أنوار الأصول‏ - ج1

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
598 /
7

الجزء الأول‏

كلمة المقرّر

الحمد للَّه، الذي هدانا لمعرفته، و خصّنا بولايته، و وفّقنا لطاعته، و الصّلاة و السلام على رسوله الذي منّ اللَّه به على المؤمنين يتلوا عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة، و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم.

و على أهل بيته، الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، و الذين بذلوا أنفسهم في مرضاته، و صبروا على ما أصابهم في جنبه، و جاهدوا في اللَّه حقّ جهاده، حتّى أعلنوا دعوته، و بيّنوا فرائضه، و نشروا شرائع أحكامه، و فقّهوا في الدين العلماء من شيعتهم، و علّموهم الكتاب و السنّة، و ألقوا إليهم الاصول، و فوّضوا إليهم التفريع.

و صلوات اللَّه تعالى و رحمته و مغفرته، و استغفار رسوله و ملائكته على أصحابهم و تلامذتهم المقتصّين آثارهم، و السالكين سبيلهم، و المهتدين بهداهم الذين حملوا مشعل الهداية في حالك الأزمنة الدامية من تاريخ التشيّع، و رفعوا لواء الدين في ظروف عصيبة و أجواء قاسية، و أكرمهم اللَّه تعالى بأن جعل مدادهم أفضل من دماء الشهداء، فسقَوْا بأمطار أقلامهم شجرة الدين و أبقوها طريّة مثمرة، و حرسوا حصون الاجتهاد و الفقاهة.

و نحمد اللَّه تعالى أن وفّقنا للانتفاع من موائد فيضهم، و الاقتطاف من سنابل بَيْدرهم، و اصطفانا من الوف مؤلّفة من الخلق، فعرّفنا علماء هذا الجيل و هم:

1- الرجال النبلاء أغصان شجرة الحوزات العلميّة الإسلاميّة الطيّبة، التي أصلها ثابت، و فرعها في السماء، تُؤتى اكلها كلّ حين بإذن ربّها.

2- خبراء الدين، غير المتهرّبين من قبول المسئوليّة، الذين لم يستوحشوا في طريق إعلاء كلمة الحقّ طيلة تاريخ حياتهم من سُخرية طالبي الدنيا الدنيّة، و ضغط الطواغيت الجبابرة، و تكفير المتحجّرين المتنسّكين، بل تحركوا في طريق إبلاغ حقائق الدين و نشر

8

المعارف العالية لأهل البيت (عليهم السلام) بجهد و جهاد، و صبر و سداد، و استقاموا على طريق حفظ القيم الدينيّة المتكاملة، و الدفاع عن نواميس هذه المدرسة، و موازين الشريعة المحمّديّة بأفكارهم و أقلامهم و أقوالهم.

3- الفقهاء الملتزمون، الذين حرسوا ثُغور العقيدة بوعي و ذكاء، و جاهدوا في إبطال تحريف المبطلين، و نفي انحراف الغالين بيد بيضاء من البرهان و الفرقان.

4- المتفكّرون، الذين لم يكتفوا باكتساب العلوم السائدة في الحوزات العلميّة، بل انتهلوا أيضاً- عن وعي واسع، و فكر حيّ متحرّك- من ينابيع العلوم الاخرى القديمة أو الجديدة، و لم يغفلوا بالاشتغال بزاوية خاصّة و بُعد خاصّ من الدين عن سائر أبعاده و زواياه.

5- المصلحون المتنوّرون، الذين انتفضوا كعَيْنٍ صافية في صحراء إعصار الطواغيت المقْفَرة، و رفدوا أحرار ذلك الليل المظلم بالأمن و الرجاء.

6- الموقنون القائمون بالقسط، الذين يرون إيجاد مجتمع ديني و تشكيل نظام حكم إلهي في الدرجة الاولى من واجبات العلماء الملتزمين، و امنيّتهم المقدّسة تحقّق الأحكام الناصعة، و المعارف الراقية للإسلام على أرض الواقع و يموج في قلوبهم نور الأمل بالمستقبل الباهر الزاهر حول مصير الامّة الإسلاميّة.

7- المحقّقون‏ الذين لم يعيشوا قلّة الهمّة و وهن العزيمة، و لم يدفنوا في غبار التسامح و التساهل.

8- المتتبّعون المتبحّرون، الذي يعدّون من طالبي الأسرار الإلهيّة و الرموز القرآنيّة، و الذين تصدّوا لإشباع الحاجات المعنويّة الدينيّة في المجتمع الاسلامي، و يتحمّلون مسئوليّة استنباط الأحكام، و تبيين الثقافة الدينيّة في مجمع الحوزات الإسلاميّة بحيث أدّى‏ حضورهم المستمر (و استعدادهم للمراجعات الدينيّة و الجواب عن كلّ مسألة عرضت عليهم) أن يصبحوا علماء ربّانيين و فقهاء متمرّسين كاملًا عبقريّاً.

9- المتنزّهون، الذين لا ينظرون إلى المقامات الاعتباريّة و المناصب الحوزويّة إلّا من جهة أنّها أداة لخدمة الدين و المذهب، و لا يشترون تلك القيم المعنويّة، و المقامات الاخرويّة، و الدرجات و الاجور الموعودة لأصحاب الخدمات القلمية و البيانيّة، بحُطام الدنيا و متاعها القليل الزائل.

9

10- و أخيراً: النجوم الزاهرة لسماء الفقاهة، الذين صاغوا من أنفسهم رجالًا محنّكين لابتعادهم عن الكسل و العُزلة، و معرفتهم بالزمان و مقتضياته، مع نضوج الفكر و حسن السليقة و استقامتها، و الدقّة و النظم الإبداع في العمل مع أهداف سامية عالية و شعور عقلائي رائق في البيان و الكتابة، و همّة عالية و عزم راسخ إلهي، و نفس أبيّة قويّة، و حركة دائبة و جدّ مستمر (و كأنّ أحدهم بعد مضيّ ستّين أو سبعين سنة من عمره المبارك، يعمل و يسعى سعي عدّة أفراد من الطلّاب المجدّين).

إلهي: يا من هو المبدأ لهذه المكارم الكاملة الجميلة: نسألك أن تعطينا يقظة و انشراح صدر، حتّى لا يحجبنا بعض ما نراه نقصاً فيهم عن مشاهدة أنوار حكمتهم، و لا يحرمنا بعض عثراتهم- التي لا يخلو غير المعصوم منها- من كوثر معارفهم البالغة، فانّه لا حكيم إلّا ذو عثرة (1).

كما انّا نسألك يا مالك القلوب و الأبصار: أن تهب لنا وفاءً و تأدّباً، حتّى لا نطلق عليهم لساناً هم صيّروه ناطقاً، و قلماً و بياناً هم علّموه البلاغة (2).

و الحقير الفاقد لأيّة بضاعة يحمدك بكلّ وجوده و أعماق قلبه على أن وفّقته لتقرير حلقة (الدورة الرابعة لخارج الاصول) من حلقات درس استاذٍ هو بنفسه غُصن من هذه الشجرة الطيّبة، و نجم من هذه المنظومة المضيئة.

فأرجو اللَّه سبحانه أن لا يمنعنا حجاب المعاصرة عن مشاهدة هذه الوجوه المشرقة، و مفاخر المدرسة الجعفريّة، فندرك مكانة هذه النجوم المضيئة و مقاماتهم بعد رحيلهم عن دنيا المعرفة و الحكمة، و أفولهم عن سماء العلم و الهداية.

ما الذي دعاني إلى هذا ...؟

إنّ سبب اختياري درس الاستاذ (دام ظلّه) أنّي بعد ما سمعت عزمه على الشروع بالدورة

____________

(1) عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «غريبان: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، و كلمة سفه من حكيم فاغفروها، فانّه لا حكيم إلّا ذو عثرة، و لا سفيه إلّا ذو تجربة». (بحار الأنوار: ج 2، ص 44).

(2) «لا تجعلنّ ذرب لسانك على من أنطقك، و بلاغة قولك على من سدّدك». (نهج- حكمة 411).

10

الرابعة لخارج الاصول، استخرت اللَّه بكتابه الكريم فجاءت هذه الآية: «وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ» (1) فتفأّلت بالخير، و حضرت في محضره الشريف فوجدت صدق التفؤّل، فكان درسه مذهباً للحَزَن و حالّاً للعُقَد، و ذلك لتوفّر بعض الشرائط و الخصوصيّات فيه:

منها: تحرّر فكري و أصالة في مجال البحث و النقد: بحيث يشاهد بوضوح عدم انجذاب عقربة الفكر إلى مدرسة خاصّة من المدارس الموجودة في محافل دروس مرحلة الخارج.

و الإنصاف أنّ هذه الدرجة من الحرّية و الاعتماد على النفس يلعب دوراً أساسيّاً في تربية التلميذ، و تكوين شخصيته العمليّة، و قوّة اعتماده على نفسه في البحث و الدراسة بعد ما أراد بخروجه من مرحلة السطح إلى مرحلة الخارج أن يقوم على قدميه، و أن يُخرج نفسه من هيمنة أفكار الأعاظم و سطوتها مع احترامها و الاهتمام بها.

و منها: السعي أن يعطى البحث- حدّ الإمكان- اتّجاهاً موضوعيّاً عمليّاً، و يخرجه من إطار الافتراضات المدرسيّة، و لعلّ هذا ممّا يلاحظ في مدرسة الشّيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله، و مما يتميّز به مشربه الاصولي و منهجه عن منهج المحقّق الخراساني (رحمه الله) في كفايته إلى درجة كبيرة.

فشاهدت في كثير من المباحث عدم الاكتفاء ببيان كليّات المسألة، و تركها في دائرة الفرض و التصوّر، بل يستعرض أيضاً ما يعتمد عليه الفقيه في مقام العمل و الاستنباط في الأبواب المختلفة من الفقه (من الاستظهارات العرفيّة، و الارتكازات العقلائيّة، و ما يستظهر من روايات أهل بيت الوحي (عليهم السلام) و ما فهم منها أصحابنا الإماميّة (رضوان اللَّه عليهم) بحسن سليقة، و استقامة فكر ... إلى أن تصل المسألة إلى موضع من التنقيح و الاطمئنان.

و منها: سلاسة البيان و سهولته، ممّا يخرج موضوع البحث من التعقيد المحيّر للفكر و العمق المتوهّم و الابّهة الخيالية المخيّبة لأمل التلميذ في حركته العمليّة.

بل إنّ سهولة بيانه (دام ظلّه) قد تصل إلى حدّ توجب تردّد التلميذ في بدء الأمر، فيحتمل أو يظنّ أنّ للمسألة المطروحة عمقاً آخر، و أنّه لم يؤدّ حقّها.

____________

(1) سورة فاطر: الآية 34.

11

و الحقير الفاقد للبضاعة- الذي وقع من هذه الجهة في تردّد و وسواس في بادئ الأمر- كان يسعى في دراسة المسألة قبل الدرس و بعده، و يعمّق النظر في جوانبها و بمعونة أصدقائه في المباحثة، فكان- بعد فحص كثير و تأمّل بالغ- ينتهي في كثير من الموارد إلى أنّ الحقّ في المسألة هو ما أفاده الاستاذ (دام ظلّه) بتبسّط في الحديث و من دون عبارات مغلقة و تعبيرات معقّدة، و ما فهمه بذوقه السليم و فكره الثاقب.

و من الواضح أنّ ما يلعب دوراً هامّاً أوّليّاً في سلاسة البيان إنّما هو كيفية الورود في المسألة و الخروج عنها، و التحليل الصحيح لموضوع البحث، و تشقيق الموضوع الكلّي العامّ و تفكيكه و تجزئته إلى موضوعات فرعيّة خاصّة، و بالجملة إبراز الموضوعات المتشابهة الخارجة عن محلّ البحث، و الإراءة الدقيقة لمحلّ النزاع، و الإنصاف أنّ للُاستاذ (دام ظلّه) في هذا المجال تضلّعاً خاصّاً.

و من الطريف أنّ الاستاذ (دام ظلّه) يلقى افاضاته و يؤدّي كلماته بقوّة و نشاط، و طراوة و نضارة، تجعل محفل درسه ناشطاً و طريّاً بحيث لا يحسّ أحد بصعوبة و كدورة، و لا يرى نفسه متأخّراً و متخلّفاً عن القافلة، بل أن كلّ شخص يشعر في نفسه في مسرح البحث، راجياً لفهمه، و مطمئناً بإدراكه للمسألة.

هذا- و قد تذكّرت بعدُ ما كتبه السيّد الحكيم (رحمه الله) صاحب المستمسك في هامش تقريرات الاستاذ (دام ظلّه) لبحثه (رحمه الله) قبل أربعين سنة، حيث قال: «... فوجدته متقناً غاية الاتقان، ببيان رائق، و اسلوب فائق يدلّ على نضوج في الفكر، و توقّد في القريحة، و اعتدال في السليقة ...» فوجدته وافياً لما هو مرادي، و الحمد للَّه.

و أخيراً: ينبغي أن اشير إلى أنّ من توفيق اللَّه تعالى عرض جميع مباحث هذا التقرير- حرفاً بحرف، و سطراً بسطر، من البدو إلى الختم- على الاستاذ (دام ظلّه) و قراءتها له في طيلة الدورة، و لذلك يشاهد بعض الاختلاف- منهجاً و محتوى- بين مباحث الكتاب و ما أفاده (دام ظلّه) في مجلس المحاضرة، فقد يتبدّل نظره الشريف حين القراءة على مستوى المنهج أو المحتوى، أو يخطر ببالي القاصر إشكال أو إضافة نكتة أو رأي، أو حذفهما، فيقابلني الاستاذ غالباً- مع انشراح صدر و كرامة بالغة- بالتأييد أو إيراده تحت عنوان: «إن قلت» ثمّ الجواب‏

12

عنه، أو- على الأقلّ- بإشارة إليه تحت عنوان «اللهمّ إلّا أن يقال» أو «فتأمّل» و نظيرهما.

فليكن الإخوان الكرام الذين كانوا يحضرون درس الاستاذ (دام ظلّه) على ذكر من هذا.

و ختاماً: أهدى هذا الجهد المتواضع إلى كلّ من له عليّ حقّ التعليم أو الهداية، سواء من علّمني في عنفوان شبابي المفاهيم الدينيّة و ولاية أهل بيت العصمة، سيّما معرفة ذلك العزيز المستور الغائب عن الأبصار، الحاضر في القلوب و الأفكار (عج) فسقاني شراب محبّته، و أنفذ في قلبي شوق خدمته، فهيّأ لي قبل الورود إلى الحوزة العمليّة، الظروف الروحيّة و الفكريّة للدخول فيها.

أم كان من الأساتذة الكرام الذين صقلوا شخصيتي الخُلقيّة و العمليّة، فوطّئوا لي ظروف هذا التقرير و مقوّماته.

فأسأل العزيز القادر المتعال أن يعطيهم خير الدنيا و الآخرة، و يجعل حياتهم زاخرة بالعطاء مثمرة بالخير و محييا للدين، و يهب لهم مرافقة الأنبياء عند مليك مقتدر.

و أسأله أن يتقبّله منّي بقبول حسن، و يجعله ذُخراً خالصاً لآخرتي، فانّه بادئ برّي و تربيتي، و خير ناصر و معين، و له الحمد في كلّ حين.

أحمد القدسي‏

قم المقدّسة- رمضان 1414 هجرية- اسفند 1372 شمسية

13

المدخل علم الاصول كما ينبغي‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

علم الاصول كما ينبغي‏

(1) تاريخ علم الاصول و تطوّره في سطور:

المعروف أنّ أوّل ما دوّن علم الاصول هو رسالة دوّنها الشّيخ المفيد (رحمه الله) و أوردها المحقّق الكراجكي (رحمه الله) في كنز فوائده‏ (1)، و لكن من الواضح أنّ هذا لا يعني أنّ هذا المحقّق (رحمه الله) هو المبتكر لهذا الفنّ، بل إنّ الفكر الاصولي و قد وضِعت دعائمه و انعقدت نطفته منذ عصر الأئمّة (عليهم السلام) بل منذ عصر النبي (صلى الله عليه و آله)، ذلك العصر الذي شهد ظهور الفقه، و تحرك فيه فقهاء الامّة ليسترفدوا من الكتاب و السنّة- بل إجماع المسلمين و دليل العقل أحياناً- لاستنباط الأحكام الالهيّة فاحتاجوا إلى معرفة أدلّة الأحكام الفقهيّة و المنابع الأصلية لها و الإحاطة الدقيقة بمنابعها الأساسيّة و حدودها و خصوصيّاتها على أحسن وجه، حيث كانت أحكام الدِّين و ما يحتاج إليه المكلّفون مبثوثة في الكتاب و السنّة، و لا بدّ للعلماء و أصحاب الحديث و غيرهم من رسم خطوط عامّة لكشفها و استنباطها عن أدلّتها، فكان اللازم معرفة هذه الأدلّة التي يستكشف منها أحكام الشرع و كيفية الاستدلال بها عليها.

لكن لا إشكال في أنّ علم الاصول كان في تلك العصور مجرّد قواعد بسيطة جدّاً، متفرّقة غير مدوّنة في كتاب خاصّ، مأخوذة من كتاب اللَّه و سنّة النبي و أئمّة الهدى (عليهم السلام) و عُرف العقلاء، و يلقيها العلماء في كلّ زمان إلى تلامذتهم، فقد صرّح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بأنّ‏

«علينا إلقاء الاصول و عليكم التفريع»

(2). و قال الإمام الباقر (عليه السلام) لأبان بن تغلب:

«اجلس في مسجد

____________

(1) و قد طبعها و نشرها أخيراً المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد (رحمه الله)، فراجع ج 9 من مصنّفات الشّيخ المفيد (رحمه الله).

(2) وسائل الشيعة: ج 27، طبع آل البيت، ص 62 عن الإمام الرضا (عليه السلام)، و قد نقل نفس الحديث في بحار الأنوار: ج 2، ص 245 عن جامع البزنطي عن الإمام الرضا (عليه السلام) بتغيير يسير، و هو «علينا إلقاء الاصول إليكم و عليكم التفرّع».

16

المدينة و أفتِ الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك»

. (1)

فمن المقطوع أنّهم منذ العصر الأوّل كانوا يفتون بمقتضى ظواهر النصوص فيستندون إلى حجّية الظواهر بعنوان أصل قطعي، و يعتمدون في الرّوايات على أقوال الثقات (حجّية قول الثقة) و يعالجون تعارض العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، من طريق التخصيص و التقييد، و يعملون بالمفاهيم كمفهوم الشرط و الغاية، و حين وقوع التعارض بين الظاهر و الأظهر يقدّمون الثاني على الأوّل، و يقدّمون الدليل القطعي على الظنّي و ... إلى غير ذلك من أشباهه.

هذا، و لكن كلّما اتّسع نطاق علم الفقه و ظهرت فيه فروع مستحدثة اتّسع بموازاته نطاق علم الاصول إلى يومنا هذا، حتّى صار من أوسع العلوم و أعقدها، مملوّاً من دقائق عقليّة و نقليّة، و هكذا يتّسع يوماً بعد يوم.

و من الطريف جدّاً أنّ علم اصول الفقه- كالفقه نفسه- عند أتباع أهل بيت (عليهم السلام) الوحي أكثر توسّعاً من اصول أهل السنّة إلى درجة كبيرة، و دليله واضح، حيث إنّ فقهاءهم قد سدّوا باب الاجتهاد على أنفسهم و عدّوا الفقهاء الأربعة (أئمّة المذاهب الأربعة) خاتمي المجتهدين و المستنبطين فمالت مسألة الاستنباط إلى الركود و الجمود و توقّف بالطبع قرين علم الفقه و شقيقه (علم الاصول) عن النموّ و الحركة، و لكن أتباع أهل بيت العصمة- مضافاً إلى تأكيدهم على فتح باب الاجتهاد- أفتوا باتّفاق الآراء بحرمة التقليد الابتدائي عن الميّت، و لأجل ذلك لا يزال و في كلّ عصر طائفة من علمائهم يلزمون أنفسهم بعنوان الواجب الكفائي على استنباط الأحكام الفقهيّة من منابعها الإسلاميّة و أدلّتها المعتبرة، و يقدّمونها إلى المجتمع الاسلامي، و يضعونها في متناول أيدي المسلمين، و هذا الاعتقاد- مضافاً إلى جعله مصباح الفقه أكثر إضاءة و إشراقاً ممّا كان سابقاً- أوجب ازدهار علم الاصول و نموّه يوماً بعد يوم إلى حدّ تعدّ الكتب الاصوليّة المدوّنة في سائر الفِرق الإسلاميّة بالنسبة إلى ما دوّنه علماء الشيعة كتباً إعداديّة و بدائيّة جدّاً، بل لا يمكن الإحاطة بكنه الاصول لدى الشيعة إلّا عند فحول و خبراء من أساطين الفنّ طيلة سنين متمادية.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17، ص 315.

17

(2) المشكلة المهمّة في اصول الفقه:

و لكن علم الاصول رغم هذا التوسّع و الدقّة و الظرافة في طرح المسائل- مضافاً إلى التعمق التوغّل في استكناه الحقائق- ما زال يفتقد للنظام اللازم اللائق في كيفيّة الورود و الخروج في المسألة و منهج عرض المباحث.

و من جانب آخر: فإنّ الكثير من مسائله لم توضع موضعها الأصلي المناسب، الأمر الذي يثير مشكلة جديدة على مستوى تحرير محلّ النزاع في المسألة و الاستدلال عليها.

و من جانب ثالث: هناك بعض النواقص و التفريعات الزائدة في هذا العلم الشريف كانت مطروحة في سالف الزمان، ممّا يُلزم المحقّقين الكرام في الحوزات العمليّة بذل الجهد لرفعها و إصلاحها، فكأنّ الغواصين في هذا البحر (أعلى اللَّه مقامهم الشريف) على رغم احاطتهم بمسائل هذا العلم و إعمال الدقّة و السعي الوافر في تنقيحها كانوا- لشدّة اهتمامهم بالاصول- يطرحون في علم الاصول كلّ مسألة مهمّةٍ مرتبطة بالفقه و الاستنباط بنوع من الارتباط و لم يبحث عنها في موضعها المناسب، و الذي أثار هذه المشكلة و شدّدها هو التنوّع البالغ و التفريع العجيب للمسائل الاصوليّة، و اختلاف مبادئها العقليّة و اصولها النقليّة.

و لكن هؤلاء الأعاظم- تغمّدهم اللَّه تعالى في رحمته و عناياته، و جزاهم اللَّه عن الإسلام و أهله خير الجزاء- قد حرّموا علينا التقليد في طلب الحقائق العمليّة، و أوصونا بأشدّ الجهاد و أوفر السعي لتفعيل هذا العلم و تطويره، و لذا نستمدّ من المولى سبحانه و نعمل على البحث عمّا في مسائل هذا العلم كما يظهر في رأينا القاصر.

(3) رسم كلّي لأبحاث علم الاصول:

المشهور في تعريف علم الاصول أنّه: «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة»، و أنّ موضوعه «الأدلّة الأربعة». و في قول آخر: «ما هو الحجّة في الفقه» مطلقاً سواء كان من الأدلّة الأربعة أو غيرها.

إذن، البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة و نحوها بحث في المسائل الأصليّة لعلم الاصول، كما أنّ البحث عن حجّية ظواهر الألفاظ و حجّية قول اللغوي أيضاً بحث من هذا القبيل، فإنّ جميعها تقع في طريق الاستنباط، أي تكون كبرى في القياس الذي ينتج حكماً من أحكام الشرع. نعم، لا يخفى أنّه قد تقع في كبرى القياس عدّة مسائل اصوليّة معاً، كمسألة حجّية

18

الخبر الواحد و حجّية الظواهر و مرجّحات باب التعارض، فيمكن وقوعها معاً كبرى قياس يُستنبط منه حكمٌ واحد كوجوب صلاة الجمعة مثلًا.

و على هذا الأساس تخرج كثير من المسائل الموجودة في علم الاصول من المسائل الأصلية لهذا العلم و تلحق بالمبادئ.

كما أنّ كثيراً من المباحث المطروحة في باب الألفاظ ليست من المباحث اللّفظيّة، و لا بدّ فيها من تغيير و تبديل.

و من جانب آخر، لا شكّ في عدم ترتّب ثمرة على بعض المسائل الاصوليّة، فلا بدّ من حذفها من علم الاصول، و بالعكس توجد فيه نقائص لا بدّ من رفعها بإضافة مباحث كفيلة بذلك و الانتهاء بعلم الاصول إلى كماله المطلوب.

إذن، يمكن تلخيص مشاكل علم الاصول في عدّة أمور:

1- وجود مسائل تُعدّ في الواقع من مبادئ علم الاصول، و لكنّها امتزجت مع المسائل الأصلية، فلا بدّ من تفكيكها و طرح كلّ واحدة منهما في موضعها الحقيقي المناسب.

2- عدم وجود بعض المسائل التي كانت مطروحة في كتب السابقين و لا نجدها الآن في علم الاصول.

3- توسّع بعض المسائل نظير مبحث الانسداد توسّعاً يوجب تضييع عدّة شهور من أوقات طلّاب هذا العلم.

4- عدم طرح كثير من المسائل في موضعها اللائق المناسب.

5- وجود القواعد الفقهيّة التي لا بدّ من طرحها في علم على حدة، و لكن قلّة العناية بعلم القواعد الفقهيّة أوجب طرح عدّة من مباحثه في علم الاصول، و عدّة اخرى في علم الفقه في عرض المسائل الفقهيّة، و هناك عدّة ثالثة بقيت بعدُ في بقعة النسيان.

فمن موارد المشكلة الاولى مباحث الأوامر و النواهي (معنى الأمر و معنى النهي من حيث المادّة و الصيغة و سائر خصوصيّاتهما) و كذلك مباحث العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد و مباحث المفاهيم و المشتقّ و الصحيح و الأعمّ و الحقيقة الشرعيّة، لأنّ جميعها تنقّح صغريات أصالة الظهور.

و بعبارة اخرى: حجّية ظواهر الألفاظ تكون من المسائل الاصوليّة التي تقع في طريق استنباط الأحكام الفقهيّة، و بدونها لا يمكن الاستفادة من أيّ دليل لفظي، و لكن البحث في أنّ‏

19

ظاهر اللفظ الفلاني هل هو الوجوب أو الاستحباب أو الحرمة أو الكراهة؟ و هل هو عامّ أو خاصّ؟ و هل يكون له المفهوم أو لا؟ و ... كلّ ذلك بيان لموضوعات قاعدة أصالة الظهور و صغرياتها، و لا موضع لها في مسائل الاصول.

كما أنّ حجّية قول الثقة تعدّ من مباحث الاصول، و أمّا مسألة أنّ زرارة أو محمّد بن مسلم هل هو من الثقات أو لا أو أنّ أصحاب الإجماع مَن هم؟ فليست منها قطعاً و اتّفاقاً.

و على هذا يكون جميع المباحث السابقة خارجة عن عداد مسائل علم الاصول و داخلة في مبادئها، و لكن حيث إنّ علم اللّغة أو العلوم الأدبيّة لم تبحث هذه الامور كما هو حقّها، لذا اضطرّ علماء الاصول إلى بحثها بعنوان مقدّمات لمسائل علم الاصول.

هذا، مضافاً إلى أنّا نشاهد مباحث في هذا العلم تُعدّ في الواقع مقدّمة لهذه المقدّمات، و تكون في الحقيقة من قبيل مبادي المبادئ لعلم الاصول، نظير مباحث الوضع و المعاني الحرفيّة و علائم الحقيقة و المجاز و نظائرها، فهي في الواقع مقدّمة لمقدّمات علم الاصول.

و أمّا المورد الثاني- أيّ المسائل التي ينبغي وجودها في علم الاصول، بل كانت مذكورة في كتب الماضين و لكن لا أثر لها في علم الاصول فعلًا- فهي كثيرة، كحجّية نفس الإجماع بأقسامه (لا حجّية الإجماع المنقول فقط) و حجّية أنواع السِير من سيرة المسلمين و سيرة الفقهاء و نحوهما من سائر أقسامها، و المباحث المرتبطة بالأدلّة العقليّة (حجّية دليل العقل) و مسائل الحُسن و القُبح العقليّين و وجود الملازمة بين العقل و الشرع، و هكذا عدم حجّية الاستحسان و الظنّ القياسي و سدّ الذرائع و المصالح المرسلة و الاجتهاد الظنّي بمعناه الأخصّ و أشباهها التي هي ثابتة عند علماء أهل السنّة، و هكذا المباحث المرتبطة بالخبر المتواتر و الخبر المستفيض، و نحوها.

أمّا المباحث الزائدة التي لا حاجة إليها في هذا العصر فقد مرّ بعض نماذجها (و هو مبحث الانسداد).

و أمّا المباحث التي لا بدّ من إيرادها في الاصول و لكن في موضعها المناسب فمن قبيل كثير من المباحث التي تعدّ في يومنا هذا من مباحث الألفاظ و لكنّها ليست منها قطعاً كمباحث مقدّمة الواجب، و اجتماع الأمر و النهي، و دلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عن ضدّه، و مبحث الترتّب، و دلالة النهي في العبادات و المعاملات على الفساد أو عدمه، و مباحث الإجزاء، فإنّ جميع هذه المسائل من المباحث العقليّة التي لا بدّ من إدخالها تحت عنوان‏

20

«الملازمات الحكمية» في ذيل دليل من الأدلّة الأربعة و هو دليل العقل، لأنّ وجوب ذي المقدّمة مثلًا بأيّ طريق ثبت- سواء ثبت من خلال دليل لفظي أم لا- قابل للبحث عن أنّه هل يكون ملازماً لوجوب مقدّمته أو لا؟ و هكذا الأمر و النهي- سواء ثبتا بدليل لفظي أو عقلي أو الإجماع- يدخل في مبحث اجتماع الأمر و النهي و إمكانه و استحالته، و جميع مسائل الضدّ و الترتّب و الإجزاء أيضاً من هذا القبيل.

و من المعلوم أنّ تغيير البحث من ناحية الموضع يوجب تغيير شكل البحث أيضاً، فلا يتمسّك أحد بذيل استدلالات من قبيل أنّ وجوب ذي المقدّمة لا يدلّ على وجوب المقدّمة بإحدى الدلالات الثلاث، أو أنّ النهي لا يدلّ على الفساد بإحدى الدلالات الثلاث، فما ذكره بعض أعلام المعاصرين من أنّ هذا التبديل المكاني لا يوجب تغيير ماهية البحث و جوهره قابل للمناقشة، حيث إنّه من المعلوم حينئذ تغيير كيفية الاستدلالات أيضاً، فإنّ البحث اللّفظي يطلب دلائل معينة، و البحث العقلي يطلب دلائل اخرى.

و أمّا ما يكون من سنخ القواعد الفقهيّة لا اصول الفقه‏ (1) و لا الفقه نفسه فحيث إنّه لم يدوّن لها سابقاً علمٌ على حدة دخلت عدّة منها في الاصول (كقاعدتي الفراغ و التجاوز و قاعدة اليد و لا ضرر و القرعة) و عدّة اخرى منها في علم الفقه (نظير قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن و قواعد اخرى من هذا القبيل) و عدّة ثالثة منها المظنون عندي أنّها غير معنونة في ما نعرفه من الكتب الفقهيّة و الاصوليّة بل استند الفقهاء إليها في تضاعيف المباحث الفقهيّة من دون تعرّض لشرح أدلّتها و شرائطها (2).

فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّه لا بدّ من فذلكة جديدة في مباحث علم الاصول على‏

____________

(1) و الفرق بين المسائل الاصوليّة و القواعد الفقهيّة هو: أنّ المسائل الاصوليّة لا تشتمل على حكم شرعي خاصّ بل تقع دائماً في طريق استنباط الأحكام، بخلاف القواعد الفقهيّة فإنّها مشتملة على حكم شرعي خاصّ كلّي مثل نفي الضرر أو وجوب الإعادة (في قاعدة لا تعاد) أو الطهارة (في قاعدة الطهارة) أو وجوب التقيّة (في قاعدة التقيّة) أو غير ذلك. كما أنّ الفرق بين هذه القواعد و المسائل الفقهيّة أيضاً واضحة، فإنّ القواعد تشتمل على أحكام كلّية لا يمكن اعطاؤها بيد المقلّد لأنّ تطبيقها على مواردها و إحراز شرائطها من وظيفة الفقهاء، بخلاف الأحكام الفقهيّة فإنّها أحكام خاصّة تُعطى بأيدي المقلّدين، فهذا هو الفرق الأصيل بين هذه العلوم الثلاثة.

(2) و لتوضيح أكثر في هذا المجال راجع كتابنا «القواعد الفقهيّة».

21

مستوى الجهات الخمس المذكورة، و لعلّ الصحيح الخالي عن الإشكالات التي مرّ ذكرها أن تذكر بهذه الكيفية:

إنّ علم الاصول يشتمل على:

1- مقدّمة.

2- و مبادئ المبادئ.

3- المبادئ.

4- المسائل.

5- الخاتمة.

و المبحوث عنه في المقدّمة عبارة عن:

1- موضوع كلّ علم.

2- تمايز العلوم.

3- تعريف علم الاصول.

4- موضوع علم الاصول.

5- تقسيم المباحث الاصوليّة.

و المبحوث عنه في مبادئ المبادئ امور:

الأمر الأوّل في الوضع:

1- تعريف الوضع.

2- أقسام الوضع.

3- المعنى الحرفي.

4- أقسام الحروف.

5- الفرق بين الخبر و الإنشاء.

6- معنى أسماء الإشارة و الضمائر (1).

____________

(1) و امّا البحث عن «استعمال اللفظ في اللفظ» (إطلاق اللفظ و إرادة النوع) و عن «أحوال اللفظ و تعارض الأحوال» فهما ممّا لا بدّ من حذفه من الاصول لعدم طائل تحتها.

22

الأمر الثاني‏ في وضع المركّبات.

الأمر الثالث‏ في الحقيقة و المجاز.

الأمر الرابع‏ في تبعيّة الدلالة للارادة و عدمها.

الأمر الخامس‏ في علائم الحقيقة و المجاز:

1- التبادر.

2- صحّة السلب و عدمها.

3- الإطراد.

4- تنصيص أهل اللّغة و حجّية قول اللغوي.

الأمر السادس‏ في الحقيقة الشرعيّة و المتشرّعيّة.

الأمر السابع‏ في الصحيح و الأعمّ.

الأمر الثامن‏ في الاشتراك:

1- الاشتراك اللّفظي و المعنوي.

2- استعمال اللفظ في أكثر من معنى.

3- بطون القرآن و معناها.

الأمر التاسع‏ في المشتقّ و ما هو حقيقة فيه.

و المبحوث عنه في المبادئ يشتمل على مقاصد:

المقصد الأوّل: الأوامر

و هو على فصول:

الفصل الأوّل: ما يتعلّق بمادّة الأمر (1).

الفصل الثاني: ما يتعلّق بصيغة الأمر.

____________

(1) و يحذف هنا البحث عن اتّحاد الطلب و الإرادة، و الجبر و الاختيار، و القضاء و القدر لأنّ موضعها المناسب لها إنّما هو علم الكلام، و أمّا البحث عن الإجزاء و مقدّمة الواجب و مسألة الضدّ فمحلّه الاستلزامات الحكميّة في المقصد الرابع (دليل العقل).

23

الفصل الثالث: دلالة الأمر على المرّة أو التكرار، و الفور أو التراخي.

الفصل الرابع: أقسام الواجب:

1- المطلق و المشروط.

2- النفسي و الغيري.

3- التخييري و التعييني (التخيير بين الأقلّ و الأكثر).

4- العيني و الكفائي.

5- الأصلي و التبعي.

6- التعبّدي و التوصّلي.

7- الموقت و غير الموقت.

الفصل الخامس: تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد.

الفصل السادس: الأمر بعد الأمر.

الفصل السابع: نسخ الوجوب.

المقصد الثاني: النواهي‏

و هو على فصلين:

الفصل الأوّل‏ في مادّة النهي.

الفصل الثاني‏ في صيغة النهي‏ (1).

المقصد الثالث: المفاهيم‏

و هو على فصول:

الفصل الأوّل في مفهوم الشرط.

الفصل الثاني في مفهوم الوصف.

الفصل الثالث في مفهوم الغاية.

الفصل الرابع في مفهوم الحصر.

____________

(1) امّا البحث عن اجتماع الأمر و النهي، و النهي في العبادة فهما أيضاً داخلان في الاستلزامات الحكمية في المقصد الرابع (دليل العقل).

24

الفصل الخامس في مفهوم اللقب.

الفصل السادس في مفهوم العدد.

المقصد الرابع: العامّ و الخاصّ‏

و هو أيضاً على فصول:

الفصل الأوّل في معنى الخاصّ و العامّ.

الفصل الثاني في أقسام العامّ.

الفصل الثالث في الفرق بين العامّ و الخاصّ.

الفصل الرابع في أدوات العموم:

1- النكرة في سياق النفي أو النهي.

2- لفظة كلّ و ما شابههما.

3- الجمع المحلّى باللام.

الفصل الخامس في حجّية العامّ المخصّص في الباقي.

الفصل السادس في التمسّك بالعام في الشبهات المفهوميّة للمخصّص.

الفصل السابع في التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة للمخصّص.

الفصل الثامن: تأسيس الأصل في موارد إجمال المخصّص:

1- استصحاب العدم الأزلي.

2- التمسّك بالاصول العمليّة.

3- التمسّك بعموم العناوين الثانويّة.

الفصل التاسع فيما إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصّص.

الفصل العاشر في وجوب الفحص عن المخصّص.

الفصل الحادي عشر في الخطابات الشفاهية.

الفصل الثاني عشر في تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى البعض.

الفصل الثالث عشر في تخصيص العام بالمفهوم.

الفصل الرابع عشر في الاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة.

25

الفصل الخامس عشر في تخصيص عمومات الكتاب بخبر الواحد.

الفصل السادس عشر في حالات العامّ و الخاصّ.

الفصل السابع عشر في النسخ و البداء.

المقصد الخامس: المطلق و المقيّد، و المجمل و المبيّن‏

و المبحوث عنه في المسائل هو «الأدلّة في الفقه» في مقامين:

المقام الأوّل: الأمارات.

المقام الثاني: الاصول العمليّة.

امّا الأمارات‏ فهي على قسمين: الأمارات المعتبرة و الأمارات غير المعتبرة.

الأوّل: الأمارات المعتبرة و البحث فيها يقع في مقاصد:

المقصد الأوّل في كتاب اللَّه تعالى و حجّية ظواهر الألفاظ مطلقاً:

1- حجّية خصوص ظواهر كتاب اللَّه و عدم تحريفه.

2- جواز تخصيص الكتاب بالسنّة.

المقصد الثاني في السنّة و أقسام الخبر:

1- حجّية الخبر المتواتر و خبر الواحد و الخبر المستفيض.

2- تتمّة في التعادل و التراجيح (تعارض الأدلّة اللّفظيّة من الكتاب و السنّة).

المقصد الثالث في الإجماع:

1- حجّية الإجماع و معيار حجّيته عندنا و عند العامّة.

2- أنواع الإجماع.

المقصد الرابع في العقل.

1- حجّية العقل و مسألة الملازمة بين العقل و الشرع.

2- المستقلّات العقليّة و غير المستقلّات العقليّة.

3- قول الأخباريين.

4- حجّية القطع و أقسامه.

26

5- حجّية القياس القطعي (قياس الأولويّة، إلغاء الخصوصيّة، تنقيح المناط).

6- الاستلزامات الحكمية (الإجزاء، مقدّمة الواجب، مسألة الضدّ، مبحث الترتّب، اجتماع الأمر و النهي، النهي في العبادات و المعاملات).

الثاني: الأمارات غير المعتبرة:

1- أصالة عدم حجّية الظنّ مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل.

2- عدم حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد.

3- عدم حجّية الشهرة (أقسام الشهرة).

4- عدم حجّية القياس الظنّي.

5- عدم حجّية الاستحسان.

6- عدم حجّية المصالح المرسلة الظنّية.

7- عدم حجّية سدّ الذرائع الظنّية.

8- عدم حجّية الاجتهاد الظنّي بالمعنى الخاصّ.

امّا الاصول العمليّة فهي أربعة:

1- قاعدة البراءة.

2- قاعدة الاحتياط.

3- قاعدة التخيير.

4- قاعدة الاستصحاب.

و المبحوث عنه في الخاتمة هو الاجتهاد و التقليد

هذا هو الذي ينبغي أن يبنى علم الاصول عليه حتّى تنتظم مسائله، و تحذف زوائده، و تتدارك نقائصه، و تظهر أعلامه، و تتبيّن مقاصده، و يقع كلّ مسألة في محلّها اللائق بها.

هذا ما وصل إليه نظرنا القاصر، و نحن و ان اقتفينا في هذا الكتاب آثر الأصحاب، و اقتدينا بعلماء السلف و من قارب عصرنا في طرح المسائل و تبويب الأبواب لبعض ملاحظات لا تخفى‏

27

على القارئ الكريم، و لكن نسأل اللَّه التوفيق لتأليف كتاب أوجز من هذا الكتاب طبقاً لما ذكرنا آنفاً من نظم المباحث و طرح المسائل الجديدة و حذف ما لا بدّ من حذفها، و اللَّه الهادي إلى سواء السبيل.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

مقدّمة

الأمر الأوّل في مسائل:

1- موضوع كلّ علم 2- تمايز العلوم بما ذا؟

3- موضوع علم الاصول 4- تعريف علم الاصول‏

الأمر الثاني: الوضع و أحكامه:

1- حقيقة الوضع 2- من الواضع‏

3- أقسام الوضع 4- المعاني الحرفيّة

5- الفرق بين الإنشاء و الإخبار 6- أسماء الإشارة

7- الضمائر 8- الموصولات‏

الأمر الثالث: هل المجاز بالطبع أو بالوضع؟

الأمر الرابع: الدلالة تابعة للارادة أو لا؟

الأمر الخامس: وضع المركّبات و الهيئات‏

الأمر السادس: علائم الحقيقة و المجاز

الأمر السابع: الحقيقة الشرعيّة

الأمر الثامن: الصحيح و الأعمّ.

الأمر التاسع: الاشتراك و استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى‏

الأمر العاشر: المشتقّ‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

مقدّمة

قد جرت عادة الأصحاب المتأخّرين في علم الاصول على البحث عن امور بعنوان المقدّمة قبل الورود في نفس المسائل الاصوليّة، و أنهاها بعضهم إلى ثلاثة عشر أمراً كالمحقّق الخراساني (رحمه الله) في كفايته، و نحن أيضاً نقتفي آثارهم فيما له نفع في المسائل الاصوليّة دون ما لا نفع فيه‏ (1)، فنقول- و من اللَّه جلّ شأنه التوفيق و الهداية- هنا امور:

____________

(1) و ليعلم الباحث في الكتاب أنّ نظم مباحث هذا الكتاب هو على منهج كفاية الاصول و ما أشبهه من الكتب الاصوليّة المدوّنة بأيدي المتأخّرين (رضوان اللَّه تعالى عليهم) لتسهل المراجعة إليها حول المسائل المختلفة بالرغم من وجود إشكالات عديدة فيما اختاروه في ترتيب المسائل و تبويبها و تنظيمها، نتركه إلى وقته المناسب ان شاء اللَّه تعالى، فكم من مسألة اصوليّة تركوها مع أنّها جديرة بالذكر، و كم من مسألة ذكروها في طيّات مسائل هذا العلم ليست من مسائله ... إلى غير ذلك من الإشكالات.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الأمر الأوّل: يشتمل على مسائل أربع‏

المسألة الاولى: موضوع كلّ علم‏

قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إنّ موضوع كلّ علم- و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة أي بلا واسطة في العروض- هو نفس موضوعات مسائله عيناً ...».

فقد تصدّى للبحث عن موضوع كلّ علم من دون أن يشير أوّلًا إلى أنّه هل يحتاج كلّ علم إلى موضوع جامع بين موضوعات مسائله أو لا؟

و الظاهر أنّه أرسله إرسال المسلّمات، أي كانت حاجة كلّ علم إلى موضوع عنده أمراً قطعيّاً واضحاً مع أنّه وقع مورداً للسؤال و المناقشة بين أعلام المتأخّرين عنه، فاللازم البحث في هذا قبل تعريف الموضوع.

فنقول: هل يحتاج كلّ علم إلى موضوع واحد جامع لشتات موضوعات مسائله أو لا؟

الدليل الوحيد الذي استدلّ به للزوم وحدة الموضوع هو قاعدة «الواحد لا يصدر إلّا من الواحد» حيث إنّ لكلّ علم نتيجة واحدة فليكن ما تصدر منه هذه النتيجة أيضاً واحداً، و لازمه أن يكون لجميع موضوعات المسائل جامع واحد يكون هو موضوع العلم.

و قد أورد على هذه القاعدة المحقّق العراقي (رحمه الله) و بعض أعاظم العصر بأُمور:

أوّل: إنّها مختصّة بالواحد الشخصي البسيط، لا النوعي كما قرّر في محلّه، و لا إشكال في أنّ الأهداف و الأغراض المترتّبة على علم كعلم الاصول الذي يقع في طريق استنباط مسائل متنوعة في مختلف أبواب الفقه ليس لها وحدة شخصيّة.

الثاني: سلّمنا جريانها في الواحد النوعي، لكنّها مختصّة بالواحد الحقيقي الخارجي و لا تجري في الواحد الاعتباري كسلامة البدن التي هي غاية لعلم الطبّ، و مركّبة من سلامة القلب و الكبد و العروق و الأعصاب و غيرها من سائر أعضاء البدن، و ليس واحداً في الخارج،

34

و كعلم الاصول فإنّه يدور مدار المباحث الاعتباريّة و القوانين التشريعيّة (1).

____________

(1) توضيح ذلك: إنّ لنا نوعين من الإدراك: إدراك حقيقي و إدراك اعتباري، و الإدراك الحقيقي هو ما يكون المدرك فيه موجوداً في عالم الخارج مع قطع النظر عن الذهن المدرك له كإدراك السماء و الأرض و زيد و عمرو و غيرها من الامور الموجودة في عالم الأعيان.

و الإدراك الاعتباري ما يكون مدركه مخلوقاً لأذهاننا و مصنوعاً لها مثل الملكيّة و الزوجيّة، فانّ وجود «زيد» مثلًا في قضيّة «الدار لزيد» وجود واقعي في عالم الخارج و هكذا وجود «الدار»، و أمّا النسبة الموجودة بينهما و هي نسبة الملكيّة أمر ذهني اعتباري مصنوع لذهن من يعتبرها، و هكذا في قضيّة «هند زوجة زيد» فإنّ «زيداً» و «هنداً» كليهما أمران واقعيّان موجودان في الخارج، و أمّا رابطة الزوجيّة الموجودة بينهما أمر ذهني قانوني فحسب، و كذلك في جميع الأوامر و النواهي، أي كلّ «افعل» و «لا تفعل» ففي مثال «لا تشرب الخمر»- للخمر وجود حقيقي في الخارج، و أمّا حرمة الشرب فهي أمر اعتباري موجود في عالم الذهن، و هكذا في مثل «اشرب الدواء» و أمثال ذلك.

و بالجملة إنّ الامور الاعتباريّة امور فرضيّة يعتبرها الإنسان و يفرضها لرفع حاجات حياته، ثمّ يرتّب عليها آثاراً مختلفة في حياته الاجتماعيّة.

و يظهر من ذلك كلّه امور:

الأوّل: أنّ الامور التكوينيّة امور ثابتة في الخارج لا تتغيّر بالاعتبارات الذهنيّة، و لو كان فيها تغيير و تكامل فهو تكامل جوهري داخلي، و أمّا الامور الاعتباريّة فهي امور متغيّرة تتغيّر بتغيّر الاعتبار و الجعل، كما أنّ الامور التكوينيّة امور مطلقة، فالشمس مثلًا مطلق لا إنّها تكون شمساً بالنسبة إلى زيد و لا تكون شمساً بالنسبة إلى عمرو، و أمّا الامور الاعتباريّة فهي امور نسبية، فالدار المعيّنة مثلًا ملك لزيد و لا تكون ملكاً لعمرو، و الفعل الفلاني مثلًا واجب على زيد و حرام على عمرو.

الثاني: أنّ الامور التكوينيّة تحكم عليها الاستدلالات المنطقية و الفلسفية كقاعدة العلّة و المعلول، و استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما، و استحالة الجمع بين الضدّين و تقديم المعلول على العلّة، بخلاف الامور الاعتباريّة فإنّها خارجة عن نطاق القواعد المنطقية و الفلسفية، و لذلك يمكن اعتبار نقيضين أو ضدّين أي فرضهما، فيعتبر مثلًا أنّ هذا ملك لزيد ثمّ يعتبر ثانياً إنّه ليس ملكاً لزيد.

نعم إنّه لغو يستحيل صدوره من الحكيم من هذه الجهة، أي من باب عدم ترتّب الأثر المطلوب من هذا الجعل و الاعتبار لا من باب الاستحالة العقليّة الخارجيّة، فإنّ المقصود من الجعل في الامور الاعتباريّة إنّما هو ترتّب أثر عقلائي و رفع حاجة من الحياة كما مرّ آنفاً، و هو لا يترتّب على مثل هذا الجعل.

الثالث: أنّه قد تصير الامور الاعتباريّة منشأ لآثار تكوينيّة في الخارج بمعنى إنّها تصير سبباً لانقداح إرادة فعل أو كراهته في نفس الإنسان فيفعل عملًا أو يتركه، و هو يوجب إيجاد أمر تكويني في الخارج، فمثلًا الأمر بالصيام في شهر رمضان يوجب انقداح إرادة الصّيام في نفس المكلّف فيصوم، و الصّيام يصير منشأً و سبباً لسلامة البدن، و هكذا اعتبار قوانين المرور مثلًا فانّه يوجب انقداح إرادة مراعاتها، و المراعاة الخارجيّة توجب حفظ النفوس و الأموال، كلّ ذلك للعلم بأنّ العقلاء يرتّبون آثاراً خاصّة على هذا الوجود الاعتباري، أو إنّ الشارع المقدّس يرتّب عليه آثاراً مختلفة، ففي الواقع باعث الحركة الخارجيّة هو الآثار التكوينيّة التي نعلم بترتّبها على تلك الامور الاعتباريّة من ناحية الشارع أو العقلاء في الحال أو المستقبل، و حينئذٍ يكون الباعث لحدوث أمر تكويني في الخارج في الحقيقة هو أمر تكويني سابق عليه لا الاعتبار الذهني.

إذا عرفت هذا كلّه فنقول: إنّ من أقسام الامور الاعتباريّة التشريعيات التي منها مسائل الفقه (أو الحقوق) و هكذا اصول الفقه فلا سبيل إليها للقواعد المنطقية و الفلسفية الجارية في خصوص الحقائق الخارجيّة كقاعدة الواحد أو أحكام العرض و المعروض (بأن يقال: الصّلاة مثلًا معروض و الوجوب عرض) أو استحالة اجتماع الضدّين (بأن يقال مثلًا: اجتماع الأمر و النهي محال لاستحالة اجتماع الضدّين).

نعم اجتماع الضدّين و أشباهه باطل في الامور الاعتباريّة لكن لا من جهة الاستحالة بل من باب كون اعتبارها لغواً، و اللغويّة شي‏ء و الاستحالة شي‏ء آخر.

و الإنصاف أنّ الخلط بين المسائل الاعتباريّة و الامور الحقيقيّة و إدخال الثانيّة في الاولى أورد ضربة شديدة على مسائل علم الاصول بل مسائل الفقه أيضاً، كما أنّ إدخال الاولى في الثانيّة و تصوّر إنّه لا حقيقة مطلقة في الخارج بل جميع الامور حقائق نسبيّة (كما توهّمه النسبيّون من الفلاسفة المادّيين) أوجب إرباكاً عظيماً في مسائل الفلسفة.

و بالجملة فإنّ قاعدة الواحد لا ربط لها بالعلوم الاعتباريّة التي منها علم الاصول بل لا دخل لها حتّى في العلوم الحقيقيّة كعلم الطبّ لأنّ وحدة مسائل كلّ علم أمر اعتباري و إن كانت موضوعات مسائله اموراً واقعية خارجيّة.

35

الثالث: سلّمنا جريانها في الواحد الاعتباري أيضاً لكنّا لا نسلّم جريانها فيما يتركّب من الامور الوجوديّة و العدميّة، أو من الوجوديّات التي يكون كلّ واحد منها داخلًا في إحدى المقولات التسع العرضيّة التي هي من الأجناس العالية، و ليس فوقها جنس، و ذلك لعدم إمكان تصوير جامع بين الوجود و العدم و بين الأجناس العالية.

مثال القسم الأوّل: علم الفقه (الذي يعدّ غاية لعلم الاصول) حيث إنّ بعض موضوعات مسائله وجودي كالصّلاة و بعضها عدمي كالصوم، و مثال القسم‏ الثاني: الصّلاة التي تتركّب من مقولة الوضع و مقولة الكيف المسموع و هكذا ...

الرابع: أنّه لا يحصل الغرض في كلّ علم من خصوص موضوعات مسائله، بل يحصل من النسبة الموجودة بين الموضوع و المحمول، مثلًا الغرض من علم الفقه الذي هو عبارة عن العلم بأحكام الصّلاة و الصّوم و غيرهما لا يحصل من موضوع «الصّلاة» أو «الصّوم» حتّى‏

36

نستكشف من وحدة النتيجة وحدة الموضوع، بل إنّها تحصل من النسبة القائمة بين الموضوع و المحمول في قولنا «الصّلاة واجبة»، و حينئذٍ فليكن المستفاد من القاعدة وحدة النسبة لا وحدة الموضوع، (انتهى ما ذكره الأعلام في المقام ملخّصاً).

أقول: الصحيح من هذه الإشكالات إنّما هو الأوّل الذي يندرج فيه الإشكال الثاني أيضاً، و حاصلهما عدم جريان هذه القاعدة- على القول بها- في غير البسيط الحقيقي الخارجي، و منشأ الاستدلال بها في ما نحن فيه هو الخلط بين المسائل الاصوليّة التي هي من سنخ الاعتباريات و بين المسائل الفلسفية التي تدور حول الحقائق التكوينيّة، فإنّ الفلسفة تبحث عن الحقائق الواقعيّة العينيّة، و الاصول يبحث عن امور اعتباريّة قانونيّة، و الفرق بين الأمرين غير خفيّ، و المشاكل المتولّدة من ناحية هذا الخلط غير قليلة، أي الخلط بين الحقائق و الاعتباريات في طيّات أبواب علم الاصول من أوّله إلى آخره، فلا تغفل.

و أمّا الإشكال الثالث: فيرد عليه إنّ الموضوعات في جميع مسائل الفقه امور وجوديّة و ليس فيها أمر عدمي، لأنّ موضوعات مسائل الفقه عبارة عن أفعال المكلّفين من دون واسطة كما في الأحكام التكليفيّة أو مع الواسطة كما في الامور الوضعيّة، و هي وجوديّة بأسرها غاية الأمر تارةً يكون الفعل هو الكفّ كما في الصّيام و اخرى هو الأعمال الخارجيّة.

و أمّا كونها من المقولات المتباينة ففيه: أنّ الموضوع المبحوث عنه في المسائل الفقهيّة إنّما هو فعل هذه الأوضاع و الكيفيّات، أعني إيجاد الركوع و السجود و القراءة و غيرها، و الفعل أمر واحد من مقولة واحدة.

و أمّا الإشكال الرابع: ففيه‏ أنّ الغرض و إن كان ناشئاً من النسبة بين الموضوعات و المحمولات، إلّا أنّ وحدتها تنشأ من وحدتهما لأنّها قائمة بطرفيها فتكون وحدة النسب الموجودة في المسائل دليلًا على وحدة موضوعاتها.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا إنّه لا دليل على وجوب تحصيل موضوع واحد جامع لجميع موضوعات مسائل كلّ علم حتّى يبحث عن تعريفه و تحديده كما فعله جمع كثير من الأصحاب.

ملاك وحدة العلم:

قد يقال: إن لم يكن ملاك وحدة العلم وحدة الموضوع كما مرّ فما هو الملاك في اتّحاد مسائل العلم و انسجامها؟

37

قلنا: لا بدّ للحصول على الجواب الصحيح لهذا السؤال من الرجوع إلى تاريخ تدوين العلوم البشريّة (لا إلى حكم العقل لعدم كون المسألة عقليّة كما لا يخفى) فنقول: إذا رجعنا إلى تاريخ تدوين العلوم نجد بساطتها و اختصارها في بدو تولّدها كما يظهر من ملاحظة فلسفة افلاطون مثلًا فإنّها متشكّلة من مسائل طفيفة في أبواب الالهيّات و مسائل في الطبيعيّات و مسائل اخرى في الفلكيّات و مباحث في سياسة المدن اندرج جميعها في علم واحد و كتاب واحد، ثمّ بعد توسّعها و احتياجها إلى تجزئة بعضها عن بعض قصد موسّعوها و مدوّنوها في الأدوار اللّاحقة إلى تدوين المسائل التي توجد علاقة خاصّة بينها علماً على حدة و تأليفها بعنوان علم مستقلّ، و كان المعيار في هذه العلاقة:

تارةً: وحدة الموضوع، كعلم معرفة الأرض في الطبيعيّات الذي يكون الموضوع في جميع مسائله شيئاً واحداً و هو الأرض و حالاتها مع أنّ الأغراض المترتّبة على مسائله مختلفة فإنّ له تأثيراً في مقاصد شتّى كما لا يخفى. أو كعلم النجوم الذي يكون الموضوع فيه أمراً واحداً و هو النجوم، و لا يخفى أيضاً أنّ الأغراض فيه متعدّدة تظهر في باب التوحيد و العبادات و نظام المجتمع الإنساني و غيرها، أو كعلم الكيمياء و هو علم تراكيب الأشياء و تجزئتها، و موضوعها هو الأجسام من حيث التجزئة و التركيب، مع أنّ فائدته تظهر في علم الطبّ و الصنائع المختلفة.

و اخرى: وحدة المحمول كعلم الفقه لأنّ المحمول في جميع مسائله سواء كانت تكليفيّة أو وضعية هو حكم من الأحكام الشرعيّة و ليس المعيار فيه وحدة الموضوع لأنّ الموضوع فيه ليس شيئاً واحداً فإنّ الموضوع لعلم الفقه ليس خصوص أفعال المكلّفين لعدم شمولها للأحكام الوضعيّة، و ارجاعها إلى أفعال المكلّفين بالواسطة لا يخلو من التكلّف.

و ثالثة: وحدة الغرض خاصّة، كعلم المنطق لأنّ الغرض الحاصل من مسائله هو الحصول على التفكّر الصحيح و الصيانة عن الخطأ، و لعلّ من هذا القسم علم الاصول لوحدة الغرض في جميع قضاياه، و هو تحصيل القدرة على استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها.

و يمكن أن يكون ملاك الوحدة اثنين من هذه الامور الثلاثة أو جميعها كما لا يخفى.

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل على أنّ لكلّ علم موضوعاً واحداً حتّى نحتاج إلى البحث عن حدوده و خصوصياته، كما ظهر ضمناً أنّ الملاك في تمايز العلوم ليس أمراً واحداً بل إنّه يختلف باختلاف أنواعها كما سيأتي بيانه في محلّه تفصيلًا إن شاء اللَّه تعالى.

ثمّ إنّه لو سلّمنا حاجة كلّ علم إلى موضوع خاصّ فما هو الموضوع و ما تعريفه؟

ذكر كثير منهم أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة كما حكيناه عن‏

38

المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و لتوضيح العوارض الذاتيّة نقول: إنّ المعروف في محلّه عند القدماء أنّ العوارض على قسمين: ذاتيّة و غير ذاتيّة (غريبة)، لأنّها إمّا أن تعرض للشي‏ء بلا واسطة كالحرارة بالنسبة إلى النار، أو تعرضه بواسطة أمر داخلي و هو على قسمين: أمر داخلي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الإنسان بواسطة الناطقية، أو أمر داخلي أعمّ من المعروض كعروض الحركة على الإنسان بواسطة الحيوانيّة، (و لا يخفى أنّ الأمر الداخلي لا يمكن أن يكون مبايناً لمعروضه كما لا يمكن أن يكون أخصّ منه)، أو تعرّضه بواسطة أمر خارجي، و هو على أربعة أقسام: أمر خارجي مباين للمعروض كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار، و أمر خارجي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الضاحك بواسطة الناطقية، و أمر خارجي أخصّ من المعروض كعروض الإدراك على الحيوان بواسطة الناطقية، و أمر خارجي أعمّ من المعروض كعروض المشي على الناطق بواسطة الحيوانيّة، فصارت الأقسام سبعة.

كما أنّ المعروف أنّ الأوّلين منها من العوارض الذاتيّة و هما العارض بلا واسطة و العارض بأمر داخلي مساوٍ، كما أنّه لا إشكال في كون الخامس و السابع منها (و هما العارض بواسطة الخارجي الأعمّ و العارض بأمر خارجي مباين) من العوارض الغريبة، و أمّا الثلاثة الباقية فقد وقعت معركة للبحث و الآراء و محلّ الكلام منها هو المنطق أو الفلسفة.

أقول: أوّلًا: ما الدليل على هذا التقسيم؟ و ما هو الملاك فيه؟ و ما المعيار في كون العرض ذاتياً أو غير ذاتي. فإن كان هناك مصطلح خاصّ فالأمر فيه سهل و لكن التفاوت الحقيقي بين العلوم لا يدور مداره، و إن كان أمراً وراءه فلا بدّ من بيانه.

و ثانياً: لا دليل على أنّ مصنّفي العلوم قصدوا من العوارض الذاتيّة المعنى المذكور.

هذا- و قد أجاد بعضهم حيث اتّخذ طريقاً آخر و ملاكاً جديداً للعرض الذاتي و العرض الغريب، فقال: الذاتي ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة في العروض، أي بدون الواسطة مطلقاً أو مع الواسطة في الثبوت (كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار).

و المقصود من كون الواسطة واسطة في الثبوت إنّما هو العروض حقيقة فإنّ الماء يصير بواسطة النار حارّاً حقيقة لا مجازاً و عناية، فيكون من قبيل إسناد شي‏ء إلى ما هو له الذي لا يصحّ سلبه عنه‏ (1).

____________

(1) و هذا التفسير للواسطة في الثبوت و العروض هو الذي ينبغي أن يكون مصطلحاً في الباب و إن كان يفارق ما اصطلح عليه القدماء في هذا المجال.

39

مع أنّه بناءً على تفسير القوم داخل في العرض الغريب لأنّ النار مباينة للماء، و الغريب ما يعرض الشي‏ء مع واسطة في العروض، أي بالعناية و المجاز، نحو عروض الحركة على الجالس في السفينة في جملة «زيد متحرّك» حيث إنّ المتحرّك الحقيقي إنّما هو نفس السفينة.

ثمّ قال: المبحوث عنه في العلوم ما يعرض الموضوع إمّا بلا واسطة في العروض أو مع واسطة في الثبوت، أي ما يعرض على الموضوع حقيقة لا عناية و مجازاً.

أقول: دليل كلامه واضح فإنّه من القضايا التي قياساتها معها لوضوح إنّه لا يبحث في العلوم عن العوارض المجازيّة. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مسائل العلوم لا تنحصر في العوارض الذاتيّة بهذا المعنى فحسب بل قد تشمل العوارض مع الواسطة في العروض أيضاً، فمثلًا في البحث عن السير و التاريخ و حالات الأشخاص ينضمّ إليها البحث عن حالات آبائهم و أبنائهم و أصحابهم مع أنّه يكون من قبيل «زيد قائم أبوه» و المجاز في الإسناد.

كما أنّ قول بعضهم (و هو المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إنّ موضوع كلّ علم ... هو نفس موضوعات مسائله عيناً ... و إن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده» ينتقض ببعض العلوم الدارجة كعلمي الجغرافيا و الهيئة و ما شابههما ممّا تكون النسبة بين موضوعها و موضوعات مسائلها نسبة الكلّ إلى أجزائه و لا إشكال في أنّ عوارض الجزء لا تعدّ من العوارض الذاتيّة للكلّ (بناءً على كلا التفسيرين المذكورين للعارض الذاتي) إلّا بنحو من التكلّف، ضرورة أنّ عارض الجزء و خاصّته عارض لنفس الجزء لا للكلّ الذي تركّب منه و من غيره إلّا على نحو المجاز في الإسناد الذي مرّ ذكره آنفاً.

هذا كلّه بالنسبة إلى المسألة الاولى من المسائل الأربعة في الأمر الأوّل.

المسألة الثانيّة: في تمايز العلوم‏

ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض و استدلّ عليه بوجهين:

الأوّل: إنّه لو لم يكن بالأغراض فليكن بالموضوعات و هو يستلزم أن يكون كلّ باب بل كلّ مسألة من كلّ علم علماً على حدة لشموله على موضوع على حدة.

الثاني: أنّ التمايز بالموضوعات يلزم منه تداخل العلوم بعضها في بعض لأنّه قد يكون شي‏ء واحد موضوعاً لمسألة يبحث عنها في علوم عديدة (كموضوع «التوبة» فإنّها يبحث عنها في‏

40

علم الفقه في باب العدالة و في علم الكلام و التفسير و الأخلاق لارتباطها ببعض مسائل كلّ منها كما لا يخفى).

لكنّ المشهور أنّ تمايز العلوم بالموضوعات كما هو الظاهر من تعريفهم لموضوع كلّ علم بأنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة.

و حيث إنّ بعضهم لاحظ اشتراك بعض العلوم مع بعض آخر في الموضوع كاشتراك علم الصرف مع علم النحو و اللّغة و البلاغة فيه (حيث إنّ الموضوع في جميعها هو الكلمة فيلزم منه اندراجها في علم واحد) فقد أضاف إلى تعريف المشهور قيداً آخر و هو قيد الحيثيّة، و قال إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات مقيّدة بقيد الحيثيّات، فإنّ موضوع علم الصرف مثلًا هو الكلمة من حيث تصريفها، و موضوع علم النحو هو الكلمة من حيث الاعراب و البناء، و موضوع علم اللّغة الكلمة من حيث المعنى و هكذا ...

و علّق عليه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) بأنّه «ليس الغرض من تحيّث الموضوع كالكلمة و الكلام بحيثيّة الاعراب و البناء في النحو و بحيثيّة الصحّة و الاعتلال في الصرف أن تكون الحيثيات المزبورة حيثية تقييديّة لموضوع العلم، إذ مبدأ محمول المسألة لا يعقل أن يكون حيثية تقييديّة لموضوعها و لا لموضوع العلم و إلّا لزم عروض الشي‏ء لنفسه، و لا يجدي جعل التحيّث داخلًا و الحيثية خارجة لوضوح أنّ التحيّث و التقييد لا يكونان إلّا بملاحظة الحيثية و القيد، فيعود المحذور، بل الغرض من أخذ الحيثيات كما عن جملة من المحقّقين من أهل المعقول هو حيثية استعداد ذات الموضوع لورود المحمول عليه، مثلًا الموضوع في الطبيعيّات هو الجسم الطبيعي لا من حيث الحركة و السكون الفعليين كيف و يبحث عنهما فيها بل من حيث استعداده لورودهما عليه ... و في النحو و الصرف الموضوع هي الكلمة مثلًا من حيث الفاعلية المصحّحة لورود الرفع عليها و من حيث المفعوليّة المعدّة لورود النصب عليه ...» (1).

و هذا يمكن أن يكون قولًا ثالثاً في المسألة.

و هاهنا قول رابع و هو ما أفاده في تهذيب الاصول من أنّ تمايز العلوم يكون بذواتها فإنّه قال: «كما أنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتّة التي يناسب بعضها بعضاً ...

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 9، الطبع الجديد للطباطبائي.

41

كذلك تمايز العلوم و اختلاف بعضها يكون بذاتها فقضايا كلّ علم مختلفة و متميّزة بذواتها عن قضايا علم آخر» (1).

أقول: الإنصاف أنّ جميع هذه الأقوال لا يخلو من الإشكال، و الأولى أن يقال: إنّ تمايز العلوم كوحدتها قد يكون بالموضوعات و اخرى بالمحمولات و ثالثة بالأغراض و ذلك لما مرّ في البحث عن ملاك الوحدة من تحليل تاريخي لتدوين العلوم و تأليفها، فقد ذكرنا فيه أنّ ملاك وضع كلّ علم على حدة و تمييزه عن سائر العلوم هو وجود التناسب و التناسخ بين مسائله و دخولها تحت عنوان جامع، و لا إشكال في أنّ تناسب المسائل قد يكون بوحدة الموضوع و اخرى بوحدة المحمول و ثالثة بوحدة الغرض فليكن التمايز أيضاً كذلك كما لا يخفى.

و أمّا مقالة المشهور فلا يتصوّر لها دليل إلّا توهّم احتياج كلّ علم إلى موضوع لقاعدة الواحد، و قد مرّت المناقشة فيها. و منه يظهر إشكال القول الثالث حيث إنّه مبني على قبول أن يكون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات.

و أمّا ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيرد على دليله الثاني أنّ تداخل علمين في عدّة من مسائلهما لا يضرّ بتمايز أحدهما عن الآخر إذا كانت النسبة بين مسائلهما العموم من وجه، لأنّ التمايز حينئذٍ يحصل بموضع الافتراق كما لا يخفى.

كما يرد على دليله الأوّل أنّ القائل بكون التمايز بالموضوعات يدّعي أنّ تمايز العلوم يكون بتمايز الموضوعات لا العكس (و هو أنّ كلّ متمايز بموضوعه يكون علماً على حدة).

و أمّا ما أفاده في تهذيب الاصول فيرد عليه أنّ ذوات العلوم ليست أمراً خارجاً عن مسائلها لأنّه لا ريب في أنّ مسائلها عبارة عن القضايا المبحوثة عنها فيها، و القضايا ليست أمراً وراء الموضوعات و المحمولات و النسب بينهما، فذوات العلوم عين موضوعاتها و محمولاتها و نسبها، فلا بدّ أن يكون التمايز بأحد هذه الامور أو بالأغراض.

المسألة الثالثة: في موضوع علم الاصول‏

و هو عند جماعة من الأصحاب (منهم صاحب القوانين) الأدلّة الأربعة، و الظاهر من‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 4، من الطبع القديم.

42

كلماتهم أنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بوصف كونها أدلّة.

و قد أورد عليه بأنّ لازمه خروج جلّ مباحث علم الاصول عن مسائله و دخولها في المبادئ، لأنّه حينئذٍ يكون البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة و دليليّتها بحثاً عن نفس الموضوع لا عن عوارضه، فإنّ المفروض أنّ الدليليّة قيد للموضوع، و البحث عن قيود الموضوع يكون من المبادئ التصوّريّة للعلم.

و قد تفطّن لهذا صاحب الفصول (رحمه الله) و قال في مقام دفعه: إنّ موضوع علم الاصول عبارة عن الأدلّة بذواتها لا بوصف دليليتها، أي الأدلّة بما هي هي.

و لكن أورد عليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) (بعد أن اختار أنّ موضوع علم الاصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّة) بما حاصله أنّ المراد من السنّة مثلًا إن كان هو السنّة الواقعيّة فلازم هذا القول أن يكون البحث عن السنّة في علم الاصول بحثاً عن ثبوت كلام المعصوم و وجوده بمفاد كان التامّة، و الحال أنّ المسائل تبحث عن عوارض الموضوع بمفاد كان الناقصة، ثمّ قال:

إن قلت: البحث عن السنّة في علم الاصول بحث عن ثبوت الكلام الواقعي للمعصوم بخبر الواحد تعبّداً و عدمه فيقال: هل السنّة الواقعيّة تثبت بخبر الواحد تعبّداً أو لا؟ و الثبوت التعبّدي (أي وجوب العمل على طبق الخبر) إنّما هو من العوارض.

قلنا: هو كذلك و لكنّه من عوارض الخبر (أي السنّة الظاهريّة) لا من عوارض السنّة الواقعيّة (قول المعصوم و فعله و تقريره واقعاً).

هذا كلّه إذا كان المراد من السنّة السنّة الواقعيّة.

و إن كان المراد من السنّة مطلق السنّة الأعمّ من الواقعيّة و الظاهريّة فهو و إن كان لازمه كون المسائل المطروحة حول البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة داخلة في علم الاصول إلّا أنّه لا يكون بعدُ جامعاً لجميع المسائل، لخروج مباحث الألفاظ و جملة من غيرها (1) عنها بل الداخل فيها إنّما هو مباحث حجّية خبر الواحد و التعادل و التراجيح، (انتهى كلامه بتوضيح منّا).

____________

(1) لعلّ المقصود من قوله «غيرها» هو الاصول العمليّة لعدم كونها من الأدلّة الأربعة بل هي بيان لوظيفة الشاكّ في الحكم الواقعي و إن كانت أدلّة حجّيتها من الأدلّة الأربعة.

43

أقول: أضف إلى ذلك كلّه أنّ القول بأنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بذواتها و هكذا القول الأوّل (و هو أنّ الموضوع الأدلّة الأربعة بوصف كونها أدلّة) ينافي ما التزموا به من لزوم وحدة الموضوع لأنّه لا جامع بين الأدلّة الأربعة.

و أمّا ما اختاره المحقّق الخراساني (رحمه الله) من «أنّ موضوع علم الاصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّة» من دون أن يذكر له عنواناً خاصّاً و اسماً مخصوصاً باعتذاره بعدم دخل ذلك في موضوعيّته أصلًا- ففيه‏ إشكال ظاهر لأنّه في الحقيقة فرار عن الإشكال، و ليس بحلّ له، لأنّه لقائل أن يقول: أي دليل على وجود جامع واحد بين موضوعات المسائل بعد ما مرّ من المناقشة في التمسّك بقاعدة الواحد في هذا المجال؟ مضافاً إلى أنّه تعريف بأمر مبهم لا فائدة فيه، و لا يناسب ما يراد من بيان موضوع العلم لا سيّما للمبتدئ.

و هاهنا قول رابع، و هو ما أفاده المحقّق البروجردي (رحمه الله) من أنّ موضوع علم الاصول هو «الحجّة في الفقه»، و لا يخفى أنّه أقلّ اشكالًا من الأقوال السابقة لأنّ عنوان «الحجّة في الفقه» عنوان جامع واحد لجميع الأدلّة فلا يرد عليه ما أُورد على القول الأوّل و الثاني، مضافاً إلى وضوحه و عدم ابهامه، فيكون سالماً عمّا أوردناه على مقالة المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و مضافاً إلى شموله للُاصول العمليّة بأسرها لشموله للاستصحاب مثلًا، لأنّه لا ريب في إنّه حجّة و إن لم يكن دليلًا، كما يشمل أيضاً الظنّ الانسدادي حتّى على الحكومة لكونه حجّة و معذّراً عن العقاب، و الاحتياط العقلي و البراءة العقليّة لأنّ الأوّل حجّة و منجّز، و الثاني حجّة و معذّر، و حينئذٍ لا يرد على قوله ما اورد على مقالة صاحب الفصول كما لا يخفى.

نعم يمكن الإيراد عليه من طريقين:

الأوّل: إنّه لا يعمّ المباحث اللّفظيّة لأنّها لا تعدّ حجّة في الفقه لعدم اختصاصها بالألفاظ المستعملة في خصوص لسان الشارع بل إنّها قواعد عامّة تجري في جميع الألفاظ و اللغات، فإنّ قضيّة «صيغة الأمر تدلّ على الوجوب» مثلًا قاعدة لفظيّة عامّة تجري في جميع الأوامر شرعيّة كانت أو عرفيّة.

و لكن يمكن الجواب عنه بأنّ دلالة الأمر على الوجوب مثلًا تكون بمنزلة عرض عامّ يعرض الأوامر الشرعيّة أيضاً، فيمكن أن تعدّ الأوامر الشرعيّة بهذا اللحاظ مصداقاً من‏

44

مصاديق «الحجّة في الفقه» كما أنّ كتاب اللَّه تعالى أو العقل حجّة في الفقه و غيره معاً.

الثاني: أنّه يرد على عنوان الحجّة في الفقه بوصف كونها حجّة نفس ما أورده على عنوان الأدلّة الأربعة بوصف كونها أدلّة إلّا أن يقال أنّ الموضوع إنّما هو ذات الحجّة لا هي بوصف الحجّية كما هو المختار.

و بهذا اندفع جميع الإشكالات الواردة على هذا القول، و ظهر أنّ ما ذكره المحقّق المذكور هو الذي ينبغي أن يركن إليه في هذا الباب، غير إنّه يبقى عليه أنّه في الواقع راجع إلى وحدة الغرض، و إنّما اشير إلى وحدة الموضوع من هذه الجهة، فكأنّه قيل: إنّ موضوع اصول الفقه هو كلّ شي‏ء ينفع في استنباط الأحكام الشرعيّة، فلا جامع بين الكتاب و السنّة و دليل العقل و الإجماع و الاصول الأربعة العمليّة و الشهرة الفتوائيّة (على القول بحجّيتها) و غيرها من أشباهها إلّا أنّها تفيد الفقيه في استنباطاته.

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّه لا يخفى إنّا في فسحة من ناحية إشكال عدم وحدة الموضوع لما اخترناه سابقاً من عدم توقّف وحدة العلم و استقلاله عليها بل يكفي فيه وحدة المحمول أو الغرض، و لا إشكال في أنّ الغرض في المسائل الاصوليّة واحد و هو حصول القدرة على استنباط الحكم الشرعي.

المسألة الرابعة: تعريف علم الاصول‏

و قد ذكرت له تعاريف عديدة:

الأوّل: ما ذهب إليه المشهور و هو أنّه «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيلية».

و قد أورد عليه بعدم شموله للُاصول العقليّة (و هي الاحتياط العقلي و البراءة و التخيير العقليين) لأنّها تدلّ على وجود العذر أو عدمه، و لا يستنبط منها الحكم الشرعي، و هكذا الظنّ الانسدادي على الحكومة.

نعم يمكن أن يقال: إنّ المراد من الحكم هو الأعمّ من الواقعي و الظاهري، و لا إشكال في أنّ مفاداة الاصول العمليّة أحكام شرعيّة ظاهريّة فإنّ البراءة الشرعيّة مثلًا تدلّ على الإباحة في‏

45

مقام الظاهر، لكن هذا يفيد في الاصول الشرعيّة، و يبقى الكلام بعدُ في البراءة العقليّة و الظنّ الانسدادي بناءً على الحكومة، لأنّهما يكشفان عن عدم العقاب فحسب و لا يدلّان على ثبوت الحكم، و كذا الاحتياط العقلي، نعم لا مانع من الاستطراد في هاتين المسألتين.

الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية و هو «أنّه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل».

و لا يخفى أنّ قوله «يمكن أن تقع ...» عوضاً عن تعبير المشهور «الممهّدة» إنّما تكون لأجل شمول التعريف للمباحث اللّفظيّة لأنّها و إن لم تكن ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي و مخصوصة به بل يستفاد منها في استنباط غيره أيضاً، إلّا إنّه لا إشكال في أنّها يمكن أن تقع في طريق الاستنباط.

كما أنّ تعريفه يشمل الاصول العقليّة و الظنّ الانسدادي على الحكومة أيضاً لدخولهما تحت عنوان «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل» الوارد في ذيل التعريف.

نعم يرد عليه: أوّلًا: أنّ تعبيره بأنّ علم الاصول «صناعة» بدل كلمة «العلم» تعبير غير مناسب عرفاً، لأنّ الصناعة تطلق في العرف على العمل لا العلم إلّا مجازاً.

و ثانياً: أنّه ليس مانعاً عن دخول القواعد الفقهيّة لكونها أيضاً قواعد تقع في طريق الاستنباط.

الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو «إنّه علم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي» (1).

و يرد عليه: أنّه لا يعمّ البراءة العقليّة و شبهها و الظنّ الانسدادي على الحكومة لأنّ مدلول كلّ واحد منها المعذّريّة عن العقاب و لا يستنبط منها الحكم الشرعي، لا الواقعي و لا الظاهري كما أشرنا إليه آنفاً.

الرابع: ما في تهذيب الاصول من أنّه «هو القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الكلّية الفرعيّة الإلهيّة أو الوظيفة العمليّة».

فأخرج بقيد «الآليّة» القواعد الفقهيّة لأنّها ينظر فيها لا بها فتكون استقلاليّة لا آليّة، كما

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1، ص 29 طبع جماعة المدرّسين.

46

أدخل بقوله «يمكن أن تقع» نحو القياس و الشهرة و الاستحسان التي ليست حجّة عندنا و لكنّها يمكن أن تقع حجّة عند القائلين بها، و بقوله «تقع كبرى» أخرج مباحث سائر العلوم، و لم يقيّد الأحكام بالعمليّة، لعدم كون جميع الأحكام عمليّة كالوضعيّات و كثير من مباحث الطهارة و غيرها، و إضافة قيد «الوظيفة» لادخال مثل الظنّ على الحكومة، و أمّا عدم اكتفائه بأنّه «ما يمكن أن تقع كبرى استنتاج الوظيفة» فهو لعدم كون النتيجة وظيفة دائماً، و انتهائها إلى الوظيفة غير كونها وظيفة (1).

أقول: هذا التعريف مع سلامته عمّا أُورد على غيره‏ يرد عليه: أنّ قيد الآليّة لا يكفي لإخراج القواعد الفقهيّة بل لا بدّ من جعل قيد «التي لا تشمل على حكم شرعي» مكانه لما حقّقناه في محلّه من أنّ القواعد الفقهيّة تشتمل دائماً على حكم كلّي شرعي، تكليفي أو وضعي، وجودي أو عدمي تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة العمليّة، و مجرّد كونها تطبيقية لا يضرّ بكونها آليّة كما لا يخفى. فظهر ممّا ذكرنا عدم تماميّة كلّ واحد من التعاريف الأربعة.

و الأولى أن يقال: «إنّه القواعد التي لا تشتمل على حكم شرعي و تقع في طريق استنتاج الأحكام الكلّية و الفرعيّة الإلهيّة أو الوظيفة العمليّة» و الاحتراز بكلّ من هذه القيود ممّا يجب إخراجه عن التعريف أو ادخاله يظهر ممّا ذكرناه.

____________

(1) راجع ص 6 من تهذيب الاصول: ج 1، الطبع القديم.

47

الأمر الثاني: الوضع و أحكامه‏

1- حقيقة الوضع‏

و وجه الحاجة إلى البحث عنها ارتباط غير واحد من الأدلّة الأربعة بباب الألفاظ، فلا بدّ حينئذٍ من معرفة بعض قوانينها و القواعد الموضوعة لها.

قد يتوهّم أنّ دلالة الألفاظ على معانيها ليست من ناحية الوضع بل إنّها ذاتيّة فلا حاجة إلى البحث عنه.

و لكنّه خلاف ما نجده بوجداننا إلّا في باب أسماء الأصوات، فيوجد فيها ربط ذاتي بين المعاني و الألفاظ كما هو ظاهر.

و كيف كان فبناءً على عدم ذاتيتها و كونها ناشئة من ناحية الوضع يقع البحث في حقيقة الوضع و أنّها هل هي بمعنى الجعل، أو بمعنى الالتزام، أو بمعنى الانس الذهني؟

القول الأوّل: ما اختاره المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إنّه نحو اختصاص للفظ بالمعنى و ارتباط خاصّ بينهما ناشٍ من تخصيصه به تارةً و من كثرة استعماله فيه اخرى».

و لا يخفى ما فيه من الابهام الذي لا يغتفر مثله في مقام التعريف نظير ما مرّ منه في تعريفه لعلم الاصول.

القول الثّاني: إنّه نوع استيناس ذهني يحصل بين اللفظ و المعنى بحيث ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر.

و هذا مقبول في الوضع التعيّني، أمّا في التعييني فلا معنى محصّل له، لأنّ الانس و العلاقة الذهنيّة أمر متأخّر عن الوضع يحصل من كثرة الاستعمال الحاصلة بعد الوضع.

القول الثالث: أنّه التزام و تعهّد من ناحية أهل اللّغة بأنّه كلّما استعمل هذا اللفظ اريد منه هذا المعنى، إن قلت: الالتزام يتصوّر بالنسبة إلى الوضع فقط، و تعهّد الواضع لا يلازم تعهّد غيره مع أنّ غيره أيضاً يستعمل اللفظ الموضوع كاستعماله.

48

قلت: إنّه إذا تولّد الإنسان بين أهل لغة خاصّة و عاش فيهم كان ذلك في الواقع تعهّداً ضمنيّاً على الالتزام بجميع ما كان بينهم من الآداب و السنن و الالتزامات و منها الالتزام بمعاني الألفاظ و أوضاعها.

و يرد عليه: أنّ الوجدان حاكم على أنّ جملة «وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى» ليس بمعنى «تعهّدت إنّي كلّما ذكرت هذا اللفظ أردت منه هذا المعنى» بل هو من قبيل جعل علامة للمعنى كما يشهد به كلمة «الوضع» فإنّه بمعنى الجعل و النصب.

القول الرابع: ما أفاده جمع من المحقّقين و هو أنّ حقيقة الوضع أمر اعتباري و هو جعل اللفظ علامة للمعنى في عالم الاعتبار.

توضيحه: إنّه‏ تارةً يوضع شي‏ء علامة لشي‏ء آخر في عالم الخارج كوضع علامات الفراسخ في الطرق، و العمامة السوداء مثلًا لكون الشخص هاشميّاً، و قد يوسم بعض الحيوانات و يجعل له علامة كي يعرفه صاحبه، و اخرى‏ يجعل شي‏ء علامة لشي‏ء آخر في عالم الاعتبار وفقاً للعلامات الخارجيّة، و من هذا القسم جميع المفاهيم الإنشائيّة التي تكون اموراً اعتباريّة مشابهة لمصاديقها الخارجيّة من بعض الجهات، فإنّ ملكيّة الإنسان و سلطنته على ماله عند العقلاء في عالم الاعتبار مثلًا أمر ذهني يشبه ملكيته و سلطنته على نفسه تكويناً، و الزوجيّة بين الزوج و الزوجة تجعل في عالم الاعتبار وفقاً للزوجيّة التكوينيّة بين الأشياء الخارجيّة، و كذلك الألفاظ بالنسبة إلى معانيها في ما نحن فيه، فإنّ حقيقة الوضع جعل اللفظ علامة للمعنى في عالم الاعتبار وفقاً للعلامات التي توضع على الأشياء الخارجيّة.

أقول: و هذا أحسن ما يمكن أن يقال في المقام، إلّا أنّه يتصوّر في خصوص الوضع التعييني، أمّا في التعيّني فلا، لعدم جعل و لا إنشاء فيه.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ علينا اختيار قول خامس يشمل و يعمّ كلا نوعي الوضع، و هو أن يلتزم بالتفكيك بين النوعين في حقيقتهما و يقال: إنّ الوضع التعييني حقيقته جعل اللفظ علامة للمعنى كما مرّ في القول الرابع، و امّا التعيّني فحقيقته هو الانس الذي يحصل من كثرة استعمال اللفظ التي توجب تبادر المعنى إلى الذهن من سماع اللفظ كما مرّ في القول الثاني، فلا بدّ من الجمع بين تعريفين من التعاريف السابقة كيما يكون التعريف تامّاً و جامعاً لجميع أنواع الوضع.

49

2- من الواضع؟

الكلام في تعيين شخص الواضع و إنّه مَن هو؟ فهل هو اللَّه تعالى أو إنسان خاصّ، أو جماعة خاصّة من أبناء البشر، أو أفراد غير معروفين؟

من الواضح أنّ الأنبياء كانوا يتكلّمون بلسان قومهم كما قال تبارك و تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ» (1)، و منه يعلم عدم نزول الألفاظ عليهم من ناحية اللَّه تعالى، كما أنّ الظاهر عدم دلالة شي‏ء من النصوص أيضاً على كون الواضع هو سبحانه أو أنبيائه (عليهم السلام) و لو فرض قبول ذلك في خصوص اللسان الذي كان يتكلّم به آدم (عليه السلام) فلا شكّ في أنّه غير مقبول بالنسبة إلى اللغات الاخر التي هي كثيرة جدّاً.

أمّا أن يكون الواضع شخصاً خاصّاً أو جماعة معينة فهو أيضاً لا دليل عليه من التاريخ على ما بأيدينا، بل الوجدان حاكم على خلافه، لأنّا نجد بوجداننا إبداع ألفاظ جديدة و لغات حديثة على أساس الحاجات اليوميّة الاجتماعيّة، على مدى القرون و الأعصار من دون وجود واضع خاصّ معروف في البين، فيتعيّن حينئذٍ كون الواضع عدّة أفراد مختلفين في كلّ عصر من الأعصار و في كلّ زمان و مكان.

و أمّا منشأ اختلاف اللغات فالظاهر أنّ السبب الوحيد هو انتشار الأقوام المختلفة في أقطار الأرض و تباعد كلّ قوم عن سائر الأقوام، خصوصاً بعد ملاحظة عدم وجود وسائل الاعلام الموجودة في يومنا هذا بينهم حتّى تنتقل لغة خاصّة من قوم إلى قوم، و حينئذٍ لا بدّ لكلّ قوم من اتخاذ لغة خاصّة وفقاً لحاجاتهم و بتبعه تتعدّد اللغات و يختلف بعضها عن بعض.

3- الكلام في أقسام الوضع‏

لا بدّ في كلّ وضع من موضوع و موضوع له، و حيث إنّ الواضع يحتاج إلى تصوّر اللفظ و المعنى ينقسم الوضع إلى أقسام و يتنوّع إلى أنواع بلحاظ اختلاف المعنى من حيث الكليّة و الجزئيّة، و باعتبار أنّ المعنى الموضوع له تارةً يتّحد مع ما يتصوّره الواضع، و اخرى يختلف،

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية 4.

50

فالأقسام الحاصلة أربعة.

الأوّل: أن يكون المعنى المتصوّر مفهوماً عامّاً، أي معنىً كلّياً، و يوضع اللفظ بإزاء نفس ذلك المفهوم، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له أيضاً عامّاً (و نعني بالوضع هنا المعنى المتصوّر).

الثاني: هو أن يتصوّر معنىً عامّاً و يضع اللفظ لمصاديقه، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له خاصّاً.

الثالث: أن يكون الوضع و الموضوع له كلاهما خاصّين.

و لا كلام في إمكان جميع هذه الوجوه الثلاثة، إنّما الكلام في‏ قسم رابع‏ و هو أن يتصوّر معنىً جزئيّاً و يضع اللفظ لكلّيه، كأن يتصوّر زيداً مثلًا و يضع اللفظ للإنسان.

فالمشهور ذهبوا إلى استحالة هذا القسم و تبعهم المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و لكن المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) نقل عن بعض طريقاً لإمكانه، و استدلّ المحقّق الحائري (رحمه الله) أيضاً لإمكانه بوجه آخر.

أمّا المشهور فاستدلّوا للاستحالة بأنّ الخاصّ من حيث كونه خاصّاً لا يكون مرآة للعام و عنواناً له بخلاف العكس، فإنّ العامّ شامل لأفراده و وجه لها.

و استدلّ بعض القائلين بالجواز (على ما حكاه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في نهايته: «بأنّه كالمنصوص العلّة، فإنّ الموضوع للحكم فيه شخصي و مع ذلك يسري إلى كلّ ما فيه العلّة و كذلك إذا وضع لفظ لمعنى باعتبار ما فيه من فائدة، فإنّ الوضع يسري إلى كلّ ما فيه تلك الفائدة، فيكون الموضوع له عامّاً مع كون آلة الملاحظة خاصّاً» (1).

و يرد عليه: أنّ العلّة في منصوص العلّة تكشف في الواقع عن إنشاء حكم عامّ فتكون جملة «لأنّه مسكر» مثلًا جملة خبريّة تخبر عن ذلك الحكم الكلّي، و ليست جملة إنشائيّة، و بعبارة اخرى: أنّ هنا قضيّتين: قضيّة «لأنّه مسكر» و قضيّة تقع كبرى للقياس و هي «كلّ مسكر حرام»، و المنشأ الحقيقي هو القضيّة الثانيّة التي أنشأ فيها حكم عامّ، و أمّا القضيّة الاولى فتكون كاشفة عنها، و هكذا في ما نحن فيه، فإنّ تصوّر الجزء لأجل خصوصيّة فيه يكشف عن تصوّر

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 20، طبع الطباطبائي.

51

كلّي سابق عليه، فيكون من قبيل الوضع العامّ و الموضوع له العامّ لا من قبيل الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ.

و قال المحقّق الحائري (رحمه الله) في هذا المقام ما إليك نصّه: «يمكن أن يتصوّر هذا القسم فيما إذا تصوّر شخصاً و جزئيّاً خارجياً من دون أن يعلم تفصيلًا بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد مثله كما إذا رأى جسماً من بعيد و لم يعلم بأنّه حيوان أو جماد، فلم يعلم إنّه داخل في أيّ نوع من الأنواع، فوضع لفظاً بإزاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع، فالموضوع له لوحظ إجمالًا و بالوجه، و ليس الوجه عند هذا الشخص إلّا الجزئي، لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقّلًا عنده إلّا بعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص» (1).

و يرد عليه أيضاً: أنّ الجزئي المذكور في المثال ليس عنواناً لكلّيه بل ينتقل الإنسان فيه بحسب الواقع من الشخص الجزئي إلى مفهوم عامّ إجمالًا و هو عنوان «ما هو متّحد مع هذا الشخص» (كما اعترف به في ذيل كلامه) فيلاحظه و يتصوّره ثمّ يضع اللفظ بإزائه، فيكون الوضع عامّاً و الموضوع له أيضاً عامّاً.

ثمّ إنّ لبعض الأعاظم في المقام كلاماً لا يخلو عن نظر و إن كان جديراً بالقبول في النظر الأوّل، و إليك نصّه: «الحقّ إنّهما (الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ و عكسه) مشتركان في الامتناع على وجه و إلا كان على وجه آخر، إذ كلّ مفهوم لا يحكي إلّا عمّا هو بحذائه و يمتنع أن يكون حاكياً عن نفسه و غيره، و الخصوصيّات و إن اتّحدت مع العام وجوداً إلّا أنّها تغايره عنواناً و ماهية، فحينئذٍ إن كان المراد من الموضوع له في الأقسام هو لحاظه بما هو حاكٍ عنه و مرآة له فهما سيّان في الامتناع، إذ العنوان العامّ كالانسان لا يحكي إلّا عن حيثيّة الإنسانيّة دون ما يقارنها من الخصوصيّات لخروجها عن حريم المعنى اللابشرطي، و الحكاية فرع الدخول في الموضوع له، و إن كان المراد من شرطيّة لحاظه هو وجود أمر يوجب الانتقال إليه فالانتقال من تصوّر العامّ إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان» (2).

و لكن يمكن الجواب عنه بأنّه من قبيل الخلط بين المفهوم و المصداق، فإنّ العامّ بمفهومه و إن كان لا يحكي عن الأفراد بخصوصيّاتهم، و لكن إذا لوحظ بقيد الوجود يكون إشارة إليها إجمالًا،

____________

(1) درر الفوائد: طبع جماعة المدرّسين، ص 36، طبع مهر.

(2) تهذيب الاصول: ج 1، ص 8، طبع مهر.

52

بخلاف الخاصّ فإنّه مع قيد الوجود أيضاً لا يحكي إلّا عن بعض أفراد العامّ، فتأمّل جيّداً.

فظهر من جميع ما ذكر أنّ الصحيح إمكان الأقسام الثلاثة الاولى من الوضع دون الرابع.

4- المعاني الحرفيّة

لا إشكال في وجود القسم الأوّل و الثالث من الأقسام المذكورة للوضع (أي ما إذا كان الوضع عامّاً و الموضوع له عامّاً، أو كان الوضع خاصّاً و الموضوع له خاصّاً) في الخارج، فمن القسم الأوّل أسماء الأجناس، و من الثالث الأعلام الشخصيّة.

أمّا القسم الثاني فقد وقع البحث في وقوعه خارجاً، و المشهور على ذلك، و عدّوا من مصاديقه المعاني الحرفيّة و ما شابهها، فينبغي البحث و التحقيق في حقيقة المعاني الحرفيّة لما يترتّب عليه في أبواب الواجب المشروط و غيره على قول بعض.

و هذا البحث يستدعي نظراً كلّياً إلى الأقوال المعروفة و الآراء الموجودة فيه قبل الورود في تفصيله.

فنقول: هنا أقوال خمسة ننظر إليها إجمالًا ثمّ نتكلّم عن أدلّتها و نقدها تفصيلًا:

القول الأوّل: أنّ الحروف لا معاني لها بل هي علامات للمعاني الاسميّة كالاعراب في الكلمات المعربة، فكما أنّ الرفع مثلًا علامة للفاعل، و النصب علامة للمفعول، كذلك الحروف، فكلمة «من» مثلًا علامة لابتداء السير في جملة «سرت من البصرة إلى الكوفة» و «إلى» علامة لانتهائه، و القائل به «محمّد بن حسن الرضي» من أعلام القرن السابع في كتابه الموسوم بشرح الكافية (و إن كان المستفاد من بعض كلماته القول الثاني الآتي ذكره) و الإنصاف أنّ صدر كلامه و إن كان يدلّ على القول الثاني فإنّه ذكر فيه «إنّ معنى «من» و معنى «لفظ الابتداء» سواء، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر بل معناه الذي في نفسه مطابقة، و معنى «من» مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي» كما أنّ ذيل كلامه قد يشعر بالقول الأوّل فإنّه قال: «فالحرف وحده لا معنى له أصلًا إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شي‏ء ليدلّ على أنّ في ذلك الشي‏ء فائدة ما» (1).

____________

(1) شرح الكافية: ج 1، ص 10.

53

و لكن المحصّل من مجموع كلامه كما لا يخفى على من راجعه و دقّق النظر فيه هو القول الخامس الذي ستأتي الإشارة إليه من أنّ الحروف تدلّ على معانٍ غير مستقلّة في الذهن و الخارج.

القول الثاني: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و هو عكس الأوّل، و حاصله إنّه لا فرق بين الحروف و الأسماء في كون معاني كليهما استقلاليّة، فلا فرق بين «من» مثلًا و كلمة «الابتداء» في دلالة كليهما على الابتداء.

إن قلت: فلما ذا لا يمكن استعمال أحدهما في موضع الآخر؟

قلت: إنّه ناشٍ من شرط الواضع لا إنّه مأخوذ في الموضوع له، فإنّ الواضع اعتبر لزوم استعمال «من» فيما إذا لم يكن معنى الابتداء ملحوظاً استقلاليّاً و شرط في كلمة الابتداء استعمالها فيما إذا لم يكن المعنى آلياً.

القول الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و حاصله: إنّ معاني الحروف كلّها إيجاديّة يوجد بها الربط بين أجزاء الكلام، فإنّ «من» في جملة «سرت من البصرة إلى الكوفة» مثلًا توجد الربط بين كلمتي «البصرة» و «سرت».

و الظاهر من كلامه إنّها ليست حاكيات عن معانيها بل وضعت لإنشائها، فإنّ «في» مثلًا لا تحكي عن الظرفيّة بل توجدها في قولك «زيد في الدار».

القول الرابع: ما أفاده بعض الأعلام، و ملخّصه: إنّ المعاني الحرفيّة وضعت لتضييق المعاني الاسمية و مع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجيّة كما سيأتي توضيحه‏ (1).

القول الخامس: قول كثير من المحقّقين. و هو أنّها وضعت للحكاية عن النسب الخارجيّة و المفاهيم غير المستقلّة و هو الأظهر من الجميع.

توضيحه: أنّ المفاهيم و المعاني على قسمين: مستقلّة و غير مستقلّة، فالمستقلّة نحو «مفهوم السير» و غير المستقلّة مثل ابتدائه و انتهائه، و كما نحتاج في بيان المعاني المستقلّة و الحكاية عنها إلى ألفاظ، كذلك في المعاني غير المستقلّة، فمثلًا كما نحتاج في بيان معنى «زيد» و «قائم» إلى لفظ زيد قائم، كذلك نحتاج في بيان نسبة زيد إلى قائم و صدور القيام عن زيد إلى وضع لفظ، و هو

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ص 18- 19.

54

هيئة «زيد قائم» و نحتاج في بيان كيفية السير من حيث الابتداء و الانتهاء في قولك «سرت من البصرة إلى الكوفة» أيضاً إلى كلمتي «من» و «إلى»، هذا ملخّص الكلام في بيان الأقوال الخمسة في المقام.

أقول: أمّا القول الأوّل: فالأحسن في مقام الجواب عنه أن يقال: إنّه مخالف لما يتبادر من الحروف إلى الذهن عند استعمالها، و قياسه بالاعراب قياس مع الفارق، لأنّه يتبادر من كلمة «في» مثلًا في جملة «زيد في الدار» معنى خاصّ، و الحال أنّه لا يتبادر شي‏ء من علامة الرفع في «زيدٌ» في تلك الجملة.

أمّا القول الثاني: فغاية ما يقال في‏ توضيحه: أنّ خصوصيّة كلّ واحد من الاسم و الحرف نشأت من جانب الاستعمال لا الوضع، لأنّه إن كان الموضوع له خاصّاً فلا يخلو من أحد الأمرين، إمّا أن يكون المراد الخاصّ الجزئي الخارجي فإنّه خلاف الوجدان، لأنّ في نحو «في الدار» لا يكون المصداق واحداً جزئيّاً بل إنّه كلّي لشموله لكل موضع من الدار، و إمّا أن يكون المراد جزئيّاً ذهنياً فيستلزم كون الموضوع له معنىً مقيّداً بوجوده في الذهن، لأنّ لحاظ المعنى قيد له و هو باطل لوجوه:

أحدها: لزوم تعدّد اللحاظين حين الوضع، لأنّ الوضع حينئذٍ يلاحظ المعنى الملحوظ في الذهن و هو خلاف الوجدان.

ثانيها: لزوم عدم إمكان انطباق المعنى الحرفي على الخارج لأنّه مقيّد بكونه في الذهن.

ثالثها: لزوم كون الموضوع له في جميع الأسماء حتّى في أسماء الأجناس خاصّاً لأنّه إذا كان «كونه ملحوظاً في غيره» جزءاً لمعنى الحرف، يكون «اللحاظ في نفسه» أيضاً جزءاً للمعنى الاسمي لأنّ المفروض كونهما موضوعين على منهاج واحد، فيكون معنى الاسم جزئيّاً حقيقيّاً ذهنيّاً أيضاً، و هو خلاف ما هو المتّفق عليه في أسماء الأجناس من كون الموضوع له فيها عامّاً.

فثبت ممّا ذكرنا أنّ هذا القيد إنّما يكون عند الاستعمال لا في الموضوع له.

إن قلت: فلا فرق حينئذٍ بين الاسم و الحرف، و هو يستلزم إمكان استعمال أحدهما موضع الآخر.

قلنا: الفرق بينهما منحصر في غاية الوضع، فوضع الاسم لأن يراد في نفسه، و وضع الحرف لأن يراد في غيره، و هي تمنع عن استعمال أحدهما موضع الآخر (انتهى).

55

أقول يرد عليه: أنّ هذا في الحقيقة شرط من ناحية الواضع لو قلنا به، و هو لا يوجب إلزاماً لغيره من المستعملين، فيستلزم أن يكون الاسم و الحرف مترادفين، إلّا أن يقال: إنّ شرط الواضع يوجب محدوديّة في الموضوع له التي تعبّر عنها في بعض الكلمات بالتضييق الذاتي، و في كلام المحقّق العراقي (رحمه الله) بالحصّة التوأمة، و لكن هذا يرجع في الحقيقة إلى تغاير الموضوع له فيهما فلا تكون الحروف متّحدة مع الأسماء في الموضوع له.

و بعبارة اخرى: الذي يوجب قبوله من الواضع إنّما هو ما يكون في دائرة الوضع فإن كان هناك شي‏ء خارج عنها و كان الموضوع له مطلقاً بالنسبة إليه فلا مانع حينئذ في استعمال تلك اللّفظة على نحو عامّ، فلو شرط الواضع عدم استعماله بدون ذاك القيد لم يقبل منه لأنّه بما هو واضع لم يأخذه قيداً فكيف يجب قبول هذا الشرط؟

أمّا القول الثالث: و هو ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله)(1) فيرد عليه أمران لا محيص عنهما:

الأوّل: (و هو العمدة) إنّه لا معنى لأن توجد النسبة بلفظ لا معنى له، و لا يدلّ على مفهوم، فإن لم يكن لكلمة «في» مثلًا معنى الظرفيّة فلا يمكن إيجادها بها في الكلام كما لا يخفى، فاللازم دلالة الحروف أوّلًا و بالذات على معنى و حكايتها عنه ثمّ إيجاد النسبة الكلاميّة بها في ضوء تلك الحكاية.

الثاني: أنّه لو كانت معاني الحروف إيجاديّة فلا سبيل للصدق و الكذب إليها كما هو كذلك في جميع الإنشائيات فلا معنى لكون قضيّة «زيد في الدار» صادقة أو كاذبة، و هذا كما ترى.

نعم لا إشكال في إيجاديّة معاني بعض الحروف نحو حروف النداء و حروف التمنّي و الترجّي و القسم و التأكيد التي تشكّل قسماً خاصّاً من الحروف كما ستأتي الإشارة إليه إن شاء اللَّه.

أمّا القول الرابع: فقد مرّت الإشارة إليه و إليك توضيحه من ملخّص كلامه:

قال في هامش أجود التقريرات: «و التحقيق أن يقال: إنّ الحروف بأجمعها وضعت لتضييقات المعاني الاسمية و تقييداتها بقيود خارجة عن حقائقها، و مع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجيّة بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوميّة ... توضيح ذلك: إنّ كلّ مفهوم اسمي له سعة و إطلاق بالإضافة إلى الحصص التي تحته سواء كان الإطلاق بالقياس إلى الخصوصيّات‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 16.

56

المنوّعة أو المصنّفة أو المشخّصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد، و من الضروري أنّ غرض المتكلّم كما يتعلّق بإفادة المفهوم على إطلاقه وسعته كذلك قد يتعلّق بإفادة حصّة خاصّة منه كما في قولك «الصّلاة في المسجد حكمها كذا»، و حيث إنّ حصص المعنى الواحد فضلًا عن المعاني الكثيرة غير متناهية، فلا بدّ للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصيص المعنى و تقييده، و ليس ذلك إلّا الحروف و الهيئات ... و بذلك يظهر أنّ إيجاد الحروف لمعانيها إنّما هو باعتبار حدوث الضيق في مرحلة الإثبات و الدلالة، و إلّا لكان المفهوم متّصفاً بالاطلاق و السعة ... و إمّا باعتبار مقام الثبوت فالكاشف عن تعلّق القصد بإفادة المعنى الضيّق إنّما هو الحرف» (1).

أقول: يرد عليه امور:

أحدها: إنّ هناك قسماً ثالثاً من الحروف لا يجري فيه شي‏ء ممّا ذكره كالحروف العاطفة فإنّها ليست إنشائيّة كما أنّها ليست لبيان الحصص الخاصّة من المعاني الاسميّة و غيرها.

ثانيها: إنّه قد تكون الحروف لتضييق النسب الموجودة في الكلام التي هي بنفسها من المعاني الحرفيّة كقولك «عليك بإكرام زيد في دارك» فإنّ كلمة «في» هنا إنّما هي لتضييق نسبة الإكرام إلى زيد لا تقييد الإكرام و لا تقييد نفس زيد كما لا يخفى على المتأمّل.

ثالثها: و هو العمدة ما أوردناه سابقاً على مذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو أنّ التضييق لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون مع الحكاية و الدلالة على الخارج أو بدونها، فإن لم يكن مع الدلالة فلا معنى له، و إن كان مع الحكاية و الدلالة فيكون دور الحروف أوّلًا هو الدلالة على معنى و الحكاية عن الخارج، ثمّ تضييق المعاني الاسميّة بواسطتها.

أمّا القول الخامس: فقد مرّ بيانه و يزيدك توضيحاً: إنّ الموجودات الممكنة على ثلاثة أقسام:

الأوّل: وجود في نفسه لنفسه، أي وجود مستقلّ في الذهن و الخارج و هو الجوهر، نحو الروح و الجسم.

الثاني: وجود في نفسه لغيره فيكون مستقلًا في المفهوم فقط و لكن إذا وجد وجد في‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 18- 19.