أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
7

مقدمة التحقيق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف النبيين محمدٍ و آله المعصومين الطاهرين لعلَّ من أهم مميزات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، هي تلك الثروة العلمية الهائلة، التي تمثلت بآلاف الكتب و الأسفار في شتى العلوم و مختلف أنواع المعارف و شئون الثقافات و مجالات الفكر. حيث توجهت إلى التأليف و التصنيف، و إجالة الأقلام حول الفنون المختلفة همم الأكابر من أهل الفضل و ذوي النبل، الذين لم يألوا جهداً في هذا الشأن بنشر العلوم و بثها، و تنميق الرسائل و صقلها و تهذيبها، فلله تعالى درهم، و عليه أجرهم.

و من جملة ما ألّفوا من تلك الفنون و أكثروا فيها، علم اصول الفقه أو علم اصول الاستنباط، الذي هو من أهم العلوم الإسلامية

10

و أغلاها، و أرفع المعارف الإلهيّة و أعلاها؛ و إنّما كثرت مؤلّفاتهم في هذا العلم و تنوّعت، لأنّ باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية الفرعية مفتوح عندهم على مصراعيه، و لا يجوزون تقليد الموتى ابتداءً في الفروع، و لا في الاصول مطلقاً؛ فكشف علماء الإسلام عن ساق الجد و الجهد فنضدوا قواعده، و رصفوا مباحثه مثابرين على العمل، معانين فيه أتعاباً و جهوداً، و ما زالوا يتدرجون في مراقي علوه، و سلالم نموه خلفاً عن سلف و جيلًا بعد آخر.

من تلق منهم تلق كهلًا أو فتى‏ * * * علم الهدى بحر الندى المورودا

و لا نشك في أنَّ بذرة التفكير الاصولي وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام) منذ أيام الصادقين (عليهما السلام) على مستوى تفكيرهم الفقهي، و من الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، وجَّهها عدد من الرواة إلى الإمام الصادق (عليه السلام) و غيره من الأئمة (عليهم السلام) و تلقَّوا جوابها منهم‏ (1).

و كتب المسائل المروية عن الأئمة (عليهم السلام) موجودة بأيدينا إلى هذا الوقت، حيث رتَّبها بعض المتأخرين على ترتيب المصنفين في هذا العلم منها:

1- (كتاب اصول آل الرسول (صلّى اللَّه عليه و آله)) في استخراج‏

____________

(1) انظر المعالم الجديدة للُاصول للسيّد الشهيد الصدر: 47.

11

أبواب اصول الفقه من روايات أهل البيت (عليهم السلام) للعلّامة الكبير السيّد الشريف ميرزا محمّد هاشم ابن الميرزا زين العابدين الموسوي الخوانساري المتوفى سنة 1318 ه جمع فيه الأحاديث المأثورة عنهم (عليهم السلام) في قواعد الفقه و الأحكام و رتبها على مباحث اصول الفقه.

2- (كتاب الاصول الأصلية و القواعد المستنبطة من الآيات و الأخبار المروية) تأليف العلّامة الأوحد الحجة السيّد عبد اللَّه بن محمّد الرضا شبر الحسيني الكاظمي المتوفى سنة 1242 ه جمع فيه المهمات من المسائل الاصوليّة المنصوصة من الآياتِ و الروايات. فبلغ مجموع الروايات 1903 ألف و تسع مائة و ثلاثة أحاديث؛ و قد جعل كتابه هذا رابع مجلدات كتابه الكبير الموسوم ب (جامع المعارف و الأحكام) (1).

و لا بأس هنا في هذا المقام أن نستعرض بعض الروايات الواردة في هذا الشأن كشاهدٍ على ذلك، فمنها:

ما ورد في أصل البراءة: فقد أخرج الإمام الكليني- (قدّس سرّه)- في كتابه الحافل الموسوم ب (الكافي) بإسناده عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

(ما حجب اللَّه عن العباد فهو موضوع عنهم) (2).

____________

(1) انظر الذريعة للحجة الأكبر الشيخ الطهراني 2: 177- 178.

(2) الكافي 1: 126 حديث 3 باب حجج اللَّه على خلقه.

12

و منها ما ورد في حجّيّة الظاهر: و قد أورد منها الإمام الكليني- (قدّس سرّه)- في كتابه المذكور عن عمر بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

(إنَّ اللَّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً يحتاج إليه الأُمة إلّا أنزله في كتابه و بيَّنه لرسوله (صلّى اللَّه عليه و آله) ...) (1).

و منها ما ورد في الاستصحاب: فعن عبد اللَّه بن بكير، عن أبيه، قال: قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

(إذا استيقنت أنّك قد أحدثت فتوضأ، و إياك أن تحدث وضوءاً أبداً حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت).

و منها ما ورد في أصالة الحلية: فقد أخرج الشيخ الصدوق- (رحمه اللّه)- عن عبد اللَّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام):

(كلُّ شي‏ءٍ يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً، حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) (2).

و منها ما ورد في وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة: أخرج الإمام الكليني- (رضوان اللَّه عليه)- عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر، و لا يدري أيهما هو و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال:

____________

(1) نفس المصدر السابق 1: 48 حديث 2 باب الرد إلى الكتاب و السنة ...

(2) الفقيه 3: 216 حديث 1002 باب 96 الصيد و الذبائح.

13

(يهريقهما جميعاً و يتيمّم) (1).

إلى غير ذلك ممّا يطول بذكره المقام.

و على كلّ حال فقد ذُكر أن هشام بن الحكم المتوفى سنة 199 ه صنَّف كتاب (الألفاظ و مباحثها).

ثمَّ يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين صنَّف كتاب (اختلاف الحديث و مسائله) و هو مبحث تعارض الحديثين، و مسائل التعادل و الترجيح في الحديثين المتعارضين.

و بعد ذلك توالت حلقات التصنيف في هذا العلم الشريف، و ازداد ثراء و وضوحاً و تألّقاً على مدى التاريخ العلمي، و ها نحن- و روماً للاختصار- نورد قائمة إجمالية مختصرة جداً، نقدمها كفهرست تاريخي لأشهر الكتب التي دارت بحوثها حول اصول الفقه.

فمنها: كتاب (الخصوص و العموم) و (إبطال القياس) و (نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي) و هذه كلها من تصنيفات شيخ المتكلِّمين أبي سهل النوبختي إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل الفضل ابن نوبخت، من أهل القرن الثالث الهجري.

و منها: كتاب (خبر الواحد و العمل به) و كتاب (الخصوص و العموم) لشيخ المُتكلِّمين في عصره أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختي.

____________

(1) الكافي 3: 10 حديث 6 باب الوضوء من سؤر ...

14

و منها: (كشف التمويه و الالتباس في إبطال القياس) للشيخ الفقيه الأعظم أبي علي محمّد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الاسكافي، من أهل القرن الثالث.

و منها: (إبطال القياس) للمتكلم المشهور أبي منصور الصرام النيشابوري، من أهل القرن الثالث.

و منها: (مسائل الحديثين المختلفين) للشيخ الفقيه محمّد بن أحمد ابن داود بن علي بن الحسن، المعروف بابن داود، المتوفى سنة 368 ه.

و منها: (كتاب في اصول الفقه) (1)، للإمام الكبير أبي عبد اللَّه محمّد بن محمّد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد، المتوفى سنة 413 ه.

و منها: (الذريعة في علم اصول الشريعة) و (مسائل الخلاف في اصول الفقه) و (إبطال القياس) لعلم الهدى السيّد المرتضى الشريف الموسوي أبي القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) المتوفى سنة 436 ه.

و منها: (عُدة الاصول) و (و مسألة حجّيّة خبر الواحد) لشيخ الطائفة الإمام أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، المتوفى سنة 460 ه.

و منها: (المصادر في اصول الفقه) و (التنقيح) للإمام الشيخ سديد

____________

(1) أدرجه بتمامه الشيخ أبو الفتح الكراجكي في كتابه (كنز الفوائد) في الجزء 2 صفحة 15.

15

الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، من أهل القرن الخامس الهجري.

و منها (غنية النزوع) للفقيه الكبير السيّد حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، المتوفى سنة 579 ه.

و منها: (معارج الوصول إلى علم الاصول) و (نهج الوصول إلى‏ علم الاصول) للفقيه الكبير المحقق الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلي، المتوفي سنة 676 ه.

و منها: (غاية الوصول في شرح مختصر الاصول) و (مبادئ الوصول إلى‏ علم الاصول) و (النكت البديعة في تحرير الذريعة) و (نهج الوصول إلى علم الأُصول) و (نهاية الوصول إلى‏ علم الاصول) و (منتهى الوصول إلى علمي الكلام و الاصول) و (تهذيب طريق الوصول إلى علم الاصول) و (تعليقة على عُدة الاصول) و (تعليقة على معارج الوصول) لآية اللَّه العلّامة جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي بن محمّد المطهر الحلي، المتوفى سنة 726 ه.

و منها: (شرح التهذيب الجمالي في اصول الفقه) للفقيه الكبير الشهيد الإمام شمس الدين أبي عبد اللَّه محمّد بن جمال الدين مكي العاملي، المعروف بالشهيد الأول، المستشهد سنة 786 ه.

و منها: (معالم الدين و ملاذ المجتهدين) للمحقق الكبير الشيخ جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي الجباعي، المتوفى سنة

16

1011 ه.

و منها: (زبدة الاصول) للعلّامة الأكبر الشيخ بهاء الدين محمّد ابن الحسين العاملي، المعروف بالبهائي، المتوفى سنة 1031 ه.

و منها: (الوافية) للمولى الفاضل عبد اللَّه بن محمّد البشروي الخراساني التوني، المتوفى سنة 1071 ه.

و منها: (الحاشية على المعالم) للمحقق الكبير الشيخ محمّد بن الحسن الشيرواني المتوفى سنة 1098 ه.

و منها: (شرح الوافية) للمحقق السيّد صدر الدين محمّد بن مير محمّد باقر الرضوي القمي، المتوفى سنة 1160 ه.

و منها: (الفوائد الحائرية) للمحقق الإمام الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل، المشهور بالوحيد البهبهاني، المتوفى سنة 1206 ه.

و منها: (الوافي) و (المحصول) للمحقق المقدس الكاظمي البغدادي السيّد محسن بن الحسن الأعرجي، المتوفى سنة 1227 ه.

و منها: (القوانين) للعلّامة المحقق الميرزا أبي القاسم بن محمّد حسن الجيلاني القمي، المتوفى سنة 1231 ه.

و منها: (فرائد الاصول) المعروف بالرسائل، لإمام المحقّقين الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري، المتوفى سنة 1281 ه.

و منها: (كفاية الاصول) و هو كتاب جامع في اصول الفقه للمحقق الأكبر الشيخ محمّد كاظم الهروي الخراساني المتوفى سنة

17

1329 ه، و هذا الكتاب هو المتداول في التدريس في الجامعات الحوزوية الإسلامية منذ زمن تأليفه و إلى يومنا هذا، و عليه فقد كثرت شروح هذا المتن و التعليقات عليه من قبل محققي هذا الفن و المختصين به، و نذكر ما تيسر لنا الآن ذكره من تلك الشروح و التعليقات فمنها:

1- نهاية المأمول في شرح كفاية الاصول: للميرزا حسن بن عزيز اللَّه الرضوي القمي المتوفى سنة 1352 ه.

2- شرح الكفاية: للشيخ علي بن قاسم القوچاني المتوفى سنة 1333 ه.

3- نهاية الدراية في شرح الكفاية: للشيخ محمّد حسين بن محمّد حسن المعين الأصفهاني الكمپاني المتوفى سنة 1361 ه.

4- شرح الكفاية: للعلّامة الشيخ عبد الحسين بن الشيخ عيسى الرشتي النجفي، المتوفى سنة 1373 ه.

5- حقائق الاصول: للإمام السيّد محسن بن السيّد مهدي بن السيّد صالح الحكيم المتوفى سنة 1390 ه. و له حاشية قديمة على الجزء الثاني فرغ منها سنة 1339 ه.

6- شرح الكفاية: للشيخ محمّد الشهير بسلطان العراقي.

7- شرح الكفاية: للشيخ مهدي بن الشيخ حسين بن عزيز الخالصي الكاظمي المتوفى سنة 1343 ه في المشهد الرضوي المقدَّس.

8- شرح الكفاية: (فارسي) موسوم ب (خودآموز كفاية) طبع في‏

18

المشهد الرضوي الشريف.

9- الحاشية على الكفاية: للسيّد إبراهيم بن السيّد محمَّد شُبَّر الحسيني، و هي على الجزء الأول من الكتاب.

10- الحاشية عليها: للشيخ محمّد إبراهيم بن الشيخ علي بن محمّد حسين الكلباسي.

11- الحاشية عليها: للشيخ الميرزا أبي الحسن بن عبد الحسين المشكيني، المتوفى بالنجف الأشرف سنة 1358 ه.

12- الحاشية عليها: للشيخ الميرزا أحمد ابن المصنف الخراساني.

13- الحاشية عليها: للسيّد أحمد بن السيّد علي أصغر الشهرستاني.

14- الحاشية عليها: للميرزا باقر الزنجاني.

15- الحاشية عليها: للمولى محمّد تقي الگلپايگاني البصير، المتوفى سنة 1352 ه.

16- وسيلة الوصول إلى كفاية الاصول: للشيخ محمَّد تقي بن الشيخ يوسف الحاريصي العاملي.

17- الحاشية عليها: للسيّد حسن اليزدي، المتوفى سنة 1359 ه.

18- الحاشية عليها: للسيّد محمّد حسين الطباطبائي.

19- الحاشية عليها: للسيّد حسين بن علي بن أبي القاسم بن محمّد حسن الحسيني البختياري الأصفهاني.

19

20- الهداية في شرح الكفاية: لمرجع المسلمين الراحل آية اللَّه السيّد شهاب الدين بن السيّد محمود المرعشي النجفي.

21- الهداية في شرح الكفاية: للشيخ عبد الحسين بن محمّد تقي ابن الحسن بن أسد الله الدزفولي الكاظمي، المتوفى سنة 1336 ه.

22- الحاشية عليها: للشيخ محمَّد علي بن محمّد جعفر القمي المتوفى سنة 1354 ه.

23- هداية العقول في شرح كفاية الاصول: للميرزا فتاح بن محمَّد علي بن نور اللَّه الشهيدي التبريزي.

24- الحاشية عليها: للميرزا علي بن الشيخ عبد الحسين بن المولى علي أصغر الإيرواني المتوفى سنة 1354 ه.

25- الحاشية عليها: للشيخ علي بن الشيخ يوسف بن علي الفقيه الحاريصي العاملي.

26- الحاشية عليها: للسيّد محمَّد بن علي بن علي تقي الحسيني الكوهكمري التبريزي.

27- الحاشية عليها: لولد المصنِّف الميرزا محمّد، المتوفى سنة 1355 ه.

28- نهاية المأمول في شرح كفاية الاصول: للشيخ عبد النبي الوفسي العراقي.

29- نهاية المأمول في شرح كفاية الاصول: للشيخ مرتضى بن‏

20

محمّد حسن المظاهري الأصفهاني.

30- الحاشية عليها: للشيخ مهدي بن إبراهيم بن هاشم الدجيلي الكاظمي المعروف بجرموقي، المتوفى سنة 1339 ه.

31- نهاية المأمول في الاصول: للسيّد هادي بن حسين الإشكوري.

32- هداية العقول في شرح كفاية الاصول: للسيّد محمَّد علي الموسوي الحمامي.

33- الهداية في شرح الكفاية: للسيّد محمّد جعفر الشيرازي.

34- الحاشية: للسيّد محمّد النجف‏آبادي الأصفهاني.

35- حاشية كفاية الاصول: للسيّد محمّد الموسوي الكازروني.

36- الحاشية عليها: للشيخ عباس علي الشاهرودي.

37- دروس و حلول في شرح كفاية الاصول: للسيّد علي العلوي، المتوفى سنة 1402 ه.

38- شرح الكفاية: للشيخ عبد الكريم الخوئيني.

39- طريق الوصول إلى تحقيق كفاية الاصول: للشيخ محمّد الكرمي.

40- نهاية المأمول في شرح كفاية الاصول: للشيخ محمّد علي الاجتهادي.

41- تعليقة على الكفاية: لآية اللَّه الشهيد السعيد السيّد مصطفى‏

21

نجل الإمام الخميني (قدّس سرّهما) المستشهد سنة 1397 ه (1).

حول تعليقة الإمام الخميني‏

لقد أضفى السيّد الإمام الخميني (قدّس سرّه) على هذا العلم من نظراته الشمولية، و آراءه العميقة، ما جلّى غوامضه و كشف أسراره و أوسع شواطئه و عمق أغواره، و انعكست على جميع الأبواب التي طرقها، و العلوم التي بحثها، و يتجلّى هذا واضحاً في دقته حين يستعرض الآراء الفلسفية التي استعان بها بعض علمائنا العظام في بحوثهم الاصولية، فينقدها بفكره الثاقب، و يكشف عن مكامن أخطائها، و يعالج مواضع ضعفها، و يضع كلَّ شي‏ءٍ في نصابه و على مسيره الصحيح. هذا ما تراه بوضوح في مناقشاته لآراء و نظريات الميرزا النائيني- (رحمه اللّه)- و المحققين الكبار الآخرين كالآخوند الخراساني و آقا ضياء الدين العراقي و الشيخ الأصفهاني قدست أسرارهم.

أضف إلى ذلك اتصاف أبحاثه العلمية بالموضوعية و التهذيب، فمع أن الفلسفة و العرفان من أهم ما نبغ فيه سيدنا الإمام، فانك لا تراه يطرق ما يتعلّق من بحوثهما بعلم الاصول إِلّا بمقدار الضرورة، و يوكل التفاصيل إلى محالها و مضانها. و حين يرى أن البحث المطروق في علم‏

____________

(1) انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للعلّامة المحقق الثبت الشيخ الطهراني 6: 186 و 14: 33.

22

الاصول عديم الجدوى أو نادر النفع فإنّه يحذفه و يلغيه، و يوفر على الطلاب عناء بحثه، أو يكتفي بالتنويه عنه من دون تفصيل و تطويل.

و في هذا الصدد يقول آية اللَّه الشيخ الفاضل اللنكراني دام ظله:

أما طريقة السيّد الإمام (قدّس سرّه) فقد كان بناؤه على ملاحظة المطالب من أصلها و النظر في أساسها، و أنّها هل اسست على أساس صحيح قابل للقبول أو لا؟

فقد رأينا في مباحثه أنّه كثيراً ما يضع الاصبع على الأساس الذي كان مسلماً عندهم فيناقش فيه و ينقده. و لم تكن المطالب مقبولة عنده تعبداً و تقليداً بل كانت تدور مدار الدليل و البرهان، و هذا مما يوجب تشحيذ أذهان الفضلاء و الطلبة، و يوجب الرشد و الرقاء و تؤثر في كمال التحقيق و التدقيق.

منهجنا في تحقيق الكتاب‏

1- استنساخ الأصل- الذي هو بخط الإمام الراحل (قدّس سرّه)- و تقطيع النص، و ضبطه، و وضع علامات الترقيم حسب ما ترشد إليه الخبرة في هذا الفن.

و قد استخدمنا العضادتين [] و وضعناها في عدة موارد:

أ- لإضافة يقتضيها السياق.

ب- لإضافة من المصدر.

23

ج- لتصحيح النص.

2- الإشارة إلى موضع الآيات القرآنية الشريفة بذكر اسم السورة و رقم الآية.

3- تخريج الأحاديث الشريفة، و عزوها إلى مصادرها و ذلك بذكر اسم الكتاب أولًا، ثم رقم الجزء، ثم رقم الصفحة، ثم تسلسل الحديث. و ربما نذكر عنوان الباب أو رقم ترتيبه.

4- ترجمة الأعلام المذكورين في متن الكتاب.

5- استخراج الأقوال و العبارات، و عزوها إلى مصادرها.

6- شرح و تبيين بعض الكلمات و المفردات اللغوية.

7- إعداد فهارس عامة فنية تسهيلًا لأمر الاستفادة، و توفيراً لوقت العلماء الباحثين.

و الحمدُ للَّه رب العالمين مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدّس سرّه) فرع قم المقدسة قسم التحقيق ذو القعدة الحرام 1413 ه. ق‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمدُ للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين و بعد، فهذه تعليقة علقتها على المباحث العقليّة من الكفاية ممّا سنح ببالي عند بحثي عنها، و على اللَّه التكلان في البداية و النهاية.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الأمارات المعتبرة عقلًا أو شرعاً

مباحث القطع‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

وجه أشبهيّة مسائل القطع بالكلام‏

قوله: و كان أشبه بمسائل الكلام ... إلخ‏

(1)

.

(1) قد عُرّف علم الكلام تارة: بأنّه علم يُبحث فيه عن الأعراض الذاتيّة للوجود من حيث هو على قاعدة الإسلام‏ (2).

و أخرى: بأنّه علم يبحث فيه عن ذات اللَّه تعالى و صفاته و أفعاله و أحوال الممكنات من حيث المبدأ و المعاد على قانون الإسلام‏ (3).

و أشبهية مسائل القطع بمسائل الكلام إنّما تكون على التعريف الثاني، [لأنَّه‏] يدخل فيه مباحث الحسن و القبح و أمثالهما.

و أمّا على الأوّل من التعريفين فلا شباهة بينهما أصلًا؛ فإنّ مسائل القطع‏

____________

(1)- الكفاية 2: 5.

(2)- شوارق الإلهام: 9 سطر 19.

(3)- تعريفات الجرجاني: 237.

34

ليست من الأعراض الذاتيّة للوجود من حيث هو وجود، كما لا يخفى على أهله.

وجه تعميم متعلق القطع‏

قوله: و إنما عمّمنا متعلق القطع ... إلخ‏

(1)

.

(1) وجه التعميم و عدم تثليث الأقسام: ما ذكره- (قدّس سرّه)- من عدم اختصاص أحكام القطع بما تعلق بالأحكام الواقعية (2).

لكن يرد عليه: أن لازم ذلك دخول تمام مسائل الظن و الشك إلا الأصول الثلاثة العقليّة في مسائل القطع، فإنّ المسائلَ المفصَّلة الآتية في الكتاب تفصيل هذا التقسيم الإجماليّ المذكور في أوله و إلّا يصير التقسيم لغواً باطلًا، فبناءً على توسعة دائرة القطع و إطالة ذيله حتّى يشمل كلّ المباحث، تصير كلّية المباحث مبحثاً وحيداً هو مبحث القطع، مع أنّ مباحث الظنّ و الشكّ من أعظم المباحث الأصوليّة، و هي العُمدة في المباحث العقليّة، و القول بدخولها في مبحث القطع كلام لا يرضى به أصوليّ.

و إنّما خصّصنا الاستثناء بالأصول الثلاثة مع جعله- (قدّس سرّه)- الظنّ على الحكومة مقابل القطع، فلأنّ الظنّ على الحكومة لا يكون مقابله، بل هو في الحقيقة من مسائل العلم الإجماليّ، إلّا أنّ دائرته أوسع‏

____________

(1)- الكفاية 2: 5.

(2)- نفس المصدر السابق.

35

من العلم الإجماليّ المذكور في مباحث القطع و الاشتغال، و كون دائرة المتعلَّق أوسع منه غير دخيل في الجهة المبحوث عنها، كما لا يخفى على المتأمّل.

ثمّ إنّ لنا بناءً على ما ذكره- (قدّس سرّه)- أن ندرج كلّية المباحث حتى مبحث الأصول العقليّة في القطع؛ بأن نجعل متعلّق القطع هو وظيفة المكلف، فتصير المباحث العقليّة كلّها مبحثاً فريداً هو مبحث القطع. لكن هذا مما لا يرضى به الوجدان الصحيح، فتثليث الأقسام، ممّا لا بدّ منه، لكن لا بما ذكره الشيخ- (قدّس سرّه)- [1] لتداخل الأقسام، بل بما ذكره شيخنا العلّامة الحائري [2] و بعض محققي العصر (قدّس سرّهما) (3).

____________

[1]- فرائد الأصول: 2 سطر 9- 10.

الشيخ: هو الإمام الشيخ المرتضى بن الشيخ محمّد أمين الأنصاري، ولد في ذي الحجة سنة 1214 ه في دزفول، و تولى المرجعيّة بعد وفاة الإمام صاحب الجواهر، له عدَّة كتب قيّمة لا زالت محط أنظار العلماء و أبحاثهم كالمكاسب و الرسائل، توفي (رضوان اللَّه عليه) سنة 1281 ه و دفن عند أمير المؤمنين (عليه السلام). انظر أعيان الشيعة 9: 5، معارف الرّجال 2: 323.

[2] درر الفوائد 2: 2.

العلّامة الحائري: هو العلامة مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة الشيخ عبد الكريم بن محمّد جعفر، ولد بقرية مهرجرد التابعة لمدينة يزد سنة 1276 ه هاجر إلى سامراء ثم إلى النجف الأشرف لمواصلة الدراسة فحضر الأبحاث العالية عند الإمام الخراسانيّ، و بعد ذلك رجع إلى إيران و أسس الحوزة العلميّة المباركة في مدينة قم المقدسة عاصمة العالم الإسلامي، توفي ليلة السبت 17 ذي القعدة سنة 1355 ه و دفن في رواق حرم المعصومة (عليها السلام).

انظر نقباء البشر 3: 1158، أعيان الشيعة 8: 42.

____________

(3) نهاية الدراية 2: 3 سطر 15- 18.

36

تنبيه جواب اعتذار بعض مشايخ العصر- (رحمه اللّه)-

قد اعتذر بعض محققي العصر [1]- على ما في تقريرات بحثه- عن تثليث الأقسام بما ذكره شيخنا العلّامة الأنصاري- (قدّس سرّه)-: بأن عقد البحث في الظن إنما هو لأجل [تمييز] الظنّ المعتبر الملحق بالعلم عن الظنّ الغير المعتبر الملحق بالشك، فلا بدّ أولا من تثليث الأقسام، ثمّ البحث عن حكم الظنّ من حيث الاعتبار و عدمه‏ (1) انتهى كلامه.

و مراده: أن تثليث الأقسام توطئة لبيان الحق فيها.

و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ الضرورة قاضية بأن التقسيمات التي وقعت في مجاري الأصول مع هذا التقسيم التثليثي على نهج واحد، فإن كان هذا التقسيم توطئة تكون هي كذلك، فعليه فما الباعث في تقييد مجرى الاستصحاب بكون الحالة السابقة ملحوظة إذا كان التقسيم توطئة، لا من باب بيان المختار؟

مع أنّ هذا المحقّق قال بعد أسطر من هذا الكلام: و إنّما قيدنا مجرى‏

____________

[1] هو أستاذ الفقهاء و المجتهدين الشيخ الميرزا محمد حسين بن شيخ الإسلام الميرزا عبد الرحيم النائيني ولد في نائين سنة 1277 ه و تلقى أوليات العلوم فيها، ثم هاجر إلى أصفهان و أكمل المقدمات، و بعدها رحل إلى العراق و تتلمذ على يد كبار العلماء كالسيد الفشاركي و السيد الصدر، كان صاحب مدرسة مستقلة في الأصول و تخرج على يده مجموعة كبيرة من الفقهاء، له عدة مؤلفات في الفقه و الأصول و غيرها توفي سنة 1355 ه و دفن في النجف الأشرف. انظر طبقات أعلام الشيعة 2: 593، معارف الرّجال 1: 284.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 4.

37

الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة، و لم نكتف بمجرد وجودها، فإنّ مجرد وجودها بلا لحاظها لا يكفي في كونها مجرى الاستصحاب، إذ هناك من ينكر اعتبار الاستصحاب كلية (1) إلى آخر ما ذكره.

و الشيخ- (رحمه اللّه)- أيضا قال: و ما ذكرناه هو المختار في مجاري الأصول‏ (2) فعاد الإشكال على تثليثها جذعا (3) فلتكن على ذكر.

وجه عدم جعل الحجّية للقطع‏

قوله: لعدم جعل تأليفيّ ... إلخ‏

(4)

.

(1) إنّما لا يمكن الجعل التأليفي بين الشي‏ء و لوازمه؛ لأنّ مناط الافتقار إلى الجعل هو الإمكان، و الوجوب و الامتناع مناط الاستغناء، و القطع واجب الحجّية ممتنع اللاحجّية، فليس فيه مناط الفقر و الحاجة إلى الجاعل إثباتا و نفيا.

هذا، و لكن في كون الحجية و الكشف من اللوازم التي لا يتعلق بها الجعل التأليفي كلام سيأتي- إن شاء اللَّه- في مباحث التجري التعرض له و بيان الميزان فيها (5).

و مجمل ذاك المفصل: أنّ الكشف و الطريقيّة من آثار وجود القطع،

____________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) فرائد الأصول: 2 سطر 8.

(3) جذعا: أي جديدا كما بدأ. لسان العرب 2:. 22 جذع.

(4) الكفاية 2: 8.

(5) انظر صفحة رقم: 74 و ما بعدها.

38

لا لوازم ماهيّته، و آثار الوجود مطلقا مجعولة.

نعم أصل المدّعى- و هو عدم تعلّق الجعل التشريعي به- صحيح بلا مرية؛ فإنّ الجعل التشريعي لا معنى لتعلّقه بما هو لازم وجود الشي‏ء، فلا معنى لجعل النار حارّة و الشمس مشرقة تشريعا، لا لأنّهما من لوازم ذاتهما، بل لأنّهما من لوازم وجودهما المحققين تكوينا، و القطع أيضا طريق تكوينيّ و كاشف بحسب وجوده، و لا يتعلّق الجعل التشريعي به، للزوم اللغويّة و كونه من قبيل تحصيل الحاصل.

هذا، و أمّا حديث اجتماع الضدّين اعتقادا أو حقيقة، فيمكن [دفعه‏]، فإن العلم كالشك من عوارض المعلوم بوجه، كالشك الّذي من طوارئ المشكوك، فكما أنّ المشكوك بما أنّه مشكوك موضوع يمكن تعلّق حكم مضادّ للذات به؛ بناء على صحة الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بنحو الترتب- كذلك المعلوم بما أنّه معلوم موضوع يصح تعلق حكم مناف للذات به.

نعم جعل الحكم المنافي للذات لعنوان المعلوم يوجب اللغويّة، لكن هذا أمر آخر غير الامتناع الذاتي.

إشكال على مراتب الحكم‏

قوله: مرتبة البعث ... إلخ‏

(1)

.

(1) يظهر منه- (قدّس سرّه)- على ما في تضاعيف كتبه: أن للحكم أربع‏

____________

(1) الكفاية 2: 8.

39

مراتب: الاقتضاء، و الإنشاء، و الفعليّة، و التنجز (1).

و لا يخفى أنّ المرتبة الأولى و الأخيرة لم تكونا من مراتب الحكم؛ فإنّ الاقتضاء من مقدمات الحكم لا مراتبه، و التنجّز من لوازمه لا مراتبه.

نعم مرتبة الإنشاء- بمعنى جعل الحكم القانوني بنعت العموم و الإطلاق بلا ملاحظة تخصيصاته و تقييداته و موانع إجرائه- من مراتب الحكم، كما أنّ مرتبة الفعلية- أيضا- من مراتبه.

و هاتان المرتبتان محققتان في جميع القوانين الموضوعة في السياسات المدنية، فإن المقننين ينشئون الأحكام بنعت الكليّة و القانونيّة، ثمّ تراهم باحثين في مستثنياتها و يراعون مقتضيات إجرائها، فإذا تمّ نصاب المقدمات و ارتفعت موانع الإجراء يصير الحكم فعليا واقعا بمقام الإجراء.

فتحصل: أن للحكم مرتبتين لا أربع مراتب.

____________

(1) الفوائد: 36 و 314 سطر 9- 13.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

مبحث التجرّي‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

التجري‏

قوله: الأمر الثاني ... إلخ‏

(1)

.

(1) اعلم أنّ الكلام في مسألة التجرّي طويل الذيل، بعيد الغور، دقيق المسلك، و نحن نقتصر على جانب من الكلام، و نترك في بعض مباحثه المقدمات العقلية الدقيقة، فإنّ الكافل لها علم أعلى، فهاهنا مباحث لا بدّ من البحث عنها:

المبحث الأوّل هل البحث عن التجرّي من المباحث الأصولية أم لا

قد قرّر أنّ المسائل الأصولية هي الكبريات التي وقعت في طريق استنباط الأحكام الكليّة الفرعيّة، أو ينتهى إليها في مقام العمل، بحيث تكون نسبتها

____________

(1) الكفاية 2: 10.

44

إليها كنسبة الكبريات إلى النتائج، لا كنسبة الكلّيات إلى المصاديق‏ (1).

و ليعلم أنّ موضوع النتيجة و إن كان من مصاديق موضوع الكبرى، و النتيجة من جزئيّات الكبرى، إلّا أنّ اختلاف الموضوعين عنوانا يكفي لكون أحدهما مقدّمة و الآخر نتيجة.

و بهذا يجاب عن الدور الوارد على الشكل الأوّل البديهيّ الإنتاج، فما علم في الكبرى هو حدوث كلّ متغيّر بعنوانه، و ما علم في النتيجة هو حدوث العالم بعنوانه، فالعالم- مثلا- من المصاديق العرضيّة للمتغيّر، فهو غير معلوم الحدوث بعنوانه الذاتيّ، أو بعنوان عرضيّ آخر، و معلوم الحدوث بهذا العنوان العرضي، و بعد ترتيب الصغرى و الكبرى يصير معلوم الحدوث بعنوانه الذاتيّ أو العرضيّ الآخر، فإذن الفرق بينهما باختلاف العنوان.

و أمّا الفرق بين المصاديق و الكلّيات فبالتشخّص و اللاتشخّص مع حفظ العنوان، فأفراد الإنسان هو الإنسان المتشخّص.

فإذن الفرق بين المسائل الأصوليّة و الفقهيّة- مثل «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»- هو أنّ المسائل الأصوليّة تكون في طريق الاستنباط، و لا تكون بعنوان ذاتها متعلّقا للعمل، و يستنتج منها المسائل الفرعيّة الكلّية التي تكون متعلّقا للعمل. مثلا: حجّية خبر الواحد، أو عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، و أمثالهما من المسائل الأصوليّة، هي كبريات لا تكون بنفسها متعلقا لعمل المكلف، بل يستنتج منها الوجوب و الحرمة و سائر الأحكام المتعلقة بعمل‏

____________

(1) انظر فوائد الأصول 1: 19 و ما بعدها و 4: 308.

45

المكلَّف. و نسبة حرمة الخمر في الشبهة الحكميّة- مثلًا- إلى الاستصحاب نسبة النتيجة إلى الكبرى؛ فإنّ حرمة الخمر من المصاديق العرضيّة للاستصحاب، و مصاديقه الذاتيّة التي هي جزئيّات عدم نقض اليقين بالشكّ لم تكن مطلوبة للمكلف، و لم تكن متعلقة لعمله، بل ما يستنتج من الاستصحاب هو مطلوبه. و إذا أخبر الثقة بوجوب صلاة الجمعة و حرمة شرب الخمر، فعمل المكلف على طبقه لا يقال: إنّه مشغول بالعمل بخبر الواحد، بل يقال: إنّه مشغول بوظيفته التي هي صلاة الجمعة الواجبة عليه.

نعم إنّه مشغول بالعمل بخبر الثقة أيضا، إلّا أنّه بعنوان عرضيّ غير منظور إليه.

و بعبارة أخرى: المجتهد- الّذي [هو] من آحاد المكلفين- إذا تفحص عن خبر الثقة أو الاستصحاب- سواء تفحص عن حجيتهما أو تحققهما في الموارد الخاصّة- لا يكون مطلوبه الذاتيّ خبر الثقة و الاستصحاب بعنوانهما، و لا مؤدّاهما بعنوان مؤدّاهما، بل مطلوبه مؤدّاهما بعنوان غير عنوان المؤدّى.

فوجوب صلاة الجمعة و حرمة شرب الخمر- اللذان هما المصداقان العرضيّان للمؤدى- مطلوبه، و أما إذا تفحّص عن مصاديق «ما يضمن بصحيحه» لا يكون مطلوبه البيع أو الإجارة بعنوانهما، بل يكون مطلوبه وجدان المصداق الذاتي لهذه القاعدة- أي قاعدة ما يضمن- تأمل.

فتحصل مما ذكرنا: أن مطلوب المكلّف في المسائل الأصوليّة هو نتائجها، و في القواعد الكليّة الفقهية هو مصاديقها.

46

في الإيراد على القائلين بكون التجري من المباحث الأصولية

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ مسألة التجري لم تكن من المسائل الأصولية، و لا وجه لإدراجها فيها إلا وجوه ذكرها المحققون، و الكلّ منظور فيها.

منها: ما تسالموا عليه من أنّ البحث إذا وقع في أن ارتكاب الشي‏ء المقطوع حرمته هل هو قبيح أم لا؟ يندرج في المسائل الأصوليّة التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي‏ (1).

و فيه: أنّ قبح التجري كقبح المعصية و حسن الإطاعة وقع في سلسلة المعلولات للأحكام الشرعية، فلم يكن موردا لقاعدة الملازمة على فرض تسليمها، فلو سلّمنا قبح التجري فلا يستنتج حكم شرعي البتة.

و أيضا يلزم بناء عليه أن يكون في المعصية معصيتان و في الإطاعة طاعتان:

إحداهما: المعصية و الإطاعة الآتيتان من قبل نهي المولى و أمره.

و الثانية: ما يستكشف بالملازمة لقاعدتها.

و لا وجه لتخصيص القاعدة العقلية بالتجري و الانقياد، و سيأتي فيما بعد (2) عدم الفرق بين العاصي و المتجرّي من حيث التجرّي على المولى.

____________

(1) درر الفوائد 2: 11.

(2) انظر صفحة رقم: 54 و ما بعدها و صفحة رقم: 59.

47

و بالجملة: المسألة الأصوليّة ما تقع في طريق الاستنباط، و قبح التجرّي- لو سلم لا يقع في طريقه فلا يكون منها.

و منها: ما في تقريرات بعض محققي العصر- (رحمه اللّه)-:

من أنّ البحث إذا وقع في أنّ الخطابات الشرعية تعمّ صورتي مصادفة القطع للواقع و مخالفته تكون المسألة من المباحث الأصولية (1).

و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ دعوى إطلاق الخطاب و عمومه لا يدرج المسألة في سلك المسائل الأصوليّة، فإنّها بحث صغرويّ مندرج في الفقهيات، و قد عرفت أنّ المسائل الأصولية هي الكبريات المستنتجة لكلّيات الفروع، كالبحث عن حجّية أصالة العموم و الإطلاق، لا البحث عن شمولهما لموضوع، و لو كان البحث الكذائي من المسائل الأصولية للزِم إدراج جلّ المسائل الفقهيّة في الأصول، فإنّه قلّما يتّفق في مسألة من المسائل الفقهيّة ألّا يقع البحث عن الإطلاق و العموم بالنسبة إلى بعض الموضوعات المشكوكة، و لعمري إنّ ما وقع منه لا يخلو من غرابة.

و منها: ما في التقريرات- أيضا- بما يرجع إلى الوجهين‏ (2) و قد عرفت ما فيهما.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ مسألة التجرّي لا تندرج تحت المسائل الأصوليّة، بل إمّا فقهيّة، أو كلاميّة بتقريبين.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 50 و راجع الجهة الأولى صفحة: 37.

(2) فوائد الأصول: 3: 44 و ما بعدها أي الحيثية الثانية من الجهة الثانية.

48

المبحث الثاني في عدم اختيارية الفعل المتجرّى به‏

لا إشكال في عدم صيرورة الفعل المتجرّى به حراما شرعا، و لا في عدم صيرورته قبيحا عقلا، لعدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من العنوان الواقعي بواسطة تعلّق القطع به، و القطع طريق لما يكون الشي‏ء متّصفا به بحسب نفس الأمر، و هذا واضح جدّاً لا يحتاج إلى تجشّم استدلال و إقامة برهان.

و أمّا ما أفاده المحقِّق الخراسانيّ- (قدّس سرّه)-: من أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا، فإن القاطع لا يقصده إلّا بعنوانه الاستقلاليّ، لا بعنوانه الطارئ الآلي، بل لا يكون غالبا بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه‏ (1). و زاد في تعليقته على الفرائد و في ذيل الأمر الثاني في الكفاية: بأنّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل اختياريّ أصلا؛ لأنّ ما قصده لم يقع، و ما وقع لم يقصده‏ (2).

ففيه إشكال واضح، لكن لا لما في تقريرات بعض أعاظم العصر- (قدّس سرّه)-: من أنّ الالتفات إلى العلم من أتمّ الالتفاتات، بل هو عين الالتفات، و لا يحتاج إلى التفات آخر (3) فإنّه كلام خطابيّ لا ينبغي أن يصغى إليه؛ لأنّ‏

____________

(1) الكفاية 2: 13.

(2) حاشية فرائد الأصول: 13 سطر 10- 12، و الكفاية 2: 17.

(3) فوائد الأصول 3: 45.

49

الضرورة و الوجدان شاهدان على أنّ القاطع حين قطعه يكون تمام توجّهه إلى المقطوع به، و يكون قطعه غير ملتفت إليه بالنظر الاستقلالي، و يكون النّظر إلى القطع آليّا، و إلى الواقع المقطوع به استقلاليا.

بل الإشكال فيه: أنّ العناوين المغفول عنها على قسمين:

أحدهما: ما لا يمكن الالتفات إليها و لو بالنظرة الثانية، كعنوان النسيان و التجرّي و أمثالهما.

و ثانيهما: ما يمكن الالتفات إليها كذلك، كعنوان القصد و العلم و أشباههما.

فما كان من قبيل الأوّل: لا يمكن اختصاص الخطاب به، فلا يمكن أن يقال: أيّها الناسي لكذا، أو أيّها المتجرّي في كذا افعل كذا؛ فإنّه بنفس هذا الخطاب يخرج عن العنوان، و يندرج في العنوان المضادّ له.

نعم يمكن الخطاب بالعناوين الملازمة لوجودها.

و أمّا ما كان من قبيل الثاني: فاختصاص الخطاب به ممّا لا محذور فيه أصلا، فإنّ العالم بالخمر بعد ما التفت إلى أنّ معلومه بما أنّه معلوم حكمه كذا بحسب الخطاب الشرعيّ، يتوجّه بالنظرة الثانية إلى علمه توجّها استقلاليا و ناهيك في ذلك وقوع العلم و القصد في الشرعيّات متعلقا للأحكام في مثل قوله: (كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) (1) و مثل الحكم بأنّ القاصد

____________

(1) مستدرك الوسائل 1: 164- باب 29- ح 4.

50

عشرة أيّام تكليفه التمام، مع أنّ نسبة القصد إلى المقصود كنسبة العلم إلى المعلوم.

و بالجملة: فرق واضح بين عدم إمكان الالتفات رأسا، و بين الالتفات اللئالي الّذي يمكن التوجّه إليه.

في الإشكال على بعض مشايخ العصر

نقل مقال لتوضيح حال: [ذكر] في تقريرات بعض أعاظم العصر (قدّس اللَّه سرّه)- بعد الحكم بعدم إمكان اختصاص المتجرّي بخطاب، و بعد الحكم بأن لا موجب لاختصاص الخطاب به؛ لاشتراك القبح بين المتجرّي و العاصي، بل القبح في صورة المصادفة أتمّ، فلا بدّ أن يعمّ الخطاب صورة المصادفة و المخالفة بأن يقال: لا تشرب معلوم الخمرية- ما هذا لفظه: و لكنّ الخطاب على هذا الوجه- أيضا- لا يمكن، لا لمكان أنّ العلم لا يكون ملتفتا إليه ... إلى أن قال: بل المانع من ذلك هو لزوم اجتماع المثلين في نظر العالِم دائما، و إن لم يلزم ذلك في الواقع؛ لأنّ النسبة بين حرمة الخمر الواقعي و معلوم الخمرية هي العموم من وجه، و في مادّة الاجتماع يتأكّد الحكمان كما في مثل: «أكرم العالم» و «أكرم الهاشميّ» إلّا أنّه في نظر العالم دائما يلزم اجتماع المثلين؛ لأنّ العالم لا يحتمل المخالفة، و دائما يرى مصادفة علمه للواقع، فدائما يجتمع في نظره حكمان، و لا يصلح كلّ من هذين الحكمين لأن يكون داعيا و محرّكا لإرادة العبد بحيال ذاته، و لا معنى لتشريع حكم لا يصلح الانبعاث عنه و لو في مورد، و في مثل «أكرم العالم» و «أكرم الهاشميّ» يصلح كلّ من الحكمين للباعثيّة بحيال ذاته،

51

و لو في مورد افتراق كلّ منهما عن الآخر، و في صورة الاجتماع يلزم التأكّد، فلا مانع من تشريع مثل هذين الحكمين، بخلاف المقام؛ فإنّه لو فرض أنّ للخمر حكما و لمعلوم الخمريّة حكما، فبمجرّد العلم بخمريّة شي‏ء يعلم بوجوب الاجتناب عنه الّذي فرض أنه رتب على ذات الخمر، فيكون هو المحرّك و الباعث للاجتناب، و الحكم الآخر- المترتّب على معلوم الخمريّة- لا يصلح لأن يكون باعثا، و يلزم لغويّته‏ (1) انتهى.

أقول: يظهر من مجموع كلامه- (قدّس سرّه)-: أنّ المحذور في تعلّق الأمر المولويّ بعنوان معلوم الخمريّة أمران، و إن كان المقرِّر قد خلط بينهما:

أحدهما: اجتماع المثلين دائما في نظر القاطع، و إن لم يلزم في الواقع.

و الثاني: لغويّة الأمر، لعدم صلاحيته للباعثيّة بحيال ذاته؛ لعدم افتراق العنوانين و في كليهما نظر: أمّا في الأوّل فمن وجوه:

الأوّل: أنّ تعلّق الأمرين بالخمر و بمعلوم الخمريّة لا يكون من قبيل اجتماع المثلين، لاختلاف موضوعهما، فإنّ عنوان المعلوميّة كعنوان المشكوكيّة من العناوين الطارئة المتأخّرة عن الذات، و المعلوم بما أنّه معلوم لمّا كان تمام الموضوع على الفرض، لا يكون له اجتماع رتبة مع الذات حتّى في مورد مصادفة العلم للواقع، و هذا بوجه نظير اجتماع المقولات العرضيّة مع مقولة الجوهر في الوجود مع كونهما متقابلتين.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 45- 46.

52

الثاني: أنه لو فرضنا هذا المقدار من اختلاف العنوان لا يكفي لرفع اجتماع المثلين، فلا محالة يكون في مورد التصادق من قبيل اجتماع المثلين واقعا، و لا وجه لصيرورة النتيجة في مورد التصادق تأكّد الحكمين كما في «أكرم العالم» و «أكرم الهاشميّ» فهل يكون افتراق المثلين في موضع رافعا لامتناع اجتماعهما في موضع التصادق؟! و بالجملة: حرمة الخمر و حرمة معلوم الخمريّة إمّا ممكنا الاجتماع، فلا يمتنع اجتماعهما أصلا، و إمّا غير ممكني الاجتماع، فلا يمكن اجتماعهما و لو في موضوع واحد، و هو مورد التصادق، فما معنى كونهما من اجتماع المثلين في نظر القاطع دائما، و عدم كونهما منه بحسب الواقع مطلقا حتّى في مورد التصادق؟! و هل هذا إلّا التناقض في المقال؟! الثالث: لو كان مورد التصادق من قبيل «أكرم العالم» و «أكرم الهاشميّ» و تصير النتيجة تأكّد الحكمين، فلا يكون في نظر القاطع من اجتماع المثلين أصلا بل من قبيل تأكّد الحكمين دائما، و تلازم عنوانين محرّمين لا يقتضي جمع المثلين.

فلو فرضنا كون عنواني «العالم» و «الهاشميّ» متلازمين لم يكن حكم الإكرام عليهما من قبيل اجتماع المثلين، بل يكون من تأكّد الحكمين، و ذلك واضح بأدنى تأمّل.

هذا مضافا إلى عدم [كون‏] المورد من قبيل تأكّد الحكمين، لأنّ الحكمين‏

53

الواردين على عنوانين لا معنى للتأكّد فيهما حتّى في مورد الاجتماع، و باب التأكيد فيما إذا جاء الأمر الثاني على الموضوع الأوّل لمحض التأكيد و التأييد للأوّل.

الرابع: هب أنّك دفعت امتناع اجتماع الحكمين في مورد التصادق بكونهما من قبيل تأكّد الحكمين، فما تفعل لو كان معلوم الخمريّة موضوعا واجب الإتيان بحسب الواقع؟! و هل هو إلّا من قبيل اجتماع الضدّين واقعا؟! فلا محيص عنه إلّا بما ذكرنا في الوجه الأوّل من اختلاف الموضوعين، فيندرج المورد في صغريات باب التزاحم.

أمّا وجه النّظر في الثاني من المحذورين: فلأن العبد قد لا ينبعث بأمر واحد، و ينبعث بأمرين أو أكثر، فحينئذ لو كان للموضوع عنوان وحدانيّ تتأكّد الأوامر، و لو كان له عناوين مختلفة متصادقة عليه يكون كلّ أمر بعثا إلى متعلقه و حجّة من اللَّه على العبد، و موجبا لمثوبة في صورة الإطاعة، و عقوبة في صورة المخالفة بلا تداخل و تزاحم.

فلو فرضنا كون إكرام العالم ذا مصلحة مستقلّة ملزمة، و إكرام الهاشميّ كذلك، و يكون العنوانان متلازمين في الوجود، لا يكون الأمر بكلّ من العنوانين لغوا، لصلاحيّة كلّ واحد منهما للبعث، و لا دليل على لزوم كون الأمر باعثا مستقلا غير مجتمع مع بعث آخر، و يكون بعثا بحيال ذاته، و إنّما هو دعوى بلا برهان و بنيان بلا أساس.

54

المبحث الثالث قبح التجرّي و تحقيق الحال فيه‏

الحقّ الحقيق بالتصديق هو كون المتجرّي و العاصي كليهما توأمين في جميع المراحل و المنازل من تصوّر الحرام، و التصديق بفائدته المتخيلة، و الشوق إليه، و العزم عليه، و إجماع النّفس، و تحريك الأعصاب، و هتك حرمة المولى و الجرأة عليه، و تخريب أساس المودّة، و نقض منزل [1] العبوديّة، و إنما افتراقهما في آخر المراحل و منتهى المنازل، و هو إتيان العاصي الحرام الواقعي دون المتجرّي.

فحينئذ لو قلنا بأنّ العقاب الأخروي كالحدود الشرعيّة و كالقوانين الجزائيّة العرفيّة مجعول لارتكاب العناوين المحرّمة، فلا يكون للمتجرّي هذا العقاب المجعول، كما لا تثبت عليه الحدود الشرعيّة و الجزائيّات في القوانين السياسيّة العرفيّة، كما لو قلنا بأنّ باب عقاب اللَّه في الآخرة من قبيل تجسّم صور الأعمال، فلا يكون لهذا العمل الغير المصادف صورة في البرازخ و ما فوقها.

و أما في صحّة العقوبة لهتك حرمة المولى و الجرأة عليه، فكلاهما سواء لا افتراق بينهما أصلا.

كما أنه لو قلنا بأنّ الجرأة على المولى لها صورة غيبيّة برزخيّة، و أثر

____________

[1] يحتمل كونها في المخطوط (غزل).

55

ملكوتيّ في النّفس يظهر في عالم الغيب، و يكون الإنسان مبتلى بها و محشورا معها، كما هو الحقّ الّذي لا محيص عنه، و يدلّ عليه ضرب من البرهان في محلّه‏ (1) فهما مشتركان فيها أيضا بلا تداخل للعقابين بالنسبة إلى العاصي، فإنّ موجبهما مختلف.

و توضيحه على نحو الإجمال: أنّ المقرّر في مقارّه‏ (2) عقلا و نقلا أنّ للجنّة و النار عوالم و منازل و مراتب و مراحل، و تكون تلك المراتب و المنازل على طبق مراتب النّفس و منازلها، و توجه كلّي يكون لكلّ منهما ثلاث مراتب:

الأولى: مرتبة جنّة الأعمال و جحيمها، و هي عالم صور الأعمال الصالحة و الفاسدة و الحسنة و القبيحة، و الأعمال كلّها بصورها الملكوتيّة تتجسّم في عالم الملكوت السافل، و ترى كلّ نفس عين ما عملت، كما قال عزّ اسمه:

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ (3) و قال تعالى: وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً (4) و قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏ (5).

و الثانية: جنّة الصفات و جحيمها، و هما الصور الحاصلة من الملكات‏

____________

(1) انظر الأسفار 9: 4- 5.

(2) انظر الأسفار 9: 21- 22 و 228- 231.

(3) آل عمران: 30.

(4) الكهف: 49.

(5) الزلزلة: 7- 8.

56

و الأخلاق الحسنة و الذميمة، و كما أنّ نفسيهما من مراتب الجنّة و النار تكون آثارهما و صورهما- أيضا- منهما.

و الثالثة: جنّة الذات و نارها، و هما مرتبة تبعات العقائد الحقّة و الباطلة إلى آخر مراتب جنّة اللقاء و نار الفراق.

و لكلّ من المراتب آثار خاصّة و ثواب و عقاب بلا تداخل و تزاحم أصلا.

إذا عرفت ذلك تقدر على الحكومة في مسألة التجرّي، و تعرف أنّ المتجرّي و العاصي في أي مرتبة من المراتب يشتركان، و في أيّها يفترقان و تعرف النّظر في غالب النقوض و الإبرامات التي وقعت للقوم فيها.

في نقل كلام بعض مشايخ العصر و وجوه النّظر فيه‏

نقل كلام و توضيح مرام: و لعلّك بالتأمّل فيما سلف تعرف وجوه الخلط فيما وقع لبعض مشايخ العصر- على ما في تقريرات بحثه- قال في الجهة الثالثة من مبحث التجرّي ما ملخّصه:

إنّ دعوى استحقاق المتجرّي للعقاب منوطة بدعوى أنّ العقل بمناط واحد يحكم في المتجرّي و العاصي باستحقاق العقاب، و أنّ مناط عقاب العاصي في المتجرّي موجود، و هذا لا يتمّ إلّا بأمرين:

أحدهما: دعوى أنّ العلم في المستقلات العقليّة- خصوصا في باب الطاعة و المعصية- تمام الموضوع، و لا دخل لمصادفة الواقع و عدمها أصلا؛ لأنّه أمر غير اختياريّ، و لأنّ الإرادة الواقعيّة لا أثر لها عند العقل، و لا يمكن أن تكون‏