أنوار الأصول‏ - ج2

- الشيخ أحمد القدسي المزيد...
496 /
7

المقصد الثالث المفاهيم‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

3- المفاهيم‏

و قبل الورود في أصل البحث لا بدّ من تقديم امور:

الأمر الأوّل: في تعريف المفهوم‏

المفهوم في اللّغة عبارة عن «ما يفهم و يدرك»، فإذا اضيف إلى اللفظ كان معناه ما يفهم من اللفظ، و إذا اضيف إلى الجملة كان معناه ما يفهم من الجملة، فهو يعمّ حينئذٍ المعنى المصطلح للمفهوم أيّاً ما كان، حيث إنّه ممّا يفهم من اللفظ كذلك، فيكون مفهوماً له.

و أمّا في الاصطلاح فقد عرّف في كلمات القوم بتعاريف عديدة:

أحدها: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) و هو: «إنّ المفهوم حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصيّة المعنى (الذي اريد من اللفظ) بتلك الخصوصيّة و لو بقرينة الحكمة، و كان يلزمه لذلك، وافقه في الإيجاب و السلب أو خالفه».

و لكنّه قد أتعب نفسه الزكيّة حيث لا حاجة إلى كثير من هذه القيود و هي كلمة «إنشائي أو إخباري» و قوله: «و لو بقرينة الحكمة إلى آخره».

بل لو قلنا: «إنّ المفهوم حكم غير مذكور في الكلام يدلّ عليه المذكور» كان شاملًا لتمام ما أراده من تلك القيود، حيث إنّ لفظ «الحكم» عام يعمّ الإنشائي و الأخباري معاً، و جملة «غير مذكور في الكلام» شامل لمفهوم الموافقة و غيرها، و كلمة «المذكور» مخرجة لما يستفاد من مقدّمات الحكمة؛ لأنّها ممّا يستفاد من بعض المقدّمات العقليّة لا من دلالة وضعية، و هذا بنفسه تعريف‏ ثانٍ‏ للمفهوم.

ثالثها: ما نقله المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً ممّا يكون في جانب التفريط و هو أنّ «المفهوم حكم غير مذكور» حيث لا إشكال في أنّ كلّ حكم مذكور ليس مفهوماً.

10

رابعها: ما ذكره في تهذيب الاصول و هو «إنّه عبارة عن قضيّة غير مذكورة مستفادة من القضيّة المذكورة عند فرض انتفاء أحد قيود الكلام».

و يرد عليه أيضاً: أنّه غير جامع لمفهوم الموافقة؛ لأنّها لا تستفاد من انتفاء أحد قيود الكلام كما لا يخفى، مضافاً إلى أنّ الأولى هو التعبير بالحكم بدل كلمة «القضيّة» حيث إنّها تعبير منطقي أو فلسفي، و الاصولي يطلب في المسائل الاصوليّة الحكم لا القضيّة.

ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ ظاهر كلمات القوم أنّهم في مقام بيان تعريف حقيقي جامع و مانع، لا مجرّد شرح الاسم، و لذلك يتصدّون للنقض و الإبرام و إثبات أنّ هذا القيد داخل و أنّ ذاك خارج كما مرّ كراراً، و حينئذٍ فقول المحقّق الخراساني (رحمه الله) في ما نحن فيه من «أنّه لا موقع لما قد وقع في تعريف المفهوم من النقض و الإبرام بين الأعلام؛ لأنّه من قبيل شرح الاسم» في غير محلّه.

الأمر الثاني: هل البحث في باب المفاهيم عقلي أو لفظي؟

الحقّ أنّ البحث في المفاهيم من أوضح المباحث اللفظيّة؛ لأنّ المدلول الالتزامي من أقسام الدلالات اللفظيّة، و من العجب ما ذكره في المحاضرات من «أنّ للمفاهيم حيثيتين واقعيتين فمن إحداهما تناسب أن تكون من المسائل الاصوليّة العقليّة، و من الاخرى تناسب أن تكون من المسائل الاصوليّة اللفظيّة، و ذلك لأنّه بالنظر إلى كون الحاكم بانتفاء المعلول عند انتفاء العلّة هو العقل فحسب فهي من المسائل الاصوليّة العقليّة، و بالنظر إلى كون الكاشف عن العلّة المنحصرة هو الكاشف عن لازمها أيضاً فهي من المسائل الاصوليّة اللفظيّة لفرض أنّ الكاشف عنها هو اللفظ كما عرفت، فإذن يكون المفهوم مدلولًا للفظ التزاماً» (1)، مع تصريحه بأنّ دلالة اللفظ على المفهوم إنّما يكون بالالتزام، و الدلالة الالتزاميّة من أقسام الدلالة اللفظيّة.

و إن شئت قلت: كون المدلول الالتزامي بيّناً يوجب ظهوراً عرفيّاً للفظ في المدلول المفهومي الالتزامي، و حينئذٍ يستظهر المفهوم من اللفظ فهي من المسائل اللفظيّة فقط فتأمّل.

____________

(1) المحاضرات، ج 5، ص 58- 59.

11

الأمر الثالث: هل المسألة من المسائل الاصوليّة أو لا؟

المستفاد من بعض الكلمات وجود التسالم على كونها اصوليّة، و لكن الحقّ أنّها من مبادئ الاصول؛ لأنّها تبحث عن صغرى الظهور، و أنّه هل يكون لمنطوق القضيّة الشرطيّة- مثلًا- ظهور في المفهوم أو لا؟ و المسألة الاصوليّة في الحقيقة إنّما هي حجّية الظواهر؛، لأنّ موضوع علم الاصول هو «الحجّة» و البحث في مسائلها يدور مدار حجّية الدليل، و أنّه هل يكون هذا الظهور- مثلًا- حجّة أو لا؟

توضيح ذلك: أنّه لا بدّ في فهم معنى خاصّ من لفظ خاصّ و الاحتجاج به على المقصود من طيّ مقدّمات عديدة:

إحداها: البحث عن مفاد مادّة اللفظ لغةً كمادّة الوفاء في قوله تعالى‏ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» مثلًا، و نرجع فيها إلى كتب اللغة.

ثانيتها: البحث عن مفاد هيئة اللفظ المفرد و صيغته و هي صيغة «أوفوا» التي في المثال، و فيها نرجع إلى علم الصرف.

ثالثتها: البحث عن مفاد هيئة الجملة، أي هيئة «أوفوا بالعقود» و أنّها ظاهرة في أي شي‏ء؟

و لا بدّ فيها من الرجوع إلى علم النحو.

ثمّ بعد طيّ هذه المقدّمات يبحث رابعاً في أنّه هل يمكن أن يكون هذا الظهور دليلًا للحكم الشرعي و حجّة عليه أو لا؟

لا إشكال في أنّ البحث الأخير من المسائل الاصوليّة، و لا بدّ فيه من الرجوع إلى علم الاصول، و لازم هذا أن يكون البحث عن المفاهيم و كذلك الأوامر و النواهي خارجاً عن مسائل علم الاصول و دخلًا في مباديه، و أمّا وقوعه في علم الاصول فهو ليس دليلًا على كونها من مسائله، بل لعلّه من باب عدم استيفاء البحث عنها في العلوم اللائقة بها.

الأمر الرابع: هل المفهوم من صفات الدلالة أو المدلول؟

ظهر ممّا ذكرناه من التعريف للمفهوم أنّه من صفات المعنى و المدلول لا الدلالة، فإنّه عرّف بأنّه «حكم غير مذكور»، كما أنّ المنطوق أيضاً من صفات المدلول حيث إنّه حكم مذكور كذلك.

12

إن قلت: فكيف يقع صفةً للدلالة و يقال: الدلالة المفهوميّة، كما استشهد به في تهذيب الاصول على أنّ المفهوم قد يكون من صفات المدلول و قد يكون من صفات الدلالة؟

قلنا: المراد من الدلالة المفهوميّة الدلالة المنسوبة إلى المعنى الذي يكون مفهوماً للفظ كما لا يخفى، و حينئذٍ يكون المفهوم في هذا التعبير أيضاً وصفاً للمعنى و المدلول.

الأمر الخامس: هل النزاع في المفاهيم صغروي أو كبروي؟

الظاهر من كلمات القوم هو الثاني، حيث إنّهم يعنونون البحث عن مفهوم الشرط مثلًا بهذا العنوان: «هل مفهوم القضيّة الشرطيّة حجّة أو لا؟» و ظاهره أنّ البحث إنّما هو في الحجّية و عدمها، و هو بحث كبروي كما لا يخفى.

كما أنّ المنسوب إلى قدماء القوم أيضاً أنّه كبروي، لكن الصحيح أنّه صغروي عند القدماء و المتأخّرين جميعاً، أمّا المتأخّرون فلتصريحهم بأنّ النزاع صغروي، و أنّ الكلام إنّما هو في أصل وجود المفهوم خارجاً، بمعنى أنّ الجملة الشرطيّة أو ما شاكلها هل هي ظاهرة في المفهوم أو لا؟ و أمّا تعبيرهم في عنوان المسألة بأنّ مفهوم القضيّة الشرطيّة حجّة أو لا؟ فإنّما هو لنكتة خاصّة و هي أنّه لا إشكال و لا خلاف في أنّ لجميع الموضوعات التي وقع البحث في مفهومها دلالة ما أو إشعاراً ما على المفهوم، و لكن وقع النزاع في أنّ هذه الدلالة هل تقف عند حدّ الإشعار حتّى لا تكون حجّة، أو تصل إلى حدّ الظهور اللفظي العرفي فتكون حجّة؟

و أمّا القدماء من الأصحاب فالدقّة في كلماتهم أيضاً تقتضي هذا المعنى، أي أنّ مرادهم من حجّية مفهوم و عدمها أنّه هل تصل تلك الدلالة المفروغ عنها إلى حدّ الظهور العرفي فتكون حجّة، أو لا؟

13

1- الكلام في مفهوم الشرط

هل للجملة الشرطيّة مفهوم، أو لا؟

اختلف الأصحاب في دلالتها على المفهوم و عدمها، و التحقيق في حلّ المسألة ملاحظة ما ينشأ منه المفهوم، أي ملاحظة الخصوصيّات الموجودة في المنطوق التي يمكن أن يفهم منها المفهوم.

فنقول: من الخصوصيّات المذكورة في كلماتهم في هذه الجهة خصوصيّة أدوات الشرط، فقد يدّعى أنّ أداة الشرط وضعت للدلالة على علّية الشرط للجزاء عليه منحصرة، و هي تقتضي انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، و هذا هو المفهوم.

و لكن الحقّ و الإنصاف أنّ أداة الشرط وضعت لمطلق العلقة و الملازمة بين الشرط و الجزاء في الوجود سواء كانت من قبيل الملازمة الموجودة بين العلّة و المعلول، أو الملازمة الموجودة بين معلولي علّة واحدة، و سواء كانت العلّية منحصرة أو غير منحصرة.

توضيح ذلك: أنّه‏ تارةً لا يكون بين الشرط و الجزاء ملازمة، بل المقارنة بينهما اتّفاقية، كما ورد في قول الفرزدق في حقّ الإمام زين العابدين (عليه السلام): يا هشام «إن كنت لا تعرفه فإنّي أعرفه» و نحو قولك: «إن لم تكن جائعاً فإنّي جائع»، و اخرى‏ توجد بينهما ملازمة لكنّها ليست من باب الملازمة بين العلّة و المعلول بل من باب الملازمة بين معلولي علّة واحدة، نحو «إن جاء النهار ذهب الليل» و نحو «إن طال الليل قصر النهار» حيث إن كلّ واحد من الشرط و الجزاء في كلا المثالين يكون معلولًا لعلّة واحدة كما لا يخفى، أو يكون من باب الملازمة بين العلّة و المعلول لكن العلّة فيها هو الجزاء، و المعلول هو الشرط، نحو «إذا جاء النهار طلعت الشمس.

و ثالثة: يكون الترتّب من باب ترتّب المعلول على العلّة، لكن العلّية ليست منحصرة في الشرط، نحو «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» فإنّ علّة عاصميّة الماء ليست منحصرة في‏

14

الكرّيّة، و لا يخفى أنّ أمثلة هذا القسم كثيرة غاية الكثرة، و رابعة: يكون الترتّب من باب ترتّب المعلول على العلّة، و العلّية منحصرة في الشرط، نحو «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجودة»، و في باب الامور الشرعيّة كأن يقال: «إذا آمن الإنسان دخل الجنّة».

إذا عرفت هذا فنقول: لو ثبت كون القضيّة الشرطيّة حقيقة في القسم الرابع و تكون مجازاً في الثلاثة الاول تثبت دلالتها على المفهوم، و لكن أنّى لنا بإثبات ذلك؟

نعم، يمكن أن نقول بالمجاز في القسم الأوّل بل يمكن القول بوجود حذف فيه يقتضي كون المقارنة من باب العلّية لا الاتّفاق، كأن يقال بحذف «فلا يضرّ» أو «فلا إشكال» في قول الفرزدق، فقوله: «إن كنت لا تعرفه فإنّي أعرفه» يعني «إن كنت لا تعرفه فلا يضرّه لأنّي أعرفه»، و بالجملة لا يبعد دعوى المجاز في هذا القسم، أمّا القسم الثاني و الثالث فإنّ الوجدان العرفي (أي عرف أهل اللسان) حاكم على عدم المجاز فيهما.

الخصوصيّة الثانية: هي انصراف القضيّة الشرطيّة إلى العلّية المنحصرة، فقد يقال إنّها و إن وضعت أوّلًا و بالذات لمطلق العلقة، لكن عند الإطلاق تنصرف إلى العلقة الناشئة من العلّية المنحصرة لأنّها أكمل فرد لمطلق العلقة.

و لكن يرد عليها أيضاً أنّ ما يوجب الانصراف إنّما هو كثرة الاستعمال التي توجب انساً ذهنياً بالنسبة إلى المنصرف إليه، و هي‏ تارةً تنشأ من كثرة الافراد، و اخرى‏ من غيرها، و أمّا مجرّد أكمليّة الفرد فلا توجب ذلك بل لعلّ الأمر بالعكس، أي أنّ الأكمليّة قد توجب الانصراف عن الفرد الأكمل لقلّته و ندرته.

بقي هنا شي‏ء:

و هو ما أفاده في المحاضرات من «أنّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم ترتكز على ركائز، منها أن يرجع القيد في القضيّة إلى مفاد الهيئة دون المادّة، و السبب في ذلك ما ذكرناه في بحث الواجب المشروط من أنّ القضايا الشرطيّة ظاهرة عرفاً في تعليق مفاد الجملة (و هي الجزاء) على مفاد الجملة الاخرى (و هي الشرط)، و إلّا لو بنينا على رجوع القيد إلى المادّة كما اختاره الشيخ الأنصاري (قدس سره) فحال القضيّة الشرطيّة عندئذٍ حال القضيّة الوصفيّة في الدلالة على المفهوم و عدمها لما سيأتي من أنّ المراد بالوصف ليس خصوص الوصف المصطلح في مقابل‏

15

سائر المتعلّقات بل المراد منه مطلق القيد» (1).

أقول: إنّ ما أفاده الشيخ الأعظم (رحمه الله) ليس هو كون القضيّة الشرطيّة ظاهرة في رجوع القيد إلى المادّة، بل مراده أنّ القيد راجع إلى المادّة لبّاً و إن كانت القضيّة ظاهرة في رجوعه إلى الهيئة لفظاً.

و بعبارة اخرى: إنّ مقصوده أنّ القيد و إن كان للهيئة في مقام الاستظهار و الإثبات، و لكنّه لا بدّ من رجوعه إلى المادّة في مقام الثبوت من باب أنّ الهيئة من المعاني الحرفيّة التي ليست قابلة للتقييد لجزئيتها، و على هذا فلا فرق بين مختار الشيخ (قدس سره) و غيره في القضيّة الشرطيّة من حيث الظهور العرفي الذي هو الملاك و الملحوظ في باب المفاهيم.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مراد شيخنا الأعظم (قدس سره) أنّ الظهور البدوي و إن كان هو رجوع القيد إلى الهيئة و لكن بالنظر إلى القرينة العقليّة و هي عدم قابلية الهيئة للتقييد لا بدّ أن يرجع إلى المادّة بحسب الدلالة اللفظيّة.

الخصوصيّة الثالثة: و الطريق الثالث لفهم العلّية المنحصرة هو التمسّك بإطلاق الشرط، و يمكن تفسيرها ببيانات ثلاثة:

البيان الأوّل: أنّ إطلاق الشرط يقتضي انحصار العلّة فيه نظير اقتضاء إطلاق الأمر كون الوجوب فيه نفسيّاً تعيينيّاً.

و لكن يرد عليه:

أوّلًا: أنّ قياس المقام بهيئة الأمر قياس مع الفارق فإنّ الإطلاق عبارة عن رفض القيود و عدم بيان ما يكون قيداً مع كون المتكلّم في مقام البيان، و هو صادق في المقيس عليه لا في المقيس، لأنّ كون الوجوب غيريّاً مثلًا قيد للوجوب كما يستفاد من قوله تعالى: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...» حيث إن المستفاد منه أنّ وجوب الوضوء مقيّد بقصد القيام إلى الصّلاة، و النفسيّة تساوق حسب الفرض عدم كون الوجوب غيريّاً، فإذا كان المولى الشارع في مقام البيان و لم يذكر قيد الغيريّة للوجوب بل صدر منه الحكم مطلقاً كان المستفاد منه الوجوب النفسي، و أمّا في ما نحن فيه فلا يفيد الإطلاق إلّا كون الشي‏ء تمام الموضوع‏

____________

(1) راجع المحاضرات: ج 5، ص 59- 60.

16

للحكم كما في قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» فإنّ مقتضى إطلاق الشرط أنّ الكرّيّة مؤثّرة في العاصميّة من دون أن يكون شي‏ء آخر دخيلًا فيه، و إلّا لكان عليه البيان، فالقيد هو دخل شي‏ء آخر في موضوع الكرّيّة، و عدم بيانه مع كونه في مقام البيان يفيد أنّ الكرّيّة تمام الموضوع للعاصميّة، و أمّا كون شي‏ء آخر موضوعاً للحكم أيضاً فلا يوجب تقييداً في هذا الموضوع بوجه لكي نستفيد من عدم بيانه انحصار الحكم في هذا الموضوع.

و بعبارة اخرى: كون الكرّ علّة منحصرة في العاصميّة و عدمه لا دخل له و لا تأثير له في العلقة الموجودة بين الكرّيّة و العاصميّة، فإنّ الكرّيّة تمام الموضوع للعاصميّة سواء كانت العاصميّة منحصرة فيها أم لا، فلا يكون عدم الانحصار قيداً لعاصميّتها، و لا يقتضي الإطلاق انحصار العلّة.

و ثانياً: قد مرّ أنّ المستفاد من الجملة الشرطيّة إنّما هو مطلق التلازم بين الشرط و الجزاء أعمّ من أن يكون من باب التلازم بين العلّة و المعلول أو من باب التلازم بين معلولي علّة واحدة، فلا يكون مفاده منحصراً في العلّية حتّى يتكلّم في انحصارها أو عدم انحصارها.

البيان الثاني: أنّ عدم كون العلّة منحصرة يقتضي قيداً في الكلام، لأنّ معناه حينئذٍ أنّ هذا الشرط (و هو الكرّيّة مثلًا) مؤثّر في الجزاء (و هو العاصميّة مثلًا) إذا لم تتحقّق قبلها علّة اخرى مثل كون الماء جارياً، و أمّا إذا كانت العلّة منحصرة فمعناه أنّ هذا الشرط يؤثّر في الجزاء مطلقاً سواء حصل قبله وصف الجريان أم لا، فلا حاجة حينئذٍ إلى تقييد شي‏ء، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان و لم يأت بالقيد المزبور (أي عدم تحقّق علّة اخرى فيما قبل) كان المستفاد من إطلاق كلامه انحصار العلّة في الشرط.

و يرد عليه أيضاً:

أوّلًا: ما مرّ آنفاً من أنّ غاية ما يستفاد من القضيّة الشرطيّة إنّما هو مطلق التلازم بين الشرط و الجزاء لا خصوص التلازم الموجود بين العلّة و المعلول.

و ثانياً: سلّمنا كون المستفاد من الجملة الشرطيّة هو العلّة و التلازم الموجود بين العلّة و المعلول، لكنّها تكون على حدّ العلّية الاقتضائيّة لا الفعليّة، أي يستفاد من قوله (عليه السلام) «الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» إمكان أن تكون الكرّيّة علّة لعدم التنجّس و العاصميّة، لا أنّها علّة لها فعلًا حتّى ينافي حصول علّة اخرى من قبل.

17

البيان الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو: «إنّ القضيّة الشرطيّة و إن كانت بحسب الوضع لا تدلّ على تقييد الجزاء بوجود الشرط لصحّة استعمالها بلا عناية في موارد القضيّة المسوقة لبيان الحكم عند تحقّق موضوعه، إلّا أنّ ظاهرها في ما إذا كان التعليق على ما لا يتوقّف عليه متعلّق الحكم في الجزاء عقلًا هو ذلك، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان فكما أنّ إطلاقه الشرط و عدم تقييده بشي‏ء بمثل العطف بالواو مثلًا يدلّ على عدم كون الشرط مركّباً من المذكور في القضيّة و غيره كذلك إطلاقه و عدم تقييده بشي‏ء بمثل العطف بأو يدلّ على انحصار الشرط بما هو مذكور في القضيّة و هذا نظير استفادة الوجوب التعييني من إطلاق الصيغة، فكما أنّ إطلاقها يقتضي عدم سقوط الواجب بإتيان ما يحتمل كونه عدلًا له فيثبت به كون الوجوب تعيينياً كذلك مقتضى الإطلاق في المقام هو انحصار قيد الحكم بما هو مذكور في القضيّة فيثبت به أنّه لا بدل له في ترتّب الحكم عليه» (1).

و لكن يرد عليه: أنّه فرق بين ما إذا كان القيد جزء لموضوع الحكم المذكور في القضيّة و ما إذا كان عدلًا له، ففي الأوّل تكون المسألة كما أفاد، فلا بدّ من ذكره إذا كان دخيلًا في موضوع الحكم فيقتضي عدم ذكره عدم دخله فيه، بخلافه في الثاني، لأنّ المتكلّم حينئذٍ إنّما يريد بيان وجود العلقة و الملازمة بين الشرط و الجزاء فحسب كما مرّ، و معه لا ملزم لذكر ما يكون عدلًا للشرط كما لا يخفى، و أمّا القياس بالوجوب التعييني فهو قياس مع الفارق، لأنّ الوجوب التعييني نوع خاصّ من الوجوب يغاير الوجوب التخييري، و الوجوب التخييري لا بدّ فيه من ذكر قيد و خصوصيّة في الكلام، أعني وجوبه إذا لم يأت بغيره، كما في مثل قولنا «اعتق رقبة مؤمنة إذا لم تصم شهرين متتابعين أو لم تطعم ستّين مسكيناً» فإذا لم يذكره في الكلام كان مقتضى الإطلاق أنّ الوجوب تعييني، و هذا بخلاف المقام، حيث إن ترتّب المعلول على علّته المنحصرة ليس مغايراً لترتّبه على غير المنحصرة سنخاً، بل إنّهما من سنخ واحد من دون أن يحتاج الثاني إلى ذكر قيد.

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 418.

18

المختار في المسألة: التفصيل بين الحالات المختلفة للشرط، فنقول مقدّمة: لا شكّ في دلالة القضيّة الشرطيّة على الأقلّ على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط في الجملة بالتبادر و الوجدان، و إلّا لو كان الحكم ثابتاً على أي تقدير لاستلزم كون تعليقه على الشرط لغواً كما لا يخفى.

إذا عرفت هذا فاعلم: إنّه لا شكّ في دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم و العلّية المنحصرة فيما إذا كان الشرط من ضدّين لا ثالث لهما، نحو «المخبر إن كان فاسقاً فتبيّن» حيث إنّه لا يتصوّر بالنسبة إلى المخبر حالة اخرى غير الفسق و العدل فلا ثالث لهما فيه، فإنّ مقتضى دلالة القضيّة الشرطيّة على الانتفاء عند الانتفاء في الجملة دلالتها على المفهوم في هذه الصورة كما لا يخفى، و نظير المثال المزبور قولك: «الإنسان إن كان مسافرا فعليه القصر» أو «إن كان مستطيعاً فعليه الحجّ» حيث لا ثالث للمسافر و الحاضر، و لا للمستطيع و غير المستطيع.

و أمّا إذا كان للشرط حالات عديدة كما في قوله (عليه السلام) «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» حيث يتصوّر للماء إذا لم يكن كرّاً أن يكون مطراً أو جارياً أو ماء بئر أو غيره، فهو بنفسه على صورتين‏ فتارةً يوجد فيها قدر متيقّن كالماء القليل في المثال، فلا شكّ أيضاً في دلالة القضيّة الشرطيّة حينئذٍ على المفهوم بالنسبة إليه، و إلّا يلزم اللغويّة و رفع اليد عن دلالتها على الانتفاء عند الانتفاء في الجملة، و اخرى‏ لا يوجد فيها قدر متيقّن كأن يقول الشارع «إذا دخل شهر رمضان فصوموا» حيث نعلم أنّ لرمضان دخلًا في حكم الصّيام، و هو ينتفي عند انتفائه إجمالًا، و إلّا كان الصّيام واجباً في تمام أيّام السنة و لم يكن تعليقه بدخول شهر رمضان صحيحاً (كما لا يصحّ تعليق وجوب الصّلاة مثلًا بدخوله، فيقال: «إذا دخل شهر رمضان فصلّوا» لوجوب الصّلاة في جميع أيّام السنة)، ففي هذه الصورة لا مفهوم صريحاً مشخّصاً للقضيّة لعدم تصوّر قدر متيقّن فيها بل لها مفهوم مبهم إجمالي لا يستفاد منه حكم متعيّن مخالف للمنطوق، فنعلم إجمالًا في المثال المزبور عدم وجوب الصّيام في بعض شهور السنة.

فظهر أنّ الحقّ في المسألة هو التفصيل بين الصورتين الأوّليين و الصورة الثالثة و ثبوت المفهوم في الأوليين و عدمه في الثالثة.

و يمكن تقرير هذا ببيان آخر مرّ تفصيله في البحث عن الواجب المشروط و البحث عن حقيقة مفهوم «إنْ» الشرطيّة (و باللغة الفارسيّة مفهوم «اگر») فقد قلنا هناك أنّ حقيقة هذه‏

19

الكلمة «تعليق حكم على فرض»، أي إذا رأينا عدم تحقّق حكم على نحو الإطلاق بل أنّه يتحقّق بعد تحقّق شي‏ء آخر حكيناه على نهج القضيّة الشرطيّة، و حينئذٍ نقول: إذا لم يكن للقضية الشرطيّة مفهوم لم يصحّ أن تكون ماهيّة «إنْ» الشرطيّة «حكم على فرض» فإذا كان هذا هو ماهيتها يتصوّر فيها الحالات الثلاثة التي مرّت في البيان السابق، و يكون الكلام هو الكلام و التفصيل هو التفصيل.

هذا كلّه هو المختار في المسألة.

أدلّة المنكرين:

و هي وجوه:

منها: ما نسب إلى السيّد المرتضى (رحمه الله) و حاصله أنّه لا يمتنع أن يتخلّف شرط و يقوم مقامه شرط آخر فلا ينتفي الحكم بانتفائه.

و استشهد لذلك بقوله تعالى‏ «... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ» حيث إنّه يقوم مقام شهادة الرجلين شهادة رجل واحد و امرأتين أو شهادة أربع نسوة.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّ السيّد المرتضى (رحمه الله) إن كان بصدد إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض ثبوتاً و عدم انتفاء الحكم بانتفاء الشرط لقيام شرط آخر مكانه فالخصم لا ينكر ذلك و إنّما يدّعي عدم وقوعه إثباتاً، بمعنى دلالة الجملة الشرطيّة في مقام الإثبات على خلافه، و إن كان بصدد بيان أنّ هذا الاحتمال الثبوتي يؤثّر في ظهور الجملة فهو ممنوع جدّاً، لأنّ هذا لا يوجب الظهور ما لم يكن الاحتمال في مقام الإثبات راجحاً.

أقول: و يمكن أن نورد على السيّد (رحمه الله) أيضاً بوجهين آخرين:

الوجه الأول: خروج ما استشهد به في المقام عن محلّ النزاع حيث إن محل البحث هنا مدلول الجملة الشرطيّة لا ما يصدق عليه الشرط الفقهي، اللهمّ أن يقال بإمكان إرجاع قوله تعالى‏ «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ» إلى قضيّة شرطيّة لغويّة فافهم.

الوجه الثاني: بناءً على ما اخترناه من التفصيل لا يرد علينا هذا الإشكال حيث إن أكثر ما يمكن أن يدّعيه و يثبته إنّما هو عدم دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم تفصيلًا في بعض‏

20

الموارد، و هو مقبول عندنا بل قد عرفت دلالته عليه إجمالًا فراجع.

و منها: أنّه لو دلّ الشرط على المفهوم لدلّ بإحدى الدلالات الثلاث، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

و الجواب عنه منع بطلان التالي عندنا لأنّ الشرط يدلّ على المفهوم بالدلالة الالتزاميّة التي هي من الدلالات الثلاث.

و منها: قوله تعالى: «وَ لَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ...» حيث إنّه لو دلّ الشرط على المفهوم لدلّ قوله تعالى هذا على جواز الإكراه على البغاء إن لم يردن التحصّن و هو باطل بالضرورة.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بما حاصله: أنّ عدم دلالة الشرط على المفهوم أحياناً بسبب خارجي و قرينة خارجيّة كالإجماع و نحوه ممّا لا يكاد ينكر، و إنّما القائل بالمفهوم يدّعي دلالة الشرط عليه بالظهور اللفظي و هو لا ينافي قيام قرينة خارجيّة على خلافه. هذا أوّلًا:

و يمكن الجواب ثانياً: بأنّ الشرط في الآية ليس شرطاً للحكم من دون دخل له في تحقّق موضوعه، بحيث إذا انتفى الشرط كان الموضوع باقياً على حاله كما في قولك «إن جاءك زيد فأكرمه» بل هو شرط للحكم مع دخله في تحقّق الموضوع بحيث إذا انتفى الشرط فلا حكم و لا موضوع للحكم أصلًا كما في قولك «إن رزقت ولداً فاختنه» فإنّ الفتيات إذا لم يردن التحصّن فلا إكراه هناك كي يبحث عن حرمته و عدمها.

و يمكن أن يكون التعبير بجملة «إن أردن تحصّناً» على نهج القضيّة الشرطيّة مع عدم انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط لنكتة أخلاقيّة تربويّة بالنسبة إلى أرباب الفتيات و هي أنّ بيان إرادة التحصّن و العفّة من جانب الفتيات مع عدم ترقّبه منهنّ لكونهنّ معدودات عند الناس من طبقة سافلة اجتماعيّة من حيث الثقافة و الوعي يوجب تحضّ أربابهنّ و تحريك غيرتهم الإنسانيّة (لو كانت لهم غيرة) على العفّة و عدم الإكراه على البغاء.

إلى هنا تمّ الكلام عن أدلّة القائلين بمفهوم الشرط و أدلّة المنكرين له.

21

بقي هنا امور

الأمر الأوّل: هل المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم بانتفاء شرطه أو انتفاء شخص الحكم؟

ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ المراد من المفهوم في الجملة الشرطيّة هو انتفاء سنخ الحكم لا انتفاء شخصه و إلّا ففي اللقب أيضاً ينتفي شخص الحكم بانتفائه، فإنّ شخص الوجوب المنشأ بقولك «أكرم زيداً» منفي عن إكرام عمرو قطعاً مع أنّ المشهور هو أنّ القائلين بالمفهوم في الجملة الشرطيّة لا يقولون به في اللقب، بل المراد من المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم و نوعه بانتفاء الشرط ففي مثل «إن جاءك زيد فأكرمه» كما أن شخص الحكم المنشأ على تقدير المجي‏ء، ينتفي بانتفاء المجي‏ء، فكذلك طبيعة الوجوب و نوعه ينتفي بانتفاء المجي‏ء بمعنى أنّه لا وجوب لإكرامه عند عدم المجي‏ء لا بهذا الإنشاء و لا بإنشاء آخر يماثله بحيث لو ثبت له وجوب بإنشاء آخر و لو معلّقاً على شرط آخر بأن قال مثلًا «و إن أحسن إليك فأكرمه» كان ذلك منافياً لمفهوم «إن جاءك زيد فأكرمه».

ثمّ قال ما حاصله: و من هنا انقدح أنّ دلالة القضيّة على الانتفاء عند الانتفاء في موارد الوصايا و الأوقاف و نحوهما ليس من باب المفهوم بل من باب انتفاء شخص الحكم الذي يعترف به كلّ أحد، و من باب أنّ المفهوم عبارة عن نفي سنخ الحكم فيما أمكن ثبوته و لا يكاد يمكن ثبوت سنخ الحكم في هذه الموارد كي يمكن نفيه بالمفهوم، فإنّ الدار مثلًا بعد أن وقّفها الواقف على أشخاص معينين بألقابهم أو بوصف شي‏ء أو بشرط شي‏ء كالفقر و نحوه ممّا لا يقبل أن تصير وقفاً و لو بإنشاء آخر على غيرهم أو عليهم عند انتفاء الوصف أو زوال الشرط عنهم كي ينفي بالمفهوم، و هذا بخلاف الأمر في مثال «إذا جاءك زيد فأكرمه» فإنّه إذا أنشأ الوجوب لإكرام زيد على تقيّد مجيئه جاز ثبوت وجوب آخر و لو بإنشاء آخر لإكرامه عند عدم مجيئه و لو معلّقاً على شرط آخر بأن يقول مثلًا «و إن أحسن إليك فأكرمه» و هذا واضح.

إن قلت: إنّ الشرط المذكور إنّما وقع شرطاً بالنسبة إلى الحكم الحاصل بإنشائه و هو شخص الحكم، فأقصى ما تفيده الشرطيّة هو انتفاء ذلك الشخص، و أين ذلك من دلالته على انتفاء نوع الوجوب كما هو المدّعى؟

قلنا: أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدس سره) بأنّ الكلام المشتمل على المفهوم إن كان خبريّاً كقولك‏

22

«يجب على زيد كذا إن كان كذا» فالوجوب فيه كلّي فيكون الحكم المعلّق على الشرط كليّاً و لا يكون شخصياً كي يتوجّه الإشكال، و إن كان إنشائيّاً كما في قولك «إن جاءك زيد فأكرمه» فالحكم المعلّق على الشرط و إن كان شخصياً و لكن نفي سنخ الحكم بانتفاء الشرط على القول بالمفهوم إنّما يكون من فوائد العلّية المنحصرة المستفادة من الجملة الشرطيّة فإنّ انتفاء شخص الحكم غير مستند إلى ارتفاع العلّية المنحصرة فإنّه يرتفع و لو في اللقب و الوصف كما لا يخفى.

أقول: إن كان هذا هو كلام شيخنا الأعظم (رحمه الله) كما جاء في التقريرات.

فيرد عليه: أنّ العلّة المنحصرة علّة للجزاء فإن كان الجزاء شخص الحكم يكون الشرط علّة منحصرة لذلك الشخص، و إن كان الجزاء سنخ الحكم يكون الشرط أيضاً علّة منحصرة لسنخ الحكم، فلا يستفاد من العلّية المنحصرة كون الجزاء سنخ الحكم.

نعم نقل في تهذيب الاصول كلام الشيخ (قدس سره) بعبارة اخرى لا بأس بها بل يدفع بها الإشكال، و هي: «أنّ ظاهر القضيّة و إن كان ترتّب بعث المولى على الشرط إلّا أنّه ما لم تكن مناسبة بين الشرط و مادّة الجزاء كان طلب إيجاد الجزاء عند وجود الشرط لغواً و جزافاً، فالبعث المترتّب يكشف عن كونهما بمنزلة المقتضي (بالكسر) و المقتضى (بالفتح) فيتوصّل في بيان ذلك الأمر بالأمر بإيجاده عند ثبوته و يجعل بعثه عنواناً مشيراً إلى ذلك، فحينئذٍ فالمترتّبان هما ذات الشرط و مطلق الجزاء الذي تعلّق به الحكم بلا خصوصيّة للحكم المنشأ.

و بعبارة أوضح: أنّ ظاهر القضايا بدءاً و إن كان تعليق الوجوب على الشرط لكن حكم العقل و العقلاء في مثل تلك القضايا أنّ لطبيعة مادّة الجزاء مناسبة للشرط تكون سبباً لتعلّق الهيئة بها.

و بعبارة اخرى: أنّ الهيئة و إن كانت دالّة على البعث الجزئي لكن التناسب بين الحكم و الموضوع يوجب إلغاء الخصوصيّة عرفاً و يجعل الشرط علّة منحصرة لنفس الوجوب و طبيعته، فبانتفائه ينتفي طبيعي الوجوب و سنخه» (1).

و أجاب المحقّق الخراساني (رحمه الله) عن هذا الإشكال بما حاصله: أنّ الحكم المعلّق على الشرط هو طبيعة الوجوب لا شخص الوجوب، و ذلك لما عرفت في صدر الكتاب من أنّ الاسم‏

____________

(1) تهذيب الاصول، ج 1، ص 344- 345، طبع مهر.

23

و الحرف كما أنّهما موضوعان لمعنى واحد و إنّ كلًا من لحاظ الآليّة و الاستقلاليّة خارج عن أصل المعنى و المستعمل فيه، فكذلك الخبر و الإنشاء أيضاً فالخصوصية الناشئة من قبل الإنشاء خارجة عن أصل المعنى و المستعمل فيه، فالمعنى الذي استعمل فيه صيغة الأمر في قولك «إن جاءك زيد فأكرمه» هي طبيعة الوجوب و هي المعلّقة على الشرط لا شخص الحكم كي ينتفي الشخص بانتفاء الشرط.

و قال المحقّق البروجردي (رحمه الله) في هذا المقام ما إليك نصّه في تقريراته: «القول بكون المراد في باب المفاهيم انتفاء السنخ و إن اشتهر بين المتأخّرين و أرسلوه إرسال المسلّمات، و لكن لا نجد له معنىً محصّلًا، لوضوح أنّ المعلّق في قولنا: «إن جاءك زيد فأكرمه» مثلًا هو الوجوب المحمول على إكرام زيد، و التعليق إنّما يدلّ على انتفاء نفس المعلّق عند انتفاء المعلّق عليه كما عرفت، و ما تفرضه سنخاً إن كان متّحداً مع هذا المعلّق موضوعاً و محمولًا فهو شخصه لا سنخه، إذ لا تكرّر في وجوب إكرام زيد بما هو هو، و إن كان مختلفاً معه موضوعاً أو محمولًا كوجوب إكرام عمرو مثلًا أو استحباب إكرام زيد فلا معنى للنزاع في أنّ قوله «إن جاءك زيد» يدلّ على انتفائه أو لا يدلّ» (1) (انتهى كلامه).

و يظهر من الشهيد (قدس سره) في تمهيد القواعد اختصاص النزاع بغير موارد الوصايا و الأوقاف و نحوها، لأنّه لا إشكال في دلالة القضيّة الشرطيّة في مثل الوقف و الوصايا و النذر و الأيمان على المفهوم، فيستفاد من كلامه أنّ دلالة القضيّة على الانتفاء عند الانتفاء في هذه الموارد يكون من باب المفهوم.

أقول: أوّلًا: إنّ دلالة القضيّة الشرطيّة في موارد الوقف و الوصايا و نحوها على المفهوم إنّما هي من باب نصب قرينة فيها عليه و هي كون الواقف أو الموصي مثلًا في مقام الاحتراز، فالقيود الواردة في كلامه حينئذٍ قيود احترازيّة التي لا إشكال في انتفاء الحكم عند انتفائها و لو كانت من قبيل اللقب، فالحقّ مع الشهيد (قدس سره) من أنّ الانتفاء عند الانتفاء في الموارد المذكورة إنّما هو من باب المفهوم، أي انتفاء سنخ الحكم لا من باب انتفاء شخص الحكم، و هذا لا يستلزم دلالة اللقب أو الوصف أو الشرط على المفهوم مطلقاً حتّى عند عدم نصب قرينة عليه كما لا يخفى.

____________

(1) راجع نهاية الاصول: ص 272- 273.

24

ثانياً: الحقّ في المسألة مع سيّدنا الاستاذ المحقّق البروجردي (رحمه الله) من أنّه ليس للنزاع هذا معنى محصّلًا كما مرّ بيانه، و نزيدك وضوحاً: أنّه وقع الخلط في ما نحن فيه بين الوجوب السببي و الوجوب المسبّبي، أي بين الإنشاء و المنشأ، و ما يتصوّر فيه التشخّص و السنخيّة إنّما هو الإنشاء و السبب لا المنشأ و المسبّب، و بعبارة اخرى: وقع الخلط هنا بين الإنشاء و المنشأ، فإنّ الإنشاء قد وقع في زمان خاصّ و بألفاظ مخصوصة، فيتصوّر فيه الشخص، و أمّا تشخّص المنشأ و هو الوجوب إنّما يكون بتشخّص موضوعاته مثل الحجّ و الصّلاة و الصّيام لا غير، فلا يتصوّر هنا معنى لنوع الحكم بل الذي بأيدينا دائماً هو شخص الحكم المتعلّق بموضوعات خاصّة.

و إن قيل: «وجوب إكرام زيد على تقدير مجيئه يغاير وجوب إكرامه على تقدير عدم المجي‏ء بحسب التشخّص مع اتّحادهما موضوعاً و محمولًا و لا نعني بالسنخ إلّا ذلك، و المعلّق على الشرط ليس هو الإنشاء و لا المنشأ بقيد تعليقه على الشرط حتّى يقال بانتفائه بانتفاء الشرط عقلًا و لا يكون معه مجال للبحث عن المفهوم، بل المعلّق على الشرط هو ذات المنشأ و هو وجوب إكرام زيد، و هذا المعنى كما يمكن أن يتحقّق على تقدير تحقّق الشرط يمكن أن يتحقّق على تقدير عدمه بأن يوجد بإنشاء آخر، ففائدة المفهوم نفي تحقّقه على تقدير عدم الشرط بإنشاء آخر» (1).

قلنا: هذا أيضاً خلط بين الجهات التعليليّة و التقييديّة، فوجوب الحجّ معلول للاستطاعة لا مقيّد بها.

الأمر الثاني: إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء

كما في قوله: «إذا خفى الأذان فقصّر» و «إذا خفيت الجدران فقصّر» فعلى القول بمفهوم الجملة الشرطيّة لا بدّ من التصرّف فيهما بأحد وجوه ستّة:

الوجه الأوّل: التصرّف في منطوق كلّ منهما و عطف أحد الشرطين على الآخر بالواو،

____________

(1) هامش نهاية الاصول: ص 273.

25

فنقول: إذا خفي الأذان و الجدران معاً فقصّر، فلا يكون القصر واجباً بخفاء أحدهما.

الوجه الثاني: التصرّف في المنطوقين بتقييد إطلاق كلّ منهما بالآخر فيكون العطف بأو و تكون علّة الحكم كلّ من الشرطين مستقلًا، و نتيجته كفاية أحد الشرطين في وجوب القصر.

الوجه الثالث: أن يخصّص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر فتكون النتيجة في المثال: إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر إلّا إذا خفيت الجدران، و هكذا في الطرف الآخر، أي إذا لم تخف الجدران فلا تقصّر إلّا إذا خفي الأذان، و هي نفس النتيجة في الوجه الثاني، أي كفاية أحد الشرطين في ترتّب الحكم كما لا يخفى.

الوجه الرابع: أن يكون الشرط هو القدر الجامع بين الشرطين نظراً إلى القاعدة المعروفة، و هي قاعدة «الواحد لا يصدر إلّا من الواحد» و القدر الجامع بين الشرطين في المثال هو مقدار مسافة يكشف عنها كلّ واحد من خفاء الأذان و خفاء الجدران، و يكون كلّ منهما علامة لها، و النتيجة في هذا الوجه أيضاً نفس النتيجة في الوجه الثاني.

الوجه الخامس: رفع اليد عن المفهوم فيهما رأساً، فلا دلالة لهما على عدم علّية ما سوى الشرطين أصلًا، و هذا بخلافهما على الوجوه السابقة فيدلّان فيها على نفي علّية أمر ثالث لكون المفهوم في كلّ من الشرطين في تلك الوجوه محفوظاً بالنسبة إلى ما سوى منطوق الآخر، و إن لم يبق محفوظاً بالنسبة إلى منطوق الآخر، و النتيجة في هذا الوجه أيضاً علّية كلّ واحد من الشرطين للجزاء مستقلًا.

الوجه السادس: رفع اليد عن المفهوم في أحدهما رأساً و النتيجة كفاية أحدهما أيضاً كما لا يخفى.

إذا عرفت هذا فنقول: لا إشكال في فساد ثلاثة من هذه الوجوه الستّة:

أحدها: هو الوجه السادس لأنّه يستلزم الترجيح بلا مرجّح، إلّا أن يكون أحدهما في مفهومه أظهر من الآخر فيقدّم الأظهر على الظاهر كما صرّح به المحقّق الخراساني (رحمه الله) حيث قال: «و أمّا رفع اليد عن المفهوم في خصوص أحد الشرطين و بقاء الآخر على مفهومه فلا وجه لأن يصار إليه إلّا بدليل آخر إلّا أن يكون ما أبقى على المفهوم أظهر».

هذا- مضافاً إلى أنّ الإشكال لا يرتفع برفع اليد عن مفهوم أحدهما لأنّ التعارض و التنافي يبقى بين منطوقه و مفهوم الآخر، إلّا أن يقال بسقوط كلّ من المفهوم و المنطوق و هو كما ترى.

26

ثانيها: هو الوجه الخامس، و دليل فساده أنّه لا وجه لسقوط الدليلين (أي المفهومين في ما نحن فيه) و طرحهما مع إمكان الجمع بينهما عرفاً بتقييد كلّ واحد منهما بمنطوق الآخر.

ثالثها: هو الوجه الرابع الذي يبتني على قاعدة الواحد، و وجه فساده أنّ هذه القاعدة مختصّة بالواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات كما مرّ في بعض الأبحاث السابقة، و لا يجري في الواحد النوعي كالحرارة مثلًا التي تعمّ الحرارة الصادرة من الشمس و الصادرة من الكهرباء و من النار، هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّها تختصّ بالامور الحقيقيّة، و أمّا الأحكام الشرعيّة فهي من الامور الاعتباريّة التي يعتبرها الشارع.

و ثالثاً: أنّها تجري في باب العلّة و المعلول و لا معنى للعلّية في ما نحن فيه بل في جميع الامور الاعتباريّة فليس خفاء الجدران مثلًا علّة لوجوب القصر بل إنّه يعدّ موضوعاً لوجوب القصر، و أمّا علّة الوجوب فإنّما هي إرادة الشارع و إلزامه.

و أمّا الثلاثة الاخر فلا يبعد أن يكون الأوجه من بينها هو الوجه الثالث، أي تخصيص كلّ واحد من المفهومين بمنطوق الآخر لابتنائه على قاعدة الإطلاق و التقييد و الجمع العرفي.

نعم أورد عليه المحقّق النائيني (رحمه الله) بأنّ المفهوم تابع للمنطوق و لا يمكن تقييده إلّا بتقييد منطوقه‏ (1).

و لكنّه مدفوع: بأنّ الثابت في ما نحن فيه إنّما هو لزوم التبعيّة في الدلالة لما مرّ من أنّ المفهوم مدلول التزامي للمنطوق و هو لا يستلزم لزومها بالنسبة إلى إرادة المولى، لأنّه يمكن أن يكون كلّ واحد من المنطوق و المفهوم متعلّقاً لإرادة المولى مستقلًا، بل يمكن أن تتعلّق إرادته على خصوص المفهوم، كما إذا سئل العبد مولاه عن إكرام زيد، فأجابه بقوله: «نعم إن جاءك» فإنّه لا إشكال في أنّ مقصوده إنّما هو عدم إكرام زيد في صورة عدم المجي‏ء فحسب لا أكثر.

ثمّ لو تنزّلنا عن الوجه الثالث و دار الأمر بين الوجه الأوّل و الوجه الثاني، أي دار الأمر بين رفع اليد عن ظهور القضيّة الشرطيّة في كون الشرط تمام العلّة و ظهورها في كونه منحصراً (و المفروض ظهورها في كلا الأمرين) فلعلّ الأولى حينئذٍ هو الوجه الثاني أي رفع اليد عن‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 424.

27

ظهور القضيّة في الانحصار و تقديم ظهورها في تمام العلّة على ظهورها في الانحصار، و ذلك لأنّ رفع اليد عن كلّ واحد من الظهورين يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة كما لا يخفى، و لكن تأخير البيان عن وقت الحاجة بالنسبة إلى خصوصيّة الانحصار أقلّ محذوراً منه بالنسبة إلى خصوصيّة تمام العلّة، فإذا قال المولى: إنّ خفاء الجدران علّة مستقلّة لوجوب القصر، و سكت عن كون خفاء الأذان علّة له مع أنّه أيضاً علّة مستقلّة للوجوب في واقع الأمر، كان المحذور أقلّ ممّا إذا لم يكن خفاء الجدران علّة مستقلًا بل كان للعلّة جزء آخر و لم يبيّنه و هو في مقام البيان، و هذا ممّا يساعد عليه العرف و العقلاء، فإنّه إذا كان مثلًا لداء خاصّ دواءان، و كان كلّ منهما مؤثّراً في رفع الداء مستقلًا و لكن لم يبيّن الطبيب للمريض إلّا أحدهما، كان إشكاله أقلّ ممّا إذا كان للدواء جزء آخر و لم يبيّنه.

و إن شئت قلت: أنّ للقضيّة ظهورين: ظهور في الانحصار و ظهور في كون العلّة تامّة، و لا إشكال في أنّ ظهورها في الأوّل أقوى من ظهورها في الثاني فيقدّم عليه.

هذا كلّه بناءً على مبنى القول من أنّ منشأ المفهوم إنّما هو ظهور الجملة الشرطيّة في العلّية المنحصرة، و أمّا بناءً على المختار من أنّ المنشأ هو ظهور القضيّة في مجرّد الانتفاء عند الانتفاء في الجملة و المفهوم التامّ يستفاد من قرينة خارجيّة، فلا إشكال في عدم لزوم رفع اليد عن الظهور في المقام لما مرّ من أنّ المفهوم إنّما يتمّ فيما إذا قامت قرينة من الخارج نظير كون الشرطين مثلًا من قبيل الضدّين لا ثالث لهما أو وجود قدر متيقّن في البين، و إلّا لا يثبت المفهوم مع بقاء مدلول الانتفاء عند الانتفاء في الجملة على حاله، و حينئذٍ نقول: حيث إن القرينة قائمة في ما نحن فيه على العكس لأنّ كلّ واحد من المنطوقين دليل على أنّ مفهوم الآخر لا يتجاوز عن حدّ الانتفاء عند الانتفاء في الجملة فلا مفهوم للقضيتين حتّى يبحث عن كيفية الجمع بينهما، و لا إشكال في أنّ النتيجة حينئذٍ هي الوجه الثاني، أي كون كلّ واحد من خفاء الجدران و خفاء الأذان علّة مستقلّة لوجوب القصر.

تنبيهان‏

التنبيه الأوّل: اختار المحقّق النائيني (رحمه الله) في ما نحن فيه ترجيح العطف بالواو في الغاية و أنّ‏

28

مجموع الشرطين علّة للجزاء، ببيان «أنّ دلالة كلّ من الشرطيتين على ترتّب الجزاء على الشرط المذكور فيها باستقلاله من غير انضمام شي‏ء آخر إليه إنّما هي بالإطلاق المقابل للعطف بالواو، كما أنّ انحصار الشرط بما هو مذكور فيها مستفاد من الإطلاق المقابل للعطف ب «أو»، و بما أنّه لا بدّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر يسقط كلاهما عن الحجّية، لكن ثبوت الجزاء كوجوب القصر في المثال يعلم بتحقّقه عند تحقّق مجموع الشرطين على كلّ تقدير، و أمّا في فرض انفراد كلّ من الشرطين بالوجود فثبوت الجزاء فيه يكون مشكوكاً فيه، و لا أصل لفظي في المقام على الفرض لسقوط الإطلاقين بالتعارض فتصل النوبة إلى الأصل العملي فتكون النتيجة موافقة لتقييد الإطلاق المقابل بالعطف بالواو» (1).

و يرد عليه:

أوّلًا: إنّ وصول النوبة و انتهاء الأمر إلى الأصل العملي في المثال لا يقتضي التقييد بالعطف بالواو و علّية مجموع الشرطين إلّا في ذهابه إلى السفر، و أمّا في الرجوع فإنّ مقتضى استصحاب بقاء وجوب القصر إنّما هو التقييد ب «أو»، و علّية أحد الشرطين في النتيجة، و حينئذٍ فلا تكون النتيجة علّية مجموع الشرطين في جميع الموارد.

ثانياً: تعارض الإطلاقين و سقوطهما عن الحجّية متوقّف على عدم كون أحدهما أظهر من الآخر مع أنّ الإطلاق المقابل للعطف بالواو أي ظهور القضيّة في جهة الاستقلال أقوى من الإطلاق المقابل للعطف ب «أو» أي ظهور القضيّة في جهة الانحصار كما مرّ.

ثالثاً: ما أفاده في المحاضرات في مقام الجواب عن هذا البيان، و هو «أنّ مورد الكلام ليس من صغريات الرجوع إلى الأصل العملي، بل هو من صغريات الرجوع إلى الأصل اللفظي و هو إطلاق دليل «المسافر يقصّر» حيث إن القدر الثابت من تقييد هذا الإطلاق هو ما إذا لم يخف الأذان و الجدران معاً حيث إن الواجب عليه في هذا الفرض هو التمام و عدم جواز الإفطار، و أمّا إذا خفي أحدهما دون الآخر فلا نعلم بتقييده، و معه لا مناصّ من الرجوع إليه لإثبات وجوب القصر و جواز الإفطار، لفرض عدم الدليل على التقييد في هذه الصورة بعد

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 424- 425.

29

سقوط الإطلاقين من ناحية المعارضة، فتكون النتيجة هي نتيجة العطف ب «أو» على عكس ما أفاده شيخنا الاستاذ (رحمه الله)» (1).

أقول: إنّ ما أفاده من تقييد الإطلاق المزبور بما إذا لم يخف الأذان و الجدران معاً مبنيّ على كون حدّ الترخّص حدّاً تعبّديّاً من جانب الشارع مع أنّه قد ثبت في محلّه أنّه أمر عرفي، و حيث إن العرف لا يحكم بصدق عنوان المسافر في هذه الصورة فلا يجب عليه القصر بل صدق عنوان المسافر في صورة خفاء أحد الأمرين أيضاً ليس محرزاً، و حينئذٍ لا يحرز تحقّق موضوع دليل «المسافر يقصّر» فتصل النوبة إلى الأصل العملي لا اللفظي، و المسألة بعدُ محتاجة إلى مزيد تأمّل (اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ هذا مناقشة في المثال).

التنبيه الثاني: أنّ الموجود في الجوامع الروائيّة بالنسبة إلى خفاء الجدران إنّما هو «إذا توارى المسافر من الجدران و البيوت يقصّر» و أمّا التعبير الشائع في كلمات الفقهاء بأنّه «إذا خفى الجدران فقصّر» فلم يرد في نصوص الباب، و حينئذٍ يكون موضوع قصر الصّلاة هو خفاء المسافر عن الجدران لا خفاء الجدران عن المسافر، و لعلّه المناسب أيضاً للاعتبار العرفي لأنّه يحكم بالسفر و يقال: «بأنّ فلاناً سافر» بعد أن بَعُد عن الأنظار و خفي عنها، فالذي يخفى إنّما هو شخص المسافر و من يشاهده عند الجدران لا الجدران نفسها، و لا ملازمة بين خفاء شخص المسافر و خفاء الجدران كما توهّم، لأنّ خفاء المسافر يتحقّق غالباً قبل خفاء الجدران كما لا يخفى، (و يمكن الإيراد عليه بأنّ هذا أيضاً مناقشة في مثال خاصّ).

الأمر الثالث: في تداخل الأسباب و المسبّبات‏

و قد عنون في الكلمات بتعبير آخر أيضاً و هو: «إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء فهل يجب تكرار الجزاء أو لا؟ فإذا قال الشارع المقدّس: «إن مَسَسْتَ الميّت فاغتسل» و «إن أجنبت فاغتسل» فهل يجب الإتيان بالغسل مرّتين أو يكفي غسل واحد؟

ثمّ إنّ النزاع هذا ليس مبتنياً على القول بمفهوم الشرط كما هو الظاهر من كلمات المحقّق‏

____________

(1) المحاضرات: ج 5، ص 104- 105.

30

الخراساني (رحمه الله) بل يجري بناءً على عدمه أيضاً، لأنّ البحث إنّما هو في تداخل منطوقي الشرطين أو منطوقي الجزاءين سواءً كان لهما مفهوم أو لا، فلا ربط للبحث بباب المفاهيم كما لا يخفى.

بل لا اختصاص له بالقضايا الشرطيّة لأنّه جارٍ في جميع القضايا الشرعيّة بأي نحو صدرت، بنحو القضيّة الحمليّة أو الشرطيّة، فهو يجري في المثال المزبور و لو كانت القضيّتان بهذا النحو: «الجنب يغتسل» و «الحائض يغتسل»، نعم يمكن أن يرجع كلّ ما تركّب من حكم و موضوع إلى القضيّة الشرطيّة، كما يمكن العكس أيضاً.

و كيف كان، فقد وقع النزاع في مقامين: مقام التكليف و مقام الامتثال، فإن كان المقام مقام التكليف و الإيجاب كان النزاع في تداخل الأسباب و عدمه و أنّه هل يؤثّر كلّ واحد من الشروط في البعث نحو الجزاء مستقلًا، أو ليس لكلّ منها تأثير مستقلّ بل تؤثّر مجموع الشروط في البعث؟ و إن كان المقام مقام الامتثال بعد قبول دلالة كلّ شرط على وجوب مستقلّ و تأثير كلّ واحد من الشروط مستقلًا في البعث نحو الجزاء لو لم يكن معه غيره كان البحث في تداخل المسبّبات و أنّه هل يكفي الإتيان بمصداق واحد و يكتفي بإتيان المتعلّق مرّة واحدة و تكون النتيجة اندكاك الوجوب الثاني في الأوّل، و تأكّد الوجوب الأوّل بالثاني أو لا؟

و من الواضح أنّ النزاع هذا يتصوّر فيما إذا كان الجزاء قابلًا للتكرار و لا يتصوّر في مثل القتل و نحوه ممّا لا يكون قابلًا له.

أمّا المقام الأوّل: و هو تداخل الأسباب‏

ففيه ثلاثة أقوال:

أوّلها: عدم التداخل إلّا ما خرج بالدليل و هذا هو المشهور.

ثانيها: التداخل.

ثالثها: التفصيل بين ما إذا اختلف جنس الشرط و ما إذا اتّحد، ففي الأوّل مقتضى القاعدة عدم التداخل، و في الثاني التداخل.

و استدلّ للقول الأوّل بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّه لا إشكال في ظهور القضيّة الشرطيّة في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، و مقتضى ذلك تعدّد الجزاء بتعدّد الشرط و هو يستلزم اجتماع حكمين متماثلين أو أكثر

31

في مورد واحد و هو محال كاجتماع الضدّين، و حينئذٍ لا بدّ من التصرّف في الظهور بأحد الطرق الثلاثة: إمّا بالالتزام بعدم دلالة الجملة الشرطيّة في حال تعدّد الشرط على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، بل تدلّ على الثبوت عند الثبوت فحسب،

و إن شئت قلت: نرفع اليد من تأثير الشرط الثاني في حدوث الجزاء، و هذا في الحقيقة تصرف في أداة الشرط.

أو بالالتزام بتأثير الشرط الأوّل في الوجوب و تأثير الشرط الثاني في تأكّد الوجوب فقط، و هو تصرّف في هيئة الجزاء في الجملة الثانية.

أو بالالتزام بكون متعلّق الحكم في الجزاء حقائق متعدّدة تنطبق على فعل واحد، فماهيّة غسل الجنابة غير ماهيّة غسل مسّ الميّت كتفاوت ماهيّة صلاة الفريضة بالنسبة إلى ماهيّة صلاة النافلة، و هذا تصرّف في مادّة الجزاء.

و لا يخفى إنّ هذه الوجوه الثلاثة جميعها تصرّفات في الظهور الوضعي، و هاهنا وجه رابع يتصرّف فيه في إطلاق المادّة و الفعل (أي الظهور الإطلاقي) و تقييدها بمرّة اخرى كي لا يتعلّق الحكم الثاني بعين ما تعلّق به الأوّل فيلزم اجتماع المثلين بل تعلّق الحكم الأوّل بمصداق و تعلّق الحكم الثاني بمصداق آخر.

و لا يخفى أنّ مقتضى الوجه الأوّل و الثاني هو تداخل الأسباب، و مقتضى الوجهين الأخيرين تداخل المسبّبات، فوقع البحث في أنّه ما هو الأولى من هذه الوجوه؟

فالقائلون بعدم التداخل ذهبوا إلى أنّ الأولى هو الوجه الأخير، و استدلّوا له بأنّ التصرّف في إطلاق المادّة أهون من الثلاثة الاول كلّها، من باب أنّ جميعها تصرّفات في الظهور و مخالفة لظاهر الكلام بخلاف التصرّف في إطلاق المادّة فإنّه ليس مخالفة لظهور الإطلاق حيث إنّ الإطلاق إنّما ينعقد بمقدّمات الحكمة التي منها عدم البيان، و لا إشكال في أنّ ظهور الجملة الشرطيّة في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط يكون بياناً لكون المراد من المادّة في الجزاء الثاني فرداً آخر غير الفرد الذي وجب بالشرط الأوّل.

و لكن يرد عليه:

أوّلًا: أنّ هذا تامّ بناءً على ظهور القضيّة الشرطيّة في السببية الفعلية لا الاقتضائيّة حيث إن السببية الاقتضائيّة معناها أنّ الشرط مثلًا مقتضٍ للجزاء و يؤثّر فيه لو لا المانع، و أمّا إذا

32

تحقّق مانع عن تأثيره كأن يكون المحلّ مشغولًا بسبب آخر مثله فلا يؤثّر فيه.

و بعبارة اخرى: المستحيل إنّما هو توارد العلّتين التامّتين على معلول واحد لا توارد المقتضيين، أي العلّتين الناقصتين عليه، و من المعلوم أنّه لا تدلّ القضيّة الشرطيّة في ما نحن فيه على أكثر من السببية بمعنى المقتضي.

ثانياً: أنّ لازم التقييد بمرّة اخرى أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى الدليل الآخر مع أنّه كما ترى حيث انّه لا يدّعي أحد كون أحد الدليلين حاكماً على الدليل الآخر و ناظراً إليه.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه ليس المدّعي التقييد بمرّة اخرى عند مراد المتكلّم و إنّ هذا القيد كان ملحوظاً للمتكلّم و لم يظهره، بل المدّعى كونه مدلولًا التزامياً لتكرار الجزاء عرفاً فهو من قبيل دلالة التنبيه و الإشارة.

ثالثاً: أنّه مبنيّ على كون اجتماع الوجوبين من قبيل اجتماع المثلين مع أنّه قد مرّ كراراً إنّ اجتماع المثلين المستحيل يتصوّر في الامور التكوينيّة لا الاعتباريّة، نعم إنّه قبيح على الشارع الحكيم في الاعتباريات من باب اللغويّة.

فظهر أنّ العمدة في الجواب عن هذا الدليل إنّما هو الوجه الأوّل حيث إنّا رفعنا اليد عن الوجه الثاني بقولنا «اللهمّ إلّا أن يقال ...» و الوجه الثالث أيضاً تبدّل إلى الإشكال في كيفية الاستدلال فينحصر الجواب في الوجه الأوّل.

الوجه الثاني: أنّ متعلّق الجزاء نفس الماهيّة المهملة فهي بالنسبة إلى الوحدة و التعدّد بلا اقتضاء، بخلاف أداة الشرط فإنّها ظاهرة في السببية المطلقة، و التعدّد فيها يقتضي التعدّد في الجزاء، أي تعدّد السبب يوجب تعدّد المسبّب من باب أنّه لا تعارض بين الاقتضاء و اللااقتضاء.

و الجواب عنه أنّه في الواقع عبارة اخرى عن الوجه الأوّل، و إجمال لذلك التفصيل، حيث إنّه أيضاً ناشٍ من قبول ظهور القضيّة الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث و السببية الفعلية، فيرد عليه نفس ما أوردناه على ذلك الوجه.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق الهمداني (رحمه الله) في مصباحه كالوجه الرابع (على ما نقله عنه في‏

33

تهذيب الاصول) (1)، و حاصله: إنّ مقتضى القواعد اللفظية سببية كلّ شرط للجزاء مستقلًا، و مقتضاه تعدّد اشتغال الذمّة بفعل الجزاء، و لا يعقل تعدّد الاشتغال إلّا مع تعدّد المشتغل به فإنّ السبب الأوّل سبب تامّ في اشتغال ذمّة المكلّف بإيجاد الجزاء، و السبب الثاني إن أثّر ثانياً وجب أن يكون أثره اشتغالًا آخر، لأنّ تأثير المتأخّر في المتقدّم غير معقول، و تعدّد الاشتغال مع وحدة الفعل المشتغل به ذاتاً و وجوداً غير معقول، و إن لم يؤثّر يجب أن يستند إمّا إلى فقد المقتضي أو وجود المانع، و الكلّ منتفٍ لأنّ ظاهر القضيّة الشرطيّة سببية الشرط مطلقاً، و المحلّ قابل للتأثير، و المكلّف قادر على الامتثال فأي مانع من التنجّز؟ (انتهى، و سيأتي الجواب عنه).

الوجه الرابع: أنّه ليس حال الأسباب الشرعيّة إلّا كالأسباب العقليّة، فكما أنّه يجب تحقّق الطبيعة في ضمن فردين على تقدير تكرّر علّة وجودها و قابليتها للتكرار، فكذا يتعدّد اشتغال الذمّة بتعدّد أسبابه.

أقول: إنّ هذين الوجهين أيضاً يرجعان عند التأمّل إلى قبول ظهور القضيّة الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث فعلًا لا اقتضاءً، فالجواب هو الجواب، و لا حاجة إلى تكراره.

إلى هنا ثبت عدم تمام وجه من الوجوه الأربعة التي استدلّ بها على عدم التداخل.

و هاهنا وجهان آخران:

أحدهما: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و استحسنه في المحاضرات‏ (2) بقوله: «و لشيخنا الاستاذ (قدس سره) في المقام كلام و هو في غاية الصحّة و الجودة»، و هو يتمّ ببيان أمرين حاصلهما: أنّ القضيّة الشرطيّة ظاهرة في الانحلال و تعدّد الطلب لأنّها ترجع إلى القضيّة الحقيقة، و لا إشكال في أنّ الحكم في القضيّة الحقيقة ينحلّ بانحلال موضوعه إلى أحكام متعدّدة، هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ مقتضى تعدّد القضيّة الشرطيّة في نفسها تعدّد الطلب أيضاً لأنّ تعلّق الطلب بشي‏ء لا يقتضي إلّا إيجاد ذلك الشي‏ء خارجاً و نقض عدمه المطلق، و إذا فرض تعلّق طلبين بماهيّة واحدة كان مقتضى كلّ منهما إيجاد تلك الماهيّة فيكون المطلوب في الحقيقة هو إيجادها

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 441- 442، طبعة جماعة المدرّسين.

(2) المحاضرات: ج 5، ص 118.

34

و نقض عدمها مرّتين كما هو الحال في تعلّق إرادتين تكوينيتين بماهيّة واحدة، فإذا فرض ظهور القضيّة الشرطيّة في الانحلال و تعدّد الطلب، أو فرض تعدّد القضيّة الشرطيّة في نفسها كان ظهور القضيّة في تعدّد الحكم لكونه لفظيّاً مقدّماً على ظهور الجزاء في وحدة الطلب لو سلّمنا ظهوره فيها و يكون مقتضى القاعدة عدم التداخل‏ (1).

أقول: يرد عليه أنّ روح كلامه هذا يرجع في الحقيقة إلى ما مرّ كراراً من أنّ لموضوع الحكم نوع علّية للحكم، فيقع النزاع في أنّ هذه العلّية هل هي فعليّة أو اقتضائيّة، و قد اخترنا أنّها ظاهرة في الاقتضاء، و لا أقلّ من عدم ظهورها في الفعليّة أو الشكّ فيها فتصل النوبة إلى الأصل العملي، و لا يخفى أنّه بالنسبة إلى تداخل الأسباب (الذي هو مورد النزاع في المقام) هو البراءة عن الزائد على الواحد، و نتيجتها التداخل كما لا يخفى.

ثانيهما: ما نسب إلى العلّامة (رحمه الله) في المختلف، و حاصله إنّه إذا تعاقب السببان أو اقترنا فإمّا أن يقتضيا مسبّبين مستقلّين أو مسبّباً واحداً، أو لا يقتضيان شيئاً أو يقتضي أحدهما دون الآخر، و الثلاثة الأخيرة باطلة فيتعيّن الأوّل، و مقتضاه عدم التداخل.

و يرد عليه: أنّ روح هذا الوجه أيضاً يعود إلى ما سبق من كون السبب سبباً فعليّاً فالجواب هو الجواب.

هذا- مضافاً إلى أنّ الصور رباعيّة فيما إذا تحقّق الشرطان في زمانين مختلفين، و إمّا إذا تحقّقا في آنٍ واحد ففيه احتمال خامس غير ما ذكر، و هو أن يكون المؤثّر و السبب الحقيقي هو القدر الجامع بين السببين، و هو صرف الوجود من الشرط الذي قد يتحقّق ضمن مصداق واحد، و قد يتحقّق ضمن المصاديق المتعدّدة التي تحقّقت في الخارج في آنٍ واحد، و لا يخفى أنّ لازمه أيضاً التداخل.

هذا كلّه في الوجوه التي استدلّ بها على عدم التداخل.

و قد ظهر ممّا ذكرنا إلى هنا ما يثبت به المختار (أي القول بالتداخل) و هو أنّه لا شكّ في ظهور القضيّة الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث، فإن قلنا بكونه في حدّ الاقتضاء، أي القضيّة الشرطيّة ظاهرة في اقتضاء الشرط حدوث الجزاء إذا لم يكن هناك مانع، و لم يكن المحلّ مشغولًا بالمثل فهو المطلوب و المختار، و تكون النتيجة التداخل، و إن قلنا بأنّها ظاهرة في‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات: ج 1، ص 429- 430.

35

الفعليّة، أي في علّية الشرط لحدوث الجزاء فعلًا فنقول: إنّه يعارض ظهور الجزاء في الوحدة فيتساقطان، و تصل النوبة إلى الاصول العمليّة، و الأصل الجاري في المقام إنّما هو البراءة عن الزائد على الواحد كما لا يخفى.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث أقوى من ظهور الجزاء في الوحدة فيقدّم عليه، و النتيجة حينئذٍ بناءً على كون العلّية فعليّة عدم التداخل، و لكن الإنصاف أنّها ظاهرة في الاقتضاء.

تنبيهات‏

التنبيه الأوّل: في المحكي عن فخر المحقّقين (رحمه الله)، فقد حكي عنه إنّه جعل المسألة مبتنية على أنّ الأسباب الشرعيّة هل هي معرفات و كواشف عمّا هو المؤثّر واقعاً أو هي بنفسها مؤثّرات و علل، فعلى الأوّل يكون مقتضى القاعدة التداخل، و على الثاني عدم التداخل.

و يرد عليه:

أوّلًا: أنّا لا نوافقه على المبنى فإنّ علل الشرائع ليست مؤثّرات و لا معرفات بل إنّها مقتضيات كما مرّ.

ثانياً: و لا نوافقه على البناء أيضاً، فإنّ تعدّد الشرط لا يوجب تعدّد الجزاء و لو كانت العلل مؤثّرات.

و توضيح الإيرادين: أنّه يتصوّر في الأحكام سواء كانت شرعيّة أو غيرها ثلاثة عناصر:

أحدها: سبب الحكم و علّته، و هو إرادة الجاعل، لأنّ حقيقة الكم هي الاعتبار، و الاعتبار بيد المعتبر، و يتحقّق بإرادته.

ثانيها: الداعي إلى الحكم، و هو المصلحة أو المفسدة التي تترتّب على متعلّق الحكم.

ثالثها: موضوع الحكم.

لا إشكال في أنّ علل الشرائع و ما يجعل بعنوان الشرط في القضيّة إنّما يكون في الواقع و عند الدقّة بمنزلة قيود الموضوع لا من العلّة و لا من الداعي، فالجنابة مثلًا في قولك «إذا أجنبت فاغتسل» بمنزلة قيد لموضوع وجوب الغسل، و هكذا الاستطاعة في قولك «إن استطعت‏

36

فحجّ» فإنّها بمنزلة قيد لموضوع وجوب الحجّ كما لا يخفى.

و على هذا فليست القضايا الشرطيّة الواردة في لسان الأدلّة مؤثّرات و لا معرفات، و الظاهر أنّ فخر المحقّقين (رحمه الله) قاس العلل الشرعيّة بالعلل التكوينيّة، و هو قياس مع الفارق حيث إنّ علّة الحكم الاعتباري هو إرادة المعتبر لا غير.

و بما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) من أنّ حال الأسباب الشرعيّة حال أسباب الأحكام العرفيّة في أنّها معرفات‏ تارةً مؤثّرات اخرى فتدبّر.

نعم هاهنا نوع آخر من التعليل في لسان الشارع لا يؤتى به على نهج القضيّة الشرطيّة، بل إنّما يؤتى به بلام العلّة، نحو «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» فإنّ العلّة في هذا القسم مع رجوعه إلى قيود الموضوع أيضاً يمكن أن تكون إشارة إلى المصالح و المفاسد المترتّبة على متعلّق الحكم، و لكنّه أيضاً لا ربط له بقضيّة المؤثّرات أو المعرفات لما عرفت من أنّ المؤثّر هو إرادة المولى.

هذا كلّه بالنسبة إلى ما أوردناه على المبنى، و أمّا ما أوردناه على البناء فتوضيحه إنّا سلّمنا ظهور الأسباب و الشرائط في كونها مؤثّرات و في الحدوث عند الحدوث، و لكنّه- كما مرّ- يعارض ظهور الجزاء في الوحدة، فيجب ملاحظة أقوى الظهورين في صورة أقوائيّة أحدهما ثمّ الرجوع إلى الاصول العمليّة على فرض تساويهما و تساقطهما بعد التعارض فتأمّل.

التنبيه الثاني: ما أفاده في تهذيب الاصول فإنّه بعد نقل ما مرّ من كلام العلّامة (رحمه الله) في المختلف و ذكر ما أفاده الشيخ الأعظم (رحمه الله) في ذيل كلام العلّامة (رحمه الله) من أنّ الاستدلال المذكور ينحلّ في مقدّمات ثلاث (إحداها دعوى تأثير السبب الثاني بمعنى كون كلّ واحد من الشرطين مؤثّراً في الجزاء، ثانيتها أنّ أثر كلّ شرط غير أثر الآخر، و ثالثتها أنّ ظاهر التأثير هو تعدّد الوجود لا تأكّد المطلوب) و ذكر ما ذكر في توجيه المقدّمة الاولى- قال ما إليك نصّ كلامه: «الإنصاف أنّ أصحاب القول بعدم التداخل و إن كان مقالتهم حقّة إلّا أنّ ذلك لا يصحّ إثباته بالقواعد الصناعيّة، و لا بدّ من التمسّك بأمر آخر، و قد نبّه بذلك المحقّق الخراساني (رحمه الله) في هامش كفايته، و هو أنّ العرف لا يشكّ بعد الاطّلاع على تعدّد القضيّة الشرطيّة في إنّ ظهور كلّ قضيّة هو وجوب فرد غير ما وجب في الاخرى كما إذا اتّصلت القضايا، و كانت في كلام واحد، و لعلّ منشأ فهم العرف و علّة استيناسه هو ملاحظة العلل الخارجيّة، إذ العلل الخارجيّة بمرأى و مسمع منه حيث يرى أنّ كلّ علّة إنّما تؤثّر في غير ما أثّر فيه الآخر، و هذه‏

37

المشاهدات الخارجيّة ربّما تورث له ارتكازاً و فطرة، فإذا خوطب بخطابين ظاهرهما كون الموضوع فيه من قبيل العلل و الأسباب فلا محالة ينتقل منه إلى أنّ كلّ واحد يقتضي مسبّباً غير ما يقتضيه الآخر ... هذا كلّه راجع إلى المقدّمة الاولى أعني فرض استقلال كلّ شرط في التأثير، و لكنّها وحدها لا تفيد شيئاً بل لا بدّ من إثبات المقدّمة الثانية، و هي أنّ أثر الثاني غير أثر الأوّل، و لقائل أن يمنع هذه المقدّمة لأنّ غاية ما تلزم من الاولى من استقلالهما في التأثير هي إنّ الوجوب الآتي من قبل النوم غير الآتي من قبل الآخر، و ذلك لا يوجب إلّا تعدّد الوجوب لا تعدّد الواجب، بل يمكن أن يستكشف من وحدة المتعلّق كون ثانيهما تأكيداً للأوّل و لا يوجب التأكيد استعمال اللفظ في غير معناه لأنّ معناه وضع الأمر للوجوب هو وضعها لإيجاد بعث ناشٍ من الإرادة الحتمية، و الأوامر التأكيديّة مستعملة كذلك ... نعم حمل الأمر على التأكيد يوجب ارتفاع التأسيس، و هو خلاف ظاهر الأمر، لكنّه ظهور لا يعارض إطلاق المادّة و الشرطيّة، فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن أحد الإطلاقين و رفع اليد عن التأسيس لا ريب في أولويّة الثاني ...» (1).

أقول: العمدة في كلامه الفقرة الا خيرة منه حيث ينبغي أن نلاحظها و نبحث فيها- و هي «إنّ ظهور إطلاق المادّة مقدّم على ظهور الهيئة في التأسيس» و هي محالا يمكن المساعدة عليه، لأنّ الظهور اللفظي يمنع من انعقاد الإطلاق فإنّ من مقدّماته عدم البيان، و الظهور اللفظي يعدّ بياناً، و حينئذٍ يقدّم الظهور في التأسيس على إطلاق المادّة، وعليه تثبت المقدّمة الثانية أيضاً فيثبت المطلوب، و هو عدم التداخل.

هذا- مضافاً إلى أنّ كلامه أيضاً مبني على ظهور القضيّة الشرطيّة في التأثير الفعلي و قد مرّ كراراً المناقشة فيه، كما مرّ أيضاً إنّه لو فرضنا ظهورها في التأثير الفعلي فهو يعارض مع ظهور الجزاء في الوحدة فيتساقطان، و النتيجة حينئذٍ إجمال القضيتين معاً فتصل النوبة حينئذٍ إلى الأصل العملي، و هو في المقام يقتضي نتيجة التداخل كما مرّ فتأمّل.

التنبيه الثالث: قد يفصّل في المسألة بين ما إذا كان الشرطان مختلفين بحسب الجنس و ما إذا كانا من جنس واحد، و يقال بالتداخل في الثاني دون الأوّل.

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 443- 445، طبع جماعة المدرسين.

38

و لكن الجواب عنه واضح فالنكتة الأصلية في التداخل و عدمه هي أنّ الجملة الشرطيّة ظاهرة في الحدوث عند الحدوث أو في الثبوت عند الثبوت، و لا إشكال في أنّه لا فرق في هذه الجهة بين ما إذا اختلف الشرطان في الجنس أو اتّحدا.

و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّ الأجناس المختلفة لا بدّ من رجوعها إلى واحد، فيما جعلت شروطاً و أسباباً لواحد، لما مرّت إليه الإشارة من أنّ الأشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون أسباباً لواحد (من باب قاعدة الواحد).

أقول: قد مرّت الإشارة أيضاً إلى أنّه لا مجال لقاعدة الواحد في الامور الاعتباريّة غير البسيطة.

هذا كلّه في تداخل الأسباب.

المقام الثاني: في تداخل المسبّبات‏

و المراد من تداخل المسبّبات أنّه لو فرضنا دلالة كلّ واحد من القضيتين الشرطيتين على وجوب مستقلّ و لم نوافق على تداخل الأسباب فهل يكتفي بامتثال واحد عن كلا التكليفين أو لا؟

كما أنّ معنى تداخل الأسباب هو أنّ الشرط الثاني هل يؤثّر في الوجوب مستقلًا كالشرط الأوّل أو لا؟ فالفرق بين المقامين واضح، و قد وقع الخلط بينهما في كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله).

و كيف كان ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى أنّ القاعدة في المقام الثاني (تداخل المسبّبات) تقتضي عدم التداخل ما لم يدلّ دليل على التداخل ثمّ قال: «نعم يستثنى من ذلك مورد واحد و هو ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً من وجه كما في قضيّة «أكرم عالماً» و «أكرم هاشميّاً» فإنّ إكرام العالم الهاشمي الذي هو مورد الاجتماع لهما يكون مسقطاً لكلا الخطابين لانطباق متعلّق كلّ منهما عليه و لا يعتبر عقلًا في تحقّق الامتثال إلّا الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر في الخارج» (1).

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1 ص 432- 433.

39

أقول: نحن نوافقه فيما أفاده لو كان مرجعه إلى إطلاق الخطابين حيث إنّه إذا كان كلّ واحد من الخطابين مطلقاً بالنسبة إلى الآخر فكان مردّ قوله «أكرم عالماً» مثلًا إلى قوله «أكرم عالماً سواء كان هاشمياً أو غير هاشمي» و كذلك كان مرجع قوله «أكرم هاشمياً» إلى قوله «أكرم هاشمياً سواء كان عالماً أو غير عالم» فلا إشكال في كفاية إتيان متعلّق العنوانين مرّة واحدة عن امتثال كلا الخطابين، و لا يبعد أن يكون ذلك هو مراد المحقّق النائيني (رحمه الله) أيضاً.

و التحقيق في المسألة أن يقال: إنّ النسبة بين متعلّقي دليلين تتصوّر على أربعة وجوه: فتارةً تكون النسبة هي التباين، و حينئذٍ لا موقع للتداخل كما لا يخفى.

و اخرى‏ تكون النسبة بين العنوانين هي التساوي، فلا معنى أيضاً للبحث عن تداخلهما لأنّهما متداخلان دائماً، و لا يمكن الانفكاك بينهما، بل لا يمكن أن يكلّف المولى بماهيّة مرتين إلّا أن يرجع خطابه في كلّ مرّة إلى فرد خاصّ من الماهيّة فيتعلّق كلّ واحد من الخطابين بأحدهما، و حينئذٍ ترجع النسبة لا محالة إلى التباين أيضاً كما في القسم الأوّل لأنّ كلّ واحد منهما بتشخّصاته الفرديّة مباين للآخر.

و ثالثة: نسبة العموم من وجه.

و رابعة: العموم المطلق.

و محلّ البحث في المقام إنّما هو هذان الوجهان الأخيران، و لا إشكال في أنّ العناوين فيهما تارةً تكون من العناوين القصديّة كعنوان الصّلاة و الصّوم و نحوهما من العناوين الموجودة في أبواب العبادات، و اخرى‏ من العناوين غير القصديّة، فتصير الصور حينئذٍ أربعة.

و الصحيح أنّ مقتضى القاعدة هو التداخل مطلقاً في جميع الصور الأربعة لو كنّا نحن و الأدلّة الشرعيّة و إطلاقها ما لم تنصب قرينة على التداخل أو عدمه، فإنّ مقتضى إطلاق الخطابين- كما مرّ- هو كفاية الإتيان بمجمع العنوان في العامين من وجه، و كفاية الإتيان بالخاصّ في العموم و الخصوص المطلق.

و لا يتوهّم أنّ الإتيان بخصوص ذلك يخالف تعدّد التكليف، لأنّ المفروض أنّ مجمع العنوانين واجد لكلتا المصلحتين، نظير ما إذا أمر الطبيب المريض بأكل مطلق الفاكهة مثلًا لرفع دائه، و أمره أيضاً بأكل فاكهة خاصّة لرفع داء آخر، فلا إشكال في جواز الاكتفاء بأكل تلك الفاكهة الخاصّة و حصول كلتا المصلحتين بها.

40

نعم ربّما تقوم القرينة على عدم التداخل مثل تناسب الحكم و الموضوع، فإنّه يقتضي عدم تداخل المسبّبات في كثير من الموارد كما في باب الكفّارات، فإنّ تناسب الحكم (و هو وجوب الكفّارة) و الموضوع (و هو المفطر) فيها يقتضي تعدّد الكفّارة حيث إنّ المقصود من إيجاب الكفّارة إنّما هو تأديب المفطر العامد العاصي، و هو قد لا يحصل بإتيان العمل مرّة واحدة كما لا يخفى، كما أنّه كذلك في أبواب الحدود و الدّيات و أبواب الضمانات و النذور، و من هذا القبيل ما ذكره في تهذيب الاصول من المثال، و هو تضاعف مقدار النزح من البئر إذا وقعت الهرّة فيها بعد وقوع الفأرة مثلًا، فإنّ لوقوع كلّ منهما أثراً خاصّاً في قذارة الماء و اقتضاءً مستقلًا يوجب تعدّد وجوب نزح المقدار أو استحبابه.

كما أنّه ربّما تقوم القرينة على العكس، أي على التداخل، كما في باب الوضوء و الغسل إذا تعدّد الحدث الأصغر في الوضوء و الأكبر في الغسل.

نعم، المهمّ في البابين (بابي الوضوء و الغسل) تعيين مفاد الدليل و إنّه في الخطاب الثاني هل هو عدم قابلية المحلّ للتعدّد، و عدم كون ماهيّة المسبّب فيه مختلفة عن ماهيّة المسبّب في الخطاب الأوّل كما هو الظاهر في باب الوضوء فتكون النتيجة حينئذٍ تداخل الأسباب و كفاية نيّة أحد الأسباب، أو يكون مفاده قابلية المحلّ للتعدّد و أنّ ماهيّة المتعلّق في أحدهما غير الماهيّة في الآخر كما ربّما يستظهر في باب الغسل، حيث يستظهر أنّ الأغسال ماهيات مختلفة و أنّ لكلّ سبب ماهيّة خاصّة؟ فتكون النتيجة حينئذٍ عدم تداخل المسبّبات و لزوم قصد جميع الماهيات إذا اجتمعت و تحقّقت في زمان واحد (لأنّها عناوين قصديّة) و لا يخفى أنّ تمام الكلام في المسألة في الفقه.

إلى هنا تمّ الكلام عن مفهوم الشرط

41

2- الكلام في مفهوم الوصف‏

و لا بدّ فيه من تنقيح محلّ النزاع قبل الخوض في أصل المسألة.

فنقول: قال المحقّق النائيني (رحمه الله): «إنّ محلّ الكلام في المقام هو الوصف المعتمد على موصوفه، و امّا غير المعتمد عليه فلا إشكال في عدم دلالته على المفهوم، فهو حينئذٍ خارج عن محلّ النزاع، إذ لو كان الوصف على إطلاقه و لو كان غير معتمد على الموصوف محلًا للنزاع لدخلت الجوامد في محلّ النزاع أيضاً ... إلى أن قال:

بل يمكن أن يقال: إنّ كون المبدأ الجوهري مناطاً للحكم بحيث يرتفع الحكم عند عدمه أولى من كون المبدأ العرضي مناطاً له، فهو أولى بالدلالة على المفهوم من الوصف غير المعتمد» (1).

فحاصل كلامه أنّ الوصف غير المعتمد خارج عن محلّ النزاع لأنّه كاللقب، بل اللقب أولى منه من هذه الجهة لأنّه حاكٍ عن الذات، بينما الوصف غير المعتمد يحكي عن الصفة، و كون الذات مناطاً للحكم بحيث ينتفي بانتفائها أولى من كون الوصف (الذي يكون مبدأً عرضياً للحكم) مناطاً له.

و لكن الإنصاف أنّ محلّ النزاع أعمّ كما صرّح به في تهذيب الاصول‏ (2)، و الشاهد على ذلك أنّ المثبت للمفهوم قد يتمسّك بأمثلة تكون من مصاديق الوصف غير المعتمد من دون أن يعترض عليه النافي للمفهوم بأنّها خارجة عن محلّ الكلام، نظير التمسّك بفهم أبي عبيدة في قوله (صلى الله عليه و آله) «مطل الغني ظلم» (3) و قوله (صلى الله عليه و آله): «ليّ الواجد بالدين يحلّ عقوبته و عرضه» (4) و نظير

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 433- 434.

(2) راجع تهذيب الاصول: ج 1، ص 362، من طبع مهر.

(3) المطل هو التأخير في أداء الدَّين فإذا كان المديون غنيّاً و أخّر أداء دَينه فقد ظلم.

(4) اللّي بمعنى التأخير في أداء الدَّين، فإذا كان المديون واجداً و أخّر أداء دَينه جازت عقوبته و توبيخه.

42

التمسّك بقوله تعالى: «إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»» هذا- مضافاً إلى أنّه لا يجري بناءً على مبنى القائلين باشتمال المشتقّ على الذات حيث إنّه حينئذٍ لا فرق بين القسمين في الاعتماد على الذات.

و كيف كان- فقد استدلّ القائل بعدم المفهوم (مع أنّه على المنكر إقامة الدليل) بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ دلالة الوصف على المفهوم امّا بالوضع أو بالقرينة العامّة، و كلاهما ممنوعان، إمّا الوضع‏ فلأنّه لو كان الوصف دالًا على المفهوم بالوضع لكان استعماله في غيره مجازاً، و هو ممنوع.

و أمّا القرينة العامّة فلأنّها لا تخلو من أن تكون واحدة من الثلاثة: لزوم اللغويّة، كون الوصف مطلقاً مع أنّ المتكلّم في مقام البيان، و كونه مشعراً بالعلّية المنحصرة.

أمّا لزوم اللغويّة فالجواب عنه إنّ اللغويّة إنّما تلزم فيما إذا انحصرت فائدة الوصف في المفهوم مع أنّه قد يترتّب عليه فوائد كثيرة اخرى فقد يؤتى به لإبراز شدّة الاهتمام بمورد الوصف، مثل قوله: «إيّاك و ظلم اليتيم»، أو «إيّاك و غيبة العلماء» أو لدفع توهّم عدم شمول الحكم لمورد الوصف كما في قوله تعالى: «وَ لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ» (هذا شبيه الوصف) أو لعدم حاجة السامع إلى ما سوى مورد الوصف كقولك لمن لا يجد غير ماء البئر:

ماء البئر طاهر مطهّر، أو لغير ذلك من امور اخر كعلم المخاطب بحكم غير مورد الوصف أو توضيح ما اريد بالموصوف و الكشف عنه أو غير ذلك.

و أمّا الإطلاق‏ (و المقصود منه إنّه لو كان للوصف عديل أو جزء آخر لذكره المتكلّم لكونه في مقام البيان فإطلاقه دالّ على أنّه لا عديل له، كما أنّه دالّ على كونه تمام الموضوع للحكم).

فيرد عليه: أنّ هذا الإطلاق- الذي يكون إطلاقاً مقاميّاً على فرض وجوده، أي على فرض كون المتكلّم بصدد بيان العلّة المنحصرة أو الموضوع المنحصر للحكم- لا يختصّ في دلالته على المفهوم بباب الوصف بل إنّه يجري في اللقب أيضاً، و حينئذٍ تكون الدلالة على المفهوم مستندة إلى وجود القرينة لا إلى الوصف و إلّا لكانت الدلالة مختصّة بالوصف فحسب.

و أمّا إشعار الوصف بالعلّية المنحصرة فالجواب عنه: إنّ إشعار الوصف بها و إن كان‏

43

مسلّماً، إلّا أنّه لا يفيد في الدلالة على المفهوم ما لم يصل إلى حدّ الظهور.

هذا كلّه هو الوجه الأوّل لمنكري مفهوم الوصف، و هو وجه تامّ إلّا من ناحية حصرهم القرائن العامّة في الثلاثة المزبورة فانّه ممّا لا دليل عليه عقلًا.

الوج الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) (و وافقه على ذلك في هامش أجود التقريرات و صرّح بأنّه متين) و حاصله: إنّ القيود الواردة في الكلام‏ تارةً ترجع إلى المفهوم الإفرادي (الموضوع أو المتعلّق) و اخرى‏ إلى الجملة التركيبية بحيث يكون القيد قيداً للمادّة المنتسبة (الحكم)، و ملاك الدلالة على المفهوم هو أن يكون القيد راجعاً إلى الحكم، أي إلى المادّة المنتسبة ليترتّب عليه ارتفاع الحكم عند ارتفاع قيده، إذ لو كان الحكم ثابتاً عند عدم القيد أيضاً لما كان الحكم مقيّداً به بالضرورة، ففرض تقييد الحكم بشي‏ء يستلزم فرض انتفائه بانتفائه، و أمّا إذا كان القيد راجعاً إلى المفهومي الإفرادي و الموضوع، فغاية ما يترتّب على التقييد هو ثبوت الحكم على المقيّد، و من الضروري أنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء لا يستلزم نفيه عن غيره، و إلّا لكان كلّ قضيّة مشتملة على ثبوت حكم على شي‏ء دالة على المفهوم و ذلك واضح البطلان، و بما أنّ الظاهر في الأوصاف أن تكون قيوداً للمفاهيم الإفراديّة يكون الأصل فيها عدم الدلالة على المفهوم كما هو الحال في اللقب عيناً (1).

أقول: الإنصاف أنّ ما أفاده إنّما هو أحد طرق إثبات المفهوم، فإنّه ربّما يستفاد من ناحية احترازيّة القيود مع رجوعها إلى الموضوع و المفهوم الإفرادي على تعبيره، بل قد لا يكون للكلام مفهوم و ان رجع القيد إلى الحكم و المفهوم التركيبي إذا كان المقصود من أخذه في الكلام أمراً آخر غير الانتفاء عند الانتفاء كأن يؤتى به لكون مورده محلًا لابتلاء المخاطب مثلًا.

فظهر إلى هنا عدم تمام كلا الوجهين لإثبات عدم المفهوم فالأولى لمنكره الاكتفاء بما هو مقتضى القاعدة و طلب البرهان من مدّعيه.

فنقول: استدلّ المثبتون بوجوه اشير إلى بعضها ضمن بيان أدلّة المنكرين (منها اللغويّة لو لا المفهوم، و الإطلاق و إشعاره بالعلّية) و بقى غيرها:

فمنها: أنّ الأصل في القيود أن تكون احترازيّة و ذلك ببيانين:

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 434- 435.

44

أحدهما: أنّ معنى كون شي‏ء قيداً لموضوع حكم هو أنّ ذات الموضوع غير قابلة لتعلّق الحكم بها إلّا بعد تقيّده بهذا القيد و اتّصافه بهذا الوصف، فيكون القيد أو الوصف حينئذٍ متمّماً لقابلية القابل، و هو في الحقيقة عبارة اخرى عن معنى الاشتراط، فترجع القضيّة إلى القضيّة الشرطيّة لبّاً، و بما الظاهر دخل هذا القيد بخصوصه و بعنوانه الخاصّ (إذ لازم دخل قيد آخر أن تكون العلّة و الشرط هو الجامع بين الشرطين لأنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، و هو خلاف الظاهر) فلا محالة ينتفي سنخ الحكم بانتفائه و هو معنى المفهوم.

و لكن يرد عليه:

أوّلًا إنّه مبني على قبول قاعدة الواحد، و قد مرّ عدم جريانها في الامور الاعتباريّة أصلًا و عكساً.

و ثانياً: إنّ علّة الأحكام إنّما هي إرادة المولى لا غير كما مرّ مراراً.

ثانيهما: أنّ للإنسان في بيان مقاصده و ما ليس مقصوداً له طريقين: فإنّه‏ تارةً يصرّح باسم المقصود و يجعله بعنوان موضوعاً لحكمه، و هذا يتصوّر فيما إذا كان للمقصود اسم خاصّ، و اخرى‏ لا يكون له اسم خاصّ فيتمسّك بذيل القيود و الأوصاف فيذكر مقصوده أوّلًا بنحو كلّي ثمّ يقيّده بقيد بعد قيد حتّى يبيّن مراده بتمامه و يخرج ما ليس بمقصوده، ففلسفة القيود حينئذٍ هو بيان المقصود و إخراج ما ليس بمقصود، و هذا معنى احترازيّة القيود، و لازمها الانتفاء عند الانتفاء و هو المراد من المفهوم.

و لكن يمكن الجواب عنه أيضاً بأنّ غاية ما يقتضيه هذا البيان و ما سبقه هو ظهور القيد في أنّه دخيل في موضوع الحكم و مقصوده، و أنّ الحكم غير ثابت و مقصوده غير حاصل إلّا مقيّداً بهذا القيد لا مطلقاً، و لا يقتضي نفي الحكم عن حصّة اخرى من ذات الموضوع و لو بملاك آخر و بقيد آخر، و بعبارة اخرى: مجرّد أخذ القيد في العنوان لا يكون دليلًا على كونه احترازيّاً، نعم لو علمنا من القرائن الحاليّة أو الكلاميّة كون المتكلّم بصدد الاحتراز كان للقيود مفهوم حتّى للألقاب.

و منها: فهم أهل اللسان- و لعلّه أحسنها- فإنّ أهل اللسان يفهمون من الوصف المفهوم في موارد مختلفة كما فهم أبو عبيدة فيما رواه عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) «ليّ الواجد بالدين يحلّ عرضه‏

45

و عقوبته» (1) أنّ ليّ الفقير لا يحلّ عرضه و عقوبته، نعم الإشكال في سنده لمكان هارون بن عمرو المجاشعيّ في طريق الشيخ (رحمه الله) على ما نقله صاحب الوسائل عن مجالسه.

و من هذه الموارد قوله تعالى: «وَ رَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ» (2) فالكثير من الاصوليين و المفسّرين يعتذرون عن أخذ المفهوم فيها بأنّ قيد «في حجوركم» من القيود الغالبيّة، و لذا لا مفهوم له، فإنّ اعتذارهم هذا دالّ على كون المفهوم في مثل هذه الموارد أمراً وجدانياً و ارتكازيّاً لهم، إنّما المانع هو كون القيد غالبيّاً، كما أنّ وصف «دخلتم بهنّ» الوارد في صدر الآية يدلّ على المفهوم و هو قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ» الوارد في ذيلها، فإنّ ترتّب هذا الذيل على ذلك الصدر بفاء التفريع يشهد على أنّه لو لم يصرّح به لكنّا نفهمه من نفس الوصف الوارد في الصدر.

و من هذه الموارد قوله تعالى: «وَ الْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ» (3) فإنّ وصفي «لا يرجون نكاحاً» و «غير متبرّجات» يدلّان على أنّ القواعد اللاتي يرجون نكاحاً أو يتبرّجن بزينة فعليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ كما أفتى به الفقهاء فحكموا بحرمة وضعهنّ ثيابهنّ.

و كيف كان، فقد فهم أهل اللسان من هذه الموارد و نظائرها المفهوم، و هو يدلّ على دلالة الوصف على المفهوم.

نعم يمكن أن يقال: إنّ فهم المفهوم في هذه الموارد إنّما هو لوجود قرينة مقاميّة، و هي كون المتكلّم في مقام الاحتراز عمّا ليس داخلًا في الحكم، و محلّ النزاع هو صورة فقد القرينة، فتأمّل.

و منها: «إنّ القضيّة الوصفية لو لم تدلّ على المفهوم و انحصار التكليف بما فيه الوصف لم يكن موجب لحمل المطلق على المقيّد، حيث إنّ النكتة في هذا الحمل هي دلالة المقيّد على انحصار التكليف به و عدم ثبوته لغيره» (4).

46

و لكن يمكن الجواب عنه:

أوّلًا: بأنّ هذا إنّما يتصوّر في ما إذا كان المطلق و المقيّد مثبتين و علمنا بوحدة المطلوب كما في قولك: «إن ظاهرت فاعتق رقبة» و «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة»، و أمّا إذا كان أحدهما مثبتاً و الآخر نافياً كما في قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و قوله (عليه السلام): «نهى النبي عن بيع الغرر» فالمقيّد حينئذٍ هو نفس المنطوق و هو في المثال منطوق قوله (عليه السلام) «نهى النبي عن بيع الغرر» لا مفهومه كما لا يخفى.

و ثانياً: نقول في المثبتين أيضاً: إنّ المفهوم فيهما إنّما هو لأجل قرينية وحدة الحكم التي تستكشف من وحدة الشرط (و هو «إن ظاهرت» في المثال) و إلّا لو لم يكن الشرط واحداً و لم تعلم وحدة الحكم كما في قولك: «أكرم العلماء» و «أكرم العلماء العدول» فلا مفهوم للجملة الثانية، و لذلك لا تقيّد الاولى بالثانية بل إنّهما من قبيل تعدّد المطلوب كما صرّح به القوم في محلّه، بل تصريحهم هذا دليل على عدم المفهوم في باب المطلق و المقيّد، و على أنّ فهم المفهوم في مثال «إن ظاهرت» إنّما هو من باب وجود القرينة.

فظهر ممّا ذكرنا كلّه عدم تماميّة وجه من الوجوه التي استدلّوا بها على المفهوم، و لكن مع ذلك كلّه يستفاد من الوجه الثاني دلالة الوصف على المفهوم غالباً لكون القيد احترازيّاً في الغالب، فلا بدّ حينئذٍ من ملاحظة المقامات و المناسبات، و أنّ خصوصيّة المقام هل تكون قرينة على كون القيد احترازيّاً أو لا؟

بقي هنا امور

الأمر الأوّل: فيما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام من أنّ دلالة القضيّة على المفهوم ترتكز على أن يكون القيد فيها راجعاً إلى الحكم دون الموضوع فإن رجع إلى الحكم فلها مفهوم و إلّا فلا، و قد مرّ تفصيل بيانه في الوجه الثاني من الوجهين اللذين استدلّ بهما منكروا المفهوم في المقام، و أجبنا عنه هناك، و نقول هنا أيضاً:

الإنصاف أنّ القيود بأسرها قيود للحكم و راجعة إلى الحكم إمّا بلا واسطة أو مع الواسطة، حتّى في مثل قولنا: «في الغنم السائمة زكاة» يكون وصف «السائمة» قيداً للموضوع (و هو الغنم)

____________

(1) نقله في المحاضرات: ج 5، ص 131.

47

بلحاظ الحكم لأنّ الموضوع المفرد من دون تعلّق حكم عليه لا معنى لتقييده بقيد، هذا أوّلًا.

و ثانياً: ليس رجوع القيد إلى الحكم تمام الملاك للدلالة على المفهوم (كما مرّ بيانه) لأنّ لتقييده دواعيَ مختلفة لا تنحصر في نفي الحكم عن الغير كأن يكون مورد الوصف محلًا لابتلاء المتكلّم فعلًا و نحوه.

الأمر الثاني: أنّ الأوصاف الغالبيّة ليس لها مفهوم حتّى بناءً على القول بمفهوم الوصف، نظير وصف «في حجوركم» في قوله تعالى: «وَ رَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ» فإنّه قيد غالبي ورد في الآية (بلحاظ أنّ الغالب في النساء اللاتي يردن النكاح أن تكون ربائبهنّ في حجورهنّ و مصاحبة معهنّ، لصغر سنّهن و لم يأت وقت نكاحهنّ حتّى يحصل الفراق بينهنّ و بين امّهاتهنّ، و لو كنّ مستعدّات للنكاح كانت امّهاتهنّ خارجات عن هذا الاستعداد) و القيود الغالبيّة قيود توضيحية تصدر من المتكلّم من باب التوضيح و التفسير، فلا تلزم لغويّة الوصف إن قلنا بعدم دلالتها على المفهوم، و لا تجري فيها قاعدة احترازيّة القيود.

نعم القيد الوارد في الآية- مضافاً إلى صدوره لأجل التوضيح- توجد فيه نكتة اخرى، و هي الإشارة إلى أنّ حكمة حرمة نكاح الربائب تربيتهنّ و نشوئهنّ في حجوركم، فلا ينبغي أن يتزوّج الرجل بمن عاشت و كبرت في حجره و كانت بمنزلة بناته في الواقع.

و لكن مع ذلك فهذه النكتة جارية في غالب موارد جعل الحكم بحرمة النكاح بنحو العموم، فيعمّ الربائب اللاتي لَسْنَ في حجورهم فتكون من قبيل الحكمة لا العلّة.

الأمر الثالث: إنّ الوصف‏ تارةً يكون مساوياً لموصوفه كقولنا: «أكرم إنساناً ضاحكاً» و اخرى‏ يكون أعمّ منه مطلقاً كقولنا: «أكرم إنساناً ماشياً» و ثالثة يكون أخصّ منه كذلك، كقولنا: «أضف إنساناً عالماً» و رابعة يكون أعمّ منه من وجه كقوله (عليه السلام): «في الغنم السائمة زكاة».

و لا إشكال في خروج الأوّل و الثاني عن محلّ البحث لأنّ الوصف فيهما لا يوجب تقييداً للموصوف حتّى يكون له دلالة على المفهوم كما لا يخفى.

و أمّا الثالث فلا إشكال في دخوله في محلّ الكلام لأنّ انتفائه لا يوجب انتفاء الموصوف بل الموصوف باقٍ على حاله فيبحث حينئذٍ في انتفاء الحكم عنه بانتفاء وصفه و عدمه.

و أمّا الرابع فهو أيضاً داخل في محلّ النزاع، إلّا أنّه يدلّ على المفهوم (على القول به) بالنسبة

48

إلى خصوص ذات الموضوع المذكور في القضيّة، ففي المثال المزبور يدلّ على أنّه لا زكاة في الغنم المعلومة، أمّا بالنسبة إلى غير هذا الموضوع فلا يدلّ على انتفاء الحكم عنه، فلا يدلّ على انتفاء الزّكاة في البقر المعلوفة مثلًا كما نسب إلى بعض الشافعيّة، إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من الحديث إنّ السوم علّة منحصرة للزكاة بالنسبة إلى جميع الحيوانات، و ذكر الغنم إنّما يكون بعنوان المثال، لكن أنّى لنا بإثبات ذلك.

ثمّ إنّه تنبغي الإشارة هنا إلى نكتة فقهيّة، و هي أنّ الملاك في زكاة الغنم ليس هو خصوص كونها سائمة كما هو المعروف، بل المستفاد من الأخبار أنّ المعيار عدم كونها من العوامل، و أمّا ذكر وصف السائمة في بعض الرّوايات فإنّه للملازمة الخارجيّة العرفيّة بينها و بين عدم كونها من العوامل في عرف ذلك الزمان، فكونها سائمة من اللوازم القهريّة لعدم كونها عوامل، لعدم الداعي حينئذٍ عادةً على إبقائها في بيوتها بل إنّها تسرح في مرجها و تسام إذا ساعدت الظروف، و قد ذكرنا في تعليقتنا على العروة مؤيّدات عديدة لذلك فراجع‏ (1).

الأمر الرابع: إنّ المراد من الوصف في ما نحن فيه أعمّ من الوصف الاصولي و الوصف النحوي، فهو عبارة عن كلّ ما صار قيداً للحكم في الكلام، فيعمّ الحال إذا صار قيداً للحكم كقولك: «من جاءك ذاكراً فأكرمه» كما يعمّ ما يكون ظرفاً للحكم كقولك: «أكرم زيداً يوم الجمعة» فتأمّل.

إلى هنا تمّ الكلام في مفهوم الوصف، و قد ظهر منه عدم إمكان المساعدة على دلالة الوصف على المفهوم في جميع الموارد، و إن كان لا يمكن إنكاره أيضاً مطلقاً، فإنّ القيود و الأوصاف كثيراً ما ترد في مقام الاحتراز، و القرائن الحاليّة و المقاميّة تدلّ عليه.

بل قد يقال: إنّ الأصل في كلّ قيد هو كونه احترازيّاً، و إمّا الإتيان بالقيود لمقاصد اخرى مثل كونه محلًا للابتلاء أو قيداً غالبياً أو شبه ذلك فإنّها خلاف الأصل، و حينئذٍ يستفاد المفهوم من هذه القيود حتّى في غير الأوصاف من القيود الزمانيّة و المكانيّة و غيرهما (بناءً على عدم شمول الوصف بمعناه الأعمّ لهذه القيود) من دون فرق بين أن يكون الوصف معتمداً على الموصوف أو لا يكون، فإنّه أيضاً يرجع إلى التقييد و يكون الأصل فيه الاحتراز، فلا فرق بين‏

____________

(1) راجع تعليقات الاستاذ دام ظلّه على العروة الوثقى: ج 1، ص 330.

49

أن يقول المولى: «إن ظاهرت أكرم رجلًا عالماً» أو «أكرم عالماً».

و إن أبيت عن ذلك فلا أقلّ من التأمّل في كلّ مقام، و ملاحظة ما يقتضيه، و إيّاك أن ترفض مفهوم الوصف و القيود كلّها فإنّه خطأ محض، و اللَّه العالم بحقائق الامور.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

3- الكلام في مفهوم الغاية

و الأولى أن نعبّر عن العنوان بمفهوم أداة الغاية، لأنّ المفهوم على فرض ثبوته يكون مدلول أداة الغاية لا نفسها.

و كيف كان، فإنّ للبحث هنا جهتين:

جهة مفهوميّة، و هي البحث في أنّ الغاية سواء كانت داخلة في المغيّى أم خارجة عنه هل تدلّ مفهوماً على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية (بناءً على دخولها في المغيّى) أو عن نفس الغاية و بعدها (بناءً على خروجها عن المغيّى) أو لا؟

وجهة منطوقية، و هي البحث في نفس الغاية و أنّها هل هي داخلة في المغيّى بحسب الحكم أو خارجة عنه؟

أمّا الجهة الاولى‏ فالمشهور دلالة الأداة على المفهوم، و لعلّه أشهر من مفهوم الشرط، و لكن ذهب السيّد المرتضى (رحمه الله) و من تبعه إلى عدمه مطلقاً، و هنا قول ثالث ذكره الأعلام ببيانات مختلفة:

الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و حاصله التفصيل بين أن تكون الغاية قيداً للحكم و بين أن تكون قيداً للموضوع فعلى الأوّل تدلّ على الارتفاع عند حصولها لانسباق ذلك منها- أوّلًا- و إنّه مقتضى تقييده بها بحيث لو لم تدلّ على الارتفاع لما كان ما جعل غاية له بغاية- ثانياً- مثل قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف إنّه حرام» فإنّه ظاهر في أنّ الحلّية محدودة بالعلم بالحرمة بحيث إذا حصل العلم بالحرمة لا يبقى موقع للحكم بالحلّية فإنّه تناقض بحت، بخلاف ما إذا كانت قيداً للموضوع مثل «سر من البصرة إلى الكوفة» فإنّه لا يدلّ على أزيد من أنّ تحديده بذلك إنّما يكون بملاحظة تضييق دائرة موضوع الحكم الشخصي المذكور في القضيّة، و الدلالة على أزيد من ذلك تحتاج إلى إقامة دليل من ثبوت الوضع لذلك أو ثبوت‏

52

قرينة ملازمة لذلك، لا يقال: على هذا فما هي الفائدة في هذا التحديد؟ لأنّا نقول: الفائدة غير منحصرة في الدلالة على الارتفاع كما مرّ في الوصف. (انتهى).

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله)، فإنّه بعد أن وافق تفصيل المحقّق الخراساني (رحمه الله) المزبور ثبوتاً قال بالنسبة إلى مقام الإثبات: «الأدوات الموضوعة للدلالة على كون مدخولها غاية بما إنّها لم توضع لخصوص تقييد المفاهيم الإفراديّة كالوصف، و لا لخصوص تقييد الجمل التركيبية كأدوات الشرط تكون بحسب الوضع أمراً متوسّطاً بين الوصف و أدوات الشرط في الدلالة على المفهوم و عدمها، فهي بحسب الوضع لا تكون ظاهرة في المفهوم في جميع الموارد، و لا غير ظاهرة فيه في جميعها، لكنّها بحسب التراكيب الكلاميّة لا بدّ أن تتعلّق بشي‏ء، و المتعلّق لها هو الفعل المذكور في الكلام لا محالة، فتكون حينئذٍ ظاهرة في كونها من قيود الجملة لا من قيود المفهوم الإفرادي فتلحق بأدوات الشرط من هذه الجهة فتكون ظاهرة في المفهوم، نعم فيما إذا قامت قرينة على دخول الغاية في حكم المغيّى كما في «سر من البصرة إلى الكوفة» كان ظهور القيد في نفسه في رجوعه إلى الجملة معارضاً بظهور كونه قيداً للمعنى الإفرادي من جهة مناسبة ذلك لدخول الغاية في حكم المغيّى، فيكون الظهوران متصادمين، فإن كان أحدهما أظهر من الآخر قدّم ذلك، و إلّا لم ينعقد للكلام ظهور أصلًا» (1).

الثالث: ما أفاده بعض الأعلام في محاضراته و حاصله: إنّ الغاية إذا كانت قيداً للمتعلّق (كقوله تعالى: «أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ») أو الموضوع (كما في مثل قوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ») فحالها حال الوصف فلا تدلّ على المفهوم، و إذا كانت قيداً للحكم (كقوله (عليه السلام): كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام) فحالها في مقام الثبوت حال القضيّة الشرطيّة، بل لا يبعد كونها أقوى دلالة منها على المفهوم، ضرورة أنّه لو لم يدلّ على المفهوم لزم من فرض وجود الغاية عدمه، يعني ما فرض غاية له ليس بغاية و هذا خلف، فظهر أنّ دلالة الغاية على المفهوم ترتكز على ظهور القضيّة في رجوعها إلى الحكم‏ (2).

الرابع: ما أفاده المحقّق العراقي (رحمه الله) و حاصله: أنّ الذي يسهّل الخطب هو ظهور القضايا الغائيّة كلّية في نفسها في رجوع الغاية فيها إلى النسبة الحكميّة، و أنّ وجوب إكرام زيد في قوله:

____________

(1) أجود التقريرات: ج 1، ص 437.

(2) راجع المحاضرات: ج 5، ص 137- 140.

53

«أكرم زيداً إلى أن يقدم الحاج» هو المغيّى بالغاية التي هي قدوم الحاج، وعليه فلا جرم تكون القضيّة دالّة على انتفاء سنخ وجوب الإكرام عن زيد عند الغاية، من جهة أنّ احتمال ثبوت شخص وجوب آخر له فيما بعد الغاية ممّا يدفعه قضية الإطلاق المثبت لانحصاره في ذلك الفرد من الطلب الشخصي، نعم لو كانت الغاية في القضيّة راجعة إلى خصوص الموضوع أو المحمول (لا إلى النسبة الحكميّة) لكان للمنع عن الدلالة على ارتفاع سنخ الحكم عمّا بعد الغاية كمال مجال‏ (1).

أقول: لا يخفى أنّ مرجع أكثر هذه البيانات إلى أنّ القيد إن كان قيداً للحكم يدلّ على المفهوم، و إن لم يكن قيداً للحكم لا يدلّ على المفهوم، مع أنّه قد مرّ أنّ القيد في جميع الموارد يرجع إلى الحكم إلّا أنّه‏ تارةً يرجع إليه بلا واسطة، و اخرى‏ يرجع إليه مع الواسطة (و هي الموضوع أو المتعلّق).

هذا- مضافاً إلى أنّ أداة الغاية إنّما هي من أداة الجرّ، و لا إشكال في أنّ الجار و المجرور متعلّق بالفعل دائماً كما قرّر في محلّه، و بهذا اللحاظ تكون الغاية قيداً للحكم بلا واسطة في جميع الموارد و لو قلنا بأنّ الوصف قد يكون قيداً للموضوع.

و أمّا ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ قيد «إلى الكوفة» في قولك «سر من البصرة إلى الكوفة» قيد للموضوع (أي المفهوم الافرادي على تعبيره) و هو السير، من باب أنّ الغاية و هي الكوفة في هذا المثال داخلة في المغيّى- فهو في غير محلّه، لأنّ مرجع جميع القيود هو الفعل و إن كانت راجعة ابتداءً إلى الموضوع.

هذا- مضافاً إلى عدم الدليل على دخول الغاية (و هو الكوفة) في المثال المزبور في المغيّى و لا شاهد له.

و منه يظهر الحال فيما أفاده في المحاضرات.

و أمّا كلام المحقّق العراقي (رحمه الله)‏ فيرد عليه: أنّ رجوع القيد إلى النسبة الحكميّة لا ينفكّ في الحقيقة عن الرجوع إلى الحكم، و أيّ فرق بين تقييد وجوب إكرام زيد بمجيئه، أو تقييد نسبة الوجوب إلى الإكرام بذلك؟

____________

(1) راجع نهاية الأفكار: ج 1، ص 497- 498.

54

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الغاية تدلّ على المفهوم لأنّ الظاهر رجوع القيد إلى الحكم في جميع الموارد، و بالنتيجة يكون دالًا على المفهوم ما لم تقم قرينة على خلافه.

هذا كلّه في الجهة الاولى.

و أمّا الجهة الثانية- و هي دخول الغاية في المغيّى بحسب الحكم و عدمه:

ففيها خمسة وجوه أو خمسة أقوال:

الأوّل: الدخول مطلقاً.

الثاني: الخروج مطلقاً و قد ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و في تهذيب الاصول.

الثالث: التفصيل بين ما إذا كانت الغاية من جنس المغيّى كقوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» (حيث إنّ المرافق من جنس الأيدي) فهي داخلة فيه، و بين ما إذا لم تكن الغاية من جنس المغيّى كقوله تعالى‏ «أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ» فهي خارجة عنه.

الرابع: التفصيل في أداة الغاية بين كلمة «إلى» و كلمة «حتّى»، فإن كانت الغاية مدخولة لكلمة «إلى» كانت خارجة عن المغيّى، و إن كانت مدخولة لكلمة «حتّى» كانت داخلة فيه، و قد ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله).

الخامس: عدم كونها داخلة في المغيّى أو خارجة عنه على نحو العموم بل المقامات مختلفة بحسب اختلاف المقامات و القرائن الموجودة فيها، مع فقد القرينة يكون المرجع هو الأصل العملي.

و لا إشكال في أنّ محلّ البحث في المقام ما إذا كانت الغاية ذات أجزاء كالكوفة في مثال «سر من البصرة إلى الكوفة» و مثل سورة الإسراء في قولك: «اقرأ القرآن إلى سورة الإسراء» و أمّا إذا لم يتصوّر لها أجزاء مثل قولك: «اقرأ القرآن‏

من أوّله إلى آخره» أو «اقرأ القرآن إلى آخر الجزء العاشر» فهو خارج عن محلّ الكلام كما لا يخفى.

و كيف كان، فقد استدلّ المحقّق الخراساني (رحمه الله)‏ للقول الثاني: (أي خروج الغاية عن المغيّى مطلقاً) بأنّ الغاية من حدود المغيّى فلا تكون محكومة بحكمه لأنّ حدّ الشي‏ء خارج عن الشي‏ء.

55

و فيه: إنّ المسألة لفظية لا مدخل للعقل فيها بل لا بدّ فيها من الرجوع إلى الاستظهارات العرفيّة من اللفظ.

و استدلّ في تهذيب الاصول بأنّ الكوفة لو كانت اسماً لذلك الموضع المحصور بسورها و جدرانها و فرضنا أنّ المكلّف سار من البصرة منتهياً سيره إلى جدرانها من دون أن يدخل جزء من الكوفة يصدق أنّه أتى بالمأمور به و امتثل، و يشهد على ما ذكرنا صدق قول القائل:

«قرأت القرآن إلى سورة الإسراء» إذا انتهى به القراءة إلى الإسراء، و لم يقرأ شيئاً من تلك السورة، و قس عليه نظائره و أشباهه‏ (1).

أقول: لا يرد عليه ما أوردناه على المحقّق الخراساني (رحمه الله)، فإنّه قد ورد في المسألة من بابها، أي من طريق العرف و الاستظهارات العرفيّة.

و لكن يرد عليه أيضاً: إنّا لا نحرز كون حكم العرف بذلك من باب ظهور اللفظ، بل لعلّه لأجل جريان أصل البراءة عن الأكثر، أي عن وجوب السير في الكوفة، و ذلك من باب عدم قيام دليل على وجوبه و قصور اللفظ عنه، فتصل النوبة إلى أصالة البراءة، و تظهر الثمرة بينهما فيما عارضه دليل لفظي آخر، فعلى الأوّل يكون من قبيل المتعارضين، و على الثاني ترفع اليد عن الأصل العملي بسبب الأمارة.

أمّا القول الثالث: و هو التفصيل بين ما إذا كانت الغاية متّحدة في الجنس مع المغيّى و ما إذا كانت مختلفة معه- فلم نتحقّق له وجهاً، و الإنصاف أنّه و إن كان من الممكن أن يصير الاتّحاد في الجنس قرينة على الدخول إلّا أنّ دعواه على نحو كلّي شامل لجميع الموارد مشكلة جدّاً.

و أمّا القول الرابع: و هو التفصيل بين كلمة «حتّى» و «إلى»- فاستدلّ له المحقّق النائيني (رحمه الله) بأنّ «كلمة حتّى تستعمل غالباً في ادخال الفرد الخفي في موضع الحكم فتكون الغاية حينئذٍ داخلة في المغيّى لا محالة» (2) و لكنّه إنّما نشأ من الخلط بين حتّى العاطفة و الخافضة (كما أشار إليه بعض الأعلام في هامش أجود التقريرات) فهي في جميع الموارد التي استعملت لادخال الفرد الخفي كما في قولنا: «مات الناس كلّهم حتّى الأنبياء» (فإنّ الأنبياء في هذا المثال يعدّ فرداً خفياً بالنسبة إلى حكم الموت) لا تدلّ على كون ما بعدها غاية لما قبلها بل هي من أداة العطف حينئذٍ كما لا يخفى.

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 366، طبع مهر.

(2) أجود التقريرات: ج 1، ص 436.

56

و قد ظهر بما ذكرنا ضعف‏ القول الأوّل‏ أيضاً (و هو الدخول مطلقاً) كما ظهر أنّ الحقّ هو القول الخامس، و هو أنّه لا ظهور لأداة الغاية لا في دخول الغاية في المغيّى و لا في خروجها عنه، فلا بدّ من تعيين ما تقتضيه القرينة، و هي مختلفة بحسب اختلاف المقامات و المناسبات، و مع عدم وجود قرينة يصير الكلام مجملًا، و قد يؤيّد ذلك ما نشاهده في المحاورات العرفيّة من السؤال عن أنّ الغاية داخلة في المغيّى أو خارجة عنه؟ ففي ما إذا قيل مثلًا: «اقرأ القرآن إلى الجزء العاشر» و لا توجد في البين قرينة فإنّه يتساءل: هل تجب قراءة الجزء العاشر أيضاً أو لا؟

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الأصل العملي في صورة الشكّ و الإجمال و فقد القرينة هو البراءة لا الاستصحاب، لأنّ من أركان الاستصحاب وحدة الموضوع، و لا إشكال في أنّ ما بعد الغاية موضوع آخر غير ما قبلها، و لا أقلّ في أنّه كذلك في أكثر الموارد.

بقي هنا شي‏ء

و هو كلام شيخنا المحقّق الحائري (رحمه الله) في الدرر: فإنّه قال: «التحقيق في المقام أنّ الغاية التي جعلت محلًا للكلام في هذا النزاع لو كان المراد منها هو الغاية عقلًا أعني انتهاء الشي‏ء فهذا مبني على بطلان الجزء غير القابل للتقسيم و صحّته، فإن قلنا بالثاني فالغاية داخلة في المغيّى يقيناً فإنّ انتهاء الشي‏ء على هذا عبارة عن جزئه الأخير، فكما أنّ باقي الأجزاء داخلة في الشي‏ء كذلك الجزء الأخير، و إن قلنا بالأوّل فالغاية غير داخلة لأنّها حينئذٍ عبارة عن النقطة الموهومة التي لا وجود لها في الخارج ...» ثمّ ذكر احتمالًا ثانياً و هو أن يكون محلّ النزاع مدخول حتّى و إلى، و أن لا يكون غاية عقلًا، و فصّل بين ما إذا كانت الغاية قيداً للفعل (للموضوع) و ما إذا كانت قيداً للحكم‏ (1). (انتهى محلّ الحاجة).

أقول: الإنصاف أنّ المسألة لفظيّة لا تناسبها و لا ترتبط بها مسألة عقليّة، فلا مجال لما ذكره في الشقّ الأوّل من كلامه.

____________

(1) راجع درر الفوائد، ص 205، طبع جماعة المدرّسين.