و قد نكث بيعته، و خاس بعهده، و أعلن التمرّد و العصيان على حكومة الإمام (عليه السلام)، كما سنتحدّث عن ذلك.

و على أي حال فقد انثالت الجماهير تبايع الإمام و هي إنّما تبايع اللّه و رسوله، و قد بايعته القوّات المسلّحة من المصريّين و العراقيّين و غيرهم، كما بايعه عرب الأمصار و أهل بدر و المهاجرون و الأنصار عامّة [1].

و لم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها و اتّساعها، فلم تكن بيعته «فلتة» كما كانت بيعة أبي بكر، و لا تضارعها بيعة أي أحد من الخلفاء [2].

ابتهاج المسلمين:

و ابتهج المسلمون بهذه البيعة، و عمّت الفرحة الكبرى جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد رجع الحقّ إلى نصابه و قامت دولة العدل، و تقلّد الخلافة أبو الأيتام و ناصر المحرومين و المظلومين.

و قد حكى الإمام في بعض خطبه مدى سرور الناس ببيعته، قال (عليه السلام):

«و بلغ من سرور النّاس ببيعتهم إيّاى أن ابتهج بها الصّغير، و هدج إليها الكبير، و تحامل نحوها العليل، و حسرت إليها الكعاب».

لقد انتشرت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام ألوية العدالة الإسلامية، و تحقّقت الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام في عالم السياسة و الإدارة و الحكم.

____________

[1] أنساب الأشراف 5: 22.

[2] كانت بيعة الإمام يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة، ذكر ذلك البلاذري في أنساب الأشراف (3: 933) و في جواهر المطالب (1: 291) أنّ بيعته كانت يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجّة سنة 35 ه.

17

تأييد الصحابة:

و انبرى كبار الصحابة الذين ناصروا الرسول (صلى الله عليه و آله) و ساهموا في بناء الإسلام فأعلنوا تأييدهم الكامل للإمام، و هم:

1- ثابت بن قيس:

و وقف ثابت بن قيس خطيب الأنصار أمام الإمام و خاطبه قائلا:

و اللّه! يا أمير المؤمنين، لئن كانوا قد تقدّموك في الولاية فما تقدّموك في الدين، و لئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم، و لقد كانوا و كنت، لا يخفى موضعك، و لا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون و ما احتجت إلى أحد مع علمك.

و حكى هذا الخطاب سموّ مكانة الإمام و عظيم منزلته، فانّ الخلفاء الذين سبقوه إنّما سبقوه في الخلافة لا في الدين، فإنّه أوّل من آمن باللّه و برسوله، و هو المجاهد الأوّل في دنيا الإسلام، و الخلفاء و غيرهم محتاجون لعلمه و هو غير محتاج لأحد منهم.

2- خزيمة بن ثابت:

و هو الصحابي الفذّ الذي نال ثقة الرسول (صلى الله عليه و آله) فجعل شهادته تساوي شهادة اثنين، و قد أقبل نحو الإمام و قال له:

يا أمير المؤمنين، ما أصبنا لأمرنا هذا- أي الخلافة- غيرك، و لا كان المنقلب إلّا إليك، و لئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم الناس إيمانا، و اعلم الناس باللّه، و أولى المؤمنين برسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، لك ما لهم، و ليس لهم ما لك ..

ثمّ خاطب الجماهير بهذه الأبيات:

إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * * * أبو حسن ممّا نخاف من الفتن‏

وجدناه أولى الناس بالناس إنّه‏ * * * أطبّ قريش بالكتاب و بالسّنن‏

18

و إنّ قريشا ما تشقّ غباره‏ * * * إذا ما جرى يوما على الضّمّر البدن‏

و فيه الذي فيهم من الخير كلّه‏ * * * و ما فيهم كلّ الّذي فيه من حسن [1]

و أشادت هذه الكلمات نثرا و نظما بمكانة الإمام، و أنّه أوّل الناس إسلاما، و أقدمهم إيمانا، و أنّه أعلم الناس باللّه، و أولاهم برسوله (صلى الله عليه و آله)، و أنّه شارك الخلفاء في مؤهّلاتهم و لم يشاركوه في مؤهّلاته و صفاته.

3- صعصعة بن صوحان:

و انبرى المجاهد الكبير صعصعة بن صوحان فخاطب الإمام قائلا:

و اللّه! يا أمير المؤمنين، لقد زيّنت الخلافة و ما زانتك، و رفعتها و ما رفعتك، و لهي أحوج منك إليها .. [2].

و حكت هذه الكلمات الصدق بجميع رحابه و مفاهيمه، فالإمام بتسلّمه للحكم قد زان الخلافة و ازدهرت به، و لم تكسبه أي شي‏ء من معطياتها.

4- مالك الأشتر:

و انبرى الزعيم الكبير مالك الأشتر، و هو من ألصق الناس بالإمام و من أكثرهم فهما له، فخاطب المسلمين قائلا:

____________

[1] مستدرك الحاكم 3: 115. و ذكر السيّد المرتضى في الفصول المختارة 2: 67 زيادة على هذه الأبيات و هي:

وصيّ رسول اللّه من دون أهله‏ * * * و فارسه قد كان في سالف الزمن‏

و أوّل من صلّى من الناس كلّهم‏ * * * سوى خيرة النسوان و اللّه ذو المنن‏

و صاحب كبش القوم في كلّ وقعة * * * يكون لها نفس الشجاع لدى الذّقن‏

فذاك الذي تثني الخناصر باسمه‏ * * * إمامهم حتى اغيّب في الكفن‏

[2] بهذا المعنى أدلى أحمد بن حنبل قال: «إنّ الخلافة لم تزيّن عليّا بل عليّ زانها». مناقب أحمد: ص 163.

19

أيّها الناس، هذا وصيّ الأوصياء، و وارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن العناء، الذي شهد له كتاب اللّه بالإيمان، و رسوله بجنّة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، و لم يشكّ في سابقته و علمه و فضله الأواخر و لا الأوائل ..

أمّا الزعيم مالك فهو من أكثر أصحاب الإمام و عيا و فهما لحقيقته، و قد حكت هذه الكلمات مدى فهمه للإمام (عليه السلام)، فهو وصيّ الأوصياء، و وارث علم الأنبياء، و هذه هي عقيدة الشيعة في الإمام منذ فجر تأريخهم حتى يوم الناس هذا.

5- عبد الرحمن الجمحي:

و انبرى عبد الرحمن بن حنبل الجمحي فأبدى سروره البالغ ببيعة الإمام، و أنشأ هذه الأبيات:

لعمري لقد بايعتموا ذا حفيظة * * * على الدّين معروف العفاف موفّقا

عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا * * * صدوقا مع الجبّار قدما مصدّقا

أبا حسن فارضوا به و تمسّكوا * * * فليس لمن فيه يرى العيب مطلقا

عليّا وصيّ المصطفى و ابن عمّه‏ * * * و أوّل من صلّى لذي العرش واثقا [1]

و معنى هذه الأبيات أنّ المسلمين قد بايعوا المحافظ على دينهم، العفيف في سلوكه، المنزّه عن كلّ عيب و نقص، و فيها دعوة المسلمين إلى التمسّك ببيعته، فهو وصي المصطفى و ابن عمّه، و أوّل من صلّى و آمن باللّه.

6- عقبة بن عمرو:

و قام عقبة بن عمرو فأشاد بفضل الإمام (عليه السلام) قائلا:

من له يوم كيوم العقبة، و بيعة كبيعة الرضوان، و الإمام الأهدى الذي لا يخاف‏

____________

[1] حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1: 379.

20

جوره، و العالم الذي لا يخاف جهله .. [1]؟

و تتابعت كلمات أعلام الصحابة و هي تشيد بفضل أبي الحسن، و تذكر مناقبه و فضائله، و تدعو المسلمين إلى دعم حكومته.

الوفود المهنّئة:

و عمّت الفرحة الكبرى جميع أنحاء العالم الإسلامي، و هرعت الوفود إلى المدينة، و هي تعلن تأييدها لحكومة الإمام و ولاءها، و هذه بعضها:

1- وفد اليمن:

و وفدت إلى المدينة جمهرة كبيرة من اليمن لتهنئة الإمام و المسلمين بهذه البيعة المباركة، و كان الوفد في أثناء مسيرته ينشد ارجوزة له كان منها هذا البيت:

سيروا بنا في ظلمة الحنادس‏ * * * في مهمة قفر الفلاة واهس‏

و لمّا قدموا إلى المدينة أمر الإمام (عليه السلام) باستقبالهم و الترحيب بهم، فخرج إليهم مالك و قال لهم:

قدمتم خير مقدم إلى قوم يحبّونكم و تحبّونهم، إلى إمام عادل، و خليفة فاضل، قد رضي به المسلمون، و بايعه الأنصار و المهاجرون ..

و أقبل الوفد يسير و أمامهم الزعيم مالك الأشتر، فلمّا تشرّفوا بمقابلة الإمام رفع مالك صوته قائلا:

أتتك عصابة من خير قوم‏ * * * يمانيّون من حضر و بادي‏

و رحّب بهم الإمام و قدّم لهم شكره الجزيل على تهنئتهم له بالخلافة.

____________

[1] تاريخ اليعقوبي 2: 155.

21

2- قبائل همدان:

أمّا قبائل همدان فقد عرفت بالولاء و الإخلاص للإمام، و قد زحفت إلى المدينة بقيادة زعيمها رفاعة بن وائل، و هي تقدّم ولاءها للإمام و دعمها الكامل لحكومته، و كان ممّا قاله رفاعة زعيم الوفد:

نسير إلى عليّ ذي المعالي‏ * * * بخير عصابة يمن كرام‏

3- وفد جهينة:

و من جملة الوفود المهنّئة وفد جهينة بزعامة كيسون بن سلمة الجهني، و قد أنشد عند مقابلته للإمام أبياتا منها هذا البيت:

أجبنا عليّا بعل بنت نبيّنا * * * على كلّ حنذيذ من الخيل سابح‏

4- وفد بجيلة:

و وفدت بجيلة على الإمام ترفع تهانيها له، و على رأسها شاعرها رويبة العجلي و هو ينشد:

أجبناه دون الهاشميّ سوابح‏ * * * و مواه براق مقفرات موادخ [1]

هذه بعض الوفود التي أقبلت إلى المدينة، و هي تهنّئ الإمام (عليه السلام) بالخلافة، و لم يعهد نظير ذلك في بيعة الخلفاء الذين سبقوا الإمام.

الدعاء على المنابر للإمام:

أمّا الإمام (عليه السلام) فهو أوّل خليفة دعي له على المنابر بالتأييد و النصر، و لم يحظ بمثل ذلك غيره، و كان أوّل من دعا له عبد اللّه بن عباس، فقال:

____________

[1] حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1: 379- 380.

22

اللّهمّ انصر عليا على الحقّ .. [1].

وجوم القرشيّين:

و استقبلت قريش خلافة الإمام (عليه السلام) بكثير من الفزع و الوجوم و الاضطراب؛ لأنّ الإمام (عليه السلام) قد وترهم في سبيل الدعوة الإسلامية، و قضى على الكثيرين من أعيانهم و وجوههم، فقد قتل من أعلام بني أميّة عتبة بن ربيعة جدّ معاوية، و الوليد ابن عتبة خال معاوية، و حنظلة أخاه، و غيرهم من أقطاب الشرك و الالحاد، فكانت نفوسهم مترعة بالحقد و العداء للإمام، و مضافا لذلك فإنّ سياسة الإمام و منهجه في الحكم يتصادم مع مصالحهم و منافعهم، فالإمام يحارب الأثرة و الاستغلال، و لا يقرّ بحال من الأحوال سياسة النهب التي سار عليها عثمان، لذلك كرهت قريش حكومة الإمام و أعلنت عليه التمرّد و العصيان.

و قد سارع الوليد و معه بنو أميّة إلى الإمام ليبايعوه على الغضّ بما في أيديهم من الأموال التي استأثروا بها في أيام عثمان، و قال الوليد للإمام:

إنّك قد وترتنا جميعا، أمّا أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، و أمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر، و كان أبوه من نور قريش، و أمّا مروان فشتمت أباه، و عبت على عثمان حين ضمّه إليه، فنبايع على أن تضع عنّا ما أصبنا، و تعفو لنا عمّا في أيدينا، و تقتل قتلة صاحبنا- يعنى عثمان ..

فردّ عليه الإمام بمنطق الحقّ الذي لا تعيه قريش قائلا:

«أمّا ما ذكرت من و تري إيّاكم فالحقّ وتركم، و أمّا وضعي عنكم عمّا في أيديكم فليس لي أن أضع حقّ اللّه عنكم و لا عن غيركم، و أمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان للّه‏

____________

[1] مآثر الانافة في معالم الخلافة 2: 231، و جاء فيه: «أنّ الناس بعد الدعاء للإمام اقتدوا به للدعاء للخلفاء».

23

و للمسلمين فالعدل يسعكم، و أمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم غدا و لكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه و سنّة نبيّه، فمن ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم ..» [1].

إنّ بني اميّة و معها قريش تريد من الإمام أن يهبها الأموال التي اختلسوها في أيام عثمان، و تريد منه الانحراف عن منهجه و إيثاره لمصالح المسلمين على كلّ شي‏ء، و لكن الإمام لم يحفل بهم، و قد عاهد اللّه أن يسير بين المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص، و أن يقف بالمرصاد لكلّ ظالم، و أن لا يخضع للأحداث مهما كانت قاسية و شديدة، فلذا تنكّرت له القوى الباغية من قريش التي ما آمنت باللّه طرفة عين، و قد وصف ابن أبي الحديد حالهم حينما آلت الخلافة للإمام بقوله:

«كأنّها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمّه من إظهار ما في النفوس، و هيجان ما في القلوب حتّى انّ الأخلاف من قريش، و الأحداث و الفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه و فتكاته في أسلافهم و آبائهم فعلوا ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله» [2].

لقد امتحن الإمام امتحانا عسيرا بالأسر القرشيّة، و راح يصعّد آلامه و زفراته منهم قائلا:

«ما لي و لقريش! و اللّه! لقد قاتلتهم كافرين، و لأقاتلنّهم مفتونين، ... و اللّه! لأبقرنّ الباطل حتّى أخرج الحقّ من خاصرته! فقل لقريش: فلتضجّ ضجيجها».

إنّ قريشا حالت بين الإمام و الخلافة منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه و آله)، فصرفتها تارة لتيم، و أخرى إلى عدي، و ثالثة إلى بني اميّة، و هي جادّة في خلق الفتن و المشاكل حتى تجهز على حكومته.

____________

[1] تاريخ اليعقوبي 2: 155.

[2] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 11: 114.

24

القعّاد:

و تخلّف عن بيعة الإمام جماعة سمّاهم المسعودي ب «القعّاد» [1]، و سمّاهم أبو الفداء ب «المعتزلة» [2]، و قال فيهم الإمام:

«اولئك قوم قعدوا عن الحقّ، و لم يقوموا مع الباطل» [3]

، و هم: سعد بن أبي وقّاص، و عبد اللّه بن عمر، و حسّان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و أبو سعيد الخدري، و محمّد بن مسلمة، و النعمان بن بشير، و زيد بن ثابت، و رافع ابن خديج، و فضالة بن عبيدة، و كعب بن عجرة، و عبد اللّه بن سلام، و صهيب بن سنان، و سلامة بن سلامة، و اسامة بن زيد، و قدامة بن مظعون، و المغيرة بن شعبة [4]، و هؤلاء قد انحرفوا عن الحقّ، و مالوا عن الطريق القويم، و ليس لهم أي مبرّر في تخلّفهم عن بيعة الإمام رائد العدالة في دنيا الإسلام.

و اعتذر سعد بن أبي وقّاص- و هو أحد العشرة المبشّرة في الجنّة- كما يقولون عن سبب اعتزاله عن بيعة الإمام و عن بني اميّة أيام المحنة الكبرى، فقال: إنّي لا اقاتل حتى يأتوني بسيف مبصر، عاقل، ناطق ينبئني أنّ هذا مسلم و هذا كافر ..،

و هو اعتذار مردود مرفوض؛ فإنّ بيعة الإمام (عليه السلام) كانت شرعية، فقد صرّح بها الإمام و بايعه جمهور المسلمين، و لم تكن بيعته فلتة، و لم يتخلّف عنها إلّا من شذّ عن طريق العدل، أ لم يسمع سعد و غيره‏

حديث النبيّ في عليّ: «عليّ مع الحقّ، و الحقّ مع عليّ»

؟ بلى و اللّه! قد سمعوا ذلك، و سمعوا ما هو أكثر من ذلك، و لكنّ الأحقاد و الأضغان هي التي دفعت سعدا لأن يتخلّف عن البيعة، و قد ردّ عليه الطيّب‏

____________

[1] مروج الذهب (المطبوع بهامش ابن الأثير) 6: 78.

[2] تاريخ أبي الفداء 1: 176- 178.

[3] الاستيعاب 3: 55.

[4] الكامل في التاريخ 3: 74.

25

ابن الطيّب عمّار بن ياسر فقال له:

ويحك يا سعد! أ ما تتّقي اللّه الذي إليه معادك؟ أ يدعوك أمير المؤمنين إلى البيعة فتسأله أن يعطيك سيفا له لسان و شفتان؟ و اللّه! إنّ فيك لهنات، و أنشأ أبياتا مطلعها:

قال سعد: لدى الإمام و سعد * * * في الذي قاله حقيق ظلوم [1]

و أخيرا ندم سعد على ما فرّط في أمره، و ودّ أن يكون مع الإمام.

أمّا عبد اللّه بن عمر فقد اترعت نفسه بالحقد على الإمام، و قد انبرى إليه رافعا عقيرته قائلا: يا عليّ، اتّق اللّه و لا تنزونّ [2] على أمر الأمّة بغير مشورة [3].

الإمام الذي انتزى على الامّة بغير مشورتها كما يقول عبد اللّه، و قد بايعه المسلمون على اختلاف طبقاتهم و ميولهم .. و قد ندم على تخلّفه عن بيعة الإمام حيث لم يجد الندم شيئا، و كان يقول عند موته: إنّي لم أخرج من الدنيا و ليس في قلبى حسرة إلّا تخلّفي عن عليّ .. و قد انتقم اللّه منه و أراه الذلّ، فقد عاش إلى زمن عبد الملك، فجاء الحجّاج ليأخذ البيعة له، فجاء عبد اللّه في آخر الناس لئلا يراه أحد، فعرف الحجّاج ذلك فاحتقره، و قال له:

لم لم تبايع أبا تراب؟ و جئت تبايع عبد الملك آخر الناس؟ أنت أحقر من أن أمدّ لك يدي، دونك رجلي فبايع ...

و مدّ إليه رجله و فيها نعله فبايعها [4].

____________

[1] حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 1: 384، نقلا عن الفتوح 2: 258.

[2] كذا في الأصل، و الصحيح: «لا تنزونّ» أي لا تثبنّ.

[3] أنساب الأشراف 2: 149.

[4] حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1: 384- 385.

26

أ رأيتم هذه الاستهانة و التحقير؟ فإنّ اللّه تعالى بالمرصاد لكلّ ظالم منحرف عن الطريق القويم.

إنّ هؤلاء القعّاد على علم أنّ الإمام (عليه السلام) أولى بمقام النبيّ (صلى الله عليه و آله) و أحقّ بمركزه من بعد وفاته مباشرة، و ذلك لسابقته إلى الإسلام، و جهاده في قمع أئمّة الكفر و الضلالة، بالاضافة إلى مواهبه و عبقرياته، و لكن الأهواء باعدت بين القوم و بين دينهم، فناصبوه العداء، و أزالوه عن مركزه و مقامه، و قال فيهم الإمام أولئك قوم قصدوا عن الحقّ [1].

مصادرة الأموال المنهوبة:

و أوّل عمل باشره الإمام بعد توليته للخلافة أنّه أصدر قراره الحاسم بمصادرة القطائع التي أقطعها عثمان لبني اميّة و غيرهم، و استرجاع الأموال الهائلة التي و هبها لهم؛ لأنّها اخذت بغير وجه مشروع، و قد صودرت أموال عثمان حتى سيفه و درعه، و في ذلك يقول الوليد بن عقبة مخاطبا بني هاشم:

بني هاشم ردّوا سلاح ابن اختكم‏ * * * و لا تنهبوه لا تحلّ مناهبه‏

بني هاشم كيف الهوادة بيننا * * * و عند عليّ درعه و نجائبه‏

بني هاشم كيف التودّد منكم‏ * * * و بزّ ابن أروى فيكم و حرائبه‏

بني هاشم إلّا تردّوا فإنّنا * * * سواء علينا قاتلاه و سالبه‏

بني هاشم إنّا و ما كان منكم‏ * * * كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه‏

قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه‏ * * * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه‏

و حكت هذه الأبيات لوعة الأمويّين و خوفهم من مصادرة أموالهم‏

____________

[1] الرياض النضرة 2: 324.

27

و ممتلكاتهم التي استأثروا بها بغير وجه مشروع .. و شاعت هذه الأبيات بين الناس فردّ عليه عبد اللّه بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها:

فلا تسألونا سيفكم إنّ سيفكم‏ * * * اضيع و ألقاه لدى الروع صاحبه‏

و شبّهته كسرى و قد كان مثله‏ * * * شبيها بكسرى هديه و ضرائبه [1]

و معنى هذا الشعر أنّه ليس للأمويّين المطالبة بسيف عثمان و لا بما اخذ منه لأنّ السلطة الشرعية قد صادرته بحقّ، كما أنّ الشاعر قد صادق الوليد في تشبيهه لعثمان بكسرى فقد كان مثله في هديه و سلوكه.

و على أي حال فقد كانت هذه الإجراءات العادلة التي اتّخذها الامام ضدّ الأمويّين متّفقة مع قواعد الشرع، فإنّ تلك الأموال التي اختصّ بها عثمان و بنو اميّة كانت من بيت مال المسلمين، و قد أخذت بغير وجه مشروع، فالواجب على الحاكم الشرعي إرجاعها إلى بيت المال ..

و قد أثارت هذه السياسة سخط الأمويّين و فزعهم، كما أثارت فزع الذين منحهم عثمان الأموال الهائلة، فقد أوجس خيفة في نفسه كلّ من طلحة و الزبير و غيرهما ممّن وهبهم عثمان الثراء العريض. و قد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها:

ما كنت صانعا فاصنع إذا قشّرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه، كما تقشّر عن العصا لحاها ..

لقد خافت الفئة التي غرقت بالأموال من حكم الإمام بمصادرتها و مصادرة كلّ مال نهب من أموال المسلمين .. و لهذا السبب و غيره أظهرت هذه القوى النفعية بوادر الشقاق و البغي، و أعلنت العصيان المسلّح ضدّ حكومة الإمام.

____________

[1] حياة الإمام الحسن (عليه السلام) 1: 385.

28

عزل الولاة:

و ثمّة إجراء آخر قام به الإمام ضدّ حكومة عثمان، فقد بادر إلى عزل ولاته واحدا بعد واحد ممّن أظهروا الجور و الفساد في الأرض، فقد أقصى جميع الأمويّين عن جهاز دولته لأنّ إبقاءهم في مناصبهم إقرار للظلم و الطغيان، و قد عزل بالفور معاوية بن أبي سفيان الذي هو من أعظم ولاة عمر و عثمان، و قد نصحه جماعة من المخلصين له بإبقائه على عمله حتى تستقرّ الأوضاع، فأبى و امتنع من المداهنة في دينه، و قد دخل عليه زياد بن حنظلة ليعرف رأيه في معاوية فقال له الإمام:

لأي شي‏ء يا أمير المؤمنين نغزوا الشام؟ .. الرفق و الأناة أمثل ..

فأجابه الإمام:

«متى تجمع القلب الذّكيّ و صارما * * * و أنفا حميا تجتنبك المظالم»

و عبأ جنوده لغزو الشام، و القضاء على معاوية إلّا أنّه فوجئ بتمرّد طلحة و الزبير و عائشة، فانشغل بهم، و انصرف إلى البصرة لانقاذها منهم.

سياسته الداخلية:

و أجهد الإمام نفسه على أن يسوس الناس بسياسة مشرقة قوامها العدل الخالص، و الحقّ المحض، و ينشر الرفاه و الأمن، و يوزّع الخيرات على العباد بالسواء، فلا يختصّ بها قوم دون آخرين ..

و هذه شذرات من سياسته الداخلية:

المساواة:

و تبنّى الإمام (عليه السلام) في جميع مراحل حكمه المساواة و العدالة بين الناس، فلا امتياز لأي أحد على غيره، و هذه بعض مظاهر مساواته:

29

1- المساواة في العطاء:

و ساوى الإمام (عليه السلام) في العطاء بين المسلمين و غيرهم، فلم يقدّم عربيا على غيره، و لا مسلما على مسيحي [1]، و لا قريبا على غيره، و سنتحدّث عن كثير من مساواته في العطاء الأمر الذي نجم منه أنّه تنكّرت له الأوساط الرأسمالية و أعلنوا الحرب عليه.

2- المساواة أمام القانون:

و ألزم الإمام عمّاله و ولاته على الأقطار بتطبيق المساواة الكاملة بين الناس في القضاء و غيره، قال (عليه السلام) في إحدى رسائله إلى بعض عمّاله:

«فاخفض لهم جناحك، و ألن لهم جانبك، و ابسط لهم وجهك، و اس بينهم في اللّحظة و النّظرة، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، و لا ييأس الضّعفاء من عدلك ...» [2].

3- المساواة في الحقوق و الواجبات:

و من مظاهر المساواة العادلة التي أعلنها الإمام (عليه السلام) المساواة بين المواطنين في الحقوق و الواجبات، فلم يفرض حقّا على الضعيف و يعف عن القوي، بل الكلّ متساوون أمام عدله.

المواساة:

من برامج سياسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مواساته للفقراء و الضعفاء في جشوبة العيش و مكاره الدهر، و قد أعلن عن مواساته للشعوب الإسلامية بقوله:

____________

[1] تاريخ اليعقوبي 2: 129.

[2] نهج البلاغة 3: 563.

30

«أ أقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، و لا أشاركهم في مكاره الدّهر، أو أكون اسوة لهم في جشوبة العيش! .. و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ...

و حسبك داء أن تبيت ببطنة * * * و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ»

هذه مواساته للمحرومين و الفقراء، و ليس في تاريخ الإسلام و غيره حاكم واسى رعيّته في آلامهم و بؤسهم و فقرهم غيره.

إلغاء التفاخر بالآباء:

و نهى الإمام (عليه السلام) رعيّته عن التفاخر بالآباء و الأجداد و المباهات بالبنين و الأموال [1]، و غير ذلك من التفاخر بما يؤول أمره إلى التراب.

إنّ التفاخر و التفاضل إنّما هو بعمل الخير، و ما يسديه الإنسان لوطنه و امّته من ألطاف ينتعش بها الجميع و تتطوّر بها حياتهم الفكرية و الاجتماعية، أمّا غير ذلك فهو من الفضول الذي ليس وراءه إلّا السراب.

منع الشطرنج:

و منع الإمام في دور حكومته من اللعب بالشطرنج، فقد مرّ على قوم يلعبون به فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، و قلب الرقعة عليهم [2].

نهيه عن الجلوس في الطريق:

و منع (عليه السلام) الناس في الكوفة من الجلوس على ظهر الطريق؛ لأنّه مظنّة للتعرّض لأعراض الناس، فكلّمه الكوفيون في ذلك فقال لهم:

«أدعكم على شريطة؟».

____________

[1] خزانة الأدب 3: 59.

[2] الفروسية- ابن الجوزي: 73.

31

قالوا: و ما هي يا أمير المؤمنين؟

قال: «غضّ الأبصار، و ردّ السّلام، و إرشاد الضّالّ»

، قالوا قد قبلنا فتركهم.

حرقه لمحلّات الخمر:

أمّا الخمر فإنّه من الجرائم التي تصدّ عن ذكر اللّه و تلقي الناس في شرّ عظيم، و قد اتّخذ الإمام جميع الإجراءات لمنع انتشاره بين الناس، و قد حرق الإمام قرية من قرى الكوفة يباع فيها الخمر.

إحداثه للسجن:

و الإمام هو أوّل خليفة أحدث السجن، و قد بنى سجنا يسمّى نافعا، و لم يكن بناؤه محكما، فكان السجناء يخرجون منه، فهدّمه و بنى سجنا سمّاه نحيسا و قال:

«أ لا تراني كيّسا مكيسا؟ * * * بنيت بعد نافع نحيسا

حصنا حصينا و أميرا كيسا»

انشاؤه بيتا للمظالم:

و أنشأ الإمام بيتا للمظالم أنشاه للذين لا يتمكّنون من الوصول إلى السلطة، و كان (عليه السلام) يشرف عليه بنفسه و لا يدع أحدا يصل إليه فيطّلع على الرقاع، و يبعث خلف المظلوم و يأخذ بحقّه من الظالم، و لمّا صارت واقعة النهروان و رجع إلى الكوفة فتح باب البيت فوجد الرقاع كلّها مليئة بسبابه و شتمه، فألغى ذلك البيت [1].

شرطة الخميس:

و أحدث الإمام (عليه السلام) جهازا للمحافظة على الأمن و مراقبة الأحداث، و قد سمّاه (شرطة الخميس)، و قد اختار لها خيرة الرجال في إيمانهم و تحرّجهم في الدين،

____________

[1] صبح الأعشى 1: 471.

32

و كان منهم المجاهد الشهيد حبيب بن مظاهر و عفاق بن المسيح الفزاري [1].

مع رجل طويل الذيل:

رأى الإمام (عليه السلام) رجلا طويل الذيل في لباسه فقال (عليه السلام):

«يا هذا، قصّر من هذا، فإنّه أنقى، و أبقى، و أتقى» [2].

تقديمه لقنبر عليه:

و كان من مظاهر عدله و سموّ ذاته أنّه قدّم خادمه قنبرا على نفسه في لباسه و طعامه،

فقد اشترى ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم و الآخر بدرهمين، فقال لقنبر: خذ الثوب الذي بثلاثة دراهم، فقال قنبر:

أنت أولى به يا أمير المؤمنين، أنت تصعد المنبر و تخطب؟ فقال (عليه السلام):

«يا قنبر، أنت شابّ، و لك شره الشّباب، و أنا استحي من ربّي أن اتفضّل عليك ..» [3].

أمره بكتابة الحوائج:

و أصدر الإمام (عليه السلام) مرسوما بكتابة الحوائج و عدم ذكر أسمائهم، فقد قال (عليه السلام) لأصحابه:

«من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها في كتاب لأصون وجوهكم من المسألة» [4].

____________

[1] خزانة الأدب 7: 130.

[2] التمثيل و المحاضرة: 284.

[3] الغارات 1: 99.

[4] العقد الفريد 1: 238.

33

مدير شرطة الإمام:

أمّا مدير شرطة الإمام فهو من خيار الرجال، و هو معقل بن قيس الرياحي [1].

كاتبه:

أمّا كاتبه فهو سعيد بن نمران سيّد همدان [2]،

و كان الإمام يقول للكاتب:

«فرّج ما بين السّطور، و قرّب بين الحروف» [3].

و من الجدير بالذكر أنّ الخلفاء الذين سبقوا الإمام كانوا يستكتبون بعض الأشخاص من الذين خانوهم، فكان مروان كاتبا لعثمان و قد خانه، و هو الذي أشعل الرعية حربا عليه، و لكن لمّا آل الأمر إلى عليّ اشتدّ في الأمر، و بذل المزيد من الاهتمام بما لم ير مثله [4].

و كان من كتّابه عبيد اللّه بن أبي رافع مولى النبيّ (صلى الله عليه و آله) [5].

الصراحة و الصدق:

و الشي‏ء البارز في سياسة الإمام (عليه السلام) التزام الصراحة و الصدق في جميع شئون حياته، فلم يوارب و لم يخادع و لم يداهن في دينه، و سار على منهج أخيه و ابن عمّه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و لو أنّه التزم بالأعراف السياسية السائدة في عصره و غيره لمّا آلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان، فقد ألحّ عليه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه شريطة أن يسير بسيرة الشيخين، فامتنع من إجابته، و صارحه أنّه يسوس الأمّة بمنهاج الكتاب و السنّة و ليس غيرهما رصيدا يستند إليه في عالم السياسة و الحكم، لقد أبى‏

____________

[1] المجد: 373.

[2] المجد: 377. لطائف المعارف: 59.

[3] تاج العروس 5: 204.

[4] رسائل الجاحظ 2: 189.

[5] صبح الأعشى 1: 126.

34

ضميره الحيّ أن يخادع أو يماكر في سبيل الوصول إلى السلطة، فقد زهد فيها، و تنكّر لجميع مغرياتها،

و كان كثيرا ما يتنفّس الصعداء من الآلام المحيطة به من جرّاء خصومة القرشيين، فكان يقول:

«وا ويلاه! يمكرون بي، و يعلمون أنّي بمكرهم عالم، و أعرف منهم بوجوه المكر، و لكنّي أعلم أنّ المكر و الخديعة في النّار، فأصبر على مكرهم و لا أرتكب مثل ما ارتكبوا» [1].

و ردّ على من قال فيه إنّه لا دراية له بالشؤون السياسة و إنّ معاوية خبير بها قال (عليه السلام):

«و اللّه! ما معاوية بأدهى منّي، و لكنّه يغدر و يفجر. و لو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس» [2].

و أنكر على بعض الناس الذين يتوسّلون و يستخدمون جميع الوسائل للوصول إلى الحكم، و قد برّروا ذلك بأنّها حيلة منهم قال (عليه السلام):

«و ما يغدر من علم كيف المرجع. و لقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا، و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم! قاتلهم اللّه! قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونها مانع من أمر اللّه و نهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين [3].

على هذا الخلق الرفيع بنى الإمام سياسته الرشيدة التي لا التواء و لا خداع فيها، و التي كانت السبب في خلوده في جميع الأجيال و الآباد.

____________

[1] جامع السعادات 1: 202.

[2] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 20: 206.

[3] حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 1: 423.

35

إلغاء المهرجانات الشعبية:

و لم يحفل الإمام (عليه السلام) بالمهرجانات الشعبية و نفر منها، و كان من ذلك أنّه لمّا قدم من حرب الجمل و اجتاز على المدائن خرج أهلها لاستقباله، و علت زغردة النساء، و ذهل الإمام من ذلك فسألهم عن مهرجانهم، فقالوا له: إنّا نستقبل ملوكنا بمثل ذلك، فقال لهم الإمام بما مضمونه: إنّه ليس ملكا و إنّما هو كأحدهم، يقيم فيهم الحقّ و العدل، و لم ينصرف عن مكانه حتى انصرف الناس إلى أعمالهم.

إقامة الحدّ على النجاشي:

كان النجاشي شاعرا رقيقا في نظمه، موهوبا في أدبه، و هو من شعراء الإمام (عليه السلام)، و الشعراء في تلك العصور ألسنة الأمّة، و وسائل إعلامها، و قد شرب النجاشي الخمر في شهر رمضان، فقد أغراه أبو سمّال العدويّ، و قال له: ما تقول في رءوس حملان في كرش في تنوّر قد أينع من أوّل الليل إلى آخره؟ فقال له النجاشي: ويحك! في شهر رمضان تقول هذا؟ فقال له: ما شهر رمضان و شوّال إلّا سواء، و قال له النجاشي: فما تسقيني عليه؟ قال: شرابا كأنّه الورس يطيّب النفس و يجري في العظام و يسهّل الكلام، و دخلا المنزل فأكلا و شربا، فلمّا أخذ الشراب منهما مأخذا تفاخرا، و علت أصواتهما، فسمع جار صوتهما فسارع إلى الإمام فأخبره، فأرسل للقبض عليهما بعض شرطته، فأمّا أبو سمّال فقد هرب و لم يقبض عليه،

و أمّا النجاشي فقد قبضت عليه الشرطة و جاءت به مخفورا إلى الإمام فقال له:

«ويحك! إنّنا صيام و أنت مفطر؟».

ثمّ أمر أن يضرب ثمانين سوطا، و زاده عشرين سوطا، فقال النجاشي:

ما هذه الزيادة يا أبا الحسن؟ ..

فقال (عليه السلام): «لجرأتك على اللّه في شهر رمضان»

، ثمّ رفعه إلى الناس في‏

36

تبّان [1]، و ذلك لإهانته حتى يرتدع الناس من شرب الخمر، و لم يقم أي وزن لمدح النجاشي له، و من جيّد شعره في الإمام قوله مخاطبا معاوية:

و اعلم بأنّ عليّ الخير من بشر * * * شمّ العرانين لا يعلوهم بشر

نعم الفتى هو إلّا أنّ بينكما * * * كما تفاضل نور الشّمس و القمر

و ما أظنّك إلّا لست منتهيا * * * حتّى يمسّك من أظفارهم ظفر

إنّي امرؤ قلّما اثني على أحد * * * حتّى أرى بعض ما يأتي و ما يذر

لا تحمدنّ امرأ حتّى تجرّبه‏ * * * و لا تذمّنّ من لم يبله الخبر [2]

سياسته المالية:

كان للإمام (عليه السلام) منهج خاصّ متميّز في سياسته المالية، و من أبرز مناهجه أنّه كان يرى المال الذي تملكه الدولة مال اللّه تعالى و مال المسلمين، و يجب إنفاقه على تطوير حياتهم، و إنقاذهم من غائلة البؤس و الحاجة، و لا يختصّ ذلك بالمسلمين، و إنّما يعمّ جميع من سكن بلاد المسلمين من اليهود و النصارى و الصابئة، فإنّ لهم الحقّ فيها كما للمسلمين، و قد تقدّم في البحوث السابقة ما يدعم ذلك. كان الإمام (عليه السلام) يرى الفقر كارثة اجتماعية مدمّرة يجب القضاء عليه بجميع الوسائل، و قد اثر عنه أنّه لو كان رجلا لأجهز عليه ..

و نلمّح- بإيجاز- إلى بعض معالم سياسته المالية:

توزيع المال:

من المناهج في السياسية المالية التي انتهجها الإمام (عليه السلام) في حكومته توزيع الأموال التي تجبى للخزينة المركزية حين وصولها، فكان يبادر إلى إنفاقها على‏

____________

[1] التبّان: سراويل صغيرة تستر العورة فقط يستعملها الملّاحون.

[2] خزانة الأدب 1: 420.

37

مستحقّيها، و الجهات المختصّة كتعمير الأراضي و إصلاح الري، الأمر الذي يعود على البلاد بالفائدة، و كانت هذه سيرته و منهجه.

و يقول الرواة: إنّ ابن النباح و هو أمين بيت المال جاءه و قال: يا أمير المؤمنين، امتلأ بيت المال من الصفراء و البيضاء، فقال (عليه السلام):

«اللّه أكبر»، و قام متوكّئا على ابن النباح، فلمّا انتهى إلى بيت المال قال:

«هذا جناي و خياره فيه‏ * * * و كلّ جان يده إلى فيه»

ثمّ أمر الإمام (عليه السلام) باتباع الكوفة [1] فحضروا، و وزّع جميع ما في بيت المال، و هو يقول: «يا صفراء! و يا بيضاء! غرّي غيري»

و لم يبق فيه دينارا و لا درهما، ثمّ أمر بنضحه، و صلّى فيه ركعتين [2]، و ورد إليه مال فقسّمه، ففضل منه رغيف فقسّمه سبعة أقسام و أعطاها لهم، كما وردت إليه زقاق من عسل، فقسّمه عليهم، ثمّ جمع الأيتام فجعل يطعمهم ما بقي في الزقاق من عسل.

لقد كانت هذه سيرة إمام الحقّ و رائد العدل في الأموال التي تجبى للخزينة المركزية، ثمّ لا يستأثر بأي شي‏ء منها لا هو و لا أهل بيته.

____________

[1] هكذا ورد، و الصحيح الأسباع لأنّ الجيش في عهد الإمام (عليه السلام) قد وزّع سباعيا، و هي:

السبع الأوّل: يضمّ كنانة، و حلفاءها من الأحابيش و غيرهم و جديلة.

السبع الثاني: يضمّ قضاعة و غسّان و بجيلة و خشعما و كندة و حضرموت و الأزد.

السبع الثالث: يضمّ مذحجا و حميرا و همدان و حلفاءهم، و هؤلاء قد اتّسموا بالولاء للإمام و الكراهية لبني اميّة.

السبع الرابع: و يضمّ تميما و سائر الرباب و حلفاءهم.

السبع الخامس: يضمّ أسدا و غطفان و محاربا و ضبيعة و تغلب.

السبع السادس: يضمّ أيادا و عكا و عبد القيس و أهل هجر و الحمراء و هم الفرس.

السبع السابع: و يضمّ طيّا .. جاء ذلك في حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 2: 645.

[2] حلية الأولياء 1: 81.

38

المساواة في العطاء:

و انتهج الإمام (عليه السلام) طريقة خاصّة في العطاء، و هي التسوية بين المسلمين، فلم يميّز قوما على قوم، و لا فئة على فئة، و قد جرت له هذه السياسة الأزمات، و خلقت له المصاعب، فقد فسد عليه جيشه و تنكّرت له الوجوه و الأعيان، و ناهضته الرأسمالية القرشية التي استأثرت بأموال المسلمين في عهد الخلفاء.

و قد خالف الإمام (عليه السلام) بذلك سياسة عمر التي بنيت على التفاوت بين المسلمين في العطاء فقد فضّل البدريّين على غيرهم، و فضّل الأنصار على غيرهم، و بذلك فقد أوجد الطبقيّة و الرأسمالية بين المسلمين ..

لقد ألغى الإمام هذه السياسة إلغاء تامّا، و ساوى بين المسلمين كما كان يفعل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و لمّا مني جيش الإمام (عليه السلام) بالانحلال و التخاذل و اتّجهوا صوب معاوية

سارع ابن عباس نحو الإمام (عليه السلام) فعرض عليه حالة جيشه، و ما يصلحه قائلا:

يا أمير المؤمنين، فضّل العرب على العجم، و فضّل قريشا على سائر العرب ..

فرمقه الإمام بطرفه، و ردّ عليه قائلا:

«أ تأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور؟ و لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف و إنّما المال مال اللّه».

لقد تبنّى هذا العملاق العظيم مصالح البؤساء و المحرومين و آثرهم على كلّ شي‏ء، فمن مظاهر عدله في مساواته أنّ سيّدة قرشية، و فدت عليه طالبة منه زيادة مرتبها، فلمّا انتهت إلى الكوفة لم تهتد إلى محل إقامته، فسألت سيّدة عنه، و طلبت منها أن تأتي معها لتدلّها عليه و سارت معها السيّدة، فسألتها القرشية عن مرتبها فأخبرتها به، و إذا هو يساوي مرتبها، و سألتها عن هويّتها فأخبرتها أنّها أعجمية،

39

فلمّا انتهت إلى الجامع الأعظم الذي يقيم فيه الإمام، أمسكت بها القرشية، و لمّا انتهت إلى الإمام أخذت تصيح:

أمن العدل يا ابن أبي طالب أن تساوي بيني و بين هذه الأعجمية؟ فالتاع الإمام منها، و أخذ قبضة من التراب و جعل يقلّبها بيده و هو يقول:

«لم يك بعض هذا التّراب أفضل من بعض»، و تلا قوله تعالى:

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏

. لقد أدّت هذه السياسة المشرقة التي انتهجها الإمام إلى إجماع القوى المنحرفة و الباغية على الاطاحة بحكومته و شلّ فعاليّاتها.

يقول المدائني: «إنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى تخاذل العرب عن الإمام اتّباعه لمبدإ المساواة حيث كان لا يفضّل شريفا على مشروف في العطاء و لا عربيا على أعجمي» [1].

إنّ الإنسانية على ما جربت من تجارب، و بلغت من رقي و إبداع في الأنظمة الاقتصادية التي تسير عليها الدولة، فإنّها لم تستطع بحال من الأحوال أن تنشئ أو تقيم مثل هذا النظام.

احتياطه في أموال الدولة:

و احتاط الإمام كاشدّ ما يكون الاحتياط في أموال الدولة، و قد روى المؤرّخون صورا مدهشة من احتياطه فيها كان منها ما يلي:

1- مع عقيل:

وفد عليه عقيل طالبا منه أن يرفّه عليه و يمنحه الصلة، فأخبره الإمام أنّ ما في‏

____________

[1] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 1: 180.

40

بيت المال للمسلمين، و ليس له أن يأخذ منه قليلا و لا كثيرا، و إذا منحه و أعطاه منه فإنّه يكون خائنا و مختلسا، و أخذ عقيل يلحّ عليه و يجهد في مطالبته، فأحمى له الإمام حديدة و أدناها منه، فظنّ أنّها صرّة فيها مال، فألقى نفسه عليها، فلمّا مسّها كاد أن يحترق من ميسمها، و ضجّ ضجيج ذي دنف منها، فلمّا أفاق أجمع رأيه على الالتحاق بمعاوية لينعم في صلاته و أمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين.

2- مع الحسن و الحسين:

و لم يمنح الإمام أي شي‏ء من بيت المال لسبطي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و عاملهما كبقيّة أبناء المسلمين. يقول خالد بن معمر الأوسي لعلياء بن الهيثم و كان من أصحاب الإمام: اتّق اللّه يا علياء! في عشيرتك، و انظر لنفسك و لرحمك، ما ذا تؤمّل عند رجل أردته أن يزيد في عطاء الحسن و الحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف العيش فأبى و غضب فلم يفعل [1]؟

3- مع عبد اللّه بن جعفر:

و وفد عبد اللّه بن جعفر و معه زوجته عقيلة بني هاشم طالبا منه أن يسعفه بالأموال، و يهبه الثراء العريض، فتنكّر له الإمام، و أعرض عنه، و خطب خطبة بليغة ذكر فيها ما يريد تحقيقه من إقامة العدل بين الناس، فتنكّر له القريب و البعيد.

إنّ النظام الاقتصادي الذي أقامه الإمام يهدف إلى إقامة مجتمع متوازن لا تقف فيه الرأسمالية و لا يوجد فيه بائس و فقير و محروم.

الانتاج الزراعي:

اهتمّ الإمام (عليه السلام) اهتماما بالغا بتنمية المشاريع الزراعية و أولاها المزيد من‏

____________

[1] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 10: 250.

41

رعايته لأنّها في تلك العصور العمود الفقري للاقتصاد العام للبلاد،

و قد أكّد الإمام في عهده لمالك الأشتر على ضرورة إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها فلنستمع لقوله:

و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة؛ و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، و أهلك العباد.

أ رأيتم كيف نظر الإمام بعمق و شمول إلى الإصلاح الزراعي الذي يتولّد منه زيادة الدخل الفردي، و يرتبط به نشر الرخاء و الرفاه بين الناس؟ و في نفس الوقت فإنّه من العناصر الأساسية في القضاء على البطالة.

الحرية:

من المبادئ التي طبّقها الإمام في أيام حكومته منح الناس الحرية الكاملة شريطة أن لا تستغلّ في الاعتداء على الناس، و لا تضرّ بمصالحهم، و أن لا تتنافى مع قواعد الشرع، و من معالمها ما يلي:

الحرية السياسية:

و نعني بها أن تتاح للناس الحرية التامّة في اعتناق أي مذهب سياسي من دون أن تفرض السلطة عليهم رأيا معاكسا، و قد منح الإمام (عليه السلام) هذه الحرية حتى لأعدائه الذين أعلنوا رفض بيعته التي قام عليها إجماع المسلمين كسعد بن أبي وقّاص و عبد اللّه بن عمر، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و أبي سعيد الخدري، و أمثالهم من أنصار الحكم المباد الذي كان يغدق عليهم بهباته و أمواله و لم يجبرهم الإمام على بيعته، و لم يتّخذ معهم أي إجراء حاسم كما اتّخذه أبو بكر ضدّ المتخلّفين من بيعته.

كان الإمام (عليه السلام) يرى الناس أحرارا في اتّجاهاتهم و ميولهم، و يجب على الدولة

42

أن توفّر لهم الحرية الكاملة ما لم يعلنوا التمرّد على الحكم القائم أو يحدثوا فسادا في الأرض، و قد منح الإمام الحرية للخوارج فلم يحرمهم العطاء و لم تطاردهم الشرطة و الجيش مع العلم أنّهم كانوا من ألد أعدائه و خصومه، و لمّا سعوا في الأرض فسادا، و أذاعوا الذعر و الخوف بين الناس انبرى إلى قتالهم حفظا على المصلحة العامّة.

و على أي حال فيتفرّع عن الحرية السياسية ما يلي:

1- حرية القول:

من مظاهر الحرية الواسعة التي منحها الإمام (عليه السلام) للمواطنين حرية القول، و إن كان في غير صالح الدولة ما لم يتعقّبه فساد، فالعقاب يكون عليه.

و قد روى المؤرّخون أنّ الإمام لمّا رجع من النهروان استقبل بمزيد من السبّ و الشتم، فلم يتّخذ الإمام مع القائلين أي إجراء، و لم يقابلهم بالعقوبة و الحرمان [1]، و قد التقى أبو خليفة الطائي بجماعة من اخوانه و كان فيهم أبو العيزار الطائي و هو ممّن يعتنق فكرة الخوارج فقال لعدي بن حاتم: يا أبا طريف، أ انم سالم أم ظالم آثم؟

و قد عرّض بذلك إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له عدي:

بل غانم سالم ..

الحكم ذاك إليك ..

و أوجس منه خيفة الأسود بن زيد، و الأسود بن قيس، فألقيا القبض عليه، و نقلا كلامه المنطوي على الشرّ و الخبث إلى الإمام، فقال الإمام لهما:

«ما أصنع؟ ..».

نقتله ..

«أقتل من لا يخرج عليّ؟».

____________

[1] الغارات 1: 31.

43

تحبسه ..

«ليس له جناية، خلّيا سبيل الرّجل» [1]

. و لم يشاهد الناس مثل هذه الحرية في جميع مراحل التأريخ، فلم يحاسب الإمام الناس على ما يقولون و إنّما تركهم و شأنهم، فلم يفرض عليهم رقابة تحول بينهم و بين حرّيتهم.

2- حرية النقد:

و منح الإمام الحرية الواسعة لنقد حكمه، و لم يتعرّض للناقدين له بسوء،

و كان ابن الكوّاء من ألدّ أعدائه، فقد اعترض عليه و قال له:

لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‏، فردّ عليه (عليه السلام): فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ‏

، و لم يتّخذ الإمام ضدّه أي إجراء و إنّما عفا عنه و خلّى سبيله.

3- حرية التنقّل:

و لم يفرض الإمام (عليه السلام) الإقامة الجبرية على أي أحد من الصحابة و غيرهم كما فرضها عمر بن الخطّاب، و قد سمح الإمام لطلحة و الزبير بالخروج من المدينة مع علمه أنّهما يريدان الغدرة لا العمرة.

هذه بعض مظاهر الحرية التي منحها الإمام (عليه السلام) للمواطنين، و قد حقّقت العدل بين الناس بجميع رحابه و مفاهيمه.

الرقابة على السوق:

الإمام (عليه السلام) أوّل خليفة في الإسلام قام بالرقابة على السوق، و كان يتجوّل بين‏

____________

[1] شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد 3: 73.

44

الباعة، و يوصيهم بتقوى اللّه تعالى، و ينهاهم عن معصيته، و يأمرهم بالاستقامة في معاملاتهم و كان يقول لهم: أحسنوا، أرخصوا بيعكم على المسلمين فإنّه أعظم للبركة.

1- مع التجّار:

كان (عليه السلام) يسير في الأسواق و في يده الدرّة، و يقول للتجّار:

«يا معشر التجّار! خذوا الحقّ و أعطوا الحقّ تسلموا» [1].

2- مع القصّابين:

كان (عليه السلام) يمشي وحده في الأسواق، و يأمر الناس بتقوى اللّه، و حسن البيع و يقول:

«أوفوا الكيل و الميزان و لا تنفخوا اللّحم» [2].

3- مع غالب بن صعصعة:

و وفد غالب بن صعصعة أبو الفرزدق فقال له الإمام:

«ما فعلت بإبلك الكثيرة؟».

فقال غالب: ذعذعتها الحقوق، أي فرّقتها، فقد أنفقتها في أداء حقوق الناس. و أثنى عليه الإمام قائلا:

«ذاك أحمد سبيلها» [3].

مع مجنون:

كان رجل مجنون في عهد الإمام يمشي أمام الجنائز و ينادي: الرحيل‏

____________

[1] أخبار القضاة لوكيع 1: 196. و في ربيع الأبرار 4: 144 زيادة على ذلك: «و لا تردّوا قليل الحقّ فتحرموا كثيره، ما منع من حقّ إلّا ذهبت في باطل أضعافه».

[2] طبقات ابن سعد 2/ ق 1/ 18.

[3] خزانة الأدب 1: 222.

45

الرحيل، و لا تكاد جنازة تخلو منه، فمرّت جنازة بالإمام و لم ير أمامها المجنون فسأل عنه، فقيل له: هو هذا الميّت، فقال (عليه السلام):

«لا إله إلّا اللّه» ثمّ تمثّل بهذا البيت:

«ما زال يصرخ بالرّحيل مناديا * * * حتّى أناخ ببابه الجمّال» [1]

مع أهل الكوفة:

قال (عليه السلام) لأهل الكوفة:

«إذا تركتم عدتم إلى مجالسكم عزين تضربون الأمثال، و تنشدون الأشعار» [2].

في سوق الإبل:

خرج الإمام (عليه السلام) إلى سوق الإبل فلمّا توسّطه رفع صوته قائلا:

«يا معشر التجّار! إيّاكم اليمين الفاجرة فإنّها تنفق السّلعة، و تمحق البركة» [3].

عدم شرائه ممّن يعرفه:

كان الإمام (عليه السلام) لا يشتري أيّة سلعة ممّن يعرفه خوفا من أن يسامحه فيها، فقد

روى الرواة أنّه جاء إلى سوق الكرابيس فقصد رجلا و سيما فقال له:

«يا هذا! عندك ثوبان بخمسة دراهم؟».

فقال الرجل: نعم، يا أمير المؤمنين، فلمّا عرفه تركه الإمام و انصرف [4].

____________

[1] فوات الوفيات 2: 269.

[2] العقد المفصّل 9: 220.

[3] الغارات 1: 105.

[4] المصدر السابق 1: 99.

46

و بهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن بعض معالم سياسته الهادفة إلى تحقيق مجتمع متوازن لا ظلّ فيه للغبن و التأخّر.

47

حرب الجمل‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

و الشي‏ء المؤكّد الذي اتّفق عليه المؤرّخون و الرواة هو أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) قد عهد إلى وصيّه و باب مدينة علمه بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين [1]، أمّا الناكثون فهم الذين قاموا بحرب الجمل، و مهّدوا الطريق إلى معاوية و حزبه لحرب الإمام، و هم الذين سمّاهم النبيّ بالقاسطين، و أمّا المارقون فهم الخوارج الذين مرقوا عن الإسلام و حاربوا الإمام، و قد أجمع فقهاء المسلمين على تأثيمهم و تجريحهم و خروجهم عن الطريق القويم، فقد اثر

عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) غير مرّة قوله:

«من حمل علينا السّلاح فليس منّا»

، و قوله:

«لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض»

، لقد واكبوا أهواءهم، و استجابوا لأطماعهم، و فيما يلي عرض لاولى تلك الحروب.

(حرب الجمل)

أمّا الذين قاموا بهذه الحرب فقد نكثوا بيعة الإمام و خاسوا ما عاهدوا عليه اللّه تعالى من الطاعة للإمام، و متابعة أمره، و قد عناهم الإمام بقوله:

«من نكث بيعته لقي اللّه أجذم ليس له يد» [2].

و على أي حال فإنّ الذين أشعلوا هذه الحرب قد أثاروا الفتنة بين المسلمين،

____________

[1] مستدرك الحاكم 3: 139. تاريخ بغداد 8: 340. اسد الغابة 4: 33. كنز العمّال 6: 82.

مجمع الزوائد 9: 235.

[2] النجوم الزاهرة 2: 302.

50

و خالفوا ما أمر اللّه تعالى به من الاعتصام بحبله جميعا و أن لا يتفرّقوا، و هم قد فارقوا الجماعة، و سفكوا دماء المسلمين بغير حقّ، و أشاعوا فيهم الحزن و الحداد، و اللّه تعالى هو الذي يتولّى حسابهم على ما اقترفوه من إثم عظيم ..

و نعرض- بإيجاز- لبعض أعلام هؤلاء المنحرفين مع بيان أسباب تمرّدهم على حكومة الإمام:

السيّدة عائشة:

و قبل الحديث عن تمرّد عائشة و خروجها على حكومة الإمام (عليه السلام) نعرض إلى شي‏ء بالغ الأهمية و هو موقف عائشة من عثمان.

أمّا عائشة فقد كانت في طليعة الحاقدين على عثمان و الناقمين عليه، و قد روى المؤرّخون صورا من إنكارها الشديد عليه كان منها:

1- روى محمّد بن إسحاق عن مشايخه عن حكيم بن عبد اللّه قال:

دخلت المدينة و أتيت إلى مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و إذا بكفّ مرتفعة، و صاحب الكفّ يقول: هذان نعلا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و قميصه، و كأنّي أرى ذلك القميص يلوح، و إنّ فيكم فرعون هذه الأمّة، فإذا هي عائشة و عثمان يقول لها: اسكتي، ثمّ يقول للناس: إنّها امرأة و عقلها عقل النساء، فلا تصغوا إلى قولها.

2- روى الحسن بن سعد قال:

رفعت عائشة ورقة من المصحف بين عودتين من وراء حجابها، و عثمان قائم، ثمّ قالت: يا عثمان، أقم ما في هذا الكتاب، فقال لتنتهنّ عمّا أنت عليه أو لأدخلنّ عليك حرّ النار، فقالت له عائشة: أما و اللّه! لأن فعلت ذلك بنساء النبيّ يلعنك اللّه و رسوله، و هذا قميص رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) لم يتغيّر، و قد غيّرت سننه يا نعثل! 3- روى الليث بن أبي سليمان، عن ثابت الأنصاري، عن ابن أبي عامر

51

مولى الأنصار قال:

كنت عند المسجد فمرّ عثمان فنادته عائشة: يا غادر! يا فاجر! حقّرت أمانتك، و ضيّعت رعيّتك لو لا الصلوات الخمس لمشى إليك الرجال حتى يذبحوك ذبح الشاة. فقال عثمان:

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ‏ [1].

إنّ السيّدة عائشة كانت في طليعة الثائرين على حكومة عثمان، و قد أشعلت العواطف، و ألهبت القلوب ضده، فأباحت دمه و جرّدته من جميع الشرعية للحكم، و لمّا علمت بدنوّ مصرعه على أيدي الثوّار غادرت يثرب، و اتّجهت صوب مكّة تترقّب أخباره بفارغ الصبر.

موقفها من بيعة الإمام:

و غادرت عائشة مكّة متّجهة صوب المدينة، فلمّا انتهت إلى سرف [2] لقيها عبيد بن أمّ كلاب فبادرت مسرعة تسأله عن الأحداث قائلة له:

مهيم- يعني ما عندك من نبأ؟

قتلوا عثمان.

و لم تهتمّ بقتله، و إنّما كانت تترقّب الخليفة من بعده، فقالت:

ثمّ صنعوا ما ذا؟

أخذها أهل المدينة بالإجماع فجازت بهم الأمور إلى غير مجاز، اجتمعوا إلى‏

____________

[1] التحريم: 10.

[2] سرف: موضع يقع على مسيرة ليلة من مكّة.

52

عليّ بن أبي طالب ...

و فقدت عائشة إهابها و راحت تقول بحرارة و جزع و بصرها يشير إلى السماء ثمّ ينخفض إلى الأرض:

ليت هذه- أي السماء- انطبقت على هذه- أي الأرض- إن تمّ الأمر لصاحبك، ويحك انظر ما تقول؟

هو ما قلت لك يا أمّ المؤمنين ..

فولولت و جزعت، و أصابها ذهول و رعدة، فبهر عبيد و قال لها:

ما شأنك يا أمّ المؤمنين؟ و اللّه! لا أعرف بين لابتيها [1] أحدا أولى بها- أي الخلافة- منه- أي من الإمام، و لا أحقّ و لا أرى له نظيرا في جميع حالاته، فما ذا تكرهين منه؟

و راحت تلتمس المعاذير لموقفها، فتمسّكت بما هو أوهى من بيت العنكبوت قائلة:

قتل عثمان و اللّه مظلوما! و أنا طالبة بدمه ...

فأنكر عليها عبيد، و أبدى دهشته قائلا:

إنّ أوّل من طعن عليه- أي على عثمان- لأنت، و أطمع الناس في قتله، و قلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر.

و أبدت معاذيرها الواهية قائلة:

و اللّه! قلت و قال الناس، و آخر قولي خير من أوّله ...

و سخر عبيد من قولها و قال:

عذر و اللّه! ضعيف يا أمّ المؤمنين!

____________

[1] لابتيها: موضعان يكتنفان المدينة.

53

و خاطبها عبيد بهذه الأبيات التي ارتجلها قائلا:

فمنك البداء و منك الغير * * * و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الإمام‏ * * * و قلت لنا: إنّه قد كفر

و لم يسقط السقف من فوقنا * * * و لم تنكسف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذا تدرإ * * * يزيل الشّبا و يقيم الصعر

و يلبس للحرب أثوابها * * * و ما من وفى مثل من قد غدر

و يقول شاعر مصر:

أثار عثمان الذي شجاها * * * أم غصّة لم ينتزع شجاها

ذلك فتق لم يكن بالبال‏ * * * كيد النساء موهن الجبال‏

و قفلت عائشة راجعة إلى مكّة، فلمّا انتهت إليها استقبلها القرشيّون فقالت لهم:

يا معشر قريش، إنّ عثمان قتل، قتله عليّ بن أبي طالب، و اللّه! لليلة من عثمان خير من عليّ الدهر كلّه ... [1].

و تناست عائشة أنّ عليّا نفس رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و أحبّ الناس إليه، و أنّه منه بمنزلة هارون من موسى .. لقد نسيت عائشة ذلك أو لم تحفل به في سبيل أغراضها و أطماعها السياسية.

خطاب عائشة بمكّة:

أحاطت جماهير أهل مكّة بعائشة، فخطبت فيهم خطابها السياسي، و خلاصته أنّها حمّلت المسئولية في إراقة دم عثمان على الغوغاء، فهم الذين استباحوا سفك دمه في البلد الحرام و في الشهر الحرام، و ذلك بعد ما أقلع من ذنوبه،

____________

[1] تاريخ الطبري 5: 172. أنساب الأشراف 5: 91. الإمامة و السياسة 1: 53.

54

و أخلص في توبته، و لا حجّة لهم فيما اقترفوه من سفك دمه ... [1].

و حفل خطابها بالمغالطات السياسية، فقد اتّهمت الغوغاء بسفك دم عثمان، مع أنّهم بريئون منه، و إنّما الذي أجهز عليه القوّات العسكرية من المصريّين و العراقيّين، و انضمام كبار الصحابة إليهم كعمّار بن ياسر و مالك الأشتر و طلحة و الزبير، و هي بالذات فقد كانت تخاطب الجماهير قائلة: اقتلوا نعثلا فقد كفر.

و أمّا توبة عثمان فهي كما تقول: إلّا أنّه تراجع عنها بسبب ضغط الأمويّين عليه.

و على أي حال فإنّ خطاب عائشة بمكّة كان أوّل صوت انطلق ضدّ حكومة الإمام (عليه السلام).

دوافع تمرّدها:

و لم يكن تمرّد عائشة على حكومة الإمام عفويا و إنّما كان ناشئا عن أسباب هذه بعضها:

1- و هو من أوثق الأسباب، أنّها كانت تروم إرجاع الخلافة إلى ابن عمّها طلحة، و جعلها في تيم اسرتها، و قد أعربت عن ذلك حينما كانت في مكّة فجعلت تناجي ابن عمّها طلحة و تخاطبه قائلة:

إيه ذا الإصبع! إيه أبا شبل! إيه ابن عمّ! للّه أبوك! أما إنّهم وجدوا طلحة لها- أي الخلافة- كفوا، لكأنّي أنظر إلى اصبعه، و هو يبايع حثو الإبل [2].

لقد جهدت عائشة و بذلت جميع طاقاتها لإرجاع الخلافة لاسرتها و على رأسهم طلحة إلّا أنّها باءت بالفشل إذ لم تكن له قاعدة شعبية يستند إليها.

____________

[1] نصّ خطابها الكامل في تاريخ الطبري 3: 268.

[2] أحاديث أمّ المؤمنين عائشة: ص 118.